دراسات فقهية في مسائل خلافية

- الشيخ نجم الدين الطبسي المزيد...
353 /
9

المقدّمة

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد بن عبد اللّه، و أهل بيته الطاهرين.

إنّ موضوع الزواج الموقّت (المتعة) من الأمور الّتي أخذت حجما كبيرا في المسائل الخلافيّة بين المسلمين، فهم بين مثبت له عن دليل، و منكر له رغم تظافر النصوص الصحيحة الّتي تنصّ على الإباحة و الجواز، و أنّ الصحابة كانت ثابتة على جوازها بعد وفاة الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) إلى عصر الخلفاء و ما بعدهم، كما سيأتي.

و قد صنّف في هذا الحقل عشرات من الكتب، و نشرت مئات المقالات (1) كلّها تؤكّد على استمراريّة الجواز و عدم النسخ.

و لأجل عدم التكرار لما ألّف و أنجز- شكّر اللّه مساعي المؤلّفين الجميلة- أحببت أن أتناول جانبا خاصّا من الموضوع، و أعرض القضيّة بأسلوب جديد. فرأيت أن أسرد قائمة بأسماء من تمتّع من الصحابة و التابعين و المحدّثين في عصر الخلفاء و ما بعدهم، أو من كان رأيه الفقهي هو‌

____________

(1). سيأتي ذكرها في آخر الكتاب.

10

الجواز و الحلّيّة.

و بعد التتبّع عثرت على عشرات الأسماء من كبار الصحابة و التابعين ...

فجمعت النصوص الدالّة على ذلك، مع الإشارة إلى مكانتهم العلميّة، و موقعهم الاجتماعي، و أبحاث أخرى ترتبط بالموضوع.

فالكتاب يحتوي على فصول ثلاثة:

الفصل الأوّل: في الصحابة الذين كانوا يرون حلّيّة المتعة، بل كانوا يعملون بها.

الفصل الثاني: في التابعين و الفقهاء الذين ثبتوا على حلّيّة المتعة، بل بعضهم لم يتزوّج إلّا المتعة.

الفصل الثالث: تساؤلات و مناقشات ترتبط بشأن النسخ، و روايات مفادها النهي عن المتعة، و أبحاث أخرى يقف عليها القارئ حين المطالعة.

و ما توفيقي إلّا باللّه.

11

القسم الأوّل الزواج الموقّت عند الصحابة و التابعين

دراسة تتناول من تمتّع أو كان رأيه الفقهيّ جواز التمتّع من الصحابة و التابعين و الفقهاء و المحدّثين الذين لهم المكانة عند السنّة

12

[روايات من أهل السنة]

1. عمر بن الخطّاب: «متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنا أنهى عنهما، و أعاقب عليهما: متعة النساء و متعة الحجّ».

كنز العمّال، ج 16، ص 519؛ التفسير الكبير، ج 10، ص 52‌

2. عمران بن سوادة مخاطبا عمر بن الخطّاب: «عابت أمّتك منك أربعا ... ذكروا أنّك حرّمت متعة النساء و قد كانت رخصة من اللّه نستمتع بقبضة و نفارق عن ثلاث».

تاريخ الطبري، ج 2، ص 579، حوادث سنة 23 ه‍. ق.

3. الذهبي «ابن جريج هو أحد الأعلام الثقات، و هو في نفسه مجمع على ثقته، مع كونه قد تزوّج نحوا من سبعين امرأة نكاح متعة» ميزان الاعتدال، ج 2، ص 659.

13

الفصل الأوّل: الصحابة

تعريف المتعة (الزواج الموقّت)

قبل أن نذكر أسماء الصحابة القائلين بالمتعة و الثابتين عليها، ينبغي الإشارة إلى تعريف المتعة أو الزواج الموقّت فنقول:

هو تقييد الزواج و النكاح بوقت معيّن و مهر معلوم.

1. قال ابن البرّاج: «فهو نكاح ينعقد بأجل معيّن و مهر معلوم». (1)

2. و قال ابن قدامة: «معنى نكاح المتعة أن يتزوّج المرأة مدّة، مثل أن يقول: زوّجتك ابنتي شهرا، أو سنة، أو إلى انقضاء الموسم، أو قدوم الحاجّ، سواء كانت المدّة معلومة أو مجهولة». (2)

أقول: مع مجهوليّة المدّة تبطل المتعة، و مع عدم ذكر المدّة و الأجل انعقد دائما. (3)

3. و قال في النظم المستعذب: «المتعة: أصله من المتاع، و هو ما يتبلّغ‌

____________

(1). المهذّب، ج 2، ص 179.

(2). المغني، ج 6، ص 642.

(3). شرائع الإسلام، ج 2، ص 306.

14

به إلى حين، و التمتّع أيضا الانتفاع بالشي‌ء، كأنّه ينتفع صاحبه، و يتبلّغ بنكاحها إلى الوقت الّذي وقّته». (1)

الزواج الموقّت عند الصحابة

لقد ثبت تأريخيّا و من خلال نصوص معتبرة و تصريحات فقهاء العامّة بأنّ ثلّة من الصحابة كانوا يرون نكاح المتعة حتّى بعد وفاة الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) أي أيّام خلافة الخلفاء و ما بعدها طيلة حياته، و كان رأيهم الفقهي على الجواز و الإباحة.

و فيما يلي نذكر أسماء بعضهم، و ما يدلّ على التزامهم بالمتعة، و موقعهم الاجتماعي و العلمي:

1. عمران بن الحصين الخزاعي (ت 52 ه‍. ق)

أ. البخاري عن عمران رضى اللّه عنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه، ففعلناها مع رسول اللّه و لم ينزل قرآن يحرّمه، و لم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء .... (2)

قال العسقلاني: إنّ الرجل المقصود هنا هو الخليفة عمر بن الخطّاب. (3)

____________

(1). النظم المستعذب، ج 2، ص 47؛ الفقه على المذاهب الأربعة، ج 4، ص 60.

(2). صحيح البخاري، ج 3، ص 104، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكُمْ المائدة: 87.

(3). فتح الباري، ج 8، ص 34، شرح النووي، ج 8، ص 205؛ إرشاد الساري، ج 10، ص 61؛-- عمدة القاري، ج 18، ص 111، و فسّره البعض بمتعة الحجّ و لكنّه خلاف الظاهر، بل المراد نكاح المتعة، كما عن الرازي و غيره.

15

ب. أخرج أحمد إمام الحنابلة في مسنده بإسناد رجاله كلّهم ثقات، عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تعالى، و عملنا بها مع رسول اللّه، فلم تنزل آية تنسخها، و لم ينه عنها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حتى مات. (1)

ج. قال الهاشمي: فيمن كان يرى المتعة من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عمران بن حصين الخزاعي. (2)

د. الرازي: أمّا عمران بن الحصين فإنّه قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تعالى، و لم ينزل بعدها آية تنسخها، و أمرنا بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تمتّعنا بها، و مات و لم ينهنا عنه، ثمّ قال رجل برأيه ما شاء. (3)

أقول: مقصوده بالرجل عمر بن الخطّاب. كما قاله الرازي.

ه‍. القرطبي: لم يرخّص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين و بعض الصحابة .... (4)

____________

(1). مسند أحمد، ج 4، ص 436.

(2). المحبّر، ص 289، (للعلّامة النسّابة أبي جعفر محمد بن حبيب الهاشمي، المتوفّى عام 245 ه‍. ق).

قال الذهبي: محمد بن حبيب صاحب كتاب المحبّر أخباري، صدوق، واسع الرواية، عارف بأيّام الناس، متبحّر في ذلك، و هو ابن ملاعنة، فنسب إلى أمّه حبيب، أخذ عن هشام بن محمد الكلبي و غيره، و توفّي سنة خمس و أربعين و مائتين، ذكره الخطيب في الملخّص فقال: كان عالما بالنسب، روى عنه محمد بن أحمد بن عرّابة الكوفي، و أبو سعيد الحسن بن الحسين الشكري، و أبو رؤبة البغدادي، و غيرهم. تأريخ الإسلام، ص 423، حوادث سنة 241- 250.

(3). التفسير الكبير، ج 10، ص 53.

(4). تفسير القرطبي، ج 5، ص 133.

16

و. الثعلبي: لم يرخّص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين و .... (1)

التعريف بعمران

1. قال الجزري: أسلم عام خيبر، و غزا مع رسول اللّه غزوات، بعثه عمر بن الخطّاب إلى البصرة ليفقّه أهلها، و كان من فضلاء الصحابة، و استقضاه عبد اللّه بن عامر على البصرة، فأقام قاضيا يسيرا، ثمّ استعفى فأعفاه.

قال محمد بن سيرين: لم نر في البصرة أحدا من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يفضّل على عمران بن حصين، و كان مجاب الدعوة. (2)

2. و قال الذهبي: هو القدوة الإمام، صاحب رسول اللّه، أسلم سنة سبع، و له عدّة أحاديث، روى له أرباب الصحاح الستّة، و اتّفق الشيخان له على تسعة أحاديث، و انفرد البخاري بأربعة أحاديث، و مسلم بتسعة، و مسنده مائة و ثمانون حديثا. (3)

أقول: و الجدير بالذكر أنّ عمران أسلم عام خيبر، و هو العام الّذي ادّعى القوم تحريمها فيه!

قال المامقاني: فالرجل من الحسان بلا شبهة، و في الوجيزة و البلغة أنّه ممدوح. (4) فهو مقبول عندنا، كما عن التستري. (5)

____________

(1). الكشف و البيان، ج 3، ص 286.

(2). أسد الغابة، ج 4، ص 138.

(3). سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 30.

(4). تنقيح المقال، ج 2، ص 350.

(5). القاموس، ج 8، ص 242.

17

2. أبو سعيد الخدري (ت 74 ه‍. ق)

أ. قال ابن حزم: فيمن ثبت على تحليل المتعة، أبو سعيد الخدري. (1)

ب. عن أبي سعيد الخدري و جابر، قالا: تمتّعنا إلى نصف من خلافة عمر حتى نهى عمر الناس عنها في شأن عمرو بن حريث. (2)

التعريف بأبي سعيد الخدري

قال الذهبي: هو الإمام المجاهد، مفتي المدينة .... شهد الخندق و بيعة الرضوان، حدّث عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فأكثر و أطاب، و كان أحد الفقهاء المجتهدين ... قيل: إنّه لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول اللّه أعلم من أبي سعيد!

روى عنه الصحاح الستّة، و مسنده ألف و مائة و سبعون حديثا، ففي صحيح البخاري و مسلم ثلاثة و أربعون، و انفرد البخاري بستّة عشر حديثا، و مسلم باثنين و خمسين. (3)

فهذا الصحابي الّذي تصدّر منصب الإفتاء تراه يصرّح بالتزامه العملي بالنكاح الموقّت، و أنّ عمر هو الّذي نهى عنه، لا أنّه استند في ذلك إلى النسخ، أو نهي الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). و أمّا عندنا، فقد عدّه المامقاني من الثقات. (4)

____________

(1). المحلّى، ج 9، ص 519؛ شرح الزرقاني، ج 3، ص 154.

(2). عمدة القارى‌ء، ج 8، ص 310.

(3). سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 172؛ المحبّر، ص 429؛ تأريخ بغداد، ص 180؛ أسد الغابة، ج 2، ص 289؛ الوافي بالوفيات، ج 15، ص 148.

(4). تنقيح المقال، ج 2، ص 11.

18

3. جابر بن عبد اللّه الأنصاري (ت 78 ه‍. ق)

أ. مسلم: حدّثني محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر و الدقيق الأيّام على عهد رسول اللّه و أبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث. (1)

ب. و عنه: حدّثنا الحسن الحلواني، حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: قدم جابر بن عبد اللّه معتمرا فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثمّ ذكروا المتعة، فقال: نعم، استمتعنا على عهد رسول اللّه و أبي بكر و عمر. (2)

ج. الطبري: عن جابر، قال: كانوا يتمتّعون من النساء حتى نهاهم عمر بن الخطّاب. (3)

د. ابن شبة حدّثنا محمد بن جعفر قال حدّثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن أبي نضرة- قال: كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة و كان ابن الزبير ينهى عنها، فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه فقال:- على يدي دار الحديث- تمتّعنا مع رسول اللّه، فلمّا قام عمر، قال: إنّ اللّه يحلّ لرسوله ما شاء. بما شاء‌

____________

(1). صحيح مسلم، ج 1، ص 623؛ مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 497؛ ح 14025 مسند أحمد، ج 3، ص 380؛ ج 6، ص 405؛ فتح الباري، ج 9، ص 149؛ بداية المجتهد، ج 2، ص 58؛ تنقيح المقال، ج 2، ص 11.

(2). صحيح مسلم، ج 1، ص 623؛ مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 497؛ ح 14025 مسند أحمد، ج 3، ص 380؛ ج 6، ص 405؛ فتح الباري، ج 9، ص 149؛ بداية المجتهد، ج 2، ص 58؛ تنقيح المقال، ج 2، ص 11.

(3). كنز العمّال، ج 16، ص 520، ح 45719؛ الحاوي الكبير، ج 11، ص 455؛ شرح الزرقاني، ج 3، ص 154.

19

بأنّ القرآن قد نزل منازله، فأتمّوا الحجّ و العمرة كما أمركم اللّه، و أتمّوا نكاح هذه النساء، و لن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلّا رجمته بالحجارة! (1)

ه‍ .... عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللّه قال: استمتعت من النساء على عهد رسول اللّه، و زمن أبي بكر ثم زمن عمر حتى كان من شأن عمرو بن حريث الذي كان، فقال عمر: إنّا كنّا نستمتع و نفي، و إنّي أراكم تستمتعون و لا تفون، فانكحوا و لا تستمتعوا. (2)

التعريف بجابر بن عبد اللّه

قال الذهبي: هو الإمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، الفقيه، من أهل بيعة الرضوان، روى علما كثيرا من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان مفتي المدينة في زمانه، و قد بلغ مسنده ألفا و خمسمائة و أربعين حديثا.

اتّفق له الشيخان على ثمانية و خمسين حديثا، و انفرد له البخاري بستّة و عشرين حديثا، و مسلم بمائة و ستّة و عشرين حديثا. (3)

أقول: إنّ من كان مفتي المدينة، و من كبار الفقهاء، و راوي علم كثير عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، هل يخفى عليه تحريم المتعة و نسخها!؟ فتراه يداوم الزواج الموقّت إلى حين نهى عمر عنه.

و الجدير بالذكر أنّ جابر يقول: كنّا نستمتع- بصيغة الجمع- ممّا يدلّ على أنّه كان سائغا، شائعا، معروفا بين الصحابة إلى عهد الخليفة عمر.

____________

(1). تاريخ المدينة، ج 2، ص 719 و 720.

(2). نفس المصدر، ص 717.

(3). سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 192.

20

4. زيد بن ثابت الأنصاري (ت 55 ه‍. ق)

قال الهاشمي: فيمن كان يرى المتعة من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) زيد بن ثابت الأنصاري. (1)

التعريف بزيد بن ثابت

قال الذهبي: هو الإمام الكبير، شيخ المقرئين، مفتي المدينة، كاتب الوحي، و جامع القرآن على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

عن ابن عمر: إنّ زيد بن ثابت كان عالم الناس في خلافة عمر و حبرها.

و عن سليمان بن يسار: ما كان عمر و عثمان يقدّمان على زيد أحدا في الفرائض، و الفتوى، و القراءة، و القضاء.

قال مالك: كان إمام الناس عندنا- بعد عمر- زيد بن ثابت.

و عن ابن عبّاس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ زيد بن ثابت من الراسخين في العلم. و عن أبي هريرة: إنّه حبر الأمّة. (2)

إذن يقول بحلّيّة المتعة من هو عالم الناس و حبرها، و من هو مقدّم على الناس في الفتوى و القراءة و ...، و من هو من الراسخين في العلم، و لم يعتن و لا يعترف بنهي عمر بن الخطّاب، و لا يراه حاكيا عن النسخ و تحريم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فتأمّل.

أمّا عندنا: قال المامقاني: و في كونه عثمانيّا كفاية في بيان حاله.

____________

(1). المحبّر، ص 289.

(2). سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 430.

21

أقول: أشار بذلك إلى قول ابن الأثير: كان عثمانيّا، و لم يشهد مع علّي (عليه السلام) شيئا من حروبه.

و عن الباقر (عليه السلام): «أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهليّة». و أمّا نسبة جمعه للقرآن: فقد أجاب السيد الخوئي عنه بالتفصيل. (1)

5. عبد اللّه بن مسعود (ت 32 ه‍. ق)

أ. قال ابن حزم: و قد ثبت على تحليلها بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جماعة من السلف، منهم من الصحابة ... ابن مسعود. (2)

ب. روى المفيد عن المحبّر إنّ ابن مسعود، كان يقول بالمتعة. (3)

التعريف بابن مسعود

قال الذهبي: الإمام الحبر، فقيه الأمّة، كان من السابقين الأوّلين، و من النجباء العالمين، شهد بدرا، و هاجر الهجرتين، و كان يوم اليرموك على النفل، و مناقبه غزيرة، روى علما كثيرا.

و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فيه: «إنّك غليّم متعلّم» و هو أحد الأربعة الذين ثبتوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوم أحد.

____________

(1). تنقيح المقال، ج 1، ص 462؛ قاموس الرجال، ج 4، ص 542؛ معجم رجال الحديث، ج 7، ص 336؛ أسد الغابة، ج 2، ص 222؛ البيان في تفسير القرآن، ص 257.

(2). المحلّى، ج 9، ص 519؛ شرح الزرقاني، ج 3، ص 154.

(3). الأعلام، ص 36، (ضمن سلسلة مصنّفات الشيخ المفيد، ج 9).

22

و قال أبو مسعود الأنصاري: و اللّه؛ ما أعلم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ترك أحدا أعلم بكتاب اللّه من هذا القائم (ابن مسعود).

و سئل عليّ (عليه السلام) عن ابن مسعود، فقال: «قرأ القرآن، ثمّ وقف عنده، و كفى به، و علم السنّة».

اتّفقا في الصحيحين على أربعة و ستّين، و انفرد له البخاري بإخراج أحد و عشرين حديثا، و مسلم بإخراج خمسة و ثلاثين حديثا، و له عند بقّي بالمكرّر ثماني و أربعون حديثا. (1)

و أمّا عندنا: فقد والى القوم و مال معهم و لم يتبع عليّا (عليه السلام). (2)

إذن، ثبت على تحليل المتعة من اعترفوا له بأنّه عالم الأمّة و فقيهها، و العالم بكتاب اللّه.

6. سلمة بن الأكوع (ت 74 ه‍. ق)

قال الهاشمي: فيمن كان يرى المتعة من أصحاب النبيّ، سلمة بن الأكوع الأسلمي. (3)

التعريف بابن الأكوع

قال الذهبي: قيل: إنّه شهد مؤتة (شهيد مؤتة)، و هو من أهل بيعة الرضوان.

____________

(1). سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 461؛ طبقات ابن سعد، ج 3، ص 106؛ تأريخ خليفة، ص 101؛ الجرح و التعديل، ج 5، ص 149؛ تذكرة الحفّاظ، ج 1، ص 43.

(2). معجم رجال الحديث، ج 10، ص 322؛ قاموس الرجال، ج 6، ص 604.

(3). المحبّر، ص 289؛ الحاوي الكبير، ج 11، ص 455؛ شرح الزرقاني، ج 3، ص 154؛ المسائل الصاغانيّة، ص 38.

23

يقول: بايعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على الموت، و غزوت معه سبع غزوات.

و يقول أيضا: أردفني رسول اللّه مرارا، و مسح على وجهي مرارا، و استغفر لي مرارا، عدد ما في يديّ من الأصابع.

عن زياد بن ميناء: كان ابن عبّاس و ... و سلمة بن الأكوع مع أشباه لهم يفتون بالمدينة، و يحدّثون من لدن توفّي عثمان إلى أن توفّوا ... روى عنه الصحاح الستّة، و حديثه من عوالي صحيح البخاري. (1)

و الملاحظ أنّ ابن الأكوع كان يفتي بالمدينة و يحدّث بعد وفاة عثمان و ذلك هو بداية رفع الضغط عمّن يروي حديث رسول اللّه، فهذا المحدّث و المفتي يرى جواز المتعة و لا يرى أهميّة لنهي الخليفة، لأنّه صادر عن اجتهاد و رأي.

و أمّا عندنا: فعن المامقاني: ظاهره كونه إماميّا و يكون ما ذكر مدحا مدرّجا له في الحسان. (2)

7. علي بن أبي طالب (عليه السلام) (ت 40 ه‍. ق)

أ. قال الهاشمي: كان يقول بالمتعة من الصحابة ... و الصحيح عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). (3)

____________

(1). سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 326؛ انظر تنقيح المقال، ج 2، ص 48؛ معجم رجال الحديث، ج 8، ص 201؛ قاموس الرجال؛ ج 5، ص 210. عن سلمة و جابر: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أتانا فأذن لنا في المتعة. صحيح مسلم، ج 9، ص 182.

(2). تنقيح المقال، ج 2، ص 48.

(3). الأعلام، ص 37، (ضمن مؤلّفات الشيخ المفيد، ج 9). هذا و لكن الأيادي الأمينة حذفته من الطبعة الحديثة لكتاب: المحبّر.

24

ب. الرازي: روى الطبري عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: «لو لا أنّ عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلّا شقيّ» (1)

ج. و قال أيضا: لو كان الناسخ موجودا لكان ذلك الناسخ إمّا أن يكون معلوما بالتواتر أو بالآحاد، فإن كان معلوما بالتواتر كان عليّ بن أبي طالب، و عبد اللّه بن عبّاس، و عمران بن الحصين منكرين؛ لما عرف ثبوته بالتواتر من دين محمد، و ذلك يوجب تكفيرهم، و هو باطل قطعا. (2)

و هذا الكلام منه صريح في أنّ عليّا (عليه السلام) كان يرى حلّ المتعة.

و روى الحرّ العاملي عن المفيد: أنّ عليّا نكح امرأة بالكوفة من بني نهشل متعة. (3)

و هذا النكاح وقع أيام خلافته بالكوفة.

التعريف بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)

ما أقول فيمن هو باب مدينة الحكمة و العلم، و من هو مع القرآن و القرآن معه، و من هو مع الحقّ و الحقّ معه، و من هو لولاه لهلك الخلفاء، بل لولاه لما قام للدين قائمة؟

ما أقول فيمن قال فيه الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله): «من أحبّ أن ينظر إلى آدم في خلقه و إلى إبراهيم في خلّته، و إلى موسى في مناجاته، و إلى يحيى في‌

____________

(1). التفسير الكبير، ج 10، ص 50؛ كنز العمّال، ج 16، ص 522، ح 45728؛ الدّر المنثور، ج 2، ص 140. و مثله عن سعيد.

(2). نفس المصدر، ص 52. قال ابن حزم: و اختلف فيها عن عليّ. المحلّى، ج 9، ص 520.

(3). وسائل الشيعة، ج 21، ص 10، ب 1، ح 23.

25

زهده، و إلى عيسى في سمته، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب». (1)

ما أقول فيمن قال الرسول الأعظم في شأنه: «إنّ الأرض لا يخلو منّي ما دام عليّ حيّا في الدنيا، بقيّة من بعدي، عليّ في الدنيا عوض منّي بعدي، عليّ كجلدي، عليّ كلحمي، عليّ عظمي، عليّ كدمي، عليّ عروقي، عليّ أخي و وصيّي في أهلي و خليفتي في قومي، و منجز عداتي، و قاضي ديني، قد صحبني عليّ في ملمّات أمري، و قاتل معي أحزاب الكفّار، و شاهدني في الوحي، و أكل معي طعام الأبرار و صافحه جبرئيل مرارا نهارا جهارا، و قبّل جبرئيل (عليه السلام) خدّ عليّ اليسار، و شهد جبرئيل و أشهدني أن عليّا من الطيّبين الأخيار، و أنا أشهدكم معاشر الناس لا تتساءلون من علم أمركم ما دام عليّ فيكم». (2)

8. عمرو بن حريث (ت 85 ه‍. ق)

إنّ هذا الصحابي ممّن ثبت أنّه استمتع في خلافة عمر بن الخطّاب بشهادة جابر بن عبد اللّه الأنصاري، كما نقل ذلك عبد الرزّاق في مصنّفه و الطبري في تفسيره.

أ. ابن حزم: و قد ثبت على تحليلها بعد رسول اللّه جماعة من السلف، منهم من الصحابة عمرو بن حريث. (3)

ب. عبد الرزّاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: لأوّل من سمعت منه‌

____________

(1). تأريخ دمشق، ج 2، ص 225.

(2). تفسير فرات الكوفي، ص 154، ح 192؛ بحار الأنوار، ج 42، ص 310.

(3). المحلّى، ج 9، ص 519؛ شرح الزرقاني، ج 3، ص 154. و فيه: عمرو بن الحويرث.

26

المتعة، صفوان بن يعلى، فأنكرت ذلك عليه، فدخلنا على ابن عبّاس، فذكر له بعضنا، فقال له: نعم.

فلم يقرّ في نفسي، حتى قدم جابر بن عبد اللّه، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثمّ ذكروا له المتعة، فقال: نعم، استمتعنا على عهد رسول اللّه، و أبي بكر و عمر، حتّى إذا كان في آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بامرأة- سمّاها جابر فنسيتها- فحملت المرأة، فبلغ ذلك عمر، فدعاها فسألها، فقالت: نعم.

قال: من أشهد؟ قال عطاء: لا أدري. قالت: أمّي، أم وليّها. (1)

يفهم من قول عمر: «من أشهد؟» أنّه لم ير في نكاح المتعة محذورا لو لا عدم الإشهاد.

بعبارة أخرى: يعتبر الشهود في النكاح، و عدمه مخلّ بالعقد- كما هو مبنى جميع أهل السنّة- و يشهد له قول ابن حزم حيث قال: و عن عمر بن الخطّاب أنّه إنّما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان فقط، و أباحها بشهادة عدلين. (2)

ج. الهندي: الطبري، عن سعيد بن المسيّب، قال: استمتع ابن حريث و ابن فلان- كلاهما- و ولد له من المتعة زمان أبي بكر و عمر. (3)

فهل كان ابن حريث الصحابي قد أتى بالفاحشة و ارتكب الزنا، و ولد له‌

____________

(1). مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 496؛ كنز العمّال، ج 16، ص 518، ح 45712؛ فتح الباري، ج 9، ص 141.

(2). المحلّى، ج 9، ص 519.

(3). كنز العمّال، ج 16، ص 518، ح 45712.

27

أولاد زنا أو شبهة؟

د. عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنّه سمع جابر بن عبد اللّه يقول: قدم عمرو بن حريث من الكوفة، فاستمتع بمولاة:

فأتي بها عمرو هي حبلى، فسألها، فقالت: استمتع بي عمرو بن حريث، فسأله، فأخبره بذلك أمرا ظاهرا، قال: فهلّا غيرها؟ فذلك حين نهى عنها. (1)

ه‍. يقال: إنّ عمرو بن حريث استمتع من امرأة من بني سعد بن بكر، فولدت فجحد ولدها. (2)

و. ابن شبة حدّثنا ابن أبي خداش الموصلي، (3) قال: حدّثنا عيسى بن يونس عن الأجلح. (4)

قال: سمعت أبا الزبير يقول: فيما يروى عن جابر بن عبد اللّه: تمتّع عمرو بن حريث من امرأة بالمدينة فحملت فأتي بها عمر، فأراد أن يضربها فقالت: يا أمير المؤمنين تمتّع منّي عمرو بن حريث، فقال: من شهد نكاحك؟

فقالت: أمّي و أختي. فقال عمر: بغير وليّ و لا شهود. فأرسل إلى عمرو بن حريث، فقام عليه، فسأله، فقال: صدقت، فقال عمر للناس: هذا نكاح فاسد، و قد دخل فيه ما ترون، فرأى عمر أن يحرّمه، فقال أبو الزبير:

فقلت لجابر: هل بينهما ميراث؟ قال: لا.

____________

(1). مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 500؛ 14029 فتح الباري، ج 9، ص 172؛ ج 11، ص 76؛ تهذيب التهذيب، ج 10، ص 371؛ السنن الكبرى، ج 7، ص 237.

(2). تاريخ المدينة، ج 2، ص 719.

(3). الاسدي الموصلي مات سنة 255. و قيل: 205. كتاب: الخلاصة للخزرجي، ص 173.

(4). تاريخ المدينة، ج 2، ص 717.

28

التعريف بعمرو بن حريث

إنّه من بقايا أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الذين نزلوا الكوفة، مولده قبيل الهجرة، له صحبة و رواية، روى عنه أصحاب الصحاح الستّة، يقول عمرو بن حريث: انطلق بي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنا غلام، فدعا لي بالبركة، و مسح رأسي، و خطّ لي دارا بالمدينة بقوس، ثمّ قال: ألا أزيدك؟

قال الواقدي: قبض النبيّ و لعمرو بن حريث اثنتا عشرة سنة. (1)

و عندنا؛ ولي لبني أميّة بالكوفة و كانوا يميلون إليه، و يتقوّون به و كان هواه معهم، خرجت كلمة كبيرة من فيه، و له صحيفة سوداء، نعوذ باللّه من الشرك و النفاق. (2)

9. معاوية بن أبي سفيان (ت 60 ه‍. ق)

أ. قال ابن حزم: و قد ثبت على تحليلها بعد رسول اللّه جماعة من السلف، منهم من الصحابة ... معاوية بن أبي سفيان. (3)

ب. قال أبو الزبير: و سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: استمتع معاوية بن أبي سفيان مقدمه من الطائف على ثقيف بمولاة ابن الحضرمي يقال لها: معانة.

____________

(1). سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 419؛ أسد الغابة، ج 4، ص 98؛ الاستيعاب، ج 3، ص 256؛ الاصابة، ج 2، ص 524.

(2). تنقيح المقال، ج 2، ص 327؛ معجم رجال الحديث، ج 13، ص 84؛ ج 19، ص 99. و الكلمة هي: هذا ميثم التمّار الكذّاب مولى عليّ الكذّاب- نعوذ باللّه-

(3). المحلّى، ج 9، ص 519، و الزرقاني أيضا عدّ معاوية ممّن كان يقول بالمتعة في ج 3، ص 154، ح 1178.

29

قال جابر: ثمّ أدركت معانة خلافة معاوية حيّة، فكان معاوية يرسل إليها بجائزة في كلّ عام حتّى ماتت. (1)

ج. عبد الرزّاق، عن ابن جريج، عن عطاء قال: لأوّل من سمعت منه المتعة صفوان بن يعلى، قال: أخبرني عن يعلى أنّ معاوية استمتع بامرأة بالطائف، فأنكرت ذلك عليه، فدخلنا على ابن عبّاس، فذكر له بعضنا، فقال له: نعم، فلم يقرّ في نفسي حتى قدم جابر بن عبد اللّه، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثمّ ذكروا له المتعة، فقال: نعم، استمتعنا على عهد رسول اللّه و أبي بكر و عمر .... (2)

قال العسقلاني: إسناده صحيح. (3)

لا شكّ في أنّ هذه المتعة كانت من معاوية بعد وفاة النبيّ؛ إذ لا يتردّد أحد في جوازها على عهد رسول اللّه إلى يوم الفتح على حديث سبرة، أو الفتح و أوطاس على حديث جابر (4)، ثمّ لا معنى للسؤال من ابن عبّاس و جابر مع وجود النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و عطاء هذا ولد عام خمسين للهجرة. (5) و أسلم معاوية عام الفتح.

____________

(1). مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 499، ح 14026.

(2). نفس المصدر، ص 496، ح 14021.

(3). فتح الباري، ج 9، ص 79.

(4). شرح الزرقاني، ج 3، ص 154.

(5). سير أعلام النبلاء، ج 6، ص 143. يكفيه معاوية: قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: لا يصحّ عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في فضل معاوية بن أبي سفيان شي‌ء؛ انظر: الموضوعات، ج 2، ص 24؛ اللآلي المصنوعة، ج 1، ص 388؛ الفوائد المجموعة، ص 407؛ تاريخ المدينة، ج 2، ص 718.

30

10. سلمة بن أميّة

أ. ابن حزم: و قد ثبت على تحليلها بعد رسول اللّه جماعة من السلف، منهم من الصحابة رضى اللّه عنهم: ... و معبد و سلمة أبناء أميّة بن خلف. (1)

ب. عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عبّاس قال: لم يرع عمر، إلّا أمّ أراكة قد خرجت حبلى، فسألها عمر عن حملها؟ فقالت: استمتع بي سلمة بن أميّة بن خلف، فلمّا أنكر صفوان على ابن عبّاس بعض ما يقول في ذلك، قال: فسل عمّك هل استمتع (2)؟

أقول: لعلّ الصحيح أنكر ابن صفوان، لا صفوان، و عمّه سلمة بن أميّة، و هو الّذي تمتّع بأمّ أراكة على عهد عمر، و ذلك لأنّ هذه المناقشات كانت في عهد ابن الزبير، و أمّا صفوان: فقد توفّي أيّام عثمان، و ابن صفوان هو المعترض، و قد قتل مع ابن الزبير بمكّة.

ج. ابن حزم: ولد- أي أبناء- أميّة بن خلف الجمحي: عليّ، و صفوان، و ربيعة، و مسعود، و سلمة.

فولد سلمة بن أميّة: معبد بن سلمة، أمّه أمّ أراكة نكحها سلمة نكاح متعة في عهد عمر، أو في عهد أبي بكر، فولد له منها (3)، كما أورده عبد الرزّاق في مصنّفه مع تفاصيل لقصّة تمتّع رجل من بني جمح و هو سلمة.

د. عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء ... و قال صفوان: هذا‌

____________

(1). المحلّى، ج 9، ص 519؛ شرح الزرقاني، ج 3، ص 154، ح 1178.

(2). مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 498، ح 14024.

(3). جمهرة الأنساب، ص 159.

31

ابن عبّاس يفتي بالزنا، فقال ابن عبّاس: إنّي لا أفتي بالزنا، أفنسي صفوان أمّ أراكة، فو اللّه؛ إنّ ابنها لمن ذلك، أفزنا هو؟ قال: و استمتع بها رجل من بنى جمح. (1)

أقول: و الرجل- على ما عرفت- هو سلمة بن أميّة بن خلف الجمحي، كما أكّد كلّ من عمر بن شبّة و ابن الكلبي و ابن حزم على ذلك. و أشار العسقلاني أيضا إلى ذلك في الإصابة. (2)

ه‍. عمر بن شبّة: و استمتع سلمة بن أميّة من سلمى مولاة حكيم بن أميّة بن الأوقص الأسلمي فولدت له، فجحد ولدها.

قلت: و ذكر ذلك ابن الكلبي، و زاد فبلغ ذلك عمر، فنهى عن المتعة.

و روى أيضا: أنّ سلمة استمتع بامرأة فبلغ عمر، فتوعّده .... (3)

التعريف بسلمة بن أميّة

لا شكّ في أنّه من الصحابة و قد شهد تبوك، و قصّته معروفة.

قال ابن الأثير: ... عن صفوان بن يعلى، عن أبيه و عمّه سلمة بن أميّة، أنّهما خرجا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في غزوة تبوك و معنا صاحب لنا، فقاتله رجل من الناس فعضّ بذراعه فاجتذبها من فيه فسقطت ثنيّتاه، فذهب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يلتمس العقل (4)، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يذهب أحدكم إلى أخيه‌

____________

(1). مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 498، ح 14022.

(2) الإصابة، ج 2، ص 63؛ ج 4، ص 333؛ المحلّى، ج 9، ص 519؛ شرح الزرقاني، ج 3، ص 154؛ تاريخ المدينة، ج 2، ص 719.

(3) الإصابة، ج 2، ص 63؛ ج 4، ص 333؛ المحلّى، ج 9، ص 519؛ شرح الزرقاني، ج 3، ص 154؛ تاريخ المدينة، ج 2، ص 719.

(4). الدية على العاقلة. انظر: النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 3، ص 278.

32

يعضّه عضّ الفحل ثمّ يأتي يلتمس العقل!! فأطلّها (1) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). (2)

و قد ذكره خليفة بن خيّاط فيمن سكن مكّة من الصحابة. (3)

و قال المزّي: له صحبة، روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، روى له النسائي، و ابن ماجة .... (4)

و أمّا عندنا: فعن المامقاني لم أتحقّق حاله. (5)

11. ربيعة بن أميّة

أ. الموطّأ: حدّثني مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أنّ خولة (6) بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطّاب، فقالت: إنّ ربيعة بن أميّة استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر بن الخطّاب فزعا يجرّ رداءه، فقال: هذه المتعة، و لو كنت تقدّمت فيها لرجمت. (7)

و إسناده عندهم صحيح، و رجاله كلّهم ثقات.

ب. عبد الرزّاق: عن عروة: أنّ ربيعة بن أميّة بن خلف تزوّج مولّدة من‌

____________

(1). أي أهدرها. انظر: لسان العرب، ج 11، ص 405، «ط. ل. ل».

(2). أسد الغابة، ج 2، ص 224.

(3). الإصابة، ج 2، ص 63.

(4). تهذيب الكمال، ج 7، ص 426، الرقم 2427.

(5). تنقيح المقال، ج 2، ص 48.

(6). كانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كانت تحت عثمان بن مظعون، تاريخ المدينة 2: 718؛ الإصابة 4: 283.

(7). الموطّأ، ج 2، ص 542، ح 42؛ مسند الشافعي، ص 132؛ الأمّ، ج 7، ص 249؛ السنن الكبرى، ج 7، ص 206؛ الدرّ المنثور، ج 2، ص 141؛ الإصابة، ج 1، ص 514؛ منتخب كنز العمّال، ج 6، ص 404؛ تاريخ المدينة، ج 2، ص 717. و فيه: فولدت منه، بدل فحملت.

33

مولّدات المدينة بشهادة امرأتين: إحداهما: خولة بنت حكيم و كانت امرأة صالحة فلم يفجأهم إلّا الوليدة قد حملت، فذكرت ذلك خولة لعمر بن الخطّاب، فقام يجرّ صنفة (1) ردائه من الغضب حتى صعد المنبر، فقال: إنّه بلغني أنّ ربيعة بن أميّة تزوّج مولّدة من مولّدات المدينة بشهادة امرأتين، و إنّي لو كنت تقدّمت في هذا لرجمت. (2)

التعريف بربيعة بن أميّة

هو الذي كان ينادي يوم عرفة تحت لبّة (3) ناقة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حينما قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «اصرخ»: أيها الناس، هل تدرون أيّ شهر هذا. (4)

12. عمرو بن حوشب

أ. عبد الرزّاق، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد اللّه بن عثمان بن خثيم، أنّ محمد بن الأسود بن خلف، أخبره أنّ عمرو بن حوشب استمتع بجارية بكر من بني عامر بن لؤي فحملت، فذكر ذلك لعمر، فسألها، فقالت: استمتع منها عمرو بن حوشب، فسأله، فاعترف، فقال عمر: من أشهدت؟ قال: لا أدري أقال: أمّها، أو أختها، أو أخاها و أمّها، فقام عمر على المنبر فقال: ما بال رجال يعملون بالمتعة و لا يشهدون عدولا، و لم يبيّنها إلّا حددته.

____________

(1). أي طرفه. انظر: النهاية في غريب الحديث و الأثر، ج 3، ص 56.

(2). مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 503؛ ح 14038 مسند الشافعي، ص 132؛ الإصابة، ج 1، ص 514.

(3). اللبّة- بفتح اللام و التشديد-: المنحر و موضع القلادة. مجمع البحرين، ج 2، ص 164، «ل. ب. ب».

(4). أسد الغابة، ج 2، ص 166.

34

قال: أخبرني هذا القول عن عمر من كان تحت منبره، سمعه حين يقوله، قال: فتلقّاه الناس منه. (1)

و هذا النصّ صريح في أنّ الخليفة لم يمنع المتعة بالمرّة، بل منع المتعة من دون الإشهاد، كما صرّح بهذا المعنى جمع من فقهاء السنّة. (2)

كما أنّ مفاد هذا النص هو أنّ المنع لم يكن في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بل كان في عهد عمر بن الخطّاب و ذلك حين تحقّقت المتعة من عمرو بن حوشب.

أقول: لعلّ عمرو بن حوشب تصحيف، و الصواب: عمرو بن حريث- كما احتمله بعض المعلّقين على المصنّف؛ إذ لم يرد له ذكر في كتب الرجال و التراجم، حسب تتبّعنا.

13. أبيّ بن كعب (ت 30 ه‍. ق)

كان رأي أبيّ في قراءة الآية الكريمة بحيث يتناسب مع النكاح الموقّت (أي المتعة).

أ. الطبري: حدّثنا ابن بشّار، قال: حدّثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد عن قتادة، قال: في قراءة أبيّ بن كعب فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمّى. (3)

ب. السيوطي: أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن جبير قراءة أبيّ بن كعب. فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمّى. (4)

____________

(1). مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 500، ح 14031.

(2). المنتقى، ج 4، ص 335؛ فتح الباري، ج 11، ص 76؛ المحلّى، ج 9، ص 519.

(3). جامع البيان، ج 4، ص 19، الرقم 84/ 17. و مثله في أحكام القرآن، ج 2، ص 178.

(4). الدرّ المنثور، ج 2، ص 140.

35

ج. أبو حيّان الأندلسي: قراءة ابن عبّاس و أبيّ بن كعب و سعيد بن جبير:

فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمّى. (1)

التعريف بأبيّ بن كعب

قالوا فيه: إنّه سيّد القرّاء، شهد العقبة و بدرا، و جمع القرآن في حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و عرض على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و حفظ عنه علما مباركا، و كان رأسا في العلم و العمل.

قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لأبيّ بن كعب: «إنّ اللّه أمرني أن أقرأ عليك القرآن». و وصفه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بسيّد الأنصار. و له مائة و أربعة و ستّون حديثا: منها في [صحيح] البخاري و مسلم ثلاثة أحاديث، و انفرد البخاري بثلاثة و مسلم بسبعة، و له في الكتب الستّة نيّف و ستّون حديثا. (2)

و أمّا عندنا: فقد أورده العلّامة في الخلاصة و ابن داود في قسم المعتمدين، و يرى المامقاني و ثاقته و قوّة إيمانه .... (3)

14. أسماء بنت أبي بكر (ت 73 ه‍. ق)

أ. ابن حزم: و قد ثبت على تحليل المتعة بعد رسول اللّه جماعة من السلف، منهم من الصحابة ... و أسماء بنت أبي بكر. (4)

ب. الطيالسي: مسلم القرشي قال: دخلنا على أسماء بنت أبي بكر،

____________

(1). تفسير البحر المحيط، ج 3، ص 218؛ الغدير، ج 6، ص 233.

(2). سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 402.

(3). تنقيح المقال، ج 1، ص 44؛ قاموس الرجال، ج 1، ص 352؛ معجم رجال الحديث، ج 1، ص 364.

(4). المحلّى، ج 9، ص 519؛ انظر شرح الزرقاني، ج 3، ص 154.

36

فسألناها عن متعة النساء فقالت: فعلناها على عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). (1)

ج. قال عروة لابن عبّاس: ألا تتّقي اللّه ترخّص في المتعة؟ فقال ابن عبّاس: سل أمّك يا عريّة؟ فقال عروة: أمّا أبو بكر و عمر: فلم يفعلا.

فقال ابن عبّاس: و اللّه؛ ما أراكم منتهين حتى يعذّبكم اللّه، نحدّثكم عن النبيّ و تحدّثونا عن أبي بكر و عمر. (2)

د. الراغب: عيّر عبد اللّه بن الزبير عبد اللّه بن عبّاس بتحليله المتعة، فقال له: سل أمّك كيف سطعت المجامر بينها و بين أبيك، فسألها، فقالت:

ما ولدتك إلّا في متعة. (3)

ه‍. ابن عبد ربّه: قال ابن عبّاس: أوّل مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير. (4)

____________

(1). مسند الطيالسي، ص 227، الرقم 1637.

(2). زاد المعاد، ج 1، ص 219، و أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء، ج 15، ص 243.

(3). المحاضرات، ج 2، ص 94.

(4). العقد الفريد، ج 4، ص 13.

أقول: و قد ورد نصّ الحوار في بعض مصادر الإماميّة، كما يلي:

قال أبو القاسم الكوفي: و من ذلك أنّ علماء أهل البيت (عليهم السلام) ذكروا عن ابن عبّاس، لمّا دخل مكّة و عبد اللّه بن الزبير على المنبر يخطب، فوقع نظره على ابن عبّاس و كان قد أضرّ (1*)، فقال:

معاشر الناس؛ قد أتاكم أعمى، أعمى اللّه قلبه، يسبّ عائشة أمّ المؤمنين، و يلعن حواري رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و يحلّ المتعة، و هي الزنى المحض، فوقع كلامه في أذن عبد اللّه بن عبّاس، و كان متوكّئا على يد غلام له. يقال له: عكرمة، فقال له: ويلك أدنني منه، فأدناه حتى وقف بإزائه، فقال

إنّا إذا مافئة نلقاها * * * نردّ أولاها على أخراها

قد أنصف الفأرة من زاواها

...- إلى أن قال-: و أما قولك: يحلّ المتعة و هي الزنى المحض، فو اللّه؛ لقد عمل بها على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم يأت بعده رسول، لا يحرّم و لا يحلّل، و الدليل على ذلك قول ابن صهاك: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأنا أمنع عنهما و أعاقب عليهما، فقبلنا شهادته و لم نقبل تحريمه، و إنّك من متعة؛ فإذا نزلت عن عودك هذا، فاسأل أمّك عن بردي عوسجة، و مضى عبد اللّه بن عبّاس و نزل عبد اللّه بن الزبير مهرولا إلى أمّه. فقال: أخبريني عن بردي عوسجة و ألحّ عليها مغضبا، فقالت له: إنّ أباك كان مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد أهدى له رجل يقال له: عوسجة، بردين، فشكا أبوك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) العزبة، فأعطاه بردا منها. فجاء فتمتّعني به و مضى، فمكث عنّى برهة و إذا به قد أتاني ببردتين فتمتّعني بهما، فعلقت بك و إنّك من متعة. فمن أين وصلك هذا؟

قال: من ابن عبّاس، فقالت: ألم أنهك عن بني هاشم، و أقول لك: إنّ لهم ألسنة لا تطاق. (1*) الضرارة العمى، و أضرّ: عمي (لسان العرب، ج 4، ص 483 (ض. ر. ر).

(2*) الاستغاثة، ص 145؛ مستدرك الوسائل، ج 14، ص 450، ب 1، ح 13.

37

أقول: و قد حاول المعلّق- يائسا- توجيه و تفسير العبارة بما يتنافي مع الظاهر، و أنّ المراد بها متعة الحجّ لا متعة النساء، و لكنّها محاولة يائسة، و كأنّه لم يتنبّه لأصل المحاورة، و اعتراض ابن الزبير على ابن عبّاس بقوله:

و أفتيت بزواج المتعة!

التعريف بأسماء بنت أبي بكر

إنّها أمّ عبد اللّه و عروة بني الزبير بن العوّام، و هي أخت عائشة، و آخر المهاجرات وفاة، كانت أكبر من عائشة بعشر سنين، و ماتت بعد مقتل ابنها بأيّام، (عام 73 ه‍. ق). (1)

____________

(1). سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 295؛ انظر العبر، ج 1، ص 82؛ تهذيب التهذيب، ج 12، ص 398؛ الاستيعاب، ج 4، ص 1781؛ نساء مبشّرات بالجنّة، ج 2، ص 159.

38

هاجرت و هي حامل بعبد اللّه، و شهدت اليرموك مع زوجها الزبير، روى عنها الصحاح الستّة، و مسندها ثمانية و خمسون حديثا، و اتّفق لها البخاري و مسلم على ثلاثة عشر حديثا، و انفرد البخاري بخمسة أحاديث، و مسلم بأربعة. (1)

و أمّا عندنا، قال المامقاني: لم أستثبت حالها. (2)

15. أمّ عبد اللّه ابنة أبي خيثمة

أ. روى المتّقي الهندي عن ابن جرير، عن سليمان بن يسار، عن أمّ عبد اللّه ابنة أبي خيثمة أنّ رجلا قدم من الشام فنزل عليها، فقال: إنّ العزبة قد اشتدّت عليّ فابغيني امرأة أتمتّع معها.

قالت: فدللته على امرأة فشارطها، فأشهدوا على ذلك عدولا، فمكث معها ما شاء اللّه أن يمكث، ثمّ إنّه خرج، فأخبر عن ذلك عمر بن الخطّاب، فأرسل إليّ، فسألني: أحقّ ما حدّثت؟ قلت: نعم. قال: فإذا قدم فآذنيني به، فلمّا قدم أخبرته، فأرسل إليه، فقال: ما حملك على الّذي فعلته؟ قال:

فعلته مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ لم ينهنا عنه حتى قبضه اللّه، ثمّ مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتى قبضه اللّه، ثمّ معك. فلم تحدّث لنا فيه نهيا، فقال عمر: أما و الّذي نفسي بيده؛ لو كنت تقدّمت في نهي لرجمتك، بيّنوا حتى يعرف النكاح من السفاح. (3)

____________

(1). نفس المصدر.

(2). تنقيح المقال، ج 3، ص 69.

(3). كنز العمّال، ص 16، ص 522، ح 45726. قوله: تقدّمت في نهي، أي علمت النهي عنّي.

39

يفهم من النصّ أمور:

الأمر الأول: أنّ هذا الشامي كان صحابيّا حيث قال: فعلته مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

الأمر الثاني: أنّ الشهود لم ينكروا عليه هذا الأمر، بل شهدوا له.

الأمر الثالث: أنّ المتعة لم تنسخ- كما زعموا- مدّة حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّها كانت شائعة و ثابتة مدّة خلافة أبي بكر، و شطرا من خلافة عمر، كما أنّ الخليفة عمر لم ينكر هذه الدعوى من الشامي.

الأمر الرابع: أنّ المتعة لو كانت محرّمة و زنا- كما يزعمون‌لكانت أمّ عبد اللّه شريكة في هذه الجريمة؛ لأنّها هي الّتي دلّته على المرأة، و توسّطت بينهما، فيصدق عليها أنّها قوّادة و على الأقلّ عليها التعزير (1)، مع أنّ الخليفة عمر لم يتعرّض لها بشي‌ء، و لا أشار إلى ذلك.

التعريف بابن يسار

إنّ الراوي لهذا الأثر هو سليمان بن يسار التابعي، و يكفيه وثاقة عند العامّة، رواية الصحاح الستّة عنه بالاتّفاق. قالوا فيه: إنّه الفقيه الإمام، عالم المدينة و مفتيها، مولى أمّ المؤمنين ميمونة الهلاليّة، و قيل: كان مكاتبا لأمّ سلمة، ولد في خلافة عثمان. و كان من أوعية العلم بحيث إنّ بعضهم قد فضّله على سعيد بن المسيّب.

قال مالك: كان سليمان بن يسار من علماء الناس بعد سعيد بن المسيّب.

____________

(1). قال البهوتي: القوّادة الّتي تفسد النساء و الرجال أقلّ ما يجب عليها الضرب البليغ و ينبغى شهرة ذلك. كشف القناع، ج 6، ص 127 و مثله عن ابن تيميّة. انظر: الفروع، ج 6، ص 115؛ الفتاوى الكبرى، ج 4، ص 299؛ النفي و التغريب، ص 108؛ موارد السجن، ص 273.

40

قال ابن معين: سليمان ثقة.

و قال أبو زرعة: ثقة، مأمون فاضل، عابد.

و قال النسائي: أحد الأئمّة.

و قال ابن سعد: كان ثقة، عالما، رفيعا، فقيها، كثير الحديث، مات سنة سبع و مائة. (1)

و أمّا عندنا: فلم يذكروه، و قد روى عن ابن عبّاس، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رواية شريفة عظيمة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام). (2)

16. عبد اللّه بن عبّاس بن عبد المطّلب (ت 68 ه‍. ق)

أ. قال ابن حزم: و قد ثبت على تحليلها بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جماعة من السلف، منهم من الصحابة ... ابن عبّاس. (3)

ب. قال عطاء: سمعت ابن عبّاس يقول: يرحم اللّه عمر، ما كانت المتعة إلّا رخصة من اللّه عز و جلّ رحم بها أمّة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) فلو لا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلّا شقيّ.

قال: كأنّي و اللّه؛ أسمع قوله: «إلّا شقيّ»- عطاء القائل-، قال عطاء: فهي الّتي في سورة النساء: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ (4) إلى كذا و كذا من الأجل. (5)

____________

(1). سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 444؛ الطبقات الكبرى، ج 5، ص 175؛ وفيات الأعيان، ج 2، ص 399؛ تهذيب التهذيب، ج 4. ص 228.

(2). مستدركات علم الرجال، ج 4، ص 154.

(3). المحلّى، ج 9، ص 519.

(4). النساء: 24.

(5). مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 496، ح 14021.

41

ج. قال أبو الزبير: و سمعت طاووسا يقول: قال ابن صفوان: يفتي ابن عبّاس بالزنا ....

قال: فعدّد ابن عبّاس رجالا كانوا من أهل المتعة.

قال: فلا أذكر ممّن عدّد غير ابن أميّة. (1)

د. حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضّل، قال: ثنا داود، عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عبّاس عن متعة النساء؟ قال: أما تقرأ سورة النساء؟

قال: قلت: بلى.

قال: فما تقرأ فيها: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمّى؟ قلت: لا، لو قرأتها هكذا ما سألتك!

قال: فإنّها كذا. (2)

ه‍. حدّثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، قال: ثنا نصير بن أبي الأشعث، قال: ثني حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، قال: أعطاني ابن عبّاس مصحفا، فقال: هذا على قراءة أبيّ.

قال أبو كريب: قال يحيى: فرأيت المصحف عند نصير فيه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمّى. (3)

و. الذهبي: عن ابن عبّاس، قال: تمتّع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال عروة: نهى أبو بكر و عمر عن المتعة، فقال ابن عبّاس: فما يقول عريّة!

____________

(1). نفس المصدر، ص 502.

(2). جامع البيان، ج 4، ص 18، الرقم 7181- 7182.

(3). نفس المصدر؛ الكشف و البيان، ج 3، ص 286.

42

قال: نهى أبو بكر و عمر عن المتعة، قال: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يقولون: قال أبو بكر و عمر. (1)

علّق الذهبي على هذا الحديث بقوله: ما قصد عروة معارضة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بهما، بل رأى أنّهما ما نهيا عن المتعة إلّا و قد اطّلعا على ناسخ. (2)

أقول: و هو تعليق غريب، إذ لم يدّع الخليفة عمر هذه الدعوى! أضف إلى ذلك، أنّ المنع حصل في حكومة عمر، لا في خلافة أبي بكر.

ثمّ إنّ بعض المحشّين ضعّف هذا الحديث لضعف شريك، و لكن شريك ممّن قوّاه الذهبي، فقال: هو الحافظ الصادق، أحد الأئمّة، قال يحيى بن معين: صدوق. و قال أبو توبة: رجل الأمّة شريك. و قال النسائي: ليس به بأس. و قال الذهبي: كان من أوعية العلم ... و قيل فيه غير ذلك. (3)

ز. عبد الرزّاق عن معمّر، عن أيّوب، قال: قال عروة لابن عبّاس: ألا تتّقي اللّه، ترخّص في المتعة!؟ فقال ابن عبّاس: سل أمّك عريّة.

فقال عروة: أمّا أبو بكر و عمر: فلم يفعلا.

فقال ابن عبّاس: و اللّه؛ ما أراكم منتهين حتى يعذّبكم اللّه، أحدّثكم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تحدّثونا عن أبي بكر و عمر.

فقال عروة: لهما أعلم بسنّة رسول اللّه و أتبع لها منك. (4)

قال المعلّق: و رجاله ثقات، أخرجه أبو مسلم الكجي من طريق سليمان بن حرب، عن حمّاد بن زيد، عن أيّوب السختياني، عن‌

____________

(1). سير أعلام النبلاء، ج 15، ص 243.

(2). سير أعلام النبلاء، ج 15، ص 243.

(3). ميزان الاعتدال، ج 2، ص 274.

(4). سير أعلام النبلاء، ج 15، ص 242.

43

ابن أبي مليكة، عن عروة، بنحوه. و هذا إسناد صحيح. (1)

ح. مسلم: حدّثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، قال ابن شهاب: أخبرني عروة بن الزبير أنّ عبد اللّه بن الزبير قام بمكّة، فقال:

إنّ ناسا أعمى اللّه (2) قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرّض برجل، فناداه، فقال: إنّك لجلف جافّ (3) فلعمري؛ لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتّقين (يريد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)).

فقال له ابن الزبير: فجرّب بنفسك، فو اللّه؛ لئن فعلتها لأرجمنّك بأحجارك. (4)

ط. قال ابن شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف اللّه أنّه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة، فأمره بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري (اسمه عبد الرحمن): مهلا. قال: ما هي و اللّه؛ لقد فعلت في عهد إمام المتّقين.

قال ابن أبي عمرة: إنّها كانت رخصة في أوّل الإسلام لمن اضطرّ إليها كالميتة و الدم و لحم الخنزير، ثمّ أحكم اللّه الدين و نهى عنها (5).

____________

(1). نفس المصدر.

(2). أراد به التعريض بابن عبّاس لتجويزه المتعة.

(3). أي غليظ الطبع، قليل الفهم، قاله ابن عبّاس لابن الزبير مناديا له جهارا في خلافته. شرح مسلم، ج 1، ص 625؛ تهذيب الكمال، ج 5، ص 414.

(4). صحيح مسلم، ج 1، ص 625؛ مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 503؛ ح 14038، تهذيب الكمال، ج 5، ص 415؛ السنن الكبرى، ج 7، ص 205؛ الحاوي الكبير، ج 11، ص 453. قال الذهبي: و نحن فنحكي قول ابن عبّاس في المتعة، و في الصرف، و في انكار القول، و قول طائفة-- من الصحابة في ترك الغسل من الإيلاج، و أشباه ذلك، و لا نجوّز لأحد تقليدهم في ذلك. سير أعلام النبلاء، ج 13، ص 108.

(5). صحيح مسلم، ج 1، ص 625؛ مصنّف عبد الرزّاق، ج 7، ص 503؛ ح 14038، تهذيب الكمال، ج 5، ص 415؛ السنن الكبرى، ج 7، ص 205؛ الحاوي الكبير، ج 11، ص 453. قال الذهبي: و نحن فنحكي قول ابن عبّاس في المتعة، و في الصرف، و في انكار القول، و قول طائفة-- من الصحابة في ترك الغسل من الإيلاج، و أشباه ذلك، و لا نجوّز لأحد تقليدهم في ذلك. سير أعلام النبلاء، ج 13، ص 108.

44

ي. عن ابن عبّاس: إنّ آية المتعة محكمة ليست بمنسوخة. (1)

أقول: يظهر من رواية مسلم أنّ ابن عبّاس كان يرى المتعة و يفتي بجوازها إلى آخر عمره بدليل أنّ هذا الحوار جرى بينه و بين ابن الزبير أيّام خلافته الّتي كانت بعد عام (65 ه‍. ق) و كان مصرّا على هذا الرأي و لم يتردّد فيه.

كما لا شكّ في كمال إيمان ابن عبّاس، و تقواه، وسعة علمه، و معرفته بالناسخ و المنسوخ كما سيأتي الإشارة إليه.

و أمّا رواية خالد بن المهاجر (ابن الوليد): ففيها أنّ قول ابن أبي عمرة الأنصاري: أنّها كانت رخصة ثمّ نهى عنها. اجتهاد محض و تخرّص من دون أيّ دليل و شاهد؛ إذ لم يكن عبد الرحمن بن أبي عمرة صحابيّا، و لم يكن شهد مشهدا من المشاهد حتى يحتمل في حقّه السماع من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، نعم، لعلّه يروي عمّن سمع من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و من غيره، و لكنّه مرسل إذ لم يذكره.

قال ابن حجر: قال ابن أبي حاتم في المراسيل: ليست له صحبة. (2)

قال الثعلبي: «ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟ فقال ابن عبّاس: هي محكمة و رخص في المتعة. (3)

روى داود عن أبي نضرة، قال: سألت ابن عبّاس عن المتعة؟ فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى. قال: فما تقرأ: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى‌

____________

(1). الكشّاف، ج 1، ص 498؛ الخازن، ج 1، ص 357.

(2). تهذيب التهذيب، ج 6، ص 220؛ تهذيب الكمال، ج 11، ص 319.

(3). الكشف و البيان، ج 3، ص 286.

45

قلت: لا أقرأها هكذا. فقال ابن عبّاس و اللّه؛ لهكذا أنزلها اللّه، ثلاث مرّات. (1)

التعريف بابن عبّاس

إنّه أجلى من أن يعرّف و يترجم له، فهو حبر الأمّة، و فقيه العصر، و إمام التفسير، صحب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نحوا من ثلاثين شهرا (2)، و حدّث عنه بجملة صالحة، روى عنه عشرات الرواة، و كان مهيبا، كامل العقل، ذكيّ النفس، من رجال الكمال، و هو الّذي مسح النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رأسه، و دعا له بالحكمة، و دعا له بقوله: «اللّهمّ علّمه تأويل القرآن»، و قال: «اللّهمّ فقّهه في الدين».

و قال طاووس: ما رأيت أحدا أشدّ تعظيما لحرمات اللّه من ابن عبّاس.

و أيضا عن طاووس، عن ابن عبّاس؛ قال: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). (3)

و عن عبيد اللّه بن عبد اللّه: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنّة ... من ابن عبّاس. (4)

أقول: هذا من شدّة ورعه و تقواه في عدم نسبته شيئا إلى الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا بعد أن يتيقّن و يقطع به، و ذلك بأن يسأل من ثلاثين شخصا من الصحابة في تلك المسألة. كما ورد في هذا النصّ، و صحّح الذهبي إسناده.

و عليه فعندما ينسب ابن عبّاس جواز المتعة إلى الدين، و إلى النبيّ‌

____________

(1). نفس المصدر.

(2). نفس المصدر.

(3). كان مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين.

(4). سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 342.

46

الكريم (صلّى اللّه عليه و آله)، فهو على يقين من أمره، لا أنّه يفتي برأيه و اجتهاده، أو لم يبلغه النسخ.

ابن عبّاس هو الّذي قال فيه الخليفة عمر: ذاكم فتى الكهول، إنّ له لسانا سؤولا، و قلبا عقولا.

و قال فيه أيضا: لقد علّمت علما ما علّمناه.

و قد جمع محمد بن موسى- أحد الأئمّة- فتاوى ابن عبّاس في عشرين كتابا. (1)

و قال سعد بن أبي وقّاص: ما رأيت أحدا أحضر فهما، و لا ألبّ لبّا، و لا أكثر علما، و لا أوسع حلما من ابن عبّاس.

لقد كان عمر يدعوه للمعضلات، فيقول: قد جاءت معضلة، ثمّ لا يجاوز قوله، و إنّ حوله لأهل بدر.

و قال فيه ابن طاووس: أدركت نحوا من خمسمائة من الصحابة إذا ذاكروا ابن عبّاس فخالفوه، فلم يزل يقرّرهم حتى ينتهوا إلى قوله.

و مسنده ألف و ستّمائة و ستّون حديثا، و له من ذلك في الصحيحين خمسة و سبعون، و تفرّد له البخاري بمائة و عشرين حديثا، و تفرّد مسلم بتسعة أحاديث. (2)

أقول: إنّ من بلغ في التقوى و الورع في الدين إلى حدّ يسأل ثلاثين من الصحابة (و هو صحابيّ جليل) في مسألة، ثمّ ينسبها إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتى أنّ عمر بن الخطّاب عبّر عنه بالسؤول، و وصفه أيضا: علّم علما لم يعلّمه عمر،

____________

(1). نفس المصدر، ص 359.

(2). نفس المصدر، ص 344- 359.

47

و أنّه كان يدعوه للمعضلات، و لم يتجاوز قوله، و بلغ حدّا يحاور خمسمائة صحابيا و كلّهم يتراجع و يخضع لابن عبّاس، يا ترى: هل ينسب من كان بهذه المثابة و هذا الموقع شيئا إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بدون علم و يقين! (1)

دعاوي و ردود

1. قد يقال: إنّ ابن عبّاس لم يعلم بالنسخ، كما ادّعاه العسقلاني في فتح الباري، و بعض شرّاح صحيح مسلم.

قال العسقلاني: لعلّ جابرا و من نقل عنه استمرارهم على ذلك بعده إلى أن نهى عنها عمر لم يبلغهم النهي، و ممّا يستفاد أنّ عمر لم ينه عنه اجتهادا و إنّما نهى عنها مستندا إلى نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). (2)

أقول: إنّ إصرار ابن عبّاس و استمراره على القول و الفتوى بالحلّيّة لم يكن إلى حين نهى عمر عن المتعة، بل كان مستمرّا إلى أيّام عبد اللّه بن الزبير عام (65 ه‍. ق) فما بعد، ممّا يدلّ على أنّ المتعة لم تكن منسوخة و أنّ منع عمر كان عن اجتهاده و رأيه لا عن استناده إلى نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل لم نعثر على تصريح من عمر ينسب فيه المنع إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

قال بعض الشرّاح: أمّا ما روي أنّهم كانوا يستمتعون على عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أبي بكر و عمر حتى نهى عنها عمر، فمحمول على أنّ الّذي استمتع لم يكن‌

____________

(1). إنّ رجلا سأل ابن عمر عن شي‌ء، فقال: سل ابن عبّاس؛ فإنّه أعلم من بقي بما أنزل على محمد (صلّى اللّه عليه و آله). و عن مجاهد: نفخر على الناس بأربعة: فقيهنا ابن عبّاس ... و عن ابن أبجر: إنّما فقه أهل مكّة حين نزل ابن عبّاس بأظهرهم. أخبار مكّة، ج 2، ص 341.

(2). فتح الباري، ج 9، ص 77.

48

بلغه النسخ، و نهي عمر كان لإظهار ذلك؛ لشيوعها في عهده ممّن لم يبلغه النهي. (1)

أقول: لنا دلائل و شواهد على أنّ العمل بالمتعة كان رائجا و متداولا عند الصحابة و التابعين حتى بعد نهي عمر عنها، كما مرّ عن أمّ عبد اللّه، و يأتي عن سعيد و غيره، و هذا يفنّد دعوى نسخ جواز المتعة على عهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

2. قد يدّعى رجوع ابن عبّاس عن القول بجواز المتعة، و قد نسبت هذه الدعوى إلى البيهقي، و أبي عوانة، و القفّال، و غيرهم.

أ. قال القفّال: حكي عن عبد اللّه بن عبّاس رضى اللّه عنه أنّه أجازه، و هو قول الشيعة. و حكى أنّ ابن عبّاس رجع عن ذلك. (2)

ب. النووي: روى رجوع ابن عبّاس جماعة: منهم: ابن خلف القاضي المعروف بوكيع، و روى الرجوع أيضا البيهقي و أبو عوانة. (3)

و قد أجاب الذهني في شرحه على مسلم عن هذه الدعوى: حكي عن ابن عبّاس أنّه رجع عن القول بحلّها حين قال له عليّ (عليه السلام) هذ القول: «إنّك رجل تائه»، و لكن سبق ما يدلّ على عدم رجوعه عن ذلك بعد قول عليّ (عليه السلام) له ذلك؛ فإنّ ما جرى بين ابن عبّاس و بين ابن الزبير من المكالمات العنيفة‌

____________

(1). صحيح مسلم، ج 1، ص 626 (الهامش).

(2). حلية العلماء، ج 6، ص 398.

(3). المجموع، ج 15، ص 407؛ السنن الكبرى، ج 7، ص 205. أقول: ابن خلف متوفّى عام (306 ه‍. ق) و البيهقي المتوفّى عام (458 ه‍. ق) و القفّال متوفّى عام (507 ه‍. ق) و أبو عوانة المتوفّى عام (230 ه‍. ق) و هم بعد ابن عبّاس بعشرات السنين، فمن أين ثبت لهم رجوعه طالما لم ينقلوا طريقا إليه.

49

المتقدّمة، إنّما كان في خلافة عبد اللّه بن الزبير، و ذلك بعد وفاة عليّ رضى اللّه عنه، فالظاهر، كما في المرقاة أنّ ابن عبّاس رجع عن الجواز المطلق و قيّد جوازها بحال الرخصة، نحو ما مرّ في قول ابن أبي عمرة من تخصيص إباحتها للمضطرّين حال اضطرارهم. (1)

أقول: أوّلا: نطالب بالدليل على هذا التفصيل لابن عبّاس، و أنّه يراه حلالا في حال الاضطرار لا مطلقا.

ثانيا: بالاضطرار يحلّ كلّ شي‌ء، و لا خصوصيّة للمتعة.

ثالثا: سبق منّا القول بأنّ كلام ابن أبي عمرة غير مقبول، لأنّه اجتهاد منه لا أنّه كلام و قول من النبيّ الكريم (صلّى اللّه عليه و آله).

رابعا: ضعف النصوص الّتي مفادها رجوع ابن عبّاس، كما صرّح بذلك ابن بطّال و غيره.

أ. قال ابن بطّال: روى أهل مكّة و اليمن عن ابن عبّاس إباحة المتعة، و روي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، و إجازة المتعة عنه أصحّ. (2)

ب. و قال القرطبي: و جزمت جماعة من الأئمّة بتفرّد ابن عبّاس بإباحتها، و لكن قال ابن عبد البرّ: أصحاب ابن عبّاس من أهل مكّة و اليمن على إباحتها. (3)

ج. و قال ابن رشد: اشتهر عن ابن عبّاس تحليلها، و تبع ابن عبّاس على القول بها أصحابه من أهل مكّة و أهل اليمن. (4)

____________

(1). صحيح مسلم، ج 1، ص 626 (الهامش)؛ المبسوط للسرخسي ج 5، ص 152.

(2) نيل الأوطار، ج 6، ص 136.

(3) نيل الأوطار، ج 6، ص 136.

(4). بداية المجتهد، ج 2، ص 58.

50

17. سمير (ت 59 ه‍. ق)

قال العسقلاني: لعلّه سمرة بن جندب، روى ابن مندة عن طريق مبشّر بن إسماعيل، عن جرير بن عثمان، عن سليمان بن سمير، عن أبيه، قال: كنّا نتمتّع على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). (1)

التعريف بسمرة

إنّه من شرار من صحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فيه: «آخر أصحابي موتا في النار». فبقي سمرة بالبصرة و أبو محذورة بمكّة، و كان سمرة يسأل من يقدم من الحجاز عن أبي محذورة حتى مات أبو محذورة قبله، و سقط هو في قدر مملوءة ماءا حارّا فمات. (2)

18. أنس بن مالك (ت 93 ه‍. ق)

و ممّن كان يرى جواز المتعة من الصحابة هو أنس بن مالك، كما نقله الشيخ المفيد عن محمد بن حبيب في المحبّر، و لكنّ الأيادي الأمينة حذفته في الطبعة الحديثة للمحبّر، كما حذفت أسماء أخرى ممّن كان يرى حلّيّة المتعة، و قد أشار إليها الشيخ المفيد. قال: و حكى أبو جعفر محمد بن حبيب في كتابه المعروف بكتاب المحبّر أنّه كان يقول بالمتعة من الصحابة جماعة‌

____________

(1). الإصابة، ج 2، ص 81.

(2). الأيّام المكّيّة، ص 365؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 537؛ أسد الغابة، ج 2، ص 355؛ تأريخ الطبري، ج 5، ص 237.

51

ممّن سمّيناه، و زاد فيهم أنس بن مالك.

ثمّ إنّا أخّرناه و لم نذكره في الأوّل؛ لأنّا لم نعثر على مصدر يشير إليه غيره. (1)

التعريف بأنس بن مالك

قال فيه: المفتي، المقرئ، المحدّث، راوية الإسلام. يقول أنس: قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المدينة و أنا ابن عشر، و مات و أنا ابن عشرين.

صحب أنس النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أتمّ الصحبة، و لازمه أكمل الملازمة منذ هاجر ...

بلغ مائة و ثلاث أو سبع سنين من العمر.

و مسنده ألفان و مائتان و ستّة و ثمانون؛ اتّفق له البخاري و مسلم على مائة و ثمانين حديثا، و انفرد البخاري بثمانين حديثا، و مسلم بتسعين. (2)

و الملفت للنظر هو أنّ هذا الصحابيّ الّذي ادّعوا أنّه راوية الإسلام، و صحب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أيّام جهاده و فتوحاته، و روى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) مئات الروايات، بحيث إنّه لم يبق شاردة إلّا رواها حتّى أنّه روى وصف هيئة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حين وروده مكّة يوم الفتح، و روى أوامره و نواهيه في الفتح، كما روى أمره (صلّى اللّه عليه و آله) بقتل ابن الأخطل، مع ذلك لم يرد عنه حديث واحد في تحريم المتعة، عام الفتح و لا في غيره، رغم التساؤلات و الصراعات الّتي حصلت بهذا الشأن بين الأمّة:

____________

(1). الأعلام، ص 37، (ضمن سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد، ج 9).

(2). تهذيب الكمال، ج 2، ص 330؛ سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 406؛ معجم الطبراني، ج 1، ص 238.

52

منها: الحوار الساخن بين ابن عبّاس و عبد اللّه بن الزبير، و بين ابن عبّاس و عروة بن الزبير، و بين ابن عبّاس و خالد بن المهاجر (1) و قد راجعنا مسنده و أحاديثه (2) فلم نعثر على رواية له في المقام هذا.

و عندنا على أنس استفهامات و ملاحظات؛ إذ هو الّذي ابتلي بالبرص، أصابه نتيجة لدعوة عليّ (عليه السلام)، حيث إنّه كتم الشهادة بشأن حديث الطير (3) أو الغدير (4)، و هو الّذي روى عن الكثيرين من الصحابة، و لكنّه أهمل الرواية عن عليّ (عليه السلام) و هو الّذي نسب إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه سمل يد رجل إلى الحائط، و من ثمّ استحلّ الأمراء تعذيب الناس. (5)

19. ابن عمر (ت 74 ه‍. ق)

و قد ورد في بعض النصوص أنّ ابن عمر أيضا كان يرى حلّيّة المتعة.

أخرج إمام الحنابلة في مسنده بإسناده عن عبد الرحمن بن نعم (نعيم) الأعرجي، قال: سأل رجل ابن عمر عن المتعة و أنا عنده (متعة النساء) فقال:

و اللّه؛ ما كنّا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) زانين و لا مسافحين. (6)

____________

(1). صحيح مسلم، ج 1، ص 625؛ تهذيب الكمال، ج 20، ص 22، و حوار مهمّ بين المأمون و ابن أكثم؛ وفيات الأعيان، ج 5، ص 199؛ مراة العقول (المقدّمة)، ج 1، ص 320.

(2). مسند أحمد، ج 3، ص 82- 292؛ معجم الطبراني، ج 1، ص 238.

(3). المعارف، ص 580؛ تأريخ دمشق، ج 2، ص 225؛ قاموس الرجال، ج 2، ص 196؛ رجال الكشّي، ص 45.

(4). المعارف، ص 580؛ تأريخ دمشق، ج 2، ص 225؛ قاموس الرجال، ج 2، ص 196؛ رجال الكشّي، ص 45.

(5). موارد السجن، ص 530؛ علل الشرايع، ج 2، ص 541، ح 18؛ بحار الأنوار، ج 76، ص 203، ح 1.

(6). مسند أحمد، ج 2، ص 225، ح 5661 و في طبعة أخرى، ج 2، ص 95؛ تأريخ خليفة، ص 170؛ سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 156.

53

و هذا ظاهر في صحّة تلك النسبة إلى ابن عمر، و أنّه كان يقول بحلّيّة المتعة، و لكن لا نصرّ على ذلك لوجود المعارض.

20. كما أنّه ورد في بعض النصوص أن عفراء أخت الخليفة عمر، تمتّعت أيام خلافته. و حبلت و أنجبت طفلا، فلمّا دخل عليها، و وجد في حجرها طفلا يرضع من ثديها. غضب و أخذ الطفل على يده و خرج به إلى المسجد و نادى الناس، فلمّا جمعوا حكى لهم قصّة أخته التي كانت غير متبعّلة و أتت بولد، و قالت: تمتّعت، ثم حرّم (عمر) المتعة، و قال: من أبى ضربت جنبيه بالسوط. (1)

و لكنّا لا نصرّ على هذا النصّ و لا نحتجّ به على السنّة؛ لعدم العثور عليه في مصادرهم، و عندنا أيضا مورد للتأمّل.

أورد ابن شبة قائمة بأسماء من تمتّع قبل تحريم عمر، فقال: ذكر من استمتع قبل تحريم عمر:

21. سعد بن أبي سعد بن أبي طلحة من بني عبد الدار عن عميرة مولاة لكندة، فولدت عبد اللّه بن سعد. (2)

22. ثمّ استمتع منها فضالة بن جعفر بن أميّة بن عابد المخزومي فولدت له أميّة بن فضالة. (3)

23. استمتع عبد اللّه بن أبي عوف بن جبيرة من بنت أبي لبيبة مولاة هشام بن الوليد بن المغيرة، و كانت تبيع الشراب و يغشى بيتها، فولدت له‌

____________

(1). الهداية، ص 109؛ مستدرك الوسائل، ج 14، ص 476، ذيل ح 1؛ بحار الأنوار، ج 53، ص 28.

(2). تاريخ المدينة، ج 2، ص 717.

(3). تاريخ المدينة، ج 2، ص 717.

54

يوسف، و لا عقب له، فقال له عمر: أ تعترف بهذا الغلام؟ قال: لا، قال: لو قلت:

نعم، لرجمتك بأحجارك، و كان عمر يعرف هذه المرأة بالسوء، فحرّم المتعة. (1)

قلت: و لم نعثر على ترجمة هؤلاء رغم التتبّع.

____________

(1). نفس المصدر.

55

الفصل الثاني: في التابعين و الفقهاء

لقد تبنّى القول بالجواز جمع من التابعين و تابعي التابعين، و ثلّة من المحدّثين الذين هم ممّن اتّفق أرباب الصحاح الستّة و غيرهم على النقل منهم، و الاعتماد عليهم، كابن جريج و ... ممّا يفنّد جانب القول بالحرمة و أنّها نسخت.

و فيما يلي أسماؤهم مع بيان موقعهم العلمي، و مكانتهم الاجتماعيّة عندهم:

1. مالك بن أنس (ت 179 ه‍. ق)

أ. قال السرخسي: تفسير المتعة أن يقول لامرأة: أستمتع بك بكذا من المدّة بكذا من المال، و هذا باطل عندنا، جائز عند مالك بن أنس، و هو الظاهر من قول ابن عبّاس. (1)

ب. و يظهر من شرح الموطّأ للزرقاني: أنّه أحد قولي مالك. (2)

____________

(1). المبسوط للسرخسي، ج 5، ص 152.

(2). شرح الزرقاني، ج 3، ص 155.

56

ج. قال فخر الدين، أبو محمد، عثمان بن علي الزيلعي في تبيان الحقائق في شرح كنز الدقائق: قال مالك: هو (أي نكاح المتعة) جائز؛ لأنّه كان مشروعا، فيبقى إلى أن يظهر ناسخه، و اشتهر عن ابن عبّاس تحليلها، و تبعه على ذلك أكثر أصحابه من أهل اليمن و مكّة، و كان يستدلّ على ذلك بقوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ. (1) (2)

د. قال برهان الدين المرغيناني: نكاح المتعة باطل، و هو أن يقول لامرأة:

أتمتّع بك كذا مدّة بكذا من المال.

و قال مالك: هو جائز، لأنّه كان مباحا فيبقى إلى أن يظهر ناسخه.

و قال زفر: هو صحيح لازم؛ لأنّ النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. (3)

ه‍. قال الأميني ينسب جواز المتعة إلى مالك في فتاوى الفرغاني تأليف القاضي فخر الدين، حسن بن منصور الفرغاني، و في خزانة الروايات في الفروع الحنفيّة تأليف القاضي جكن الحنفي، و في كتاب الكافي في الفروع الحنفيّة، و في العناية بشرح الهداية تأليف أكمل الدين الحنفي. (4)

التعريف بمالك بن أنس

قالوا فيه: حجّة الأمّة، إمام دار الهجرة، مولده عام ثلاث و تسعين، عام موت أنس خادم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، طلب العلم و هو حدث بعيد موت القاسم و‌

____________

(1). النساء: 24.

(2). شرح الزرقاني، ج 3، ص 155، ح 1178؛ الغدير، ج 6، ص 315.

(3). الهداية في شرح بداية المبتدي، ج 1، ص 190؛ شرح فتح القدير، ج 3، ص 152.

(4). الغدير، ج 6، ص 315.

57

سالم، فأخذ عن نافع و سعيد المقبري، و عامر بن عبد اللّه بن الزبير، و ابن المنكدر، و الزهري، و جعفر بن محمد (عليهما السلام)، و ربيعة الرأي و ... (1) كان عالم المدينة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و صاحبيه زيد بن ثابت ... ثم مالك.

عن ابن عيينة: مالك عالم أهل الحجاز، و هو حجّة زمانه.

قال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم.

و أضاف الذهبي: لم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكا في العلم و الفقه و الجلالة و الحفظ، فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيّب و الفقهاء السبعة ... فكان مالك هو المقدّم فيهم على الإطلاق، و الذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق .... (2)

و قال الشافعي: العلم يدور على ثلاثة: مالك، و الليث، و ابن عيينة.

و روي عن الأوزاعي أنّه كان إذا ذكر مالكا يقول: عالم العلماء، و مفتي الحرمين. و عن بقيّة أنّه قال: ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنّة ماضية منك يا مالك.

و قال أبو يوسف: ما رأيت أعلم من أبي حنيفة، و مالك، و ابن أبي ليلى.

و قال أحمد بن حنبل: هو إمام في الحديث و في الفقه.

و قال القطّان: هو إمام يقتدى به.

و قال ابن معين: مالك من حجج اللّه على خلقه .... (3)

____________

(1). أوردهم الذهبي و هم عشرات من الأعلام.

(2). سير أعلام النبلاء، ج 8، ص 58.

(3). نفس المصدر، ص 94.

58

أقول: مالك بن أنس ليس بالرجل المجهول عند أهل السنّة، بل هو إمام من أئمّة مذاهبهم الأربعة المعروفة، و هو يرى حلّيّة المتعة، كما صرّح بذلك السرخسي، و الزرقاني، و الزيلعي، و الفرغاني، و القاضي جكن، و أكمل الدين الحنفي.

و عليه، فلا مسوّغ للقول بأنّ حلّيّة المتعة من متفرّدات الشيعة الإماميّة، كما زعم ذلك بعض من لا علم له.

أمّا عندنا: فقد روى ابن أبي عمير عن مالك: كنت أدخل على الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، فيقدّم لي مخدّة و يعرف لي قدرا، و يقول: «يا مالك إنّي أحبّك» فكنت أسرّ بذاك و أحمد اللّه عليه .... (1)

و روى التستري عنه، أنّه كان يرى الغناء، و يعمل بالمصالح المرسلة، و له آراء سيّئة في عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). (2)

2. أحمد بن حنبل (ت 241 ه‍. ق)

أ. قال ابن قدامة: قال أبو بكر فيها رواية أخرى: إنّها مكروهة غير حرام؛ لأنّ ابن منصور سأل أحمد عنها، فقال: يجتنبها أحبّ إليّ، قال: فظاهر هذا الكراهة دون التحريم. (3)

ب. و حكى الساجي في كتابه الاختلاف عن أحمد بن حنبل، أنّه سئل عن نكاح المتعة، فقال: لا يعجبني، و هذا يدلّ على أنّه لم يكن عازما على‌

____________

(1). تنقيح المقال، ج 2، ص 48؛ أمالي الصدوق، ص 143.

(2). قاموس الرجال، ج 8، ص 638.

(3). المغني، ج 6، ص 644.