قاعدة لا ضرر ولا ضرار

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
397 /
7

الخصائص العامة لفكر الشهيد الصدر

يعتقد أستاذنا الشهيد محمد باقر الصدر أن علم الأصول الذي نشأ و ترعرع و بلغ رشده على يد علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) قد مرّ بعصور ثلاثة: «الأوّل: العصر التمهيدي، و هو عصر وضع البذور الأساسية لعلم الأصول، و يبدأ هذا العصر بابن أبي عقيل و ابن الجنيد و ينتهي بظهور الشيخ الطوسي. الثاني: عصر العلم، و هو العصر الذي اختمرت فيه تلك البذور، و أثمرت و تحدّدت معالم الفكر الأصولي، و انعكست على مجالات البحث الفقهي في نطاق واسع، و رائد هذا العصر هو الشيخ الطوسي، و من رجالاته الكبار: ابن إدريس الحلّي و المحقّق و العلّامة الحلّيان و الشهيد الأوّل و غيرهم من النوابغ. الثالث: عصر الكمال العلمي، و هو العصر الذي افتتحته في تاريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر على يد الأستاذ الوحيد البهبهاني، و بدأت تبنى للعلم عصره الثالث بما قدّمته من جهود‌

8

متضافرة في الميدانين الأصولي و الفقهي. و قد تمثّلت تلك الجهود في أفكار و بحوث رائد المدرسة الأستاذ الوحيد، و أقطاب مدرسته الذين واصلوا عمل الرائد حوالي نصف قرن حتى استكمل العصر الثالث خصائصه العامة و وصل إلى القمّة. ففي هذه المدّة تعاقبت أجيال ثلاثة من نوابغ هذه المدرسة. و يتمثّل الجيل الأوّل في المحقّقين الكبار من تلامذة الأستاذ الوحيد كالسيّد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212 ه‍ و الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى سنة 1227 ه‍ و الميرزا أبي القاسم القمي المتوفى سنة 1227 ه‍ و السيد علي الطباطبائي المتوفى سنة 1221 ه‍ و الشيخ أسد اللّٰه التستري المتوفى سنة 1234 ه‍. و يتمثّل الجيل الثاني في النوابغ الذين تخرّجوا على بعض هؤلاء كالشيخ محمد تقي بن عبد الرحيم المتوفى سنة 1248 ه‍، و شريف العلماء محمد شريف بن حسن علي المتوفى سنة 1245 ه‍، و السيد محسن الأعرجي المتوفى سنة 1227 ه‍، و المولى أحمد النراقي المتوفى سنة 1245 ه‍، و الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1266 ه‍، و غيرهم. و أمّا الجيل الثالث فعلى رأسه تلميذ شريف العلماء المحقّق الكبير الشيخ مرتضى الأنصاري الذي ولد بُعيد ظهور المدرسة الجديدة عام 1214 ه‍، و عاصرها في مرحلته الدراسية و هي في أوج نموّها و نشاطها، و قُدّر له أن يرتفع بالعلم في عصره الثالث إلى القمّة التي كانت المدرسة الجديدة في طريقها إليها. و لا يزال علم الأصول و الفكر العلمي السائد في الحوزات العلمية الإمامية‌

9

يعيش العصر الثالث الذي افتتحته مدرسة الأستاذ الوحيد» (1). و لا يخفى أنّ كلّ هذه الأدوار التي مرّ بها علم الأصول إنّما كان بعد أن غُرست بذرة التفكير الأصولي لدى فقهاء أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) منذ أيام الصادقين (عليهما السلام). يقول السيّد الصدر عن هذه المرحلة: «و لا نشكّ في أنّ بذرة التفكير الأصولي وجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) منذ أيام الصادقين (عليهما السلام) على مستوى تفكيرهم الفقهي. و من الشواهد التاريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، وجّهها عدد من الرواة إلى الإمام الصادق و غيره من الأئمّة (عليهم السلام) و تلقّوا جوابها منهم، فمن ذلك الروايات الواردة في علاج النصوص المتعارضة، و في حجّية خبر الثقة و في أصالة البراءة، و في جواز إعمال الرأي و الاجتهاد و ما إلى ذلك من قضايا» (2). و لا نبالغ إذا قلنا: إنّ البحث الأصولي بلغ أوجه على يد السيد الصدر بنحو يمكن أن تعدّ مدرسته الأصولية عصراً رابعاً من عصور تطوّر هذا العلم. يقول السيّد كاظم الحائري أحد أبرز تلامذة الأستاذ الشهيد: «لئن كان الفارق الكيفي بين بعض المراحل و بعض حينما يعتبر طفرة و امتيازاً نوعياً في هوية البحث يجعلنا نصطلح على ذلك بالأعصر المختلفة للعلم، فحقّاً أنّ علم‌

____________

(1) المعالم الجديدة للأصول، محمد باقر الصدر، مطبوعات مكتبة النجاح، طهران، الطبعة الثانية، ص 87.

(2) المعالم الجديدة، مصدر سابق، ص 47.

10

الأصول قد مرّ على يد أستاذنا الشهيد بعصر جديد، فلو أضفناه إلى الأعصر التي قسم إليها فترات العلم في المعالم الجديدة لكان هذا عصراً رابعاً هو عصر ذروة الكمال» (1). و لست الآن بصدد بيان الملامح و السمات العامة التي تميّزت بها هذه العصور الأربعة من عصور العلم، و ما تركته من آثار عميقة و واسعة على عملية الاستنباط عموماً سواء على مستوى القواعد الأصولية أو الأبحاث الفقهية؛ لأنّ ذلك له مجال آخر، و إنّما الذي أريد الوقوف عليه قليلًا، هو بيان بعض السمات‌

و الخصائص العامّة التي تميّزت بها المدرسة الفكرية للسيّد الصدر عموماً لا سيما فيما يرتبط بإبداعاته و نظرياته في علم الأصول.

الخصوصية الأولى في مجال نظرية المعرفة

من السمات البارزة التي تميّزت بها مدرسة السيد الصدر إبداعاته الأساسية في مجال المعرفة الإنسانية، و نعني بها «تناول مصادر المعرفة و منابعها الأساسية بالبحث و الدرس، و محاولة استكشاف الركائز الأوّلية للكيان الفكري الجبّار الذي تملكه البشرية، و الإجابة بذلك عن هذا التساؤل: كيف نشأت المعرفة عند الإنسان، و كيف تكوّنت حياته العقلية بكلّ ما تزخر به‌

____________

(1) مباحث الأصول، تقريراً لأبحاث سماحة آية اللّٰه العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر، السيد كاظم الحسيني الحائري، الجزء الأول من القسم الثاني، ص 58.

11

من أفكار و مفاهيم، و ما هو المصدر الذي يمدّ الإنسان بذلك السيل من الفكر و الإدراك؟» (1). و المتتبّع للأبحاث الأصولية يعلم جيّداً بأنّ الأصوليين و إن لم يعنونوا البحث عن نظرية المعرفة تحت عنوان مستقل إلّا أنّ البحث الأصولي امتدّ إلى هذا المجال الأساسي بشكل عميق و واسع، و من أهم مظاهر ذلك البحث هو ما نجده في «الصراع الفكري الشديد بين الأخباريين و المجتهدين، الذي كان و لا يزال يتمخض عن أفكار جديدة في هذا الحقل» (2). يقول الأستاذ الشهيد عن تاريخ هذا الصراع: «و قد مُني علم الأصول بعد صاحب المعالم بصدمة عارضت نموّه و عرّضته لحملة شديدة، و ذلك نتيجة لظهور حركة الأخبارية في أوائل القرن الحادي عشر على يد الميرزا محمّد أمين الأسترآبادي المتوفى سنة 1021 ه‍ و استفحال أمر هذه الحركة بعده و بخاصة في أواخر القرن الحادي عشر و خلال القرن الثاني عشر» (3). «و قد قُدّر للاتجاه الأخباري في القرن الثاني عشر أن يتّخذ من كربلاء نقطة ارتكاز له، و بهذا عاصر ولادة مدرسة جديدة في الفقه و الأصول نشأت في كربلاء أيضاً على يد رائدها المجدّد الكبير محمّد باقر البهبهاني المتوفىٰ سنة 1206 ه‍، و قد نصبت هذه المدرسة الجديدة نفسها لمقاومة الحركة الأخبارية‌

____________

(1) فلسفتنا، دراسة موضوعية في معترك الصراع الفكري القائم بين مختلف التيارات الفلسفية و خاصة الفلسفة الإسلامية و المادية الدياليكتيكية (الماركسية)، الشهيد محمد باقر الصدر، الطبعة العاشرة، دار الكتاب الإسلامي، قم، ص 57.

(2) المعالم الجديدة، مصدر سابق، ص 96.

(3) المعالم الجديدة، مصدر سابق، ص 76.

12

و الانتصار لعلم الأصول، حتّى تضاءل الاتجاه الأخباري و مُني بالهزيمة. و قد قامت هذه المدرسة إلى صف ذلك بتنمية الفكر العلمي، و الارتفاع بعلم الأصول إلى مستوى أعلى حتّى أنّ بالإمكان القول بأنّ ظهور هذه المدرسة و جهودها المتضافرة التي بذلها البهبهاني و تلامذة مدرسته المحقّقون الكبار قد كان حدّا فاصلًا بين عصرين من تاريخ الفكر العلمي في الفقه و الأصول» (1). و قد تعرّض الأستاذ الشهيد «ضمن أبحاثه الأصولية لدى مناقشته للأخباريين في مدى حجّية البراهين العقلية على نمط التفكير المنطقي الأرسطي و نقده بما لم يسبقه به أحد، و بعد ذلك طوّر من تلك الأبحاث و أكملَها و أضاف إليها ما لم يكن يناسب ذكره ضمن الأبحاث الأصولية، فأخرجها بأروع صياغة باسم كتاب: الأسس المنطقية للاستقراء» (2). و هذا ما أكّده السيد الصدر في تقريرات بحثه حيث قال في معرض حديثه عن الصراع المذكور آنفاً: «إنّ طريقة تولّد المعارف البشرية حسبما يصوّرها المنطق الصوري أنّ الفكر يسير دائماً من معارف أوّلية ضرورية هي أسس المعرفة البشرية إلى استنباط معارف نظرية جديدة بطريقة البرهان و القياس، التي يحدّد صورتها علم المنطق، فأي خطأ يفترض إن كان في الصورة فعلم المنطق هو العاصم منه، و إن كان في مادّة القياس؛ فإن كانت المادة أوّلية فلا مجال لوقوع الخطأ فيها، و إن كانت ثانوية مستنتجة فلا محالة تكون مستنتجة من برهان و قياس فينقل الكلام إليه حتى ينتهي إلى خطأ يكون في‌

____________

(1) المعالم الجديدة، مصدر سابق، ص 85.

(2) مباحث الأصول، مصدر سابق، ج 1، ص 63.

13

الصورة؛ لأنّ المعارف الأوّلية لا خطأ فيها بحسب الفرض لكونها ضرورية. و قد اصطلح على المعارف الأوّلية في الفكر البشري بمدركات العقل الأوّل و على المعارف المستنتجة منها بمدركات العقل الثاني. إلّا أنّ هذا التصوّر أساساً غير صحيح على ما شرحناه مفصّلًا في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء. فإنّ هذا البحث كان منشأً لانتقالنا إلى نظرية جديدة للمعرفة البشرية استطاعت أن تملأ فراغاً كبيراً في نظرية المعرفة لم يستطع الفكر الفلسفي أن يملأه خلال ألفي سنة» (1). و لكي يتّضح الدور المهم الذي قام به السيّد الشهيد في بناء المعرفة الإنسانية لا بأس بالإشارة و لو إجمالًا إلى ما كان عليه المنطق الأرسطي؛ لبيان كيفية توالد المعرفة الإنسانية، و ما انتهى إليه السيد الصدر في الأسس المنطقية للاستقراء. نعلم جميعاً أنّ الاستدلال الذي يمارسه الفكر البشري يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسيين: «أحدهما الاستنباط، و الآخر الاستقراء، و لكل من الدليل الاستنباطي و الدليل الاستقرائي منهجه الخاص و طريقه المتميّز. و نريد بالاستنباط: كلّ استدلال لا تكبر نتيجته المقدّمات التي تكوّن منها ذلك الاستدلال. ففي كلّ دليل استنباطي تجي‌ء النتيجة دائماً مساوية أو أصغر‌

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مباحث الحجج و الأصول العملية، تقريراً لأبحاث سيدنا و أستاذنا الشهيد السعيد آية اللّٰه العظمى السيد محمد باقر الصدر طاب ثراه، السيد محمود الهاشمي، ج 1، الحجج و الأمارات، ص 130.

14

من مقدّماتها، فيقال مثلا: محمّد إنسان، و كلّ إنسان يموت، فمحمّد يموت. و يقال أيضاً: الحيوان إمّا صامت و إمّا ناطق، و الصامت يموت و الناطق يموت، فالحيوان يموت. ففي قولنا الأول استنتجنا أنّ محمّداً يموت بطريقة استنباطية، و هذه النتيجة أصغر من مقدّماتها لأنّها تخصّ فرداً من الإنسان و هو محمّد، بينما المقدّمة القائلة:" كلّ إنسان يموت" تشمل الأفراد جميعاً. و بذلك يتّخذ التفكير في هذا الاستدلال طريقه من العام إلى الخاص فهو يسير من الكلّي إلى الفرد و من المبدأ العام إلى التطبيقات الخاصة. و يطلق المنطق الأرسطي على الطريقة التي انتهجها الدليل الاستنباطي في هذا المثال اسم «القياس» و يعتبر الطريقة القياسية هي الصورة النموذجية للدليل الاستنباطي. و في قولنا الثاني استنتجنا أنّ الحيوان أيّ حيوان يموت بطريقة استنباطية أيضاً، و لكن النتيجة مساوية للمقدّمة التي ساهمت في تكوين الدليل عليها القائلة:" الصامت يموت و الناطق يموت" لأنّ الصامت و الناطق هما كلّ الحيوان بموجب المقدّمة الأخرى القائلة: الحيوان إمّا صامت و إمّا ناطق. و نريد بالاستقراء: كلّ استدلال تجي‌ء النتيجة فيه أكبر من المقدّمات التي ساهمت في تكوين ذلك الاستدلال، فيقال مثلًا، هذه القطعة من الحديد تتمدّد‌

15

بالحرارة، و تلك تتمدّد بالحرارة، و هذه القطعة الثالثة تتمدّد بالحرارة أيضاً، إذن كلّ حديد يتمدّد بالحرارة. و هذه النتيجة أكبر من المقدّمات؛ لأنّ المقدّمات لم تتناول إلّا كميّة محدودة من قطع الحديد ثلاث قطع أو أربع قطع ... أو ملايين، بينما النتيجة تناولت كلّ حديد و حكمت بأنه يتمدّد بالحرارة، و بذلك شملت القطع الحديدية التي لم تدخل في المقدّمات و لم يجر عليها الفحص. و من أجل هذا يعتبر السير الفكري في الدليل الاستقرائي معاكساً للسير في الدليل الاستنباطي الذي يصطنع الطريقة القياسية، فبينما يسير الدليل الاستنباطي وفق الطريقة القياسية من العام إلى الخاص عادة، يسير الدليل الاستقرائي خلافاً لذلك من الخاص إلى العام. و منذ بدأ الإنسان يدرس مناهج الاستدلال و التفكير و يحاول تنظيمها منطقياً طرح على نفسه السؤال التالي: هب أنّ المقدّمات التي تقرّرها في الدليل الاستنباطي أو الاستقرائي صحيحة حقّا، فكيف يتاح لك أن تخرج منها بنتيجة و تتخذ تلك المقدّمات سبباً كافياً لتبرير الاعتقاد بهذه النتيجة؟ و قد أدرك الإنسان لدى مواجهة هذا السؤال فارقاً أساسياً بين الاستنباط و الاستقراء، و اكتشف على هذا الأساس ثغرة في تركيب الدليل الاستقرائي لا يوجد في الدليل الاستنباطي ما يماثلها. ففي الاستنباط يرتكز استنتاج النتيجة من مقدّماتها دائماً على مبدأ عدم التناقض، و يستمدّ مبرره المنطقي من هذا المبدأ، لأنّ النتيجة في حالات الاستنباط مساوية لمقدّماتها أو أصغر منها كما تقدّم فمن الضروري أن تكون النتيجة صادقة إذا صدقت المقدّمات؛ لأن افتراض صدق المقدّمات دون النتيجة يستبطن تناقضاً منطقياً ما دامت النتيجة مساوية أو أصغر من مقدّماتها أي مستبطنة بكامل حجمها في تلك المقدّمات. و هكذا نجد أن الاستدلال الاستنباطي صحيح من الناحية المنطقية، و أن الانتقال فيه من المقدّمات إلى النتيجة ضروري على أساس مبدأ عدم التناقض. و أمّا في حالات الاستقراء فإنّ الدليل الاستقرائي يقفز من الخاص إلى‌

16

العام؛ لأنّ النتيجة في الدليل الاستقرائي أكبر من مقدّماتها و ليست مستبطنة فيها، فهو يقرّر في المقدّمات أن كمية محدودة من قطع الحديد لوحظ تمدّدها بالحرارة، و يخرج من ذلك بنتيجة عامة و هي" أن كلّ حديد يتمدّد بالحرارة". و هذا الانتقال من الخاص إلى العام لا يمكن تبريره على أساس مبدأ عدم التناقض كما رأينا في حالات الدليل الاستنباطي؛ لأنّ افتراض صدق المقدّمات و كذب النتيجة لا يستبطن تناقضاً. فبالإمكان أن نفترض أنّ تلك الكمية المحدودة من القطع الحديدية قد تمدّدت بالحرارة فعلًا و نفترض في نفس الوقت أنّ التعميم الاستقرائي القائل" إنّ كلّ حديد يتمدّد بالحرارة" خطأ، دون أن نقع في تناقض منطقي، لأنّ هذا التعميم غير مستبطن في الافتراض الأوّل. و هكذا نعرف أن منهج الاستدلال في الدليل الاستنباطي منطقي، و يستمدّ مبرّره من مبدأ عدم التناقض، و خلافاً لذلك منهج الاستدلال في الدليل الاستقرائي فإنّه لا يكفي لتبريره منطقياً مبدأ عدم التناقض، و لا يمكن على أساس هذا المبدأ تفسير القفزة التي يصطنعها الدليل الاستقرائي في سيره من الخاص إلى العامّ و ما تؤدّي إليه من ثغرة في تكوينه المنطقي» (1). و بناءً على ذلك يتّضح لماذا آمن المنطق الأرسطي بأنّ الاستدلال‌

____________

(1) الأسس المنطقية للاستقراء، دراسة جديدة للاستقراء تستهدف اكتشاف الأساس المنطقي المشترك للعلوم الطبيعية و للإيمان باللّٰه، محمد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، ص 5 7.

17

القياسي إذا كانت مقدّماته مادّة و صورة يقينيّة يفيد اليقين، بخلافه في الدليل الاستقرائي. و تظهر أهمّية الدليل الاستقرائي من جهة أن جميع العلوم الطبيعية من فيزيائية و طبّية و فلكية و نحوها؛ كلّها تعتمد الملاحظة و التجربة للانتهاء إلى التعميمات التي تصل إليها. و من هنا حاول المنطق الأرسطي إرجاع الدليل الاستقرائي (الذي يسير من الخاص إلى العام) إلى الدليل القياسي (الذي يسير من العام إلى الخاص) و ذلك تخلّصاً من تلك الثغرة التي يتركّب منها تكوينه المنطقي. توضيحه: «أنّ الدليل الاستقرائي بعد أن يحصل خلال الاستقراء الناقص على عدد كبير من الأمثلة، ينطلق من ذلك المبدأ العقلي، و يتّخذ الشكل القياسي في الاستدلال، فيقرّر أنّ ظاهرة (أ) و ظاهرة (ب) قد اقترنتا خلال الاستقراء في مرّات كثيرة، و كلّما اقترنت ظاهرتان بكثرة فإحداهما سبب للأخرى؛ لأنّ الاتّفاق لا يكون دائمياً و لا أكثرياً، و يستنتج من ذلك أن (أ) سبب ل‍ (ب). و هذا استدلال قياسي بطبيعته، لأنّه يسير من العام إلى الخاص، و ليس من نمط الاستدلال الاستقرائي الذي يسير من الخاص إلى العام. و إذا ثبت باستدلال قياسي يسير من العام إلى الخاص أن بين الحرارة و تمدّد الحديد رابطة سببية، استطعنا أن نؤكّد أنّ الحديد يتمدّد كلّما تعرّض للحرارة لأنّ المسبَّب يوجد كلّما وُجد سببه. و على هذا الضوء يتّضح أن الدليل الاستقرائي في المنطق الأرسطي يستبطن قياساً. فهو في الحقيقة دليل قياسي يسير من العام إلى الخاص، و ليس‌

18

دليلًا استقرائياً يسير من الخاص إلى العام. و يسمّي المنطق الأرسطي هذا الدليل الاستقرائي بما يستبطن من قياس تجربة، و يعتبر التجربة أحد مصادر المعرفة أي من القضايا اليقينيّة في المنطق الأرسطي و يؤمن بقيمتها المنطقية و إمكان قيام العلم على أساسها، خلافاً للاستقراء الناقص الذي يمثّل أحد عنصري التجربة و يعطي صغرى القياس المستبطن فيها. فالتمييز بين التجربة و الاستقراء الناقص في المنطق الأرسطي يقوم على أساس أنّ الاستقراء الناقص مجرّد تعبير عددي عن الأمثلة التي لوحظت خلال الاستقراء، و أمّا التجربة فهي تتألّف من ذلك الاستقراء و من مبدأ عقلي مسبق يتكوّن منهما معاً قياس منطقي كامل» (1). و هكذا نعرف لماذا يقول المنطق الأرسطي تارة: إنّ الاستقراء الناقص لا يفيد علماً، و يقول أخرى: إنّ التجربة تفيد العلم، بل تجعل المجرّبات من اليقينيات التي يقوم عليها صرح المنطق الأرسطي، حيث إنّه يريد بالاستقراء الناقص الذي لا يفيد العلم تلك الحالة التي نشاهدها من خلال إجراء التجربة على بعض الظواهر الطبيعية من دون أن يضاف إليها أيّ مبدأ عقلي مسبق يكون كبرى عملية الاستدلال، و يريد بالتجربة التي تفيد العلم تلك الظواهر الطبيعية إذا أمكن تطبيق المبدأ العقلي القائل إنّ الصدفة و الاتفاق لا يكون دائمياً و لا أكثرياً؛ ليتألّف من الاستقراء الناقص و ذلك المبدأ العقلي قياس منطقي كامل يبرهن على التعميم الذي نريد الوصول إليه. يقول المحقّق الطوسي في شرحه لمنطق الإشارات «المجرّبات تحتاج‌

____________

(1) الأسس المنطقية، مصدر سابق، ص 33 34.

19

إلى أمرين: أحدهما: المشاهدة المتكرّرة، و الثاني القياس الخفيّ» (1). إذن النقطة المركزية في المنطق الأرسطي هو أنّ الاستقراء الناقص لكي يفيد علماً لا بدّ أن يستبطن قياساً خفيّاً، فيكون الاستقراء صغرى القياس، و القضية القائلة:" إنّ الصدفة لا تكون دائمية و لا أكثرية" كبرى القياس. هذا أوّلًا. و ثانياً: أنّ هذه الكبرى إنّما يؤمن بها المنطق الأرسطي كقضية قبلية «أي أنه مدرك للعقل بصورة مستقلّة عن الاستقراء و التجربة لأنّه إذا كان مستخلصاً من الاستقراء و التجربة فلا يمكن أن يعتبر أساساً للاستدلال الاستقرائي و شرطاً ضرورياً للتعميمات الاستقرائية، إذ يصبح هو بنفسه واحداً من تلك التعميمات الاستقرائية، فيتوجّب على المنطق الأرسطي و هو يحاول أن يتّخذ من ذلك المبدأ أساساً منطقياً للاستدلال الاستقرائي عموماً أن يمنحه طابعاً عقلياً خالصاً و يؤمن به بوصفه معرفة عقلية قبلية مستقلّة عن الاستقراء و التجربة» (2). و هنا تكمن نقطة الخلاف الجوهرية بين المنطق الأرسطي و بين ما أسماه الأستاذ الشهيد بالمنطق الذاتي (3) الذي وضع قواعده في كتابه «الأسس المنطقية للاستقراء» حيث يرى «أنّ المبدأ الذي ينفى تكرّر الصدفة النسبية باستمرار ليس معرفة عقلية قبلية بل هو إذا قبلناه ليس على أفضل تقدير إلا.

____________

(1) الإشارات و التنبيهات للشيخ أبي علي حسين بن عبد اللّٰه بن سينا، ج 1، ص 217.

(2) الأسس المنطقية، مصدر سابق، ص 45.

(3) يقول (قدّس سرّه): «و نريد بالمذهب الذاتي للمعرفة اتجاهاً جديداً في نظرية المعرفة يختلف عن كلّ من الاتجاهين التقليديين اللذين يتمثّلان في المذهب العقلي و المذهب التجريبي». الأسس المنطقية، ص 133.

20

نتاج استقراء للطبيعة، كشف عن عدم تكرّر الصدفة النسبية فيها على خط طويل، و إذا كان هذا المبدأ بنفسه معطى استقرائياً فلا يمكن أن يكون هو الأساس للاستدلال الاستقرائي، بل يتوجّب عندئذ الاعتراف بأنّ الأمثلة التي يعرضها الاستقراء كافية للاستدلال على قضية كلّية و تعميم استقرائي دون حاجة إلى إضافة ذلك المبدأ الأرسطي إليها» (1). و بكلمة واضحة: إنّ الأستاذ الشهيد يعتقد أننا يمكن أن ننتهي إلى النتائج الكلّية من خلال نفس الاستقراء الناقص و ذلك من خلال المنطق الذاتي، بلا حاجة إلى ما تكلّفه المنطق العقلي في الاتجاه الأرسطي من إرجاع الدليل الاستقرائي الذي يسير من الخاص إلى العام، إلى الدليل القياسي الذي يسير من العام إلى الخاص. يقول بهذا الصدد: «و يكفي هنا أن نسجّل رأينا هذا دون أن ندخل في تفاصيله، تاركين ذلك إلى القسم الثالث من هذا الكتاب، حيث نستعرض بشمول و عمق النظرية التي يتبنّاها هذا الكتاب في تفسير الدليل الاستقرائي، و التي تؤكّد أن الاستقراء يؤدّي إلى التعميم بدون حاجة إلى أي مصادرات قبلية، و سوف يبدو بوضوح في ضوء تلك النظرية أنّ المصادرات الثلاث التي آمن بها المنطق الأرسطي و ربط مصير الدليل الاستقرائي بها يمكن إثباتها جميعاً بالاستقراء نفسه كما نثبت أي تعميم من التعميمات الأخرى عن طريق الدليل الاستقرائي» (2).

____________

(1) الأسس المنطقية، مصدر سابق، ص 46.

(2) الأسس المنطقية، مصدر سابق، ص 70.

21

هذه هي خلاصة المحاولة التي قام بها الأستاذ الشهيد في هذه «الدراسة الشاملة للكشف عن الأسس المنطقية للاستدلال الاستقرائي، الذي يضمّ كلّ ألوان الاستدلال العلمي القائم على أساس الملاحظة و التجربة، و استطاعت أن تقدّم اتجاهاً جديداً في نظرية المعرفة يفسّر الجزء الأكبر منها تفسيراً استقرائياً مرتبطاً بتلك الأسس المنطقية التي كشف عنها البحث» (1). و ممّا تقدّم اتّضح أنّ السيد الصدر لم يهدم ما بناه المنطق الأرسطي برمّته كما قد يُتوهّم، و إنّما أضاف طريقاً آخر لتوالد المعرفة البشرية، و هذا ما يصرّح به في مواضع متعدّدة. قال في مباحث الأصول: «و الصحيح في دفع منشأ التشكيك للأخباري أن يقال: إنّ العقل العملي ينقسم إلى قسمين، عقل أوّل و عقل ثان، كما قسّموا العقل النظري إلى قسمين، بديهي أوّلي و برهاني ثانوي و نحن أضفنا إليهما الإدراك بحساب الاحتمالات (2).

و قال في الأسس المنطقية في تفسير نمو المعرفة: «إنّ المعارف القبلية الأوّلية كيف يمكن أن تنشأ منها معارف جديدة؟ و كيف يمكننا أن نستنتج من القضايا التي تشكّل الأساس الأوّل للمعرفة قضايا أخرى و هكذا حتّى يتكامل البناء؟ و في هذه النقطة يختلف المذهب العقلي مع المذهب الذاتي اختلافاً أساسياً. فالمذهب العقلي لا يعترف عادة إلّا بطريقة واحدة لنموّ المعرفة و هي‌

____________

(1) الأسس المنطقية، مصدر سابق، ص 507.

(2) مباحث الأصول، مصدر سابق، ج 1، ص 546.

22

طريقة التوالد الموضوعي، بينما يرى المذهب الذاتي أنّ في الفكر طريقتين لنمو المعرفة إحداهما التوالد الموضوعي، و الأخرى التوالد الذاتي و يعتقد المذهب الذاتي بأنّ الجزء الأكبر من معرفتنا بالإمكان تفسيره على أساس التوالد الذاتي» (1).

و أمّا المعطيات الأساسية التي تحقّقت من خلال هذه الدراسة

فهي‌

أ: على مستوى الأصول العقائدية

يقول السيّد الصدر: «إنّ هذه الدراسة تبرهن على حقيقة في غاية الأهمّية من الناحية العقائدية و هي الهدف الحقيقي الذي توخّينا تحقيقه عن طريق تلك الدراسة، و هذه الحقيقة هي أنّ الأسس المنطقية التي تقوم عليها كلّ الاستدلالات العلمية المستمدّة من الملاحظة و التجربة هي نفس الأسس المنطقية، التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبّر لهذا العالم من طريق ما يتّصف به العالم من مظاهر الحكمة و التدبير، فإنّ هذا الاستدلال كأي استدلال علمي آخر استقرائي بطبيعته و تطبيق للطريقة العامّة التي حدّدناها للدليل الاستقرائي في كلتا مرحلتيه. فالإنسان بين أمرين فهو إمّا أن يرفض الاستدلال العلمي ككلّ، و إمّا أن يقبل الاستدلال العلمي و يعطي للاستدلال الاستقرائي على إثبات الصانع نفس القيمة التي يمنحها للاستدلال العلمي. و هكذا نبرهن على أنّ العلم و الإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقي‌

____________

(1) الأسس المنطقية، مصدر سابق، ص 134.

23

الاستقرائي، و لا يمكن من و جهة النظر المنطقية للاستقراء الفصل بينهما» (1). و من هنا نجد أن الأستاذ الشهيد حاول في مقدّمة كتابه «الفتاوى الواضحة» تأسيس أصول العقائد من خلال نظرية الاحتمال التي انتهى إليها، فنراه يقول بصدد إثبات الصانع الحكيم المدبّر لهذا العالم: «و سنعرض فيما يلي لنمطين من الاستدلال على وجود الصانع الحكيم سبحانه، يتمثّل في كلّ منهما معطيات الحسّ و التجربة من ناحية و تنظيمها عقلياً، و استنتاج أن للكون صانعاً حكيماً من خلال ذلك. و النمط الأوّل نطلق عليه اسم الدليل العلمي (الاستقرائي). و النمط الثاني نطلق عليه اسم الدليل الفلسفي»، و مقصوده من الدليل العلمي هو «كلّ دليل يعتمد الحسّ و التجربة و يتّبع المنهج الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات» (2). و أمّا فيما يرتبط بنبوّة الرسول الأعظم (صلى اللّٰه عليه و آله) فيقول: «كما ثبت الصانع الحكيم بالدليل الاستقرائي و مناهج الاستدلال العلمي كذلك نثبت نبوّة محمّد (صلى اللّٰه عليه و آله) بالدليل العلمي الاستقرائي، و بنفس المناهج التي نستخدمها في الاستدلال على الحقائق المختلفة في حياتنا الاعتيادية و حياتنا العلمية» (3).

____________

(1) الأسس المنطقية، مصدر سابق، ص 507.

(2) الفتاوى الواضحة وفقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، محمد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة السادسة، ص 17.

(3) المصدر نفسه، ص 61.

24

ب: على مستوى علم الأصول

و كذلك الحال عند ما نأتي إلى الأبحاث الأصولية، نجد أنّ من السمات الواضحة في مدرسة الشهيد الصدر هو الاعتماد في كثير من أسسها على نظرية الاحتمال، و من الأمثلة البارزة على ذلك أنّه أقام صرح أكثر الأبحاث المرتبطة بالحجج و الأمارات و الأصول العملية على أساس حساب الاحتمالات، كالسيرة و الظهور و التواتر و الإجماع و نحوها. يقول السيد الشهيد: «بعد أن تكلّمنا عن الدلالات العامّة للدليل الشرعي نريد أن نتكلّم الآن عن وسائل إثبات صدور الدليل من الشارع، و هي على نحوين: أحدهما وسائل الإثبات الوجداني، و الآخر وسائل الإثبات التعبّدي. و المقصود بالإثبات الوجداني اليقين، و لما كانت وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي بالنسبة إلينا كلّها وسائل تقوم على أساس حساب الاحتمال كالتواتر و الإجماع و نحوهما ...» (1). و تأسيساً على ذلك نحاول هنا ذكر بعض الأمثلة لبيان الفرق بين المنهج المعروف لتحقيق تلك المسائل و المنهج الذي أسّسه السيّد الصدر، و هي: التواتر، و الإجماع، و الشهرة.

1- التواتر

ينقسم الخبر إلى خبر علمي مفيد لليقين الحقيقي أو العرفي أو الاطمئنان،

____________

(1) دروس في علم الأصول، تأليف الشهيد السعيد آية اللّٰه العظمى السيد محمد باقر الصدر طاب ثراه،. الطبعة الثانية، الحلقة الثالثة، القسم الأول، ص 194.

25

و خبر غير علمي. و الأوّل أوضح مصاديقه الخبر المتواتر. و قد عُرّف الخبر المتواتر أو القضية المتواترة في المنطق الأرسطي بأنّها «اجتماع عدد كبير من المخبرين على قضية بنحو يمتنع تواطؤهم على الكذب نتيجة كثرتهم العددية» و عند ما ندقّق في هذا التعريف نجد أنّه ينحلّ إلى صغرى و كبرى. أمّا الصغرى فهي اجتماع عدد كبير على الإخبار بقضيّة معيّنة. و أمّا الكبرى فحكم العقل الأوّلى بأن كلّ عدد من هذا القبيل يمتنع تواطؤهم على الكذب. و بضمّ إحداهما إلى الأخرى يستنتج على طريقة القياس حقانيّة القضية المتواترة و صدقها، و القضية الأولى و هي الصغرى خارجية، و الثانية عقلية أوّلية و ليست مستمدّة من الخارج و التجربة. و من هنا جعل المنطق الأرسطي القضية المتواترة إحدى القضايا الستّ الأوّلية في كتاب البرهان؛ لأنّ كبراها عقلية أوّلية، و إلّا فنفس القضية المتواترة بحسب التحليل قضية مستنتجة بالاستدلال القياسي الاستنباطي بحسب المصطلح الحديث، و هي ما تكون النتيجة دائماً مستبطنة في المقدّمات و ليست أكبر منها، في قبال الاستدلال الاستقرائي الذي تكون النتيجة المتحصّلة فيه أكبر من المقدّمات. و سنخ هذا ذكره المنطق الأرسطي أيضاً في القضايا التجريبية، و التي جعلها أيضاً إحدى القضايا الست؛ لأنّ الكبرى القائلة" إنّ الصدقة لا تكون دائمية" مضمرة فيها. «و قد رفض الأستاذ الشهيد في منطق الاستقراء كلّ هذه الكلمات، فلا توجد هناك كبريات عقلية أوّلية في باب التواتر و التجربة تقتضي بامتناع التواطؤ على الكذب، أو امتناع غلبة الصدفة كقضايا أوّلية قبلية يؤمن بها العقل، و إنّما هذه الكبريات بأنفسها قضايا تثبت بالاستقراء و المشاهدة أي أنّها قضايا‌

26

غير أوّلية، بحيث لو قطعنا النظر عن العلم الخارجي، و مقدار تكرّر الصدفة أو التواطؤ على الكذب فيها، لكنّا نحتمل عقلًا تكرّر الصدفة دائماً و التواطؤ على الكذب من جمع غفير. و إنّما ننفي ذلك بعد التجربة و المشاهدة لعالم الخارج، و ليس حكم عقولنا في مثل هذه القضايا كحكمه باستحالة اجتماع النقيضين كما يدّعي المنطق الأرسطي إذن فهذه قضايا تجريبية بنفسها، غاية الأمر أكبر من القضايا التجريبية الخاصة في كلّ مورد مورد، فتكون محكومة للقوانين المنطقية التي تحكم على التجربة و الاستقراء، و هي قوانين حساب الاحتمال و التوالد الموضوعي أوّلًا؛ ثمّ قوانين المنطق الذاتي و التوالد غير الموضوعي ثانياً» (1). «و إذا دققنا النظر وجدنا أن الكبرى التي تعتمد عليها القضايا المتواترة مردّها إلى نفس الكبرى التي تعتمد عليها القضية التجريبية، لأن كذب المخبر يعني افتراض مصلحة شخصية دعته إلى إخفاء الواقع، و كذب العدد الكبير من المخبرين يعني افتراض أن مصلحة المخبر الأول في الإخفاء اقترنت صدفة بمصلحة المخبر الثاني في الإخفاء، و المصلحتان معاً اقترنتا صدفة بمصلحة المخبر الثالث في الشي‌ء نفسه، و هكذا على الرغم من اختلاف ظروفهم و أحوالهم، فهذا يعني أيضاً تكرّر الصدفة مرّات كثيرة. و على هذا الأساس أرجع المنطق الاستدلال على القضية التجريبية و القضية المتواترة إلى القياس المكوّن من المقدّمتين المشار إليهما، و اعتقد بأن القضية المستدلّة ليست بأكبر من مقدّماتها.

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 327، بتصرف.

27

و لكن الصحيح أن اليقين بالقضية التجريبية و المتواترة يقين موضوعي استقرائي، و أن الاعتقاد بها حصيلة تراكم القرائن الاحتمالية الكثيرة في مصبّ واحد، فأخبار كلّ مخبر قرينة احتمالية، و من المحتمل بطلانها لإمكان وجود مصلحة تدعو المخبر إلى الكذب، و كلّ اقتران بين حادثتين قرينة احتمالية على العلية بينهما، و من المحتمل بطلانها أي القرينة لإمكان افتراض وجود علّة أخرى غير منظورة هي السبب في وجود الحادثة الثانية، غير أنها اقترنت بالحادثة الأولى صدفة، فإذا تكرّر الخبر أو الاقتران تعدّدت القرائن الاحتمالية، و ازداد احتمال القضية المتواترة أو التجريبية، و تناقص احتمال نقيضها حتى يصبح قريباً من الصفر جدّاً، فيزول تلقائياً لضآلته الشديدة» (1). و هنا قد يقال: إنّ تناقص احتمال النقيض لا يجعله صفراً، و هذا ما صرّح به السيد الصدر، فكيف يصل الإنسان إلى اليقين مع وجود احتمال النقيض و لو بنحو الكسر الضئيل؟ و قد أجاب السيد الصدر عن ذلك بأنّ هناك مصادرة يفترضها الدليل الاستقرائي في مرحلته الثانية لا ترتبط بالواقع الموضوعي، و لا تتحدّث عن حقيقة من حقائق العالم الخارجي، و إنما ترتبط بالمعرفة البشرية نفسها، و يمكن تلخيص المصادرة كما يلي: «كلّما تجمع عدد كبير من القيم الاحتمالية في محور واحد فحصل هذا المحور نتيجة لذلك على قيمة احتمالية كبيرة، فإنّ هذه القيمة الاحتمالية الكبيرة تتحوّل ضمن شروط معيّنة إلى يقين. فكأن المعرفة البشرية مصمَّمة‌

____________

(1) الحلقة الثالثة، مصدر سابق، ج 1، ص 199.

28

بطريقة لا تتيح لها أن تحتفظ بالقيم الاحتمالية الصغيرة جدّاً، فأي قيمة احتمالية صغيرة تفنى لحساب القيمة الاحتمالية الكبيرة المقابلة، و هذا يعني: تحوّل هذه القيمة إلى يقين، و ليس فناء القيمة الاحتمالية الصغيرة نتيجة لتدخّل عوامل بالإمكان التغلّب عليها و التحرّر منها، بل إنّ المصادرة تفترض أن فناء القيمة الصغيرة و تحوّل القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين يفرضه التحرك الطبيعي للمعرفة البشرية، نتيجة لتراكم القيم الاحتمالية في محور واحد بحيث لا يمكن تفاديه و التحرّر منه، كما لا يمكن التحرّر من أي درجة من الدرجات البديهية للتصديق المعطاة بصورة مباشرة، إلّا في حالات الانحراف الفكري» (1). و منه يتضح وجه زوال ذلك الكسر الضئيل و الانتقال إلى اليقين. إلى هنا اتضح أنّ القضية المتواترة و التجريبية لا تستند إلى قضايا قبلية أولية كما يعتقد المنطق الأرسطي و إنّما هي قضايا غير أوّلية، و قد برهن الأستاذ الشهيد على هذه الدعوى ببراهين عديدة نقتصر هنا على واحد منها هو: «نجد أن حصول اليقين بالقضية المتواترة و التجريبية يرتبط بكل ما له دخل في تقوية القرائن الاحتمالية نفسها، فكلّما كانت كلّ قرينة احتمالية أقوى و أوضح كان حصول اليقين من تجمع القرائن الاحتمالية أسرع. و على هذا الأساس نلاحظ أن مفردات التواتر إذا كانت إخباراتٍ يبعد في كلّ واحد منها احتمال الاستناد إلى مصلحة شخصية تدعو إلى الإخبار بصورة معينة، إما لوثاقة المخبر أو لظروف خارجية، حصل اليقين بسببها بصورة أسرع، و كذلك‌

____________

(1) الأسس المنطقية، مصدر سابق، ص 368.

29

الحال في الاقترانات المتكرّرة بين الحادثتين، و ليس ذلك إلّا لأنّ اليقين في المتواترات و التجريبيات ناتج عن تراكم القرائن الاحتمالية و تجمّع قيمها الاحتمالية المتعدّدة في مصبّ واحد، و ليس مشتقاً من قضية عقلية أولية كتلك الكبرى التي يفترضها المنطق» (1). و إلّا لو كانت هذه القضايا كما يدّعيه المنطق الأرسطي لما كان هناك أي تأثير لزيادة عدد المخبرين و قلّتهم أو وثاقتهم و عدم ذلك، كما لا نجد ذلك في القضايا العقلية الأوّلية كقضية اجتماع النقيضين ممتنع فإنها لا تزداد رسوخاً كلما ازدادت الأمثلة و المصاديق لها. و يترتّب على هذا الفارق المنهجي بين التفسيرين للقضية المتواترة و غيرها، أنّه على المنهج الموروث في المنطق الأرسطي يستحيل الانفكاك عقلًا بين القضية المتواترة و صدقها، فالملازمة بينهما عقلية كالملازمة الموجودة بين الزوجية و الأربعة، و هذا بخلافه في المنهج الاستقرائي فإنّه لا ملازمة عقلية بين القضية المتواترة و صدقها، و من ثم فيمكن عقلًا الانفكاك بينهما و إن لم يقع ذلك خارجاً كما يقوله هذا الاتجاه، و ذلك لأن «كلّ خبر خبر في القضية المتواترة يحتمل نشوؤه من مناشئ محفوظة حتى مع كذب القضية، فلا ملازمة عقلية كما بُرهن على ذلك في كتاب الأسس المنطقية، و إنّما الاستكشاف مبني على أسس الدليل الاستقرائي المبتني على أساس حساب الاحتمالات» (2).

____________

(1) الحلقة الثالثة، مصدر سابق، ج 1 ص 201.

(2) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 309.

30

قال السيد الصدر: «و الصحيح أنه لا ملازمة بين التواتر و ثبوت القضية المتواترة، و هذا لا ينفي أننا نعلم بالقضية القائلة" كلّ قضية ثبت تواترها فهي ثابتة" لأن العلم بأن المحمول لا ينفك عن الموضوع غير العلم بأنه لا يمكن أن ينفك عنه، و التلازم يعني الثاني، و ما نعلمه هو الأول على أساس تراكم القيم الاحتمالية و زوال الاحتمال المخالف لضآلته لا لقيام برهان على امتناع محتملة عقلًا» (1).

2 الإجماع

قُسم الإجماع في كلمات الأصوليين إلى أقسام: منها المحصّل و المنقول. و منها البسيط و المركّب. و مقصودهم من التقسيم الأوّل: أ الإجماع المحصّل: هو الذي يحصّل الفقيه العلم به عن طريق الحسّ و التتبّع، لا عن طريق النقل و السماع. ب الإجماع المنقول: و هو نقل الإجماع المحصّل مروياً إلى الآخرين بلسان فقيه أو أكثر، فإذا نقله إلى الآخرين الذين لم يحصّلوه كان الإجماع منقولًا بالنسبة إليهم بخبر الواحد» (2). و يقسم الإجماع إلى بسيط و مركب: أ الإجماع البسيط: هو الاتفاق على رأي معيّن في المسألة.

____________

(1) الحلقة الثالثة، مصدر سابق، ج 1، ص 212.

(2) علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، محمد جواد مغنية، انتشارات ذو الفقار، إيران، قم، الطبعة الثانية، ص 227.

31

ب الإجماع المركّب: هو انقسام الفقهاء إلى رأيين من مجموع ثلاثة وجوه أو أكثر، فيعتبر نفي الوجه الثالث ثابتاً بالإجماع المركّب» (1). و الحديث هنا إنّما هو عن الإجماع المحصّل البسيط. فنقول: اختلفت كلمات الأصوليين حول حجّية مثل هذا الإجماع على مسالك متعدّدة: المسلك الأوّل: هو المنسوب إلى بعض الأقدمين من أصحابنا؛ و من جملتهم الشيخ الطوسي، و يبتني على أساس قاعدة اللطف، و مؤدّى هذا المسلك هو حكم العقل بلزوم تدخّل الشارع لمنع الاجتماع على الخطأ. المسلك الثاني: هو قيام دليل شرعي على حجّية الاجتماع و لزوم التعبّد بمفاده كما قام على حجّية خبر الثقة و التعبّد بمفاده. و بناءً على هذا المسلك فحجّية الإجماع من باب الأمارات المنطقية التي قد تخالف الواقع. المسلك الثالث: هو الذي يقوم على أساس إخبار المعصوم و شهادته بأن الإجماع لا يخالف الواقع، كما في الحديث المدّعىٰ «لا تجتمع أمّتي على خطأ» و نحوه. و بناءً على هذا الوجه فالإجماع كاشف عن الحكم الواقعي. المسلك الرابع: هو إثبات حجّية الإجماع بلحاظ مدركات العقل النظري. و بيانه: «أن الأصوليين قسّموا الملازمة كما نلاحظ في الكفاية و غيرها إلى ثلاثة أقسام، ثم بحثوا عن تحقّق أي واحد منها بين الإجماع و الدليل الشرعي، و هي الملازمة العقلية و العادية و الاتفاقية و مثّلوا للأولى بالملازمة بين تواتر الخبر و صدقه، و للثانية بين اتفاق المرءوسين على شي‌ء و رأي رئيسهم،

____________

(1) الحلقة الثالثة، مصدر سابق، ج 1 ص 219.

32

و للثالثة بين الخبر المستفيض و صدقه» (1). هذه هي أهم المسالك الموجودة في حجّية الإجماع، إلّا أن السيد الشهيد رفض جميع هذه الوجوه و الاستدلالات و آمن بحجية الإجماع في موارد الحجّية على أساس آخر، و تقوم تلك الفكرة في تفسير كشف الإجماع على أساس حساب الاحتمالات، و ذلك من خلال «أنّ الفقيه لا يفتي بدون اعتقاد للدليل الشرعي عادة، فإذا أفتى فهذا يعني اعتقاده للدليل الشرعي، و هذا الاعتقاد يحتمل فيه الإصابة و الخطأ معاً، و بقدر احتمال الإصابة يشكل قرينة احتمالية لصالح إثبات الدليل الشرعي، و بتراكم الفتاوى تتجمّع القرائن الاحتمالية لإثبات الدليل الشرعي بدرجة كبيرة تتحوّل بالتالي إلى يقين لتضاؤل احتمال الخلاف» (2). فهنا و إن كان احتمال الخطأ في فتوى كلّ فقيه وارداً «إلّا أنّه بملاحظة مجموع الفقهاء المجمعين، و إجراء حسابات الاحتمال فيها عن طريق ضرب احتمالات الخطأ بعضها بالبعض، نصل إلى مرتبة القطع و الاطمئنان على أقل تقدير بعدم خطئها جميعاً و هو حجّة على كلّ حال». و منه يتضح «أن روح الكاشفية و ملاكها في كلّ من التواتر و الإجماع و إن كان واحداً إلّا أن هناك نقاط ضعف عديدة في الإجماع توجب بطء حصول اليقين منه، بل و عدم حصوله في كثير من الأحيان غير موجودة في التواتر» (3).

____________

(1) الحلقة الثالثة، مصدر سابق، ج 1، ص 211.

(2) الحلقة الثالثة، مصدر سابق، ج 1، ص 212.

(3) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 309.

33

و بالالتفات إلى ما تقدّم «يتبيّن ما معنى ما استقر عليه رأي المتأخّرين من الأصوليين بحسب ارتكازهم من أنّ الإجماع بالملازمة الاتفاقية يكشف عن قول المعصوم، فإنّ هذا مدركه الفني ما ذكرناه من أنّ كاشفية الإجماع إنّما هي بنكتة حساب الاحتمالات، و هو يتأثر بعوامل و ضوابط عامة و خاصة متعدّدة، و لهذا تختلف الإجماعات من حيث الكشف المذكور حسب اختلاف مواردها و خصائصها. كما أنه باكتشاف ضوابط الكشف الرئيسية يُقضى على الفوضى الفقهية في الاستدلال بالإجماع، إذ قلّما يمكن تحديد و تفسير مواقف بعض الفقهاء في مجموع المسائل الفقهية حيث قد يناقش الإجماع في مسألة و قد لا يناقش في أخرى» (1). و ممّا تقدّم في بحث الإجماع يتّضح الكلام في حجية الشهرة، و أنها أيضاً قائمة على أساس حساب الاحتمالات و تراكمها حتى يحصل اليقين أو الاطمئنان بالحكم على أساسها، إلّا أنّ جريان حساب الاحتمالات فيها أضعف من جريانه في باب الإجماع، لسببين: الأوّل: قصور كمية الأقوال و الفتاوى لأنّ المفروض عدم اتفاق كلّ العلماء. الثاني: معارضتها بفتاوى غير المشهور لو كانت مخالفة، فتكون مزاحمة مع حساب الاحتمالات في فتاوى المشهور. و لهذا يكون الغالب عدم إنتاج حساب الاحتمالات في باب الشهرة فلا تكون حجّة غالباً» (2).

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 311.

(2) المصدر السابق، ج 4، ص 321.

34

هذه هي بعض الآثار التي تركتها نظرية حساب الاحتمالات على المستوي الأصولي، و نكتفي بهذا القدر آملين أن نوفق لاستيعاب تلك المعطيات في دراسة أدق و أوسع و أشمل. و الحاصل أنّ النتيجة المهمّة التي تؤخذ من هذه السمة البارزة في ملامح هذه المدرسة هي أنّ للمنهج دوراً فاعلًا و أساسياً في بناء المعارف العقائدية و البحوث الأصولية و الفقهية، بمعنى أن الذين يحاولون أن يكتبوا و يحققوا في هذه الأبعاد المختلفة، عليهم أن يبيّنوا المنهج الذي يتّبعونه في تنقيح تلك المسائل، و ذلك لأن المناهج المتّبعة مختلفة و متعددة، فهناك المنهج العقلي بقسميه القياسي و الاستقرائي، و المنهج النقلي، و المنهج الكشفي، و غيرها، و من الواضح أن تطبيق أي منهج من هذه المناهج في عملية الاستنباط له آثار و معطيات تختلف فيما لو طُبق منهج آخر. و ممّا يؤسف له أننا لا نجد ذلك واضحاً في كثير من الكتابات المعاصرة، التي حاولت الانفتاح على مثل هذه الأبحاث، خصوصاً العقائدية منها و أعطت و جهات نظر فيها، بل على العكس من ذلك نجد خلطاً واضحاً في المناهج المتبعة، ممّا يجعل التعامل مع مثل هذه الكتابات أمراً ليس سهلًا.

الخصوصية الثانية تجذير المسائل

من المقولات الأساسية في فكر السيد الصدر، خصوصاً على مستوى تحقيقاته في علم الأصول هو القيام بالبحث عن الجذور الأساسية التي انحدرت منها مسائل هذا العلم. و هذا ما يؤكّده في كتاباته المختلفة، حيث إنه‌

35

يعتقد أن هناك مصادر متعددة كانت تلهم الفكر الأصولي، و تمدّه بالجديد من النظريات. فمن تلك المصادر‌

أوّلًا: علم الكلام

«فقد لعب دوراً مهمّاً في تموين الفكر الأصولي و إمداده، خاصة في العصر الأوّل و الثاني، لأن الدراسات الكلامية كانت منتشرة و ذات نفوذ كبير على الذهنية العامة لعلماء المسلمين، حين بدأ علم الأصول يشق طريقه إلى الظهور فكان من الطبيعي أن يعتمد عليه و يستلهم منه» (1). و يمكن ذكر أمثلة لهذا الاستلهام و التي كان لها دور كبير و مؤثر في تحقيق المسائل الأصولية المختلفة، منها: قاعدة الحسن و القبح العقليين. قاعدة أن الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد الواقعية. قاعدة قبح العقاب بلا بيان. و هكذا غيرها من القواعد الكلامية التي استفيد منها في تنقيح و تحقيق البحوث الأصولية. و لا بأس بالإشارة إلى بعض تلك القواعد التي كانت لها آثار واسعة و عميقة على الفكر الأصولي مثل: قاعدة قبح العقاب بلا بيان فإن «المعروف بين محقّقي العصر الثالث عدم الخلاف في حكم العقل بالبراءة، و جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و ذلك أنهم يدّعون البداهة في‌

____________

(1) المعالم الجديدة، مصدر سابق، ص 92.

36

حكم العقل بقبح العقاب من المولى للعبد على تكليف غير مبيّن. و هذه القاعدة التي فُرضت أصلًا موضوعياً مع قاعدة أخرى تضايفها و هي" حسن العقاب مع البيان" هما الركنان الأساسيان اللذان قام عليهما الفكر الأصولي الحديث، الذي وضع أسسه الوحيد البهبهاني في مباحث الأدلّة العقلية، و هي القطع و الظنّ و الشك. فإنّهم بعد أن فرضوا أنّ العقل يحكم بقبح العقاب من قبل المولى بلا بيان، و أنّ العقل يحكم بكون البيان هو المصحح لحسن العقاب، استنتجوا من ذلك أنّ الحجّية و المنجّزية هي من الشؤون الذاتية للقطع، ثمّ تكلّموا فيما إذا كان من الذاتيات بمعنى لوازم الوجود كالحرارة بالنسبة إلى النار، أو لوازم الماهية كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، و كون عدم المنجزية من ذاتيات اللابيان و عدم القطع؟ و من هنا التزموا بأنّ الظنّ حيث إنّه ليس بياناً لملائمته مع احتمال الخلاف يستحيل أن يكون حجّة بذاته. نعم يمكن أن يكون حجّة بجعل جاعل، و إلّا لو كان حجّة بنفسه يلزم تخصيص قاعدة" قبح العقاب بلا بيان" و هو غير معقول؛ لأنّه تخصيص في القانون العقلي. و من جهة أخرى فإن حصول غير الذاتي بلا سبب غير ممكن أيضاً لأنّ المنجزية ليست ذاتية لغير العلم، و تفرّع على ذلك في تفكيرهم الأصولي أنّ الأمارات مع أنها ليست إلّا ظنوناً كخبر الثقة و الظواهر و نحوهما، كيف يمكن أن تكون منجزة للواقع مع أن اللابيان ثابت و إلّا يلزم التخصيص في القانون العقلي أو ثبوت غير الذاتي بلا سبب، و كلاهما محال؟ و من هنا التزموا بأن الأمارات و المنجزات الشرعية قد جُعلت فيها البيانية، فنشأت مباني جعل الطريقية و الكاشفية بعرضها العريض، و الذي وصل أوج تحقيقه على يد الميرزا النائيني و غيره من المحققين، كلّ ذلك لأجل أن يقولوا بأن منجزية الأمارة تكون من باب رفع‌

37

موضوع القانون العقلي تخصصاً لا تخصيصاً، لأنّ المولى جعل الأمارة كاشفاً تامّاً تعبّداً، فلم يبق محذور في منجزية الواقع بها، لأننا خرجنا من دائرة قبح العقاب بلا بيان و دخلنا في دائرة حسن العقاب مع البيان أي في دائرة حجية القطع؛ لأنّ المفروض أن الأمارة قطع بالتعبد الشرعي. و تفرع على هذه الأصول و المباني ما ذكر في محلّه، من تخيّل أنّ الفرق بين الأمارات و الأصول العملية إنّما هو في اللسان و مقام الإثبات، و كذلك مباني الحكومة و غيرها من النتائج التي نجدها في القسم الثاني من علم الأصول. كلّ هذه النظريات منبعها و أصلها الموضوعي قاعدة قبح العقاب بلا بيان. إلّا أن هذا المنهج في مقام تحقيق و استكشاف حال البيان و اللابيان لم يرتضه الأستاذ الشهيد من أساسه و ذلك «لأن روح هاتين القاعدتين يرجع إلى شي‌ء آخر و هو ما فرضه المشهور مفروغاً عنه و تكلّموا هنا في التنجيز و عدمه، و كأنّهم تصوّروا أن هناك بابين لا علاقة لأحدهما بالآخر. الأوّل: مولوية المولى و حق الطاعة له، فهذا أمر واقعي لا نزاع فيه و هي حقيقة غير مشككة و محدّدة لا تقبل الزيادة و النقصان. الثاني: باب الحجّية و المنجزية، و هذا مرتبط بالبيان و القطع و عدمهما، و رتّبوا على ذلك هاتين القاعدتين، و وقَعوا فيما وقَعوا فيه. إلّا أن هذا المنهج غير صحيح و يجب أن يتغيّر من أساسه؛ لأنّ روح البحث في القاعدتين يرجع إلى تلك المولوية التي فرضوها أمراً ثابتاً، بل لا بدّ من القول: إنّ هذه المولوية هي أمر قابل للتشكيك و الزيادة و النقصان في حدودها، لأن المنجزية و عدمها و قبح العقاب و عدمه إنّما يدوران مدار حق‌

38

الطاعة للمولى. إذن ففي الرتبة السابقة على حجّية القطع إمّا أن نفرض أننا نتكلّم في القطع بأحكام المولى، و إما أن نفرض أننا نتكلّم بأحكام إنسان ليس بمولىٰ، و نريد بالقطع تثبيت مولويته و حقّه. و من الواضح أنّ مجرّد القطع بصدور تكليف من مثل هذا الإنسان لا يجعله مولى، و لا يحقّق حقّ الطاعة له على شخص آخر، و إنّما الكلام على الفرض الأوّل، فحينئذٍ لا بدّ من ملاحظة تلك المولوية الثابتة في الدرجة السابقة المعترف بها قبل الدخول في بحث حجية القطع سعةً و ضيقاً؛ لأنّ جوهر المولوية و دائرتها سعة و ضيقاً يدور مدار حق الطاعة. و هنا لا بد من أن يعلم أنّ البحث في أصل المولوية و هل هي ثابتة أم لا، هو من وظائف علم الكلام، و إنّما البحث الأصولي ينحصر في بيان سعة دائرة حق المولوية و ضيقها بعد الفراغ عن ثبوتها للّٰه سبحانه و تعالى، و من هنا يتضح أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترتبط صحّةً و فساداً بسعة تلك الدائرة و ضيقها. فإذا قيل بأنّ دائرة حق الطاعة وسيعة فلا أساس لقاعدة البراءة العقلية، و إلّا فلا مناص من الالتزام بها، و لكن لا بمعنى قبح العقاب بلا بيان، بل بمعنى قبح العقاب بلا مولوية، فالبيان نبدّله بالمولوية، فمثلًا لو فرضنا أنّ حقّ الطاعة للمولى لا يقتضي إلّا إطاعة تكاليفه القطعية و الظنّية، و أمّا تكاليفه المشكوكة و الموهومة فليس من حقه أن نطيعه فيها، فيقبح على المولى المعاقبة فيهما لا من باب أنه بلا بيان بل من باب أنه عقاب بلا وجود حق الطاعة له. و عليه فقاعدة" قبح العقاب بلا بيان" ليست صياغة فنية للفكرة، بل يكون البحث في القاعدة قبل الانتهاء من تحديد حدود مولوية المولى لغواً في نفسه و خلاف الترتيب المنطقي فيها.

39

و حينئذٍ لا بدّ من أن يقع الكلام في أنّ المولى هل له حقّ الطاعة في التكاليف المعلومة فقط، أو يشمل ذلك حتى التكاليف المحتملة أيضاً، هذان كلاهما معقول في نفسه، إذ يمكن أن يفرض أن المولى له حق الطاعة في خصوص تكاليفه المعلومة، و يمكن أن يفرض أيضاً في مطلق تكاليفه ما لم يقطع بالعدم، و يمكن أن تفرض مرتبة متوسطة بين هذا العموم و ذاك الخصوص. هذا كلّه معقول في المقام و هو تابع لتشخيص حدود المولوية و حق طاعته على العباد. و بناءً على هذا التحليل يتّضح أنّ المشهور من المحقّقين، الذين بنوا على قاعدة قبح العقاب بلا بيان غفلوا عن أن روح هذه الدعوى مرجعها إلى تحديد مولوية المولى و حق طاعته بحدود التكاليف المعلومة فقط، و أمّا غيرها فلا حقّ له فيها على عبيده، و حينئذٍ كيف يمكن إدراج تكليف في دائرة حق الطاعة بمجرّد جعل الطريقية له من قبل الشارع؟ فإنّ جعل الطريقية و الكاشفية لا يزيد على أنّه تفنّن في مقام التعبير عن واقع ذلك المطلب الذي بيّناه. هذا على مسلك المشهور من الأصوليين. و أمّا بناءً على المسلك الذي اختاره أستاذنا الشهيد فإنّه كان يعتقد أنّ العقل العملي كما يدرك أصل حق الطاعة للمولى الحقيقي، كذلك يدرك حدود هذا الحق، و يرى أنّ دائرته أوسع من التكاليف المقطوعة بل يشمل المظنونة و المشكوكة، و المحتملة احتمالًا بنحو لا يرضىٰ بفواتها لو كانت ثابتة في الواقع، و هكذا يتضح أنّ الحجية و المنجزية من الشؤون الذاتية لمولوية المولى و حق طاعته، فلو قلنا: إنّ العقل العملي يدرك تلك الدائرة الوسيعة من حق المولى لتشمل المحتملات أيضاً لكانت حجية الاحتمال عقلًا ذاتية على حدّ ذاتية الحجّية للقطع مع بعض‌

40

الفوارق التي ذكرت في محلّها. و بذلك يتبيّن عدم صحّة قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالنحو الذي تصوّره المشهور، و بانهدامها تسقط كلّ تلك الآثار و الأفكار التي ترتّبت على هذا الأصل الموضوعي المزعوم، كما هو محقّق في مظانّه» (1). و بهذا نصل إلى أنّ الرجوع إلى الجذور الأساسية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان أوصل الأستاذ الشهيد إلى نتيجة مخالفة تماماً لما انتهى إليه أساطين الفقه في العصر الثالث من عصور العلم، و لم يكن الوصول إلى تلك النتيجة ميسوراً لولا الانفتاح على المباني الأساسية التي استمدّت منها تلك القاعدة. و هكذا عند ما ننتهي إلى مسألة أخرى من مسائل علم الكلام و هي قاعدة تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد الواقعية، الذي هو مسلك العدلية في هذا المجال، حيث إنّ البناء على هذا المسلك يؤدّي بنا إلى مشكلات ليست بالقليلة، و خصوصاً على مستوى الأبحاث المعروفة في علم الأصول ببحث" الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي" التي أخذت قسطاً وافراً من أبحاث العلماء في المدرسة الأصولية الحديثة، و تعدّدت النظريات و التحقيقات التي أوردها محققو هذا الفن عن الإشكالات و المحاذير، التي تلزم القول بجعل الأحكام الظاهرية في مورد شك في الحكم الواقعي. بيانه: أنّ الحكم الظاهري إذا خالف الحكم الواقعي، فحيث إن الحكم الواقعي محفوظ بمبادئه في هذا الفرض بحكم قاعدة الاشتراك التي مؤداها: أنّ أحكام الشريعة تكليفية كانت أو وضعية تشمل في الغالب العالم بالحكم‌

____________

(1) ما قرّرناه عن الأستاذ الشهيد في مجلس الدرس.

41

و الجاهل على السواء و لا تختص بالعالم، يلزم من جعل الحكم الظاهري محاذير متعدّدة. توضيحه: «أنّ الإشكال في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي تارة ينشأ من ناحية العقل النظري، و أخرى ينشأ من ناحية العقل العملي. أمّا الأوّل فبأحد بيانين: أ: لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين، فلو كان الحكم الظاهري مطابقاً للحكم الواقعي لزم اجتماع المثلين، و لو كان مغايراً له لزم اجتماع الضدّين لتضاد الأحكام من حيث المبادئ. ب: لزوم نقض الغرض و هو محال لاستحالة انفكاك المعلول عن علّته، فإنّ الغرض علّة غائية لما اشتمل عليه من فعل أو ترك، و الالتفات إليه يحرّك الفاعل نحو الفعل أو الترك، فإذا التفت المولى إلى غرضه الواقعي الذي يفوت بجعل الحكم الظاهري و لم يتحرّك نحو ترك هذا الجعل كان هذا يعني انفكاك المعلول عن علّته. أمّا الثاني: فببيان أنّ الترخيص في مقابل الأحكام الواقعية تفويت للمصلحة على العبد و إضرار به؛ لأدائه إلى فوات ملاكات الأحكام الواقعية الناشئة عن المصالح و المفاسد، و هذا قبيح لا يصدر من المولى الحكيم، نعم لا استحالة في صدوره من المولى غير الحكيم، و هذا بخلاف الوجهين الأوّلين غير المربوطين بالعقل العملي، فإنّ اجتماع المثلين أو الضدّين أو انفكاك المعلول عن العلّة محال حتى لو كان المولى غير حكيم» (1).

____________

(1) مباحث الأصول، مصدر سابق، ج 2 ص 25.

42

و لا نجازف إذا قلنا: إنّ ما ذكره أستاذنا الشهيد في حقيقة الحكم الظاهري أولًا، و طريقة الجمع بينه و بين الحكم الواقعي ثانياً، يعدّ من أروع و أدق ما ذكر في كلمات المحقّقين في هذا المجال إلى يومنا هذا. و الحاصل أنّ هذه البحوث و غيرها توقِفنا على نتيجة أساسية مهمّة و هي: أن الأصولي ما لم يقف على الجذور الأساسية لمسائل هذا العلم وقوفاً علمياً استدلالياً فإنّه لا يمكنه تنقيح تلك المسائل، و هذا يفتح لنا باباً جديداً ينبغي للمجتهد أن يتوفّر عليه لكي يحقّ له إبداء الرأي فيها.

ثانياً: الفلسفة

«و هي لم تصبح مصدراً لإلهام الفكر الأصولي في نطاق واسع إلّا في العصر الثالث تقريباً، نتيجة لرواج البحث الفلسفي على صعيد المدرسة الشيعية بدلًا عن علم الكلام و انتشار فلسفات كبيرة و مجدّدة كفلسفة صدر الدين الشيرازي المتوفىٰ (1050) من الهجرة، فإنّ ذلك أدّى إلى إقبال الفكر الأصولي في العصر الثالث على الاستمداد من الفلسفة و استلهامها أكثر من استلهام علم الكلام، و بخاصة التيار الفلسفي الذي أوجده صدر الدين الشيرازي، و من أمثلة ذلك ما لعبته مسألة أصالة الوجود و أصالة الماهية في مسائل أصولية متعدّدة» (1).

منها: مسألة تعلّق الأوامر بالطبائع أو الأفراد.

توضيح ذلك: إذا أمر الشارع بشي‌ء كقوله «صلّ» فهِمنا من أمره أنّ‌

____________

(1) المعالم الجديدة، مصدر سابق، ص 92.

43

المطلوب طبيعة الصلاة و إيجادها في الخارج سواءً امتثلت في الفرد الأعلى أم الأدنى، فالمهمّ الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف. و إذا نهىٰ عن شي‌ء كقوله «لا تكذب» فهِمنا من نهيه المطلوب مجرّد الترك لطبيعة الكذب بشتى أفراده الضار منها و النافع، و هكذا يفهم كلّ الناس من الأمر و النهي إذا أُطلقا من غير قرينة، و لا ينبغي الإشكال و الخلاف في هذه الحقيقة بعد ثبوتها بالحسّ و الوجدان. و قال الأصوليون: أجل لا خلاف في أنّ التكليف بظاهره متعلّق بالطبيعة، و لكن هل المطلوب أوّلًا و بالذات و في نفس الأمر و الواقع هو الفرد الخارجي الذي تصدق عليه الطبيعة، أمّا هي فغير مطلوبة لنفسها بل كوسيلة للتعبير عن المطلوب، أو أنّ المطلوب أوّلًا و واقعاً هو نفس الطبيعة الشاملة لكلّ فرد، و حيث أنّ الطبيعة لا توجد إلّا بوجود أفرادها، اعتبر الفرد كوسيلة للامتثال و كفى؟» (1). هناك مسالك متعدّدة للجواب عن أنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع أو الأفراد، و من بينها مسلك يُرجع البحث عن هذه المسألة إلى مسألة الوجود أو أصالة الماهية فيقول: «يتعلّق الأوامر بالأفراد إذا كان الوجود هو الأصيل، و أمّا إذا كانت الماهية هي الأصيلة فالأوامر تتعلّق بالطبائع» (2).

و منها: مسألة اجتماع الأمر و النهي.

«اختلفوا في جواز اجتماع الأمر و النهي في شي‌ء واحد، و هنا قد‌

____________

(1) علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، مصدر سابق، ص 80.

(2) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 3، ص 58.

44

يتساءل: هل من عاقل ينكر و يجادل في أنّ الأمر غير النهي، و الوجوب غير التحريم، و أنهما ضدّان لا يجتمعان في شي‌ء واحد، و إذن فلا معنى للنقاش في جواز اجتماعهما ما دام مستحيلًا في ذاته؟ الجواب أجل، لا عاقل و لا قائل يقول: بأنّ الشي‌ء الواحد يسوغ الحكم عليه بالوجوب و التحريم معاً. و لكن بعد الاعتراف بهذه الحقيقة حدث الخلاف في أنّ الفاعل المختار إذا تصرّف و فعل ما يجمع بين عنوان تعلّق به الأمر و آخر تعلّق به النهي كما لو صلّى في مكان الغصب فهل فعله هذا و إيجاده العنوانين بعملية واحدة يستدعي اتحاد متعلّق الأمر و متعلّق النهي بحيث يكون المأمور به عين المنهيّ عنه، و المنهيّ عنه نفس المأمور به في الواقع، حتّى نلجأ إلى علاج مشكلة الحكمين المتعارضين، أو أنّ الصلاة في الغصب لا تستدعي هذا الاتحاد. بل يبقى كلّ من متعلّق الأمر و متعلّق النهي محتفظاً باستقلاله في نظر العقل سوى أنّ المكلّف قرن بينهما و جمع شملهما بعد أن كانا متباعدين، و عندئذ تجري عملية التزاحم بين الجارين في مقام الامتثال لا في مقام الجعل و التشريع؟» (1). إذا اتضح ذلك نقول: حاول بعض المحقّقين أن يبني مسألة جواز الاجتماع أو امتناعه على مسألة أصالة الوجود أو الماهية، فقال: «بناءً على أصالة الوجود و تعلّق الأمر به لا يوجد إلّا وجود واحد في مورد الاجتماع فلا يمكن الاجتماع، و بناءً على أصالة الماهية و تعلّق الأمر بالطبيعة يجوز الاجتماع لتعدّد الماهية» (2).

____________

(1) علم الأصول في ثوبه الجديد، مصدر سابق، ص 126.

(2) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 3، ص 58.

45

و هكذا في غيرها من المسائل الأصولية نجد بصمات هذه المسألة الأساسية في الحكمة المتعالية في الأبحاث الأصولية. و لست الآن بصدد تقييم صحّة الاستلهام من البحوث الفلسفية لتوظيفها في المسائل الأصولية؛ لأنّ ذلك يستدعي مجالًا آخر و ذلك لأنّ هناك اتجاهاً ظهر في الآونة الأخيرة في المدرسة الأصولية في حوزة قم يرفض الاستفادة من القواعد العقلية عموماً و الفلسفية خصوصاً في تحقيق المسائل المرتبطة بعلم الأصول و الفقه، و على رأس هذا الاتجاه العلّامة الطباطبائي كما نجد ذلك واضحاً في كتاباته المختلفة (1).

ثالثاً: عامل الزمن

«و أعني بذلك أنّ الفاصل الزمني بين الفكر الفقهي و عصر النصوص كلّما اتسع و ازداد تجدّدت مشاكل و كلّف علم الأصول بدراستها، فعلم الأصول يمنى نتيجة لعامل الزمن و ازدياد البعد عن عصر النصوص بألوان من المشاكل، فينمو بدراستها و التفكير في وضع الحلول المناسبة لها. و نحاول هنا الاستعانة ببعض المسائل الأصولية لتوضيح هذا العامل. إنّ الفكر العلمي ما إن دخل العصر الثاني حتّى وجد نفسه قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة تجعل أكثر الأخبار و الروايات التي لديه غير قطعية الصدور، و لا يتيسّر الاطّلاع المباشر على صحّتها كما كان ميسوراً في كثير من الأحيان لفقهاء العصر الأوّل، فبرزت أهمية الخبر الظنّي و مشاكل حجّيته.

____________

(1) حاشية الكفاية، ص 10، رسالة الاعتباريات في رسائل سبعة، ص 123 و ما بعد،

46

و فرضت هذه الأهمية و اتساع الحاجة إلى الأخبار الظنّية، على الفكر العلمي أن يتوسّع في بحث تلك المشاكل، و يعوّض عن قطعية الروايات بالفحص عن دليل شرعي يدلّ على حجّيتها و إن كانت ظنّية. و كان الشيخ الطوسي رائد العصر الثاني هو أوّل من توسّع في بحث حجّية الخبر الظنّي و إثباتها. و لمّا دخل العلم في العصر الثالث أدّى اتساع الفاصل الزمني إلى الشكّ حتّى في مدارك حجّية الخبر و دليلها، الذي استند إليه الشيخ في مستهلّ العصر الثاني، فإنّ الشيخ استدلّ على حجّية الخبر الظنّي بعمل أصحاب الأئمة به، و من الواضح أننا كلّما ابتعدنا عن عصر أصحاب الأئمة و مدارسهم يصبح الموقف أكثر غموضاً و الاطلاع على أحوالهم أكثر صعوبة، و هكذا بدأ الأصوليون في مستهل العصر الثالث يتساءلون: هل يمكننا أن نظفر بدليل شرعي على حجّية الخبر الظنّي أو لا؟ و على هذا الأساس وجد في مستهل العصر الثالث اتجاه جديد يدّعي انسداد باب العلم؛ لأنّ الأخبار ليست قطعية، و انسداد باب الحجّية لأنّه لا دليل على حجّية الأخبار الظنّية، و يدعو إلى إقامة علم الأصول على أساس الاعتراف بهذا الانسداد كما يدعو إلى جعل الظن بالحكم الشرعي أي ظن أساساً للعمل دون فرق بين الظنّ الحاصل من الخبر و غيره ما دمنا لا نملك دليلًا شرعياً خاصّاً على حجّية الخبر يميّزه عن سائر الظنون» (1). و من المصاديق البارزة التي يؤثّر فيها عامل الزمن بشكل واضح بعض البحوث المرتبطة بمسألة حجّية الظواهر، و من هنا نجد أنّ الأستاذ الشهيد‌

____________

(1) المعالم الجديدة، مصدر سابق، ص 93.

47

و جملة من المحقّقين تعرّضوا في بحوثهم الأصولية إلى مسألتين تعدّان من أركان بحث الظواهر و هما: الأولى: الظهور الذاتي و الموضوعي: و هو البحث في أنّ حجّية الظهور هل موضوعها هو الظهور الذاتي أو الظهور الموضوعي. و المقصود بالأوّل هو «الظهور الشخصي الذي ينسبق إلى ذهن كلّ شخص شخص» (1). و هذا الظهور قد يختلف من شخص إلى آخر عند أبناء لغة واحدة؛ لأنّه «عبارة عمّا ينسبق إليه ذهن السامع و وعاء ذهنه، و من المعلوم أنّ ذهن السامع ليس وعاءً فارغاً بل هو وعاء مشحون بمختلف الخصوصيات السابقة، و العوامل المؤثرة في المحاورات و التعايشات و التفكيرات و مقدار الاطّلاع على استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى أو ذاك و ما إلى ذلك من أمور، و هذه كلّها تختلف من شخص لآخر، فالظهور الذاتي شأنه شأن الماء الذي يجري في أوعية مختلفة فيكتسب ألوانها، إذن فالظهور الذاتي لكلّ كلام هو نتيجة اللغة زائداً المؤثرات الشخصية» (2). و أمّا الظهور الموضوعي فهو «الظهور النوعي الذي يشترك في فهمه أبناء العرف و المحاورة الذين تمّت عرفيتهم. بعبارة أخرى هي «الدلالة التصديقية النهائية التي تتعيّن للكلام بلحاظ مجموع النظم و القوانين الموجودة لدى العرف لاقتناص المراد» (3).

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 291.

(2) مباحث الأصول، مصدر سابق، ج 2 ص 247.

(3) المصدر السابق، ج 2 ص 246.

48

و من الواضح أنّ هذين الظهورين قد يتطابقان و قد يختلفان «لأنّ الشخص قد يتأثّر بظروفه و ملابساته و سنخ ثقافته أو مهنته أو غير ذلك، فيحصل في ذهنه أنس مخصوص بمعنى مخصوص لا يفهمه العرف العام عن اللفظ. و من هنا يعلم أنّ الظهور الذاتي الشخصي نسبي، مقام ثبوته عين مقام إثباته، و لهذا قد يختلف من شخص إلى آخر، و أمّا الظهور الموضوعي فهو حقيقة مطلقة ثابتة، مقام ثبوته غير مقام إثباته؛ لأنّه عبارة عن ظهور اللفظ المشترك عند أهل العرف و أبناء اللغة بموجب القوانين الثابتة عندهم للمحاورة و هي قوانين ثابتة متعيّنة، و إن شئت عبّرت عنه بأنّه الظهور عند النوع من أبناء اللغة، و من هنا يعرف أنّه يعقل الشكّ فيه لكونه حقيقة موضوعية ثابتة قد لا يحرزها الإنسان و قد يشكّ فيها. و الظهوران قد يتطابقان كما عند الإنسان العرفي غير المتأثّر بظروفه الخاصة، و قد يختلفان فيخطئ الظهورُ الذاتي الشخصي الظهورَ الموضوعي، و ذلك لعدم استيعاب ذلك الشخص لتمام نكات اللغة و قوانين المحاورة، أو لتأثره بشؤونه الشخصية في مقام الانسباق من اللفظ إلى المعنى. و لا ينبغي الإشكال في أنّ موضوع أصالة الظهور هو الظهور الموضوعي لا الذاتي؛ لأنّ حجّية الظهور بملاك الطريقية و كاشفية ظهور حال المتكلّم في متابعة قوانين لغته و عرفه، و من الواضح أنّ ظاهر حاله متابعة العرف المشترك العام لا العرف الخاص للسامع القائم على أساس أنس شخصي و ذاتي يختص به و لا يعلم به المتكلّم عادة، و هذا واضح» (1).

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 291.

49

و هذه المشكلة تزداد خطورة و تتفاقم تعقيداً، عند ما تفصل الشخص الممارس لعملية الاجتهاد عن النصوص التي يمارسها فواصل تاريخية و واقعية كبيرة. الثانية: أن الفاصل الزمني بين عصر صدور النصّ و عصر وصول النصّ أوجد لنا مشكلة أخرى و هي «أنّ الظهور الموضوعي الحجّة، هل هو المعاصر لزمن صدور الكلام أو لزمن وصوله إلينا فيما إذا فرض اختلاف الزمانين، كما في النصوص الشرعية بالنسبة إلينا، فإنّ الأوضاع اللغوية بل و حتى الظهورات السياقية التركيبية قد تتغيّر و تتطوّر بمرور الزمان و إن كان ذلك بطيئاً جدّاً لأنّ اللغة و ما يرتبط بها ظاهرة اجتماعية فتكون متأثّرة بطرائق الحياة الاجتماعية لا محالة» (1). و من هنا فقد «يكون ما هو المعنى الظاهر في عصر صدور الحديث مخالفاً للمعنى الظاهر في عصر السماع الذي يراد العمل فيه بذلك الحديث» (2). و من الواضح أنّ موضوع الحجّية هو «الظهور في عصر صدور الكلام لا في عصر السماع المغاير له» (3). «و ذلك لأنّ أصالة الظهور ليست تعبّدية بل هي أصل عقلائي مبني على تحكيم ظاهر حال المتكلّم في الكشف عن مرامه، و من الواضح أنّ ظاهر حاله الجري وفق أساليب العرف و اللغة المعاصرة لزمان صدور النصّ لا التي تنشأ في المستقبل» (4).

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 293.

(2) الحلقة الثالثة، مصدر سابق، ج 1، ص 278.

(3) المصدر نفسه.

(4) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 293.

50

و تأسيساً على ذلك تنشأ عندنا مشكلة أساسية ثانية و هي الطريق لإحراز أنّ الظهور الموضوعي الذي انتهينا إليه في عصر الوصول هو نفس الظهور الموضوعي المراد للمتكلّم في عصر الصدور. إذن هنا إشكاليتان كان لعامل الزمن مدخلية في وجودهما، خصوصاً الثانية. الأولى: ما هو الطريق لإحراز أنّ هذا الظهور الذي تبادر إلى ذهن المستمع هو الظهور الموضوعي لا الذاتي. الثانية: لو تغلّبنا على الإشكالية الأولىٰ و استطعنا إحراز الظهور الموضوعي الذي هو موضوع حجّية الظهور، توجد مشكلة أخرى و هي أن هذا الظهور الموضوعي الذي توصّلنا إليه في عصر السماع كيف نثبت أنّه هو الظهور الموضوعي الذي أراده المتكلّم في عصر الصدور، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ اللغة ظاهرة اجتماعية فتكون لا محالة محكومة بقانون التغيّر و التطوّر و التكامل. و قد حاول الأستاذ الشهيد أن يتغلّب على الإشكالية الأولى بطريقين، نكتفي بذكر أحدهما، قال: إنّه يمكن إحراز الظهور الموضوعي من خلال الظهور الذاتي و ذلك «بملاحظة ما ينسبق من اللفظ إلى الذهن من قبل أشخاص متعدّدين مختلفين في ظروفهم الشخصية، بنحو يطمئن بحساب الاحتمالات أن انسباق ذلك المعنى الواحد من اللفظ عند جميعهم إنّما كان بنكتة مشتركة هي قوانين المحاورة العامة لا لقرائن شخصية؛ لأنّ هذا خلف اختلافهم في الملابسات الشخصية» (55). (1)

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 293.

51

و أما الإشكالية الثانية: «فقد عالجها المحقّقون من علماء الأصول بأصل عبّروا عنه بأصالة عدم النقل، و قد يسمّونه بالاستصحاب القهقرائي؛ لأنّه يشبه الاستصحاب و لكن مع تقدّم المشكوك على المتيقّن زماناً. إلّا أنّه من الواضح عدم إمكان استفادة حجّيته من دليل الاستصحاب، و إنّما هو مفاد السيرة العقلائية، و قد اصطلح عليه الأستاذ الشهيد بأصالة الثبات في الظهورات؛ لأنّ هذا الأصل كما أشرنا إليه لا يقتصر فيه على الأوضاع اللغوية، بل يشمل الظهورات السياقية التركيبية غير الوضعية أيضاً» (1). و لا ينبغي الإشكال في انعقاد السيرة على هذا الأصل، و لها مظهران: أحدهما: السيرة العقلائية: و يمكن تحصيلها في مثل ترتيب العقلاء آثار الوقف و الوصية و نحوهما على النصوص و الوثائق القديمة في الأوقاف و الوصايا طبق ما يفهمه المتولي في عصره و لو كان بعيداً عن عصر الوقف. ثانيهما: السيرة المتشرعية: و يمكن تحصيلها من ملاحظة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) الذين كانوا يعملون بالنصوص الأوّلية من القرآن و السنّة النبوية الشريفة على ما يستظهرون منه في عرفهم و زمانهم كما كان يصنع أسلافهم، مع أنّه كان يفصلهم عنهم زمان يقارب ثلاثة قرون و قد كانت فترة مليئة بالحوادث و المتغيّرات. و نكتة هذه السيرة بكلا مظهريها و ملاكها بحسب الحقيقة ندرة وقوع النقل و التغيير و بطئه، بحيث إنّ كلّ إنسان بحسب خبرته غالباً لا يرى تغييراً محسوساً في اللغة؛ لأنّ عمر اللغة أطول من عمر كلّ فرد، فأدّى ذلك إلى أن كلّ‌

____________

(1) المصدر نفسه.

52

فرد يرى أن التغيّر حادث على خلاف الطبع و العادة، و حينئذٍ إمّا أن يفترض أنّ الأصحاب قد التفتوا إلى احتمال النقل و التغيير في الظهورات السابقة على زمانهم صدوراً و مع ذلك أجروا أصالة الظهور، أو أنّهم غفلوا عن هذا الاحتمال بالمرّة و عملوا بما يفهمونه من الظهورات. فعلى الأوّل يكون بنفسه دليلًا على حجّية أصالة الثبات شرعاً. و على الثاني فنفس الغفلة في مثل هذا الموضوع تعرّضهم لتفويت أغراض الشارع لو لم تكن أصالة الثبات حجّة، فسكوت المعصوم (عليه السلام) و عدم تصدّيه لإلفاتهم دليل على إمضاء هذه الطريقة، و كفاية الظهور الذي يفهمه الإنسان في زمانه في تشخيص الظهور الموضوعي المعاصر لصدور الكلام». (1) فإن قلت: إنّ هذا الثبات النسبي للغة و ظواهرها و إن كان يوحي للأفراد الاعتياديين بفكرة عدم تغيّرها و تطابق ظواهرها على مرّ الزمن، إلّا أنّه إيحاء خادع و غير مطابق للواقع، فكيف يمكن الاعتماد عليه؟ قلت: «إنّ هذا الإيحاء و إن كان خادعاً و لكنّه على أي حال إيحاء عام استقر بموجبه البناء العقلائي على إلغاء احتمال التغيير في الظهور باعتبار أنّ التغيير حالة استثنائية نادرة تنفى بالأصل، و بإمضاء الشارع للبناء المذكور تثبت شرعية أصالة عدم النقل أو أصالة الثبات. و لا يعني الإمضاء المذكور تصويب الشارع للإيحاء المذكور و إنّما يعني من الناحية التشريعية جعله احتمال التطابق حجّة ما لم يقم دليل على خلافه. و من هنا فلا تجري أصالة الثبات في اللغة فيما إذا علم بأصل التغيّر في‌

____________

(1) بحوث في علم الأصول، مصدر سابق، ج 4، ص 294.

53

الظهور أو الوضع و شك في تاريخه هل متقدّم أو متأخّر، لعدم انعقاد البناء العقلائي في هذه الحالة على افتراض عدم النقل في الفترة المشكوكة. و السرّ في ذلك أنّ البناءات العقلائية إنّما تقوم على أساس حيثيات كشف عامة نوعيّة، فحينما يلغى احتمال النقل عرفاً يستند العقلاء في تبرير ذلك إلى أنّ النقل حالة استثنائية في حياة اللغة بحسب نظرهم و أمّا حيث تثبت هذه الحالة الاستثنائية فلا تبقى حيثية كشف مبرّرة للبناء على نفي احتمال تقدّمها» (1). هذه بعض الموارد الأساسية التي كان لعامل الزمن دور مهمّ في وجودها و الوقوف عندها، و من الواضح أنّ مثل هذه الأبحاث لم تكن مورد ابتلاء المعاصرين للنصّ الشرعي أو القريبين منه.

رابعاً: العامل النفسي

يعتقد الأستاذ الشهيد أنّ جملة من القواعد الأصولية التي استحدثت في العصر الثالث من عصور العلم، التي يمكن عدّها من السمات البارزة في هذه المرحلة إنّما نشأت من عامل نفسي كان يعيشه الفقهاء، و لو لا تلك الحالة لما انصبّ جهدهم لتأسيس هذه القواعد التي كان لها دور كبير و عميق في تأسيس و تنقيح كثير من المسائل التي بحث عنها في الفقه و الأصول معاً. و المثال البارز لهذه الحالة هو البحث في السيرة العقلائية و ما استتبع ذلك من أبحاث مفصّلة حول نكاتها و موارد جريانها، حيث إننا عند ما نراجع كلمات السابقين على عصر الشيخ الأنصاري لا نجد مثل هذا الاهتمام‌

____________

(1) الحلقة الثالثة، مصدر سابق ج 1، ص 279.

54

بالاستدلال بالسيرة كما نجده في كلمات الشيخ الأعظم و من تأخر عنه؛ فلهذا يقول السيد الشهيد: و لذا نرى الاستدلال بالسيرة في ألسنة المتأخّرين عن الشيخ الأعظم كثيراً و في لسان الشيخ قليلًا فضلًا عمّا قبل الشيخ. أما ما هي النكتة في ذلك، و لماذا حصل هذا التحوّل في عملية الاستدلال بالسيرة؟ يقول السيّد الصدر: إنّ الذي يظهر من كلمات جملة من الأكابر و المحقّقين أنّ هناك محذوراً لا يمكن للفقيه أن يلتزم به، و هذا المحذور يُجعل غالباً دليلًا برأسه لإبطال كلّ دعوى تؤدّي إلى ترتّب ذلك المحذور و هو ما يعبّر عنه في كلمات القوم بأنه «يلزم منه تأسيس فقه جديد» فمثلًا يقال بأنّ التمسّك بإطلاق" لا ضرر و لا ضرار" يلزم منه تأسيس فقه جديد، و هكذا يشكل بهذا المحذور على جملة من المدّعيات بأنّها لو تمّت لأدّت إلى هذا التالي الباطل، فيستكشف من بطلان التالي بطلان المقدّم. و الذي يستظهر من جملة من الكلمات أنّ هذا المحذور ليس المقصود منه أنه يلزم منه خلاف مقتضى أدلّة قطعية أخرى واضحة الدلالة و إلّا لقيل: إنّ التمسّك بإطلاق دليل" لا ضرر" أو أنّ القول بالإباحة في المعاطاة أو أنّ التمسّك بإطلاق القرعة في أخبار القرعة معارض بالأدلّة الكذائية التي تدلّ على خلاف ذلك، و هي أقوى دلالة و أوضح سنداً، و ليس المقصود أيضاً أن ذلك المحذور هو أنّه يلزم منه خلاف الإجماع، و إلّا لو كان هذا هو المراد لقالوا: إنّه باطل لأنّه خلاف الإجماع، كما نجدهم يقولون ذلك في إبطال بعض المدّعيات. و من هنا قد يقال: إنّ الذي يظهر بعد ملاحظة قرائن ذلك و سوابقه و لواحقه و موارد تطبيقاته أنّ المقصود لهؤلاء الفقهاء من هذه العبارة حينما‌

55

تستعمل في موارد مخصوصة هو التعبير عن حقيقة ثابتة في الرتبة السابقة، و تلك الحقيقة هي أنّ هناك جملة من المسلّمات و الأُطر الفقهية التي تلقيت بالقبول من قبل الفقهاء الأوائل، و أُخذت بطريق لا نعرفه دون أن يكون عليها دليل صناعي يبرهن عليها إلّا أنّها حقائق لنا القناعة بأنها أُخذت من يد الشارع الأقدس، و لهذا تكون هذه المسلَّمات بالنسبة إلينا جزءاً ضرورياً في الفقه و لا بدّ من الالتزام بها، و كلّ بناء استدلالي في الفقه لا بدّ من أن يتحفّظ على هذه المسلّمات و إلّا لما كان بناءً استدلالياً كاملًا و صحيحاً. و تأسيساً على ذلك حصلت حالة وجدانية قبلية عند الفقهاء أوجبت التفكير في أن يقام صرح علم الأصول و إطاره الاستدلالي بنحو تحفظ فيه هذه المسلمات الفقهية و لا يتجاوز عنها، و بتعبير آخر لا بدّ من أن تكون عملية الاستنباط سواء على مستوى العناصر المشتركة أو المختصّة مقيّدة بحدود هذه المسلّمات و الأُطر، و لا يمكن أن ندخل العملية الاستنباطية متجاوزين هذه الدائرة. و هذه الفكرة كأنّها كانت مرتكزة في ذهن كثير ممّن يشتغل بالفقه سواء على مستوى المدرسة الشيعية أو السنّية، لأننا نجد أنّ مثل هذا اللازم و التالي يحكّمونه في بعض الموارد و يبطلون به بعض المدّعيات، و من المحتمل قويّاً أن سدّ باب الاجتهاد عند المدرسة السنّية كان تعبيراً بحسب الحقيقة لعلاج هذه الناحية في الفقه السنّي، فإنّ هؤلاء سدّوا باب الاجتهاد خارج المذاهب الأربعة المعروفة مع فتحه داخل هذه المذاهب، و هذا يعني أن ما اتفقت عليه كلمة المذاهب الأربعة فهو من المسلّمات، التي لا يمكن الخروج عنها بأي نحو من الأنحاء و لا مجال للاجتهاد فيها حتى لو فرض أنه وجد شخص يعتبر نفسه‌

56

من العلماء المحقّقين كالغزالي، فإنّه مع ذلك لا يسمح لنفسه أن يجتهد فيما تسالم عليه الأئمة الأربعة، نعم يحقّ له الاجتهاد في داخل دائرة هذه المذاهب الأربعة، فقد يخالف فلاناً و يوافق آخر و يسمّونه بالمجتهد في المذهب، و أمّا المجتهد في الشرع فهم خصوص الأئمة الأربعة. طبعاً أصل فكرة التحديد من المحتمل أن تكون ناشئة بداعي علاج هذه المسلّمات و الأطر الفقهية لضمان أن لا يتجاوزها فقيه بعد ذلك، و لكن تطبيق هذه الفكرة على خصوص هذه المذاهب الأربعة دون غيرها لعلّ كثيراً من القرائن و الشواهد تثبت أنّه تطبيق ناشئ من عوامل سياسية، و إلّا لا ميزة واقعية لهؤلاء الأربعة على قرنائهم في المدرسة السنّية فضلًا عن علماء المدرسة الشيعية. إذا اتضحت هذه المقدّمة نقول: إنّ علماء الأصول عند ما واجهوا الفقه الموجود بأيديهم، و كانت لديهم تلك القناعة الوجدانية و الحالة النفسية و هي التحفّظ على أطر و مسلمات ذلك الفقه، صاروا بصدد إيجاد قواعد أصولية يمكن أن تشكّل الغطاء الاستدلالي لتلك المسلّمات الفقهية. فنشأت عندنا قواعد حجية الشهرة و الإجماع المنقول و انجبار الخبر الضعيف بعمل الأصحاب و وهن الخبر الصحيح بإعراضهم، بل تعمّقوا أكثر من هذا في مقام المحافظة على المسلّمات الفقهية فعمّموا قاعدة انجبار السند بعمل الفقهاء لتشمل انجبار الدلالة بفهمهم، و هذا ما نجده واضحاً في بعض كلمات الشيخ الأنصاري الذي يعدّ من أركان المدرسة الأصولية الحديثة في النجف، حيث إنّه لا يعمل بإطلاق أخبار القرعة قائلًا: إنّنا نعمل بهذه الأخبار في كلّ مورد عمل به الأصحاب، و لا نعمل بها في كلّ مورد لم يعملوا به.