ما وراء الفقه - ج2

- السيد محمد الصدر المزيد...
420 /
7

الجزء الثاني

كتاب الزكاة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

فصل في شكل استحقاق الزكاة

وجوب الزكاة من ضروريات الدين الإسلامي، و يجب صرفها إلى مستحقيها الذين يسودهم الفقر و الحاجة.

و المهم الآن أن نتساءل: ما هو الشكل القانوني أو الفقهي لاستحقاق الزكاة في الأموال الزكوية. فلو تمّ النصاب و وجب الإخراج، فعلى أي وجه يملك المستحق جزءا من هذا النصاب؟

اختلف الفقهاء في ذلك على عدة وجوه، و المسألة ليست باليسيرة فقهيا إلى حدّ يعتبر تخريجها الواسع و الدقيق دليلا على فقاهة المستدل.

و الوجوه الرئيسية المحتملة ابتداء ستة وجوه، لا بدّ من ذكرها و شرح معناها و ذكر بعض القائلين بها إن وجد، و الاستدلال المحتمل لكل منها.

ثم المصير بعد ذلك إلى الوجه الصحيح. و هذا هو منهج هذا الفصل.

الوجوه المحتملة:

الوجه الأول: أنه مال متعلق بالذمة

حاله حال الدين و القرض. غير أن القائل به مجهول و قيل إنه: شاذ (1).

الوجه الثاني: أنه حقّ متعلق بالعين على وجه الكلي في المعين

كما اختاره صاحب العروة. (2)

____________

(1) المستمسك ج 9 ص 175.

(2) المصدر: ص 176.

10

و مثاله ما لو كان للفرد كمية كبيرة من الحنطة أو السكر و باع منها كيلو غرام أو عشر كيلوات مثلا. فيملك المشتري في هذه الكمية هذا المقدار في هذا المجموع من المال بنحو (الكلي في المعين). فقد يكون حق المستحق للزكاة في المال الزكوي هو ذلك.

الوجه الثالث: أنه على وجه الشركة المشاعة

كما عليه صاحب الجواهر و آخرين. و نقل عن مفتاح الكرامة قوله: إنه لا يحتمل غيرها (1).

و مثاله: اشتراك شخصين في ملكية شي‌ء واحد. كما لو دفع كل منهما نصف قيمته، و اشترياه. و تسمى فقهيا أيضا: الشركة في العين.

الوجه الرابع: الشركة في المالية

كما عليه سيدنا الأستاذ (2) و تفترق عن سابقتها: بدعوى أن العين لشخص معين واحد، هو صاحب النصاب الأصلي. و الفقير أو المستحق ليس مشاركا في العين، و إنما هو مشارك في المالية بمعنى أنه يستحق قسطا أو جزءا من مالية أو قيمة النصاب.

و المثال الذي يحضرني له في الفقه: أن يقترض شخص من آخر و يشترط المقترض أن يدفع الدين من مال معين. فقد يقال: إنه بنحو الشركة في المالية، إذ العين ما لم تدفع تبقى ملك المقترض بلا إشكال، إلا أن هذا الشرط يجعل المقرض شريكا في المالية من مجموع ذلك المال. و المهم مجرد إيضاح الفكرة من المثال.

الوجه الخامس: أن المستحق له حق في الزكاة كحق الرهانة

و حق الرهن متوفر فقهيا، إذ يقترض فرد من آخر، و يشترط المقرض وجود مال عنده من أموال المقترض، بحيث يكون وثيقة على الدين. فلو لم يتمكن المقترض من الدفع عند حلول الأجل أو أبى ذلك عصيانا، أمكن للمقرض بيع المال الذي عنده و أخذ كمية الدين منه. و إذا كان مستويا‌

____________

(1) المصدر: ص 176.

(2) انظر منهاج الصالحين ج 1 ص 328.

11

للدين أو أقل منه أمكنه أخذها و امتلاكها بنفسها.

فكذلك قد يقال في حق الزكاة. و قد قال به بعض المتأخرين.

الوجه السادس: أن يكون الاستحقاق بنحو حق الجناية

و يراد به تنظير الزكاة بالعبد الجاني، حيث يملك المجني عليه منه بمقدار الدية.

و هو المسمى بحق الجناية.

إلّا أن كون حق الجناية ليس راجعا إلى أحد الوجوه المتقدمة كالإشاعة في العين أو الكلي في المعين. محل إشكال و سيأتي ما يفيد فيه، و لا أعرف له قائلا، إلا أنه احتمال فقهي على أي حال.

[في بيان أدلة الوجوه المحتملة المذكورة]

إلى وجوه أخرى قد تتحصل فيما يلي:

أدلة الوجه الأول: و هو التعلق بالذمة

و يمكن الاستدلال عليه بأحد أسلوبين:

الأسلوب الأول: التمسك بالأدلة المقارنة لوجوبها بوجوب الصلاة و وجوب الصلاة ليس على وجه من الوجوه الخمسة المتأخرة بطبيعة الحال، لأنه ليس حقّا ماليّا، فيتعين الأول.

منها صحيحة عبد اللّه بن سنان (1) قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

لما نزلت آية الزكاة خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا [التوبة: 103]. في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه (صلَّى اللّٰه عليه و آله) مناديه، فنادى في الناس: إن اللّه تبارك و تعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة. الحديث.

و صحيحة الفضلاء الأربعة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما‌

____________

(1) الوسائل: أبواب ما تجب فيه الزكاة: باب 8: حديث 1.

12

السلام (1). قالا: فرض اللّه عز و جل الزكاة مع الصلاة في الأموال.

الحديث.

إلا أن هذا بمجرده لا يتم لأن المقصود في هذا اللسان التنظير في الوجوب و ليس لها تعرض إلى شكل ملكية الزكاة.

على أن شكل تعلق الحكم التكليفي في الذمة، يختلف عن شكل تعلق المال أو المالية الذي هو مؤدى الزكاة. فالمقصود بهذا اللسان هو اشتغال الذمة بحكم الزكاة تكليفا، كما اشتغلت بحكم الصلاة. و أما شكل اشتغال الذمة بالزكاة بصفتها مالا، فهذا مما لا تعرض له في هذه الأخبار.

الأسلوب الثاني: التمسك بالأدلة التي ورد فيها حرف الاستعلاء على اعتبار أن العرف يرى الدين على ذمة المدين، فكذلك الزكاة تكون على ذمة المالك إذن فهي بمثابة الدين.

و هي أخبار عديدة يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين:

أحدهما: أن يكون مدخول الحرف هو المكلف. كخبر أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: سألته عن الزكاة تجب عليّ في مواضع لا يمكنني أن أؤديها. قال: اعزلها. الحديث.

و موثقة سماعة (3). قال: سألته عن الرجل له الدين على الناس، تجب فيه الزكاة؟ قال: ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه. الحديث.

ثانيهما: أن يكون مدخول الحرف هو المال الزكوي كرواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (4)، قال: و الزكاة على تسعة أشياء.

و في صحيحة الفضلاء الأربعة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما‌

____________

(1) المصدر: حديث 4.

(2) المصدر: أبواب مستحق الزكاة: حديث 3.

(3) المصدر: أبواب من تجب عليه الزكاة: حديث 6.

(4) المصدر: حديث 2.

13

السّلام (1) قالا: ليس على العوامل من الإبل و البقر شي‌ء. إنما الصدقات على السائمة الراعية.

و ينبغي أن يكون الاستدلال بالقسم الأول، لأن الثاني على خلاف المقصود أدل، لأن كون الزكاة على المال، يقتضي كونه شركة في العين و نحو ذلك و ليس في الذمة. فتقريب: أنه لا فرق في حرف الاستعلاء حيث ورد، فإنه يكون دال على اشتغال الذمة ليس بصحيح.

و لكن الاستدلال بالقسم الأول أيضا ليس بصحيح، إذ لا يتعين قصد اشتغال الذمة بالمال من حرف الاستعلاء. و إنما قد يقصد به التكليف و اشتغال الذمة بالوجوب، فإنه من استعمالاته، يقال: عليك أن تصلي و عليك أن تصوم، كما يقال: عليك أن تدفع الجزية و عليك أن تدفع الدين. فاستعمال هذا الحرف في الأمور المالية و غيرها سيان عرفا، الأمر الذي يدل على أن الجامع في هذا الاستعمال ليس هو الجهة المالية، بل هو مطلق المسؤولية الشاملة للتكليف أيضا، و لا مضايقة في وجودها في الزكاة طبعا.

هذا، و يدل على نفي هذا الوجه، كل ما يأتي مما هو دال على الوجوه الآتية. مضافا إلى ما سمعناه من أنه قول شاذ و قائله غير معروف.

أدلة الوجه الثاني: و كان هو دعوى أن استحقاق الفقير للزكاة على وجه الكلي في المعين

و قد استدل عليه في المستمسك بأدلة عديدة و ناقشها. و لا يبعد أن جملة منها واضح الفساد. و من هنا يمكن الاقتصار فيما يلي على أهمها مع تمحيصه، ضمن الأقسام التالية:

____________

(1) المصدر: أبواب زكاة الأنعام: حديث 5.

14

القسم الأول: الأخبار التي استعملت حرف الظرفية (في) بدعوى دلالتها على الكلي في المعين، لأن الملكية تكون ضمن المجموع و يكون المجموع ظرفا للفريضة.

و هي أخبار عديدة، منها صحيحة الفضلاء الأربعة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) (1) قالا: في البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع حولي و ليس في أقل من ذلك شي‌ء. فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة. الحديث.

و بلسان آخر: صحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2) (في حديث) قال: إن اللّه عزّ و جلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، و لو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم. الحديث.

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

و أجاب على ذلك في المستمسك (3): إن الظاهر من ملاحظة النصوص كون الظرف لغوا. و كون كلمة (في) متعلقة بفعل مقدر مثل يجب أو فرض أو نحو ذلك. فيكون مدخولها ظرفا لذلك الفعل، لا مستقرا متعلقا بكائن، كما قد يتوهم في بادئ النظر، ليكون مدخول (في) ظرفا للواجب و المفروض.

قال: و لذلك صرح بالفعل في جملة من النصوص، ففي صحيح زرارة (4): و جعل رسول اللّه (صلَّى اللّٰه عليه و آله) الصدقة في كل شي‌ء أنبتت الأرض. الحديث. إلى آخر ما قال.

إلا أن هذا لا يتم، لأن الظاهر في كل نص لم يذكر فيه الفعل المتعلق به الجار و المجرور. الظاهر هو تقدير مستقر و كائن و ليس مفروض و واجب. و أما استفادة الفرض و الوجوب فهو من سياق التشريع في الرواية.

____________

(1) المصدر: أبواب زكاة الأنعام: باب 4. حديث 1.

(2) المصدر: أبواب ما تجب فيه الزكاة: باب 1. حديث 2.

(3) ج 9 ص 178.

(4) المصدر. باب 9. حديث 6.

15

إلا أن كون المقدر هو ذلك لا يعين إرادة الكلي في المعين، لأن المجموع و إن كان ظرفا للمملوك. إلا أن عددا من الوجوه الأخرى تصدق عليه هذه الظرفية كالشركة في العين و حق الجناية إن لم تستوعب قيمة العبد. و غيرها. فالاستدلال بهذا اللسان على هذا القسم بالتعيين بلا وجه.

و أجاب ثانيا (1): بمعارضته بما ورد متضمنا لحرف الاستعلاء. و قد سمعنا نموذجا منه في أدلة الوجه الأول. و اختار منهم القسم الثاني الذي ذكرناه مما يدل على أن (الزكاة على كذا و كذا).

و قال: فإن هذه النصوص ظاهرة جدا في كون الزكاة شيئا موضوعا على المال خارجا عنه كسائر الضرائب المجعولة في هذه الأزمنة على الأملاك. إذ ليس المقصود جعل جزء من الملك ملكا للسلطان. إلى آخر ما قال.

إلا أن هذا غريب منه (قدس سره)، لأن الزكاة ليست شيئا قائما بحياله غير الحصة المدفوعة للمستحقين، فإن الزكاة في الحقيقة هي تلك لا غيرها، و الوجوب متعلق بها. فكونها شيئا موضوعا على المال خارجا عنه، أمر غير مفهوم عرفا.

و من المتسالم عليه متشرعيا و فقهيا، الاستحقاق من نفس المال فيما يمكن فيه ذلك، يعني في غير الأنصبة للخمسة الأولى للإبل. فكونه (قدس سره) يسلم بكون الزكاة خارجة عن المال، غريب.

إلا أننا عرفنا أن حرف الاستعلاء يفيد عرفا المسؤولية و العمل في الذمة أو العهدة. و ليس هو للمالية كما عرفنا و إنما هو للتكليف و الوجوب.

و أجاب ثالثا (2): بأنه لو سلم فلا مجال له في نصب الإبل و البقر فإن قولهم (عليهم السلام): في كل خمس من الإبل شاة يمنع حمله على الظرفية‌

____________

(1) ج‍ 9 ص 180.

(2) المصدر ص 181.

16

للمخالفة في الجنس. و الحمل على إرادة مقدار من النصاب يساوي الشاة بحسب القيمة يوجب كون الشاة ليست فريضة في الخمس من الإبل، و لا بنت المخاض فريضة في الست و العشرين، و دفعها دفع للبدل. و كذا الحال في بقية نصب الإبل و البقر. و هو كما ترى مخالف لما يستفاد من النصوص ضرورة. إلى آخر ما قال.

و هذا إشكال متين بغض النظر عن نقطة في كلامه ينبغي التنبيه عليها، و هي أن بنت المخاض التي هي فريضة الست و العشرين من الإبل هي من الإبل و ليست من الغنم. كما أن فريضتا البقر معا هي من البقر و ليست من الغنم. فينحصر الإشكال فقط، في الأنصبة الخمسة الأولى من الإبل و التي تكون فرائضها من الغنم.

و قد يجاب هذا الإشكال بالتفريق بين هذه الأنصبة و غيرها في المحتوى النظري الفقهي. و يقال في غيرها بالكلي في المعين، و فيها بغيره. و هو كما ترى.

و على أي حال، فهذا الدليل لهذا الوجه غير تام.

القسم الثاني: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) (1): رجل لم يزكّ إبله أو شاته عامين فباعها على من اشتراها أن يزكيها لما مضى؟ قال: نعم. تؤخذ منه زكاتها و يتبع بها البائع أو يؤدي زكاتها البائع.

و تقريب الاستدلال: أن هذه الصحيحة دالة على عدم ملكية المشتري لمقدار الفريضة، و هو يناسب مع كونها بنحو الكلي في المعين.

إلا أن هذا الاستدلال لا يتم:

أولا: لما قاله في المستمسك من أن الوجه في ذلك لا يتعين كونه‌

____________

(1) الوسائل: أبواب زكاة الأنعام. باب 12. حديث 1. و استدل بها في المستمسك على هذا الوجه انظر ج‍ 9 ص 182.

17

الكلي في المعين، بل يمكن له وجوه أخرى كالإشاعة أعني الشركة في العين أو حق الجناية أو الرهانة. و إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.

ثانيا: أنها على خلاف المطلوب أدل. و ذلك لقوله (عليه السلام): أو يؤدي زكاتها البائع. فإن الظاهر منه أنه يؤدي نفس زكاتها لا بدله، و لو كان بنحو الكلي في المعين، كان بدلا عنه لا محالة.

القسم الثالث: من أدلة هذا الوجه: خبر أبي حمزة عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) (1): قال: سألته عن الزكاة تجب عليّ في مواضع لا يمكنني أن أؤديها. قال: اعزلها. فإن اتجرت بها، فأنت لها ضامن و لها الربح، و إن نويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة، فليس عليك شي‌ء. فإن لم تعزلها و اتجرت بها في جملة مالك، فلها تقسيطها من الربح و لا وضيعة عليها.

و تقريب الاستدلال: ليس أكثر من كون الأحكام الواردة فيها تناسب الكلي في المعين.

و جوابه من وجوه:

أولا: ضعف سند الخبر، فإنه رواية مرسلة. مع عدم بناء الأصحاب على العمل به، كما قيل. لو قلنا بجبرانه.

ثانيا: أنه كما يناسب الكلي في المعين يناسب غيره من الوجوه كالشركة في العين و حق الجناية غير المستوعبة.

إذن فالكلي في المعين لا يمكن استفادته من الأدلة.

أدلة الوجه الثالث: و هو الشركة المشاعة أو الشركة في العين

و عن مفتاح الكرامة أن: مقتضى الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في‌

____________

(1) الوسائل: أبواب المستحقين للزكاة. باب 52. حديث 3.

18

العين، و كلام القائلين بذلك- ما عدا المصنف في التذكرة- في غاية الظهور في الشركة، بل لا يحتمل غيرها.

و استدل له بأدلة عديدة نذكر أهمها:

الدليل الأول: لسان: فيما سقت السماء العشر إذ العشر ظاهر بالكسر المشاع. كصحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد اللّه (1) (عليه السلام): في الصدقة فيما سقت السماء و الأنهار إذا كان سيحا أو كان بعلا العشر. و ما سقت السواني و الدوالي أو سقي بالغرب، فنصف العشر.

و غيرها من الأخبار.

و جواب ذلك من وجهين:

أولا: ما ذكره في المستمسك (2) من أن التعبير بالعشر و نصفه، لم يرد مثله في زكاة الأنعام و لا في زكاة النقدين. و إنما ورد فيها شاة و بنت لبون و بنت مخاض. و خمسة دراهم و نصف مثقال و نحو ذلك. و الجميع ظاهر في غير الجزء المشاع.

و التصرف فيها بالحمل على الجزء المشاع ليس بأدل من التصرف في العشر و نصفه بالحمل على المقدار. بل الثاني هو المتعين، لأنه أقرب و أسهل، كما هو ظاهر. أقول: و لا أقل من تساوي الاحتمالين اللذين يحتاج كل منهما إلى كلفة و تصرف.

ثانيا: أن هذا لو تم في شي‌ء من الأنصبة، فلا يمكن إتمامه في الأنصبة الخمس الأولى للإبل، حيث يجب الدفع من نوع آخر.

و التأويل بالاشتراك بالقيمة غير وارد.

____________

(1) المستمسك ج‍ 9 ص 176- 177.

(2) الوسائل: أبواب زكاة الغلات. باب 4. حديث 2.

19

1- أنه خلاف الظاهر، كما هو ظاهر.

2- أنه يجعل الكسر العشري قابلا للزيادة و النقصان، حسب قيمة الإبل و الشاة و لا يكون له اسم محدد عرفا. و كل ذلك خلاف الفهم العرفي.

كما أن التفكيك بين زكاة الغلات و غيرها، فتكون هي بنحو الإشاعة و غيرها بنحو آخر. غير ممكن.

1- أنه لا يلتزم به القائل نفسه.

2- على خلاف ظهور الأدلة و ارتكاز المتشرعة على أن الزكاة موضوعة على نحو واحد. و لا أقل من قوله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا [التوبة: 103]. و كذلك: لسان: أن الزكاة في تسعة أشياء أو على تسعة أشياء.

3- أن النحو الأخر في غير الغلات لا يكون متعينا. فإن كان المقصود هو الكلي في المعين فقد ناقشناه و إن كان له وجه آخر من الوجوه، فهو تابع لمناقشته بعون اللّه تعالى.

الدليل الثاني: صحيحة أبي المعزى عن أبي عبد اللّه (1) (عليه السلام) قال: إن اللّه تبارك و تعالى أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال. فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم.

و هو نص بالشركة. و جوابه من وجهين:

أولا: يستفاد منه بوضوح كونه بصدد بيان الحكمة من تشريع الزكاة و ليس بصدد بيان نحو تشريعها. و إذا تم ذلك كان لفظ الشركة قاصرا عن أداء المعنى الفقهي.

ثانيا: أن الشركة كما تكون بنحو الإشاعة تكون بنحو آخر، كالكلي في المعين، فإن المجموع أيضا لا يجوز صرفه إلى الغير. و المهم في‌

____________

(1) أبواب مستحقي الزكاة. باب 4. حديث 4.

20

الشركة هو تعدد الحقوق في المال. فتأمل.

الدليل الثالث: صحيحة بريد بن معاوية قال: سمعت أبا عبد اللّه (1) (عليه السلام) يقول (الحديث): و فيها محلان للاستدلال:

الأول: قوله: فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلا بإذنه فإن أكثره له. و هو يناسب مع شركة الإشاعة.

الثاني: قوله: فاصدع المال صدعين ثم خيره أي الصدعين شاء فأيهما اختار فلا تعرض له. و لا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق اللّه في ماله. فإذا بقي ذلك فاقبض حق اللّه منه.

قال في المستمسك (2) في وجهه: فإن القسمة من لوازم الإشاعة إذ لو كان من قبيل الكلي في المعين لوجب على المصدق أن يأمر المالك بدفع ما يكون مصداقا لكلي الفريضة، و ليس له المشاحة على الخصوصيات، إذ جميعها للمالك، و الفقير له الكلي لا غير.

أما عن الفقرة الأولى، فهي غير صحيحة، لأنه كما يناسب مع الإشاعة، يناسب مع غيره كالكلي في المعين، فإن المملوك فيه ليس هو مطلق الكلي بل الكلي المحدد في هذا المجموع المعين. فاستحقاق مالك الجزء يجعل مالك الباقي غير كامل التصرف في ماله. و من هذه الجهة فليس كله له بنحو مطلق.

على أن الاستفادة من الرواية إنما تكون بمفهوم الوصف، و ليس بالدلالة المطابقية، و هو غير تام. اللهم إلا أن يستفاد أن الإمام (عليه السلام) بنفسه في مقام بيان المفهوم فتأمل.

و أما عن الفقرة الثانية فيمكن مناقشتها بعدة وجوه:

____________

(1) أبواب زكاة الأنعام: باب 14. حديث 1.

(2) ج 9 ص 176.

21

الوجه الأول: ما ذكره في المستمسك (1) من عدم كون القسمة من لوازم الإشاعة لا شرعا و لا عقلا.

أقول: إلا أن المدعى ليس هو تلك الملازمات، و إنما هو الملازمة الفقهية المتشرعية، و هي و إن كانت موجودة لانحصار الوجه فيه فقهيا، إلا أن هذا هو اصطلاح فقهي متأخر لا يمكن فهمه من النصوص. و معه فنفي الملازمتين العقلية و العرفية كاف في نفيه.

ثانيا: ما ذكره أيضا من أنه (عليه السلام) قال في ذيل الحديث: حتى يبقى ما فيه وفاء لحق اللّه في ماله قال: و هو ظاهر في أن الحق أمر خارج عن المال متعلق به، لا أنه جزء منه بنحو الإشاعة.

أقول: إن قرينته على نفي الإشاعة واضح للتعبير بالحق، و الإشاعة لا تكون إلّا بالملك. و أما ظهوره في كونه خارجا عن المال فهو محل الإشكال و لأنه يقول: ما فيه وفاء فالحق موجود في المال لا خارج عنه.

ثالثا: أن ما ذكر في الصحيحة من التقسيم غير واجب بالضرورة الفقهية، و إنما هو أمر راجح إرفاقا بالمالك لكي لا يفقد ما يرغب فيه من أمواله. و هذا معناه أن دفع الزكاة بغير التقسيم ممكن. و هذا ما يعترف به القائلون بهذا الوجه. و معه يتعذر المصير إلى الإشاعة.

أدلة الوجه الرابع: و هو الشركة في المالية

و أفضل ما يقال في الاستدلال عليها، إنها الوجه الذي به نستطيع أن نفهم كل ألسنة الأدلة، بشكل تندفع به الإشكالات الواردة عليها، مما سبق أن سمعناه.

فمثلا: نفهم ذلك من الروايات التي استعملت حرف الظرفية. و لا‌

____________

(1) ج‍ 9 ص 178.

22

يرد عليه ما أورد هناك من كون الظاهر منها أنها متعلقة بفعل مقدر، مثل يجب أو فرض. إذ إن الشركة في المالية نحو من الفرض و الوجوب.

كما لا يرد عليه معارضته بما استعمل فيه حرف الاستعلاء. لأن الشركة في المالية تكون على ذمة المكلف أيضا. و به نفسر ما ورد فيه كلا الحرفين مستعملان كصحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (1) (عليه السلام):

هل في البغال شي‌ء؟ قال: لا- إلى أن قال- ليس على ما يعلق شي‌ء إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل.

فأما ما سوى ذلك فليس فيه شي‌ء.

إذ يكون المؤدى الرئيسي لكلا الحرفين واحدا. و هو الشركة في المالية. إما حرف الظرفية فباعتبار أن العرف يرى كون المالية شيئا حاصلا في المال، و ليس معزولا عنه ارتكازا. إلى حد يمكن أن تحمل عليه بالحمل الشائع فيقال: الكتاب دينار واحد.

و أما حرف الاستعلاء فباعتبار أن المملوك ليس هو العين بل المالية، فبلحاظ المغايرة بينهما يرى العرف أن المالية أمر موضوع على المال من الخارج، يعني من التسالم و التعارف الاجتماعي.

هذا إذا لاحظنا أن مدخول الحرف هو المال، كما هو أحد القسمين اللذين أشرنا إليهما. و إذا كان مدخول أحرف هو المكلف، و هو القسم الثاني. فباعتبار: أن العرف لا يرى العين داخلة في الذمة بل المالية نفسها، فالمالية هي التي تكون محمّلة على ذمة المكلف و عهدته. و من هنا نفهم منه الشركة في المالية.

هذا. و كذلك صحيحة عبد الرحمن السابقة، التي لم تكن دالة على وجه الكلي في المعين. و التي يقول فيها: (تؤخذ منه زكاته و يتبع بها البائع أو يؤدي زكاتها البائع).

____________

(1) أبواب ما يجب فيه الزكاة. باب 16. حديث 3.

23

و هو دال على أن الزكاة في المالية، و إلّا لما انسجم كون نفسها مما يمكن أن تدفع على شكلين:

أحدهما: أن (يتبع بها البائع) يعني العين نفسها.

ثانيهما: (أو يؤدي زكاتها البائع) يعني بالقيمة. و هو ظاهر بأن القيمة هي نفس الزكاة و ليست بدلا عنها الأمر الذي يدل على أن الجزء المستحق هو المالية، و أن مالية النصاب متوزعة بين المالك و المستحق. و هو معنى الشركة في المالية.

و كذلك: لسان: فيما سقت السماء العشر لما قلناه من أن الفهم العرفي يرى أن المالية أمر موجود في العين و ليس منفصلا عنها.

و لا يرد عليه ما أوردناه في وجه الشركة المشاعة من أن يلزم التفريق بين زكاة الغلات و غيرها. لأننا نفهم كلا القسمين من باب الشركة في المالية. فإنه بالرغم من أنه ورد في بيان الفريضة المدفوعة: بنت مخاض و بنت لبون و خمسة دراهم و نصف مثقال و نحوها. إلا أننا لا نفهم من ذلك ملكية المستحق للمعين بل لمالية هذه الأشياء.

فإن قلت: إن الظاهر منها ذلك، قلنا: إن هذا يعني الشركة في العين الذي ناقشناه و دفعناه. و عندئذ تتعين الشركة في المالية.

و كذلك صحيحة أبي المعزى: إن اللّه أشرك بين الأغنياء و الفقراء بالأموال. و قد سبقت.

و الشركة كما تكون في العين تكون في المالية. و هو يقول:

(بالأموال) و هو في المالية أظهر. إذ لو كان يريد الأعيان لعبر بذوات الأعيان. فتأمل.

و كذلك صحيحة بريد بن معاوية و فيها يقول: فاصدع المال صدعين. إلى أن يقول: حتى يبقى ما فيه وفاء لحق اللّه في ماله. و حق اللّه في ماله ظاهر في المالية، إذ لو كان المراد العين لما صح التعبير عنها‌

24

بالحق. و أما (المال) فهو أوضح في المالية بطبيعة الحال. الأمر الذي يعين كونه المملوك للمستحق هو المالية، و هو معنى الشركة في المالية.

و ما أورد عليه من أن تقسيم المال من لوازم الإشاعة في العين لا الشركة في المالية، غير وارد، لأن كل قسم كما ينظر إليه عرفا بصفته عينا، كذلك ينظر إليه بصفته مالا أو له مالية. و حيث عرفنا أن النتيجة المطلوبة بعد التقسيم هو بقاء (حق اللّه في ماله) و الذي استفدنا منه المالية، فيكون ذلك دليلا على أن التقسيم إنما هو تقسيم للمالية لا للعين.

و أما خبر أبي حمزة عن أبيه عن أبي جعفر السابق، و الذي يقول فيه:

فإن لم تعزلها و اتجرت بها- يعني الزكاة- في جملة مالك، فلها تقسيطها من الربح و لا وضيعة عليها.

فقد يقال: إنها أظهر بالشركة في العين، لأن العرف يرى أن التجارة إنما تكون بالأعيان و الربح إنما يكون بها و منها.

و لكنها على خلاف المقصود أدل لوضوح عدم انخفاض الأعيان في التجارة، و إنما التجارة في واقعها إنما هي بالمالية دون العين، و إنما يستعمل العين مقدمة للحصول على المالية. و الربح إنما هو زيادة في المالية. و كل ذلك ينتج الشركة في المالية.

و لو سلم فهو خبر غير معتبر لإرساله، كما سمعنا.

فهذا هو أقصى ما يمكن الاستدلال به على الشركة في المالية. و قد أطلنا فيه احتراما لسيدنا الأستاذ الذي يقول به، و لم نجد منه مصدرا يحتوي على استدلاله عليه.

إلا أن هذا كله لا يتم إلا أن يقال: إن هذا الرأي إنما يتخذ للضرورة جمعا بين مجموع الأدلة التي تبدو متنافية في مدلولاتها، و لو لزم من ذلك المصير إلى التأويل غير العرفي لبعضها أو لكثير منها.

25

و هذا قد يكون له وجه من المنطقية، لو كان هو الرأي المنحصر الذي يمكن فيه الجمع. و أما إذا استكشفنا وجها آخر جامع فلن يكون هذا أولى منه بالاستفادة. على أن المطلوب هو الجمع بالفهم العرفي بين مجموع الأدلة و ليس هو التأويل في البعض و الإهمال في البعض الأخر بمعنى ترك التعرض للمعارض.

و يمكن أن نذكر الإشكال في هذا الاستدلال ضمن النقاط التالية:

النقطة الأولى: أن الشركة في المالية لا تنسجم مع النصب الخمسة الأولى للإبل، حيث تكون الفريضة فيها من غيرها. إلا على تأويل أن الزكاة في الحقيقة هي ملكية الفقير لمالية قيمة الشاة المتحققة ضمن قيمة الإبل.

إلا أنه خلاف الظاهر جدا، من حيث إن الظاهري ملكية المستحق للشاة نفسها أو عينها و ليس للمالية المتحققة ضمن قيمة الإبل. فإن تنزلنا قلنا بضمان مالية الشاة بشكل مستقل عن مالية الإبل. بمعنى أنها غير ملحوظة ضمنها إلا على وجه البدلية لو حصلت.

و على أي حال، فهي شاة كلية أو قيمتها الكلية ثابتة في ذمة المالك.

لا تتعين إلا بقبض المستحق.

و هذا ينتج جواز بيع النصاب كله، كما هو غير بعيد. و لا ينفيه غير خبر أبي حمزة غير المعتبر فراجع.

النقطة الثانية: بالنسبة إلى الأخبار التي استعمل فيها حرف الاستعلاء، لا يفهم منها إلا الوجوب، لانه هو الذي يكون في الذمة و العهدة. و هذا فيما كان مدخولة المالك واضح.

و كذلك ما كان مدخولة المال، لأن المال ملحوظ بما هو داخل في عهدة المالك و سيطرته، فما وجب عليه من الزكاة يكون في عهدته أيضا.

و هذا واضح بناء على عدة أقوال يجمعها كون الزكاة من ضمن المال:

كالشركة في العين و الكلي في المعين و حتى الشركة في المالية. فلا يتعين كونه للشركة في المالية.

26

النقطة الثالثة: بالنسبة إلى ما استعمل فيه حرف الظرفية. فكما أن مجموع المالية صرف لجزئها، بمعنى من المعاني كذلك يناسب ذلك مع الأقوال الأخرى، كما هو معلوم، فلا يتعين ذلك.

بل ينفيه ظهور اللفظ في العين كشاة و بنت لبون و حقة و غير ذلك. إلا أن تؤوّل بالمالية، و هو مخالف للظهور بلا إشكال.

النقطة الرابعة: أن ما زعمناه خلال عرضنا للدليل من أن ظاهر (المال) عرفا: المالية. غير صحيح عرفا. بل المال عندهم هو ذات الأعيان كالغنم و البقر و الحنطة و الشعير. ثم استعيرت منه المالية بمفهومها الخاص.

بل المالية كمفهوم بحياله غير ملحوظ بوضوح عرفا و إنما الملحوظ قيمة الأشياء التي تدفع بإزاء معاوضاتها. و هي و إن كانت تمثل المالية، إلا أن المقصود بالمالية الاصطلاحية أمر يختلف عن ذلك بمقدار مهم.

النقطة الخامسة: بالنسبة إلى ما ورد في الغلات من العشر و نصف العشر. فإن المفهوم عرفا منه هو عشر عين النصاب لا ماليته.

و ما قلناه من أن العرف يرى المالية في عين المال و ليس منفصلا عنه، و إن كان صحيحا. إلا أنه فرع الفهم العرفي بتعلق الزكاة في المالية دون العين، و هو خلاف الظاهر.

مضافا إلى ما ورد في الأنعام و النقدين من تسمية الأعيان بذواتها دون الكسر العشري، فإنها أظهر في العين، إلا بتأويل المالية على وجه بعيد.

النقطة السادسة: بالنسبة لصحيحة بريد بن معاوية، فقوله فيها: حتى ما يبقى ما فيه وفاء لحق اللّه في ماله. لعله أظهر في العين لأن معنى المال عرفا هو ذلك. و الحق هنا هو الاستحقاق، بمعنى تنفيذ طاعة اللّه سبحانه و تعالى فيه بإيصاله إلى مستحقه. و ليس حقّا بالمعنى الاصطلاحي لنحمله على المالية.

و قوله له فيها: فإن أكثر له، لا يناسب الشركة في المالية. لأنه قال‌

27

فلا تدخله إلا بإذنه فإن أكثره له. فالملحوظ الدخول بين الأعيان و ليس المالية. فيكون ذلك قرينة على أن المراد بأكثره العين لا المالية.

و كذلك صحيحة أبي المعزى بعد أن قلنا إن العرف يفهم من المال العين. فهو حين يقول: إن اللّه أشرك بين الأغنياء و الفقراء بالأموال، يعني في أعيانها و ليس في أقيامها. على أنه حديث يتحدث عن الحكمة من جعل الزكاة، فقد يمكن فهمه على أساس فقهي، و بتعبير آخر: أنه لا يكون بصدد البيان من الناحية الفقهية لنتمسك بإطلاقه.

النقطة السابعة: المشهور جدا تعلق الزكاة بالعين. بل عن المصابيح أنه يكاد يكون إجماعا. و عن التذكرة نسبته إلى علمائنا. و عن المنتهى: أنه مذهب علمائنا أجمع (1) و هذا المضمون كما يكون نافيا لأن تكون الزكاة في الذمة، كذلك يمكن أن يكون نافيا لكون الزكاة في المالية. لوضوح تغاير العين و المالية عند هؤلاء المجمعين. فيكون صرف الزكاة من العين إلى المالية خروجا على هذا الإجماع أو الشهرة المحققة.

اللهم إلا أن يقال: إنه ليس إجماعا تعبديا، بل هو معتمد على الأخبار، فلا يكون حجة.

و يمكن أن يجاب: إن هذا الكلام إنما يصدق فيما إذا كانت قيمة الإثبات في الإجماع أقل من قيمة الإثبات في الأخبار أو مساوية له. و أما إذا كانت قيمة الإجماع أعلى و أهم من الأخبار فيكون معتبرا و مثاله ضروريات الدين فإنها واردة في مورد الأخبار أيضا إلا أن الإجماع و الضرورة أكبر من ذلك. فقد تكون نفس الفكرة مطبقة في مورد الكلام أيضا بشكل و آخر، فلاحظ و تأمل.

____________

(1) انظر المستمسك ج‍ 9 ص 175.

28

أدلة القول الخامس و هو أن يكون استحقاق الزكاة كاستحقاق العين المرهونة، أو حق الرهانة

و هذا الوجه واضح الفساد فقهيا لوضوح الفرق بين العين المرهونة و العين الزكوية. و مجرد اشتراكهما في عدم جواز التصرف، لا يكفي لفهم التشابه بينهما من جميع الجهات.

و نلخص فيما يلي أهم الفروق بينهما:

أولا: أن العين المرهونة مملوكة لمالكها الأصلي و هو المدين الراهن. على حين أن الأدلة في باب الزكاة واضحة في ملكية الفقير للحصة الزكوية سواء بعينها أو بماليتها أو بكسرها العشري أو غيره، دون المالك.

و أوضح ما يدل على ذلك ما استعمل فيه حرف الظرفية و حرف الاستعلاء، و لام الملك، و لا حاجة إلى تفصيله.

ثانيا: أن العين المرهونة يجوز بيعها بإذن مالكها بخلاف العين الزكوية، فإن الاستئذان من أحد الفقراء لا يكفي ما لم يقبضها. و إذا قبضت خرجت عن كونها عينا زكوية.

فإن قيل إنه يمكن الاستئذان من ولي المالك و هو الحاكم الشرعي.

قلنا: أولا: أنه لا يعني تسلط المالك بالعنوان الأولي على الإذن، بخلاف العين المرهونة. و ثانيا: أن العين المرهونة لا ينفذ فيها حكم الحاكم في عرض إذن المالك.

ثالثا: أن العين المرهونة ترجع إلى مالكها بالفك دون العين الزكوية.

و بتعبير آخر: إن العين المرهونة يمكن فكها دون الأخرى.

رابعا: أن العين المرهونة لا تحديد لها عرفا و لا شرعا بخلاف العين الزكوية المحددة شرعا.

29

خامسا: يجوز للمالك الراهن التصرف في العين المرهونة بإذن المرتهن، بخلاف العين الزكوية، و إذن الحاكم الشرعي فيها كما سبق.

سادسا: أن فكرة الرهن أساسا لأجل الاستيثاق من إرجاع الدين و إمكان قبضه من قبل الدائن المرتهن. و هذا منتف بالمرة في العين الزكوية. و هذا واضح و لعلّه أهم هذه الوجوه.

و على أي حال فلا يمكن المصير إلى كون الاستحقاق للعين الزكوية على غرار العين المرهونة. و معه لا حاجة إلى استعراض الأدلة و مناقشتها.

أدلة القول السادس:

و هو أن يكون الاستحقاق الزكوي كاستحقاق حق الجناية. و يراد به أن المجني عليه دون القتل أو ولي الدم في القتل يملك العبد الجاني كله أو بعضه حسب قيمته و قيمة الدية على تفصيل موكول إلى كتاب القصاص.

و لا بدّ فيما يلي أن نحمل فكرة مختصرة مع أدلتها عن نحو فكرة ملكية العبد الجاني. لنطبقها بعد ذلك على العين الزكوية.

صحيحة زرارة (1) عن أحدهما: في العبد إذا قتل الحر دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه و إن شاؤوا استرقوه.

و صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) (2) عن مدبر قتل رجلا عمدا. فقال: يقتل به. قال: قلت فإن قتله خطأ. قال: فقال:

يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم رقا فإن شاؤوا باعوه و إن شاؤوا استرقوا و ليس لهم أن يقتلوه. قال: ثم قال: يا أبا محمد إن المدبر مملوك.

إلى عديد من الروايات الواردة في صورة القتل. و أما ما ورد في صورة الجناية التي هي أقل من النفس فنذكر عنها بعض الأمثلة أيضا.

____________

(1) الوسائل: أبوال القصاص في النفس. باب 41. حديث 1.

(2) المصدر: باب 42. حديث 1.

30

منها: صحيحة الفضيل بن يسار (1): أنه قال في عبد جرح حرّا.

فقال: إن شاء الحر اقتص منه. و إن شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته. و إن كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه. فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحر المجروح [حقه] من العبد بقدر دية جراحه، و الباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقه و يرد الباقي على المولى.

و صحيحة أبي أيوب الحناط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) (2) عن مكاتب اشترط عليه حين كاتبه، جنى إلى رجل جناية. فقال: إن كان أدّى من مكاتبته شيئا غرم في جنايته بقدر ما أدى من مكاتبته للحر. فإن عجز عن حق الجناية، أخذ ذلك من حق المولى الذي كاتبه. قلت: فإن كانت الجناية للعبد. قال: فقال: على مثل ذلك دفع إلى مولى العبد الذي جرحه المكاتب. و لا تقاص بين المكاتب و العبد إذا كان المكاتب قد أدى من مكاتبته شيئا. فإن لم يكن قد أدّى من مكاتبته شيئا فإنه يقاص العبد به.

أو يغرم المولى كلما جنى المكاتب، لأنه عبده ما لم يؤد من مكاتبته شيئا.

إلى غير ذلك من الروايات.

و هي واضحة في كون الحق في العبد الجاني في العين لا في الذمة و لا في المالية. و أوضح ذلك هو ما إذا كانت الدية أقل من قيمته، كقوله في صحيحة الفضيل (فإن أبى مولاه أن يفتديه كان للحر المجروح [حقه] من العبد بقدر جراحه و الباقي للمولى. يباع العبد فيأخذ المجروح حقه و يرد الباقي على المولى).

و لا شك أن هذا البيع غير واجب و إنما هو طريقي لتوزيع الحقوق.

و المهم هو حصول الشركة في العين بين المجني عليه و المولى. فإن استوعبت الدية ثمنه في الجرح أو كانت الجناية قتلا، لم تحصل شركة،

____________

(1) المصدر: باب 3. حديث 1.

(2) المصدر: باب 7. حديث 1.

31

لأن العبد كله يدفع إلى المجني عليه أو وليه. فيكون مالكا له ملكية اعتيادية، بمعنى أن له أن يتصرف فيه تصرفا خارجيا أو معامليا كأي شي‌ء آخر مملوك. و بتعبير آخر: يكون هو المولى لا المولى الأول.

و أشبه شي‌ء لموارد الزكاة هو ما إذا لم تستوعب الجناية قيمة العبد.

و هي كما عرفنا: الشركة في العين. فالقول- إذن- بأن حق الزكاة كحق الجناية تعبير آخر عن الشركة في العين. و ليس غيره لبا، و إن كان عن صياغة جديدة.

و ليس حق الجناية من قبيل الكلي في المعين و لا الشركة في المالية و لا هو حق فذ خارج عن الماليات، بل هو حق مالي أو تملك للمال لا أكثر و لا أقل. يصبح أحيانا- كما عرفنا- من الشركة في العين أو الملكية المشاعة.

فالفكرة مع القائل بالشركة في العين في الزكاة واحدة. و هي التي قالوا عنها إنها هي المستفادة من الأدلة و لا يحتمل غيرها. غير أن أعيان الزكاة تختلف عن متعلق حق الجناية، الذي يكون هو العبد دون غيره.

و من هنا فقد يمكن أن نضم الفقهاء الذين يقولون بتنظير حق الزكاة بحق الجناية إلى الفقهاء الذين يقولون بأن حق الزكاة من الشركة المشاعة في العين.

نعم إذا كان لا يرى الفقيه في حق الجناية ذلك، و لو باعتبار ظهور الروايات في تعليقه على مشيئة المجني عنه كقوله: إن شاء الحر اقتص منه و إن شاء أخذه. حيث يقال: إن الظاهر أن الملكية فرع المشيئة و ليست حادثة في طول الجناية.

عندئذ يختلف حق الجناية عن حق الزكاة بوضوح و لا يمكن التنظير بينهما لعدم تعليقه على المشيئة في الزكاة.

و قد يقال: إن ملك الفقير متوقف على القبض المتوقف على‌

32

المشيئة، فيكون الملك متوقف على المشيئة.

فيقال: إنه لو سلم بهذا المقدار، فمع ذلك يبقى فرق واضح. لأن المجني عليه يملكه كبدل عن الجناية أولا و كبدل عن القصاص ثانيا. و كلا هذين غير متوفرين في حق الزكاة.

إلا أن هذا الفهم لحق الجناية لا يخلو من مناقشة، إذ يمكن أن يقال: إنه بقرينة قوله في صحيحة أبي بصير: يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم رقّا. الدال على أن الجناية سبب تام للملكية، و المشيئة فرع الملكية، كقوله في نفس الصحيحة: فإن شاؤوا باعوه و إن شاؤوا استرقوه.

فكذلك قوله في صحيحة الفضيل: إن شاء الحر اقتص منه و إن شاء أخذه.

فيكون إيقاع القصاص على ملكه لا أكثر و لا أقل. و خاصة بعد الالتفات إلى أن قوله: إن كانت الجراحة تحيط برقبته، تصلح قيدا لكلا المشيئتين.

فراجع و تأمل. و تمام الكلام في محله.

و على أي حال، فالقدر المتيقن من الشركة في العين، في حق الجناية هو بعد تطبيق المشيئة على الاسترقاق. و هو من هذه الناحية يشبه حق الزكاة على هذا المسلك، إلا أن خصائصه الأخرى تختلف كما أشرنا.

فلا يمكن المصير إلى كونهما على وجه واحد.

الوجه المختار

بعد أن ناقشنا كل هذه الوجوه الستة، لم يبق منها ما هو صالح للالتزام به، غير أن الشركة في العين، هي الأظهر كما رأينا من استعراض عدة نصوص. فهل يمكن الالتزام به مع دفع إشكالاته.

و قد رأينا أن المستمسك إنما نفاه باعتبار عدم دلالة النصوص عليه و قد ناقشناه. فلا يبقى من الإشكالات إلا واحدا فقط و هو النصب الخمسة الأولى من الإبل. حيث تكون الفريضة فيها خارج النصاب كله. على حين تكون الأنواع كلها من إنعام و غلات و نقدين فريضتها من نفس النصاب،

33

بحيث يكون دفع شي‌ء آخر عنها بدلا لها و ليس هي الفريضة بعينها.

و تأويل تلك النصب الخمسة بمالية الشاة التي هي جزء من مالية الإبل خلاف الظاهر.

و هذا يمكن أن يجاب بعدة وجوه نذكر أهمها:

الوجه الأول: أنه لا ضرورة إلى الالتزام بكون جعل الزكاة على وجه واحد. و المستفاد من بعض الألسنة كقوله: الزكاة في تسعة أشياء و نحوه.

إنما هو تشريع أصل الزكاة و ليس تفاصيلها أو نحو جعلها.

فإن سلمناه جزئيا، فإنما يراد الغالب، و هو ثابت في كل الأنصبة إلا خمسة منها. الأمر الذي يمكن معه الاستثناء و لا يكون من باب تخصيص الأكثر.

و لو سلمناه اضطررنا إلى عدم التدقيق في فهم موحّد للزكاة، بل المراد مطلق الضريبة أو الغرامة أو إنعاش حال الفقير ما شئت فعبر.

بغض النظر عن كونه جزءا من النصاب أم لا.

و من هنا يمكن أن يقال- كما أشرنا قبل فترة- بإمكان بيع هذه النصب الخمسة و انتقالها جميعا إلى المشتري، مع ضمان دفع الشياه من الخارج بل حتى مع العصيان. بخلاف باقي النصب فإنه لا ينتقل بمقدار حصة الزكاة، و إذا حصل فيه الربح كان لأرباب الزكاة و ليس للتاجر، كما صرح به في خبر أبي حمزة الذي سمعناه. و هو أمر على القاعدة. و لا يخل به ضعفه من هذه الناحية.

و التبرير النظري للحكمة من هذا الفرق هو سعة الرحمة الإلهية. إذ لو أراد الشارع المقدس أن يجعل الفريضة جزءا من النصاب لكان اللازم أن يكلف المالك أحد الإبل بكامله أو أكثر. في حين اقتضت المصلحة التهوين عليه و الرحمة به و عدم تكليفه بهذا المقدار الكبير، فلا يمكن ذلك إلا بدفع شي‌ء من خارج النصاب. بعد التسليم أيضا بأنه لا يجب تقسيم‌

34

الحيوان الواحد و دفع بعضه و لم يؤمر به أصلا، و لو فعله المكلف كان دافعا لبدل الشاة، لا للفريضة نفسها، عرفا.

الوجه الثاني: أن نلتزم بوحدة الجعل في الزكاة إلا أن ذلك يستلزم حمل هذه النصب الخمسة على القيمة لا محالة (1)، لكي يكون من قبيل الشركة في العين، بل و حتى في الوجوه الأخرى: كالكلي في المعين و الشركة في المالية (الظاهر منها مالية الشاة لا مالية الإبل) و كذلك تنظيره بحق الجناية.

و لذا التزم الشاذ من الفقهاء بأنه حق في الذمة، فإنها الفكرة الفقهية الوحيدة التي يمكن أن تكون جامعة بين أنحاء جعل الزكاة. إلا أنه يلزم منها تأويل عدد أكبر من الروايات من ذلك الجانب (أعني في غير هذه النصب الخمسة) الظاهرة بالاشتراك في العين.

و عليه فلا بدّ إما من التأويل أو من التفصيل. أعني إما أن نؤول إحدى الطائفتين من الأخبار- النصب الخمسة من ناحية و غيرها من ناحية أخرى- بما ينسجم مع الباقي. أو نفصل بينهما فنقول باختلاف الجعل في الزكاة، بما فيها ما يترتب على هذا الاختلاف من أحكام.

و قد أشرنا إلى أنه لا ضرورة إلى الالتزام بوحدة الجعل. و الحكمة من تشريع الزكاة نافذة في كلا الوجهين. و معه فالتفريق بين الجعلين هو المتعين لأنه هو الأوفق بظواهر كلتا الطائفتين. بأن يكون الجعل في غير هذه النصب الخمسة بنحو الشركة في العين. و يكون في النصب الخمسة بنحو آخر خارجي عن النصاب أو قل في الذمة، يؤديها من أي شاة وقعت في يده شرعا.

____________

(1) و لو باعتبار قوله: في الخمس من الإبل شاة. الظاهر أن الفريضة من جملة النصاب و أنها فيه. و لا يعقل أن تكون الشاة في الإبل فنصير إلى التأويل بالقيمة. إلا أنه غير تام لأن جعل الشاة بحدها قرينة على أن المراد بالظرفية غير ذلك، و هو مطلق تشريع الضريبة لا أن نجعل الظرفية قرينة على التأويل بالمالية. فإن الأول أولى عرفا.

35

و لا ينبغي أن نفهم من الشركة في العين مفهوم الشركة المشاعة التي عبروا بها. لأنه لا ينسجم مع عدد من فرائض النصب غير هذه الخمسة أيضا. فنصب الإبل الباقية لا يجزي فيها واحد من الإبل كيف كان و كذلك نصاب البقر لا يجزي فيها أي واحد من البقر كيف كان، بل يشترط فيه عمر معين. فلو قلنا بالشركة المشاعة على غرار الكسر العشري لكان لا بدّ من التأويل بالمالية أيضا، فنقع بما فررنا منه.

بل المراد من الشركة في العين هو أن للمستحق جزءا من عين نصاب الزكاة. سواء كان هذا كسرا عشريا كما في الغلات أو حيوانا موصوفا كما في الأنعام، أو جزءا محددا كما في النقدين. و المهم ملكية الفقير لجزء من النصاب فعلا، بحيث لو دفع المالك غيره كان بدلا له.

كما أنه ليس المراد بما في الذمة في النصب الخمسة: اشتغال الذمة بالقيمة، و إلا رجعنا إلى ما قررنا منه، و هو تأويل الشاة بقيمتها. و إنما تشتغل الذمة بالشاة نفسها. و الذمة كما تشتغل بالأقسام تشتغل بالأعيان أيضا. و مثاله الكلي في العين عند بيعه بل مطلق بيع الكلي، حيث تشتغل الذمة بالمبيع لا بقيمته.

و القول الشاذ فقهيا و المنافي لظواهر الأدلة، و هو الالتزام بالذمة مطلقا. و أما الالتزام بالذمة جزئيا مع عدم منافاته للظواهر، بل لأجل موافقته لها، فهو المتعين.

نعم، الالتزام باختلاف الجعل، خلاف الفهم الفقهي المشهور. إلا أن هذا الفهم ليس بحجة، لأنه مبتنى على الاستفادة من الأخبار التي ناقشناها. كما أنه ليس إجماعا. و ظواهر جعل الفرائض في النصب بتفاصيلها حجة عليه. لأننا عرفنا أن الظهور في كل طائفة يقتضي هذا التفريق.

36

فصل في النصاب الخامس للغنم

في هذا النصاب فذلكة فقهية، يحسن التعرض لتفاصيلها.

قال المحقق الحلّي في شرائع الإسلام (1): و في الغنم خمسة نصب:

أربعون فشاة. ثم مئة و إحدى و عشرون. و فيها شاتان. ثم مائتان و واحدة و فيها ثلاث شياه. ثم ثلاثمائة و واحدة. فإذا بلغت ذلك قيل: يؤخذ من كل مائة شاة. و قيل بل تجب أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة فتؤخذ من كل ماءة شاة. بالغا ما بلغ. و هو الأشهر. و تظهر الفائدة في الوجوب و في الضمان.

و يقع الكلام في ذلك ضمن عدة جهات:

الجهة الأولى: في الاستدلال إجمالا على أحد الوجهين:

يدل على الوجه الأول صحيحة (2) محمد بن قيس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ليس فيما دون الأربعين من الغنم شي‌ء. فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين و مائة. فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين.

فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة. فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة.

فقد يستظهر منها أن الثلاثمائة فيها أربع شياه، و سيأتي تمحيصه.

و يدل على الوجه الثاني: صحيحة الفضلاء الخمسة (3) عن أبي جعفر‌

____________

(1) ج 1 ص 133.

(2) الوسائل: أبواب زكاة الأنعام. باب 6. حديث 2.

(3) المصدر: باب 6. حديث 1.

37

و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) (يقول فيها): فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه. ثم ليس فيها شي‌ء أكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاثمائة. فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه. فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة. فإذا تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة. و سقط الأمر الأول، و ليس على ما دون المائة بعد ذلك شي‌ء، و ليس في النيف شي‌ء. الحديث.

و في فهم هذين الحديثين عدة وجوه:

الوجه الأول: ما فهمه صاحب الوسائل من أن الصحيحة الأولى غير صريحة في وجوب ثلاث شياه في الثلاثمائة في حين أن الثانية صريحة في وجوب الأربع، فيجب العمل بها. أقول و هذا من القرينية اللفظية.

الوجه الثاني: ما ذكره صاحب الوسائل: من احتمال المعارضة بين الصحيحين على تقدير إرادة الثلاث حتى مع الثلاثمائة. قال: تعين حمله على التقية. ذكره جماعة من علمائنا.

الوجه الثالث: تقييد صحيحة محمد بن قيس بصحيحة الفضلاء. فإنه لم يصرح بما في الثلاثمائة. فإن كان ظاهره الأربع إذا استفدنا من قوله:

فإذا كثرت الغنم أنه يريد الثلاثمائة خاصة. أمكن تقييده بالواحدة. يعني إذا بلغت ثلاثمائة و واحدة ففي كل مائة شاة. و هو أحد الوجوه التي سمعناها من المحقق الحلّي.

و لكن يبقى التعارض بين الصحيحين في كمية الفريضة المُخرَجة.

الوجه الرابع: تقييد صحيحة محمد بن قيس بوجه آخر: و حاصله:

أننا نقيد الثلاثمائة بما إذا بلغت أربعمائة. طبقا للمفهوم في صحيحة الفضلاء حيث يقول: فإذا بلغت الأربعمائة، يعني ليس في ما دون ذلك أربع شياه.

فينتج أن النصاب الثالث للغنم مائتين و واحدة و فيها ثلاث شياه ثم‌

38

الرابع و هو الأربعمائة ففي كل مائة شاة.

و لكن يبقى التعارض في الثلاثمائة أو الثلاثمائة و الواحدة، حين يستظهر من صحيحة ابن قيس أن عليها ثلاثا و من صحيحة الفضلاء أن عليها أربعا.

الوجه الخامس: أنه لا تنافي بين التقييدين، فنجري كليهما في صحيحة ابن قيس. فنقيد الثلاثمائة بالواحدة و نقيدها أيضا ببلوغ الأربعمائة.

و يعني التقييد الثاني إضافة رأس نصاب آخر إلى ما هو غير مذكور فيها.

فينتج منه أنه في الثلاثمائة و الواحدة ثلاث و في الأربعمائة في كل مائة شاة. إلا أنه يبقى التعارض فيما هو الواجب من الفريضة في الثلاثمائة كما هو واضح.

الوجه السادس: أنه كما قيدنا الموضوع في الثلاثمائة من صحيحة ابن قيس يمكن أن نقيد الحكم أيضا. فيكون الموضوع هو الثلاثمائة و الواحدة كما سبق، و هو موافق لصحيحة الفضلاء. و يكون مشمولا لحكمه المذكور في صحيحة الفضلاء و هو أربع شياه. و نحمل قوله: إذا كثرت الغنم على الأربعمائة و هو مرجع التقييد الجديد فيرتفع كلا التعارضين.

و الإنصاف أن صحيحة محمد بن قيس، غير واضحة في عدة أمور مما هو مذكور في صحيحة الفضلاء، فتكون صحيحة الفضلاء أصرح و أخص. مضافا إلى التفضيل السندي و الجهتي.

أولا: أن صحيحة ابن قيس غير واضحة بما يجب في الثلاثمائة.

ثانيا: أنها غير واضحة في أن المراد بكثرة الغنم هو الثلاثمائة. بل لعلها تعطي أن المراد غيرها إجمالا. فكأنه يعطي مرحلة أخرى من النصب. و إن لم يوضح العدد.

ثالثا: أنها غير واضحة في عدد الأربعمائة إلا أن يفسر بما في صحيحة الفضلاء كما أشرنا.

39

رابعا: أنها غير واضحة في أن الثلاثمائة أصلا هي رأس نصاب أو لا. بل لعل الأظهر فيها خلافه لظهور دخول الغاية في المغيّى فتجب في الثلاثمائة ثلاث شياه كسابقه، فإذا زادت على ذلك، إجمالا، وجب في كل أربعمائة شاة.

خامسا: أنها غير واضحة في تحديد النصاب الذي يلي المائتين و واحدة، أو قل- بغض النظر عما سبق- الذي يلي الثلاثمائة. هل هو الثلاثمائة و واحدة أو الأربعمائة.

و به تكون صحيحة الفضلاء مقدمة على الأخرى لعدة وجوه:

الوجه الأول: التقييد السادس الممكن بعد كل الذي قلناه من وجوه إجمال الصحيحة.

الوجه الثاني: التفضيل السندي الذي اختاره في المستمسك على تقدير التعارض من حيث تلك الصحيحة يرويها خمسة من الفضلاء، دون الأخرى.

إلا أن هذا محل نظر. لأن المهم في الفتوى فقهيا هو الاعتبار السندي، و ليس للتعدد دخل مهم، إلا أن تصبح الرواية مشهورة روائيا.

و من المعلوم أن الرواة الباقين في صحيحة الفضلاء آحاد و ليسوا خمسة، فالرواية ليست مشهورة بهذا المعنى.

الوجه الثالث: التفضيل الجهتي و هو حمل صحيحة ابن قيس على التقية، إلا أن هذا فرع التعريف على فتوى العامة، و لا يتم بدونه ككثير من أمثال هذه المحامل لدى فقهائنا.

إلا أن الوجه الأول للجمع على وجاهته غير تام أيضا لأن مؤداه وجوب الشاتين عند الثلاثمائة و وجوب الثلاث عند الثلاثمائة و الواحدة و وجوب الأربع أي في كل مائة شاة عند الأربعمائة، فيتعارضان في الثلاثمائة. فلا بد من المصير إلى وجوه أخرى للتفصيل نذكرها بنفس التسلسل السابق.

40

الوجه الرابع: أن رواية الفضلاء كما قلنا أوضح و أصرح، فهي في مقام البيان و التوضيح في كثير من الجهات التي لا تقوم بها عبارة صحيحة ابن قيس و التي قلنا إنها غير واضحة من عدد من الجهات.

و هذا و إن كان وجيها أيضا، إلا أنه على إجماله غير معتبر. بل لا بد من النظر في الروايتين فقرة فقرة. لنرى ما إذا كانت صحيحة الفضلاء أصرح أم لا. و قد رأينا أن التعارض مستحكم في كل الفروض.

الوجه الخامس: أن صحيحة الفضلاء مشهورة فتوائيا قد عمل بها الفقهاء و أعرضوا عن صحيحة محمد بن قيس.

و بالرغم من أن هذا لم يثبت بشكل معتبر أو حجة. إلا أنه مع ضيق الخناق لا بد من المصير إليه.

أو نصير إلى التعارض و التساقط و الرجوع إلى الأصول. و ذلك: أن المقدار المتسالم عليه بين الروايتين هو أن النصاب الثالث هو مائتان و واحدة و عليه ثلاث شياه. و أنه إذا وصل عدد الغنم إلى أربعمائة ففي كل مائة شاة. و هذا ما تصرح به صحيحة الفضلاء و تؤيده صحيحة ابن قيس لأنه القدر المتيقن من كثرة الغنم.

يبقى التعارض في الثلاثمائة أو الثلاثمائة و الواحدة هل هي رأس نصاب مستقل أو هو في كل مائة شاة، و كم عدد الفريضة من الغنم. فهذا و نحوه هو مورد التعارض.

و لا يبعد أن تكون كلتا الصحيحتين تسالمتا على أنه في الثلاثمائة نفسها ثلاث شياه. أما في صحيحة الفضلاء، فبصراحة. و أما في صحيحة ابن قيس فباعتبار ظهور دخول الغاية في المغيّى.

يبقى قوله في صحيحة الفضلاء: فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة. فإذا تمت أربعمائة كانت على كل مائة شاة و سقط الأمر الأول. في حين ظاهر صحيحة ابن قيس أن الواجب فيه ثلاث، بناء على ما‌

41

استظهرناه من أن قوله: فإذا كثرت الغنم، يعني زادت على الثلاثمائة بمقدار معتدّ به.

و مقتضى الأصل أحد وجهين:

الوجه الأول: استصحاب بقاء وجوب الثلاث بعد إحراز وجوبها في المائتين و واحدة و يبقى ذلك مستصحبا إلى الأربعمائة.

الوجه الثاني: أصالة عدم شرطية الثلاثمائة و الثلاثمائة و الواحدة في وجوب الزائد على الثلاث. و نتيجة كلا الوجهين واحدة. كما هو معلوم.

إلا أن الإنصاف عدم التعارض بين الصحيحتين. فإن كلتيهما تسالمتا على وجوب الثلاث بالثلاثمائة، بناء على الاستظهارات السابقة. ثم نقيد صحيحة محمد بن قيس بالأخرى بما إذا بلغت الثلاثمائة و الواحدة مع حكمه. و نحمل كثرة الغنم على الأربعمائة. و لو باعتبار القرينية عليه من الخارج.

1- بقوله في صحيحة الفضلاء: حتى تبلغ أربعمائة الدالّ بوضوح على عدم وجود النصاب قبله. و هو نصّ في المفهوم فلا يتوقف على القول بمفهوم الغاية.

2- أصالة عدم زيادة الواجب في الفريضة عن الثلاث إلى الأربعمائة. أو قل: أصالة عدم شرطية أو موضوعية شي‌ء للأربع فيما دون الأربعمائة.

و هذا الأصل ينتج وجوب الثلاث في الثلاثمائة و الواحدة إلى الأربعمائة. بخلاف صحيحة الفضلاء. و هذه الصحيحة حاكمة و متقدمة على أن قرينية الأصل العملي على الأصل اللفظي، كما هو مقتضى الوجه الثاني، غير عرفي. فالصحيح هو الوجه الأول من هذين الوجهين.

42

الجهة الثانية: في نتائج الجهة الأولى إن للغنم خمسة نصب.

أولا: أربعون ففيها شاة.

ثانيا: مائة و إحدى و عشرون ففيها شاتان.

ثالثا: مائتان و واحدة ففيها ثلاث شياه.

رابعا: ثلاثمائة و واحدة ففيها أربع شياه.

خامسا: أربعمائة ففيها كل مائة شاة.

و هذا هو المتحصل بعد الجمع بين الصحيحتين السابقتين. أو قل:

بعد تحكيم و تقديم صحيحة الفضلاء و تقييد صحيحة محمد بن قيس بها.

الجهة الثالثة: في الفرق بين النصابين الأخيرين إذ قد يقال إنه يجب في الثلاثمائة و واحدة أربع شياه و يجب في الأربعمائة أربع شياه و يجب في الأربعمائة و تسع و تسعون أربع شياه. فلما ذا حصل فيها نصابان كما هو ظاهر صحيحة الفضلاء بل قد يبدو من الأفضل أن تجعل الأربع على كل هذا العدد الذي سمعناه مرة واحدة.

و جواب ذلك ما ذكره المحقق الحلي بقوله: و تظهر الفائدة في الوجوب و في الضمان. و سنشير إلى شرحه.

إلا أن الإشكال، حسب ظاهر كلام المستشكل إنما هو على التشريع لا على المسألة الفقهية. و معه لا يتم هذا الجواب، إذ يمكن للتشريع أن يكون بنحو آخر أوضح. و كونه مختلفا في موضوع الوجوب و في مقدار الضمان. لا يبرر كون أصل التشريع كذلك. كما هو معلوم.

و لا جواب على ذلك إلا التسليم بالحكمة الإلهية، الذي هو مقتضى الإيمان باللّه و الإسلام. فإن مقتضى الحكمة و العدل في التشريع الإلهي هو صحته في كل ما ثبت عنه بطريق معتبر. و لا شك أن التشريع قد وصلنا‌

43

بهذا الشكل بطريق معتبر و هو صحيحة الفضلاء الخمسة التي تحدثنا عنها.

و معه ينسد السؤال عن صحة التشريع.

نعم، يبقى السؤال عن الجهة الفقهية، و قد أعطانا المحقق الحلي رأس الخيط له.

و السؤال قائم على صحيحة الفضلاء، بغضّ النظر عن صحيحة محمد بن قيس، و عن تعارض الروايتين. لأن صحيحة الفضلاء متضمنة لكلا الحكمين و ليس هذا استنتاجا من مجموع نصين. فالإمام (عليه السلام) كان ملتفتا تماما إلى شكل التشريع الذي أخذ به الفقهاء. فجعل في الثلاثمائة و الواحدة أربعا و جعل في الأربعمائة أربعا أيضا. و نصها للاستذكار: فإذا زادت واحدة (من الثلاثمائة) ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة. فإذا تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة و سقط الأمر الأول.

و النتائج أو الفوائد الممكنة في هذا التشريع عدة وجوه:

الوجه الأول: أن موضوع الحكم الشرعي و هو أنصاب مختلف.

فهناك نصابان أو موضوعان حكمهما واحد. و هذا ليس نادرا في الشريعة، بل هو كثير، كما تقول: إن الصلاة واجبة و الصوم واجب.

فهنا أيضا نصابان عليهما شكل واحد من الفريضة.

الوجه الثاني: و فيه تدقيق للوجه الأول. و هو أن يقال: إن المراد في التشريع ليس فقط تعدد النصاب إلى نصابين. بل تغيير سنخ النصاب و ترتيبه. إذ الملحوظ في النصاب السابق أعني الثلاثمائة و الواحدة، وحدة متكاملة كسوابقه. في حين يكون الملحوظ في الأربعمائة شي‌ء آخر و هو أن نحسب المجموع مائة مائة و في كل مائة شاة.

و هذا هو المشار إليه في الصحيحة بقوله: و سقط الوجه الأول. أي التشريع السابق في لحاظ الأنصبة كوحدة متكاملة. فلو كانت الأربعمائة ملحوظة كوحدة لورد السؤال بغض النظر عن الوجه الأول. غير أن هذا‌

44

الوجه الثاني هو الجواب.

و يبدو أن أحد هذين الوجهين هو الذي يقصده المحقق الحلّي.

الوجه الثالث: في تدقيق الوجه الثاني: و هو أن يقال:

إن ما يبدو للنظر الأولي من أنه ينبغي العبور من الثلاثمائة و الواحدة و فيه أربع شياه إلى الخمسمائة و فيه خمس شياه في كل مائة شاة. لكي لا تتكرر الأربع شياه مرتين.

هذا غير صحيح لأن المهم هو تغيير شكل التشريع و ليس موضوعه فقط. و إذا كان شكل التشريع متغيرا أعني في كل مائة شاة (و سقط الوجه الأول)، لم يكن مهما بعد ذلك أن يبدأ بالأربعمائة أو بالخمسمائة. بل الصحيح ما تقتضيه الحكمة بطبيعة الحال.

و مثله ما لو قلنا إن النصاب الثالث و هو مائتان و واحدة فيها ثلاث شياه. و النصاب الرابع و هو الثلاثمائة و الواحدة و فيها في كل مائة شاة. و هي ثلاث أيضا.

بل ما فهمناه من الروايات أوضح من هذا، لأن السؤال يبقى عن سبب إضافة الواحد إلى الثلاثمائة عند ما يراد الحساب مائة مائة. على حين ما قلناه يبدأ هذا الحساب من الأربعمائة.

و السر في ذلك أن هذا القول المشار إليه و الذي عبر عنه المحقق الحلّي. إنما هو ناتج عن تقييد صحيحة محمد بن قيس بصحيحة الفضلاء أعني تقييد الثلاثمائة بالواحدة، مع الفهم بأن كثرة الغنم يراد به ذلك أيضا و حكمه في كل مائة شاة. و قد تحصّل الجواب على مثل هذا النسج مما سبق.

و من الواضح أن التشريع المقرر برواية واحدة معتبرة أوضح من التشريع المستنتج من الجمع بين الأدلة في عدد من الأحيان.

45

أقول: و ليس مثل هذا الحساب بنادر في الشريعة المقدسة. بل فيها ما هو أقل عرفية منه. و قد ورد: أن علمهم صعب مستصعب لا يتحمله إلا مَلَكٌ مقرَّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان.

و ذلك في دية أصابع المرأة حيث يجب في قطع الإصبعين عشرون من الإبل و في قطع الثلاث ثلاثون و في قطع الأربع عشرون. و قد كان بعض أساتذتنا يقول عن ذلك: إننا لا نحتمل أن تكون كثرة الجريمة موجبة لقلة العقاب.

ففي صحيحة (1) أبان بن تغلب. قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها. قال: عشرة من الإبل. قلت: قطع اثنتين. قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثا. قال: ثلاثون.

قلت: قطع أربعا. قال: عشرون قلت: سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون. إن هذا كان يبلغنا و نحن في العراق فنبرأ ممن قاله و نقول: الذي جاء به شيطان.

فقال (عليه السلام): مهلا يا أبان. هذا حكم رسول اللّه (صلَّى اللّٰه عليه و آله). إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية. فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا أبان إنك أخذتني بالقياس و السنة إذا قيست محق الدين.

أقول: و قد ورد في هذا التنصيف أخبار معتبرة و كثيرة. سواء بلغت الجناية النفس أو ما دونها. و التصور بأن ذلك كثرة في الجريمة و قلة في العقاب بعد وضوح ذلك فقهيا، حتى كاد أن يكون قطعيا متواترا. إنما هو إشكال على التشريع و ليس على الفهم الفقهي.

و بحسب فهمي القاصر: إن الأصل في دية المرأة أن تكون نصف دية الرجل دائما. لأن جريمة الاعتداء عليها أضعف من الاعتداء على الرجل.

إلا أن الشريعة أظهرت هذا التنصيف في الثلثين الثاني و الثالث من مقادير‌

____________

(1) الوسائل: أبواب ديات الأعضاء. باب 44. حديث 1.

46

الدية. و أما في الثلث الأول حيث تكون الكلفة قليلة على الجاني دافع الدية. فقد أخذت الشريعة جانب المجنيّ عليه من حيث كثرة ما يصل إليه من المال مع سهولة ما يدفعه الجاني لقلته النسبية. فأصبح الثلث الأول مساويا للرجل.

و لكن عند ما تزداد الكلفة على الجاني. و المفروض أنه خاطئ في جنايته، غير متعمد. و ذلك في الثلث الثاني و الثالث من مقادير الدية، تعيد الشريعة المسألة إلى أصلها، و هو النظر إلى الجناية على المرأة بمنظار و مسئولية أخف من الجناية على الرجل إلى حدّ النصف.

و ليس هذا احتقارا للمرأة و إنما هو باعتبار ميزانها الاجتماعي العام، من قبيل قوله الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اللّٰهُ [النساء: 34] و من غير المعقول أن تكون الجريمة على القائم بالمسؤولية أو الولي بنفس أهمية الجريمة على المولّى عليه و الرعية بالنسبة إليه. و معه لا تكون هناك كثرة في الجريمة و لا قلة في العقاب. و تمام الكلام في محله في كتاب الديات.

الوجه الرابع: من نتائج التشريع في نُصب الغنم، التي كنا نتحدث عنها: و هو الفائدة في الضمان على بعض وجوه.

و الفائدة التي نتحدث عنها الان إنما هي بين النصابين اللذين قلناهما، مما ثبت في الشريعة وجودها، و ليس بين اختلاف الفتويين، كما سيأتي في الوجوه التالية.

و تنحصر الفائدة على هذا المستوي بأنه لو تلف من (العفو) و هو العدد الفاصل بين النصابين، شي‌ء لم يتغير التكليف الشرعي أو قل: لم يتغير النصاب.

فلو كان عنده أربعمائة و واحدة من الغنم و تلفت (1) الواحدة التي هي‌

____________

(1) يعني خلال الحول.

47

عفو بقي نصاب الأربعمائة، في كل مائة شاة، بخلاف ما لو تلف اثنان.

انتقل النصاب إلى الثلاثمائة و واحدة. و بقي التسعة و التسعون الباقية عفوا.

و لو كان عنده خمسمائة و واحدة، و تلفت واحدة، بقي ضامنا لخمسة شياه و لم يتغير النصاب. بخلاف ما لو تلفت اثنتان، فإن المكلف لا يضمن أكثر من أربعة، لانتقال النصاب إلى الأربعمائة.

الوجه الخامس: في الفرق بين الفتويين في الضمان. فإن في الثلاثمائة و واحدة شكلين من الفتوى: إحداهما: ما قلناه من أنها مجموعة واحدة من النصاب الرابع و فيها أربع شياه. و الأخرى: أنها إذا بلغت ذلك ففي كل مائة شاة.

فهنا إن كان التلف خلال الحول، سقط هذا النصاب. و انتقل إلى النصاب الأسبق منه. على كلا الفتويين و إن كان التالف واحدا.

و كذلك إذا تلف بعد وجوب الزكاة و مضيّ الحول، بتعدّ و تفريط، إذ يجب عليه أن يدفع الأربع على كل حال.

أما إذا كان التلف بعد الحول و بدون تعدّ و تفريط. فإن قلنا بما قلناه من أنه نصاب واحد بمجموعه، سقط من الفريضة جزء بمقدار التالف. فإن كان التالف واحدا، سقط جزء من ثلاثمائة و واحد جزء من الفريضة. و إن قلنا بأن فيها في كل مائة شاة، فيكون المدفوع بدون التلف ثلاث شياه، و مع التلف يسقط من إحدى الشياه جزء من مائة جزء. و بقي الباقي. و له أن يسترجع قيمة ذلك من المستحق.

و نقول للإيضاح إنه لو تلف نصف النصاب، بعد الحول بدون تفريط.

وجب عليه، على ما قلنا شاتان فقط. و على ما قالوه شاة و نصف.

و السؤال: إن الرقم 301 لا نصف له إلا بالكسر و لا يمكن القول بتلف النصف من دون الكل.

فجوابه: إنه يمكن ذلك بموت 150 شاة مع ضعف واحدة إلى حد‌

48

نصف قيمتها. و هذا على مسلكنا واضح. و أما على مسلكهم فهم يعتبرون هذا الواحد الزائد على الثلاثمائة شرطا في الوجوب و لذا لم تجب عليه الزكاة فوق الثلاث شياه. و معه فتلف 150 كاف عندهم في صدق تلف النصف. فلا يجب عليه أكثر من نصف الفريضة. بخلافه على ما قلناه فإنه لو تلف 150 و بقيت البقية سليمة وجب على المكلف أكثر من نصف الفريضة بجزء من 301 جزءا من الفريضة.

الوجه السادس: و هو تعميق للوجه الرابع و منطلق من موضوعه.

إنه لو حصل التلف بعد الحول و بدون تفريط. و كان عنده أربعمائة و واحدة و تلفت واحدة. فقد تلف من العفو فلا تقل الفريضة بشي‌ء.

و أما لو تلف اثنان سقط من الفريضة جزء من أربعمائة جزء من الفريضة. أو قل: سقط جزء من مائة جزء من شاة. و لم يتحول النصاب إلى السابق عليه و هو الثلاثمائة و واحدة، لفرض بقاء النصاب محفوظا طول الحول، و حصول التلف بعده.

و أما لو كان التلف بتعدّ و تفريط، فإن كان التلف من العفو لم يتغير النصاب، و أما إذا كان من النصاب ضمن للمستحق حقه، و لم ينقص من الفريضة شي‌ء على كلا الوجهين.

49

فصل نصاب زكاة الغلات

قال الفقهاء، كما هو الصحيح، و قد وردت فيه الأخبار المعتبرة: أن نصاب زكاة الغلات خمسة أوسق. و الغلات هي الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب.

فكم مقدار الخمسة أوسق بالأوزان الحديثة و غيرها. و نتحدث بشي‌ء من التفصيل حسب ما هو الممكن.

الوسق 60 صاعا الصاع 4 أمداد الوسق 240 مد الوسق 60 صاع الصاع 6 رطل مدني الوسق 360 رطل مدني الوسق 60 صاع الصاع 5، 4 رطل مدني الوسق 270 رطل مكي‌

50

الوسق 60 صاع الصاع 9 رطل عراقي الوسق 540 رطل عراقي الوسق 360 رطل مدني النصاب 5 أوسق النصاب 1800 رطل مدني الوسق 270 رطل مكي النصاب 5 أوسق النصاب 1350 رطل مكي الوسق 540 رطل عراقي النصاب 5 أوسق النصاب 2700 رطل بالعراقي الوسق 60 صاع الصاع 3 كيلو الوسق 180 كيلو الوسق 180 كيلو النصاب 5 أوسق النصاب 900 كيلو و هذه هي النتيجة الرئيسية في هذا الفصل.

51

الوسق 240 مد النصاب 5 أوسق النصاب 1200 مد الوسق 60 صاع النصاب 5 أوسق النصاب 300 صاع النصاب 300 صاع الصاع 4 أمداد النصاب 1200 مد و هذه النتيجة كسابقتها، قبل قليل. مما يدل على صحة الناتج.

و نتعرض الان، بمقدار ما للحقة العطارية و الحقة البقالية التي كانت سائدة عندنا في العراق قبل زمن غير بعيد. و لا زال الكثيرون يفهمونها إلى الان.

أما الحقة العطارية و هي (الصغيرة) و تسمى البقالية بالكبيرة. لأن الحقة البقالية 3/ 1، 3 حقة عطارية. فنحسب أولا على الحقة العطارية.

الصاع 25، 614 مثقال صيرفي الحقة 280 مثقال صيرفي الصاع 193، 2 حقة الصاع 25، 614 مثقال الحقة 280 مثقال الحقة 455، 0 من الصاع‌

52

الصاع 193، 2 حقة الوسق 60 صاعا الوسق 58، 131 حقة الوسق 58، 131 حقة النصاب 5 أوسق النصاب 9، 657 حقة الحقة 280 مثقال صيرفي النصاب 9، 657 حقة النصاب 184212 مثقال الكيلو 1000 غرام المثقال 884، 4 غرام الكيلو 750، 204 مثقال الكيلو 750، 204 مثقال النصاب 900 كيلو النصاب 184275 مثقال و هو قريب جدّا من النتيجة السابقة يختلف عنها 63 مثقالا و هو بالنسبة إلى مجموع النصاب أمر بسيط عرفا.

53

الحقة 280 مثقال المثقال 884، 4 غراما الحقة 52، 1367 غراما الحقة 25، 1367 غراما الكيلو 1000 غرام الحقة 367، 1 كيلو الحقة 280 مثقال الكيلو 750، 204 مثقال الحقة 367، 1 كيلو و هي نفس النتيجة السابقة.

و أما بحساب الحقة البقالية الكبيرة:

الحقة 333، 3 حقة عطارية الحقة العطارية 280 مثقال الحقة البقالية 24، 933 مثقال الحقة 24، 933 مثقال المثقال 884، 4 غرام الحقة 944، 4557 غرام‌

54

الحقة 944، 4557 غرام الكيلو 1000 غرام الحقة 557، 4 كيلو الحقة البقالية 557، 4 كيلو الحقة العطارية 367، 1 كيلو الحقة البقالية 333، 3 حقة عطارية و هي نفس النتيجة السابقة.

الحقة 24، 933 مثقال الصاع 25، 614 مثقال الحقة 519، 1 صاع الوسق 60 صاعا الحقة 519، 1 صاع الوسق 499، 39 حقة الوسق 499، 39 حقة النصاب 5 أوسق النصاب 495، 197 حقة بقالية النصاب 495، 197 حقة بقالية الحقة البقالية 333، 3 حقة عطارية النصاب 250، 658 حقة عطارية‌

55

و قد عرفنا فيما سبق أن النصاب 9، 657 حقة عطارية. و اختلاف الحساب دائما في أمثال ذلك ناتج من إهمال الكسور العشرية الضعيفة في الحاسبات الالكترونية الصغيرة.

تطبيق:

قال سيدنا الأستاذ في منهاج الصالحين (1) عن وزن النصاب: ثمان وزنات و خمس حقق و نصف إلا ثمانية و خمسين مثقالا و ثلث مثقال. و الوزنة أربع و عشرون حقة. و الحقة ثلاث حقق إسلامبول (عطارية) و ثلث.

و بوزن الإسلامبول (العطارية) سبع و عشرون وزنة و عشر حقق و خمسة و ثلاثون مثقالا صيرفيا.

و بوزن الكيلو يكون النصاب ثمانمائة و سبعة و أربعين كيلو تقريبا.

انتهى.

و قد عرفنا أن النصاب يساوي 900 كيلو غرام. و يساوي 9، 657 حقة عطارية (إسلامبول). و يساوي 495، 197 حقة بقالية كبيرة.

و في هذا الحساب فإن ست حقق تسمى (منّ) و أربعة أمنان تسمى (وزنة) فتكون الوزنة أربع و عشرين حقة. و هذا لا يختلف فيه الحقق العطارية و البقالية، غير أن المنّ من العطاري و الوزنة منه أقل أو أصغر من البقالي بمقدار 3/ 1، 3. كحال الحقة نفسها.

كما أن ربع الحقة من كلا الحسابين يسمى (أوقية) و ربع الأوقية منهما أيضا يسمى (ربع). و نحن نوكل هذه الحسابات إلى القاري إذا شاء أن يستخرج نسبها و مقاديرها، فإن فيما ذكرنا الكفاية في السير في هذا الطريق.

و إنما نذكر الان ما يرجع من الحساب إلى كلام السيد الأستاذ.

____________

(1) ج 1. ص 325.

56

النصاب 495، 197 حقة بقالية الوزنة 24 حقة النصاب 228، 8 وزنة و إذا أخرجنا مقدار ثمان وزنات و هو 8 24 192 حقة. بقي من النصاب 495، 197/ 192 495، 5 حقة.

و إذا أخرجنا الخمس حقق بقي 495 و من الحقة أي حوالي النصف. و قد عرفنا أن الحقة 24، 933 مثقالا. يكون نصفها 24، 933/ 2 62، 466 مثقالا. فإذا طرحنا (62%) الأخير و هو جزء من المثقال بصفته مقاربا ل‍ 005 و 0 من الحقة التي تنقص عن النصف كان النصف ثمان وزنات و خمس حقق و 466 مثقالا. أو قل: نصف حقة تقريبا.

و أما ما قاله السيد الأستاذ من إضافة 3/ 1، 58 مثقال، فلا وجه له.

و كذلك:

النصاب 9، 657 حقة عطارية الوزنة 24 حقة النصاب 412، 27 وزنة و إذا أخرجنا مقدار (27) وزنة من النصاب هكذا: 27 24 648 9، 657- 648 9، 9 حقة باقية و هذا حوالي عشر حقق. و أما إضافة (35) مثقالا و هو يساوي 8/ 1 الحقة، لأن:

الحقة 280 مثقالا الباقي 35 مثقالا الباقي 8 من الحقة و هو ثمنها‌