ما وراء الفقه - ج3

- السيد محمد الصدر المزيد...
422 /
5

الجزء الثالث

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كلمة الناشر

نقدم الجزء الثالث من موسوعة ما وراء الفقه لمؤلفه آية الله العلامة السيد محمد الصدر حفظه الله، فان هذه الموسوعة التي تبلغ حوالي عشرة مجلدات صدر منها جزءان سنة 1413 ه‍- كانا موضع تقدير الفقهاء في لبنان مما شجعنا ان نستمر في طبع بقية الأجزاء. و خلال المشهور القادمة نرجو ان يمن اللّه علينا بطبع الأجزاء الأخرى.

و من اللّه نستمد التوفيق.

جعفر هادي الدجيلي 20 صفر 1416 ه‍-

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرحمن الرحيم

فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ صدق اللّه العلي العظيم‌

كتاب المكاسب المحرمة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد

لما انتهت العبادات، كان اللازم أن نبدأ كتاب التجارة، الذي يلي العبادات في المتعارف فقهيا عند المؤلفين، و فعلا قد بدأنا به، لو أخذنا بالمفهوم الموسع لكتاب التجارة.

لأنهم يبدأون أولا، قبل البحث عن التجارة، بما سموه بالمكاسب المحرمة. يذكرون فيه عددا من أساليب التجار الممنوعة شرعا، مع التعرض إلى بعض مستلزمات هذا المنع.

و من الواضح أن هذا ليس هو كتاب التجارة، لأن الاتجار بتلك الأمور، قد لا يكون بالبيع بل قد يكون بالإيجار أو الرهن أو المزارعة أو المساقاة أو غيرها. و كثير مما يذكروه في المكاسب المحرمة يمكن إدراجه في هذه المعاملات لا في البيع خاصة.

و من هنا عزلنا له كتابا مستقلا سميناه كتاب المكاسب المحرمة.

بالرغم من أن هذا العنوان غير متعارف فقهيا.

و من المعلوم أنه لا يمكن اندراج كلما ذكروه تحت هذا العنوان، في كتابنا هذا. لأن بعضها يكون فقهيا خالصا. و إنما نذكر فيه ما يناسب ذكره، و هو في الأغلب يرتبط بتحديد المفاهيم التي يحتاج تحديدها إلى كلام مفصل كالغناء و الغيبة و السحر. و نبدأ هذا الكتاب بأخذ الأجرة على الواجبات.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

فصل أخذ الأجرة على الواجبات:

تنقسم الواجبات في الشريعة المقدسة إلى عدة تقسيمات، نذكر أهمها:

أولا: واجب توصلي و واجب تعبدي. فالتوصلي ما لا يشترط فيه قصد القربة. و التعبدي ما يشترط فيه ذلك.

ثانيا: واجب نفسي و غيري. فالنفسي هو الذي أمر به لذاته. و الغيري هو الذي أمر به مقدمة لغيره.

ثالثا: الواجب العيني و الكفائي. فالعيني ما كان أمرا متوجها إلى الأفراد بأعيانهم مع عدم سقوطه بعمل الآخرين. و الكفائي ما كان المطلوب فيه هو النتيجة، فإذا قام به ما يكفي من الناس سقط عن الآخرين. و إذا لم يقم به أحد عوقب الجميع.

رابعا: الواجب التعييني و التخييري. فالتعييني هو الواجب بعنوانه وحده و لا يعوّض عنه غيره من الأعمال. و التخييري هو الأمر المتوجه إلى عدد من الأشياء: اثنتين أو أكثر. بحيث يكون الفرد مخيرا في الإتيان بأحدها مع إمكان تركه للباقي.

و توجد انقسامات أخرى للواجب كالموسع و المضيق و كالمنجز و المعلق و غيرها، إلا أنها لا ترتبط بمحل الكلام.

و لو أخذ الانقسامات الأربعة الأولى بنظر الاعتبار و أخذنا منها‌

12

الاحتمالات بضرب بعضها بالبعض رياضيا، نتج عندنا ستة عشر احتمالا.

و لا شك أن كل مجموعة منها تندرج في حديث معين، كما سنرى.

إلا أن الحديث في تعدادها بلا طائل، و ليس له أثر مهم، فنوكله إلى فطنة القاري.

و قد أخذ الفقهاء المطلب مطولا و تناقشوا فيه كثيرا و إنما اعتاص عليهم نسبيا لأنهم بنوا لأمور على القواعد العامة غير المرتبطة كثيرا بالموضوع. و لو أنهم باشروا الموضوع بأدلته المرتبطة به لكانت بحوثهم أكثر اختصارا و أفضل تركيزا لا محالة.

و نحن نذكر الآن الوجهة التي نعتمدها في الاستدلال أولا. ثم نعقبها بشي‌ء مما ذكروه ليرى القاري الفرق في الاختصار و الأطناب بين الأسلوبين.

الخلاصة:

و هي الوجه المعتمدة للاستدلال:

و ذلك: إننا بالرغم من تقسيمنا للواجب أقساما عديدة. إلا أن المهم منها أقسام قليلة كما يلي:

القسم الأول:

الواجبات التوصلية الكفائية. و هي الأعمال التي يجب بها حفظ المجتمع كالطب و الحياكة و الحدادة و البناء و غيرها من الحرف.

القسم الثاني: الواجبات التعبدية الفردية التي يأتي بها الإنسان عن نفسه. كالفرد المكلف يصلي عن نفسه أو يصوم.

القسم الثالث: الواجبات التعبدية الفردية التي يأتي بها الإنسان عن غيره و هو ما يسمى عادة بإيجار العبادات.

13

القسم الرابع: الواجبات التعبدية الكفائية كتغسيل الميت و الصلاة عليه.

و يندرج في القسم الأول ما كان من قبيل تكفين الميت و دفنه، كما يندرج فيه ما كان من قبيل إزالة الأذى عن طريق المسلمين أو قضاء حاجة المحتاجين بأجرة.

كما يندرج في القسم الأخير الأجرة على الجهاد أو الأمر بالمعروف أو الأذان و نحوها.

[في بيان أربعة أقسام للواجب]

و لكل من هذه الأقسام الأربعة دليله و حكمه كما يلي:

القسم الأول: الواجبات التوصلية الكفائية

و لا إشكال في جواز الاسترباح به. حتى ما كان في وقت الحاجة و الضيق فضلا عن وقت السعة.

و الدليل على ذلك على مستويين:

المستوي الأول: السيرة، فإنها منعقدة عقلائيا و عرفا، و قطعية الإمضاء من قبل الأئمة (سلام اللّٰه عليهم). بجواز ذلك. بل إن السوق دائما على ذلك، و كل صاحب صنعة أو غيرها إنما يشارك في قضاء حاجة جانب من جوانب المجتمع. فإذا حرم الاسترباح به انسد السوق تماما.

و لا شك أنه لا يختلف بالسيرة بين وقت الحاجة و القحط، و بين غيره. و لا بين وجود القليل من العاملين في هذه الصنعة أو تلك أو وجود الكثيرين. و لا في غير ذلك من التفاصيل. فإن هم الناس دائما هو الاسترباح من أعمالهم، و هو أمر طبيعي و مجاز شرعا بلا إشكال.

المستوي الثاني: الروايات، ففي صحيحة معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن كسب الحجام. فقال: لا بأس به.

____________

(1) أبواب ما يكتسب به: باب 19: حديث 4.

14

و صحيحة حنان بن سدير (1). قال دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و معنا فرقد الحجام. فقال: جعلت فداك إني أعمل عملا و قد سألت عنه غير واحد و لا اثنين فزعموا أنه عمل مكروه، و أنا أحب أن أسألك فإن كان مكروها انتهيت عنه و عملت غيره من الأعمال. فإني منته في ذلك إلى قولك. قال: و ما هو. قال: حجام. قال: كلّ من مكسبك يا ابن أخي و تصدق و حج منه و تزوج فإن نبي اللّه قد احتجم و أعطى الأجر. و لو كان حراما ما أعطاه.

و صحيحة معاوية بن عمار (2) عن أبي (عليه السلام) (في حديث) قال: قلت له أجر التيوس. قال: إن كانت العرب لتعاير به. و لا بأس به.

و التيوس جمع تيس. و كانوا يؤجرونه للضراب على الإناث.

و معتبرة ابن فضال (3): قال: سمعت رجلا أبا الحسن الرضا (عليه السلام) فقال: إني أعالج الرقيق فأبيعه و الناس يقولون: لا ينبغي. فقال الرضا (عليه السلام): و ما بأسه. كل شي‌ء مما يباع إذا اتقى اللّه فيه العبد فلا بأس.

و صحيحة محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يعالج الدواء للناس فيأخذ عليه جعلا. فقال: لا بأس به.

و معتبرة سماعة بن مهران (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: لا يصلح لباس الحرير و الديباج فأما بيعه فلا بأس به.

و الروايات في ذلك فوق حد الإحصاء و قد اخترنا هنا بعض ما هو‌

____________

(1) المصدر: حديث 5.

(2) المصدر: باب 12: حديث 2.

(3) المصدر: باب 20: حديث 4.

(4) المصدر: باب 85: حديث 1.

(5) باب 97: حديث 1.

15

معتبر السند. و يكفينا قبل ذلك كله قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ.

و التجارة أمر مفهوم عرفا، يشمل كل القطاعات السابقة، فلا يقال:

إنه عند الشك في الحلية يكون من قبيل التمسك بالشبهة المصداقية بين التجارة و الباطل. فإنه يقال: إن التجارة أمر عرفي، و الباطل ما ليس مندرجا في ذلك الأمر العرفي.

و المهم هو أن المستفاد من هذه النصوص، جواز الاسترباح من هذا القسم الأول من المعاملات. و لا أقل أن يستفد منها إقرار السيرة العقلائية السابقة.

لا يستثنى من ذلك حتى تكفين الميت و حفر القبر له و دفنه، فإنه مشمول للسيرة بلا شك. و إن لم يكن واردا في النصوص، و مع الشك في السيرة يمكن إثباتها بالاستصحاب القهقرى من اليوم إلى أيام المعصومين (عليهم السلام). على أننا لا نحتمل أن هذا العمل كان يومئذ مجانيا، فالاطمئنان قائم على وجود السيرة فعلا، بغض النظر عن هذا الاستصحاب.

القسم الثاني: الواجبات التعبدية العينية التعيينية.

كصلاة الظهر حين يصليها الفرد لنفسه.

و هنا قاعدة سوقية ينبغي أن تكون مسلمة و واضحة. و هو أن كل عمل يعمله الفرد لنفسه لا يرد به منفعة غيره، لا معنى لأخذ الأجرة عليه من الغير. و تكون الأجرة حراما عرفا و عقلائيا و شرعا.

فمثلا: أخذ الفرد الأجرة على أن يأكل هو أو يشرب الماء أو ينام. أو يعمل أي عمل لمصالح دنياه أو آخرته. كل ذلك لا معنى له، و يكون الأجر حراما و باطلا. فيكون مشمولا لقوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ. و هذا باطل عرفي و عقلائي بلا إشكال.

16

و سيأتي طريقة استدلالهم على هذا الفرع و غيره بطرق أبعد تصديقا و أكثر تعقيدا.

القسم الثالث: نفس الصنف من الواجبات إذا قام بها الفرد عن غيره

في مورد الجواز كقضاء العبادات عن الميت و قضاء الحج عن العاجز الحي. و هل القاعدة في ذلك الجواز و لم يرد دليل على المنع أو العكس.

و ينبغي التسليم بالجواز بعد الالتفات إلى ما ورد في المقام:

أولا: جواز التبرع عن الحج و عن الميت فيما يجوز الأجرة به، في الجملة بلا إشكال.

ثانيا: جواز أخذ الأجرة على العبادات المستحبة إجماعا و بلا إشكال.

ثالثا: ما ورد في الحج و في الجهاد من جواز إعطاء الأجرة للغير ليقوم بالعبادة إذا كان الفرد عاجزا.

و لا حاجة إلى إيراد النصوص، و هي معتبرة، كما ثبت في محله.

و موردها أخذ الأجرة على الواجب للقيام به عن الغير. و قد جوزه الشارع المقدس بمقتضى هذه النصوص. و بعد التجريد عن الخصوصية يمكن التعميم فقيها إلى كل واجب.

و معه فالإشكالان الرئيسيان اللذين حيّرا الفقهاء هما:

أولا: ان قصد الأجرة ينافي الإخلاص في العبادة: و إنما أخذ الأجير الأجرة على العبادة المخلصة.

ثانيا: إن الأمر الشرعي الأولي متوجه إلى الميت لا إلى الأجير، و الفرد لا يستطع أن يمتثل الأمر المتوجه إلى غيره.

و مهما كان الجواب النظري لهذين الإشكالين، فإن الأحكام الثلاثة السابقة تجعلهما غير موجودين، بمعنى أن الشارع المقدس لم يأخذ أي‌

17

واحد منهما بنظر الاعتبار. و أجاز القضاء بالأجرة بالرغم منهما.

فالحكم الأول و الثالث يزيل الإشكال الثاني. كما أن الحكمين الثاني و الثالث يزيلان الإشكال الأول، إذ مع صحة هذين الإشكالين لا يمكن جعل تلك الأحكام كما هو معلوم مع أنها مجعولة كما دلت عليه الأدلة المعتبرة.

القسم الرابع: الواجبات التعبدية الكفائية من حيث القيام بها بأجرة

كتغسيل الميت و الصلاة عليه و غيرها.

فقد يقال بالجواز أخذا بشكلين من الأدلة:

الشكل الأول: السيرة القطعية القائمة على التجارة بهذه الأمور بين الناس و الواصلة إلى عصر الأئمة (عليهم السلام). و لم يرد نهي معتبر عن مثل هذه السيرة.

و الصحيح أن هذه السيرة و إن كانت قائمة فعلا، إلا أن متعلقها هو ببيع الأكفان و حفر القبور و نحوها. و أما نفس العمل التعبدي كالتغسيل و الصلاة فلا دليل على قيام السيرة عليه.

اللهم إلا أن يقال: إنه كما أن التكفين واجب كذلك بيع الأكفان واجب. و كما أن الدفن واجب كذلك حفر القبر واجب. و وجوبهما بالنسبة إلى الميت سيان. و أخذ الأجرة على بعض هذه الأعمال قطعي، إذن فأخذ الأجرة على مثل هذه الواجبات الكفائية جائز.

لكن لو كان التكفين و الدفن تعبديا، لكانت هذه السيرة صحيحة بشكل و آخر. إلا أن الصحيح أنه ليس تعبديا و ليس هناك من أحكام الميت ما هو تعبدي غير الغسل و الصلاة. فلو ثبت قيام السيرة على هذين الأمرين تم الأمر، كما هو المظنون و خاصة في الغسل. و هو مظنون جدا إلى حد يوثق به.

18

الشكل الثاني: الروايات الواردة في بعض الأحكام التعبدية، كتعليم القرآن.

ففي رواية الفضل بن أبي قرة (1)، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): هؤلاء يقولون: إن كسب المعلم سحت. فقال: كذبوا أعداء اللّه.

إنما أرادوا أن يعلموا أولادهم القرآن. لو أن المعلم أعطاه رجل دية ولده لكان للمعلم مباحا.

و في رواية زيد بن علي (2) عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام):

أنه أتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين إني أحبك في اللّه. إلى أن يقول:

و سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و على آله يقول: من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظه يوم القيامة.

و هذه الرواية دالة على الجواز. نعم هي دالة على عدم الثواب يوم القيامة. بل يكفي المعلم أجرا أجره المعلوم له في الدنيا. و هذا المضمون واضح بعدم البطلان. و إلا كان الثمن سحتا و عليه العقوبة يوم القيامة. و لو كان كذلك لذكره لأنه كان بصدد الحديث عن ذلك.

إلا أن الإشكال في ذلك من ناحيتين:

الأولى: ضعف سند هاتين الروايتين.

الثانية: إن تعليم القرآن ليس حكما تعبديا، كما هو المقصود من عنوان هذا القسم. فجوازه لا يدل على الجواز المقصود.

اللهم إلا أن يقال: إنها شاملة بإطلاقها للتعليم الواجب للقرآن كتعليم الجاهل سورة الفاتحة و قل هو اللّه أحد مثلا. و هو المطلوب. إلا أن كون هذا التعليم واجبا تعبديا أول الكلام.

إلا أن الذي يفيد إلى حد ما، هو تظافر الروايات غير هاتين الروايتين‌

____________

(1) أبواب ما يكتسب به: باب 29: حديث 3.

(2) المصدر: باب 30: حديث 1.

19

أيضا، على وجود تعليم القرآن و أخذ الأجرة عليه. بدون نكير. و خاصة بعد أن تكون بعض الروايات الدالة على النهي إنما يراد به الكراهة، كما هو المشهور و الصحيح. و معه فالسيرة الممضاة على ذلك محرزة.

إلا أنها تناقش بأمرين:

الأمر الأول: ما سبق من أن تعليم القرآن ليس حكما تعبديا، و إنما هو حكم توصلي، حتى لو كان واجبا.

الأمر الثاني: إن السيرة دليل لبي، و القدر المتيقن منها غير التعليم الواجب. و أما فيه فلم يثبت وجود السيرة.

فإن ثبت الاطمئنان أو الوثوق على أخذ الأجر على تغسيل الميت، كما هو كذلك أمكن التجريد عن الخصوصية، إلى كل الواجبات التعبدية ما لم يخرج بعضها بدليل. و هو المطلوب. و إلا بقي الحكم على الحرمة أقصد حرمة أخذ الأجرة على هذا النحو من الواجبات، و الصحيح هو وجود الاطمئنان فعلا.

و معه ينتج جواز أخذ الأجرة على كل الواجبات المبحوث عنها عادة.

لا يستثنى من ذلك إلا العبادات التي يأتي بها الفرد عن نفسه. و هو مما لا يحتمل فقهيا جوازه و إن اختلفوا في دليله.

و قد يقال: إن السيرة دليل لبي و الأدلة اللبية لا لسان لها و لا إطلاق لها حتى يمكن حمل متعلقها على المثالية و تجريد المورد عن الخصوصية.

و إنما يكون ذلك في الأدلة اللفظية.

و جوابه: إن الدليل اللبي يدل على عدم وجود المانع في متعلقة من جميع الجهات، إذا دل على جوازه. حتى من الجهة التي هي محل النظر، إذ لو كان هناك أي مانع عن الجواز لما وجدت السيرة المحضاة على العمل به.

أذن، فأخذ الأجرة، في محل الكلام على غسل الميت، لا مانع منه‌

20

حتى من جهة كونه واجبا تعبديا، و هو المطلوب. و كذلك في المستوي الأول السابق و غيره.

أهم الإشكالات:

إذا تجاوزنا عما قلناه و دخلنا إلى كلمات الفقهاء واجهتنا الإشكالات المفصلة، و الأجوبة المطولة، و الوجوه المختلف فيها. و هنا نذكر أهم الإشكالات. ثم نذكر أهم الأجوبة عنها لو وجدت. و إن لم يوجد لها أي جواب كفانا ما سبق أن قلناه.

الإشكال الأول: إن الواجب مهما كانت صفته، إنما هو مستحق للّه عز و جل و ليس ملكا للفاعل أو ليس باختيار الفاعل، على اختلاف تعبيراتهم. لأنه ملزم به شرعا فهو كالمقهور عليه، و ما كان مقهورا عليه فهو خارج عن اختياره. و ما كان خارجا عن الاختيار لا يمكن أخذ الأجرة عليه.

الإشكال الثاني: ما سبق من أن قصد الأجرة ينافي قصد الإخلاص.

لأن الفعل الواحد إما أن يؤتى به بداعي الإخلاص أو الأجرة، و لا يمكن الجمع بينهما.

و قد ذكروا وجوها للجمع، حتى أن صاحب الجواهر قال بأن قصد الأجرة يؤكد قصد الإخلاص، لا أنه ينافيه. و سيأتي الإشارة إليه.

الإشكال الثالث: في النيابة بأن النائب، ماذا يقصد؟ هل يقصد الأمر المتوجه إلى نفسه أو الأمر المتوجه إلى الميت أو الأمر التوصلي الحاصل بالأجرة. و كلها ممتنعة. أما الأمر المتوجه إلى نفسه فهو غير موجود و غير مطلوب كما هو واضح. و أما الأمر المتوجه إلى الميت فيستحيل التقرب بالأمر المتوجه إلى الغير. و أما الأمر التوصلي، فهو بطبعه غير قربي و لا يجب قصد القربة به مسلما. بل لا يمكن أحيانا. و قد سبق أن أشرنا إلى هذا الإشكال مختصرا.

الإشكال الرابع: في الواجبات الكفائية: إن الأمر متوجه ضمنا إلى‌

21

نفس الأجير، كما هو متوجه إلى المستأجر، فليس المستأجر بأولى من الأجير فيه. فالأجير يأخذ الأجرة على ما يجب عليه إنجازه مجانا شرعا.

فيكون أخذ الأجرة أكلا للمال بالباطل.

الإشكال الخامس: الإجماع على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات في الجملة، بل مطلقا. يعني الواجب بما هو واجب.

و هذا الأخير هو أهون الإشكالات، إذ لم يحرز الإجماع على مطلق.

الواجبات، بل أحرز الجواز على الواجبات الكفائية التوصلية بلا إشكال.

مع وجود الاختلافات في الباقي، و مع تسليمه فليس هو إلا الإجماع المنقول و هو ليس بحجة.

نعود إلى الإشكال الأول:

فمن الطريف أن بعضهم استدل به على عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات العينية التعيينية، كمن يصلي صلاة الظهر لنفسه مع أن فيها إشكالا أسبق رتبة و أهم من الناحية السوقية. و هو ما سبق من أن الفائدة في مثلها يعود إلى الفاعل دون غيره، و ما كان كذلك لا معنى لأخذ الأجرة عليه.

أما في الواجبات الكفائية و التخييرية، فلا يرد الإشكال لوجود البديل على كل حال، و مع وجوده يكون اختيار البديل الآخر اختياريا و مملوكا للفرد فيمكن أخذ الأجرة عليه، و البديل في الكفائي هو قيام الغير به و في التخييري هو الفرد الآخر، و خاصة مع امتياز الفرد المأجور عليه بمزية كصلابة الأرض في الحفر.

هذا بغض النظر عن الإشكالات الأخرى بطبيعة الحال.

و أما الإشكال الثاني، فقد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (قدس سره) بالانتقاض طردا بالمندوب مع أن جواز أخذ الأجرة عليه بلا إشكال. و هو يحتاج إلى الإخلاص كالواجب. و عكسا بالواجب التوصلي لأن المستشكل ذكر عنوان الواجب بما يشمله مع أنه لا يحتاج إلى الإخلاص.

22

ثم ذكر ما قيل من تضاعف الإخلاص بالأجرة. و أجاب عليه بوجوه منها: أن الوجوب الناتج من الأجرة توصلي فهو لا يضاعف الإخلاص.

و منها: أنه مناف للوجدان قطعا لأن ما لا يترتب عليه أجر دنيوي أخلص مما يترتب عليه ذلك بحكم الوجدان. و تمام الكلام في محله.

و الذي يمكن أن نلتفت إليه، بعد غض النظر عن الإشكالات الأخرى. هو أن هذا القصد يختلف باختلاف وجدان الفرد أولا. و اختلاف الواجبات، من حيث كونها كفائية أو تخييرية أو عينية أو نحو ذلك و من حيث كونها متوجهة إلى الفرد أو نيابية.

و الإشكال على أي حال إنما يتسجل في التعبدي دون التوصلي من الواجبات، كما هو معلوم. و لا إشكال في إمكان قصد الإخلاص حتى مع الأجرة، بمعنى عقد القلب على أن الفرد يرغب بالإتيان به حتى بدون أجرة بينه و بين ربه سبحانه. فإن كان كفائيا امتثل الحكم المتوجه إلى نفسه و إن كان نيابيا امتثل الأمر باستحباب القضاء عن الغير، كما يأتي و هكذا، إلا أن الأجر الأخروي سيكون لدافع الأجرة، كما أشار إليه شيخنا الأنصاري.

و أما إذا كان الأجير قاصدا في فعله تحصيل الأجرة محضا، أو كان هذا هو الداعي الغالب. فالإشكال متوجه و العبادة باطلة. و إذا بطلت العبادة بطلت الأجرة أيضا. الأمر الذي يوجب على الأجير قصد الإخلاص لكي تخلص له الأجرة، إذا صح ذلك فتأمل.

و أما الإشكال الثالث، فعله أهم الإشكالات. و هو خاص بصورة النيابة و لم يشر إليه إلا القليل من الفقهاء، منهم بعض أساتذتنا.

و هو بمعنى و آخر لا مناص منه: إذا يستحيل على الفرد امتثال الأمر المتوجه إلى غيره، كما أن قصد الأمر التوصلي غير مجز. هذا غير قصد الإخلاص الذي يرتبط بالإشكال السابق.

و لكن مع ذلك لا مناص من الالتزام بالجواز لورود النيابة في عدة موارد بالأدلة المعتبرة. منها الأجرة عن الحي العاجز في الحج. و الأجرة‌

23

على النيابة في الجهاد. و نيابة الولد الأكبر عن والده. مع أنه مشمول لهذا الإشكال لتوجه الأمر الأصلي إلى الوالد دون الولد و نية الولي عن الصبي في الحج. و النيابة في المستحبات بأنواعها بما فيها الطواف المنصوص في الروايات المعتبرة. إلى غير ذلك. و لعل أصل النيابة بغض النظر عن الأجرة من ضروريات الفقه. فالإشكال هنا ليس في الأجرة. فلو تجاوزنا عن هذا الإشكال كما تجاوزه الشارع المقدس في مختلف الأدلة، فعلا. لم يبق في الأجرة إشكال من زاوية هذا الإشكال.

و جواب هذا الإشكال لا ينبغي أن يكون بغض النظر عن هذه الأدلة الواردة. فإن أخذناها بنظر الاعتبار أمكن أن نفهم من مجموعها أحد أمرين:

الأمر الأول: استحباب أن يقضي الفرد عن غيره. و هو حكم تعبدي يمكن للأجير و للقاضي أيا كان، أن يعتمد عليه و يقصده كما أشرنا فيما سبق.

الأمر الثاني: إمكان التنازل عن الأصل الموضوعي الذي أخذناه مسلما. و هو استحالة أن يقصد الفرد الأمر المتوجه إلى الغير. فنفهم من تلك الأدلة إمكان ذلك.

و تقريب ذلك: أن الحكم الشرعي بأصل العمل كالصلاة مثلا. قد يكون مقيدا، كما هو مقتضى القاعدة الأولية بالوقت و بالطهارة و بالقبلة. فإذا سقطت هذه الشرائط لم يسقط المشروط، حتى في صورة فقدان الطهورين، كما هو الأصح الأحوط.

فكذلك يمكن أن يقال: إن التكليف بحسب القاعدة الأولية، و إن كان متوجها إلى الفرد، إلا أنه أحيانا، و هي حالات الاضطرار في الأغلب، يكون متوجها إلى الغير بعد سقوط خصوصية المكلف نفسه عن الشرطية.

كسقوط خصوصية الوقت.

و هذا الفهم و إن لم يمكن بحسب القاعدة الأولية، إلا أننا يمكن أن نفهمه من مجموع أدلة النيابة.

24

و بتعبير آخر: إن معنى النيابة هو إقامة النائب مقام المنوب حتى من هذه الناحية، بل هي الناحية الرئيسية في النيابة. لأنها إن لم تقتضي هذا المعنى سقط معناها بالمرة عرفا. و قد قيل في المعاملات. إن يد الوكيل يد الأصيل. فكذلك نفهم في العبادات نفس المعنى، بلحاظ مختلف أدلة النيابة.

أما الإشكال الرابع: فالأجر إنما يؤخذ لإسقاط الأجير التكليف عن ذمة المؤجر باعتبار قيامه بالواجب الكفائي. و بعمل الأجير يسقط عن كلا الشخصين بل عن غيرهما أيضا.

نعم، لو قصدنا بالأجرة إسقاط التكليف عن ذمة الأجير نفسه، كان هذا لاغيا لما قلناه من امتناع أخذ الأجر عن منفعة نفسه.

و بالأجرة يكون القائم بالعمل هو المؤجر، من ناحيتين:

الأولى: بالنسبة إلى الثواب الأخروي.

الثانية: على مستوي المعاملة. أعني في طول دفع الأجرة. فيعتبر سوقيا هو الفاعل الحقيقي و إن لم يقم بالعمل فعلا.

و لكنه يبقى من الناحية التكوينية، القائم بالعمل هو الأجير لا المؤجر. و به يسقط التكليف عنه و عن غيره. لأن المهم في الكفائي، هو حصول العمل إجمالا في نظر الشارع. من دون النظر إلى فرد معين.

فالنتيجة الفقهية باختصار ما قلناه من جواز أخذ الأجرة على سائر الواجبات إلا ما يعود إلى العبادات العينية الفردية، التي لا تعود بها الفائدة إلى الآخرين بالمرة.

25

فصل التنجيم أو النظر في النجوم

مهما كان التنجيم قد اكتسب سمعة سيئة خلال الأجيال. فهو بمفهومه العام ليس إلا النظر في النجوم أو البحث فيها أو قل: علم النجوم. و هو نفس ما يسمى بعلم الهيئة أو علم الفلك و إنما اكتسب السمعة السيئة لمدى كثرة الأخطاء و سوء التصرف الذي كان يصدر من عدد غير قليل ممن يدعي العلم بهذا الحقل من الحقول الإنسانية.

و ينبغي أولا أن ننظر فيما يقوله اللغويون عن التنجيم:

قال ابن منظور: نجم الشي‌ء ينجم بالضم نجوما طلع و ظهر. و نجم النبات و النار و القرن و الكوكب و غير ذلك: طلع. قال اللّه تعالى وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدٰانِ. يقال: نجم النبت ينجم إذا طلع. و كلما طلع و ظهر فقد نجم. و قد خص بالنجم منه ما لا يقوم على ساق كما خص القائم على الساق منه بالشجر. و جاء في التفسير أيضا: أن النجم نزول القرآن نجما بعد نجم. و كان تنزل منه الآية و الآيتان.

و قال أهل اللغة: النجم بمعنى النجوم و النجوم تجمع الكواكب كلها.

ابن سيده: و النجم الكوكب و قد خص الثريا فصار لها علما.

و في الحديث: إذا طلع النجم ارتفعت العاهة. و في رواية (ما طلع النجم و في الأرض عاهة). النجم في الأصل: اسم لكل واحد من كواكب السماء و هو بالثريا أخص. فإذا أطلق فإنما يراد به هي و هي المرادة في هذا الحديث.

26

و المنجم و المتنجم: الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها و سيرها.

و ابن خالويه يقول في كثير من كلامه و قال: النجامون و لا يقول المنجمون.

قال: و هذا يدل على أن فعله ثلاثي.

إلى أن قال و قوله عز و جل مخبرا عن إبراهيم (عليه السلام) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ: إِنِّي سَقِيمٌ. قيل معناه فيما نجم من الرأي. و قال أبو العباس أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجمة و هو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم. و نظر ههنا: تفكر ليدبر حجة. فقال: إنّي سقيم. أى من كفركم. و قال أبو إسحاق: أنه قال لقومه و قد رأى نجما: إنّي سقيم أو همهم أن به طاعوا فتولوا عنه مدبرين فرارا من عدوى الطاعون قال الليث: يقال للإنسان إذا تفكر في أمر لينظر كيف يدبره: نظر في النجوم.

و ينبغي أن نتبع هذا الكلام بعدة ملاحظات فيما هو محل الحاجة.

الملاحظة الأولى: أن مراده من الكواكب: النجوم، و ليس كواكب المجموعة الشمسية خاصة، كما هو معلوم. إلا أنه حين يفسر لفظ النجوم ليس هناك ما يستعمله غير لفظ الكواكب. على أن اصطلاح الكواكب على التوابع الشمسية اصطلاح لم يكن معروفا في ذلك الحين.

الملاحظة الثانية: أنه ليس في التنجيم و فاعله و هو المنجم أو المتنجم شي‌ء غير صحيح أو فيه أية شائبة باطلة. و إنما هو: الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها، و سيرها، بالنص.

و المهم أن ما أضيف إلى التنجيم من علوم غريبة و تنبؤات و عقائد باطلة. غير موجود في المفهوم اللغوي أصلا. فقولنا: المنجم يعني الفلكي أو عالم الفلك أو نحو ذلك.

الملاحظة الثالثة: كان فيما قاله ابن منظور نصان موروثان يدلان على صحة تأثير الكواكب على الموجودات الأرضية بحسب ظاهرهما. إلا أن يحملا على معاني معنوية معمقة.

27

أحدهما: آية: فنظر نظرة في النجوم فقال: إني سقيم. فإنه من الواضح أن حمله على مجرد التفكير بعيد.

ثانيهما: رواية إذا طلع النجم ارتفعت كل عاهة. بمعنى أن طلوعه هو السبب الأهم في ذلك.

و الواقع: أن الإنسان إذا رجع إلى المصادر يجد هناك تهافتا في وجهات النظر إلى علم النجوم و المنجمين بين من يحترمهم و بين من يحتقرهم. و السر في ذلك أن النظر في النجوم في القديم على مستويين رئيسيين:

المستوي الأول: ما ذكرناه من النظر إلى حركات النجوم و طلوعها و غروبها و مواعيد ذلك و دورة الخسوف إلى غير ذلك.

المستوي الثاني: الاعتقاد بشكل من أشكال التأثير للنجوم على الأرض و ما فيها من إنسان و حيوان.

و هذا الاعتقاد يمكن أن يكون على عدة أشكال. منه ما هو محتمل الصحة و منه ما هو خاطئ يقينا و منه ما هو كفر و إلحاد. على اختلاف مستويات اعتقاد ذلك التأثير السماوي.

و سنستعرض الأقوال الموجودة بهذا الصدد فيما بعد. و المهم الآن أن نعلم أن من احترم المنجمين و قال بجواز علم التنجيم أراد به المستوي الأول و ما هو صحيح من المستوي الثاني. و من احتقر المنجمين و قال بحرمة علم التنجيم أراد به ما هو باطل و خاطئ من المستوي الثاني.

و من هنا يتضح و نحن في أول هذا الفصل تقريبا: أن علم الفلك الحديث، المندرج كله في المستوي الأول من هذين المستويين، لكنه بشكل أعمق مما كان عليه قديما. لا يكون مندرجا في الأدلة الدالة على حرمة التنجيم أو قول بكفر المنجم أو احتقاره. أعني من زواية كونه منجما، بغض النظر عن خصائص حياته الأخرى.

28

و ذلك لوضوح أن علم الفلك الحديث خال بالمرة مما كان عليه سلفه في القديم من القول بتأثير النجوم في الحياة الأرضية و التنبؤات الناتجة عن ذلك و غير ذلك. فلا يكون مشمولا للنهي بكل صورة.

بقي علينا أن نستعرض بعض النصوص الدالة على صحة التنجيم و بعض النصوص الدالة على بطلانه و فساده و ذلك في العنوانين الآتيين لنخلص بعدها إلى نتائج هذه الجولة.

أدلة صحة التنجيم:

و لا يخفى أن هذه الأدلة كما تدل على صحة التنجيم على المستوي الأول الذي سبق أن ذكرناه. تدلنا على صحة المستوي الثاني لبعض تطبيقاته و نتائجه. و سنعرض إلى فلسفة ذلك و أسبابه فيما بعد:

فمن القرآن الكريم:

قوله تعالى (1) وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهٰا فِي ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ.

و قوله سبحانه (2) وَ عَلٰامٰاتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ.

و قوله جل و علا (3) فَلٰا أُقْسِمُ بِمَوٰاقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ.

و قوله عز شأنه (4) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ إِنِّي سَقِيمٌ.

و قوله عز من قائل (5) إِنّٰا زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا بِزِينَةٍ الْكَوٰاكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطٰانٍ مٰارِدٍ لٰا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلىٰ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جٰانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذٰابٌ وٰاصِبٌ إِلّٰا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهٰابٌ ثٰاقِبٌ.

____________

(1) الأنعام (97).

(2) النحل (16).

(3) الواقعة (75).

(4) الصافات (88).

(5) الصافات (6) و ما بعدها.

29

و ليس في القرآن الكريم ما يدل على النهي عن علم النجوم أو نفي دلالته. إلا ما كان منها من أنواع الكفر و نحوه فتكون الآيات الدالة على بطلانه دالة على بطلانها.

و من السنة الشريفة:

ما سبق من الرواية العامية التي سمعناها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله: «إذا طلع النجم ذهبت كل عاهة».

و رواية عن الرحمن بن سيابة (1)، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

إن الناس يقولون إن النجوم لا يحل النظر فيها و هي تعجبني. فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شي‌ء يضر بديني. و إن كانت لا تضر بديني فو اللّه إني لأشتهيها و أشتهي النظر فيها.

قال: ليس كما يقولون. لا تضر بدينك. ثم قال: إنكم تنظرون في شي‌ء منها: كثيره لا يدرك و قليله لا ينتفع به.

و عن هشام الخفاف (2): قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): كيف بصرك في النجوم؟ قال: قلت: ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم مني. قال: كيف دوران الفلك عندكم (إلى أن قال): إن أصل الحساب حق. و لكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم.

و عن المعلى بن خنيس (3) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النجوم أحق هي؟ فقال: نعم الحديث.

و عن جميل بن صالح (4) عمن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

____________

(1) الوسائل أبواب ما يكتسب به: باب 24: حديث 1.

(2) المصدر: حديث 2.

(3) المصدر: حديث 3.

(4) المصدر: حديث 4.

30

قال: سئل عن النجوم قال: ما يعلمه إلا أهل بيت من العرب و أهل بيت من الهند.

و خبر يونس (1) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): جعلت فداك أخبرني عن علم النجوم ما هو؟ قال: علم من علوم الأنبياء. فقلت: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعلمه. قال: كان أعلم الناس به.

و في حديث أبان (2) بن تغلب عن حديث اليماني الذي دخل على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و سماه باسمه الذي لم يعلمه أحد و هو سعد. فقال له: يا سعد و ما صناعتك؟ قال: أنا من أهل بيت ينظر في النجوم، إلى أن قال: ما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الإبل. قال: ما أدري. قال: صدقت.

فقال: ما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت البقر قال: لا أدري. قال:

صدقت فقال: ما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الكلاب. قال: لا أدري.

قال: صدقت في قولك لا أدري. فما زحل عندكم في النجوم. فقال سعد:

نجم نحس فقال أبو عبد اللّه: لا تقل هذا فإنه نجم أمير المؤمنين و هو نجم الأوصياء. و هو النجم الثاقب الذي قال اللّه تعالى في كتابه.

إلى غير ذلك من النصوص. و سيأتي فحص مداليلها، بعونه سبحانه.

أدلة بطلان التنجيم:

عن نصر بن قابوس (3): قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

المنجم ملعون و الكاهن ملعون و الساحر ملعون الحديث.

قال و قال (عليه السلام) (4): المنجم كالكاهن و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر، و الكافر في النار.

____________

(1) المكاسب: ص 29.

(2) المصدر: ص 28: عن الاحتجاج للطبرسي.

(3) الوسائل أبواب ما يكتسب به: باب 24: حديث 7.

(4) المصدر: حديث 8.

31

و بإسناده (1) (يعني: الصدوق) عن أبي جعفر عن آبائه عن النبي صلى اللّه عليه و على آله: أنه نهى عن عدة خصال منها النظر في النجوم.

و عن هشام بن الحكم (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: أن زنديقا قال له: ما تقول في علم النجوم؟ قال: هو علم قلت منافعه و كثرت مضاره. لا يدفع به المقدور و لا يتقى به المحذور. إن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء و أن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله. و إن حدث به سوء لم يمكنه صرفه. و المنجم يضاد اللّه في عمله بزعمه أنه يرد قضاء اللّه في خلقه.

و عن المحقق في المعتبر (3) و العلامة في التذكرة و الشهيدان قالوا: قال النبي صلى اللّه عليه و على آله: «من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما أنزل على محمد صلى اللّه عليه و على آله».

و عن نهج البلاغة (4): أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما أراد المسير إلى بعض أسفاره فقال بعض أصحابه إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم.

فقال له: أ تزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها انصرف عنه السوء و تخوف الساعة التي من سار فيها حاق به الضر. فمن صدقك بهذا القول فقد كذب بالقرآن و استغنى عن الاستعانة باللّه تعالى في نيل المحبوب و دفع المكروه. إلى أن قال: أيها الناس: إياكم و تعلم النجوم إلا ما يهتدي به في بر أو بحر فإنها تدعو إلى الكهانة فالكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر في النار.

و قريب منه ما وقع بينه (عليه السلام) و بين منجم آخر نهاه عن المسير‌

____________

(1) المصدر: حديث 3.

(2) المصدر: حديث 10.

(3) المصدر: حديث 11.

(4) المكاسب: ص 27 و كذا ما بعدها.

32

أيضا. فقال (عليه السلام) له: أ تدري ما في بطن هذه الدابة أذكر أم أنثى.

قال: إن حسبت علمت. قال: فمن صدقك بهذا القول فقد كذب بالقرآن.

قال اللّه تعالى إِنَّ اللّٰهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّٰاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ مٰا فِي الْأَرْحٰامِ. ما كان محمد يدعي ما ادعيت أ تزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء و الساعة التي من سار فيها حاق به الضر. من صدقك بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة باللّه و أحوج إلى الرغبة إليك في دفع المكروه عنه.

و في رواية عبد الملك بن أعين (1) المروية عن الفقيه. قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني ابتليت بالنظر في النجوم. فأريد الحاجة فإذا نظرت إلى الطالع و رأيت الطالع الشر جلست و لم أذهب فيها. و إذا رأيت الطالع الخير ذهبت في الحاجة. فقال لي أ تقضي قلت: نعم. قال: أحرق كتبك.

و عن هشام الخفاف (2). قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): كيف بصرك بالنجوم. قال: قلت: ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم مني. قال:

كيف دوران الفلك عندكم؟ قال: فأخذت قلنسوتي عن رأسي فأدرتها قال:

فقال: إن كان الأمر على ما تقول: فما بال بنات النعش و الجدي و الفرقدان لا يرون يدورون يوما من الدهر في القبلة. قال: قلت: هذا و اللّه شي‌ء لا أعرفه و لا سمعت أحد من أصل الحساب يذكره.

فقال لي: كم السكينة من الزهرة جزء من ضوئها. قال: قلت: هذا و اللّه نجم ما سمعت به و لا سمعت أحدا من الناس يذكره. فقال: سبحان اللّه فأسقطتم نجما بأسره. فعلى ما تحسبون. ثم قال: فكم الزهرة من القمر جزءا من ضوئه. قال: قلت: هذا شي‌ء لا يعلمه إلا اللّه عز و جل. قال: فكم القمر من الشمس جزء من ضوئها. قال: قلت: ما أعرف هذا. قال:

صدقت. ثم قال: ما بال العسكرين يلتقيان في هذا حاسب و في هذا حاسب‌

____________

(1) المصدر السابق و نفس الصفحة.

(2) الوسائل: أبواب ما يكتسب به: باب 24: حديث 3: مع الهامش.

33

فيحسب هذا لصاحبه بالظفر و يحسب هذا لصاحبه بالظفر ثم يلتقيان. فيهزم أحدهما الآخر. فأين كانت النجوم.

قال: قلت: لا و اللّه لا أعلم ذلك. قال: فقال: الحساب حق. و لكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم.

وجوه الجمع بين الروايات:

فقد حصل عندنا أدلة من الكتاب و السنة دالة على صحة التنجيم. و أدلة دالة على عدم صحته و عدم جواز الاتجار به و العمل عليه. فلا بد أن ننظر إلى شكل من أشكال الجمع بين هاتين الطائفتين من الأدلة التي قد يكون ظاهرها التعارض و نسمي المجموعة الأولى بالطائفة الأولى و الثانية: بالطائفة الثانية.

و ما قيل أو يمكن أن يقال في وجوه الجمع، وجوه عديدة نذكر أهمها:

الوجه الأول: أنه قد يقال: إنه ليس في الروايات الواردة في كلا الطائفتين ما هو صحيح سنداً و معتبر فقهيا. فنبقى نحن و دلالة الآيات الكريمة، التي عرفنا دلالتها على صحة الأمر في الجملة. و لعلنا نعرض إلى بعض معانيها في المستقبل.

الوجه الثاني: ان الطائفة الثانية معارضة للكتاب الدال على صحة التنجيم، كما سمعنا في هذه الآيات الكريمات. فتكون ساقطة عن الحجية.

لأن كل ما عارض الكتاب الكريم من السنة فهو باطل و زخرف، كما ورد في الأدلة المعتبرة و اقتضته القاعدة العامة بخلاف الطائفة الأولى فإنها موافقة للكتاب الكريم. فتكون هي و الكتاب أعني هذه الآيات مورداً للعمل عمليا.

الوجه الثالث: ما ذكره الحر العاملي (1) في الوسائل من أننا نحمل الطائفة الثانية الناهية عن التنجيم على النهي عن العمل به و الحكم به.

و نحمل الطائفة الأولى على الجواز من أجل معرفة كلمة اللّه و قدرته و عجائب مخلوقاته.

____________

(1) ج 12: ص 150.

34

أقول: و في الطائفة الثانية ما يدل على ذلك كقوله: أ تقضي. قال:

فقلت نعم. قال: أخرق كتبك. و هو دال أنه مع الحكم به و القضاء لم يجز و أما بدونه فلا دليل على الحرمة.

الوجه الرابع: ما ذكره هو (1) هو أيضا من حمل الطائفة الدالة على الجواز على التقية. فيتعين العمل بالثانية.

إلا أن هذا غير صحيح لأمور منها:

أولا: ما عرفناه من وجود آيات كريمة دالة على الصحة أيضا. و لا معنى لحمل القرآن الكريم على التقية.

ثانيا: إن هذا الحمل فرع معرفة أن العامة يقولون بالجواز. و لا شك أن كثيراً من هذه المحامل كتبت في كتبنا من دون مراجعة فتواهم.

الوجه الخامس: ان الطائفة الثانية الناهية ناظرة إلى نقائص المنجمين كبشر عاديين لهم نقاط ضعفهم. و الطائفة الأولى ناظرة إلى العلم كعلم في حد ذاته.

فإن نقائص المنجمين غير قليلة:

أولا: الخداع و الكذب. فإنه هو الأعم الأغلب من أقوالهم.

ثانيا: انهم قد يشعرون بمنازعة الباري تعالى في علمه و قضائه.

ثالثا: انهم قد يشعر المراجع لهم بالاتكال عليهم و الاستغناء عن التوكل على اللّه عز و علا.

رابعا: قصور الذهن البشري عن استيعاب علم النجوم على سعته.

فإنه علم واسع و عميق إلى حد لا تسعة القدرة البشرية، مهما حسب الإنسان نفسه، عميقا فيه. و لذا سمعنا في بعض الروايات: أن كثيره لا يدرك و قليله لا ينتفع به.

و المنجمون على أي حال بشر قاصرون عن استيعاب العلم كله.

____________

(1) المصدر و الصفحة.

35

فمعرفتهم ناقصة و ما يصدر منهم يكون عن علم ناقص لا عن علم تام.

فيكون باطلا لا محالة أو يكثر فيه الباطل على أي حال.

الوجه السادس: و هو مؤكد للخامس. أن الطائفة الأولى ناظرة إلى الثبوت و الثانية إلى الإثبات. و يراد بالثبوت في علم الأصول: النظر إلى الشي‌ء في حد ذاته و يراد بالإثبات: علمنا بالشي‌ء.

فالطائفة الأولى تقول: إن علم النجوم ثبوتا أو في حد ذاته (حق) و هو (علم من علوم الأنبياء) و (كان أمير المؤمنين أعلم الناس به). و أن إبراهيم الخليل (عليه السلام) استعمله كما تدل عليه ظاهر الآية و غير ذلك.

و الطائفة الثانية تقول: بعدم جواز الأخذ من المنجمين إثباتا. يعني أن نتعلم منهم أو أن نستهدي بهم إطلاقا. و لذا يقول في بعضها: من صدقك فقد كذب بالقرآن أو أنه قد كذب بما نزل على محمد صلّى اللّه عليه و على آله. فالمهم هو عدم جواز التصديق من هؤلاء سواء كان العلم الذي يتخذونه شعاراً لهم صادقا أو كاذبا. و لذا اشتهر: كذب المنجمون و لو صدقوا.

الوجه السابع: ان الطائفة الأولى ناظرة إلى الآثار الصحيحة للنجوم و الطائفة الثانية ناظرة إلى الآثار الباطلة لها.

فإنه لا شك أن هناك ربطا بمقدار ما بين النجوم و بين الحياة على الأرض. كالطاقة الصادرة عن الشمس. و المد و الجزر المنتسب إلى حركة القمر. و غير ذلك مما قد نتوفر بعد ذلك لإيضاحه و تعداد المهم منه.

فقد يكون هذا و نحوه هو المشار إليه بالطائفة الأولى، و أنه هو العلم الحق. على حين تشير الثانية إلى تلك النتائج المزعومة الباطلة للتنجيم.

إلا أننا ينبغي أن ننتبه إلى أن مجموع الروايات غير واضحة بما هو الحق منها و ما هو الباطل، في حدود ما هو المقرر في هذا الوجه السابع.

فليس لنا أن نزعم أن النظام الطبيعي الذي نعرفه عن العلم الحديث هو الحق خاصة، و الباقي كله باطل.

36

بل الروايات دالة على ما هو أوسع من ذلك بلا إشكال. و كذلك الآيات الكريمات. و لا شك أن العلماء الطبيعيون. يعترفون أن في الكون أسراراً عديدة و عميقة لم يتوصلوا إليها لحد الآن. بل ما هو مخفي و باطن في الكون أضعاف كثيرة عما هو معروف، و موصوف لدى مجموع العلماء الطبيعيين كلهم بمختلف حقول المعرفة.

الوجه الثامن: ما أشار إليه في الوسائل (1) من أن كون العلم حقا لا ينافي النهي عن تعاطيه و القول بكفر قائله و متخذة. قال: على أنه قد روي في عدة أحاديث في طب الأئمة و غيره: إن السحر حق و لا شك في تحريمه.

و كذا في الكهانة و القيافة و غيرهما.

فيمكن أن تكون الطائفة الأولى تشير إلى أن العلم حق في حد ذاته، و الثانية تشير إلى المنع عن استخدامه بالمدة كالسحر و القيافة و غيره.

إلا أن هذا الوجه بمجرده غير صحيح، بعد دلالة الطائفة الأولى على جواز العمل به. و منه الآية الكريمة على عمل إبراهيم الخليل (عليه السلام) به. و قوله: «لا يضر بدينك» و قوله: (كثيره لا يدرك) الدالة على أنه لو تم إدراكه لجاز العمل به. و ظهور عدد من الروايات في كلا القسمين، و خاصة رواية هشام الخفاف على معرفة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) به. كل ما في الأمر أنهم لم يكونوا يستغنون به عن علم اللّه سبحانه و التوكل عليه جل جلاله، كما كان يفعل المنجمون.

و على أية حال، فهذه أهم الوجوه للجمع بين هاتين الطائفتين، و عدد من هذه الوجوه صحيح و هي متصادقة فيما بينها إلا أن كلا منها ينظر إلى زاوية محددة. و لعل فيما يأتي ما يلقي شيئا من الضوء على ذلك أيضا.

أقسام التنجيم:

ذكرت المصادر عدة أقسام للتنجيم. و هي، بحسب فهمي، تختلف‌

____________

(1) ج 12: ص 150.

37

باختلاف الفلسفة أو النظرة العامة التي تنطلق منها. سواء اختلفت في مؤداها أو لم تختلف.

فقد وجد الناس أن للعالم العلوي، أو الموجودات السماوية تأثيراً في الموجودات الأرضية، بشكلا و آخر، و بعضه إجمالا صحيح، و بعضه محتمل الصحة، و بعضه مما قام الدليل على صحته. و بعضه مما قام الدليل على بطلانه.

فالمهم أن هذا التأثير، قد يؤخذ عاما شاملا لكل الأشياء و قد يؤخذ خاصا ببعضها. كما قد يؤخذ ذو عمق متزايد في الكون كما قد يؤخذ كشي‌ء بسيط و ضحل لو صح التعبير. و من هنا انقسمت الوجوه في فلسفة ذلك إلى وجوه عديدة نذكر أهمها:

الوجه الأول: الاعتقاد بأن النجوم و الأفلاك هي المؤثرة في كل شي‌ء أو في عدد مهم من ظواهر الحياة مع الاعتقاد باستقلالها عن إرادة الخالق جل جلاله.

و هذا ينقسم إلى تقسيمين تكون به الوجوه أربعة:

التقسيم الأول: من حيث الاعتقاد بوجود الخالق أساسا. فمنهم من لا يعتقد بوجوده أصلا. و منهم من يعتقده و لكن لا يرى له تأثيراً في فعل النجوم.

التقسيم الثاني: من حيث الاعتقاد أن النجوم هل هي مختارة، بمعنى أنها ذات نفوس عاقلة و عالمة و مدبرة. أو هي فاعلة على طريقة القسر التكويني كالإحراق بالنسبة إلى النار.

فتكون الوجوه أربعة:

الوجه الأول: الاعتقاد بنفي الخالق و قسرية التأثير عن النجوم.

الوجه الثاني: نفس الاعتقاد مع الاعتقاد بالاختيار لها.

الوجه الثالث: الاعتقاد بوجود الخالق سبحانه مع الاعتقاد بقسرية النجوم.

38

الوجه الرابع: نفس الاعتقاد مع الاعتقاد بالاختيار لها.

و نمشي فيما يلي على هذا الترقيم.

الوجه الخامس: الاعتقاد بأن اللّه سبحانه هو الخالق و هو ليس منعزلا عن عمل النجوم بل هو المقدر له و أنها إنما تؤثر بإرادته و قضاءه سبحانه.

على كلا الاحتمالين السابقين من أنها قسرية أو أنها اختيارية. فتكون جعلها قسرية هو الوجه الخامس.

الوجه السادس: إن اللّه تعالى جعل النجوم نفوس عاقلة فاعلة اختيارية التأثير.

الوجه السابع: أن نسبة العمل أو التأثير إلى النجوم كنسبة العلة إلى المعلول أي السبب و المسبب، و ليس كنسبة الإيجاد و الخلق، كما في الوجوه السابقة.

غير أن هذا الوجه أيضا يحتوي على تقسيمين:

التقسيم الأول: اختيارية النجوم أو قسريتها.

التقسيم الثاني: إن التسبيب هل هو بنحو العلية التامة التي قالوا فيها:

أنه إذا وجدت العلة وجب وجود المعلول. أو أنه تسبيب مادي غالبي، كتسبيب البرد للصداع، و ليس ذلك دائميا.

و بهذين التقسيمين تصبح احتمالات هذا الوجه أربعة.

أحدها: و هو الوجه السابع: اختيارية النجوم و عليتها التامة للتأثير.

الوجه الثامن: اختيارية النجوم و تسبيبها الغالبي.

الوجه التاسع: قسرية النجوم مع عليتها التامة.

الوجه العاشر: قسرية النجوم مع تسبيبها الغالبي.

فهذه هي وجوه التقسيمين الأخيرين.

الوجه الحادي عشر: انه ليس للنجوم أي تأثير، و إنما هو بنحو الكاشف و المكشوف.

39

بمعنى أن اللّه سبحانه جعل النظام في كونه على هذا الغرار. يعني حدوث المد مثلا عند حصول القمر بهذا الشكل و حصول كلا الأمرين في السماء و في الأرض موكول إلى الخالق سبحانه، كما أنه ليس بينهما تسبيب أصلا. و إنما نحن رأينا الحادثتين مقترنتين دائما أو غالبا. فنستطيع أن نقول:

إذا حدث هذا حدث هذا. يعني أن حدوث أحدهما دال أو كاشف عن حدوث الآخر. بحسب النظام الذي سنه اللّه تعالى في كونه.

و من الناحية الفلسفية فإن هذا الاتجاه موجود عند البعض بالنسبة إلى كل الأسباب و المسببات. على مستويين:

المستوي الأول: إيكال كل تفاصيل الوجود إلى اللّه عز و جل. فهو الذي يوجد العلة و هو الذي يوجد المعلول. و ليس هناك أي ارتباط منطقي أو عقلي بينهما.

و هذا المستوي مبتن على درجة من درجات العرفان.

المستوي الثاني: نفس الفكرة عمليا، مع الاعتقاد بنفي الخالق سبحانه. حيث قالوا: إننا إنما نجد أن العلة موجودة ثم نجد أن المعلول موجود. و لا نجد أن هناك ارتباطا عقليا بينهما. فإننا لا نحس بهذا الارتباط.

و كل ما هو غير محسوس غير موجود بزعمهم.

و كلا هذين المستويين ينطبقان على النجوم، كما ينطبقان على أي علة أخرى في الكون. فيكون المستوي الأول هو الوجه الحادي عشر و المستوي الثاني هو الوجه الثاني عشر.

الوجه الثالث عشر: و هو الاتجاه الموافق مع الطبيعيين و المحدثين من علماء الفلك أو غيرهم.

و هو أن يقال: إن مقتضى الفهم العام للحياة هو نفي تأثير النجوم بالمرة في الحياة الأرضية، إلا ما ثبت بالدليل التجريبي. فإن صدف أن ثبت شي‌ء منها بالدليل اعتقدنا بصحته، كاستناد المد و الجزر إلى حركة القمر و استناد‌

40

الطاقة إلى الشمس و نحوها. و إلا كان الأمر داخلا في حيز النفي و هم إنما يعتقدون ذلك تسبيبا قسريا على غرار سائر ما يرون من أشكال التسبيب في الكون. مضافا إلى اعتقاد بعضهم إلى نفي العلية على ما شرحنا في الوجه الحادي عشر. و اعتقاد البعض الأخر بالعلية الطبيعية فتكون الوجوه أربعة عشر.

و لا يحتاج الأمر إلى أكثر من ذلك بعد اتضاح كثير من أسسه و تفاصيله.

بعض أسس التنجيم:

هناك بعض الأفكار التي تعتبر غريبة على الفهم المعاصر للفرد الاعتيادي سنحاول فيما يلي إيضاح بعض جوانبها ضمن النواحي الآتية:

الناحية الأولى: أن الوجوه السابقة تتوقف على التفريق بين عدة مراتب من العلية:

أولا: الإيجاد و الخلق.

ثانيا: العلية بالمعنى العقلي أو المنطقي.

ثالثا: التسبيب.

رابعا: الترتيب بمجرده.

أما الإيجاد و الخلق، فهو المنسوب إلى اللّه عز و جل. و هو بهذا المعنى خاص به تبارك و تعالى و لا يشاركه فيه غيره من خلقه. فنسبته إلى النجوم و الأفلاك أو أي سبب من الأسباب مهما ارتفعت أهميته، يعد من الشرك لا محالة.

و معناه لدى الفلاسفة هو إفاضة الوجود على الماهية. أي تسليط نور الوجود عليها بعد ظلام العدم. و عند العارفين: أن كل شي‌ء قائم به و دائم به تبارك و تعالى. و لو فرض مستحيلا غفلته تبارك و تعالى عن العالم طرفة عين لا نعدم كل شي‌ء إلا ذاته المقدسة سبحانه و تعالى.

41

و قد علمنا من عدد من الوجوه السابقة في معنى التنجيم أنها مبتنية على نسبة هذا الشكل من المعنى إلى النجوم. و هو من الشرك الخفي لا محالة.

فإن كان لها نحو من التأثير، فهو على الأشكال و المعاني التالية.

و أما العلية بالمعنى العقلي أو المنطقي، فمختصر الكلام فيه: أنهم قالوا: إن الشي‌ء يحتاج في وجوده من بعد العدم، بالنسبة إلى غير العلة الإلهية، يحتاج إلى ثلاثة أمور: المقتضي و الشرط و عدم المانع.

فالمقتضي هو العلة الأساسية التي قالوا فيها مثلا: أن الواحد لا يصدر إلا عن الواحد. أو لزوم الاتحاد في الجنس بين العلة و المعلول. إلا أنه لا يؤثر إلا مع وجود الشرط و عدم المانع. فإن حصل ذلك كان العلة تامة. و إذا وجدت العلة التامة وجب وجود المعلول، بالوجوب الغيري، كما هو مسطور في محله.

و مثلوا للمقتضي بالنار في إحراق الورقة، و للشرط بدخول الورقة في النار. و للمانع برطوبة الورقة فلو كانت رطبة فالمانع عن الاحتراق موجود.

و أما التسبيب أو السببية، فهي مفهوم أعم من العلية التامة و لا يجب الوجود عند وجوده غالبا. فوجود المسبب دليل على وجود السبب دون العكس.

و التسبيب يصدق على عدة أمور:

الأمر الأول: العلية التامة التي عرفناها.

الأمر الثاني: جزء العلة أو المعد كما يسموه. كوجود المقتضي وحده أو الشرط وحده أو هما مع المانع.

الأمر الثالث: التسبيب الطبيعي الغالبي، كعلية الدواء للشفاء، الذي قد يحصل و قد لا يحصل و إن كان حصوله غالبيا طبعا.

و على أي حال، فقد قالوا: إن الأمر إذا لم يعد إلى العلية التامة لم يوجد المعلول.

42

و قد قسم بعض الفلاسفة، و منهم أستاذنا المظفر (قدس سره) العلية إلى قسمين: ما منه الوجوه و ما به الوجود. و يراد بالأول: الإفاضة الإلهية. و يراد بالثاني: العلية التامة للأشياء بعضها لبعض.

و كان يقول: إنه لا بد من اجتماع كلا هذين السنخين من العلية لوجود المعلول و ليس العلة التامة بالمعنى الثاني فقط. و هما ليسا بنحو الشركة و لا بنحو الطولية، و لكن بمعنى آخر لم يكن يصرح به. إلا أنه كان يقول: إن العلة عند ما تتم يطلب المعلول بلسان حاله الوجود من الباري سبحانه. و اللّه سبحانه كريم لا بخل في ساحته، فيفيض الوجود عليه.

أقول: لا يفرق في علة ما به الوجود بين أن تكون اختيارية أو اضطرارية، و بتعبير آخر: أنه لا فرق بين أن يدخل الاختيار كجزء من العلية التامة أولا. و معه فنسبة أفعال الإنسان أو غيره من أشكال الأفعال الاختيارية، و كذلك النجوم لو كانت مختارة. نسبتها إلى الفاعل هي نسبة ما به الوجود أو العلية التامة و إن كانت اختيارية. بمعنى أنه يجب وجود المعلول عند وجودها بالوجوب الغيري.

نعم، تفرق العلة الاختيارية عن القسرية، بالنسبة إلى العلة أو الفاعل.

حيث يستطيع المختار أن لا يفعل بينما لا تكون العلة القسرية مخلولة بالترك.

بقي عندنا الاصطلاح الأخير و هو مجرد الترتب. و هو ما علمناه من المسلكين و السابقين من نفي العلية الضرورية بين الأشياء. أما بالنسبة العارفين فينسبون الجميع إلى اللّه عز و جل. بمعنى أنهم يثبتون علة (ما منه الوجود) و ينفون علة (ما به الوجود).

و أما بالنسبة إلى الطبيعيين فينفون العلية بكل إشكالها، فتعود إلى الصدفة المطلقة في كل شي‌ء. مع أن مفكريهم حاولوا أن ينفوها عن أصل الوجود بالقول بأزلية الكون، و تخيلوا أن هذا يعوّض عن ذلك. فكيف لا ينفوها بالنسبة إلى تفاصيل الأسباب الكونية؟ و تمام الكلام في الفلسفة.

الناحية الثانية: قول من يقول بأن للنجوم و الأفلاك أرواحا أو نفوسا أو‌

43

عقولا تكون بها عالمة عامدة مختارة و قادرة و فاعلة.

و هذا، بالرغم من غرابته في الأذهان الاعتيادية، هو المشهور بين الفلاسفة الإسلاميين و كثير من اليونايين و غيرهم. حتى أنهم أخذوا الأمر مسلما في حل عدد من المشاكل الفلسفية و العقائدية.

و قد استدلوا على ذلك بعدة أدلة نذكر بعضها:

الدليل الأول: حركات النجوم و الكواكب، و هي حركات مرئية بالوجدان. فما هي علتها الفاعلية و ما هي علتها الغائية أي الهدف من وراء الحركة.

يجيب الملتزمون بظاهر الشريعة: إن العلة الفاعلية هو اللّه سبحانه على نحو القسر للكواكب و النجوم. و العلة الغائية هو معرفة الحساب من عدد السنين و الشهور و غيرها، كما نص القرآن الكريم لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسٰابَ*.

غير أن الفلاسفة لا يرون هذا كافيا، فاللّه سبحانه و إن كان هو الفاعل لكل شي‌ء، و لكن يحتاج الأمر إلى علة أخرى بين الخلق نفسه هي التي سميناها (بما به الوجود). كما أن العلة الغائية المذكورة مربوطة بالبشر فما هي العلة المربوطة بالكواكب نفسها.

و من هنا قالوا: في العلة الفاعلية هو الاختيار، يعني هي التي تسير باختيارها و إرادتها. و قالوا في العلة الغائية هي ما نسميه بلغة المتشرعة:

بطاعة اللّه عز و جل. و بلغة الفلاسفة التكامل نحو الكمال المطلق. و معنى ذلك أن جهدها في حركاتها هذه تريد به التكامل و التسامي في هذا الطريق.

و من هنا أثبتوا للأفلاك نفوسا ناطقة كالنفوس البشرية، و أضافوا أنها طريق التأثير من العلل العليا إلى العلل الدنيا، يعني أن لها نحوا من أنحاء التوسط في العلية. و أن الفلك الأعلى تنطبع فيه بقدرة اللّه سبحانه مقادير سنة كاملة، و لا تزال تنزل إلى حيز التطبيق إلى نهاية السنة، باختيار و فاعلية الفلك نفسه.

44

و هم بالطبع لا يرون الفلك الأعلى نهاية العلل، بل هناك علل أعلى منه، كاللوح المحفوظ، و العقل الفعال. كما أن هناك علل أدنى منه، و هي العلل الطبيعية المعروفية.

الدليل الثاني: التأثيرات الكوكبية على الأرض، كما يقول به المنجمون، و يكفي الاعتراف بها جزئيا. فإن هذه التأثيرات إنما تكون من قبل فاعل مختار. لأن مصالحها معروفة و محسوسة لدينا، و كل عمل فيه مصلحة ففاعلة عالم و عامد و مختار. و إذا تكرر الأمر كان ذلك تأكيدا و إيضاحا للفكرة.

و هنا يجيب المتشرعة الملتزمون بظاهر الشريعة، أن هذه المصالح موجودة بمشيئة اللّه سبحانه. و هذا لا يعني أن الكواكب نفسها فاعلة و مختارة.

و يجيب الفلاسفة: أننا كما نحتاج إلى العلية في الخلق، أي ما به الوجود. نحتاج إلى علة غائية أيضا، لأن الفعل منسوب بنسبة صحيحة و كاملة إلى الأفلاك. إذن فهي التي أنتجت النتائج المطلوبة و الصحيحة، و كل من أنتج مثل هذه النتائج فهو فاعل مختار.

فهذه نبذة عن استدلال الفلاسفة. و لا أريد أن أكون مدافعا عنها، لأن أسسها و تفريعاتها تخرج بعمقها و تفاصيلها عن مستوي هذا الكتاب.

و المهم أن القول بوجود الاختيار للأفلاك و النجوم ليس بالأمر الغريب، بل هو المشهور بين الفلاسفة فعلا.

بقي إن نلتفت و لو بصورة موجزة إلى أن العلم الطبيعي الحديث لم يأت بتفسير قطعي لحركات الكواكب و النجوم، و إنما عرضوا نظريات و احتمالات لنشئ الكون لا يمكن أن تدخل تحت التجربة التي يؤمنون بأنها الأسلوب الرئيسي أو الوحيد للاستدلال. و لا زالوا يحاولون التعمق في ذلك بمحاولات تكاد أن تكون يائسة.

و من المؤسف أن هذا المنحى أسقط العلة الفاعلية و العلة الغائية بالمرة‌

45

أو كاد. بالرغم أن الإنسان مجبول في تكوين عقله على إدراك ذلك. و إذا كان بعضهم قد آمن بالخلق سبحانه، فإنهم جزموا بالقسرية الفاعلية و انعدام الغائية في سائر العلل الطبيعية مهما كانت عالية أو دانية.

و من الطريف أنهم إن آمنوا بالخالق سبحانه، فإنهم يعتبرونه العلة الأولى، و لا يعتبرون له أي تأثير له فيما دون ذلك. فيبقى السؤال مفتوحا ضدهم: بأن هذه النتائج الطيبة و المطلوبة في تنظيم الطبيعة و الكون كيف حصلت، إن كان الفاعل ليس له علم و لا اختيار، و ليس له علة غائية؟

فهم بين أمرين: أما أن يعترفوا بتأثير الخالق في كل صغيرة و كبيرة، كما هو المشهور بين العارفين لتكون الحكمة موزعة بين كل الأشياء بانتظام.

و أما أن يقولوا بالعلة الغائية و الاختيار لكل الأسباب الطبيعية. و أما بالنسبة إلى من ينفي وجود الخالق فالأمر عنده أصعب كما هو واضح.

الناحية الثالثة: من الأفكار المستغربة في التنجيم عند الفرد الاعتيادي، هو إشكال التأثير للعالم الأعلى في العالم الأدنى أو الحياة الدنيا. بعد أن تم الحديث عن أصل التأثير في الناحية السابقة.

و إذا نظرنا إلى التأثير بمعناه الواسع يعني غير الخاص بالتنجيم. وجدنا بعضه واضح الصحة و محسوسا. و بعضها مصرحا به في القرآن الكريم.

الأمر الذي يرفع الغرابة عن مزاعم المنجمين. فإن هذا التأثير إن كان ممكنا على نطاق ضيق فليكن على نطاق واسع و الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد.

فمن الآثار المحسوسة: ضوء الشمس في النهار و حرارتها المسماة بالطاقة الشمسية. و ضوء القمر بالليل. و ضوء النجوم فيه أيضا.

و كذلك: جمال صفحة السماء بالنجوم. قال اللّه سبحانه إِنّٰا زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا بِزِينَةٍ الْكَوٰاكِبِ.

و كذلك: معرفة السنين و الشهور و التواريخ. قال جل جلاله لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسٰابَ*.

46

و كذلك: معرفة الإنسان التائه كالقافلة في الصحراء أو السفينة في البحر موقعها من الأرض عند النظر في النجوم كالنجم القطبي و غيره. و هو قوله تعالى وَ عَلٰامٰاتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. و قوله جل جلاله وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهٰا فِي ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ، و كذلك: تأثير الشمس في نمو النبات و الإنسان و الحيوان، بتفاصيل علمية ليس هذا محل شرحها.

و كذلك تأثير القمر في المد و الجزر، على ما ذكروه.

و مما اختص به القرآن الكريم: التصريح بأن الشهب و النيازك جعلت كطرد للشياطين عن الصعود إلى السماء و محاولة الاستماع إلى كلام الملإ الأعلى. وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطٰانٍ مٰارِدٍ لٰا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلىٰ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جٰانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذٰابٌ وٰاصِبٌ. و لهذا الأمر بعض التفاصيل التي لا حاجة إلى سردها الآن.

و أما قوله تعالى فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقٰالَ: إِنِّي سَقِيمٌ فالآية بظاهرها تدل على تأثير مغاير لكل ما سبق. إذا يبدو أن إبراهيم الخليل (عليه السلام) استطاع أن يكتشف مرضه من النظر في أوضاع النجوم. و هذا لا يكون عادة إلا إذا كان هناك شكل من الاقتران أو السببية بين وضع النجوم و بين هذا المرض. و هذا هو الذي يدعيه المنجمون تماما.

هذا بغض النظر عن إمكان إعطاء تفسيرات أخرى للآية سبق بعضها.

على أن التفكير الناضج و المتأخر لدى الفلكيين المحدثين هو الترابط الكوني الشامل. فما من شي‌ء إلا و له تأثير قريب أو بعيد على شي‌ء آخر، بحيث لو كان على غير هذا الشكل. أكثر أو أقل. لا ضر بغيره ضررا قليلا أو كثيرا، حسب مقدار ارتباطه به.

إلا أنهم يفهمون هذا الترابط لا على شكل الفهم السابق للمنجمين، بل على أساس قيامه على شكل من أشكال التسبيب الطبيعي، و لكنه بحكمة‌

47

و تدبير و (عقل كوني) شامل تبدو فيه الحكمة و المصلحة مرئية للعيان.

و على أي حال، فالحكمة مما لا ينكره المنجمون المؤمنون بالخالق سبحانه، و هم يعتقدون، أنهم متعمقون في فهم الأسباب أكثر مما يجدها المفكر في معمله أو تجاربه. و لا ينبغي أن ننسى ما قاله الطبيعيون المحدثون أيضا من أنهم لم يعرفوا إلا زاوية صغيرة من الكون و أن المجهول عندهم أوسع و أعمق بكثير من المعلوم، فلعل المنجمين قد التفتوا إلى شي‌ء من ذلك العمق أكثر مما التفت إليه الطبيعيون.

و لعلنا حين نقول أو نسمع (أن أصل الحساب حق) و أنه (من علوم الأنبياء) نأمل أن يكون هذا الحساب قد استوعب الترابط الكوني بكل جوانبه، غير أنه ترابط عميق أعلى من الطاقة البشرية و الفهم الإنساني و أن (قليله لا ينفع و كثيره لا يدرك).

48

فصل السحر

قال أهل اللغة (1): السحر كل عمل يتقرب به إلى الشيطان. و الأعمال التي تأخذ العين حتى يظن الناس أن الأصل على ما يرى.

و السحر: الأخذه بالضم أو بالفتح، وحدة الأخذّ- و كل ما لطف مأخذه و دق فهو سحر و الجمع أسحار و سحور. و رجل ساحر من قوم سحرة و سحار.

و سحار من قوم سحارين و لا يكسر.

و السحر: البيان في فطنة. و منه ما ورد عن النبي صلى اللّه عليه و على آله: أن من البيان لسحرا.

قال الأزهري: و أصل السحر صرف الشي‌ء عن حقيقته إلى غيره. فكان الساحر لما رأى الباطل في صورة الحق و خيل الشي‌ء على غير حقيقته قد سحر الشي‌ء عن وجهه أي صرفه. و قال الفرّاء في قوله تعالى فَأَنّٰى تُسْحَرُونَ معناه: فأنى تصرفون. و مثله فأنى تؤفكون. أفك و سحر سواء.

و قال يونس: تقول العرب للرجل ما سحرك عن وجه كذا و كذا أي ما صرفك عنه.

و روي شمر عن ابن عائشة: قال: العرب إنما سمت السحر سحرا لأنه يزيل الصحة إلى المرض. و إنما يقال سحرة أي أزاله عن البغض إلى الحب.

____________

(1) لسان العرب.

49

و لا يخفى و نحن في أول الفصل، أننا نتحدث عن شي‌ء مجهول الكنه نسبيا لا يعرف الناس منه إلا القليل. فإن السحرة لا يعربون عن سر الصنعة إلا لمن سلك طريقهم و وصل إلى مرتبتهم.

و من هنا كل من عرّف السحر من المصادر المتوفرة، و غير المتوفرة، فإنما هو ناظر إليه عن بعد و ليس ناظرا عن قرب. و لا يوجد هناك مصدر يكون مؤلفه ساحرا فعلا ليعرفنا السحر عن حقيقة تفاصيله.

إلا أن الأمر ليس مجهولا مطلقا، و خاصة إذا اعتمد الفرد على المصادر الموثوقة.

و السحر فيه جهتان مهمتان لا بد من سبر غمارهما حسب الإمكان.

أولا: في التعريف بالقوانين التي يعتمد عليها السحرة في إنتاج أعمالهم الغريبة.

ثانيا: في أن السحر هل له واقع، يعني أنه يغير الواقع عن واقعه، فيجعل التفاحة صخرة حقيقة مثلا. أو أنه مجرد تخييل و توهم للناظرين فحسب. فإن كان هناك تأثير فإنما هو تأثير على نفوس الناظرين و عيونهم. أو أن في السحر كلا الجانبين؟.

و إذا كان له كلا الجانبين فهو إذن واقعي. كل ما في الأمر أنه كما يؤثر في الواقع يؤثر في العيون أيضا، بصفتها أحد موجودات هذا العالم.

و ينبغي أن نلتفت إلى أنه لا ربط بين الجهة الأولى و الثانية، إذا يمكن صدق الجهة الأولى على كلا الاحتمالين من الجهة الثانية. فإنه لا بد من وجود شي‌ء من القوانين يعتمد عليها الساحر في تغييره للواقع الخارجي و تغييره للواقع النفسي أعني الخيال و الإيهام.

و من هنا لا بد من التحدث في هاتين الجهتين قبل الدخول في التفاصيل الأخرى:

الجهة الأولى: في نوعية أو ماهية القوانين التي يعتمد عليها السحرة في إيجاد أعمالهم السحرية.

50

و أفضل ما وجدت في المصادر المتوفرة ما يلي:

قال (1) في الإيضاح عن السحر: أنه استحداث الخوارق، أما بمجرد التأثيرات النفسانية و هو السحر. أو بالاستعانة بالفلكيات فقط. و هو دعوة الكواكب. أو بتمزيج القوى السماوية بالقوة الأرضية. و هي الطلسمات. أو على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة. و هي العزائم، و يدخل فيه النيرنجات. و الكل حرام في شريعة الإسلام و مستحله كافر.

و قال في الكشكول بما مضمونه: إن السحرة اختلفوا في مصدر سحرهم، فمنهم من يقول: إنه ناتج عن الجن و منهم من يقول إنه ناتج عن الطلسمات و منهم من يقول أنه ناتج عن النفوس القوية، و منهم من يقول إنه ناتج عن الفلكيات.

و من الطرائف ما نقل عن المجلسي في بحار الأنوار، حيث قال ما حاصله: إن السحر على أقسام:

الأول: سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر. و هم قوم كانوا يبدون الكواكب و يزعمون أنها المدبرة لهذا العالم و منها تصدير الخيرات و الشرور و السعادات و النحوسات. ثم ذكر أنهم لي ثلاثة مذاهب: فمنهم من يزعم أنها الواجبة لذاتها الخالقة للعالم. و منهم من يزعم أنها قديمة لقدم العلة المؤثرة فيها. و منهم من يزعم أنها حادثة مخلوقة فعّالة مختارة فوض خالقها أمر العالم إليها.

و الساحر عند هذه الفرق من يعرف القوى العالية الفالة، بسائطها و مركباتها و يعرف ما يليق بالعالم السفلي. و يعرف معداتها ليعدها و عوائقها ليدفعها بحسب الطاقة البشرية، فيكون متمكنا من استحداث ما يخرق العادة.

الثاني: سحر أصحاب الأوهام و النفوس القوية.

الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية. و قد أنكرها بعض الفلاسفة. و قال‌

____________

(1) المكاسب: 33.

51

بها الأكابر منهم و هي في أنفسها مختلفة. فمنهم خيرة و هم مؤمنوا الجن و شريرة و هم كفار الجن و شياطينهم.

الرابع: التخيلات و الأخذ بالعيون. مثل راكب السفينة، يتخيل نفسه ساكنا و الشط متحركا.

الخامس: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على نسب الهندسة كرقاص يرقص و فارسان يقتتلان.

السادس: الاستعانة بخواص الأدوية مثل أن تجعل في الطعام بعض الأدوية المبلدة أو المزيلة للعقل أو الدخن المسكر أو عصارة البنج المجعول في الملبس. و هذا مما لا سبيل إلى إنكاره و أثر المغناطيس شاهد.

السابع: تعليق القلب. و هو أن يدعي الساحر أنه يعرف علم الكيمياء و علم الليميا و الاسم الأعظم حتى يميل إليه العوام و ليس له أصل.

الثامن: النميمة. انتهى.

و إنما وصفنا هذا الوصف بأنه طريف، لأنه عد من السحر ما ليس منه قطعا كالنميمة و استعمال الآلات الهندسية، أو الميكانيكية و المغناطيس و غيرها.

و قد ذكرنا في بعض كتاباتنا القديمة، ما مضمونه:

إن القوانين الكونية على ثلاث مراتب نذكرها بالترتيب من الأدنى إلى الأعلى:

المرتبة الأولى: القوانين الطبيعية المعهودة. التي يعرب عنها عادة علوم الفيزياء و الكيمياء و الفلك و الطب و نحوها. و منها: قانون الجاذبية و سرعة النور و غيرها.

المرتبة الثانية: ما سميناه بالقوانين الوسطى. لأنها متوسطة بين ما هو أعلى منها و ما هو أدنى منها.

52

و هي عدة أنواع سبقت الإشارة إلى بعضها: منها تسخير الجن و منها استعمال الطلسمات و منها علم الجفر أو علم الحروف. و منها قوانين الأفلاك باصطلاح القدماء و هي ما دون فلك الأفلاك أو الفلك الأعلى إلى غير ذلك.

المرتبة الثالثة: قوانينه عالم الجبروت الإلهية و هي الأعمال أو النتائج التي تظهر عن العقول المجردة و الملائكة المقربين و الأرواح العليا. فما فوقها.

و قلنا هناك أن السحر ما ينتج من القوانين الوسطى، كلها أو بعضها على تفصيل قد نشير إليه إن شاء اللّه تعالى. على حين تنتج المعجزة من القوانين ذات المرتبة الثالثة. و سنشير إلى ذلك أيضا بعونه تعالى.

و معنى كونها مرتبة في العلو: أنها مترتبة في الشرف و الأهمية أو قل:

أنها مترتبة من حيث السيطرة و الشمول. لأن عوالمها مسيطرة بعضها على بعض. و كلما كان العالم عاليا، كان مسيطرا على ما تحته، كما هو مسطور في الفلسفة.

و لكن قد نقول بإزاء هذا الاستنتاج: أن هناك رتبة رابعة من القوانين و هي أسفل منها جميعا، يعتقد بعض الناس بوجودها. و هي قوانين ما يسمى (بعالم الظلام) أو الأرض السفلى و نحوها حيث محل سكنى الشياطين و المردة و الأرواح الشريرة.

و تلك المرتبة من الوجود- لو صحت- لها أعمالها و لها قوانينها، و هي التي يستخدمها السحرة، فإنهم بطبعهم يرون أن كمالهم هو الوصول إلى عالم الظلام و الاتحاد بالشياطين. على حين أن أهل المعرفة من البشر يرون أن الكمال الحقيقي هو الوصول إلى عالم النور، و هو المشار إليه في المرتبة الثالثة السابقة.

و ينبغي أن نشير هنا إلى بعض الأمور:

الأمر الأول: أن السحر ليس هو وجود أي عالم من تلك العوالم و لا‌

53

وجود القوانين التي تحكمه. فإن لتلك العوالم مصالح في وجودها حسب الحكمة الإلهية التي اقتضتها و أحكمت تدبيرها.

و إنما السحر هو استغلال تلك القوانين من قبل الساحر أو الفرد الدنيوي أعني من عالمنا هذا استغلالا معينا، يغلب عليه الإضرار بالآخرين.

الأمر الثاني: أن كل القوانين السابقة مما ينتج أحيانا أعمالا خارقة للعادة، حتى القوانين الطبيعية. كصناعة الروبوت مثلا أو إعادة البصر إلى الأعمى طبيا أو غير ذلك، كل ما في الأمر أن التدرج المعهود في العلوم و الاعتياد عليها، جعلها في ضمن الأمور المعتادة. و لكن يمكن أن نتصور فردا منذ مئة سنة أو أكثر، فما ذا سيقول عن هذه النتائج الخارقة؟.

و الكلام الآن أن السحر ما هو:

أولا: هل هو الناتج من قوانين عالم الظلام.

ثانيا: أو أنه الناتج من قوانين العالم الأوسط كلها.

ثالثا: أو هو الناتج من بعض قوانين العالم الأوسط، دون الجميع.

رابعا: أنه هو الناتج من مجموع العالمين الأوسط و الأدنى.

و الذي أراه أن العالم الأسفل يمكن أن يكون منبعا للسحر. و أما العالم الأوسط فليس كله كذلك. بل لعله كله ليس كذلك، إلا ما جاء بالإضرار بالآخرين.

و إنما هو عالم فسيح فيه عدة أشكال من التصرفات. كما يوجد في عالمنا هذا قوانين فيزياوية و كيمياوية و غير ذلك. و لا شك أن تسخير الجن بمجرده ليس سحرا، و لم يفت فقيه بحرمته فيما أعلم. كما أن علم الجفر الذي هو استخدام الحروف لاستنتاج النتائج الغيبية ليس سحرا. و لا يقول أحد بحرمته. و يكفينا في جوازه ما دل من السنة على أنه كان لدى فاطمة (سلام اللّٰه عليها): الجفر الجامع و فيه كل شي‌ء مسطور، حتى أرش الخدش.

بقي عندنا قوانين الطلسمات و قوانين الفلك الأدنى. و لا اعتقد أن استخدامها لنفع الآخرين سحرا و لا حراما. نعم لا شك أن استخدامها للضرر‌

54

حرام. و لعلها بصفتها أفعالا خارقة للعادة تكتسب صورة السحر عمليا و عرفا.

كما أن تسخير الجن، بمعنى تسخير فسقتهم و شياطينهم لا يكون عادة إلا للضرر. فيكون حراما أيضا. و أيضا بصفتها سببا للأفعال الخارقة، فسوف يكون سحرا من الناحية العملية أو العرقية. و إن كان تسميتها بالكهانة أقرب كما سيأتي في الفصل الخاص بها و سيأتي إيضاحات حول ذلك في نهايات هذا الفصل.

الأمر الثالث: هل السحر هو العلم أو هو التطبيق.

طبعا من الناحية العرفية فإن السحر هو التطبيق. لأن الناس إنما يجدون من سحر الساحر ذلك. و لا يشعرون بعلمه النظري بطبيعة الحال.

فهل نستطيع أن نسمي من يعرف علم تلك القوانين ساحرا، و إن لم يطبقه في حياته. لا شك أن هذه تسمية غير عرفية و لا صحيحة.

الأمر الرابع: هل يؤخذ في السحر شرط الإضرار. يعني أن العمل المضر بتلك القوانين هو السحر، دون استخدامها النافع. فإنه ليس بسحر.

أو أن كلا الشكلين هو السحر. كل ما في الأمر أن النافع منها جائز شرعا و إنسانيا و أما الضار فهو محرم.

و الانصاف أننا إن فهمنا من السحر استخدام تلك القوانين استخداما خارقا للطبيعة. فيكون الاستخدام النافع سحرا أيضا و إن كان جائزا. و قد سبقت ما فيه من المناقشة.

الأمر الخامس: هل يشترط في السحر أن يكون له طرف آخر غير الساحر. يعني: أن يوجد فيه شخص مسحور. أم لا يشترط ذلك. فيكفي فيه بعض الاستخدامات الغريبة القائمة بحد ذاتها أو قائمة بالساحر نفسه.

الظاهر الاحتمال الثاني، ما دام السحر هو استخدام تلك القوانين.

الأمر السادس: هل يشترط في السحر أن يكون الناتج أو العمل خارقا‌