فقه الشيعة - كتاب الإجارة

- السيد محمد مهدي الخلخالي المزيد...
1144 /
3

[التبرك]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

4

فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ القرآن الكريم‌

5

فصول هذا الكتاب

1- فصل فى أركان الإجارة 13 مسألة‌

2- فصل في أحكام عقد الإجارة 12 مسألة‌

3- فصل فى أحكام العوضين 19 مسألة‌

4- فصل الضمان فى الإجارة 16 مسألة‌

5- فصل فى كفاية ملكية المنفعة 12 مسألة‌

فى صحة الإجارة (الإجارة الثانية)

6- فصل في مسائل متفرقة 26 مسألة‌

7- فصل فى التنازع 14 مسألة‌

8- خاتمة فيها مسائل 21 مسألة‌

9- تتمة فى السرقفليّة‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كلمة المؤلف

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطّيبين الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم اجمعين‌

أما بعد فلا يخفى علينا أن الإنسان لما كان مدنىّ بالطبع و اجتماعى بالفطرة احتاج في إدارة حياته الى ايجاد الألفة و الأنس بالآخرين، كما احتاج الى تشريع عقود و عهود معاوضية مع أبناء نوعه تدعيما لحياته الاقتصاديّة و استمرارا لإعاشته اليومية، لعدم تمكن الفرد من القيام بكل ما يحتاج إليه في حياته و معاشه و قد جرى على ذلك العصور السالفة و استمرت عليه السيرة العقلائية، و ان اختلفوا في نوعية تلك المعاوضات و اشكالها من حيث الملكية الخاصة الرأسمالية، او العامة الاشتراكية، كما يشهد به كتب التاريخ المدونة في هذا المجال.

و أما الإسلام فقد أقرّهم على ذلك لكن بشروط و قيود، و أمضى جملة من تلك العقود مع تحديدات خاصة تمنع من الإفراط و التفريط و الغرر و الضرر، و أصلح ما ينافي العدالة الاقتصادية و الاجتماعية من تلك العقود، كما انه حذف بعضها.

8

فاحل اللّه البيع في مقابل الرّبا قائلا في كتابه العزيز‌

أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا (1)

و احل الدّين بشروط قائلا‌

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... (2)

فامر بكتابة الدين، لانها أقرب الى القسط، و أقوم للشهادة، و أمنع من الشك و الريبة.

و أما اذا كانت التجارة حاضرة اى نقدا بنقد فلا حاجة الى الكتابة للغنى عنها حينئذ.

قال عز من قائل:

إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً حٰاضِرَةً تُدِيرُونَهٰا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَلّٰا تَكْتُبُوهٰا (3)

كما أنه أمر باخذ الرّهانة على الدين اذا لم يكن هناك كاتب يكتب بالعدل حيث قال تعالى:

وَ إِنْ كُنْتُمْ عَلىٰ سَفَرٍ وَ لَمْ تَجِدُوا كٰاتِباً فَرِهٰانٌ مَقْبُوضَةٌ (4)

و هذه كلها تشريعات و لو إمضائية في المعاوضات العقدية، الكتابة في الدين ان امكن، و إلا فأخذ الرّهانة، و عدم الحاجة الى شي‌ء من الأمرين اذا كانت التجارة نقدا بنقد و رغّب في القرض الحسنة قائلا‌

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ أَضْعٰافاً كَثِيرَةً (5)

____________

(1) البقرة: 275.

(2) البقرة: 282.

(3) البقرة: 283.

(4) البقرة: 283.

(5) البقرة: 245.

9

بناء على شموله لقرض بعضهم لبعض قربة الى اللّه تعالى، فيدل على تشريعه و لو الإمضائى.

و أمضى مطلق التجارات مقيدا بالرضا، و قال تعالى‌

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ ... (1)

ثم أمر تبارك و تعالى بالوفاء بمطلق العقود قائلا‌

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... (2)

فان العقد و التجارة يشملان مطلق المعاوضات المالية.

نعم: هناك بيانات توضيحيّة و قيود و شروط للعقود و التجارات ذكرت فى الشرع التفصيلى على لسان النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الائمة المعصومين (عليهم السلام) و قد دوّنت في محلّها من الكتب الفقهية.

و من تلك العقود عقد الإجارة، فانها من العقود المعاوضية التى احتاج الناس إليها تلبية لضروراتهم الحياتية كاستيجار الدور للسكن، و المحلّات للتجارة، و الأراضى للغرس و الزراعة، و الوسائل الناقلة كالدّواب، و السيارات و نحوها للركوب و الحمل، و الآلات الصناعية لاستعمالها في المصانع المختلفة الى غير ذلك، مما لا تحصى، كل هذا على نحو المعاوضة بالأجرة مع صاحب تلك الأموال.

و احتاجوا أيضا الى استخدام أصحاب الأعمال و الحرف و الصناعات لاستيفاء خدماتهم و استخدموا البنائين و العمال لبناء المساكن و تشييد المصانع و الفنادق و المدارس و المحلات و غير ذلك و استخدموا، الخياط لخياطة ملابسهم، و الطبيب لمعالجة مرضاهم و نحو ذلك، من أصحاب‌

____________

(1) النساء: 29.

(2) المائدة: 1.

10

الخدمات الاجتماعية المتنوعة بكثرة بالغة ترتبط بحياتهم اليومية و معايشهم الدّارجة‌

و من المعلوم انه لا يعمل أصحاب الحرف الا باجرة معاوضيّة، و الا لامتنعوا من العمل، و اختل النظم، فان استيفاء عمل الغير مجانا و بلا عوض أمر غير ممكن‌

و من هنا قامت السيرة العقلائية من قديم الزمن على أمرين‌

(أحدهما) استيجار الأعيان الخارجية لاستيفاء منافعها باجرة معيّنة‌

(الثانى) استخدام ارباب الأعمال و الحرف و الصناعات باجرة كذلك انتفاعا بحرفهم و صنائعهم، فحصل نوعان من الإجارة (اجارة الأعيان و الإجارة على الأعمال) كل هذا بعوض مرضى للطرفين قضاء للعدالة الاقتصادية و دفعا لحاجاتهم الضرورية المتقابلة، فأن المستأجر يحتاج الى عمل الأجير و الأجير بحاجة الى الأجرة.

و تدل على مشروعية عقد الإجارة في الإسلام- مضافا الى السيرة، و الإجماع، و السنة- الكتاب العزيز في ضمن آيات كريمة، و هى‌

1- يقول عز من قائل في استخدام بعضهم لبعض‌

أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّٰا يَجْمَعُونَ (1)

فانها تدل على مشروعيّة تسخير بعضهم لبعض في الخدمات الاجتماعيّة او الفردية على أساس القدرات المتقابلة، الأجير على العمل، و المستأجر على دفع البدل (الأجرة) فان رفعة كل بحسبه‌

2- و يقول عز من قائل في استيجار المرضعة‌

____________

(1) الزخرف: 32.

11

وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلٰادَكُمْ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِذٰا سَلَّمْتُمْ مٰا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (1)

و هذه الآية الكريمة خطاب للآباء اذا ارادوا استرضاع أولادهم بمراضيع غير الوالدات، فليس عليهم جناح و منع عن ذلك اذا سلّموا إلى المرضعات ما ارادوا إتيانه لهن من الأجرة بالجميل و طيب النفس (المعروف)

3- و يقول عز و جل فى استيجار شعيب لموسى (عليهما السلام) قبل بعثته لرعاية أغنامه‌

قٰالَتْ إِحْدٰاهُمٰا يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قٰالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ مٰا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ مِنَ الصّٰالِحِينَ (2)

و هذه الآية تدل- مضافا الى مشروعيّة أصل الاستيجار- على انه ينبغى أن يكون الأجير قويّا و قادرا على عمله و أمينا فى أدائه، كما كان موسى (عليه السلام) حيث استأجره شعيب النبي (عليه السلام) لرعاية أغنامه لمدة ثمانية أو عشرة سنين‌

و من هنا تصدى الفقهاء العظام فى كتبهم الفقهية للبحث حول هذه المعاوضة العقدية، و بيّنوا مسائلها، و فرعوا فروعا تغنى الناظر اذا اراد ان يعلم أحكام هذا العقد الّذي تشمله الآية المباركة، قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3) فانه من العقود المتعارفة المتداولة فى جميع الأعصار، منها عصر النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثم الأئمة الأطهار المعصومين (عليهم السلام)

و من جملة الفقهاء العظام الذين تصدوا للبحث حول هذا العقد العلامة‌

____________

(1) البقرة: 233.

(2) القصص: 26 و 27.

(3) المائدة: 1.

12

الكبير سيد الفقهاء السيد كاظم اليزدى (قدّس سرّه) فى كتابه القيم (العروة الوثقى) و قد أصبح مدارا لدراسة الفقهاء العظام من بعده، و محطّا لأنظارهم حيث انهم علّقوا تعاليق قيمة عليه اهتماما بشأن هذا الكتاب‌

و قد اقتفيت إثر هؤلاء الكرام الذين منهم سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) فى تبيين مسائل هذا السفر المبارك شارحا لها حين القاء البحث على جمع من الفضلاء العظام فى بلدة طهران مستمدا التوفيق من اللّه العزيز الحكيم و ممتثلا لقوله تعالى فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ و اسأله تعالى ان يجعله ذخرا ليوم فقرى و فاقتى يوم لا ينفع مال و لا بنون الا من أتى اللّه بقلب سليم، و الحمد للّه رب العالمين.

السيد محمّد مهدى الموسوى الخلخالي 1380 ه‍ ش.- 1422 ه‍ ق.

13

تعريف الإجارة و أركانها

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

كتاب الإجارة و هى تمليك عمل او منفعة بعوض (1) و يمكن ان يقال: ان حقيقتها التسليط على عين للانتفاع بها بعوض

____________

الإجارة فى اللغة و الشرع‌

(1)

يقع الكلام فى تعريف الإجارة تارة فى معناها اللغوى، و اخرى فى معناها الشرعي (1) و ثالثة فى المعنى المصطلح عند المتشرعة اى الفقهاء تحديدا لموضوع الاحكام المترتبة عليها، و هو العمدة فى محل البحث‌

أما الاول- الإجارة فى اللغة‌

فقال فى المسالك (2) «الإجارة من الألفاظ المنقولة شرعا عن موضوعها لغة، لانّها فى الشرع عبارة عن «تمليك المنفعة خاصة بعوض لازم لماهيتها» او «العقد المفيد لذلك» و هى فى اللغة اسم للأجرة، و هى كراء الأجير لا مصدر «آجر» يؤجر» فان مصدره الايجار، بخلاف باقى العقود فانه يعبّر عنه بمصدر الفعل او باسم المصدر، فلا يتغيّر عن موضوعها الا‌

____________

(1) اى ما نجده فى لسان القرآن و الأخبار

(2) مفتاح الكرامة ج 10 ص 3 ط بيروت و المسالك ج 5: 171.

16

..........

____________

بشروط زائدة و تغيير سهل»‌

أقول ما أفاده (قدّس سرّه) فى معنى «الإجارة» لغة و انها بمعنى «الأجرة» هو المحكى عن اكثر اهل اللغة (1) الا ان المحكى عن بعضهم استعمالها لغة فى المصدر إما من باب الثلاثى المجرد «أجر» او المزيد من باب «آجر» و كيف كان فالأمر سهل و لا يهمنا التعرض لمعناها اللغوى أكثر من هذا.

و أما فى لسان الشرع فقد جاء فى الكتاب العزيز فى استيجار الشعيب النبي لموسى (عليهما السلام) قوله تعالى:

«قٰالَتْ إِحْدٰاهُمٰا يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قٰالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ مٰا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ مِنَ الصّٰالِحِينَ ...» (2)

و قد ورد فى كثير من الروايات لفظ الإجارة فى معناها المصدرى (3)

____________

(1) الإجارة لغة:

1- الإجارة لغة إما بمعنى الأجرة و كرى الأجير- كما عن اكثر أهل اللغة- فهى اسم للمال المأخوذ أجرة

2- او بمعنى المصدر لأجر الثلاثى- كما عن نجم الائمة- فله مصدران الأجر و الإجارة، كالكتب و الكتابة مصدران لكتب.

3- او بمعنى المصدر لآجر من باب الإفعال- كما عن الصحاح- و استعمل فى المصدر فى رواية تحف العقول حيث قال (عليه السلام) «و أما تفسير الاجارات فاجارة الانسان نفسه أو ما يملك ...»

و يستعمل فى كلمات الفقهاء كثيرا فى المصدر حيث انهم يعدونها من العقود فى باب المعاملات كما انه تستعمل أيضا فى الأجرة فيقال اعطاه إجارته و فى المنجد: «الإجارة و الأجرة جمعها أجر: كراء الأجير، الأجير جمعه أجراء» و قال أيضا «آجره الدار ايجارا او من فلان: اكراه اياها فهو مؤجر و لا يقال مؤاجر»

و قد يقال انها بمعنى المؤاجرة من باب المفاعلة.

(2) القصص- 26- 27.

(3) راجع معجم الوسائل ج 1 ص 74 لفظ «الإجارة».

17

..........

____________

منها رواية تحف العقول حيث قال «و أما تفسير الإجارات فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك ...» (1).

و أما مفهوم الإجارة عند المتشرّعة- الّذي هو العمدة فى المقام لتوقف معرفة الأحكام عليها:

فنقول: فقد عرفها الفقهاء بتعاريف متعددة و أوردوا على كل منها ايرادات طردا و عكسا حيث انهم لم يتمكّنوا من الوقوف على تفسيرها كما ينبغى (2).

و لا يخفى: أن من الواضح جدّا ان الإجارة بمفهومها الإجمالى الارتكازي معلوم لكل أحد حتى الصبيان المميزين سواء المسلمين أم غيرهم، كما هو الحال فى ساير المعاملات العرفية، كالبيع و الهبة و الرهن و الصلح و نحو ذلك، لانها معاملات جرت عليها السيرة البشرية من قديم الزمان، و انما نشأ الإشكال من التدقيق فى تبيين تلك المفاهيم العرفية المعلومة بالإجمال، و هذا كما فى المعانى الحرفية التى وقع الخلاف العظيم فى تحديد مفهومها مع ان اهل اللسان يستعملونها فى مواردها كالاسماء و الأفعال من دون اى توقف و ترديد.

و كيف كان فنحن نخوض فى هذه المعركة كما خاضوا و نقول ان للإجارة اطلاقين فى كلماتهم:

(أحدهما) العقد المركب من الإيجاب و القبول سواء أ كان لفظيا أم بالمعاطات كغيرها من العقود مثل البيع و النكاح و الهبة و غيرها كما يقال كتاب البيع، كتاب الإجارة، و لا يبعد ان يكون من هذا الباب قوله تعالى‌

____________

(1) تحف العقول: 331، و فى الوسائل ج 17: 85- الباب 2 فى ابواب ما يكتب به ح 1.

(2) راجع مفتاح الكرامة ج 10 كتاب الإجارة ص 4- 6

18

..........

____________

«أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» اى معاملة البيع القائم بالطرفين و هكذا قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «النكاح سنتى» و امثال ذلك‌

(ثانيهما) فعل المؤجر اى الإيجاب فقط كما جاء فى تعريف المتن و غيره اذ الأساس فى معرفة المعاملات انما هى معرفة الإيجاب فانه لا أثر للقبول الا مطاوعة الايجاب، و لا يزيد شيئا فى مفهوم المعاملة سواء الإجارة أم غيرها من المعاملات- كما هو واضح- و كيف كان فقد عرفها فى المتن أولا بانها «تمليك عمل أو منفعة بعوض»‌

و بيان هذا التعريف: ان المالك للعين يملك العين كما انه يملك منافعها فهناك ملكيتان مستقلّتان عرضيتان، و ان كانت احداهما مسببة عن الاخرى، و تابعة لها، و من هنا لا كلام فى ضمان المنافع المستوفاة و ان كان هناك كلام فى المنافع غير المستوفاة فلو غصب دارا فسكنها او غصب دابة فركبها يجب عليه رد العوض و أجرة ما استوفاه، كما يجب عليه ردّ العين.

ثم اذا اراد المالك ان ينقل الملكية الى آخر قد ينقلهما معا كما فى البيع و قد ينتقلان قهرا كما فى الارث، و قد ينقل احداهما دون الاخرى، فينقل العين دون المنفعة، كما اذا باعها مسلوبة المنفعة، و اخرى يراد نقل المنفعة دون العين، و هذا هو الإجارة الدارجة بين الناس من دون اى تأمل منهم فى ذلك و قد جرت عليها سيرة المسلمين و غيرهم الا انه مع ذلك قد اشكل عليه بوجوه:

(احدها): ان الإجارة تتعلق بالأعيان لا بالمنافع، فليست تمليكا للمنفعة (1).

____________

(1) كما عن المحقق الخراسانى (قدّس سرّه)- بنقل المحقق الاصفهانى فى كتاب الإجارة ص 13

19

..........

____________

(ثانيها): ان المنفعة لا تقبل المملوكية رأسا (1).

(ثالثها): ان الإجارة قد لا تؤدى الى تمليك المنفعة (2).

(أما الإشكال الاول)

فبيانه ان الإجارة تتعلق بالعين فتقول «آجرتك الدار» و لا تقول «آجرتك منفعة الدار» فيعلم من ذلك انه لا تعلق لها بالمنفعة او العمل كما لو قال «آجرتك نفسى» و لا يصح ان يقول «آجرتك عملى» مع ان مقتضى التعريف المذكور صحة تعلق الإجارة بالمنفعة او العمل مستقيما مع انه لا يصح تعلقها الا بالعين نعم اثرها ملكية المنفعة او العمل فليست هى تمليك المنفعة، بل هى مسبب عنها و بعبارة اخرى: ان البيع و الإجارة يشتر كان فى تعلقهما بالعين فتقول «بعتك الدار» و تقول «آجرتك الدار» الا انهما يفترقان فى ان اثر البيع ملكية العين للمشترى و اثر الإجارة ملكية المنفعة للمستأجر فيتعلق الإجارة بالعين ذى المنفعة و اثرها ملكية المنفعة دون العين.

و بعبارة اوضح: ان الإجارة تمتاز عن اكثر العقود، كالبيع و الصلح و الهبة و الرهن، و النكاح و غيرها فان هذه المفاهيم قائمة بموضوعاتها و تقتضى التصرف فيها، بخلاف الإجارة فانها قائمة بالعين ذى المنفعة و لكن، تقتضى التصرف فى المنفعة لا فى العين و حينئذ لو قلنا بحصول تمليك المنفعة فى الإجارة فليس هو عين الإجارة، بل مسبب عنها و أثرها فحقيقة الإجارة شي‌ء آخر و حيث استقرّ هذا الاشكال عند بعض الأعاظم عدلوا عن هذا التعريف الى تعاريف أخرى.

____________

(1) كما عن بعض اهل التدقيق و تبعه بعض الأجلة نفس المصدر ص 14 و الظاهران المراد من الاول الشيخ المحقق الطهرانى و من الثانى الشيخ المحقق الرشتى.

(2) السيد الحكيم (قدّس سرّه) فى المستمسك ج 12 ص 4.

20

..........

____________

(منها): انها عبارة عن «جعل العين بالأجرة» كما عن المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) (1).

(و منها): انها «تمليك العين فى جهة خاصّة فى مدّة مخصوصة» فى قبال البيع الّذي هو تمليك العين من جميع الجهات من دون تقييدها بجهة و لا مدة». نسب ذلك الى بعض اهل التدقيق و تبعه بعض الأجلة (2).

(و منها): انها عبارة عن «التسليط على العين للانتفاع بها بعوض» كما جاء فى المتن أيضا.

(و منها): انها «جعل العين فى الكراء» كما جاء فى تعبير المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) فى كتاب الإجارة (3).

(و منها): انها «جعل العين موضوعا للأجر بنحو يقتضي تمليك المنفعة»- كما فى المستمسك ج 12 ص 4.

(و منها): ما فى الجواهر (4) من انها عبارة عن «ما شرعت لنقل المنفعة بعوض من آخر و لو حكما» اى عند العرف و أمضاه الشارع‌

(و منها): «أنها بمعناها الاسمي اضافة خاصّة يعتبرها العقلاء فى العين المستأجرة بالنسبة الى المستأجر مستتبعة لملكه، او استحقاقه لمنفعتها او عملها و لتسلطه عليها بتلك الجهة و لذلك لا تستعمل الا متعلقة بالعين» كذا فى تعليقة السيد البروجردي (قدّس سرّه) على المتن.

و قد تصدى سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) على ما فى تقريرات بحثه (5) لدفع هذا‌

____________

(1) كتاب الإجارة ص 13 للمحقق الاصفهانى (قدّس سرّه).

(2) كما جاء فى تعبيرات المحقق الاصفهانى (قدّس سرّه) كتاب الإجارة ص 14.

(3) ص 16

(4) ج 27 ص 204

(5) مستند العروة كتاب الإجارة ص 5.

21

..........

____________

الاشكال قائلا: «و اظن ان هذا الاشكال ضعيف غاية الضعف بداهة ان تمليك المنفعة لا بد و أن يتعلق بالعين، فانا لا ندّعى ان مفهوم الإجارة هو التمليك المطلق، بل حصة خاصة منه، و هى المتعلقة بالمنفعة، فالتقييد بها مأخوذ فى مدلول الإجارة و مشروب فى مفهومها، و ما هذا شأنه لا مناص من تعلقه بالعين، و لا معنى لتعلقه بالمنفعة و الا لرجع الى قولنا ان الإجارة هى تمليك منفعة المنفعة و لا محصّل له، فالتمليك المتعلق بالمنفعة متعلق بالعين بطبيعة الحال، فيقال: آجرتك الدار، لا منفعة الدار، و على الجملة: فالتمليك و ان كان متعلقا بالمنفعة الا ان تمليك المنفعة متعلق بالعين بالضرورة، فان قولك آجرتك الدار بمنزلة قولك ملكتك منفعة الدار التى لا بد من تعلقها بالعين، فلا ينافى ذلك كون الإجارة بمعنى تمليك المنفعة كما هو اوضح من ان يخفى».

أقول: لم اتحصل مراده (قدّس سرّه) لأن الاشكال انما هو فى مفهوم الإجارة المتعلقة بالعين و لا كلام فى ان اثرها ملكية المنفعة، و انما السؤال يتمركز فى مفهوم قول القائل «آجرتك الدار» فأي معنى يقصده القائل من الإجارة المتعلقة بالدار حتى يترتب عليه ملكية المنفعة للمستأجر، فان كان مراده تمليك المنفعة المتعلقة بالعين عاد المحذور، اى لصح ان يقول آجرتك منفعة الدار، اى ملكتك اياها.

و لعلّه يؤيد ما ذكرناه انه لو ترتب أحكام على الإجارة كما اذا قال يحرم اجارة الدكان لبيع الخمر مثلا امكن التخلص من الحرمة بان يقول له ملكتك منفعة الدكان بكذا و لم يقل آجرتك الدكان لتغاير المفهومين اى مفهوم الإجارة و مفهوم تمليك المنفعة رأسا، و هذا مما يكشف عن ان مفهوم الإجارة ليس تمليك المنفعة بل لها مفهوم آخر يستلزم ذلك فالايراد باق‌

22

..........

____________

على حاله.

و يمكن ان يقال فى الجواب ان الملكية وجودها فى نفسها عين وجودها لغيرها كالأعراض المتأصلة فان وجودها لنفسها عين وجودها لغيرها كالبياض و السواد.

فان الملكية و ان كانت من الأمور الاعتبارية لا الاعراض المتأصّلة الا انها تكون مثلها من هذه الجهة فانها وجود اعتبارى للملكية الحقيقة التى هى من الأعراض المتأصلة المعبر عنها بالجدة و عليه قد تلحظ ملكية المنفعة باعتبار وجودها فى نفسها و هذا فى مثل قولك ملكتك منفعة الدار فان الملحوظ حينئذ الملكية بوجودها النفسى، و قد تلحظ باعتبار قيامها بالغير و وجودها له، و الكلام فى نفس المنفعة كسكنى الدار و ركوب الدابة فانها قد تلحظ استقلالا و اخرى باعتبار قيامها بالعين و عليه لا مانع من الالتزام بان الإجارة تتعلق بالعين بلحاظ قيام المنفعة المملوكة لها فى لحاظ وجودها للعين لا مستقلا و نفس العين التى تكون مورد الإجارة تلحظ استقلالا و النتيجة ان الإجارة تتعلق بالعين و تفيد ملكية المنافع للمستأجر، و بذلك يتحقق التغاير بين مفهومها مع مفهوم قولك آجرتك منفعة الدار او ملكتك منفعة الدار، فان المنفعة حينئذ تلحظ بوجودها فى نفسها لا لغيرها هذا غاية ما يمكن توجيه التعريف المذكور به و ان استوضحه سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) قائلا انه الموافق للمرتكز العرفى (1) فتأمل. هذا تمام الكلام فى الاشكال الاول و جوابه ان تم.

(الإشكال الثانى): هو ان المنفعة بما هى لا تقبل المملوكية

و ذلك لامرين‌

(الاول): ان المنفعة معدومة حال الإجارة و المعدوم لا يملك.

____________

(1) مستند العروة كتاب الإجارة ص 14

23

..........

____________

و اجيب (1) بان الملكية الشرعية ليست من المقولات الواقعية حتى تتوقف العرض منها على موضوع محقق فى الخارج، بل من الاعتباريات بمعنى اعتبار معنى مقولى، فان المعنى المقولى يمكن ايجاده بوجوده الاعتباري فى قبال وجوده الحقيقى المتوقف على موضوع محقق فى الخارج، و اعتبار الملكية لا يحتاج الا الى طرف فى افق الاعتبار، و من هنا كما يمكن ان يكون الطرف عينا موجودة فى الخارج كبيع الدار كذلك يمكن ان يكون كليا فى الذمة حيث انه ليس موجودا فى الخارج و انما يعتبره العقلاء، بل ربما يكون أوسع من ذلك هذا من جهة البيع و قد يكون كليا فى طرف المالك كعنوان الفقير و السيد فى مالكية الزكاة و الخمس فالكلى فى الذمة مبيع مملوك كما ان كلى الفقير بعنوانه يمكن ان يكون مالكا و هذا كله اعتبارات عرفية فى طرف المملوك و المالك يعتبرها العقلاء تمشية للمصالح الاجتماعية، فلتكن المنفعة من هذا القبيل، اى تكون مملوكة فى عالم الاعتبار فهى و ان كانت معدومة فى الخارج كالكلى فى الذمة لكنها مقدّرة الوجود بتبع وجود العين القابلة لاستيفاء المنافع منها.

(الوجه الثانى) فى المنع: ان المنفعة كسكنى الدار عرض قائم بالساكن فيها، و هو المستأجر، لا من أعراض الدار، و عرض الساكن لو كان مملوكا لكان مملوكا لموضوعه، و هو المستأجر، لا لغيره اى مالك الدار، فمتى لم يملكه المؤجر فكيف يملّكه للمستأجر، و قد نسب هذا الاشكال الى بعض اهل التدقيق و تبعه بعض الأجلة كما جاء فى تعبير المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) فى كتاب الإجارة (2).

____________

(1) اجاب عن هذا الاشكال المحقق الاصفهانى (قدّس سرّه) فى كتاب الإجارة ص 14.

(2) ص 4 و جاء فى تقرير بحث سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) أيضا مستند العروة كتاب الإجارة ص 11.

24

..........

____________

و أجيب (1) أولا: بان سكنى الدار كما هو مبدأ لعنوان الساكنية المنتزع من ذات الساكن، كذلك هو مبدأ لعنوان المسكونية المنتزع من الدار، اى لها حيثيتان، كما فى كل عنوانين متضايفين كالأبوة و البنوة، فما هو من شئون الدار و حيثياتها الموجودة بوجودها هى حيثية المسكونية، لا حيثية الساكنية التى هى من أعراض المستأجر، غاية الأمر ان حيثية المسكونية وجودها بوجود الدار على حد وجود المقبول بوجود القابل، و فعليتها بفعلية مضايفها القائم بالمستأجر فى مقام الاستيفاء و شئون العين قابلة لعروض الملكية لها كنفس العين‌

و ثانيا: ان حقيقة السكنى المبدئي و ان كانت عين الكون المبدئي و هو عرض لذات الكائن لا للدار، الا ان هذا العرض حيث ان له نسبة الى الدار يكون زمام أمره بيد مالك الدار و لا نعنى بالملكية اكثر من ذلك فيصح القول بان منفعة الدار مملوكة لمالكها و يصح نقلها الى المستأجر.

و أما الإشكال الثالث (2): و هو ان الإجارة قد تتحقق و لم يكن فى موردها تمليك للمنفعة أصلا

لعدم وجود مالك لها، و هذا كما فى استيجار ولى الزكاة او ولى الوقف دارا، لان يحرز فيها الغلة الماخوذة من الزكاة او من نماء الوقف فان منفعة الدار فى الفرض ليست مملوكة لمالك، و انما هى صدقة يتعين صرفها فى مصرف الزكاة او مصرف الوقف و قال السيد الحكيم (قدّس سرّه) فى المستمسك (3): «و كأنه لذلك عدل فى القواعد عن جعل ثمرة العقد التمليك، الى جعلها نقل المنفعة ...»‌

____________

(1) ص 5 و جاء في تقرير بحث سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) أيضا مستند العروة كتاب الإجارة ص 11.

(2) المستمسك ج 12 ص 4

(3) ج 12 ص 4

25

..........

____________

و قد أجاب عند سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) (1):

أولا: بالنقض بالشراء و القرض فان الاول تمليك للعين و الثانى تمليك بالضمان فمن هو المالك لو اشترى ولى الزكاة او الوقف دارا لخزن الأموال الزكوية او الموقوفة، او اقترض مالا لتحصيل الزكاة، او ثمرة الوقف فيما اذا دعت الحاجة الى ذلك، على ما صرح به الفقهاء من جواز ذلك لولى الأمر لو اقتضت المصلحة.

و ثانيا: بالحل، و حاصل ما افيد اما فى الوقف فهو انه على قسمين (أحدهما) الوقف على نحو التمليك اى يملكه الموقوف عليه و هذا كما فى الوقف على الذرية او الوقف على العناوين العامة كالعلماء و الفقراء و الزوار و نحو ذلك بل الوقف على الجهة و ان لم تكن من العناوين العامة كالوقف لإطعام الفقراء او كسوة الزوار على ما هو التحقيق من امكان فرض الملكية لجهة خاصة لانه ليست من المقولات المستأصلة و الاعراض الخارجية لتفتقر الى موضوع موجود فى الخارج و انما هى أمر اعتبارى و الاعتبارات خفيفة المئونة يمكن تعلقها بامور لها نحو وجود فى عالم الاعتبار- كما ذكرنا- و مثله الوقف على الهيئة بل يمكن تعلق الملكية بالجوامد كالمسجد كما اذا وقف فرشا للمسجد فيمكن القول بمالكية المسجد له، و بالجملة لو كان الوقف على نحو الملك كان المالك فى مورد البحث سواء فى الإجارة او البيع او القرض- هو مالك الوقف فالولى على الوقف يشترى لمالك الوقف او يستأجر له او يستقرض ثم يؤدى الثمن او الأجرة من المال الموقوفة بمقتضى ولايته، و هكذا الكلام فى باب الزكاة و الخمس بناء على ان الزكاة ملك للفقراء كما عن المشهور و الخمس ملك للسادة و الامام (عليه السلام).

____________

(1) مستند العروة كتاب الإجارة ص 12- 13

26

..........

____________

و أما القسم الثانى للوقف و هو الوقف على الصرف لا لأحد او جهة كما لو وقف مزرعة لان تصرف غلتها فى سبيل اللّه او لتعزية الحسين (عليه السلام).

فيمكن الجواب بان المتولى هو المالك لو اشترى شيئا للوقف او استأجره لكن لا بشخصه، كى يورث منه، بل بعنوانه الكلى، و هو تولية الوقف فيؤدى الثمن أو مال الإجارة من الوقف و هكذا الكلام فى الزكاة و الخمس بناء على القول بان الفقراء و كذلك بقية الاصناف الثمانية تكون مصرفا للزكاة لا انهم مالكون لها و هكذا السادة فى الخمس فلو اشترى او استأجر ولى الأمر شيأ لمصلحة الزكاة او الخمس كان هو المالك بعنوان الولاية لا بعنوانه الخاص كى يجوز له بيعه لنفسه او يرثه وارثه.

فتحصل الى هنا ان التعريف المذكور و ان سلم من الاشكالين الثانى و الثالث لكن الإشكال الاول و هو عدم تبيين حقيقة الإجارة المتعلقّة بالعين بحيث يكون اثرها ملكية المنفعة باق بحاله و ان حاول سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) (1) توجيه التعريف المشهور و لكن لم يتضح مراده (قدّس سرّه) كما ينبغى او لم يكن دافعا للإشكال.

[تعاريف أخرى]

و كيف كان فقد عدل بعض الاعلام عن تعريف المشهور الى تعاريف اخرى لا بأس بالتعرض لها و المناقشة فيها.

(أحدها): ان الإجارة عبارة عن «جعل العين بالأجرة»

فهى اضافة خاصه فى قبال اضافة الملكية حكى (2) هذا عن المحقق الخراسانى (قدّس سرّه).

و فيه: ان الأجرة فى الإجارة انما تقع فى مقابل المنفعة او العمل، لا فى‌

____________

(1) مستند العروة كتاب الإجارة ص 14

(2) كتاب الإجارة للمحقق الاصفهانى (قدّس سرّه) ص 4- حيث انه نسبه الى استاذه (قدّس سرّه) و هو المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) صاحب الكفاية.

27

..........

____________

مقابل العين، كما هو مقتضى هذا التعريف و هذا هو الفارق بين الإجارة و البيع، فان الثمن يقع فى قبالها فيقال البيع مبادلة مال بمال، او تمليك العين بالعوض، فلا بد ان يراد من التعريف المذكور جعل العين بالأجرة فى قبال منفعتها، اى جعل منفعة العين فى مقابل الأجرة من قبيل الوصف بحال المتعلق- كما فى زيد كريم جاره، ففى الحقيقة تكون المقابلة و المعاوضة بين المنفعة و الأجرة لا بين العين و بينها فتكون المنفعة ملكا للمستأجر و الأجرة ملكا للمؤجر، فيعود الإشكال غاية الأمر ان الفرق بين تعريف المشهور و بين هذا التعريف هو ان تمليك المنفعة- على المشهور- يكون مدلولا مطابقيا للاجارة، و بناء على هذا التعريف يكون مدلولا تضمنيّا و اما اصل الاشكال فباق بحاله لاشتراك التعريفين فى محذور مقابلة المنفعة للأجرة.

(التعريف الثانى): ان الإجارة عبارة عن «تمليك العين فى جهة خاصة- كسكنى الدار- فى مدة مخصوصة»

كما عن بعض (1).

و هذا فى مقابل البيع حيث انه تمليك للعين من جميع الجهات من دون تقييد بجهة، و لا بمدّة معيّنة.

و فيه: انه ان كان المراد تمليك تلك الجهة خاصّة عاد محذور تمليك المنفعة و ان كان المراد تمليك نفس العين بما هى مخصّصة بجهة و المتحيّثة بحيثية مخصوصة بما هى مقيده بها لزم اجتماع ملكين استقلاليين على عين واحدة، فان التقيد بجهة خاصة تارة و اطلاقها اخرى لا يوجب تعدد الموضوع.

فان قلت: هل يمكن الالتزام بخروج العين عن ملك المالك موقتا اى فى مدة الإجارة فلا تكون هناك الا ملكية واحدة، و هى للمستأجر.

قلت: لا ينبغى توهم ذلك اذ لا اشكال فى بقاء العين على ملك المالك فى‌

____________

(1) نسب ذلك الى بعض كما فى كتاب الإجارة للمحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) ص 5

28

..........

____________

تلك المدّة بدليل انه يجوز له بيعه، و يرثه وارثه المترتبة على ملكية المالك للعين.

(التعريف الثالث): انها تسليط على العين للانتفاع بها بعوض

و فيه: انه 1- ان كان المراد السلطنة الخارجيّة بمعنى التمكن و القدرة على الشي‌ء فممنوع أولا لعدم تحققها فى الأعيان و ان تحققت فى الاعمال فان الاجير انما يكون قادرا على عمل يفعله كالخياطة فله السلطة على ذلك و اما العين الخارجية كالدار او الدابة- مثلا- فليس للمالك قدرة على ايجادها‌

و ثانيا: لو سلم ذلك فليست القدرة الخارجية قابلة للانتقال الى المستأجر فانها من الصفات القائمة بالمؤجر بالإضافة الى عمله او فرضنا على العين المملوكة له، و هذه السلطنة لا يمكن انتقالها الى المستأجر.

2- و ان كان المراد السلطنة الاعتبارية فى عرض الملكية، بحيث تكون فى قبال الملكية الاعتبارية له سلطنة اخرى، فلا دليل على وجودها للمالك بعد فرض كونه مالكا للعين، لأنها دون مرتبة المالكية، و ليس لكل احد بالنسبة الى العين المملوكة ملكية اعتبارية و سلطنة اعتبارية فى عرضها فانها من اللغو، أو أشبه باجتماع المثلين و ان كانت السلطنة الاعتبارية أضعف من السلطنة الملكية و الحاصل: انه ليس للمالك هذه السلطنة كى ينقلها الى المستأجر‌

3- و ان كان المراد السلطنة المترتبة على الملكية لا ما تكون فى عرضها، فهى تكون على نحوين:

الف: السلطنة الوضعيّة بمعنى نفوذ التصرفات المعاملى فى العين، فان جميع معاملات المالك فى ملكه تكون نافذة وضعا كالبيع و الإجارة و الرهن و غير ذلك فى مقابل عدم النفوذ و هذا لا ينتقل الى المستأجر.

29

..........

____________

ب: السلطنة التكليفية بمعنى الجواز الحكمى اى يجوز له ان يتصرف فى ملكه باى نحو اراد جوازا تكليفيا فى مقابل الحرمة و السلطنة بهذا المعنى و ان كانت ثابتة للمالك أيضا و قابلة للانتقال الى المستأجر فى جهة الإجارة اذ يجب عليه تسليم العين للمستأجر لينتفع بها الا أنها ليست بمفهوم الإجارة فانها و ان كانت تتعلق بالعين الا انه ليس مفهومها اعطاء سلطنة للمستأجر بهذا المعنى بل مفهومها تمليك المنفعة بالمعنى الّذي تقدم فى تبيين التعريف المنسوب الى المشهور و هو تمليك المنفعة باعتبار قيامها بالعين لا فى نفسها و لازم الملكية السلطنة على المملوك، فهذا أيضا تعريف باللازم.

هذا مضافا: الى عدم انطباقه على اجارة الأعمال فانه لا سلطنة فيها على عين، و انما يجب على الأجير تسليم العمل بالإتيان به خارجا من دون اى تسليط فى البين.

و قد اورد (1) على هذا التعريف بانتقاضه بالأذن بالتصرف بشرط العوض، لانه ليس من الإجارة، و لا يشترط فيه شرائطها و يصدق عليه انه تسليط على العين للانتفاع بها بعوض.

و يندفع: بان العوض فى الإذن المشروط انما يكون فى مقابل الإذن دون التسليط و هذا كما فى الهبة المشروطة بالعوض فى مقابل البيع فان المعاوضة فيه تكون بين المالين الثمن و المثمن بخلاف الهبة المشروطة بالعوض فان العوض يكون شرطا للهبة و يقع فى مقابلها.

و الإنصاف ان يقال ان شيئا من التعاريف المذكورة ليست تعريفا للإجارة بالحد التام بل هى تعريف باللوازم، و فى نفس الوقت لا بد من الاعتراف بانها اضافة خاصة تتعلق بالعين مرتكزة فى ذهن عامة الناس‌

____________

(1) المستمسك ج 12 ص 4

30

..........

____________

و تشير إليها بالإجمال و بأثرها من ملكية المنافع او العمل للمستأجر، و لا يهمنا معرفة تلك الإضافة الخاصة على نحو الحمل الأولى الذاتى و التعريف عليها بالحد التام المركب من الجنس و الفصل و من هنا نرى ان جملة من الفقهاء حاولوا تعريف الإجارة بالاجمال كصاحب الجواهر (قدّس سرّه) (1) حيث انه عرّفها بانها «ما شرّع لنقل المنفعة بعوض» و لم يبيّن حقيقة ما شرع.

و هكذا بعض الأعاظم (2) من المعلقين على المتن حيث جاء فى تعليقته ان الإجارة عبارة عن «أنها بمعناها الاسمي اضافة خاصة يعتبرها العقلاء فى العين المستأجرة بالنسبة الى المستأجر مستتبعة لملكه او استحقاقه لمنفعتها، او عملها و لتسلطه عليها بتلك الجهة، و لذلك لا تستعمل الا متعلقة بالعين»‌

تتمة: الإجارة على قسمين

(الأول): اجارة الأعيان المملوكة، كالحيوان، و الدار، و العقار او متاع كالثياب و الظروف و نحوها و فى هذا القسم تفيد ملكية المنفعة للمستأجر بعوض معين.

القسم الثانى: اجارة الإنسان الحر نفسه و هذا يكون على نحوين:

الف: الإجارة لعمل كالخياطة و البناية و النجارة و نحو ذلك فتفيد ملكية الغير لعلمه باجرة مقررة.

ب: الإجارة لمنفعة، دون عمله و هذا كاجارة المرضعة نفسها للرضاع لا الإرضاع اى لرضاع الطفل منها لا ارضاعها للطفل اى لا لتقام الطفل ثديها لا انها تلقّمه.

____________

(1) ج 27 ص 204.

(2) السيد البروجردي (قدّس سرّه)

31

الفصل الأول: أركان الإجارة، و هى ثلاثة

الركن الأول: العقد

الركن الثانى: المتعاقدان

الركن الثالث: العوضان

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الركن الأول العقد الإيجاب و القبول

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

فصل فى أركانها و هى ثلاثة (الأول): الإيجاب و القبول و يكفى فيهما كل لفظ دال على المعنى المذكور، و الصريح منه آجرتك او اكريتك الدار- مثلا- فيقول قبلت او استأجرت او استكريت (1)

الفصل الأول فى أركان الإجارة الركن الأول: العقد

____________

(1)

يقع البحث تارة فى العقد اللفظى‌

و اخرى فى العقد بالمعاطاة‌

مقدمة

و لا بأس بتقديم مقدمة تنفع فى المقام. و هى ان العقد عبارة عن القرار المرتبط بقرار آخر كقرار ملكية الدار للمشترى فى مقابل ملكية الثمن للبائع- مثلا- و هو أمر معنوى قائم بالنفس، و المشهور (1) انه من الأفعال التوليدية يتسبب إليها بآلة من لفظ او معاطاة او اشارة فيكون من باب ايجاد المعنى باللفظ و نحوه و لكن التحقيق كما عليه سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) انه لا أثر‌

____________

(1) كما قيل فى كتاب الإجارة للمحقق الاصفهانى (قدّس سرّه) ص 6- 7 ط قم

36

..........

____________

للفظ فى ايجاده، بل هو أمر قائم بالنفس كسائر الاعتبارات كالأحكام الوضعية و التكليفية و اللفظ انما يكون مبرزا لها فقط، فالعقد اللبّى أمر معنوى قائم بالنفس لا دخل للفظ او اى فعل آخر فى حقيقته و هو عبارة عن قرار مرتبط بقرار آخر مطاوعى كقرار ملكية الدار لزيد مرتبط بقرار قبولها منه فى مقابل الثمن- مثلا- و هذا هو معنى الإيجاب و القبول المعنوى، و أما اللفظ كقوله بعتك بكذا فليس الا مبرزا له، لا انه آلة لايجاده، و هكذا الإجارة او غيرها من العقود المتقومة بالإيجاب و القبول كالنكاح و نحوه.

فتحصل ان العقد المعنوى أمر قائم بالنفس، و هو قرار و جعل مطاوعى قائم بطرفيه قيام الإيجاب و المطاوعة يرتبط أحدهما بالآخر فيكون فى مقابل العهد القائم بطرف واحد، اذ العهد عبارة عن جعل و قرار تكليفى او وضعى من دون حاجة الى قبول من طرف آخر و بالجملة: جعل الملكية بعوض عهد لبّى اعتبارى و هو من حيث ارتباط احد القرارين بقرار آخر مطاوعى عقد لبّى و هذا الجعل بما انه عين إيجاد ملكية عين بعوض بيع حقيقى فلا دخل للقول و الفعل فى حقيقة العقد و العهد و البيع لا مفهوما و لا مصداقا فاعتبار خصوص لفظ او اصل اللفظ يحتاج الى دليل سواء قلنا بانه مبرز أم آلة لايجاده.

اذا عرفت ذلك فنقول‌

أما المقام الاول ففى العقد اللفظى:

وقع الكلام فى انه هل يعتبر فيه ان يكون على نحو الحقيقة او يكفى الألفاظ المجازية مطلقا أم لا بد فيها ان تكون مجازا مقبولا عند العرف لا مستنكرا لها؟ اختلفوا فيه على أقوال او احتمالات (1) انها ستة اقوال و هى:

1- اعتبار الصراحة- بمعنى وضع اللفظ لذلك العقد لغة أو شرعا-

____________

(1) كما عن المحقق الرشتى فى كتاب الإجارة

37

..........

____________

فلا يكفى المجاز مطلقا و لو مع القرينة، بدعوى انه القدر المتيقّن من الاعتبار الشرعى، حكى ذلك عن العلامة الطباطبائى (قدّس سرّه) فى مصابيحه، و عن الفخر فى الإيضاح.

2- اعتبار خصوص الفاظ الكتاب و السنة الواردة فى ذلك العقد- كما عن محتمل الإيضاح و المسالك-

3- الاكتفاء بكل لفظ يدل على المقصود سواء الحقيقة او المجاز له ظهور عرفى و لو بالقرينة كما عن جماعة من متأخرى المتأخرين تمسّكا بالعمومات مضافا الى صحة جملة من العقود بألفاظ غير صريحة كالمتعة فى النكاح الدائم لو تم.

4- الرابع: مثل الثالث باستثناء المجاز بالكناية بمعنى التعبير باللازم‌

5- مثل الثالث أيضا باستثناء المجاز البعيد‌

6- مثل الثالث أيضا باستثناء التعويل على القرائن غير اللفظية‌

هذه ما حكى من الأقوال فى المقام‌

و الصحيح ان يقال: انه لا دخل للقول او الفعل فى حقيقة العقود- كالبيع و الإجارة و نحوهما- بوجه لا مفهوما و لا مصداقا، لما اشرنا من أنها اعتبارات نفسيّة ترتبط قبولها بالايجاب ارتباط المطاوعة و لا دخل للفظ او غيره فى حقيقتها بوجه- كما ذكرنا فى المقدمة- و أما اللفظ الدال على تلك الحقيقة المعنوية سواء أ كان آلة لايجادها و تسبيبا لها، على ما هو المشهور، (1) أم كان مبرزا لها، كما هو التحقيق- فيحتاج اصل اعتباره فى‌

____________

(1) توضيح ذلك: ان الافعال تارة تكون مباشرية لا تحتاج الى التسبيب إليها بسبب و اخرى يحتاج إليه و هو تارة يحتاج الى سبب طبيعى كالاحراق المتوقف على الإلقاء فى النار و اخرى يحتاج الى سبب جعلى-

38

..........

____________

نفوذها عرفا أو شرعا الى دليل خاص، لامكان سبب او مبرز غير اللفظ فضلا عن لزوم كونه من الحقائق او الاعم منها و من المجازات الشائعة، بل مقتضى الاطلاقات فى ابواب المعاملات و منها البيع و الإجارة عدم اعتباره رأسا و عليه لا مانع من عقد الإجارة بقوله «بعتك الدار» مريدا من البيع الإجارة مجازا و هكذا لو قال «بعتك منفعة الدار» لو اراد من البيع «التمليك» لا الإجارة فانه غلط، لان مفاده حينئذ يكون آجرتك منفعة الدار، و يكون معناه ملكتك منفعة منفعة الدار، و هذا لا معنى له فى باب الإجارة، و بالجملة لا بد و ان يكون التعبير صحيحا مفيدا للمعنى و لو بالقرينة و لو كان من المجاز البعيد، لا الغلط.

و الدليل على ذلك اطلاق الأدلة- كما أشرنا لصدق البيع او الإجارة- مثلا- على الاعتبار النفسانى المبرز بمبرز ما او المسبب بسبب ما، من لفظ او غيره نعم لو قام هناك دليل على اعتبار لفظ خاص كان هو المتبع كما فى الطلاق فانه لا بد فيه من لفظ «طالق» او فى النذر و العهد و اليمين حيث انه يعتبر فيها لفظ الجلالة او النكاح لما اتفق الفقهاء فيه من اعتبار لفظ ما، و الا كان سفاحا او كان التعبير من الاغلاط عرفا كما اذا استعمل لفظ النكاح فى مقام البيع و نحو ذلك فتحصل: ان المرجع فى تصحيح العقود اللفظية اطلاق أدلة اعتبارها الشامل لمطلق الفاظها الحقيقية و المجازية‌

و قد يناقش فيها بوجوه مزيّفة:

____________

- كالمعاملات فان مضامينها يتوقف حصولها على التسبب إليها باسباب جعلية من قول او فعل عرفا او شرعا فالاجارة كغيرها من العناوين المعاملية تكون تمليكا عقديا اى توجد بالعقد و يتسبب بالعقد إليها- تسمى الايجاب و القبول اللفظيان الانشائيان بعقد انشائى و ما يتسبب بهما إليه من جعل الملكية بعوض بعقد لبّي او عقد معنوى او حقيقى.

39

..........

____________

(أحدها) دعوى الاجماع على عدم جواز إنشاء مضامين العقود بالمجازات المستنكرة كما عن (1) التذكرة نسبته الى علمائنا.

و فيه منع ظاهر لعدم ثبوت اجماع فى المقام.

- (ثانيها)- دعوى انصراف الإطلاقات عن المجازات.

و فيه: منع أيضا اذ لا موجب له مع فرض قرينة تدل على المراد.

(ثالثها)- دعوى العلم الإجمالى بتقييد العمومات ببعض الخصوصيّات فى العقد فيسقط الإطلاق عن المرجعيّة‌

و فيه: انه منحل بالقدر المتيقن من التقييدات الواضحة‌

(رابعها)- ان الإطلاقات الشرعية فى باب العقود المعاملية كالبيع و الإجارة و نحوهما منزلة على الاعتبارات العرفية و المجازات المستنكرة عند العرف لا تكون منشأ لاعتبار العقد عندهم كى تشملها الإمضاء الشرعى فيتوقف الإطلاق من هذه الجهة.

أقول: و هذا الوجه غير بعيد فى المجازات المستنكرة كاستعمال لفظ النكاح فى البيع مثل ان يقول انكحتك هذه الدار بكذا و نحو ذلك فتأمل.

و مما ذكرنا يظهر ضعف ما افاده سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) على ما فى تقرير بحثه (2) من تصحيح مطلق العقود سواء الحقيقية او المجازية بناء على كون العقد اللفظى مبرزا للعقد المعنوى، دون ما اذا كان اللفظ آلة لإيجاد المعنى، وجه الضعف انه لا فرق بين القولين من هذه الجهة، لانه اذا كان بناء العرف على عدم اعتبار المجازات المستنكرة فى باب العقود فلا يفرقون بين كون الفاظ العقود مبرزا او آلة لايجاد المعنى كما هو واضح فان التحليل بين الآلية‌

____________

(1) المستمسك ج 12 ص 5

(2) مستند العروة كتاب الإجارة ص 23

40

و يجرى فيها المعاطاة كسائر العقود (1)

____________

و الابراز لا يتعلق بما هو الغرض فى المقام.

هذا تمام الكلام فى المقام الأول.

(1)

[المقام الثانى] المعاطاة فى الإجارة:

المقام الثانى‌

فى جريان المعاطاة فى الإجارة و لا ينبغى التأمل فيه كما فى سائر العقود، و ذلك لاطلاق أدلة المعاملات و منها اطلاق ادلة الإجارة فانها تشمل الإجارة المعاطاتية و تتحقّق باعطاء العين من طرف المؤجر و الأجرة من طرف المستأجر.

نعم قد يقال بعدم جريانها فى إجارة الأعمال، و ان صحت فى إجارة الأعيان بدعوى انه لا تعاطى من قبل الأجير فيما اذا كان الأجير حرا آجر نفسه على عمل كخياطة أو بناء دار أو الصلاة عن الميت و نحو ذلك، و أما تسليم نفس العمل المستأجر عليه كخياطة الثوب فانّما هو وفاء بعقد الإجارة لا مقوّم لها نعم تتحقّق من طرف المستأجر فقط فيعطى أجرة الخياط- مثلا-

و يمكن الجواب: أولا: بان هذا مبنى على اعتبار التعاطى من الطرفين فلو اكتفى فى حصول المعاطاة بالإعطاء من طرف واحد، و الأخذ من الطرف الآخر تتحقق المعاطاة فى عمل الحر أيضا اذا كانت الأجرة عينا كالنقود الجارية. نعم لو كانت أيضا عملا لم يتم هذا الجواب.

و ثانيا: انه يمكن تحقق العطاء من طرف الأجير بما يدل على قبوله للمعاملة من الأعمال كاشتغال الخياط بمقدمات الخياطة كأخذ الثوب و البنّاء بمقدمات البناء بقصد إنشاء الإجارة. و الحاصل: انه يكفى فى إجارة‌

41

و يجوز ان يكون الإيجاب بالقول، و القبول بالفعل (1) و لا يصح ان يقول (2) فى الإيجاب بعتك الدار- مثلا- و ان قصد الإجارة، نعم لو قال: بعتك منفعة الدار أو سكنى الدار- مثلا- بكذا لا يبعد صحّته إذا قصد الإجارة.

____________

الحر نفسه تسليم نفسه للعمل و من طرف المستأجر إعطاء الأجرة.

(1)

لان العبرة بما يظهر قصد الإجارة و انشائها فيشملها الإطلاقات، و يكون هذا من المعاطات.

(2)

هذا مبنى على عدم انعقاد عقد بلفظ عقد آخر ليس من جنسه بمعنى انه ليس بينهما اشتراك معنوى كملّكت فان البيع تمليك للعين و الإجارة تمليك للمنفعة و ليس بينهما جامع قريب و هذا بخلاف قوله بعتك منفعة الدار او سكنى الدار- مثلا- مريدا الإجارة فان بيع المنفعة و إجارة الدار يجمعهما جامع قريب و هو تمليك المنفعة و هذا انما يتم لو اراد من قوله بعتك منفعة الدار تمليك المنفعة لا الإجارة و الا كان المعنى تمليك منفعة منفعة الدار و هذا غلط فما جاء فى المتن من انه «اذا قصد الإجارة» لا يتم الا اذا اراد التمليك لا الإجارة بالمعنى المصطلح.

و كيف كان فالأقوى ما ذكرناه من صحة استعمال الألفاظ المجازية فى باب العقود مطلقا الا ان يكون مستنكرا عند العرف كما اذا قال «متعتك الدار» مريدا به الإجارة، فان العرف يأبى عن ذلك و لو مع نصب القرينة فلا يتحقق موضوع الإمضاء الشرعى.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الركن الثانى المتعاقدان

شروط المتعاقدين 1- البلوغ 2- العقل 3- الاختيار 4- عدم الحجر

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الثانى المتعاقدان و يشترط فيهما البلوغ (1)

____________

الركن الثانى: المتعاقدان

(1)

هذه الشروط تعتبر فى مطلق العقود، و منها الإجارة، و يبحث عنها فى كتاب البيع و الحجر على وجه التفصيل، و لا بأس بالتعرض لها هنا شرحا للمتن‌

(أما البلوغ)

فيقع الكلام فيه تارة فى تصرف غير البالغ فى أموال نفسه و أخرى فى أموال غيره فهنا بحثان‌

(أما البحث الأول) ففى استقلال الصبى فى التصرفات المعاملية فى أموال نفسه

كالبيع و الإجارة و نحوهما بحيث يكون هو البائع و المؤجر و نحوهما و لو كان ذلك باذن الولى حيث انه وجد فيه صلاحية و رشدا فى ذلك فضلا عما اذا لم يأذن له بشي‌ء.

و الحق فيه عدم نفوذ تصرفاته المعاملية كما هو المشهور فان مقتضى الإطلاقات و ان كان نفوذها اذا كان رشيدا يدرك صلاحه و لكن لا بد من الخروج عنها للكتاب و السنه‌

46

..........

____________

أما الكتاب فلقوله تعالى: «وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» (1)

فان هذه الآية الكريمة تدل على ان دفع ماله إليه مشروط بأمرين البلوغ و الرشد فلا يدفع لغير البالغ ماله ان كان رشيدا يتمكن من البيع و الشراء، كما انه لا يدفع لغير الرشيد- اى السفيه- و ان كان بالغا، و لا بد من اختباره قبل البلوغ لا حراز رشده- كما تشير إليه الآية الكريمة «وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ ...»

كى لا يمنع عن ماله بعد بلوغه و لو بقليل اذا طالب المال‌

و أما السنة فقد ورد فى عدّة من الروايات (2) ان الصبى لا يؤخذ بشي‌ء من أعماله و أقواله، فاذا لم يكن مؤاخذا فطبعا يكون عقده كلا عقد.

و من جملة ما ورد فى هذا المجال ما استدل به شيخنا الأعظم فى كتاب المكاسب (3) على اعتبار البلوغ فى البيع.

رواية عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال سأله أبى- و أنا حاضر- عن اليتيم متى يجوز أمره‌

قال: «حتى يبلغ أشدّه قال: و ما أشده قال: احتلامه ...» (4)

فانها تدل بوضوح على ان نفوذ أمره الّذي منه نفوذ معاملاته يتوقف على بلوغه فلا ينفذ قبله و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين اذن الولى و عدمه‌

____________

(1) النساء: ص: 6.

(2) الوسائل ج 1 ص 42 فى الباب 4- أبواب مقدمة العبادات ط: م- قم.

و لاحظ الوسائل ج 18 ص 410 فى الباب 2 كتاب الحجر، و لاحظ تعليقة الوسائل ج 18 ص 412 فى تعيين الروايات فى تحديد البلوغ.

(3) المكاسب 3: 277 ج 16 تراث الشيخ (قدّس سرّه)

(4) الوسائل ج 18 ص 412 كتاب الحجر ب 2 ح 5- ط: م- قم.

47

..........

____________

كما افاد سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) (1) و هى معتبره سندا (2)

هذا كله حول التصرفات المعاملى للصبى فى أموال نفسه و هى غير نافذة‌

[ (البحث الثانى)] تصرفات الصبى وكالة عن الغير

و أما (البحث الثانى) فى تصرفاته المستقلة فى أموال الغير وكالة فى البيع و الشراء و نحوهما‌

ظاهر كلمات الفقهاء على ما نسب إليهم (3) عدم الجواز فى ذلك أيضا كما فى أموال نفسه لاستقلاله فى التصرف و لكنه غير واضح، لان مقتضى العمومات صحة معاملاته و نفوذها اذا كان رشيدا قاصدا للمعاملة.

و ليس فى البين ما يمنع من الإطلاقات الا ما تقدم من المنع عن تصرفاته فى أموال نفسه و لكنها لا تشمل شي‌ء منها للوكالة فى أموال الغير أما الآية (4) الكريمة فتختص بأموال نفس الصبى و لا تعرض فيها لأموال غيره لو وضعها تحت اختياره و و كلّه فى التصرف فيها.

و أما الأخبار المشار إليها فى البحث الاول الدالة على ان الصبى لا يؤخذ بشي‌ء من أعماله و أقواله فلا دلالة لها على المنع فى المقام، لأن المفروض وكالة الصبى عن المالك فى البيع و نحوه فالمسئول الحقيقى هو الموكل، لانه‌

____________

(1) مستند العروة كتاب الإجارة ص 22.

(2) جاء فى مستند العروة كتاب الإجارة ص 22 ط: قم انه «رواها الصدوق فى الخصال بسنده المعتبر عن ابى الحسين الخادم بياع اللؤلؤ عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) و قد سقطت كلمة «عبد اللّه بن سنان» فى نسخة الوسائل و لم يعنون «ابو الحسين الخادم بياع اللؤلؤ» بهذا العنوان فى كتب الرجال فيكون مجهولا كما قيل.

و لكن الظاهر انه هو «آدم بن المتوكل» الثقة الّذي روى بعنوان «ابن المتوكل بياع اللؤلؤ» عن عبد اللّه بن سنان فى غير هذا الموضع فالظاهر ان الرواية معتبرة».

(3) مستند العروة كتاب الإجارة ص 23 ط: قم.

(4) النساء: 6

48

..........

____________

البائع فى الحقيقة فيؤخذ بالبيع او باى عقد معاملى أوقعه وكيله سواء أ كان بالغا أم لا، فانه لو فرضنا ان البالغ كان وكيلا عنه فباع ماله كان هو المسئول فى البيع و يجب عليه الوفاء به.

و هكذا لا دلالة لصحيحة ابن سنان المتقدمة على المنع فى أموال غير البالغ، لان السؤال فيها عن نفوذ أمر الغلام، و معاملاته الواقعة بالوكالة عن المالك فترتبط بغيره اى الموكل، اذ هو العاقد فى الحقيقة، كما ذكرنا، و لا علاقة لها بالغلام لتعد نفوذا لأمره، و الحاصل: ان الصحيحة مسوقة سؤالا و جوابا لبيان النفوذ بالإضافة الى الصبى لا بالإضافة الى شخصى آخر‌

هكذا افيد (1).

و لكن يمكن المناقشة فيه بان وكالة الصبى تكون من أمره و لو لا نفوذها لم تستند المعاملة الى موكّله و لم يكن بايعا أو موجرا او نحو ذلك و بعبارة اخرى: وكالة الصبى عن المالك فى البيع شأن من شئونه، و قول من أقواله فلو فرضنا دلالة صحيحة ابن سنان على عدم نفوذ امره و دلالة سائر الروايات المشار إليها على عدم مؤاخذته بقوله كانت وكالته باطلة فلم تستند المعاملة حتى الى المالك بوجه.

و ان شئت فقل ان توكيل المالك او اذنه يكون كإذن الولى لا اثر له لو ثبت الاطلاق فى الصحيحة، أو فى تلك الروايات.

و أما دعوى السيرة (2) على توكيل الصبيان فى الحوانيت للبيع و الشراء كالبقال و العطار و نحوهما حيث انهم يستخدمون صبيا فطنا فى دكانهم يبيع و يشترى فى غيابهم من دون اى انكار لذلك.

____________

(1) مستند العروة كتاب الإجارة ص 30

(2) كما فى مستند العروة كتاب الإجارة ص 31

49

..........

____________

فغير مسموعة اذ غاية ما يمكن اثباته بها رضا الناس باعطاء الاثمان فى مقابل ما يشترون و رضا المالك بذلك أيضا، و ان كانوا يعبّرون عن معاملاته بالشراء و البيع و من هنا لا يكتفون بذلك فى معاملة الأموال الكثيرة أو الثمينة كالفرش و الجواهر و الدور و نحو ذلك.

فتحصل ان الالتزام بصحة وكالة الصبى فى العقود و الايقاعات مشكل.

(تتمة): هل يجوز تصدى الصبى لمجرد اجراء صيغة العقد فقط فى أموال نفسه برعاية الولى،

أو فى أموال الغير برعاية المالك من دون اى تصرف منه فى أصل المعاملة؟

نسب الى المشهور عدم الجواز لوجهين:

(احدهما) حديث رفع القلم عن الصبى (1)

و فيه: ان ظاهر الحديث هو رفع قلم التكليف و الوضع عنه فلا يلزم بشي‌ء من الأحكام التكليفية و الوضعية و ليس مورد البحث داخلا فى عموم الحديث فان مجرد إجراء الصيغة لا يوجب حكما تكليفيا او وضعيا عليه كى يرتفع لرجوع المعاملة الى الولى او المالك و الصبى انما يجرى مجرد صيغة العقد لا اكثر و لا دليل على الغاء انشاءه بهذا المقدار‌

(الوجه الثانى): صحيحة محمد بن مسلم الدالة على ان عمد الصبى و خطائه واحد (2).

بتقريب: انه لو قال «بعت هذا الكتاب» خطأ و لم يترتب عليه اى اثر كان قوله ذلك عمدا كذلك فلا اثر لانشائه و لو مجردا عن سائر التصرفات.

____________

(1) الوسائل ج 1 ص 45 فى الباب 4 من ابواب مقدمة العبادات ح 11 و 12 ط: م- قم و انظر ص 46 منه الى التعليقة لمعرفة محل الروايات الدالة على تحديد البلوغ.

(2) الوسائل ج 19 ص 307 فى الباب 11 من ابواب العاقلة فى كتاب الديات ح 2 ط الاسلامية

50

..........

____________

و فيه: أولا امكان تقييدها بما دل على اختصاص ذلك بالجنايات.

كموثقة اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام) كان يقول:

عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة» (1).

و ثانيا: لو سلم عدم التقييد، لانهما مثبتان و لا تنافى بينهما، لجواز ان يكون عمده فى حكم الخطأ مطلقا و لو فى غير الجنايات، كالعقود و الإيقاعات الا انه مع ذلك لا اطلاق لها فى نفسها كى يشمل المقام، بل تختص بالجنايات فى نفسها.

و ذلك لظهور قوله (عليه السلام) «ان عمد الصبى و خطأه واحد» فى وحدة عمد الصبى و خطأه فى الحكم، فلا بد و ان يكون هناك حكم لخطئه يتحد عمده فيه، و ليس هذا الا فى باب الجنايات دون العقود و الايقاعات اذ لا اثر للخطأ فيها مطلقا و هذا بخلاف البالغين فان حكم العمد فيهم يختلف عن الخطأ فى الجنايات فمثلا دية قتل العمد فى البالغ تكون على القاتل، و فى قتل الخطأ تكون على العاقلة، و أما الصبى ففى كلتا الحالتين تكون على العاقلة، و لا شي‌ء عليه، فان قتل الصبى خطأ يوجب الدية على العاقلة فلخطئه حكم و يكون عمده كذلك‌

و عليه لا يشمل الحديث الموارد التى لا اثر لخطأ الصبى رأسا كما لو أوقع عقدا خطأ كما اذا قال بعتك الكتاب و اخطأ فى ذلك لانه كان يريد بيع القلم مثلا، فان خطأه هذا لا أثر له، و يكون وجوده كعدمه كالبالغ، و انما الأثر مترتب على العمد فقط، كما اذا اراد بيع الكتاب حقيقة، فانه يترتب عليه النقل و الانتقال، فيكون حكم الصبى من هذه الجهة حكم البالغ فى ترتب الأثر على العمل، دون الخطأ نعم لو كان الحديث هكذا «عمد الصبى كلا‌

____________

(1) الوسائل ج 19 ص 307 فى الباب 11 من ابواب العاقلة كتاب الديات ح 3 ط الإسلامية

51

و العقل (1) و الاختيار (2)

____________

عمد» صح القول بعدم ترتب الأثر على عمده مطلقا و لو كان مجرد اجراء الصيغة، و لكن الحديث لم يرد على هذا الوجه كما عرفت.

و يؤيد عدم الإطلاق فى الصحيحة بطلان صوم الصبى بالإفطار العمدى، و بطلان صلاته بالتكلم عمدا، جزما بناء على مشروعية عباداته، فلو كان عمده كلا عمد لزم الالتزام بالصحة فيهما، و هو كما ترى فتلخّص من جميع ما ذكرناه ان مقتضى عمومات العقود و الايقاعات صحة اجراء صيغة العقد او الايقاع من الصبى اذا لم يستقل بتصرف معاملى فى ماله او مال غيره بل كان مجرد إجراء الصيغة.

اعتبار عقل

(1)

لعدم تحقق القصد بدون العقل، و من المعلوم تقوم العقد بالقصد‌

و لا فرق فى ذلك بين كون العقد لنفسه او لغيره باذن الولى او بدونه.

اشتراط الاختيار

(2)

لا إشكال و لا كلام فى عدم نفوذ عقد المكره فيما يرجع الى نفسه من ماله او عمله، كما لو اكره على إجارة داره- مثلا-

و ذلك لحديث الرفع (1) و غيره مما هو مذكور فى كتاب البيع (2) و‌

____________

(1) روى حريز بن عبد اللّه عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رفع عن أمتى تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكر فى الوسوسة فى الخلق (الخلوة خ ل) ما لم ينطقوا بشفة»

- الوسائل ج 11 ص 295 فى الباب 56 من ابواب جهاد النفس ح 1- و نحوه ح 3 فى نفس الباب ط الإسلامية.

(2) لاحظ كتاب المكاسب للشيخ الأعظم الأنصارى (قدّس سرّه) ج 3 ص 307 ...- ج 6 اتراث الشيخ (قدّس سرّه).

52

و عدم الحجر (1)

____________

غيره، فيرتفع اثر عقده.

و أما اذا اكره على مجرد اجراء صيغة العقد على مال غيره وكالة فهل يحكم ببطلانه أو لا كما لو اكرهه نفس المالك على إجراء الصيغة.

ذهب سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) (1) الى القول بعدم البطلان و ذلك لعدم ترتب اثر على هذا العقد بالنسبة الى العاقد المكره كى يدعى ارتفاعه بحديث الرفع و انما الاثر مترتب على من يقع له العقد و هو الأصيل- اى المالك- و هو ليس بمكره، فمن هو مكره لا اثر بالنسبة إليه، و من له الاثر و هو المالك فليس بمكره، فلا مقتضى لبطلان عقد المكره فى الصيغة.

أقول: ان حديث الرفع مبنى على الامتنان، فيرتفع به كل ما يكون وضعه خلاف الامتنان و صحة عقد المكره و لو فى مجرد الصيغة تكون خلاف الامتنان عليه، و الا لم يكره و الاكراه سلطة عليه، فيكفى فى وجود الأثر مجرد صحة العقد، و لو لم يكن هناك اى اثر آخر بالنسبة الى المكره على الصيغة، فلو كان عقده باطلا لم يكرهه المالك، و يكفى هذا المقدار فى الامتنان على العاقد المكره على مجرد اجراء العقد. فالاظهر بطلان عقده و لو كان الاكراه من قبل نفس المالك، و تفصيل الكلام فى كتاب البيع.

(1)

الحجر فى اللغة: المنع، و شرعا كون الشخص ممنوعا عن التصرف فى ماله بسبب من الأسباب، و هى كثيرة، منها الصغر، و الجنون، و قد تقدم الكلام فيهما تحت عنوان اشتراط البلوغ و العقل، و منها الإفلاس، و السفه، و الرقية.

____________

(1) مستند العروة كتاب الإجارة ص 27