ميراث الزوجة

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
103 /
1

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه رب العالمين وارث السماوات و الأرضين، و الصلاة و السلام على نبينا و سيدنا أبي القاسم محمد، و آله الطاهرين‌

و بعد: فإن علم الفرائض و المواريث من أهم العلوم الشرعية التى لا يقوم الاجتماع الإسلامي إلا على بحثها، و دراستها، و العمل بنظامها و قد تجلت في هذا العلم روح العدل الإسلامي، و سماحة شريعة‌

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

القرآن، و عنايتها بما لم يكن مورداً للاعتناء قبل ظهور هذا الدين الحنيف.

و قد عرف عرف بعضهم هذا العلم بأنه علم بقواعد و جزئيات يعرف بها كيفية صرف تركة الميت إلى الوارث. و موضوعه الوارث و التركة، لأنه، يبحث فيه عما يعرض التركة و الوارث.

و وجه الحاجة إليه الوصول إلى إيصال كل وارث قدر استحقاقه. و غايته الاقتدار على ذلك.

و قد اهتم المسلمون لا سيما الشيعة بهذا العلم، و تعليمه و تعلمه، و برع بينهم رجال أفذاذ في علم الفرائض.

كما قد أفرد فيه جمع كثير من الأصحاب، و المحدثين، و الفقهاء كتباً قيمة، و تكلموا في مسائله و فروعه فنقحوها تنقيحاً جيداً.

4

و ممن صنف فيه من قدماء الشيعة جمع من الشيوخ و كبار صحابة الأئمة و معاصريهم كالحسين بن سعيد الأهوازى، و عمر بن أذينة، و يونس بن عبد الرحمن و صفوان بن يحيى، و الحسن بن محبوب السراد، و الحسن بن محمد بن سماعة، و الفضل بن شاذان مؤلف كتاب الفرائض الكبير، و الفرائض الأوسط، و الفرائض الصغير، و معاوية بن حكيم، و محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي، و علي بن الحسين بن بابويه و غيرهم من علمائنا (رضوان اللّٰه عليهم) إلى هذا العصر.

فقد أدوا حق البحث و الدراسة في هذا العلم بحيث ليس مغالياً من ادعى أن جل مسائله صار عند فقهائنا من الواضحات التي لا يحتاج استنباطها‌

5

إلى إتعاب النفس و الفحص و التتبع الكثير و مع ذلك لم يبلغ البحث في بعض مسائله منتهاه، و لم يرتفع الخلاف فيه.

من الأمور المعلومة عند الباحثين في فلسفة أحكام الشريعة أن قانون التوريث الإسلامي قد منع عن تكديس الأموال في أيد قليلة، و منع عن ظهور مفاسد نظام الطبقات، و تجمع الثروة فوزعها تحت رعاية أحكام الإرث بين ورثة الميت من الذكور و الإناث، و لم يجعلها ملكاً للولد الأكبر بعكس ما قضى به قانون الإرث في بعض الدول المدعية التمدن و التقدم فجعلها للولد الأكبر و جعل الثروة مكدسة في يد واحد من الورثة.

و ضرر هذا القانون من جعل الأموال و ادخارها عن آحاد من الناس و إثارة المنافرة بين الغني و الفقير، و الوارث الذي يملك جميع التركة،

6

و الوارث المحروم، غنى عن التوضيح و البيان.

فالشريعة الإسلامية هي التي جاءت بأحكام و قواعد في الفرائض و المواريث تعالج مشاكل اقتصادية و اجتماعية. كما عالجت سائر المشكلات الاقتصادية و دفعت اسباب المنافرات بأساليبها الصحيحة الكاملة، و لكن المسلمين تركوا هذه الأساليب المحكمة الشرعية فصاروا في بلادهم أذلاء.

و قانون الإرث في الإسلام هو القانون الذي منح النساء نصيبهن من الميراث بعد ما كان العرب، و غيرهم منعوهن ذلك فكانوا يورثون الرجال دون النساء. فراجع كتب التفاسير و أسباب النزول و آيات الأحكام مثل مجمع البيان، و أسباب النزول للواحدي و كنز العرفان و ما خرجوه في شأن نزول قوله تعالى في سورة النساء لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا

7

تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ، وَ الْأَقْرَبُونَ، وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ، وَ الْأَقْرَبُونَ مِمّٰا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً.

و قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ الآية ..

حتى تعرف مبلغ رعاية الإسلام من هذه الناحية لحقوق المرأة.

و قد شهد على ذلك بعض المشاهير من علماء أوروبا في كتابه (حضارة العرب) قال: و مبادئ المواريث التي نص عليها القرآن على جانب عظيم العدل و الإنصاف ... و الشريعة الإسلامية منحت الزوجات- اللواتي يزعم أن المسلمين لا يعاشرونهن بالمعروف- حقوقاً في المواريث لا نجد مثلها في قوانيننا.

و إن كان الأولى أن يقول (منحت النساء) لأن الإسلام منح النساء من الزوجات و غيرهن حقوقاً‌

8

في المواريث، و غيرها لا يجد هذا الرجل مثلها في قوانين أهل ملته و نحلته.

و أما الاختلاف في قدر نصيب الرجل و المرأة في بعض الموارد كالبنت و الابن حيث قدر للذكر مثل حظ الأنثيين، و كالزوج و الزوجة، فليس فيه احتقار للمرأة و بخس حقها، بل إنما جعل نصيب الرجل أكثر لكثرة حوائجه الاقتصادية و نفقاته المالية و لما ألقي (عليه السلام) من النفقات كنفقة الزوجة و الأولاد، أو يلقى عليه العرف و العادة كتجهيز البنات و إعطاء صداق زوجة الولد و غيرها.

و أما المرأة فليس عليها هذه النفقات، و لا تدفع المهر عند الزواج بل تأخذه بعكس الرجل، كما يتحمل زوجها نفقتها. فحاشا الإسلام أن يدع الضعيف و يوفر نصيب القوي، أو ينظر في مثل هذه الأحكام المالية المتضمنة لحكم اقتصادية‌

9

إلى ما ليس له دخل في تشريعها.

فهذا الفرق الطفيف بينهما ليس إلا لإقامة العدل بين الذكر و الأنثى و الأخذ بأسباب الواقع و الحقيقة.

و يدفع تعليل هذه الأحكام بتفضيل الرجال على النساء إن اللّٰه تعالى ساوى بين الأبوين في الميراث فقال سبحانه في سورة النساء (الآية 11):

وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فلو كان الإسلام فضل نصيب الرجل على المرأة مطلقاً لعلة أنه الرجل، و هذه المرأة، لما ساوى بينهما في هذا المقام، و في بعض المقامات الأخر.

فهذا شاهد على أن الحكمة في امتياز الرجل على المرأة في الميراث ليس فضله عليها، و هذا التوهم إنما نشأ من عدم مراجعة نصوص الكتاب و السنة و التأمل فيها.

و الحاصل أن من سبر الشرائع و القوانين‌

10

و تواريخ الملل يجد أن أي شريعة من الشرائع و أمة من الأمم لم تنصف المرأة كما أنصفها الإسلام و شريعته السمحاء.

فالإسلام قرر حقوق المرأة، و ناصر المرأة، و كرم المرأة، و حرر المرأة، و أخذ بيدها مما كانت تتردى فيه.

فعلى الذين يهتفون في بلاد المسلمين و تعلو صيحاتهم منادين بحقوق المرأة، و يظهرون الترحم على النساء إن كانوا صادقين أن يدعوا الجميع الرجال و النساء إلى النظام الإسلامي الذي عالج مشاكل الحياة الإنسانية كلها.

و إن كانت نزعتهم في ذلك أن يتخذوا المرأة مطية لشهواتهم، و أن يروجوا الدعارة. و فوضى الأخلاق، و انحطاط الآداب و خروج النساء كاسيات عاريات يخلعن جلبات الحياء و العفة،

11

و ينزعن زي النجابة، و يسلكن مسلك المرأة الغربية، فنعوذ باللّٰه من فتنهم، و من دعاياهم الفاسدة الهدامة، التي هي من أضر ألاعيب الاستعمار على المسلمين.

هذا، و مما روعي أيضاً في أحكام الإرث الإسلامى مصلحة الوارث، فترى إذا كان دين الميت أكثر من تركته لا يتحمل الوارث الزائد كما لا ينفذ وصية المورث بحرمان الوارث من الإرث.

نعم تنفذ وصيته في ثلث ماله إذا لم تكن وصية بالحرمان، و تفصيل ذلك مذكور في الفقه.

و من ناحية أخرى يقول مؤلف كتاب (الاسلام و مبادئه الخالدة): إنك لو تأملت في حكمة الإسلام في احترام الملكية الفردية، و وضع القواعد العامة للمواريث لعرفت أن هذا من أكبر الدوافع التي تحفز‌

12

الممولين إلى قوة الاستثمار و النشاط و الانتاج، و يدعو إلى السهر على المصالح و بذل الجهود القوية في تكثير الأموال، و هو في الوقت نفسه يحمي هذه الأموال من أن تعبث بها يد السرف و التبذير فالرجل الذي يعرف أن الأموال التي بذل في جمعها صحته و عقله، ستصير بعد ذلك إلى الدولة لا ينتفع بها بنوه بطريق مباشر ليس هناك ما يحفزه إلى ادخارها و يدفعه إلى المحافظة عليها)

ففي الحديث المروي عن مولانا الرضا (عليه السلام):

و علة إعطاء النساء نصف ما يعطى الرجال من الميراث لأن المرأة إذا تزوجت أخذت و الرجل يعطى فلذلك وفر على الرجال، علة أخرى في إعطاء الذكر مثل ما يعطى الأنثى لأن الأنثى في عيال الذكر إن احتاجت و عليه أن يعولها و عليه نفقتها و ليس على المرأة أن‌

13

تعول الرجل و لا يؤخذ بنفقة إن احتاج فوفر اللّٰه تعالى على الرجال لذلك، و ذلك قول اللّٰه عز و جل: الرجال قوامون على النساء بما فضل اللّٰه بعضهم على بعض و بما انفقوا من أموالهم الحديث (عيون أخبار الرضا ج‍ 2 ص‍ 98).

و في حديث قوي السند أن الفهفكي سأل مولانا الإمام أبا محمد العسكري عليه و على ابنه الذي وعد اللّٰه به الأمم الصلاة و السلام: ما بال المرأة المسكينة تأخذ سهما واحداً و يأخذ الرجل سهمين فقال أبو محمد (عليه السلام): إن المرأة ليس عليها جهاد و لا نفقة و لا عليها معقلة إنما ذلك على الرجال فقلت في نفسى: قد كان قيل لي: إن ابن أبي العوجاء سأل أبا عبد اللّٰه ع عن هذه المسألة فأجابه بهذا الجواب فأقبل أبو‌

14

محمد ع إلي فقال: نعم هذه مسألة ابن أبي العوجاء و الجواب منا واحد إذا كان معنى المسألة واحداً الحديث (روضة المتقين ج‍ 11 ص‍ 413)

و من مسائل الإرث الخلافية إرث الزوجة، التي اختلفت فيها فتاوى الفقهاء (رضوان اللّٰه عليهم) حتى استقر رأي المشهور من متأخري المتأخرين، و المعاصرين على حرمانها من الأراضي مطلقاً. إلا أنه لما استقرب سيدنا الأستاذ المرجع الدينى الأعلى و العلامة الأكبر فقيد العلم و الإسلام الإمام البروجردي جزاه اللّٰه عن الإسلام و أهله خير الجزاء، اختصاص الحرمان بأراضى الدور و المساكن، بل أفتى به إذا لم يتصالح الورثة مع الزوجة، دخلت المسألة في دور جديد، و قامت معركة البحث فيها بين العلماء.

15

و إني و إن لم أكن أهلًا لهذا المضمار إلا أني لما رأيت رغبة بعض الفضلاء لاستنساخ ما كتبته في ذلك سالفاً، نزلت عند رغبته، و كتبت هذه الرسالة بعد مراجعة ما كتبته مختصراً في عصر سيدنا الأستاذ (قدس سره).

و اسأل اللّٰه تعالى أن يجعله في صحيفة حسناتي و يغفر لي، و لأساتذتي و لوالدي إنه غفور شكور.

24 ربيع الأول 1385 لطف اللّٰه الصافي‌

لطف اللّٰه به‌

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

[مقدار إرث الزوجة من مال الزوج عند العامة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

اعلم أنه لا خلاف بين غير الإمامية من المسلمين في أن الزوجة ترث من زوجها من جميع أمواله من أرض الدور و المساكن، و الضياع، و من الأشجار، و الأبنية و الثياب و غيرها من غير استثناء شي‌ء منها و إنما ترثه من عين ما تركه.

و حجتهم في ذلك قوله تعالى في سورة النساء:

وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ، وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ إِنْ

18

لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كٰانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ، وَ إِنْ كٰانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلٰالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كٰانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكٰاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصىٰ بِهٰا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (1)

وجه الاستدلال، و الاحتجاج بها أن الموصول موضوع لإيجاد الإشارة، و بهذا امتازت (ما) الموصولة عن الموصوفة لأن معنى (ما) الموصولة ما يعبر عنه بالفارسية ب‍ [آن چيزي] بخلاف الموصوفة فإذا كان في البين شي‌ء معهود رجعت الإشارة إليه و المشار إليه يكون ذلك الشي‌ء‌

____________

(1) النساء- 12

19

المعهود، و إلا فالموصول يشمل جميع ما يمكن أن يشار إليه لأن القول باختصاص الإشارة ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجح.

فعلى هذا يكون مفاد الآية الكريمة عموم إرث الزوجة من أعيان جميع التركة، و لا فرق في ذلك بين إرث الزوج من تركة الزوجة، و إرثها من تركته.

فكما أن الموصول في قول سبحانه: وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ استعمل في الإشارة إلى جميع تركة الزوجة كذلك استعمل في قوله تعالى قال: وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ- في الاشارة إلى جميع تركة الزوج و أمواله.

و لا ريب في صحة هذا الاستظهار مع قطع النظر عن تخصيص عموم الآية بالروايات، و إجماع أئمة أهل البيت (عليهم السلام). فأخذ الجمهور به لأنهم تركوا العمل بروايات أئمة أهل البيت،

20

و الاحتجاج بأقوالهم و فتاواهم مع أن الرجوع إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في العلوم الدينية، و المعارف الإسلامية واجب على المسلمين بمقتضى حديث الثقلين المعروف المتواتر، و غيرها من الأحاديث المعتبرة كأحاديث الأمان. و أحاديث السفينة فلا يجوز العمل بعموم الكتاب، و السنة بدون الفحص عن ما ورد في تخصيص العمومات في أحاديث الشيعة و روايات أئمتهم (عليهم السلام) (1).

و الحاصل أن فتوى العامة، و أخذهم بعموم الآية ليس لأنهم لا يخصصون عموم الكتاب بأخبار الآحاد فإن مذهبهم استقر على تخصيص الكتاب بخبر الواحد (2).

____________

(1) يراجع في ذلك كتابنا (أمان الأمة من الضلال)

(2) قال الشيخ في العدة (ص‍ 132): و أما تخصيص الكتاب بالسنة فلا خلاف فيه بين أهل العلم، و قد وقع أيضاً في مواقع كثيرة لأن اللّٰه تعالى قال: يوصيكم اللّٰه في أولادكم. و قال للرجال نصيب مما ترك الوالدان. و غير ذلك من آيات المواريث و خصصنا من ذلك القاتل و الكافر لقول النبي (صلى الله عليه و آله) لا يرث القاتل و لا يتوارث أهل ملتين و غير ذلك.

21

بل أخذوا بالعموم بدعوى عدم ثبوت المخصص عندهم على ما التزموا به من ترك التمسك بالعترة الطاهرة أعدال الكتاب (عليهم السلام) و الأعراف عن الروايات المخرجة عنهم في أصول أصحابهم و جوامع شيعتهم.

فلا يرد علينا منهم اعتراض بأنكم تركتم الأخذ بالكتاب و أخذتم بالروايات فإن ذلك جائز على مذهب الفريقين إذا كان الكتاب عاماً و الحديث خاصاً.

لا يقال لا ريب في تخصيص الكتاب بالخبر المروى عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إذا‌

22

كان متواتراً أو بمنزلته من حيث حصول القطع بصدوره و أما تخصيصه بخبر الواحد فمحل الخلاف.

فإنه يقال مضافاً إلى أنه قد ثبت في محله صحة تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر عند العقلاء إن الأخبار في المسألة و إن لم تكن متواترة لفظاً و تفصيلًا لا ريب في كونها متواترة إجمالا و معنى فيخصص بها عموم الكتاب.

مذهب الإمامية [في مقدار إرث الزوجة من مال الزوج]

و أما مذهب أصحابنا الإمامية في المسألة فلا خلاف بينهم في حرمان الزوجة في الجملة من بعض ما ترك زوجها و لم يسمع نسبة خلاف إلى أحد منهم إلا ابن الجنيد و سيأتي ما فيها.

23

و قد عد ذلك من متفردات الإمامية (1) و مستندهم في ذلك روايات كثيرة متواترة مخرجة عن طرقهم الدالة على حرمانها من بعض ما ترك زوجها المخصصة لعموم الآية.

و بعد ذلك فمن عجيب الاستظهار أن يقال: إن إطلاق كلام مثل الصدوق في المقنع و الهداية و القاضي في الجواهر و الديلمي في المراسم يؤذن بموافقتهم للإسكافي فإن إطلاق مثلهم بعد هذه النصوص التي هي في غاية الاعتبار و فوق حد التواتر الدالة على الحرمان في الجملة لم يكن إلا لإيكالهم حرمانها إلى الوضوح و الظهور فشأن هؤلاء الأجلة أرفع و أسمى من ترك هذه النصوص‌

____________

(1) قال السيد (قدس سره): و مما انفردت به الإمامية القول: بأن الزوجة لا ترث من رباع المتوفى شيئاً بل تعطى بقيمة حقها من البناء و الآلات دون قيمة العراص إلخ (ص‍ 301)

24

الدالة على إجماع أهل البيت (عليهم السلام) و خواص شيعتهم و تلامذتهم على الحرمان و كيف يستظهر ذلك من كلام الصدوق بعد اختياره الحرمان في الفقيه و أعجب من ذلك ادعاء القاضي نعمان في دعائم الإسلام إجماع الأمة و الأئمة على ما نسب إلى ابن الجنيد و تأويله الروايات بما يطول الكلام بذكره و رده لوضوح فساده ((رحمه اللّٰه تعالى)).

إن قلت: لم لا يجوز أن يكون مستند إطلاق مثل الصدوق في المقنع و الهداية و الديلمي و غيرهما معارضة الأخبار الدالة على الحرمان بأخبار ظاهرة في أنها ترث من جميع ما تركه الزوج مثل خبر عبيد بن زرارة و البقباق قالا: قلنا لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): ما تقول في رجل تزوج امرأة ثمّ مات عنها زوجها و قد فرض لها الصداق قال: لها نصف الصداق و ترثه من‌

25

كل شي‌ء و ان ماتت هى فكذلك (1).

و خبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

سألته عن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئاً؟ فقال: يرثها و ترثه من كل شي‌ء ترك و تركت (2). و إنما عملوا بهذه الأخبار لموافقتها للكتاب.

قلت: أولا يمكن أن يقال في خبر عبيد إن السائل أراد السؤال عن مقدار استحقاق الزوجة غير المدخول بها للصداق إن مات زوجها فأجاب (عليه السلام) بأن لها نصف الصداق ثمّ دفع توهم مساواة إرثها‌

____________

(1) الاستبصار ج‍ 3 ص‍ 342 ب‍ 197 ح‍ 10- 12221.

(2) الفقيه ج‍ 4، ص‍ 252، ب‍ 175، ح‍ 8- 812

26

للصداق في التنصيف و إرثه منها إن ماتت قبل الدخول فقال ترثه من كل شي‌ء و إن ماتت فهي كذلك و هذه الجملة تكفى لبيان ذلك و لم يكن الإمام (عليه السلام) بصدد بيان أكثر من ذلك و تفصيل الحكم و احتمل بعضهم أن منشأ السؤال فيه توهم الراوي أن موت زوج غير المدخول بها موجب لحرمان الزوجة من الإرث فلا ترث منه شيئاً كطلاق المريض في بعض الأحوال لا سيما مع فرض الصداق لها.

فقال (عليه السلام) لها نصف الصداق يعني لا تستحق كله- كما ربما توهم السائل- و ترثه من كل شي‌ء يعني موت الزوجة لا يكون منصفاً بل ترث من كل شي‌ء ترثه كما احتمل أن منشأ السؤال توهم الراوي أن موت الزوج يوجب تنصيف نصيبها من الإرث كما يوجب تنصيف مهرها و الجواب مسوق لدفع هذا‌

27

الوهم و إنها ترث من كل شي‌ء ترثه الزوجة المدخول بها هذا و لكن الاحتمال الأول الذي ذكرناه أظهر.

و أما خبر ابن أبي يعفور فيمكن أن يقال فيه:

إن مراد السائل أن الرجل هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً يعني من عينها أو قيمتها أو لا يرث كما لا ترث المرأة من ذلك شيئاً لا من العين و لا من القيمة فأجاب (عليه السلام) بأنه يرثها و أنها ترثه من كل شي‌ء تركه و تركت و ردّ ما في ذهن السائل من أنها محرومة من العين و القيمة و أثبت التوارث بينهما في الجملة و هذا كما ترى يصلح لأن يكون مستند السيد (قدس سره) و إن كان ظهوره فيه أيضاً محل المنع بل دعوى عدم ظهوره في نفي الحرمان مطلقاً و في ثبوت الإرث من القيمة قريب جداً اللهم إلا أن يقال: إن القدر المتيقن منه هو نفي الحرمان من القيمة و فيه:

28

أولًا: إن الأخذ بالقدر المتيقن إنما يصح إذا دار الأمر بين الأقل و الأكثر و فيما نحن فيه الأمر دائر بين المتباينين العين أو القيمة و على هذا لا يتم الاستدلال به على سبيل الجزم لمختار السيد أيضاً فتدبر.

و ثانياً: إن ظهور هذه الطائفة من الأخبار في أن المرأة ترث من جميع تركة الزوج لو ثبت ليس أقوى و أظهر من ظهور الكتاب و لا أكثر اعتباراً منه فيخصص عمومه بالأخبار الدالة على الحرمان كما خصصنا بها عموم الكتاب.

إن قلت هذا إذا لم تقع المعارضة بين هذه الأخبار الدالة على عموم إرثها من تركة الزوج و بين الطائفة الأخرى الدالة على حرمانها في الجملة و بعد المعارضة يجب علاجها بالرجوع إلى المرجحات فيرجح الطائفة الأولى بموافقة الكتاب.

قلت: إن الرجوع إلى المرجحات إنما يجوز إذا لم‌

29

يمكن التوفيق العرفي بينهما و أما إذا جمع العرف بينهما بحمل الظاهر على الأظهر أو العام على الخاص يجمع بينهما فلا يرفع اليد عن العام المبتلى بالخاص في غير مورد الخاص و يعمل بالخاص في مورده كما استقر عليه بناء العرف في محاوراته و لا ريب أن ما دل على الحرمان في الجملة خاص بالنسبة إلى ما دل على عموم إرثها من الزوج.

هذا مضافاً إلى أن الرجوع إلى ما يرجح مضمون أحد المتعارضين مثل الشهرة على القول بأنها فتوائية، و موافقة الكتاب إنما يصح إذا كان الخبر ان المتعارضان متكافئين من حيث السند وجهة الصدور و إلا يلاحظ أولا المرجحات السندية فإن كانا متكافئين بحسبها يلاحظ المرجحات الجهتية التي منها مخالفة العامة و عليها ترجح الأخبار الدالة على الحرمان على غيرها‌

30

لمخالفة الأولى للعامة و موافقة الثانية لهم.

هذا و قد حاول بعض المعاصرين الجمع بين أخبار الحرمان و خبر ابن أبي يعفور بخبر ابن أذينة الذي يأتي في البحث عن الزوجة الممنوعة بأن هذا الخبر معارض لخبر ابن أبي يعفور و أخبار الحرمان جميعاً و أخص من الجميع لأن منطوقه معارض لأخبار الحرمان و مفهومه معارض لخبر ابن أبي يعفور و إذا كان أخص من الجميع وجب الجمع بينها بحمل العام على الخاص و يتحصل منه أن الزوجة ذات الولد ترث من الرباع و غير ذات الولد لا ترث منها فيكون هذا الخبر شاهداً على أن أخبار الحرمان مختصة بغير ذات الولد و خبر ابن أبي يعفور مختص بذات الولد.

أقول رفع التعارض بين أخبار الحرمان و خبر ابن أبي يعفور بحمل العام على الخاص يمكن‌

31

بملاحظة نفس هذه الأخبار فإن خبر ابن أبي يعفور عام و أخبار الحرمان خاص و لو بنينا على صحة الاحتجاج بخبر ابن أذينة تخصص به أخبار الحرمان بذات الولد كما يخصص بمفهوم خبر ابن أذينة و منطوق أخبار الحرمان خبر ابن أبي يعفور و إلا لو لم يتم تخصيص خبر ابن أبي يعفور بمنطوق أخبار الحرمان لا يتم بمفهوم خبر ابن أذينة بطريق أولى.

هذا و قد تلخص من جميع ما ذكر أن الأخبار الدالة على العموم لا يصح أن يكون مستنداً لمن أطلق القول في المسألة كالديلمي و القاضي مع منع ظهوره في العموم و مع كون الطائفة الثانية بكثرتها و تواترها أخص من الأولى و كيف كان لا اعتناء بنقل الخلاف عن ابن الجنيد و الاستناد بظاهر إطلاق مثل الصدوق الذي صرح في الفقيه‌

32

بالحرمان و ظاهر غيره في مثل هذه المسألة التي يحصل القطع للمطلع على الأخبار بأن ذلك أي القول بالحرمان من مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

نعم إنهم اختلفوا بعد الاتفاق على ذلك في موضعين.

الأول فيما تحرم منه الزوجة.

و الثاني في الزوجة الممنوعة.

33

أقوال الفقهاء فيما يحرم منه الزوجة‌

أما الكلام في الموضع الأول [فيما تحرم منه الزوجة.]

ففيه أقوال

: أحدها حرمان الزوجة من عين الرباع خاصة لا من قيمته

، و هو مختار السيد (قدس سره) (1).

و ظاهر الصدوق (رضوان اللّٰه عليه) في الفقيه في‌

____________

(1) قال في الانتصار (ص‍ 30) و الذي يقوى في نفسي أن هذه المسألة تجري مجرى المسألة المتقدمة في تخصيص الأكبر من الذكور بالسيف و المصحف و إن الرباع و إن لم تسلم إلى الزوجات فقيمتها محسوبة إلخ.

34

باب نوادر الميراث فإنه بعد ما أخرج حديث ابن أبي يعفور قال: هذا إذا كان لها منه ولد فإذا لم يكن لها منه ولد فلا ترث من الأصول إلا قيمتها إلخ.

ثانيها حرمانها من الأرض عيناً و قيمة

خالية كانت أم مشغولة و سواء كانت من أراضي الدور و المساكن أم غيرها من الأراضي، و حرمانها من أعيان ما يكون كالأبواب و الخشب، و من عين الأبنية دون قيمة هذه المذكورات.

و هذا مختار الشيخ (1) و نسب إلى القاضي، و ابن حمزة، و الحلبي، و المحقق في الشرائع، و العلامة،

____________

(1) قال في النهاية (ص‍ 462) و المرأة لا ترث من زوجها من الأرضين و القرى و الرباع من الدور و المنازل بل يقوِّم الطوب و الخشب و غير ذلك من الآلات و تعطى حصتها منه و لا تعطى من نفس الأرض شيئاً إلخ.

35

و الفخر، و الشهيد في الدروس و اللمعة، و غيرهم، و هو المشهور بل ادعى عليه الإجماع.

و ثالثها حرمانها من أراضي الدور و المساكن خاصة عيناً و قيمة

، دون أراضي غيرها من القرى و المزارع و غيرها، و حرمانها من عين الآلات و الأبنية من الدور، و المساكن دون قيمتها و هو مختار (1) المفيد و المحقق في النافع، و هو كتابه المصنف بعد الشرائع و أبي عبد اللّٰه العجلي، و اليوسفي،

____________

(1) قال في المقنعة: و لا ترث الزوجة شيئاً مما يخلفه الزوج من الرباع و تعطى قيمة الخشب و الطوب و البناء و الآلات فيه هذا هو منصوص عليه من نبي الهدى عليه و آله الصلاة و السلام و عن الأئمة من عترته (عليهم السلام) و الرباع هو الدور و المساكن دون البساطين و الضياع.

قال في الأعلام ص‍ 20 اتفقت الامامية على أن الزوجة لا ترث من الرباع شيئاً و لكن تعطى بقيمة حقها من البناء و الطوب، و الآلات.

36

و الفاضل المقداد، و مال إليه في المجمع، و استجوده في الكفاية، و مال إليه سيدنا الأستاذ الفقيه الأكبر السيد البروجردي أعلى اللّٰه في الخلد مقامه بل كان يفتي بذلك إذا لم يتصالح ساير الورثة مع الزوجة (1).

____________

(1) لا يخفى عليك أن صاحب المستند (ره) ذكر في المسألة قولا آخر فيكون الأقوال فيها أربعة و هو حرمانها من عين الأشجار دون قيمتها مضافاً إلى حرمانها من مطلق الأرض عيناً و قيمةً و حرمانها من عين ما يكون كالأبواب، و الشباك و الطوب، و اللبن و من عين الأبنية دون القيمة، و نسبه إلى الإيضاح، و أنه نسبه إلى والده بل قال: بأنه ربما ينسب إلى أكثر المتأخرين و نسب القول بالحرمان في جميع ما ذكر دون الاشجار إلى الشيخ و القاضي و غيرهما و قال: باشتهاره عند القدماء، و زعم ان السر في عدم نقلهم ذلك الخلاف عدم كونه خلافاً يعتد به، و إلا فالظاهر تغاير القولين و نقل جعل الأقوال أربعة في مفتاح الكرامة عن المسالك فراجع.

أقول: الظاهر موافقة الشيخ (قدس سره) و غيرها في حرمانها من عين الأشجار دون قيمتها، و اقتصار البعض على الآلات، و عدم التصريح بالأشجار يمكن دون قيمتها، و اقتصار البعض على الآلات، و عدم التصريح بالأشجار يمكن أن يكون لشمول الآلات للأشجار أيضاً، و من ذكر الأشجار فلعله قصد الإيضاح.

مضافاً إلى ان هذا التفصيل أي عدم حرمانها من عين الأشجار مخالف لصريح رواية الأحول عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لا يرثن النساء من العقار شيئاً، و لهن قيمة البناء، و الشجر، و النخل، فكيف ينسب ذلك إلى مثل الشيخ اللهم إلا أن يقال: إن الشيخ لم يخرج هذا الحديث في كتابيه.

37

و ليعلم ان الخلاف في المسألة كله راجع إلى القول الثاني و الثالث، و أما قول الاسكافي بعدم الحرمان مطلقاً فلا إشكال في فساده بحسب القواعد، و ليس فيما بايدينا من الكتب كتاب استدلالي منه بل لم يكن عند العلامة (قدس سره) أيضاً على ما أفاده سيدنا الأستاذ (قدس سره) حتى يعلم منه وجه ما نسب اليه (1).

____________

(1) كتابه الاستدلالي الكبير هو كتاب (تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة) قال الشيخ: له كتب كثيرة منها كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة نحواً من عشرين مجلداً يشتمل على عدد كتب الفقه على طريقة الفقهاء و كتاب (المختصر الاحمدي للفقه المحمدي) في الفقه مجرداً و كتاب .....

و الكتاب الذي لم يكن عتد العلامة هو الكتاب الأولى و أما المختصر الأحمدي فكان عنده نقل عنه في المختلف في نفس مسألتنا هذه و غيرها و في الروضات (ص‍ 561) أن المنقول من العلامة في إيضاحه أنه قال: وجدت بخط السيد السعيد محمد بن معد ما صورته: وقع إليّ من هذا الكتاب أي كتاب (تهذيب الشيعة) مجلد واحد قد ذهب من أوله أوراق و هو كتاب النكاح فتصفحته و لمحت مضمونه فلم أر لأحد من هذه الطائفة كتاباً أجود منه و لا أبلغ و لا أحسن عبارة و لا أدق معنى و قد استوخى منه الفروع و الأصول و ذكر الخلاف في المسائل و تحرر ذلك و استدل بطريق الإمامية و طريق مخالفيهم و هذا الكتاب إذا أمعن النظر فيه و حصلت معانيه و أديم الإطالة فيه علم قدره و مرتبته و حصل منه شي‌ء كثير لا يحصل من غيره و أقول أنا: وقع إلي من مصنفات هذا الشيخ المعظم كتاب (الأحمدي في الفقه المحمدي) و هو مختصر هذا الكتاب جيد يدل على فضل هذا الرجل و كماله و بلوغه الغاية القصوى في الفقه و جودة نظره و أنا ذكرت خلافه و أقواله في كتاب مختلف الشيعة في أحكام الشريعة (انتهى).

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

و أما مختار السيد (رضوان اللّٰه عليه) فوجهه إن كان الجمع بين الكتاب و الأخبار و الأخذ بكليهما فلا شاهد لهذا الجمع، و لا يصار إليه من غير شاهد.

و إن كان وجهه أن المعتمد في الحرمان هو الإجماع و القدر المتيقن منه هو حرمانها من عين الرباع فقط فيبقى غيرها و القيمة تحت عموم الآية.

ففيه إن الإجماع قائم على حرمانها من أرض الرباع عيناً و قيمة فكيف يقال: إن القدر المتيقن منه حرمانها من عين الرباع فقط. هذا مع أن بعضهم ادعى تواتر الأخبار، و لو لم نقل به فلا ريب في استفاضتها، و عدم إمكان رفع اليد عن مثل هذه‌

40

الأخبار، و إن قلنا بعدم حجية خبر الواحد. و كيف كان يدور الأمر بين القول الثاني و الثالث.

و لا يخفى أن القول الثالث، و هو الحرمان من أراضي الدور، و المساكن خاصة عيناً و قيمة، و حرمانها من عين الآلات و الأبنية من الدور و المساكن دون قيمتها متفق عليه لأنه خاص بالنسبة إلى القول الثاني الذي هو مختار الشيخ و غيره.

فالخلاف في المسألة يرجع إلى حرمانها من أراضي غير الدور و المساكن عيناً و قيمة، و عدمه، و يتفرع على ذلك الخلاف، الخلاف في حرمانها من عين الآلات و الأبنية من غير الدور و المساكن دون قيمتها فعلى القول الثالث لا تحرم منها لا عيناً و لا قيمة، و على القول الثاني تحرم من عينها دون قيمتها.

41

فالذي ينبغي أن يكون محلا للكلام، و مورداً للنقض و الإبرام هو حرمان الزوجة من أراضي غير الدور و المساكن عيناً و قيمة و عدمه.

و لا ريب أن مقتضى القاعدة و هي عموم قوله تعالى (وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّٰا تَرَكْتُمْ ..) هو عدم الحرمان فلا يرفع اليد عنه إلا إذا ثبت المخصص و ما شك في تخصيصه يبقى على العموم فالواجب علينا مراجعة الاخبار علّنا نظفر بما يخصص عموم الكتاب.

أخبار المسألة

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أن الروايات المأثورة في مسألتنا هذه كلها مروية عن الصادقين (عليهم السلام) إلا مكاتبة محمد بن سنان فإنه كتب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) فأجابه بما رواه، و قال بعضهم (على ما أفاد سيدنا الأستاذ (قدس سره)) إن محمد بن سنان زعم أن‌

42

الرضا (عليه السلام) أجابه هكذا، و إلا رواية عبد الملك عن أبي جعفر (عليه السلام) عن كتاب علي و إملاء رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله).

و لتحقيق الحق و إيضاحه ينبغي ذكر الروايات، و النظر في مقدار دلالتها، و أنه هل يستفاد منها الحكم بالحرمان من غير أراضي الدور، و المساكن أيضاً عيناً و قيمة حتى يخصص بها عموم الكتاب أم لا.

فنقول إن الروايات الواردة في المسألة على طوائف.

منها ما لا يستفاد منه عموم

إما لأنه خاص أو لأنه ساكت عن حكم غير أراضي الدور أو مجمل كرواية علاء عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد‌

43

اللّٰه (عليه السلام): ترث المرأة الطوب، و لا ترث من الرباع (1) شيئاً قال: قلت: كيف ترث من الفرع و لا ترث من الرباع شيئاً؟ فقال: ليس لها منه نسب ترث به، و إنما هي دخيل عليهم فترث من الفرع و لا ترث من الأصل و لا يدخل عليهم داخل بسببها (2).

و هذا الحديث خاص بالرباع، و في متنه نحو اضطراب لأن الرباع الدور و المنازل بأعيانها، و المراد من الطوب إن كان طوب الدار فلا يستقيم الجمع بينه و بين قوله: و لا ترث من الرباع شيئاً، و إن كان غير طوب الدار فلا يخلو عن الدلالة على عدم إرثها من البناء أيضاً عيناً و قيمة فيجب تخصيصه بما دل على إرثها من قيمة البناء.

____________

(1) قال في القاموس: الربع الدار بعينها جمع رباع و ربوع و أربع و أرباب و المحلة و المنزل، و قال ابن الأثير: الربع المنزل و دار الإقامة.

(2) وسائل الشيعة ب‍ 6، ح‍ 2

44

و مثل خبر جميل عن زرارة، و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا ترث النساء من عقار (1) الأرض شيئاً (2) فإن قوله (عليه السلام) من عقار الأرض شيئاً مجمل لاحتمال أن يكون الإضافة بتقدير من كإضافة الخاتم إلى الفضة في قولنا هذا خاتم فضة و لاحتمال أن تكون الإضافة بتقدير في فعلى الاحتمال الأول يشمل الحكم جميع الأراضى و أما على الاحتمال الثاني فلا.

و يظهر من بعض اللغويين كالراغب في مفردات القرآن: أن العقر يقال على كل شي‌ء له أصل فالعقر‌

____________

(1) قال في الصحاح: و العقار بالفتح الأرض، و الضياع و النخل و منه قولهم ماله دار و لا عقار و يقال أيضاً في البيت عقار حسن أي متاع و أداة و قال الراغب عقر الحوض و الدار و غيرهما أصلها و يقال له: عقر و قيل: ما غزا قوم في عقر دارهم قط إلا ذلوا.

(2) الوسائل ب‍ 6 ح‍ 6

45

بمنزلة الفرع فلا يقال في الأرض الخالية عقر و لكن يقال عقر الدار، و عقر الحوض، و عقر الروضة و عقر البستان فلو كانت الإضافة بتقدير من أيضاً لا يدل الخبر إلا على أنها لا ترث من عقار الأرض أي من الأرض التي هي أصل للبناء و الشجر و غيرهما.

فعلى كلا الاحتمالين لا يدل هذا الخبر على إرثها من مطلق الأراضي لو لم نقل بدلالة مفهومه على عدم حرمانها من غير أراضي الدور و المساكن‌

و كرواية حماد عن زرارة و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: لا ترث النساء من عقار الدور شيئاً لكن يقوّم البناء و الطوب و تعطى ثمنها أو ربعها قال: و إنما ذلك لئلا يتزوجن فيفسدن على أهل‌

46

المواريث مواريثهم (1) و اختصاص دلالة هذا الحديث بحرمانها عن خصوص أراضي الدور غنى عن البيان.

و مثل حديث يزيد الصائغ قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن النساء لا يرثن من رباع الأرض شيئاً، و لكن لهن قيمة الطوب و الخشب قال: فقلت له إن الناس لا يأخذون بهذا فقال إذا وليناهم ضربناهم بالسوط فإن انتهوا، و إلا ضربناهم بالسيف عليه (2).

و عدم دلالة هذا الحديث أيضاً إلا على حرمانها من عين الرباع لا يحتاج إلى البيان بل يمكن دعوى دلالته و دلالة حديث حماد على عدم‌

____________

(1) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 7.

(2) الوسائل ب‍ 6 ح‍ 11.

47

حرمانها من غير أراضي الرباع، لأن الظاهر منهما أن الإمام كان في مقام بيان جميع ما يحرم منه الزوجة، و لم يذكر غير عقار الدور، و رباع لأرض شيئاً، و إن لها قيمة الطوب و البناء، و الخشب فيفهم من ذلك قصر الحرمان على أراضى الدور، و المساكن.

و أما حديث يزيد الصائغ عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن النساء هل يرثن من الأرض فقال:

لا و لكن يرثن قيمة البناء قال: قلت: إن الناس لا يرضون بذا قال: إذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط فإن لم يستقيموا ضربناهم بالسيف (1).

فالظاهر أنه و حديثه السابق واحد و سقط منه كلمة (رباع) و قد وقع هو أو بعض الرواة في الاشتباه‌

____________

(1) الوسائل ب‍ 6 ح‍ 8 من ابواب ميراث الأزواج

48

في الإمام الذي رفع السند إليه و نظائره ليس بنادر في كتب الحديث مضافاً إلى إمكان أن يكون الألف و اللام في الأرض للعهد بدليل قوله: و لكن يرثن قيمة البناء.

و مثل خبر حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: إنما جعل للمرأة قيمة الخشب، و الطوب لئلا يتزوجن فيدخل عليهم يعنى أهل المواريث من يفسد مواريثهم (1).

و هذا الخبر و إن كان لا يخلو عن الدلالة على حرمانها في الجملة إلا أنه لا يدل على حرمانها من أراضي غير الدور، و المساكن و القدر المتيقن منه هو الحرمان من أراضي الدور و المساكن هذا.

و يحتمل قوياً اتحاد خبر حماد هذا مع حديثه‌

____________

(1) ب‍ 6، ح‍ 9 الوسائل

49

إلا خبر عن زرارة و محمد بن مسلم و إنما ترك ذكر اسم زرارة، و محمد بن مسلم في هذا الحديث من جهة قطعه بقول الإمام (عليه السلام) فيكون هذا كسابقه مما دل على حرمانها من خصوص أراضى الدور.

و يمكن أن يكون من هذه الطائفة حديث ميسر بياع الزطي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قال:

سألته عن النساء ما لهن من الميراث؟ قال لهن قيمة الطوب، و البناء. و الخشب و القصب فأما الأرض و العقارات فلا ميراث لهن فيه قال: قلت فالبنات (فالثياب خ ل) قال: البنات (الثياب-/ خ ل) لهن نصيبهن منه قال قلت: كيف صار ذا، و لهذه الثمن و لهذه الربع مسمى؟ قال: لأن المرأة ليس لها نسب ترث به، و إنما هي دخيل عليهم إنما صار هذا كذا لئلا تتزوج المرأة فيجي‌ء زوجها أو ولدها من قوم‌

50

آخرين فيزاحم قوماً آخرين في عقارهم (1).

فإنه يمكن دعوى إجماله لاحتمال أن يكون الألف و اللام في الأرض، و العقارات للعهد، و هذا احتمال ليس ببعيد لا سيما بعد ما نرى من ذكر خصوص عقار الدور، و أرضها في بعض الروايات، و قد مر أن العقار على ما يستفاد من كلام بعض أهل اللغة يطلق على كل شي‌ء له أصل فلا يشمل الأرض الخالية عن البناء و الشجر، و نحوهما.

و لو سلمنا ظهوره في العموم، و شموله لجميع الأراضي فبالمفهوم الذي استظهرناه من رواية يزيد الصائغ عن أبي جعفر (عليه السلام) و رواية زرارة و محمد بن مسلم نخصص عمومه في أراضي غير الدور و المساكن.

____________

(1) الوسائل ب‍ 6، ح‍ 3.