ما وراء الفقه - ج7

- السيد محمد الصدر المزيد...
341 /
5

الجزء السابع

كلمة الناشر

إننا بحمد اللّه سبحانه قد توفقنا لمتابعة طبع كتاب «ما وراء الفقه» لمؤلفه آية اللّه السيّد محمد الصدر الذي ينتمي إلى أسره غلب النبوغ و التفوق على بعض أفرادها سيما في الفقه و الأصول، و هذا الجزء الذي بين يديك، هو الجزء السابع من دورة تكتمل في عشرة مجلدات.

و لا يخفى على ذوي الفكر و الاختصاص أن كتاب «ما وراء الفقه» يعتبر حدثا جديدا في عالمه لم يسبقه إليه أحد، و قد نال إعجاب الفضلاء من أهل العلم.

إننا إذ نضع هذا السفر الجليل بين أيديكم، نبتهل إلى اللّه سبحانه و تعالى أن يوفقنا لإكمال هذه الدورة. و أن يأخذ بأيدينا لما فيه الخير.

جعفر الدجيلي بيروت 28/ 9/ 1996 15 جمادى الأولى 1417‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الإقرار

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

فصل معنى الإقرار

عرفه المحقق الحلي في الشرائع (1) بأنه: اللفظ المتضمن للإخبار عن حق واجب. كقوله لك عليّ أو عندي أو في ذمتي و ما أشبهه.

و المهم في فقرات هذا التعريف أمران:

الأول: أن يكون اللفظ اخبارا لا إنشاء كالأمر و الاستفهام و إنشاءات المعاملات.

الثاني: أن يكون هذا الإخبار الذي دل عليه اللفظ اخبارا عن حق واجب. و يراد به حق شخص في ذمة شخص آخر. و بتعبير أخص: في ذمة المتكلم، كما يفهم من أمثلته: لك عليّ أو عندي.

و إذا نظرنا إلى ما هو المفهوم عرفا من الإقرار استطعنا أولا أن نلاحظ أن مدّعيات الإنسان الراجعة إلى نفسه على قسمين: لأنها إما أن تكون لمصلحته و إما أن تكون ضد مصلحته.

فما كان لمصلحته مثل: إني أملك هذه الدار، أو لي في ذمتك كذا من المال. و نحوه.

____________

(1) ص/ 12 ج 3.

10

و ما كان ضد مصلحته مثل ما ذكره المحقق، أو أن يقول: إن الدار التي أسكنها لفلان. و نحو ذلك.

فالدعاوى و المدعيات التي تعود إلى مصلحته يكون الفرد فيها مدعيا، لا يصدق فيها بمجرد كلامه و دعواه، لأنه يجر لنفسه نفعا و يدفع ضررا.

و بالتالي يعني أنه يحقق فيها كسبا و مصلحة. و إنّما يصدّق فيها إذا كان له فيها الإثبات الشرعي الكافي، الذي من أوضح أشكاله إقامة البيّنة. و على أي حال فمثل ذلك من المدعيات لا يكون إقرارا.

و أما المدعيات التي يقولها الفرد و تكون ضد مصلحته، و يكون له فيها شكل من أشكال الخسارة إذا حصلت و نجزت على أي مستوي من المستويات، و مع ذلك فقد أعرب عنها و تكفل بها. فهذا هو الإقرار، و هو قابل للتصديق من الفرد بدون إثبات شرعي زائد. لأنها ضد مصلحته و يعتبر العمل بها تحميلا عليه و تكليفا له. كما لو اعترف باشتغال ذمته بدين، فإنه يستتبع دفعه من قبله لا محالة.

و من هنا نلاحظ أن الإقرار لا يكون إلّا (ضد النفس) لا ضد الغير و لا في مصلحته النفس. فلو كان ضد الغير لا يكون نافذا، كما لو قال:

لفلان في ذمة فلان كذا من المال، فإنه يكون من قبيل الشهادة لا يقبل فيها إلا إذا كان عدلا، مضافا إلى عدل آخر لتتم به البينة.

و هذه الفقرة من معنى الإقرار لم يكن تعريف المحقق الحلي واضحا فيها، فإنه لم يقل: عن حق واجب في ذمة المتكلم أو عليه أو ضد مصلحته و نحو ذلك. فكان إطلاق العبارة شاملا لصورة كون الحق في ذمة الغير. و كأنه أخذ ذلك مسلما لوضوحه. إلّا أن بيانه في التعريف كان ضروريا. مهما يكن واضحا.

هذا مضافا إلى أن قوله: حق واجب، لا يخلو من إجمال. لا أن الحق عادة و اصطلاحا في مقابل الواجب. فكيف يتصف الحق بأنه واجب. إلّا أن يراد بالواجب كونه ملزما. فكأنه قال: حق ملزم إلّا أنه لم يقل ذلك.

11

كما أنه لم يفسر ما قلناه في شرحهن أن الحق لشخص و الواجب لشخص آخر. فالمدين المقر هو الذي عليه الواجب و الدائن هو الذي له الحق. و هكذا.

و لو كان قد عرف الإقرار: بأنه اللفظ الإخباري المبين لحق ملزم للمتكلم. و يراد باللام هنا معنى (على) لأنه يتضمن معنى الضغط عليه و التحميل عليه و التكليف له.

و يلاحظ هنا أيضا أن المهم هو أن يكون هناك إلزام على المكلف، سواء كان له طرف آخر كالاعتراف بدين لشخص أو لم يكن، كالاعتراف بالذنوب، أو بوجوب بعض العبادات في ذمته، فإنّها نحو من الإقرار عرفا و ان لم يشملها الحكم القضائي الشرعي. مضافا إلى شمول الإقرار للنفي كما سنقول الآن.

فإن المراد (بالحق الملزم) ليس إثباته فقط، بل نفيه أيضا إذا كان في النفي تحميلا على المكلف و تكليفا له. كنفي ملكية ما تحت يده من دار أو كتب و نحوها. و نفي زوجية الزوجة أو أبوه الأب و نحو ذلك. فإنها و نحوها اقرارات يؤخذ بها ضد مصلحة المتكلم المقر، و لم يشملها تعريف المحقق.

و قد يقال: إن تعريفنا أيضا غير شامل له. و لو باعتبار أن شمول اللفظ لصورة وجوده و عدمه أما غير معقول و أما غير عرفي فكيف يشمله التعريف؟

فإن كان شاملا له، كان تعريف المحقق شاملا من هذه الناحية، لأنه يعم صورة نفي الحق الواجب. و لا نريد الدخول في المناقشات المطولة، غير أنه لا شك أنه من الأفضل أو الأوضح التعبير عن التعريف: بأن الإقرار هو اللفظ المخبر عن إلزام المتكلم. يعني سواء كان سببه عدميا أو وجوبيا، و لا إشكال فيه.

12

و ينبغي هنا أن نلاحظ أمرا آخر و هو أن الإقرار إنما يكون إقرارا إذا كان إخبارا عن حق سابق على الإقرار. لا اخبار يثبت بالإقرار نفسه، فضلا عن أن يكون إخبارا عن حق سيكون في المستقبل، فإن كلاهما غير نافذ و لا صحيح.

أما الحق الذي يثبت في المستقبل فواضح، أعني عدم الأخذ بالإقرار به. لأنه لا وجود له الآن. فلا يجب على المتكلم أو المقربة شي‌ء بسببه.

و أما الإقرار الذي يراد به إثبات الحق بنفس الإقرار. فهذا على قسمين:

القسم الأول: أن يتخذ الإقرار صفة أو معنى الإقرار عن الماضي و الحق السابق. لكي يكون ملزما قضائيا، إلّا أنه كاذب و إنما أقر له الفرد لأجل إكرام الآخر و نفعه و التنازل له.

و هذا القسم ان ثبت كذبه للحاكم أو للمقر له، فلا حجية فيه. و إن لم يثبت لزم الأخذ به باعتباره مصداقا للإقرار بالمعنى العام على أي حال.

القسم الثاني: أن يتخذ الإقرار معنى التحميل على المتكلم بالإقرار نفسه، كما لو قال الفرد لشخص آخر: اجعل لك في ذمتي كذا من المال. أو أن هذا المال مالك. لا بنحو الإقرار عن الماضي، و لا بنحو الهبة، بل لأجل أن يكون المال ملكا له بنفس الإقرار.

فهذا النحو من الإقرار ليس بحجة و لا يؤخذ به و إنما هو من قبيل الوعد بالإعطاء و الوعد مستحب التنفيذ غير واجب.

على أن اشغال الفرد لذمته بمال لشخص يواجه إشكالين آخرين:

الأول: إن هذا نحو من الإنشاء في الكلام و ليس إخبارا. و قد أخذنا في تعريف الإقرار كونه إخبارا. فلا يكون مثل ذلك إقرارا.

الثاني: إن هذا الأسلوب مطعون فيه كبرويا. أي بنحو القاعدة العامة.

13

فإن إشغال الذمة يحتاج إلى سبب كالبيع أو القرض أو غيرهما مما لم يدفع عوضه فتكون الذمة مشغولة به.

و ليس من أسباب اشتغال الذمة لا عرفا و لا شرعا إنشاء الفرد أو إخباره لاشتغال ذمته قطعا. و من هنا قلنا ما مؤداه: إنه إن كان إخبارا كان كذبا و إن كان إنشاء كان وعدا لا يجب الوفاء به.

و إلى هنا لم يبق لنا من تعريف الإقرار شي‌ء غير الإشارة إلى أمرين:

الأمر الأول: إن البحث عن الإقرار من توابع القضاء. فكان الأنسب فقهيا كتابته هناك. أعني بعد كتاب القضاء كالشهادات و غيرها. غير أننا تابعنا المحقق الحلي الذي جعله بعد النكاح و قبل القضاء.

فإن قيل: إن الإقرار لا يتعين حجيته عند القاضي بل يمكن لأي فرد الأخذ بإقرار أي فرد في حياته الخاصة و العامة. و هذا صحيح. فلا يكون من توابع كتاب القضاء ليذكر بعده. و لعل هذا هو تفكير المحقق الحلي الذي جعله قبله.

و جوابه من ناحيتين:

الأولى: إن حجية الإقرار و إن كانت عامة، إلا أن أوضح إشكالها و أوكدها ما يكون في كتاب القضاء، فتكون به ألصق و أليق. و قد ألحق الفقهاء بعض المطالب ببعض لمناسبات أضعف من ذلك بلا شك. فتكون من توابع القضاء.

الثانية: إن كتاب الشهادات الذي أخره المحقق الحلي عن كتاب القضاء، أيضا ليس خاصا بالقضاء بل يشمل حياة أي فرد و سلوكه و أوضح أشكاله الشهادة على الهلال. فلو كان الأمر على ما يقول المستشكل، لكان اللازم تقدم كتاب الشهادات على كتاب القضاء.

إلّا أن الصحيح أن جانب الشهادات في القضاء ألصق و أليق، تماما كالإقرار. فيكون كلاهما من ملحقات القضاء. و إنما ذكرناه هنا متابعة ليس إلّا.

14

الأمر الثاني: الذي نذكره في تعريف الإقرار: الإشارة إلى السبب أو الدليل في حجية الإقرار.

و العبارة الرئيسية التي يعتمد عليها الفقهاء في ذلك هي قولهم: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

و الكلام يقع حولها في ناحيتين:

الناحية الأولى: في محاولة الاستدلال على صحة هذه العبارة أو القاعدة.

و بالرغم من أن هناك رواية عن النبي (ص) (1) بهذا اللفظ. إلا أنها رواية مرسلة فلا تكون حجة سندا. و لا يمكن الاعتماد عليها لإنجاز حجية هذه القاعدة.

و إنما المهم في حجيتها هو صحتها عرفا و عقلائيا. فإن السيرة العقلائية و العرفية على الأخذ بالإقرارات بالمعنى الذي عرفناه. و العرف يكون حجة ما لم يرد فيه نهي من الشارع الإسلامي المقدس. و لم يرد في هذا المورد أي نهي، فتكون حجيته ثابتة. و هو المطلوب.

و هذا المقدار من الاستدلال يكفي في هذا الكتاب.

الناحية الثانية: في محاولة فهم العبارة و تطبيقها على التعريف السابق للإقرار.

و لفظ الإقرار هنا من الصعب أن نحمله على المعنى الاصطلاحي.

لوضوح إننا لو حملناه على ذلك لم يكن هناك حاجة لقوله: على أنفسهم لأنه متضمن لهذا المعنى. فالظاهر أن هذا القيد سيكون قرينة على أن المراد بالإقرار هنا هو مجرد الأخبار. إلّا أنه إخبار عن شي‌ء يكون: على أنفسهم، يعني ما يكون ضد النفس و تكليفا لها و تحميلا عليها. كما سبق.

____________

(1) انظر: الوسائل ج 16 كتاب الإقرار باب 3 حديث 2.

15

و هذا هو الاستفادة من لفظ (على) في مقابل اللام الذي يدل على أن الشي‌ء في مصلحة الفرد لا ضده. و تخريج الأمر أكثر من ذلك يحتاج إلى سعة في الكلام ليست تناسب المقام.

إذن فقيد الأخبار أو اللفظ الإخباري أو المخبر به. الذي أخذه المحقق الحلي و أخذناه في التعريف. موجود هنا أيضا. كما أن معنى التكليف و التحميل في مسئولية المكلف و ذمته أيضا موجود.

بقي إن نفحص لفظ (العقلاء) في العبارة السابقة الأصلية.

فإنه يمكن أن يراد به أحد معنيين:

المعنى الأول: المجتمع العقلائي. و يكون المراد أن الإقرار نافذ في المجتمع العقلائي و صحيح في سيرتهم.

و هذا المعنى ليس مقصودا في العبارة قطعا لأنه وصف بالعقلاء المقر نفسه فقال: إقرار العقلاء على أنفسهم. و لم يصف المجتمع أو الأسرة بذلك.

المعنى الثاني: أن يراد به الاتصاف بالعقل في مقابل السفه و الجنون لوضوح أن الإقرار لا يقبل بدونه. و هذا هو الصحيح، فيكون المعنى: إن إقرار العاقل نافذ و هو المطلوب.

و إنما عبر بالجمع (العقلاء) لبيان نفوذ هذا المعنى لكل الناس، و بتعبير آخر: إن اللفظ سيكون عاما. و ليس مطلقا. و العموم أوضح في الشمول عرفا من الإطلاق. و أداة العموم هو الألف و اللام الجنسية في قوله: العقلاء.

بقي إن نلتفت: إلى أن التعاريف السابقة خالية عن اشتراط العقل.

فهل تكون ناقصة بذلك، و لا بد من إضافة هذا القيد إليها لتكون عامة.

الجواب: لا، فإنها تامة بالرغم من ذلك. فإن هذا الشرط و نحوه‌

16

خارج عن أصل ماهية الإقرار. كاشتراط الحرية و عدم التفليس و نحو ذلك في صحة الإقرار.

و أوضح ما يدل على ذلك عرفا: أن صدور الإقرار من السفيه و المجنون، يصدق عليه أنه إقرار، فماهية الإقرار متوفرة. إلّا أنه لا يؤخذ به لتخلف شرطه و هو العقل. و المهم في التعريف هو تعريف و بيان الماهية و الحقيقة، و ليس الشروط الإضافية.

و الحال يختلف في قوله: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز. لأنه يريد أن يصف الإقرار بالنفوذ و الصحة بقوله: جائز. و لا يكون ذلك إلّا من العقلاء. دون المجانين. و لا يراد بهذه العبارة. بيان ماهية الإقرار فقط.

هذا، و أما قوله في العبارة: جائز. فأوضح معنى له كما أشرنا كون الإقرار نافذا و صحيحا. و هذا هو الظاهر الذي يعتمد عليه في المقام. إلّا أنه يبقى هناك احتمالان آخران يحسن التعرض لهما مع محاولة مناقشتهما.

الاحتمال الأول: أن يكون المراد سريان مفعول الإقرار في المجتمع العقلائي. يعني عمومه بينهم و قبولهم له. من (جازه) إذا تمشي إليه و تعداه إلى غيره. و مشي الإقرار في المجتمع إنما يكون بانتشاره و سريانه فيه.

و هذا يواجه عدة إشكالات أوضحها: أن المراد من العبارة إعطاء حكم الإقرار و شرعيته و ليس مجرد سريانه في المجتمع. فلو فهمنا هذا الأخير لم تكن العبارة دالة على حكم الإقرار و شرعيته و تنفيذه. و هذا مخالفة لظهورها، فيتعين الحمل على المعنى السابق.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد: الجواز الشرعي. على معنى أن الإقرار جائز على المقر شرعا و ليس بحرام.

و هذا المعنى أيضا غير صحيح. و أوضح الإشكالات عليه: إن السؤال‌

17

الذي يتبادر عادة عن الإقرار ليس هو حلية النطق بهما و جوازه. لوضوح جواز ذلك باعتباره كلاما صادقا. و الصدق جائز و الكذب حرام. فالأمر هنا لا يحتاج أكثر من الالتفات إلى صدقه.

و إنما السؤال الرئيسي حول الإقرار هو السؤال عن حجيته و صحته و نفوذه. و العبارة- بلا شك- ظاهرة بالتصدي للجواب على هذا السؤال دون سواه. فيكون ظهورها بذلك قرينة على المراد منها.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

فصل في أقسام الإقرار و أساليبه

بغض النظر عن شرائط المقر و المقر له التي تعرف من الفقه. يبقى لدينا أقسام نفس الإقرار بصفته كلاما خاضعا للمعنى العرفي و اللغوي و للقواعد العربية و النحوية و الصرفية.

فإن الإقرار قد يكون مطبقا لكل هذه القواعد من ناحية، و واضحا من جميع الجهات من ناحية أخرى. فعندئذ لا إشكال فيه. و قد لا يكون كذلك. فإن وضوح الفكرة في أذهان المتكلمين ليست على نحو واحد، و من الطبيعي أن تأتي العبارة مطابقة للفكرة بمعنى أنها لا تزيد أو لا يمكن أن تزيد عليها بشي‌ء إلّا كذبا أو محاولة الكذب.

كان الأشخاص يختلفون لا محالة من حيث مقدار بيانهم للأفكار التي لديهم. فقد يبين الفرد الفكرة بكل تفاصيلها و قد يبين الفرد الفكرة من بعد جوانبها و يحتفظ لنفسه بالباقي.

فإن الأشخاص يختلفون من حيث قدرتهم على البيان المطابق لقواعد اللغة العربية جميعها أو المطابق لقواعد لغتهم، و عدم قدرتهم على ذلك.

إلى حيث قد يقصد الفرد شيئا و يأتي باللفظ دالا على مقتضى القاعدة على غير قصده. كما لو نصب الفاعل و رفع المفعول.

كما أن الأشخاص يختلفون أيضا في إمكان الاستفسار منهم عن‌

20

التفاصيل التي اجملوها و الحقائق التي حذفوها أو سكتوا عنها، فقد يقول الفرد كلاما مجملا، و يتعذر الاستفسار منه عن التفاصيل، لأجل بعض الموانع، كالهيبة و السلطان أو المرض العقلي أو الجسدي المفاجئ مثلا، أو الموت.

غير أن مقتضى القاعدة عموما مع إمكان الاستفسار و حصوله، هو قبوله من المقر، ما دام مندرجا في معنى الإقرار. لأمرين:

الأول: كونه إقرارا أيضا فيكون حجة بهذه الصفة.

الثاني: إن الأمور التي لا يمكن التعرف عليها إلّا من قبل الشخص نفسه تقبل منه شرعا و فقيها، بدون الحاجة إلى إثبات زائد كالقسم.

و أوضح مصاديق ذلك و تطبيقاته هو القصد. فإن المقاصد من الألفاظ تختلف، و هي لا تعرف إلا ببيان أصحابه و متكلميها. فيكون بيان المتكلم حجة في بيان قصده من لفظه.

و هذا الدليل الثاني أوسع في الحجية في الجملة، من الدليل. الأول، كما لا يخفى على من فكر.

و المهم الآن، هو ذكر عدد مما التفت إليه الفقهاء من أقسام الإقرار، تحت العناوين التالية:

الإقرار المبهم:

أو الإقرار بالمبهم، فإن الإقرار كما قد يكون واضحا و تفصيليا، يمكن أن يكون مبهما.

و للإبهام أمثلة كثيرة و متنوعة. كما لو قال المقر: له عليّ مال أو له على شي‌ء أو له عليّ مئة و لم يعين صفتها. إلى غير ذلك. و المهم في الإبهام هو حذف صفة للشي‌ء المقر به دخيلة في تنفيذه و إنجازه، بعد العلم بعدم إرادة الإطلاق و أن الواقع أحدهما لا محالة.

21

مثاله: لو قال: له عليّ مئة. و لم يعين كونها من الدراهم أو الدنانير.

مع العلم أن الدين لا محالة متعلق بأحدهما لا بهما جميعا و لا ترديدا.

و أن الأداء موقوف على التعين، بعد لزوم انطباقه على واقع الدين.

و إنما قلنا: دخيلة في تنفيذه. و لم نقل إنها مالية. لأن صفة المالية و تفاصيل المال و إن كان دخيلا في التنفيذ. إلّا أن الإقرار قد يشمل غير المال كالإقرار بالنسب، و إن استلزم مالا. كما أن الصفات أو المقادير غير المتمولة، عرفا مملوكة لأصحابها عادة ما لم تسقط شرعا عن المالية. و في المعلوم أن الإقرار سبب لإرجاع المال إلى صاحبه بكل تفاصيله، و المالك يستحق لها مهما كانت. فإن لم نقل بالملكية فلا أقل من حق الاختصاص و نحوه.

إذن، فهذه الصفة ليست مالية، و إنما هي دخيلة في تنفيذ الإقرار و تطبيقه، يعني في دفع المال إلى مالكه على واقع صفته. فإذا كان الإقرار فاقدا لتلك الصفة كان مبهما.

و إذا كان الإقرار مبهما، كان الأساس الأصلي في رفعه، هو الرجوع إلى المقر في إيضاحه. و يؤخذ بقوله كما سبق. فإذا لم يمكن ذلك، لزم تطبيق ما ينطبق على المورد من القواعد اللغوية أولا و الشرعية ثانيا.

يعني: أن نبدأ بفهم الإقرار لغة و عرفا، ثم نطبق عليه ما يكون باليد من القواعد الشرعية.

نذكر لذلك بعض الأمثلة:

المثال الأول: قال المحقق في الشرائع (1): إذا قال له عليّ مال الزم التفسير. فإن فسر بما يتموّل قبل و لو كان قليلا. و لو فسر بما لم تجر العادة بتموله كقشر اللوزة و الجوزة، لم يقبل، إلى آخر ما قال.

و هذا معناه أنه يقبل تفسيره مع مطابقته للإقرار لغة، فإن المال معناه‌

____________

(1) ص 123/ ج‍ 2.

22

وجود المالية و مع عدمها فليس بمال فلا يقبل تفسيره، بل يلزم بتفسير آخر.

و المال هنا لا يفرق فيه بين النقد و غيره و لا بين القليل و الكثير لجريان أصالة براءة الذمة عن الزائد. كما لا يتعين بالحيوان الأهلي كالإبل و البقر التي كان العرب يسمونها مالا. فإن المال لغة أعم و أوسع مفهوما منها.

إلّا إذا اعتاد المتكلم أو مجتمعة ذلك الاستعمال.

و أما إذا لم يمكن الاستفسار من المقر، أمكن إجراء أصالة البراءة عن الزائد عن أقل ما يصدق عليه المال عرفا. و استيفاء هذا المقدار منه.

و هنا قد نقول: إننا نأخذ منه أقل ما له ماليته لصدق المال عليه.

و الانصاف خلاف ذلك. لأن الظهور العرفي لقوله: له عليّ مال، فيما هو أكثر من ذلك جزما. كما أنه قد جرت العادة في التعامل بما هو أكثر من ذلك حتما.

المثال الثاني: قال المحقق (1) أيضا: إذا قال له ألف و درهم ثبت الدرهم و يرجع في تفسير الألف إليه. إلى أن قال: أما لو قال: مئة و خمسون درهما كان الجميع دراهم. إلى آخر ما قاله.

فالأمر الأساسي في هذه الأمثلة هو الشك في رجوع الصفة إلى جميع ما ورد في العبادة أو إلى بعضها، فترجع إلى أمرين: تفسيره و القواعد اللغوية. فإن حصلنا على أحدهما دون الآخر فهو المحكّم. و إن حصلنا على الاثنين قدم التفسير إن كان في القواعد مجال و لو احتمالي و لو باعتماد سوء فهمه لها أو عدم اتباعه لها.

و أن تعذر الأمران رجعنا إلى الرجحان العرفي، فمثلا من الراجح أن يكون المراد من قوله: ألف و درهم أن الألف من جنس الدراهم أيضا. أو قل إنها ظاهرة عرفا في أنها عدد ذو مجموعة واحدة تساوي هذا المقدار‌

____________

(1) المصدر ص 124.

23

فلا تبقى الألف مشكوكة الجنس. و نحوه إذا قال: له علي درهم و ألف.

لعدم الفرق بين تقديم الدرهم أو تأخيره. و قد قال المحقق في مثله: (كانت الألف مجهولة) و هو كما ترى!! و لو تعذرت معرفة جنس الكل أو البعض، بالطرق السابقة، أمكن العمل بأحد أمرين:

الأمر الأول: أصالة البراءة عن الزائد عن أقل جنس محتمل كونه مقصودا للمقر.

الأمر الثاني: إجراء دليل الانسداد في المورد. إذ يعني أنه مع انسداد باب العلم و الطرق المعتبرة شرعا، يكون الظن حجة شرعا أو عقلا، و بالتالي يمكن العمل به. فنرجع في تعيينه إلى الظن. و هو متوفر في الأعم الأغلب.

المثال الثالث: قال المحقق (1) إذا قال: هذا الثوب أو هذا العبد لزيد، فإن عين قبل منه. و إن أنكر المقر له كان القول قول المقر مع يمينه. و للحاكم انتزاع ما أقر به و له إقراره في يده.

أقول: و المراد من هذا الثوب و هذا العبد. ما يكون تحت يد المقر لا تحت يد غيره. فإن أخباره ليس حجة عندئذ و إنما يكون شهادة يتبعه حكمها.

و إنكار المقر له إقرار منه بعدم الملكية للمال المعين المقرب به. فيؤخذ به. و يبقى المال بدون مالك ظاهرا. يعني في ظاهر الشريعة، و أن كان الواقع ملي‌ء خلافه. و سيأتي بعض الكلام عنه.

و لا يخفى أن إقرار الفرد بأن المال لفلان يحتوي على أمرين: أولا: الإقرار بأنه ليس له أي ليس للمقر. و يأخذ بإقراره. و من هنا قلنا أن المال يبقى بدون مالك ظاهرا. و الثاني: الشهادة بأن المال لفلان.

و هو خبر ذي اليد، فيكون حجة في نفسه، و لا يحتاج إلى البينة.

____________

(1) المصدر ص 125.

24

و للشخص الآخر المقر له إحلاف المقر يمينا مطابقا لإقراره. فإن حلف أخذ المال. و إن نكل بقي المال مجهول المالك. و هذا القسم ليس من باب كونه منكرا إذ لا مدعي فيهما. و لو افترضناه فالأصول متعارضة و متساقطة. فإنما القسم من أجل زيادة الاشتياق من أحد الإقرارين، بعد تعارضهما و تساقطهما ظاهرا.

و مقتضى القاعدة أنه للمقر تحليف الآخر على إقراره بأن المال ليس له.

فإن حلفا أو نكلا بقي المال مجهول المالك. و إن حلف أحدهما و نكل الآخر أخذه الآخر يعني الناكل منهما.

فإن بقي المال مجهول المالك أمكن الاستدلال باليد التي للمقر بأن المال موضوع أو مستمر عنده بشكل جائز شرعا و إن لم يكن ملكا له، و لا دليل على خلاف ذلك. فيبقى المال تحت يده. و هو أحوط من انتزاعه منه كما أمر به المحقق الحلي، كما سمعنا.

و وجه الانتزاع منه، هو أن الحاكم ولي للأموال المجهولة المالك. فيكون أولى بها ممن هي تحت يده، لصرفها في مواردها. و الأحوط أن يأذن لصاحب اليد بالاستمرار عنده. و إن كان الاحتياط استحبابيا كسابقه.

المثال الرابع: قال المحقق الحلي: و لو قال: له قفيز حنطة بل قفيز شعير.

لزمه القفيران. و كذا لو قال: له هذا الثوب بل هذا الثوب، أقول: يعني لزمه الثوبان معا.

و الوجه في ذلك كونهما معا محطا للإقرار و مصداقا له. مع الأخذ بنظر الاعتبار على أن الرجوع عن الإقرار غير مقبول. فدلالة قوله: بل هذا الثوب و إن كان رجوعا عن الإقرار الأول. إلّا أنه لا يكون حجة يجب عليه دفع كلا الثوبين.

و في هذا الحكم نظر من حيث أن المفهوم من (بل) الإضراب و الاستثناء. و الفرد قد يحتاج إلى ذلك طبقا لمقدار ذهنه و ذاكرته.

25

و المفروض أنه حصل ذلك بكلام واحد، فيؤخذ به عرفا، و النتيجة هو إلزامه بالثوب الثاني دون الأول.

هذا مضافا إلى ظهور كلا الإقرارين بكون المملوك للآخر: ثوب واحد لا ثوبين. فيكون هذا الظهور قرينة متصلة على إسقاط أحد الثوبين إجمالا عن الحجية، أعني الإقرار به. و من الواضح بعد ذلك: أن الأولى بل المتعين الأخذ به هو الثاني لا الأول.

نعم، لو كان الإضراب بكلام ثاني و قرينة منفصلة عرفا. كان لما ذكره المحقق وجه وجيه.

الاستثناء من الإقرار:

و الاستثناء يكون بأحد حروف الاستثناء كإلا و غير و ليست غير كصراحة إلى هذا الجانب. إذ قد تكون صيغة لما قبلها.

أما حركة المستثنى من نصب أو غيره، فتؤخذ بنظر الاعتبار بصفتها مصداقا للقواعد العربية، أن علمنا أن المتكلم المقر أهل لذلك أو المفروض منه ذلك. و إن سلمنا جهله بالقاعدة لم يضر اللحن و تأخذ بالظهور العرفي. فإن أنبهم أخذنا بالقدر المتيقن و أجرينا أصالة البراءة عن الزائد.

و إن شككنا في حصول الاستثناء من الأداة، كغير و حتى و نحوهما.

طبقنا القواعد حسب تحريك المتكلم للمستثنى إن كان أهلا له. و إلّا سألناه عن قصده و أنه هل أراد الاستثناء أو الصفة أو غيرهما. و أن لم يمكن الاستفسار أجرينا القواعد العربية أولا و الأصول العملية ثانيا.

و على أي حال، فقد قال المحقق الحلي في الشرائع عن الاستثناء بأن:

قواعده ثلاث:

الأولى: الاستثناء من الإثبات نفي و في النفي إثبات.

الثانية: الاستثناء من الجنس جائز و من غير الجنس على تردد.

26

الثالثة: يكفي في صحة الاستثناء أن يبقى بعد الاستثناء بقية سواء كانت أقل أو أكثر.

ثم صار المحقق بصدد سرد أمثلة الإقرار بأحد أساليب هذه القواعد الثلاث و سنذكر بعضه.

و لا بد الآن من مرور مختصر على تحقيق هذه القواعد.

أما القاعدة الأولى فواضحة، لأن الجملة المستثنى منها و هي السابقة على أداة الاستثناء أما أن تكون مثنية أو منفية و ليس لها حالة ثالثة.

و الاستثناء من أي من الحالتين يفيد الحالة الأخرى.

فلو قال الفرد: خرج القوم إلا رجلا كان الاستثناء دالا على أنه لم يخرج. و لو قال: لم يخرج القوم إلّا رجلا كان دالا على خروجه.

و معه يكون التعبير الأوضح لهذه القاعدة هو قولنا: الاستثناء من الكلام المثبت أو الدال على الإثبات دال على النفي. و الاستثناء من الكلام الدال على النفي دال على الإثبات.

و أما القاعدة الثانية، فهي قائمة على أساس تقسيم النحويين الاستثناء إلى متصل و منقطع. و قالوا: إن المتصل هو الاستثناء من الجنس كقوله: خرج القوم إلّا رجلا. و المنقطع هو الاستثناء من غير الجنس كقولنا: خرج القوم إلّا حمارا.

و الأفصح هو الاستثناء المتصل و أما المنقطع فقد قالوا إنه خلاف الأصل. و لو فهمنا ذلك فهما فقهيا لعلمنا: أنه خلاف الظاهر و أن لم يكن ممنوعا استعماله، إلّا أنه يتعين فهم الاتصال، ما لم تقم قرينة على الانفصال.

فلو قال: خرج القوم إلّا واحد. و شككنا في كون الواحد إنسانا أو حمارا. وجب حمله على الإنسان ليكون الاستثناء متصلا.

27

و لو قال: مشيت في الأرض إلا بستانا. و شككنا في أن الأراضي هي مزروعة لتكون بساتين فيكون الاستثناء متصلا أو غير مزروعة لتكون صحراء فيكون منقطعا. و الأصل هو المتصل، فيكون ذلك قريبة على أن المراد بالجملة الأولى البساتين أيضا. و قد بنى عليها المحقق في بعض الموارد.

و الفرق بين المثالين كون الشك في الأول في الاستثناء و الشك في الثاني في المستثنى منه.

و أما القاعدة الثالثة: و الأهم فيها ما قاله الأصوليون من أنه يقبح استثناء الأكثر أو يستهجن ذلك عقلا أو عقلائيا أو لغة.

إلّا أن الاستثناء إن كان واضحا في ذلك أخذنا به. كل ما في الأمر أن المتكلم قد استعمال الكلام استعمالا مستهجنا. و إن لم يكن واضحا في ذلك كان الأصل هو الاستعمال الصحيح و هو عدم استثناء الأكثر.

فلو قيل: كل هذه الأشياء لي إلّا بعضها. و شككنا في كون هذا البعض قليلا. أو كثيرا بحيث تستوعب النسبة أكثر الموجود. كان لا بد من الحمل على الأول أعني الاستثناء الأقل.

فهذه هي القواعد الثلاث التي ذكرها المحقق.

و كان لا بد من التعرض إلى قاعدة رابعة، من حيث أن المستثنى منه قد يكون مذكورا في الكلام و قد يكون محذوفا لا بد من تقديره و يسمى المفرغ. فإن كان موجودا أخذنا بظهوره. و إن كان محذوفا و كان له تقدير عرفي واضح أخذنا به. و إلّا كان اللازم الرجوع إلى الأساليب السابقة في معرفته.

فإن أمكن الاستفسار من المتكلم المقر أخذنا بتفسيره. و إلّا فقد نرجع إلى حجية الظن لحصول الانسداد كما سبق في مثله. فنأخذ بأرجح احتمالات التقدير. و إن دار الأمر بين الأقل و الأكثر. أخذنا بالأقل و طرحنا الأكثر لأصالة البراءة عنه.

28

و نذكر بعض الأمثلة في الإقرار طبقا للقواعد الأربعة:

فالقاعدة الأولى: ما ذكره المحقق إذ قال (1): إذ قال (المقر): له عليّ عشرة إلّا درهما كان إقرارا بتسعة و نفيا للدرهم. و لو قال: إلّا درهم (بالرفع) كان إقرارا بالعشرة. و لو قال: ما له عندي شي‌ء إلّا درهم كان إقرارا بدرهم و كذا لو قال: ما له عندي عشرة إلّا درهم، كان إقرارا بدرهم.

و التدقيق في هذه الأمثلة نوكله إلى فطنة القاري اللبيب.

و مثال القاعدة الثانية: ما ذكره المحقق أيضا حين قال: و لو قال (2): ألف درهم إلا ثوبا. فإن اعتبرنا الجنس (يعني في صحة الاستثناء) بطل الاستثناء و ان لم نعتبره، كلفنا المقر بيان قيمة الثوب (بالدراهم) فإن بقي بعد قيمته شي‌ء من الألف صح. و إلّا كان فيه الوجهان.

أقول: و هذان الوجهان مبينان على إمكان الاستثناء للأكثر أو المستوعب و عدمه. و الصحيح عرفا إمكانه و إن كان قبيحا و هو منطوق القاعدة الثالثة و ليس الثانية التي نتحدث عنها الآن.

و مثال القاعدة الثالثة: ما قاله أيضا بقوله (3): لو قال: له درهم إلّا درهما. لم يقبل الاستثناء (لكونه مستوعبا). و لو قال: درهم و درهم إلّا درهما. فإن قلنا إن الاستثناء يرجع إلى الجملتين كان إقرارا بدرهم، و إن قلنا يرجع إلى الجملة الأخيرة- و هو الصحيح- كان إقرارا بدرهمين و أبطل الاستثناء.

أقول: إلّا أن الصحيح هو ظهوره العرفي في الرجوع إلى الجملتين. بل الظهور اللغوي على ذلك. لأن الدرهم الأول يعرب مبتدأ، و الثاني‌

____________

(1) المصدر ص 128.

(2) المصدر ص 129.

(3) المصدر ص 129.

29

معطوف عليه فهو فرعي في الكلام و إرجاع الاستثناء إلى الفرعي دون الأصلي، أو إلى المعطوف دون المعطوف عليه خلاف الظاهر بل خلاف القواعد. و إذا رجع إلى الأول كان معناه الرجوع إليه مع ملحقاته الكلامية التي تصلح قرينة متصلة على تعيينه، و هي هنا العطف بالدرهم الثاني.

و هذا معناه أنه استثناء من الدرهمين. فيؤخذ بالاستثناء لأنه ليس مستوعبا.

و مقتضى القاعدة في الاستثناء المستوعب أنه إذا كان من نفس الجنس رفضناه لاستهجانه إلى حد الضرورة. و إن كان من غير الجنس. كالمثال السابق: له عندي ألف درهم إلّا ثوبا. و كان الثوب يسوي ألف درهم.

فالصحيح قبوله. لأنه ليس بذلك المستهجن. و قد يعود من الفرد العرفي.

و مثال القاعدة الرابعة التي تعرضنا لها: قوله المقر: لا يوجد له في ذمتي إلّا درهم. بتقدير دراهم. يعني بتقدير ما يجانس المستثنى منه.

و لو قال: لا يوجد له في ذمتي إلّا شي‌ء، كان المستثنى و المستثنى منه مجهولا. فنطبق القواعد السابقة، التي عرفناها فلا نكرر.

الإقرار الضمني:

و هو الإقرار الذي لا تدل عليه الدلالة المطابقية أو المباشرة في الكلام، و إنما تدل عليه دلالات أخرى تضمنية أو التزامية، و يظهر حاله من أمثلته.

قال المحقق الحلي (1): فلو قال: لي عليك ألف. فقال: رددتها أو أقبضتها، كان إقرارا. و لو قال: نعم أو أجل أو بلى كان إقرارا.

و لو قال: أ ليس لي عليك كذا؟ فقال: بلى. كان إقرارا. و لو قال:

نعم. لم يكن إقرارا. و فيه تردد. من حيث يستعمل الأمران استعمالا ظاهرا.

____________

(1) المصدر السابق ص 127.

30

أقول: و كذلك لو ناداه شخص: يا أبي أو يا ابني. فلباه و أجابه. فهو إقرار بالنسب. و كذلك لو قال: هو واجب النفقة عليّ. و لم يكن يحتمل فيه سبب إلّا كونه ابنه.

و كذلك لو قال: بعت هذه الدار عن فلان أو بالوكالة عنه. كان إقرارا بعدم ملك المتكلم لها عرفا. و كذلك لو قال: سكنت الدار بإذن فلان إذن فهي ليست ملكه، لأن المالك لا يحتاج إلى إذن. و لو قال: ادفعوا هذا الكتاب إلى فلان لم يكن إقرارا بعدم الملكية. لأن هذا الدفع كما يمكن أن يكون من قبيل رد الوديعة، يمكن أن يكون بنحو الهبة أيضا.

إلى غير ذلك من الأمثلة.

الإقرار بالنسب:

و أهمها الإقرار بالأبوة و البنوة. و هو لا يكون إلا بشرائط ثلاثة:

الشرط الأول: أن تكون البنوة ممكنة، فلو أقر الفرد ببنوة من هو أكبر منه سنا أو مثله أو مقارب له و إن كان أصغر منه قليلا، لم يقبل إقراره.

و كذلك لو أقر ببنوة ولد امرأة له. إلّا أن بينهما مسافة لا يمكن لهما التلاقي معهما في مثل عمره.

فالمهم هو إمكان أن يكون المقر به ابنا للمقر، لا أن يكون اعترافا بالمستحيل عادة.

الشرط الثاني: أن يكون الفرد المقر به مجهول النسب. فلو أقر ببنوة شخص معلوم النسب، يعني أنه ابن غيره. لم يقبل إقراره. لأن الإقرار و إن كان حجة إلّا أنه يعارض ما هو قطعي فيسقط.

الشرط الثالث: أن لا يواجه المقر شخصا منكرا و نافيا لإقراره، فإن حصل ذلك لم يثبت النسب المقر به.

و ذلك يحدث في صورتين:

الصورة الأولى: أن يكون المنكر غير المقربة. كما لو ادعى بنوة شخص‌

31

و ادعى آخر بنوته أيضا. فإنهما يتكاذبان لاستحالة اشتراكهما بالأبوة. و لا يثبت النسب لوحدهما إلّا بالبينة. و لا مورد هنا لليمين. فإن أقاما معا بينة تعارضت و تساقطت.

الصورة الثانية: أن يكون المنكر هو المقر به. كما لو أقر ببنوة شخص بالغ عاقل رشيد، مع اجتماع الشروط الأخرى التي سمعناها. فأنكر هذا الشخص بنوته. لم يثبت النسب و إنما يثبت النسب لو تصادق الاثنان عليه.

و أما الإقرار ببنوة الصغير، فيؤخذ به بلا معارض، و لو كبر فأنكر البنوة. قال المحقق الحلي (1): لم يلتفت إلى إنكاره لتحقق النسب سابقا على الإنكار. أقول: و هذا محل نظر لأن تحقق النسب متوقف على عدم المعارض و قد حصل. فيكون دالا بنحو الكشف على عدم صحة الحكم الظاهري بالبنوة. و من الواضح أنه لا فرق في حصول المعارض فورا أو بعد زمان طويل، أو قصير، فإن هذا مما لا دخل له فقهيا قطعا.

و صغر الطفل إنما يكون مانعا عن سماع إنكاره لا أن حقه منتف في ذلك بالمرة، فإذا ارتفع المانع أثر الإنكار أثره.

فهذا حاصل الكلام في شرائط الإقرار بالبنوة و الأبوة. و لا يبعد أن تكون هذه الشرائط عامة للإقرار بأي قرابة على أن يؤخذ منها في كل مورد بمقدار ما يناسبه.

و من تبعات و لواحق الإقرار بالنسب أمران:

أحدهما: الإقرار بالزوجية: فلو تصادق رجل و امرأة على الزوجية مع إمكانية حكم بها لهما، و توارثا. و لو أنكر أحدهما لم يقبل إقرار الآخر، إلا من زاوية الأحكام التي تكون ضد مصلحته. فلو كان المنكر المرأة‌

____________

(1) المصدر ص 135.

32

وجب على الرجل النفقة عليها و حرم عليها التمكين له. ما لم تقم بينة على الزوجية.

و لو كان الطرف صغيرا أو مجنونا لم يلتفت إلى الإقرار، لاحتمال أن يجر نفعا. نعم لا يبعد الحكم به مع اليمين، و ثبوت الأحكام التحميلية عليه، كوجوب النفقة للزوجة الصغيرة المقر بها.

ثاني الأمرين: التوارث اما من الطرفين لو ثبت النسب بشكل مطلق.

كما لو قامت البينة به أو تصادقا عليه. أو التوارث من طرف واحد.

فلو ثبت النسب بشكل مطلق و كامل، كان الطرفان يتصفان بالقرابة اعتياديا، فيشملها الحكم بالتوارث، كما تشملها الحقوق الواجبة أو المستحقة حال الحياة. و هذا واضح.

و إنما ينبغي لنا الآن أن نذكر بعض الأمثلة للتوارث من طرف واحد.

فإن الإقرار يعني استحقاق المقر له قسطا من تركه المقر على تقدير وفاته.

و هذا من الأحكام التحميلية التي تكون ضد مصلحة المقر، فيثبت الإقرار.

غير أن هذا محل نظر لأمرين:

أحدهما: إننا نريد بالأحكام التحميلية ما كانت ضررا دنيويا حال الحياة. و أما بعد الموت فلا. و من الواضح أن أى ميت لا مصلحة له سلبا و لا إيجابا في شي‌ء من المال الذي تركه. فلا يكون التوريث حكما تحميليا.

ثانيهما: أن هذا التوريث مناف لحقوق الورثة الآخرين. و هم موجودون دائما، لأننا نريد بالوارث هنا: الوارث الاقتضائي و لو في طبقة متأخرة.

إذن فلا يمكن انتفاء الوارث بحال. و لا أقل من وجود الإمام (عليه السلام) كوارث لو لم يتم الأخذ بالإقرار و الحكم بتوريث المقر له.

و هذا ينتج: أنه ما لم يثبت النسب بشكل مطلق، لم يكف الإقرار من طرف واحد لإثباته.

33

هذا لو أقر الموروث. و أما لو أقر الوارث بوجود وارث آخر مساو له في الطبقة للزائد من المال أو عدم استحقاقه أصلا إذا كان أولى منه.

فيكون حكما تحميليا، فثبت بالإقرار. إلّا أن دفع الباقي إلى المقر له لا يمكن إلّا بالإثبات الكامل أو المطلق للنسب. و إنما يدفع الباقي إلى الورثة المعروفين سلفا (1).

و من أمثلة ذلك:

أولا: ما ذكره المحقق بقوله (2): لو كان للميت أخوة و زوجة. فأقرت له بولد، كان لها الثمن. فإن صدقها الإخوة كان الباقي للولد دون الإخوة. أقول: و إن صدقها بعضهم دفعنا إليه حصصهم خاصة، و يأخذ المنكر حصته كاملة.

ثانيا: ما ذكره المحقق بقوله (3): لو أقر بزوج للميتة و لها ولد. أعطاه ربع نصيبه. و إن لم يكن لها ولد أعطاه نصفه. أقول: و المقر هنا أحد الورثة أو كلهم. و أما المنكر منهم فيعطي له حصته كاملة.

ثالثا: ما ذكره أيضا (4): لو أقر بوارثين أولى منه فصدقه كل واحد منهما عن نفسه لم يثبت النسب و ثبت الميراث. و دفع إليهما ما في يده. و لو أقر بوارث أولى منه ثم أقر بآخر أولى منهما. فإن صدقه المقر له الأول دفع المال إلى الثاني. و إن كذبه (الأول) دفع المقر به إلى الأول و غرمه الثاني. و لو كان الثاني مساويا للمقر له أولا، و لم يصدقه الأول دفع المقر إلى الثاني مثل نصف ما حصل للأول.

أقول: و في هذا المثال الثالث، الذي يحتوي في الواقع على عدة أمثلة، بعض المناقشات و التدقيقات التي لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها، فنوكلها إلى الفقه و إلى فطنة القاري.

____________

(1) راجع عن ذلك فصل: الميراث بالإقرار من كتاب الإرث من هذا الكتاب.

(2) المصدر ص 135.

(3) المصدر ص 137.

(4) المصدر ص 136.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

كتاب اليمين و لواحقه أو الملزمات الشخصية

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

تمهيد:

نحتاج في كل كتاب فقهي إلى عنوان جامع بين الموضوعات أو العناوين التي تبحث خلاله. و إلّا كان ذكر الخارج عن ذلك استطرادا مستغنى عنه. فالسؤال في هذا الكتاب الفقهي: ما هو الجامع بين هذه العناوين الثلاثة: اليمين و النذور و العهد. التي حررنا لها دوما الكتاب الفقهي.

و لعل المحقق الحلي و غيره من الفقهاء لم يجدوا هذا الجامع، فأفردوا لكل من هذه العناوين كتابا فقهيا مستقلا. لكي لا يكون ذكر أحد ما استطرادا بعد ذلك الآخر.

غير أننا حصلنا لها مفهوما جامعا منطبقا عليها جميعا، و هو: (الملزمات الشخصية). أما كونها ملزمات فلوجوب تنفيذها و تطبيقها شرعا. و أما كونها شخصية فباعتبار أنها جميعا تندرج في مسار واحد هي الأساليب التي يلزم بها الإنسان نفسه بعمل ما. من دون أن يكون الآخرون دخيلين في ذلك و هذا هو معنى الشخصية، فإن الالتزام ليس من اللّه سبحانه ابتداء كالأحكام الشرعية الاعتيادية و ليس من الآخرين كالمعاملات و الضمانات التي يكون الفرد طرفا فيها. بل محتواها العام إلزام الفرد لنفسه.

و تظهر أهمية هذا الإلزام فقهيا إذا التفتنا إلى عدم وجوب التنفيذ بدونها. فلو عزم الفرد على شي‌ء أو قال: سأفعله أو إني فاعله بكل‌

38

تأكيد. و نحو ذلك من التعابير، لم يجب عليه القيام به ما لم يكن واجبا أصلا. و إنما يجب القيام به إذا اقترن العزم بالنطق بأحد هذه الأمور الثلاث: النذر و العهد و اليمين.

و سنعرف خلال كلامنا عنها أنها قد تختلف في شروط الصحة و الانعقاد. فإن من شروط صحة النذر أن يكون راجحا بخلاف أخويه الآخرين. إلّا أن هذا الاختلاف في الشروط لا يضر بالاتفاق في المفهوم العام، كما هو معلوم.

و من هنا كان لا بد من أن نعقد لكل منها فصلا مستقلا:

39

فصل القسم أو اليمين

و يسمى الحلف أيضا. و يمكن تقسيمه إلى قسمين: إخباري و إنشائي فالإخباري: هو أن يقسم على وقوع شي‌ء أو عدم وقوعه في أحد الأزمنة: الماضي أو الحاضر و المستقبل. و الإنشائي هو أن يحلف على فعل شي‌ء أو تركه من الأمور الاختيارية له.

و الصدق في اليمين الإخباري، في مطابقة الخبر للواقع، و كذبه في عدم مطابقته. و هي اليمين الغموس. و الصدق في الإنشائي مما لا معنى له حقيقة لأن الإنشاء لا يحتمل الصدق و الكذب. إلّا أنه يمكن اعتباره مجازا. فصدقه هو إنجاز متعلق القسم أو المحلوف عليه من فعل أو ترك و كذبه بترك إنجازه، أو عصيانه، و هذا الصدق و الكذب منوط باختيار المكلف المقسم. فإن أنجزه صدق و إلّا كذب. و من هنا يمكن التعبير: أنه يجب على المقسم جعل قسمه صادقا. أي منجزا و منفذا و مطاعا.

ثم إن متعلق القسم الإنشائي (1) بصفته فعلا اختياريا للفاعل. يتصف لا محالة بأحد الأحكام الخمسة المشهورة في الشريعة. حيث نعلم انه (ما من واقعة إلا و لها حكم) و هو الوجوب و الاستحباب و الإباحة و الكراهة و الحرمة.

____________

(1) و هو الذي نبحث هنا و يعتبر من الملزمات الشخصية التي ذكرناها في عنوان هذا الكتاب الفقهي.

40

فإن أقسم على الواجب تأكد وجوبه. و يجب أن يأتي به بقصد الوجوب الأصلي ليجزئ عن كلا الوجوبين، و إن أتى به بقصد إنجاز القسم لم يجزئ عن كليهما.

و إن أقسم على المستحب تحول إلى الوجوب و إن بقيت المطلوبية الأصلية للاستحباب. و له عند الإنجاز أن ينوي الوجوب الناتج من القسم أو الاستحباب الأصلي. إلّا إذا قصد بالقسم الإتيان بالمستحب بما هو مستحب فيتعين قصد الاستحباب ليسقط وجوب القسم.

و إن أقسم على المباح وجب، فإن لم يكن عباديا أتى به بأي وجه كان. و إن كان عباديا و لو باعتبار تعلق النذر به كذلك أتى بما قصده.

إلّا أن هذا القسم يتوقف على عدم اشتراط الرجحان في متعلق القسم، كالنذر، فإن النذر كما سيأتي لا ينفذ و لا يصح إلّا في الراجح.

فإن كان القسم مثله لم ينفذ في المباح. إلّا أن الصحيح فقهيا بخلافه، فينفذ به القسم لا محالة.

و إن أقسم على الإتيان بالحرام، فمن الواضح لغوية القسم و عدم نفوذه لسبق التحريم الشرعي.

و الروايات ناطقة بعدم نفوذ اليمين التي تحلل الحرام أو تحرم الحلال.

و إنما الكلام فيما لو أقسم على المكروه. فهل ينفذ أولا. فقد يقال: بأننا و إن لم نشترط في متعلق القسم أن يكون راجحا و لكن لا أقل من أن لا يكون مرجوحا. فلو كان مرجوحا لم ينفذ و المكروه مرجوح، فلا يكون القسم فيه نافذا.

و لعل هذا هو الأرجح. إذ بالرغم من أن مقتضى الإطلاقات الأولية الدالة على وجوب متعلق القسم، هو الشمول للمرجوح. إلّا أن بعض الروايات دالة على مثل قوله (1): إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها. و هذا‌

____________

(1) أخرجها في الوسائل كتاب الإيمان باب 18.

41

يكون فيما إذا كان المتعلق مرجوجا بالأصل أو أصبح كذلك بالعارض.

و قوله: دعها واضح في جواز الترك و عدم وجوب الإنجاز.

فإن قيل: إن هذه الأخبار و إن كانت متعددة إلّا أنها لا تخلو جمعا من الخدشة في إسنادها فلا تكون حجة. قلنا: إن المتبع عندئذ هو أصالة البراءة من وجوب إنجاز متعلق القسم المرجوح.

فإن قيل: إن هذا الأصل لا يجري باعتبار محكوميته للإطلاقات الدالة على الوجوب، كما ذكرنا. قلنا: أولا: إن هذه الإطلاقات لا وجود لها حقيقة. و إنما تذكر كحلقة في الجدل بقصد الإلزام ليس إلّا.

و ثانيا: إن الروايات الدالة على عدم الوجوب متعددة إلى حد الاستفاضة فتكون حجة. و بها تقيد تلك الإطلاقات إن وجدت.

و ينقسم أيضا متعلق اليمين إلى ما كان متعلقا بفعل النفس يعني نفس المتكلم المقسم. و إلى ما كان متعلقا بفعل الغير. و الأخير إما أن يكون بشكل الخطاب أو ضمير المخاطب و إما أن يكون بشكل الضمير الغائب.

فالأول أن يقول: و اللّه لأفعلن، و الثاني أن يقول: و اللّه لتفعلن، و الثالث أن يقول: و اللّه ليفعلن.

و الشكل الأول هو الصحيح و الواجب التنفيذ، شرعا. بل في عصيانه محاولة لهتك اسم اللّه سبحانه فيكون من أعظم المحرمات.

و أما الشكل الثاني، و يسمى يمين المناشدة. لأنه يقال فيه عامة: ناشدتك اللّه لتفعلن. و الشكل الثالث. كلاهما لا يجب تنفيذه لا على المتكلم و لا على الآخر: المخاطب أو الغائب. لأن المتكلم لم يقسم لنفسه و الآخر لم يقسم لنفسه. فلا يجب على أي منهما تنفيذ هذا القسم.

و اليمين الذي تجب فيه الكفارة إنما هو اليمين الذي يتعلق بفعل المتكلم، و الذي سميناه بالاستثنائي. على أن لا يكون متعلقة مرجوحا كما سمعنا سواء كان راجحا أو لم يكن.

42

و كفارته كفارة مرتبة بمعنى لا يتعلق التكليف بالمتأخر إلّا بعد تعذر المتقدم. و هي عتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين. فإن لم يستطع فإطعام عشرة مساكين مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ (1).

إلى غير ذلك من أحكام اليمين.

و من الناحية اللغوية فالقسم لا بد في نفوذه الشرعي من استعمال أدوات القسم المتعارفة و أشهرها الواو و هي الأوسع استعمالا في إشكال القسم. و لعلنا نمثل لذلك فيما يلي.

و من أدوات القسم الياء و التاء و اللام. و منها بعض الألفاظ- كعمر- بسكون الميم- و ايم و حق. و الظاهر انعقاد اليمين بها و إن خلت من تلك الحروف مع قصد اليمين.

تقول: باللّه و تاللّه و عمرو اللّه و لعمر اللّه و ايم اللّه و حق اللّه و بحق اللّه.

و مما ينبغي في القسم ألّا تتوسط كلمة اعتيادية بين الاسم المقدس و أداة القسم مما لا يراد به القسم. كقولنا و حق اللّه نريد به المعنى اللغوي للحق. أو قولنا: و عظمة اللّه أو بعظمة اللّه. إلى غير ذلك. و المهم هو أن يكون الاسم الدال على الذات المقدسة داخلا على الأداة دون غيره.

____________

(1) المائدة: 89.

43

فصل النذر

يحتاج النذر أولا إلى التعرف على معناه اللغوي.

قال ابن منظور: النذر: النحب- بفتح النون و سكون الثاني- و هو ما ينذره الإنسان فيجعله على نفسه نحبا واجبا، و جمعه نذور. و قد نذر على نفسه للّه كذا ينذر و ينذر نذرا و نذورا. و في التنزيل العزيز إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مٰا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً قالته امرأة عمران أم مريم. قال الأخفش تقول العرب نذر على نفسه نذرا و نذرت مالي فأنا أنذره نذرا.

أقول: و المادة هنا ثلاثية و هي غير الرباعي: أنذر بمعنى احذّر و منه قوله: من أنذر فقد أعذر. و منه قوله تعالى فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ.

و قال في مادة نحب: و النحب النذر تقول منه: نحبت أنحب بالضم.

ثم يعطي له عددا من المعاني لا تجتمع تحت مفهوم واحد. كالخطر العظيم و المراهنة و الهمة و البرهان و الحاجة و السعال و الموت. و من هذا الأخير قوله تعالى فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ.

و يفسره عن محمد بن إسحاق قال: فرغ من عمله و رجع إلى ربه.

هذا لمن استشهد يوم أحد. و قيل فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ أي قضى نذره كأنه ألزم نفسه أن يموت فوفى به. إلى آخر ما قال.

و أوضح إشكال يرد على مثل هذه البيانات اللغوية هو: الدور. إذ يفسر‌

44

النذر بالنحب و يفسر النحب بالنذر. فيتوقف فهم أحدهما على فهم الآخر و بالتالي لا يفهمان معا.

بل الأمر أكثر من ذلك لأنه فسر النذر بالنحب. و أعطى للنحب معان كثيرة من باب الاشتراك اللفظي. فلنا أن نتساءل: إن النذر بأي معنى من معاني النحب تلك. فإن أجاب: بمعنى النحب الذي هو النذر رجعنا إلى النذر مرة أخرى. فيوقف فهم النذر على فهم نفسه. و بالتالي لا يوجد.

أي فهم له. و لولا ما تحدث به عرضا من الأمثلة و غير لما تحصل لنا أي معنى.

و يبدو أن النذر في اللغة هو إلزام النفس بعمل معين. و أما من الناحية الفقهية، فيحتاج هذا الإلزام إلى سبب. و قولي: الزم نفسي بكذا أو سأفعل كذا بكل تأكيد، لا يكون حجة و لا نافذا و السبب شرعيا و فقهيا هو أحد هذه الأمور الثلاثة التي نحن بصددها و التي سميناها بالملزمات الشخصية. اليمين و النذر و التعهد. و كلها تنتج إلزام النفس. إذن فالنذر بهذا المعنى عام لكل هذه العناوين، بصفتها، حجة مؤثرة في ذلك شرعا.

و لكن النذر فقهيا أخص من ذلك، و أصغر دائرة، لأننا نشعر باستقلاله الذاتي و المفهومي عن العهد و اليمين.

و التفريق بالأساس ناشئ من اللفظ المستعمل في إلزام النفس فإن استعمل الفرد أحد أسماء اللّه سبحانه كان قسما و إن استعمل لفظ النذر كان نذرا و إن استعمل لفظ العهد كان عهدا.

و إذا دققنا في الفرق بين هذه العناوين وجدنا أن القسم مستقل بمفهومه لأنه مما يستعمل به أداة القسم مع أحد الأسماء الحسنى و كلاهما لا وجود له في النذر و العهد. و هذا واضح.

أما الفرق بين النذر و العهد، بغض النظر عن الألفاظ، فلا وجوب له.

45

لأنهما معا إلزام للنفس تجاه اللّه تبارك و تعالى. فلا بد في التفريق بينهما في أخذ الألفاظ بنظر الاعتبار. و من الممكن القول عندئذ: إن الفرد إن استعمل لفظ العهد كان عهدا و إلّا كان نذرا.

و هذا معناه أن النذر غير منوط بلفظه فلو قال: نذر للّه أو قال: للّه عليّ كان نذرا. بخلاف العهد فإنه منوط بلفظه.

و لا يوجد في أحكام النذر ما يناسب هذا الكتاب إلّا ثلاثة أمور هي اشتراط الرجحان في المنذور أو متعلق النذر، و كونه مما يصح فيه التعليق، مع الإشارة إلى كفارة حنث النذر و عصيانه.

اشتراط الرجحان:

بينما لم نشترط الرجحان في القسم، و إنما مجرد عدم المرجوحية.

لكننا نشترط ذلك في النذر، و عليه مشهور الفقهاء. بل خصه جماعة بالعبادة، فلو نذر غير العبادة لم تنفذ و لم يجب تنفيذه.

و عليه صحيحة أبي الصباح الكناني (1) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قال: علىّ نذر. قال: للّه ليس النذر بشي‌ء حتى يسمى للّه صياما أو صدقة أو هديا أو حجا.

و أهم ما تدلنا هذه الصحيحة عليه أمران:

الأمر الأول: اقتران النذر بكونه للّه عز و جل. فلو لم يكن كذلك لم ينفذ و لو كان بلفظ النذر. بل لو ترك لفظه و قال: للّه عليّ كذا نفذ.

و يسمى نذرا. إلّا أنه يكون نذرا بالحمل الشائع لا بالحمل الأولى، باصطلاح المنطق.

الأمر الثاني: اشتراط الرجحان في متعلق النذر. من حيث أنه ذكر كل الأمثلة له من العبادات. و من هنا قال بعض الفقهاء باختصاص النذر‌

____________

(1) الوسائل كتاب النذر و العهد باب 1 حديث 2.

46

بها. و لكن مع التجريد عن الخصوصية يكون شاملا لكل راجح ديني بل لكل راجح دنيوي، و لا يمكن الفتوى بصحة النذر مع كون متعلقة متساويا أو مباحا. و أما الراجح مما ليس بعبادة فتشملها الصحيحة مع شمولها للإطلاقات أيضا. و إنه: إذا قال للّه عليّ كذا كان نذرا.

و قد يقال: إنه مع وجود الإطلاقات، فإنها تشمل صورة التساوي أيضا، فيصح فيها النذر. و مجرد التمثيل لا يصلح مقيدا إلّا بحسب مفهوم الوصف الذي لا تقول به.

و جواب ذلك من وجهين.

الوجه الأول: إن هذه الأمثلة ليست من باب مفهوم الوصف، لعدة قرائن منها: كونها متعددة، فلو كان النذر في المباح جائزا و نافذا لذكر بعض الأمثلة منه. إذن فاختصاص الأمثلة بالراجح له إطلاق مقامي يخصه بها.

الوجه الثاني: إن مفهوم الوصف و إن لم يكن حجة، إلّا أن العبارة تحتوي على مفهوم الحصر. و من الواضح أن متعلقة هو مجموع الصفتين: كونه للّه و كونه راجحا. و هذا هو الصحيح.

التعليق في النذر:

قسم الفقهاء النذر إلى أقسام:

القسم الأول: النذر للشكر، كما لو قال الفرد إذا رزقت ولدا تصدقت بكذا.

القسم الثاني: النذر لدفع البلاء، كما لو قال الفرد إذا برئت من المرض تصدقت بكذا.

و قد يدرج هذان القسمان في قسم واحد و سماه بنذر البر.

القسم الثالث: النذر للزجر. و يراد به كف نفسه عن بعض الأفعال الدنيئة أو الرديئة. كما لو قال الفرد: إن فعلت كذا فلله عليّ كذا.

47

القسم الرابع: التبرع بالنذر. و هو ما لا يكون منوطا بشي‌ء، كما لو قال الفرد: للّه عليّ كذا.

و هذه الأقسام تجرنا عن الحديث في عدة أمور:

الأمر الأول: إن عددا من هذه الأقسام قد وقع فيها النذر جوابا للشرط و هو المقصود بالتعليق فقهيا و قد منعه الفقهاء في سائر المعاملات كالبيع و الإجارة، إلّا أنه في هذا الباب ممكن بكل تأكيد، كل ما في الأمر أن التعليق هنا هل هو بنحو الواجب المشروط أو بنحو الواجب المعلق على ما هو المصطلح عليه في علم الأصول؟ فإن كان بنحو الواجب المعلق كان وجوبه فعليا يعني من حين إنشاء النذر و الواجب معلقا على شفاء المرض مثلا، و إن كان بنحو الواجب المشروط كأنه الوجوب نفسه مؤجلا إلى حين تحقق الشرط فضلا عن الواجب الذي هو التصدق.

إلّا أن هذا الفرق نظري و ليس عمليا غالبا إذ لا أثر له عادة. فمن يقول بإمكان الواجب المعلق أمكنه أن يقول به هنا. و من يقول باستحالته فلا بد أن يرجع العبارة إلى الواجب المشروط. و على أي حال فظاهر العبارة دائما أقرب إلى الواجب المعلق لأنه يقول (للّه عليّ) أي من الآن.

و هذا معناه فعلية الوجوب ثم يقول (إذا شفيت تصدقت بكذا) و هذا معناه تأجيل دفع الصدقة بعد الشفاء، و هو معنى التعليق في الواجب دون الوجوب.

و أما إذا قال: إذا شفيت فللّه عليّ كذا فقد أعاد الشرط للوجوب نفسه فيكون على شكل الواجب المشروط.

الأمر الثاني: إن القدر المتيقن من التعليق في النذر هو التعليق على الأمور المقصودة منه، كشفاء المريض و عودة المسافر و نحوه. و أما التعليق على أمور خارجية على غرار التعليق في سائر المعاملات و الذي سمعنا كونه ممنوعا فلا يبعد كونه ممنوعا في النذر أيضا.

48

و مثاله: أن يجعل الفرد نذره مشروطا بأمرين أحدهما مقصود و هو الشفاء و الآخر غير مقصود كقدوم المسافر صدفة، و مثاله الأخر أن يجعل نذر التبرع منوطا بشي‌ء غير مقصود. فكل ذلك مخالف للاحتياط و مقتضى أصالة البراءة في الوجود عدم نفوذه.

و لا يقال: إنه إذا أمكن التعليق في شي‌ء في النذر أمكن في كل شي‌ء. و جوابه: أن القدر المتيقن في جواز التعليق في النذر هو التعليق في الأمور المقصودة. و أما التعميم إلى الأمور غير المقصودة فيحتاج إلى شكل من أشكال التجريد عن الخصوصية و هذا التجريد إنما يكون ممكنا مع عدم احتمال الفرق بين الموردين. و إما مع وجود هذا الاحتمال فلا.

و لا شك أن الاحتمال العرفي قائم في الفرق بين الأمور المقصودة و غير المقصودة، فيكون التجريد عن الخصوصية متعذرا.

الأمر الثالث: إنه من الناحية الأخلاقية يمكن أن يقال إن الصدقة المنذورة أو أي طاعة أخرى إن اشترطها الفرد بشرط مقصود من جلب نعمه أو دفع بلاء فحصل مقصوده فذلك هو ثوابه عند اللّه و لا يستحق ثوابا آخر غيره.

و بتعبير آخر: إن الفرد الناذر قد عين ثوابه بنذره نفسه و لم يجعله منوطا بمشيئة اللّه تبارك و تعالى بل عينه بشفاء مرضه أو قدوم ولده. فإذا رزق ذلك لم يستحق أكثر منه.

و قد يخطر في الذهن: إن الصدقة تكون بعد الشفاء فكيف يكون الشفاء ثوابا لها أو جزاء عليها. و إنما الثواب تأخر عن الطاعة فيكون ذلك دليلا على وجود ثواب آخر غيره، و هو المطلوب. و جوابه: أننا إن نظرنا إلى سعة رحمة اللّه سبحانه لم نستبعد كثرة الثواب. إلّا أن الفرد من حيث الاستحقاق ينحصر حقه فيما طلب. و لا فرق عند اللّه بين أن يكون الثواب متقدما عن العمل، بعد أن يكون اللّه سبحانه و تعالى قد علم وجود الطاعة في ظرفها و زمانها فإن الماضي و المستقبل مذ كان في أمد اللانهاية الذي تستوعبه الرحمة الإلهية.

49

الأمر الرابع: لا بد لنا هنا من كلمة حول نذر الزجر و قد تردد به المحقق الحلي أولا ثم صححه ثانيا.

و الإشكال فيه من ناحيتي:

الأولى: أنه منوط بفعل اختيار بخلاف غيره فإنه منوط بأمر خارج عن الاختيار كالشفاء مثلا.

الثانية: انه لم يرد في الأخبار مثله و هو خارج عن القدر المتيقن من صور النذر الاعتيادية لاحتمال الفرق بينهما، و لا أقل من الالتفات إلى الناحية الأولى التي ذكرناها.

إلّا أنه يمكن التمسك بالإطلاقات الدالة على أنه كلما جعل الفرد للّه في ذمته شيئا فقال للّه عليّ كان نذرا واجبا. بغض النظر عن الشرط الذي يذكره اختياريا كان أم لم يكن. و من هنا يرجح القول بنفوذ نذر الزجر و لا أقل من الاحتياط الوجوبي فيه.

يبقى التساؤل عن أن نذر الزجر هل يحرم الفعل الاختياري المذكور فيه؟ و جوابه: على مقتضى القاعدة هو جريان البراءة عن هذه الحرمة.

كلما في الأمر أن الفرد يريد أن يحمل على نفسه ثقلا أصعب من الفعل المقصود فإذا شاء له الهوى أن يفعله وجب عليه الأمر المنذور. و هذا كل ما في الأمر بمعنى عدم الدليل على حرمة ما شرطه.

كما يمكن التمسك بإطلاق ما دل على عدم نفوذ النذر الذي يحلل حراما أو يحرم حلالا، فيكون المورد صغرى و تطبيقا له، ان قلنا إن الفعل المشروط يكون حراما مع كونه مباحا في الأصل في الشريعة فيكون هذا الإطلاق دالا على عدم حرمته بالنذر. فتأمل.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

فصل العهد

و هو أن يقول: على عهد اللّه إن أفعل كذا. و قد يسمى نذرا إذا أخذنا النذر بمعنى مطلق الإلزام للنفس.

و ليس هناك من حديث زائد على ما سبق بعد الذي عرفناه في اليمين و النذر. فهو لا يصدق و لا يصح في فعل الغير كما لو قال: علي عهد اللّه أن تفعل كذا أو أن يفعل كذا. أو قال: عليك عهد اللّه أو عليه عهد اللّه أن يفعل كذا. و نحو ذلك من التعابير.

كما أن مقتضى القاعدة عدم نفوذه مع التعليق على الأمور غير المقصودة بل على الأمور المقصودة أيضا. فإن كان لدى الفرد شي‌ء من ذلك فالأحوط صياغته بصيغة النذر لا العهد.

و من المعلوم هنا أيضا أن العهد لا يكون نافذا إلّا أن يقترن باللّه سبحانه. و من هنا نعرف أن الملزمات الشخصية بكل إشكالها، إنما تكون ملزمة إذا اقترنت باللّه عز و جل. و قد يكون قوله تعالى وَ كٰانَ عَهْدُ اللّٰهِ مَسْؤُلًا عاما لها جميعا أو خاصا بهذا القسم الذي نتحدث عنه الآن باعتبار استعمال لفظ العهد في الآية الكريمة.

كل ما يمكن بحثه في هذا الفصل، هو التساؤل عن إمكان تبديل الصيغة الاعتيادية للعهد بصيغة أخرى مشابهة لها في المعنى و مختلفة عنها في اللفظ، و ذلك كأحد شكلين‌

52

الشكل الأول: في إمكان تبديل لفظ الجلالة، بلفظ آخر من الأسماء الحسنى. فبدلا أن يقول: عليّ عهد اللّه يقول: عليّ عهد الرحمن أو الرحيم أو غيرها من الأسماء الدالة على ذاته.

و نقطة الصعوبة فيها كونها غير متعارفة بين الناس. و إلّا فمقتضى الاحتياط نفوذها، و من المعلوم أن (عهد اللّه) المذكور في الآية الكريمة لا يعني استعمال لفظ الجلالة، بل كل عهد مسند إلى ذاته المقدسة سبحانه، فتكون شاملة لمحل الكلام. و كونها غير متعاونة لا يعني شيئا من الناحية الفقهية.

الشكل الثاني: في إمكان تبديل الألفاظ الأخرى المستعملة في الصيغة كالعهد نفسه إلى ألفاظ أخرى مرادفة باللغة العربية كالميثاق أو نطقه باللهجة الدارجة أو بغير العربية.

و مقتضى القاعدة الجواز و النفوذ على أي حال، مع الالتفات إلى كونه مصداقا على أي حال للآية الكريمة عرفا.

53

كتاب الأطعمة و الأشربة

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}