منهل الغمام في شرح شرائع الإسلام - ج1

- الشيخ عباس بن حسن كاشف الغطاء المزيد...
293 /
1

الجزء الأول

بقلم‌

الإمام آية اللّٰه العظمى‌

الشيخ عباس بن الحسن‌

كاشف الغطاء‌

مكتبة كاشف الغطاء 2003 م‌

النجف الأشرف 1424 ه‍‌

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين‌

أحمد اللّه على السراء و الضراء، و أعوذ به من كلِّ بلاء و أسأله أن يطلق لساني بالصلاة على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الهداة.

يقول الأحقر الخاطئ العباس بن الحسن بن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء (رحمه اللّه)"، هذا هو المجلّد الثالث من (منهل الغمام في شرح شرائع الإسلام) أسأل اللّه تعالى أن يُنْتَفع به و يجعله من أحسن الأعمال، و ربما أشرنا فيه إلى حل بعض كلمات الأستاذ المرتضى الأنصاري (رحمه اللّه)" قولًا و فعلًا تغمّده اللّه برحمته و قد فعل، و حشرنا اللّه و إياه مما لا نشتهي لمحله عوضاً و لا بدلًا، قال (رحمه اللّه)

[تتمة كتاب البيع]

الفصل الثاني: في عقد البيع

الذي ينفرد به عن غيره و شروطه و أحكامه و لوازمه و آدابه،

و قبل الشروع في المقصود لا بد من ذكر ما يحتاج إليه في عقد البيع

لذي هو لغة مبادلة بمال، بمعنى تبدّل السلطنة في مالين بين متعاوضين و أن تعددا فيعم ذلك كل شي‌ء يقبل السلطنة عليه و يبذل في مقابلته مالًا فيرفع الباذل يد المبذول له عمّا لا يشاركه فيه أحد و يختص هو فيه كاختصاص صاحبه به و لما نظرت المتشرّعة من اصحابنا إلى ما وقع في الكتاب و السنة من الالفاظ التي تقضي بذلك مع القصد إليه جعلوها عقوداً و ميّزوا بين أفرادها بحسب ما يترتب عليها من الآثار و خصّوا نقل تلك السلطنة بصيغ مغررة و قصروا عليها التمليك و التملّك فلزم أن يذكر ما يمتاز به البيع عن غيره ليرتّبوا احكامه على موضوعه لحصول السلطنة به و بالإجارة و الصلح و الهبة و الرهن و غيرها، حتى في بعض ما له شبه بالعقود من الايقاعات كالوقف و شبهه دون الانتقالات القهرية من‌

4

الإرث و الجناية و الارتداد و غيرها التي لا تحتاج إلى قصد و لا إلى صيغة فلا جرم أن تميّز و تحدد:

و أولها: البيع بل هو اهمها لزيادة الحاجة إليه و توقف الحل عليه كثيراً، قال الأستاذ الشيخ الانصاري و غيره: ان الذي أستقر عليه اصطلاح الفقهاء اختصاص المعوّض في البيع بالعين و ان كانت في ضمن كلّي له أفراد فلا يعم ابدال المنافع بغيرها من عين او منفعة، و ما جاء من اطلاق لفظ البيع على نقل غير الاعيان في الأثر و كلمات القوم كنقل بعض الأعيان بلفظ الإجارة فهو من باب المسامحة في التعبير، و مرامهم بذلك التنبيه على مجرّد النقل مثل بيع سكني الدار و خدمة العبد المدبر و بيع الثمرة بلفظ البيع و الإجارة، لكن الملخّص للعينية المبيع و هو العوض لا العوضان فلا مانع من كون العوض منفعة كما لا مانع من كونه عيناً في الاجارة.

نعم، يشترط في العوضين تقدّم المالية على المعاوضة فمثل بيع خدمة العبد المدير مشكل إلا إذا فرض ماليته قبل البيع كي يكون عوضاً لا معوّضاً كما توهمه بعض طلبة العجم من عبارة الاستاذ، فأورد أن ذلك خلاف قوله من كون المعوّض عيناً، و مثل ذلك الحقوق ان جعلت عوضاً أو ثمناً لمبيع معيّن إلَّا ذلك بشرطين:

الشرط الأول: ان يقبل المعاوضة بالمال.

الشرط الثاني: أن يقبل الانتقال و لا يقوم بشخص بخصوصه، لأن المبيع تمليك بنقل.

فما لم يقبل منهما ذلك لا يكون عوضاً و لا معوّضاً، أما عدم جعله معوّضاً فلعدم كونه عيناً و أما عوضاً فلعدم المالية أو عدم الانتقال فلا يجوز بيع عين مشخّصة أو كلية بحق الرجعة بأن ينتقل ذلك الحق إلى البائع و مثله حق الشفعة و الخيار الذي لم يورث من افراده لأنَّ الحق سلطنة فعليه لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد بعد فرض عدم قبولها للانتقال فلا يملك الحق من له الحق على نفسه كي يجعله لغيره لعدم مقدوريته على تسليم الثمن الذي لا يقوّم إلَّا به و لا يتسلّط الانسان على ذاته و ليس ذلك كالدين الذي بذمته إذا بيع على من هو عليه بثمن حال لإمكان تملّكه لما في ذمته فيكون السقوط أثره و لا يحتاج إلى من يملك فإن كل انسان يملك ما عنده و لا تتوقف نسبة الملك إليه إلى من يملك عليه و لا يتّحد حينئذ المالك و المملوك عليه لوقوع النسبة بين المالك و المملوك لا بينهما مع المملوك عليه بخلاف الحق القائم به و لذا لو أمكن نزعه عنه و جعله للغير مثل حق الحجير و الخيار على القول به مطلقاً أو في البعض أو حق اسقاطه أو إسقاط مطلق الدعوى، فلا اشكال في جواز الصلح عليه و مقابلته بالمال.

و أما جعله ثمناً فأشكله الأستاذ بحصر الثمن بالمال لا المقبول و ذلك بالبيع و الإجارة، و مثلًا و هو متيّن لو لم يعم المال المنفعة و الفرق بينها و بين الحق لحق القابل للانتقال الذي يقابل الصلح بالمال ربما يمنع فالمال و أن أخذ في عوضي المعاملة إلَّا أنَّ شموله للمنفعة و عدم شموله للحق القابل للانتقال فيه تأمل.

و في شرح شيخ الطائفة الثاني جدنا كاشف الغطاء اختيار عدم كون الثمن حقاً، وضعه شيخنا (رحمه اللّه)" بإطلاق الأدلة و الفتاوي من كون الثمن مطلق المقابل الشامل للعين و المنفعة، و الشخصي و الكلي فالبيع بالنسبة إلى الثمن كالصلح الذي لا أشكال في وقوعه على الحقوق ثمّ قرّب صلحهُ كونها ثمناً و فرق بين ما يقبل الانتقال منها ما لا يقبل ذلك باقتضاء البيع نقلها في الأول و سقوطها في الثاني.

5

و منع من أن البيع من النواقل لا من المسقطات كالصلح بتخلّفه في بيع الدين فإنه لا ريب كما مرَّ باقتضائه الاسقاط و لو باعتبار لا يملك على نفسه ما لا يملكه على غيره الذي بعينه يقرر في نحو حق الخيار و الشفعة، و هو مردود بما سبق من الفرق بين الدين و الخيار بعد عدم ذكرهم أن البيع من المسقطات له و لا يمكن ان يكون بالبيع صاحب الخيار فالأوجه ما ذكره الجد (رحمه اللّه)" من المنع فيما لا يمكن نقله‌

و يتم البحث عن البيع في مقامات:

البحث الأول: عن البيع

أولها: العقد الشامل لأقسامه من نقد و نسيئة و صرف و ثمار و حيوان و مساومة و مرابحة و تولية و وضيعة قد اختلفت عبائرهم في مفهومه فالمصنف و جماعة أنه هو اللفظ الدال على نقل الملك من مالك إلى آخر بعوض معلوم و ظاهرة أن البيع هو العقد كالكافي و الوسيلة و المختلف و نوقش بأن العقد لفظ في مقولة الكيف و المبيع من مقولة المعنى فلا يصح حمله عليه و لا يمكن ان يراد به اللفظ المجرّد أو المقصود به المعنى لعدم معقولية أن شاء اللفظ به لتباين المقولات العشر و عدم صلاحية حملها على الآخر و لأجل ذلك قال بعضهم بأن تعريف عقد البيع بما دلَّ على النقل قد يفيد أنَّ البيع هو النقل بجعل الإضافة بيانية و إلَّا اشارة إلى العقد الذي هو البيع، و المراد بالضمير نفس البيع، و فيه مع كونه خلاف الظاهر و ان النقل ليس مرادفاً للبيع لعدم وقوع إيجابه بلفظه كما في كلامه (رحمه اللّه)"، و خروج المعاطاة عنه.

ان النقل بصيغة كيف، يتصور انشاؤه بلفظ لعدم معقولية انشاء لفظ بلفظ و كيف يكون مدلول (بعت) نقلت بالصيغة، و تخلّص بعضهم عن ذلك بأن البيع هو نفس النقل لا هو و الصيغة، إلَّا أنَّ انشاء النقل لما كان له اقرار ذكر اللفظ للإشارة، لا أنَّ المراد هو هذا الفرد من النقل لا مطلقاً فليس اللفظ داخلًا في مفهومه فلا يكون مدلول (بعت) نقلت باللفظ.

و ردهُ الأستاذ (رحمه اللّه)" بأن اللفظ إذ اريد به خصوص (بعت) لزم المحال لأنَّ المقصود معرفة مادتها فلا تفسر بنفسها و ان اريد ما يشمل غيرها من الألفاظ لزم عدم انعقاد البيع بها و الاقتصار على غيرها من ملكت او نقلت أو اشتريت او غيرها.

نعم، يمكن ان يريد المصنّف و غيره ممن حدد البيع بالعقد أن البيع هو الأثر الحاصل منه الذي علته و سببه العقد لا أنه النقل الحاصل من فعل الموجب و ان تبادر منه بالمعنى المصدري النقل الجاري في تصاريفه ك‍ (بعت، و بائع و بيع)، إلَّا أنَّ الأظهر هنا أنَّ النقل بمعنى اسم المصدر هو نفس الأثر الذي تترتب عليه الأحكام شرعاً الحاصل من مجموع الايجاب و القبول و هو معنى قولهم لزم البيع و وجب و لا بيع بينهما، و حينئذ ليس البيع نفس العقد و لا الإضافة بيانية و لا هو النقل الحاصل من فعل الموجب لحصوله على كل حال من دون توقف على شي‌ء آخر إذا تعقّب القبول لا دخل له في معنى الايجاب، بل هو معنى قائم بنفس الموجب وقع في الخارج أو لم يقع كالإيجاب و الوجوب فإن الأول يحصل بمجرد الأمر عند الموجب و أن لم يجب في الخارج و ليس هو كالكسر الذي يلزمه الانكسار و لو لا أن المراد به الأثر الذي سببه العقد، لما صحَّ أن يقال انعقد البيع أو لم ينعقد يعني حصل أثره في الخارج لأصدرت صيغته و مع ذلك لا يطرد، حدَّ المصنف (رحمه اللّه)" لدخول عقد الإجارة و الهبة المشروطة بعوض معيّن و الصلح المشتمل على ذلك و القرض، و لا ينعكس لخروج بيع الدين على من هو عليه لأنَّ الشخص لا يملك على نفسه مالًا، و اعتذر عنه بكون المراد بالملك العين في التعريف و اللام اشارة إليه، فلا يشمل ملك المنفعة و بالعوضية التي لا بد منها في البيع لوقوعها‌

6

في حدّه تخرج الهبة المعوّضة و الصلح لأن العوض غير ملتزم فيه فيهما و أن تعلق بالعين إذ ذلك ليس على وجه المعاوضة بل لجهة التسالم في الصلح و لذا لا يتعدى بنفسه كالبيع فهو متضمّن للتمليك لا أنه نفسه فهو انما يفيد فأيده العارية لو تعلق بالانتفاع و يفيد الاسقاط لو تعلق بالحقوق أو الانتقال و قد يفيد مجرد التقرير في مثل قول الشريك لشريكه: صالحتك على ان يكون الربح لك و الخسران عليك، فليس الصلح إلا التسالم الشامل لهذه المعاني و إلَّا كان مشتركاً لفظياً بينها و لا يدعيه أحد فيفيد التسالم في كل مقام على ما يقتضيه متعلقه، فلو وقع على عين بعوض سالماً عليه أفاد كالبيع التمليك من جهة التسالم لا لأنه داخل في مفهومه إذ لو كان كذلك لكان طلبه من الخصم إقراراً بالتمليك و ليس كذلك و فرق بين قوله صالحني عن كذا بكذا و بين ملكني كذا بعدم الاعتراف بالملكية في الأول دون الأخير، و مثله الهبة فإن تملّك الموهوب للغير الموهبة لا يوجب تملك العوض و إن اشترط بل غايته أن للواهب الرجوع عند تخلف الشرط نحو الفسخ بالخيار و هذا دليل على عدم المعاوضة الحقيقية كالبيع فلا فرق بين التعويض المشترط فيها و بين غيره في كونه تمليكاً مستقلًا يقصد به العوضية، و كذا القرض إذ ليس المقصود به المعاوضة و ان ترتب عليه دفع العوض فليس هو إلَّا كالتلف الذي يجب دفع مثله أو قيمته مع انه ليس من البيع قطعاً و ان كان المدفوع عوض المتلوف و لذلك لا يجري فيه ربحا المعاوضة و لا الغرر المنفي فيها و لا ذكر العوض و لا العلم به بناء عليه ان الصلح و الهبة لا يقعان بلفظ التمليك لأن المقصود به المقابلة الحقيقية الخارجة عن مفهومها، فلا معنى لمقالة بعضهم ان الأصل تقديم البيع على الصلح و الهبة في تمليك الأعيان بالعوض إذ ذلك حيث يمكن ارادة الصلح في عقد التمليك فينزح إلى الأصل، و أما إذا لم يفد عقده إلَّا البيع فليس للأصل معنى إلا ان يراد به في مقام النزاع بأن يدعى بأن مرادك من التمليك بالعوض الصلح او الهبة لا البيع فحينئذ لو لم تقم قرينة كان الأصل حمل اللفظ على المعنى الحقيقي و هو البيع فيتم الاستدلال به، كذا افاد الاستاذ (رحمه اللّه)" و هو من التحقيق الأنيق، غير انه على هذا يخرج المبيع بالخيار عن حدّ البيع لأنه كالهبة المعوّض في امكان الرجوع فإن كان فاسخاً للملكية فهو ايضاً ناقض لها في الهبة.

و دعوى ان الهبة المشروطة لا تقتضي تملك العوض لإمكان الرجوع عند تخلف الشرط بعينه يجري في خيار الشرط و إلَّا لكان نماء العوض للموهوب قبل ادائه و هو غير مسلم و متى كان للواهب فهو دليل التملك قبل ان يدفعه و يقصد بالدفع الملكية فالقول بأن الهبة المشروطة لا توجب ملك العوض، لعله لا برهان عليه بعد عدم الفرق و سريان العلة في بعض المبيع و لم ينص احد بكون العوض المشترط كغيره تمليكاً مستقلًا و لا ورد به خبر ليكون دليلًا اجتهادياً.

و كذا القرض فإنه كالبيع نسبة في كون العوض مضموناً بالذمة و ثابتاً بعقد القرض و ان افترقا بلزوم التأجيل في الأول و إلَّا بطل بخلاف الثاني، لكن لا مانع من كون العوض مملوكاً و ان كان كلياً في الذمة يتعيّن بدفعه.

و أما عدم جريان ما ذكر في القرض فمع تسليمه مطلقاً او في بعض الآثار يكون حاله حال المبيع بالمثل او بالقيمة الذي لا يورث جهالة العقد و لا غرراً في المعاوضة فإنه لا اشكال في جواز يقبل هذا بمثله او مثليه في غير الربوي إذا لم يكن سفهاً حالا كان لغرض او مؤجلًا و هو عين عند القرض.

نعم، هو لا يحتاج إلى ذكر العوض و ليس ذلك مأخوذاً في تعريف البيع ليخرج به اللهم إلَّا ان يخرج بالمعلومية و على كل حال فهو أحسن التعاريف الكاشفة في الجملة عن المعرف إذ‌

7

لا يراد بمثلها الحدّ المنطقي، و حدّه بعض مشايخنا بتمليك عين بعوض، و الاستاذ (رحمه اللّه)" بإنشاء تمليك عين بمال و هي متقاربة في المآل.

و قيل انتقال عين من شخص لآخر بعوض مع التراضي. و قيل هو نفس العقد المركب من الإيجاب و القبول أو الايجاب المتعقب بالقبول و فيهما مسامحة إذ الأول مع كونه ليس من معاني البيع و لم يذكره احد محتمل لأن يكون المحدود المبيع و المصدر من المبنى للمفعول فلو قيل اعجبني بيع زيد كذا لعمر يكون البائع زيداً إذا كان فعله غير مجهول و إلا كان هو المبيع.

و أما الثاني فبان تعقب القبول لا دخل له في معنى البيع أبداً و إن كان تحققه من شروط الانتقال في الخارج لا في نظر الناقل، كذا افاد الاستاذ (رحمه اللّه)" و لم يصل فهمي القاصر إلى ما اراد إذ ليس البيع إلَّا الانتقال في الخارج و نظر الناقل لا دخل له و لا يتحقق إلَّا بالانتقال الخارجي و إلَّا لصدق بمجرد الايجاب و لا يتصوّر ذلك.

نعم، الإيجاب المثمر ذلك فلو أخبر بالبيع انصرف إلى ارادة الإيجاب المقيد المستفاد من الخارج و هو تعقب القبول لا انه جزء من معنى البيع، و لو كان الانتقال من آثار الايجاب فقط لما انفك عنه إذ الأثر لا ينفك عن التأثير و الحال يحصل الإيجاب قطعاً بدونه، هذا و ظاهر الأكثر المحدود و هو البيع الشامل للفاسد منه لا خصوص الصحيح ذو الأثر في نظر الشارع و انه حقيقة فيهما و يظهر من الشهيدين في القواعد و المسالك انه مجاز في الفاسد كسائر العقود و فرّع الثاني عليه قبول الاقرار به و الزامه به فلو ادّعى ارادة الفاسد لم يقبل منه و لو كان مشتركاً قبل منه لو فسّره بالفاسد و أشكله غير واحد منّا بأن وضعها للصحيح و هو خصوص ما امضاه الشارع و حكم يترتب الأثر المقصود فيها عليها ينافي ما صرّحت به الأساطين حتى الشهيدين من التمسك بعموم ما دلَّ على مشروعية المعاملة عند الشك فيهما او في اعتبار امر لا دليل على اعتباره فيها حتى انَّ الفاضل حكي الاجماع على التمسك بعموم (أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ) و غيره.

و وجهه الأستاذ (رحمه اللّه)" تبعاً لهداية المسترشدين بعد كون تبادر الصحيح لا يورث الحقيقة لأن منشأه الانصراف بواسطة الارتكاز في الأذهان من حمل الفعل الصادر من الفاعل على الصحيحة حتى قيل بالحنث لو نذر أو اقسم ان يبيع خمراً او لا يبيعه يحنث بالبيع و عدمه.

أنَّ البيع و شبهه في العرف إذا استعمل في الحاصل من المصدر الذي يراد من قول بعت عند الانشاء لا يستعمل حقيقة إلا فيما كان صحيحاً و مؤثراً، و لو نظر القابل و لا فرق في ذلك بين الشرع و العرف في أصل المفهوم بل غايته الفرق في المصداق فتختلف المصاديق فمثل بيع الهازل ليس ببيع عندهما بل هو صورة بيع و مثل بيع الخمر و المنابذة و المحاقلة بعد في العرف بيعاً دون الشرع فالعرف و الشرع متفقان انَّ الحاصل من بعت حقيقته في الصحيح المفيد للأثر و مجاز في غيره غايته ان العرف ربما يحكمون بصدق ذلك المعنى و المفهوم و ليس ذلك مصداقاً له في الواقع فيكشف الشرع عنه فإذا ورد ما تحكم العرف بصحته و ترتب الأثر عليه طابقه الشرع لوجوب حمل الخطابات الشرعية على ما تفهمه العرف فيستدل بعموم الحل و الوفاء بالعقد على كونه مؤثراً ايضاً في نظر الشارع فالمعنى العرفي هو الصحيح لا انها اسام للصحيح الشرعي الذي لازمه الإجمال و هو موقوف على البيان من الشارع فلا يشخص بالعمومات بل يتوقف على ما يعلم بصحته.

كذا افاد الأستاذ (رحمه اللّه)" إلّا انَّ هذا التخريج بمعزل عن كلام الشهيد (رحمه اللّه)" عليه لأنه يريد بالفاسد هو الشرعي و إن لم يكن كذلك عرفاً و عموم الحل لا يثبت الصحة الشرعية بعد كون الفاسد شرعاً لم يسلب الاسم عنه عرفاً على انَّ الرجوع إلى العرف.

8

أما لتشخيص المفهوم من اللفظ إذا عراه نحو من الإجمال، و أما لتشخيص المصداق بعد معرفة المفهوم بكنهه لعروض مانع كما لو اشتبه الرجل بالمرأة لعروض ظلمه و نحوها، فإن كان الأول فلا بد من الرجوع إلى العرف لتشخيص المفهوم و بعد تشخيصه لا يرجع لهم في مصاديقه بل تمييز المصاديق بعد معرفة المفهوم لا تتوقف على شي‌ء.

و لو قيل بأن الشارع يكشف عن خطأ العرف، قلنا: نعم، لكن حيث يتبدل حكمهم بعد الكشف لا مطلق، و حينئذ فالفاقد من البيع لبعض الشرائط الشرعية هو بيع في نظر العرف و ان فسد شرعاً فيكون ذلك خروجاً حكمياً عن حقيقته فلا جرم من اختلاف نظر الشارع و العرف في تشخيص المصداق، فلا ينفع الاطلاق في احراز المساواة و لا دليل ينهض بذلك فلا بد من تحصيل ميزان شرعي يعرف به ارادته مما لا يدخل للعرف فيه بعد اختلافه معه في المصاديق.

و خلاصة المقال انه بعد الاعضاء عن بعض المحاذير لا يتم الاستدلال بالعموم إلَّا بعد احراز الملازمة بين الشرع و العرف في المصداق بحيث لو جهله العرف و كشف الشرع عنه رجع حكم العرف إليه و لم يبق على حالته قبل كشف الشرع و أما إذا بقي كذلك لا بد بيان الشارع قبل الحكم لما امتاز به عن العرف فلا يجدي عموم الوفاء بالعقد و لا حلَّ البيع إذ لا يجعل ذلك الفرد المشتبه مصداقاً عرفياً فلازم ذلك الحكم بعدم وضعه للصحيح كي ينفع التمسك بالعام في مقام الاشتباه، بقي الكلام في دفع أشكال و هو انه على القول بالأعم لا وجه للتمسك بالإطلاق و عمومات البيع لانصراف العقد إلى الصحيح فالمأمور بالوفاء به هو الصحيح و حينئذ يتوقف عليه فلا بد ان يحرز قبل الأمر بالوفاء بالعقد فإذا كان استكشاف الصحة به توقفت عليه و هو خلاف و دفعه بأن الفاسد و ان خرج عن العموم واقعاً، و ان المشكوك به محتمل للفساد و الصحة و أنه لا وجه للتمسك بالعام عند الشك في دخول الفرد في عنوان المخصص أو العام لتعارض اصالتي العدم، لكنّا نقول ان الفاسد غير خارج عن العموم و لا هو عنواناً للأفراد الخارصة كي يلزم التعارض و إنما هو وصف اعتباري منتزع من الأفراد بعد ظهور خروجها، فكونها فاسدة متوقف على استثنائها من العموم و إلَّا فالعموم شامل لها حتى يعلم بالدليل خروجها، و لأجل ذلك حكموا بالعموم إذا امتنع ان يكون الوصف عنواناً للعام أو المخصص، كما في وصفي الصحة و الفساد و ترمي بعضهم بأن الوصف و ان امكن جعله عنواناً للمخصص إلَّا انه ان لم يستثنى في الخطاب أيضاً يلزم العمل بالعام و مثل له بأضف اهل الحارة مع العلم انه لا يريد اكرام عدوه فإنه بالعموم يستكشف أن ليس في الحارة عدوله إذا شك في بعض افراده إن لم يقيده.

و أما تقييد المطلوب بالفرد الصحيح فيحصل الشك في المكلف به و لا ينفع الاطلاق، فوهنه أنه ناشئ من عدم الفرق بين أن تكون الصفة داخلة في موضوع الحكم و بين ان تكون لازماً مساوياً للموضوع فعلى الأول يجب إحرازه و على الثاني يفرغ إلى مؤدي اللفظ و يؤخذ لموضوعه فيقارن وجوده وجود لازمه يحصل بالإطلاق تمام مطلوبه، و إلَّا كان عليه بيانه على وجه التقييد فإن الصحة المنتزعة من الماهية بعد حصول الطلب بها محال ان تكون مأموراً بها أو عنواناً للأمر لأنها من الأمور الاعتبارية المنتزعة من الفعل بواسطة المطابقة في الخارج لعنوان المأمور به و حيث أخذ‌

9

اللفظ المصنف و غيره في موضوع البيع و حينئذ لا يكفي التقابض من غير لفظ مطلقاً و أنه لم ينه عنه الشارع بخصوصه في صحة البيع.

مسئلة المعاطاة

و ان حصل من الامارات ما يدل على ارادة البيع بالأفعال و ظاهر كلمة الوصل التنبيه على عدم العبرة بقصد البيع من الفعل لا الإشارة إلى تعميم المعاطاة لما لم يقصد البيع بالتقايض فينسب له القول كما تخيل بأن المعاطاة المتنازع ما هي الأعم مما قصد فيه البيع أو الإباحة بهذه العبارة و كأن الأشهر ان لم يكن اجماعاً على ان اللزوم متوقف على ذلك سواء كان الحقير أو الخطير و نسب للمفيد تبعاً لغيرنا بالاكتفاء بالأفعال مطلقاً أو مقيداً و هو كما ترى مخالف لعامة اصحابنا مع ان النسبة لم تتحقق.

و ما أحسن ما قال كاشف الغطاء جدنا (رحمه اللّه)" بشرحه: أنا نعلم يقيناً ان للصيغ الخاصة أثراً خاصاً و لو كان اللزوم غير موقوف عليها لم يكن لها أثر انتهى.

نعم، ظاهر اطلاق تعريفه عدم اعتبار اللفظ الخاص لفقد الدليل عليه فيكفي فيه مطلقه و إلى ذلك مال جماعة من المحققين، و قال بعضهم أنه لو لا ذلك لما حصل الملك بالإجازة بناء على النقل. نعم، ينبغي الاكتفاء بكل لفظ له ظهور عرفي معتد به في المعنى المقصود يميز ذلك العقد بإيقاعه باللفظ الدال عليه بخصوصه لاختلاف احكام العقود فألزم عليه أن يأتي بلفظه الصريح فيه أو بما لا يحتمل غيره من الألفاظ، و عليه فلا يقع بالكناية و بالمجاز و بالمشترك إلا ان تكون بمنزلة الصريح لأن المخاطب لا يدري بمَ خوطب و هل المدار على فهم المخاطب أو تبادر العقد المقصود له و لغيره من ذلك اللفظ بحيث ان السامع مطلقاً لا يحتمل سواه الأوفق الثاني فلا يتحقق في العقد المراد من سبق مقال أو اقتران حال يدل عليه ما لم يتبادر و يفهم منه العقد المقصود إنما الاشكال في الافعال المجردة من اللفظ في حالة الاختيار و في قيامها مقام الألفاظ في الايقاعات و العقود المجانية و المعاوضات اختلاف بين السلف الصالح، و الظاهر من فحاوي جبائر العلماء عدم كونه سبباً في الأول من طلاق أو ظهار او لعان أو ايلاء أو عتق او اقرار أو نذر أو عهد أو يمين ..، و كذا الايقاعات التي تشبه العقود من الوقف على الجهات و الوصية و الأذن الموجبة لإباحة التصرف بلا ضمان و الإجازة و بذل الزاد الموجب لوجب الحج و الأخذ بالشفعة و التدبير بناء على أنه وصية، و ذهب جماعة من الفقهاء إلى كناية الفعل في السبعة الأخيرة غير التدبير منها فوضع القنديل في المشهد و الحصير في المسجد كافٍ في وقفيته و دفع المالك العين المبيعة فضولًا يكفي في الإجازة و كذا الثمن و مثله قبض الشفيع للمشفوع و إعطاء العوض و أخذ المعوض و هكذا اسقاط الحقوق و سندهم في ذلك حصول الاتفاق عليه المخصص لعموم ما قضى بتوقف الحل و الحرمة على الكلام.

و أما الثاني و هو العقود المجانية كالوقف الخاص و الصدقة و العطية و السكنى و التحبيس و الهبة الغير المعوضة و الوديعة و العارية و الشركة و الاختيارية و الوكالة العارية عن الجعل و الوصية للجهات الخاصة و الوصاية و الكفالة و الضمان فالأصل فيها عدم ترتب الأثر بغير اللفظ الدال على تمييز ماهيتها إلَّا في الصدقة و العطية، فالظاهر كفاية النية و الفعل فيهما فضلًا عن الصيغة الخاصة.

و أما الهبة و الوديعة و العارية فيكفى الفعل فيها إلَّا إذا لم يتميز به أحدهما عن الآخر مع ترتب حكم عليه فيلزم فيه اللفظ المميز لا اللفظ الخاص لأنه أحد ما يتميز به الفعل، و أما‌

10

الوقف و السكنى و الوصية و الوصاية و الوكالة و الكفالة و الضمان فالظاهر فيها الاحتياج إلى مطلق اللفظ لا خصوص صيغها المعهودة.

و يظهر من سلفي الصالح مراعاة العرف في جميع ما ذكرنا فيترتب الأثر على ما يفهم منه العرف العقد الخاص مطلقاً و لا فرق بين الجميع و من فرق فنظره إلى عدم لحوق الاسم في الأفعال أو في بعض الأقوال عرفاً، و إلَّا فمتى ما لحق الاسم فليس لمطلق الكلام فضلًا عن الصيغة الخاصة خصوصية و أنكر ذلك بعض من والاهم غاية الانكار تمسكاً بأصالة عدم ترتب الأثر و ان السيرة لا تثبت حكماً شرعياً من الاباحة أو التمليك أو اسقاط الحق الثابت بوقوع لفظ أو فعل مردد و الأمر فيها سهل، انما المعركة العظمى في عقود المعاوضة بالنسبة إلى كفاية الفعل و الرضا فيها في غير النكاح لمنافاته لحكمة تشريعه و للاحتياط في الفروض حتى في التحليل دون الرجوع في العدة أو البذل أو كان عيناً فأخذه الباذل و هو مما لا اشكال فيه. و أما الباقي فمنهم من قصر تجويزه على البيع و منهم من الحق به غيره تجويزاً و منعاً و منهم من منعه في البيع و أجازه في غيره فالمهم تقديم المقال في البيع و نعقبه في التكلم بباقي العقود المعاوضية و الأقوال فيه على ما استفدناه من اساتيذنا ستة:

الأول: اللزوم مطلقاً و عزى للمقيد (رحمه اللّه)" و لغيره ممن حمل البيع على المعاطاة و لذلك قال الفاضل الأشهر عدمه.

الثاني: الملك المتزلزل و هو مشهور بين من تأخر غاية الشهرة بل حمل المحقق الثاني ما ظاهره الإباحة من كلمات الأصحاب على ذلك.

الثالث: الإباحة لجميع التصرفات في العين و المنفعة و هو الظاهر من كثير من اصحابنا.

الرابع: اختصاصه الإباحة مما لا يتوقف على الملك و استظهر ذلك من الشيخ و الشهيد (رحمه اللّه)".

الخامس: عدم اباحة التصرف مطلقاً حكى عن النهاية.

السادس: اللزوم في غير الأفعال من الألفاظ الدالة عليه لا الصيغ المخصوصة و هو المناسب لتعريف المصنف و لا يعد هذا من الأقوال في المعاطاة إذ محل النزاع هو الفعل المجرد، إلَّا أنَّ الاستاذ عدّه منها و مرجع النزاع التي تترتب عليه بعض الثمرة إلى أنَّ المعاطاة بيع أو اباحة أو عقد مستقل أستظهر الأول اكثر مشايخنا و أدرجوها في حد البيع لأنها مبادلة مال بمال و انشاء تمليك عين بعوض فتكون حينئذ بعض اقسام البيع الذي يختص ببعض الأحكام كالسلف و الحيوان و الثمار و الصرف، و تشارك اقسامه في غير ما يخصّها كغيرها من اقسامه فتفيد التمليك لكل واحد من العوضين ثمناً و مثمناً و تلزم بالقبض كباقي المبيعات و يجري فيها الخيارات مطلقاً و تسقط بمسقطها سواء ثبتت بالأصل أو بالعارض و حينئذ المتجه قول المفيد (رحمه اللّه)" و لا ينافيه الرجوع مع بقاء العين فإنه حكم يختص بهذا النوع من المبيع و هو ثابت الأصل كالقبض في الصرف و نحوه من الأحكام المختصة و اللزوم موقوف على سقوطه بالتصرف المانع من الردّ أو التلف و يثبت بالعيب الرد و الأرش أو احدهما مع بقاء العين أو تلفها بغير تفريط من احدهما كما ستعرفه من أحكام البيع فإن أراد المحقق (رحمه اللّه)" بالملك المتزلزل ذلك فهو جارٍ على القواعد بعد احراز كونها بيعاً و عدم اعتبار اللفظ في البيع مطلقاً أو خاصاً و ان اراد غير ذلك فهو ممنوع عليه إلَّا انَّ ذلك يتوقف على اصول منها بقاء البيع على معناه اللغوي شرعاً و عدم اعتبار الصيغة الخاصة او مطلق اللفظ فيه شرطاً او شطراً و هو محل الكلام قد يظهر من جماعة تصريحاً أو تلويحاً الأول فإن اكثر‌

11

من تأخر نفي الحقيقة الشرعية فيه و حكم شموله عرفاً للمعاملة القائمة بالبائع و المشتري معاً و هو المعنى الحاصل بالعقد الجامع لمعنى البيع و الشراء، بل هو المناسب لآيات البيع و أقسامه و أحكامه و لوصفه بالصحة و الفساد و اللزوم و الجواز و هو الموافق لبعض تعاريفه و لا يخل القول به من وجه، و لذلك قال جدنا (رحمه اللّه) ان البيع لغة و عرفاً عاماً او خاصاً عند الشارع او المتشرعة كسائر ألفاظ المعاملات انتهى.

مضافاً إلى محكي الإجماع ان المعاطاة بين و الحاصل إن اطلاق البيع حلها متعارف لا يكاد ينكر و عسى ان يستظهر ذلك من بعض النصوص ففي بيع المشتري قبل اداء الثمن قال(ع): (

لا بأس بذلك الشراء أ ليس قد ضمن لك الثمن؟ قلت: نعم، قال: فالربح له فإنه قاضٍ بجواز البيع بمجرد و ضمان الثمن حتى مع عدم إجراء الصيغة و جوازه من المشتري و لا بيع إلا في ملك

)، و في صحيحة جميل فيمن اشترى طعاماً و ارتفع أو نقص و قد اكتال بعضه فأبى صاحب الطعام ان يسلّم له ما بقي و قال: ان مالك ما قبضت، فقال(ع): (

ان كان يوم اشتراه ساعره على انه له قلة ما بقي

)، و في صحيحة العلي اني أمر بالرجل فيعرض عليَّ الطعام حتى قال: فأقول له: اعزل منه خمسين كرّاً أو أقل أو أزيد فيزيد و ينقص و أكثر ذلك ما يزيد لمن هو، فقال(ع): (

هو لك و ظهورها في عدم جريان الصيغة لا ينكر

) لا اقل انه(ع) لم يستفصل و للخبر إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب و لعدم الاستفصال و مفهوم الغاية و عموم الصحيحين في اخبار خيار الشرط و العيب و البيعان بالخيار و إذا افترقا فلا خيار بعد الرضا أو وجب البيع و غيرها مما عبر بلفظ البيع و الشراء فيه مع عدم انصرافه إلى فرد بعينه و شمول مطلقه للمعاطاة لكن مع ذلك ذهب غير واحد إلى اعتبار الصيغة الخاصة و اللفظ مطلق الصريح للإجماع المنقول و لأصالة عدم النقل إلَّا بما تيقن النقل فيه و ليس إلَّا الصيغة و للمعتبرة، ففي الصحيح (

الرجل يجيئني و يقول اشتر هذا الثوب و أربحك كذا و كذا فقال: أ ليس ان شاء اخذ و ان شاء ترك؟ قلت: بلى، قال: لا بأس إنما يحلل الكلام و يحرم الكلام

) و خبر الاطنان و فيه قال البائع يعقك من هذا القصب عشرة آلاف طن و قال المشتري: قد قبلت و اشتريت، و هو ان كان مخالفاً للقاعدة في الحكم به للمشتري بعد ان احترق كله بآفة سماوية لكن يقضي بلزوم البيع بالصيغة، و خدش الجميع غير واحد بعدم نهوضها لإثبات ذلك لمعارضة الإجماع بمثله كما في (جمص) و لحكومة الدليل على الأصل كما عرفت و لعدم صراحة المعتبرة بالمراد فإنها لا تقضي بحصر الناقل بل مفادها لزوم النقل إذا كان بالصيغة و لم يثبت من الصحيح اعطاء قاعدة كليّة ان الحل و الحرمة تدور مدار الكلام مع انه بمناسبة صدره ان ذلك لا بأس به لجهة اذنه بالشراء فإن المحرم لمثله عدم الأذن فقوله اشتر اذن في الشراء له، و أما الصراحة فهي اعم من الصيغة خصوصاً لمن لا يتدبرها من اهل البوادي فتمنع الصراحة ان اريد بالصريح يجب الوضع الحقيقي و ان اريد ما يفيد المطلوب فهو المطلوب‌

و منها ان التزلزل بعد ثبوت كونها بيعاً و عدم ذهاب أحد اليه على ما قيل قبل المحقق سوى الحلي في ظاهر كلامه يقتضي اثباته بما يوافق الضوابط الشرعية و إلَّا يدور الأمر بين قول المفيد أو الإباحة المجردة فيتبع الدليل على احدهما فيؤخذ به.

و الذي يظهر من الأستاذ (رحمه اللّه)" الميل بالجزم بأمرين احدهما كونها بيعاً و الآخر لزومه ابتداءً لأنه الأوفق بالقواعد و استدل لمن على الأول منهما بعد السيرة بعموم أحل اللّه البيع الظاهر في حلية مطلق آثاره و صحته حيث يصدق عرفاً اسمه و إن لم يكن صحيحاً في الواقع، لكن على تأمل لأحتمال ارادة الصحيح عنده لا مطلقاً.

12

لكن قوله (رحمه اللّه)" و دعوى ان البيع الفاسد ضدهم ليس بيعاً قد عرفت الحال فيها مما ينفي التأمل المزبور لتصريحه فيما سبق بالاستدلال بالعمومات على ما شك في صحته و فساده فتدل الآية على الحكمين الوضعي و التكليفي إلَّا على التأويل المتقدم.

و استدل ايضاً بآية [إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ] لدخول المعاطاة في المستثنى عرفاً و شرعاً و حلية المستثنى منه مطلقاً و نفى (رحمه اللّه)" الاستدلال بعموم التسلط على سببية المعاطاة للتمليك لو شك في هذا السبب مما امضاه الشارع أم خصّه بغيره و إن كان للمالك السلطنة على التمليك مطلقاً إلَّا أن الشارع امضى بعضها فله التسلط في الأنواع لا في الأفراد، لكنه (رحمه اللّه)" قال فيما سيأتي ان مقتضى السلطنة ان لا يخرج عن ملكيته بغير اختياره .. الخ. مع ان الخروج عن الملكية موقوف على دلالة الخبر عليها شرعاً بالمعاطاة و المفروض تردده فيه في الأفراد التي من جملتها ان الملكية الحاصلة من التسلط هل هي مطلقة ام مخصوص بعدم رجوع المالك الأول و الحاصل ان الخبر أن قضى بصحة التمليك في هذه الصورة قضى باللزوم أيضاً و إلا فلا وجه لتردده في احدهما دون الآخر إذ الثاني فرعه.

و احتج (رحمه اللّه)" على الثاني و هو اللزوم الابتدائي بعد تحكيم أدلة البيع و الهبة و الاعتضاد بالسيرة في كونها بيعاً بأصالة اللزوم التي يلزمها نفي الملك المتزلزل إذ زوالها بالرجوع بعد تحققها لا داعي له و لا ينفع فيه قول بعضهم ان الثابت الملكية المطلقة لا مطلق الملكية التي ينافيها التزلزل فالرجوع نفي احد فردي المشترك و هو المتزلزل.

و الثاني و هو المستقر مشكوك الحدوث من اول الأمر غير مجوّز فلا يجدي استصحاب بقائه إلى ما بعد الرجوع، و دفعه ان التزلزل في الملك لا ينزع السبب القاضي به و لا المسبب المملوك كي لا يجري الاستصحاب في بقاء احد القسمين مع ارتفاع الآخر، و كي يفزع إلى اصالة عدم حدوثه بل هو من عوارض السبب المملك بوجود خيار او شرط أو عيب ناقض لذلك السبب شرعاً، فلا بد من معلومية عروضه لتحصيل التزلزل و لا يكفي فيه احتماله فإنكار كون السبب ناقلًا أولى من انكار ان الملك الحاصل منه غير مستقر و مرجعه إلى ملازمة النقل للملك بعد التفرق أو الثلاث مطلقاً عند احراز سببه مضافاً إلى ان اللزوم و الجواز لا يمكن اعتبارهما في الملك لأنه أما بجعل المالك فلا بد من بيانه قبل نقله فيعود إلى الشرطية في السبب لا في المسبب و لا عبرة بقصده من دون بيان إذ لا تأثير لقصد المالك في الرجوع و عدمه، و أما بجعل الشارع فلازمه امضاء العقد على خلاف المقصود من انشاء المالك و هو خلاف ما هو معلوم من تبعية العقود للقصود ما لم يدل دليل على التخلف.

و الحاصل ان الملك متى حصل حكم بلزومه فلا فرق بين وقوع الشك في عقد لازم انه هل عرض له الجواز لتخلّف ما يحتمل اخذه شرطاً فيه او صدور ما يحتمل مانعيته للزومه أو في عقد يقع على وجه الجواز تارة و اللزوم اخرى مثل الصلح و الهبة الخاليين عن العوض و من دون ما لو تردد العقد بين الجائز و اللازم كالبيع و الهبة الغير معوّضة لتزاحم الأصلين و لا ثالث يرجع إليه.

لكن قال الأستاذ: و كذا لو شك في الواقع في أن الخارج هو العقد اللازم أو الجائز كالصلح من دون عوض و الهبة. نعم، لو تداعيا احتمل التحالف في الجملة انتهى.

و ظاهره الرجوع إلى اصالة لزوم الملك مطلقاً حتى فيما فرضناه بناء على أن أصالة اللزوم كأصالة الطهارة في كونه المرجع عند التعارض و هو في غاية الاشكال حيث ينفي بالأصل كل منهما، بل كذا في ذي القسمين كالهبة و الصلح للشك في انقطاع سلطنة الموهب‌

13

و المصالح الموجب لإمكان رجوعه في ملكه الذي لا يعارضه الشك في خروجه عن ملك الموهب و المصالح بالفتح لأنه متفرّع على وجود العوض المنفي بالأصل.

نعم، هو كذلك في الشك في العقد المملك الذي عرضه ما يحتمل معه تزلزله لحصول ما يمكن كونه شرطاً أو مانعاً، و ركّز أيضاً (رحمه اللّه)" إلى عموم السلطنة و التسلط بأن رجوعه فيه بدون رضاه مناف للسلطنة، و هو حسن لو لا منافاته إلى ما ذكر سابقاً من ان عمومه بالنسبة إلى انواع السلطنة لا الأفراد كما سبق و حينئذ لا يندفع احتمال خروجه عن ملكه بالرجوع لأنه من الأفراد التي لم يحرز امضاء الشارع لها حتى مع الرجوع. نعم، لو عمَّ الخبر الأفراد و الأنواع كان للتمسك به وجه و لعل المصنف في القرض يرى ذلك و لكنه قد يوهن التمسك بعمومه سواء كان لخصوص الأنواع أو ما يعمها و الأفراد لكثرة الخارج منه كما للصغير و السفيه و المجنون و المريض في غير ثالثه و الاستيلاء للأمة و التدبير و الردة مطلقاً و لخصوص المرأة و الموهوب مع الحامل عن الرجوع فيه و أكل المارة خصوصاً لو قبل بالجواز مع نهي المالك و الأكل في المخمصة و الأخذ بالشفعة و الخيار و غيرها فهو مسوق لبيان أصل التسلط في الجملة. نعم، هو لا يخل من اشعار و دلالة لكن على الصحة و اللزوم معاً لا احدهما دون الآخر لعدم امكان التفكيك، و لعله التوهم المندفع في العبارة.

قال الأستاذ (رحمه اللّه) و من يظهر الخ. أراد (رحمه اللّه)" ان خبر الحل و آية التجارة عن تراض مما يقضي باللزوم أيضاً فإن طيب النفس و التراضي لو لم يكونا سبباً أو جزء سبب في حل مال الغير لم يكن لذكرهما معنى في الآية و الخبر و كونه في الرجوع يكون من مال الراجع مدفوع بما سبق لعمومهما للتملك مطلقاً، فحينئذ لا يحل التصرف فيه و لا تملكه إلَّا بالرضا و طيب النفس و إلا لنا في الحصر فيهما فإن حلَّ المملوك و أكله لغير المالك تصرف بالباطل و ليس الرجوع من النواقل و لا من التجارة عن تراضٍ فالمستثنى و المستثنى منه يدلان عليه و اعتذر عن حل بعض الاحوال و اكلها من دون رضا المالك الصوري مثل المارة و الأخذ بالشفعة و الفسخ بالخيار بأن ذلك بأذن المالك الحقيقي الذي يلغي معه ملكية الصوري و هو جيد لو لا ان غاية ما افاد (رحمه اللّه)" منع الرجوع إلَّا برضاء المالك و طيب نفسه بعد تملكه فهو يقضي بدوامه و مقتضى ذلك انه يجوز الرجوع مع احراز رضاء المالك و معه يبطل ملكه فينتقل الملك بالرجوع حينئذ و المفروض ابطال تزلزل هذا الملك مطلقاً و ان رضي المالك بالرجوع لعدم كونه من النواقل مطلقاً، فالدليل اخص من المدعي إذ لو انتقل المال بالرجوع مع الرضا و قلنا به لا قابل بالفصل و خروج او عدمها لفقد ما يقضي بذلك فالخبر و الآية قاصران عن افادة اللزوم بعد التملك مطلقاً إذ يكفي الخصم الاعتراف بأن الرضا بالرجوع يزلزل العقد، و استدلَّ ايضاً كغيره على اللزوم في خصوص البيع برواية البيعان بالخيار فإنه يفيد اللزوم عند الافتراق و المعاطاة بيع عرفاً و شرعاً بضميمة الأصل و فحاوي اكثر الأصحاب و السيرة و اطلاق صحة بيع ما ابتيع مطلقاً على ان من نفى كونها بيعاً نفاه شرعاً لا عرفاً، و بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و المؤمنون عند شروطهم بتفسير العقد بالعهد كما في صحيحة سنان و الشرط بمطلق الإلزام حتى في الأفعال، و لكن الركون إلى الآية متوقف على الاستغراق الأفرادي لكل عقد لو صح الاستدلال بها على مستحدث عقد لم يتداول و لم يدل على خصوص دليل بما صدق الاسم عليه إذا شك في صحته و لزومه لفقد ما يحتمل كونه شرطاً أو وجود ما يمكن ان يكون مانعاً و من استدلال الفقهاء بالآية في الموارد انماء إلى ذلك إلا انَّ جماعة من المتأخرين صرفوا العقد إلى المتعارف زمن الشارع الممضي عنده و جعلوا التعارف في متأخر الزمن كاشفاً عن تعارفه في السابق بأصالة التشبيه و عدم التغيير و مثلوا له بالبيع و الصلح و الإجارة‌

14

قالوا انَّ الجمع المحلي و ان افاد العموم بالوضع إلَّا ان ذلك في الحالي عن العهد أو عن مجاز آخر و سبيله هنا سبيل جميع الأمير الصاغة، فالخطاب منصرف إلى ما ثبت تداوله لا مطلقاً و هو الذي يلزم الوفاء به و يلغى احتمال الشرطية أو المانعية فيه بالأصل و عموم الآية دون ما إذا كان الشك في صحته، و لزومه مسبباً عن الشك في تعارفه و عدمه فلا يحكم به لخروجه عن العموم و بذلك طفحت كلمات الكثير ممن تأخر و صريحهم ان الحمل على العموم ممنوع مع وجود القرينة الصارفة أو ما يصلح ان يكون قرينة لأنهما يرفعان الظهور المعتبر في الحمل على الحقيقة و إلَّا آية في المائدة آخر السور المنزلة التي قبلها قد علم من الشارع احكام و عهود معلومة فينصرف الخطاب إليها إلَّا ان المشهور العموم و لزوم الوفاء بما صدق عليه الاسم أخذاً بعموم الآية فيستدل بها في المقام للحكم بأن الجمع المحلي يفيد العموم، سواء قلنا بوضع اللام له أو هي و الجمع بوضع نوعي واحد فيستفاد من الهيئة التركيبية العموم أو هي للإشارة إلى ما يتعين من مدلول مدخولها، فإن كان هناك عهد أو وصف أو غيره مما يعين بعض الأفراد كانت الإشارة إليها و إلا تعين الحمل على العموم الشامل لكل فرد للزوم الترجيح بلا مرجح و كون التداول مرجحاً للحمل على بعض الأفراد يبطل الاستدلال بها مطلقاً لأن وجوب الوفاء بتلك العقود ستغني عن الركون إلى الآية لمعلوميته فلا يبقى لنا شك في نوع و لا فرد من نوع كي يتمسك بها عليه، فلا جرم من الجزم بعمومها و ان كان في الافراد اخفى و لا يضر بالعموم خروج كثير من العهود التي لا يجب الالتزام بها عن عمومها لعدم معلومية خروج الأكثر المضر بالاستدلال بعموم العام بعد كون العموم افرادياً و لو فرض فاستهجانه حيث لا يبقى في العام ما يعتد به و المفروض خلافه في الانواع و الافراد.

سلمنا خروج الأكثر لكن لا يبعد ارتكابه لأولويته من الحمل على المعهود الذي يسقط معه التمسك بالآية رأساً في الأنواع و الأفراد المشكوكة على ان التداول و التعارف لا يصلح قرينة للتخصيص و رفع اليد عن الحقيقة، و إلا لجرى ذلك في جميع عمومات الكتاب و السنة. نعم، يتم ذلك في المطلق مع غلبة الاطلاق لا غلبة الوجود لأن عمومه من دليل الحكمة بل لم يزعم احد ان التعارف و التداول من المخصصات أو من القرائن الصارفة للمعنى الحقيقي، و مع معلومية حكم العقود المتعارفة فلا تفصح الآية عن حكم جديد و يكون وجودها مؤكداً و لا يلتزمون و القياس على جمع الأمير الصاغة قياس مع الفارق و لظهوره في عدم ارادة الجميع قطعاً من فحوى الخطاب تم الانصراف مع الاعتراف بوضع الجمع المعرف للعموم، لا يلتئم إذ الانصراف من خواص الاطلاق لا من مخصصات العام و الأخذ بالمتيقن لا يتأتى بالأصول اللفظية و لا يوجب رفع اليد عن الحقيقة و مع ذلك كله نوقش في العموم هنا بإمكان كونه مجموعي أو افرادي مع انسلاخ معنى الجمعية و مثلوا له بفلان يركب الخيل و للرجال عندي درهم و متى كان كذلك فلا جرم من الترديد بين قسمي الجمع المحلي و احتياج الحكم بأحدهما إلى قرينة ضعيفة كالمشترك اللفظي فيسقط الاستدلال بالآية و يكون مفادها إنَّ العقود من حيث المجموع يجب الوفاء بها و حينئذ فدخول الفرد المشكوك فيما يجب الوفاء به ليس بأولى من دخوله فيما لا يجب فلا يفيد عمومها في الفرد المشكوك و دفعة بعد كون الظاهر ان اللّام أو الهيئة التركيبية موضوع للاستغراق إلا إذا قامت قرينة حال على ارادة المجموع من حيث المجموع ان اللام في الجمع للإشارة إلى مدلول مدخولها المراد للمتكلم على نحو ما قرر، و لا ريب ان عموم الجمع في الغالب افرادي لا مجموعي و ان الحكم تعلّق بمدلوله لا نفس مدلوله و لذا صحَّ وصف المفرد المحلي بالجمع في مثل اهلكَ الناس الدرهم الأبيض و الدينار الأصفر، فحيث لا شاهد على تعيين احد الجماعات من عهد أو غيره كان في أخذ الحقيقة باعتبار أحد‌

15

الجماعات لا جميع الأفراد مما ينافي سياق الكلام فإنه مع فقد الشاهد المعيّن لا بد ان يعتبر فيهما جميع الأفراد على حدّ ما قرر في المفرد المحلي في عموم [أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ] إذ المبهم لا وجود له فيمتنع قيام صفة الوجود به و ان كانت اعتبارية، و حمله على جماعة مخصوص ترجيح من دون مرجّح و على معيّن في الواقع موجب الإجمال المنافي لمقتضى الحال لسوقه في مقام البيان، و على جماعة لا بعينها على البدلية مخالف لإطلاق الكلام على ما هو المفروض لأن مرجعه في الآية إلى وجوب الوفاء بكل جماعة من العقود بشرط عدم حصول الجماعة الأخرى و ليس في اللفظ ما يدل عليه فلا بد من التعميم و الحمل على الجميع لتعينه عند المخاطب بخلاف ما دونه من المراتب مع عدم القرينة على ارادة المتكلم بعضها لتردده بين الجماعات كما لا يخفى و حينئذ كيف يثبت التزلزل إلَّا ان يكون القول بالملك اللازم خرق للإجماع المركّب لانحصاره في قولين الملك الجائز و العدم رأساً.

و منها أنه بعد فرض اشتهار القولين يلزم بيان أيهما الأرجح ليؤخذ به إذ قد ذهب إلى عدم الملك و إباحة جميع التصرفات غير واحد من المعتبرين ممن تقدم أو تأخر، و ركنوا فيه إلى اصالة عدم النقل و الانتقال و إلى الإجماع المحكي و إلى النصوص العارضية باعتبار اللفظ الخاص أو مطلق و إلى خصوص إنما يحرّم الكلام و يحلل الكلام فإن ظاهره بقرينة السباق و معلومية تحقق الحل بدون الكلام، إنَّ المراد التحليل لثبوت الملك و التحريم لانتفائه انما يكون بواسطة الكلام وجوداً أو عدماً و إلى انَّ المستفاد من عمل الناس و السيرة المثبتة لها عدم الالتزام بأحكام البيع و شرائطه منها كاللزوم الذي لا يفارق البيع فيها إلَّا بأسباب الخيارات التي ليس منها انتفاء الصيغة لعدم الدليل إلَّا جواز الرجوع الذي هو أعم من الإباحة و الملك المتزلزل، و إلى التسامح في معلومية العوضين بها و عدم اعتبار البلوغ في تعاطيها متى عرف و كونه كالآلة الذي لا يكفي ذلك في البيع كاستمرارها على الاكتفاء بالمكاتبة و الإرسال من البلاد النائية و غير ذلك مما يوجب الجزم بخروجها عن البيع اسماً و حكماً و ما ادعى من اطلاق البيع عليها فهو مسامحة و لولاه لكان من البيع الفاسد مع انهم اتفقوا على المنع من التصرف في المقبوض بالعقود الفاسدة و جوزوا التصرف هنا لحصول الأذن المفيد للإباحة لا اقل من انها بيع لغة لا شرعاً بمعنى النقل كذا قرروا، و مما سبق تعلم سقوط ذلك كلّه فإن الأصل منقطع و الإجماع معارض و النصوص لا يظهر منها الانحصار و عدم التسمية ثمّ بعد بقاء البيع على المعنى العرفي و اللغوي و السيرة لا تفيد لحصولها في غير المقام على ما ينافي الشرعيات و أصالة اللزوم لا ينافيها جواز الرجوع.

نعم، ربما يمنع من كونها بيعاً اعتبار اللفظ في البيع مطلقاً أو الصيغة الخاصة القاضي به، ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ (رحمه اللّه)" عن بن بختج و عن الحجاج قال: (

قلت لأبي عبد اللّه(ع) الرجل يجيئني و يقول اشتر لي هذا الثوب و أربحك كذا و كذا؟ فقال(ع): أ ليس ان شاء أخذ و أن شاء ترك؟ قلت: بلى، قال: لا بأس

)، إنما يحرم الكلام و يحلل الكلام لظهور صدرها من حيث التعليق على مشيته عدم كفاية اشترِ في اللزوم بل هو متوقف على شي‌ء آخر من الكلام و ليس هو إلَّا لإيجاب البيع من المشتري الذي هو مفاد إنما و إلَّا لما كان للحصر وجه و لا لخياره في الأخذ و عدمه ربط و احتمال إن الكلام المحلل هو ما يقع بين المالك الأول و المشتري يحل الأخذ للثالث الآمر بالشراء من دون مواجهة فيكون المتوسط بمنزلة الوكيل و ان جداً لعدم ظهور الوكالة من الخبر و لمنافاته للتخيير المزبور للثالث، و لأن كفاية الكلام بين الثاني و الأول في أخذ الثالث من دون لفظ و صحة كونه بيعاً لا يظهر من الخبر ايضاً و أن‌

16

افاد توقف الحل و الحرمة على الكلام بين المأمور بالشراء و المالك الأول و الحصر لا يأتي إلَّا مع انهيار إيجاب البيع به.

و أحتمل شيخنا أن الحصر في مورد الرواية من جهة ان المريد للثوب لا يمكنه المعاطاة بينه و بين مالكه الأول لعدم وصوله إليه و المبيع عنده فحلّه له لا بد من الكلام فيه، و هو قوله اشترِ لي و أربحك و هو يكفي في حلّه له إن شاء أخذه، و فيه منافاته لسوق الخبر و ظهوره و لقوله(ع) في خبر يحيى ابن الحجاج (

اشترها و لا تواجبه البيع قبل ان تستوجبها او ان تشتريها

)، فإن الظاهر من المواجبة ليس نفس الإعطاء للمشتري لعدم كونه من معانيها و لو قوله أيضاً في صحيحة بن سنان (

ثمّ توجبه على نفسك ثمّ تبيعه

) منه و مثله رواية العلا، و قيل ان المفاد الخبر ضرب قاعدة كليّة و هي حصر المحلل و المحرّم بالكلام و هو المناسب لمنصب الإمامة و لكنه بعيد لعدّ حصر اسباب الحرمة و الحل به فيلزم خروج الأكثر مع انه لا ربط له بصدر الخبر و فسّره بعضهم باختلاف الحكم الشرعي باختلاف الكلام فبعضه يفيد الحل و بعضه الحرمة مع كون المقصود واحد كما يحرم النكاح بغير عقده من الألفاظ و ان ادى مؤدي عقده كسلّطتك أو ابحت لكَ بضعي دون زوجتك و انكحتك فهو معني، إنما يحرّم و يحلل و فيه عدم الربط أيضاً بالصدر إذ الجواز المستفاد منه (لا بأس) ليس مطلباً واحداً كي يمكن تأديته بمضمونين محلل و محرّم، و الحاصل ان ملاحظة الصدر مهما امكن لا بد منه فمناد الخبر أما ان طلب العين ممن يشتريها لا يحرم هذه المعاملة و هي لا تلزم إلَّا بالكلام بعد الشراء لا قبله، فإنه لو وقع كان فضولياً من الثاني فلا يلزم شراءه من الأول و إلَّا لغى، لأنه بيع ما ليس له فيقضي بانحصار الحل و الحرمة بالكلام أو انه السبب لهما وجوداً أو عدماً فإذا انحصر المحرّم و المحلل بالكلام اذن لا يتأتى إلَّا مع انحصار المبيع به فإنه لو وقع بدونه نافى انحصاره به لكن مع ذلك فهو مجرّد اشعار لا يقضي بالإباحة لو وقعت المعاملة بالأفعال و ان كان خيرة جماعة لمخالفة بعض الضوابط الشرعية، كما نبّه على ذلك الجد بشرحه، و يلوح منه اختيار انها معاملة مستقلة لانتفاء لوازم البيع و ثبوت احكام الملك في المقبوض بالمعاطاة لأن الأذن مفيدة له، و إلَّا لامتنع التصرف كما في العقود الفاسدة و لامتنع على المقبوض بها اجراء حكم الأملاك مطلقاً مضافاً إلى غرابة استناد الملك إلى التصرّف أو القبض أو التلف و لو من جانب واحد لغير المتلوف سيّما القهري منه فإن ملك التالف و الباقي به قبله و بعده غريب و معدوم و مع عدم الدخول في ملكه يكون الآخر بغير عوض و هو من اعلى الكلام و أمتنه لو لا حصر المعاوضات بالعقود المعلومة و ان المعاطاة أما بيع أو اباحة فلا يقدح على الاباحة اعتقاد المتعاطيين التمليك بها فإن المقصود لكل منهما استباحة جميع التصرفات فيما صار إليه، و إن توقف على الملك بعضها و ضمان كل من العوضين بالآخر و ليس من قصدهما الأذن بشرط الملك لتنتفي الأذن بانتفائه كما في التمليك بالعقود الفاسدة فلا يرد انَّ اللازم تخلّف العقد عن القصد لما قلناه و لتخلّفه في العقد الفاسد لضمانه بالمثل و القيمة مع ان القصد ضمان كل منهما بالآخر و لتخلّفه أيضاً بالعقد المشترط بشرط فاسد، فانهم صححوه و أفسدوا الشرط الذي نيطت المعاملة به و كذا بيع الغاصب و بيع ما يملك و ما لا يملك إذا كان القصد لنفسه فأنهم حكموا بوقوعه للمالك و لعدم اندراج المعاطاة في مسمى العقد على إنا نمنع توقف التصرّف على الملك في مثل العتق و البيع و الوطء و نحوها، و إن ورد لا بيع و لا عتق إلَّا في ملك إذ الأذن من المالك و التصرّف من المأذون موجب لدخوله في ملك المتصرّف ضمناً كما هو في القرض المجرّد عن الصيغة من أنه لا يثمر إلا سوى اباحة التصرّف، و بالإتلاف يثبت العوض بل قيل لا نزاع في المعاطاة به فله التصرّف بالإتلاف و عليه العوض‌

17

و لا يحصل الملك إلا بعد التصرّف، و كذا في مثل اعتق عبدك عني و اعتق عبيدي عن نفسك فإن العتق يقع عن الأمر و تخريجه على القواعد ان الأذن سبب تام في جواز التصرّف و ناقص في افادة الملك و بالتصرف يحصل تمام السبب المملك فهو في غير الناقل واضح و به، كذلك كالبيع و العتق مما يتوقف على سبق الملك فيكفي فيه الملك الضمني المقارن للبيع و السبق بالذات أو بالزمان اليسير فالمتصرّف بمنزلة الموجب القابل و ان لم يكن ثمة صيغة إذ البيوع الضمنية لا تحتاج اليها بإجماع التذكرة، و أما التملك التلف فلأن التراد لما امتنع بتحقق الملك بتراضيهما جعل الباقي عوضاً عن التالف المضمون على قابضه بالعوض المدفوع فهو كالمستحق إذا ظفر بمثل حقّه بأذن مستحقه فإنه يملكه و ان خالفه بالجنس و الصفة، و أما الخمس و الزكاة فيمنع اخراجهما من المقبوض قبل الملكية، و إن لم يتوقف عليها الحج كالإنفاق و تعلق حق الوارث بعد الموت و الارتداد لعموم الإذن فالمحاذير التي ذكرها و ان كانت مرجّحة في الجملة إلَّا انه يمكن التخلّص منها بما ذكرنا و تؤيده انهم حصروا الثمرة بين القولين بالنماء فقط و قالوا انها للمالك على الإباحة قبل اللزوم و فيما بعده وجهان و على الملك و هو للمالك مطلقاً.

نعم، لا اشكال من انهم يجرون حكم الملك على المأخوذ معاطاة بالنسبة إلى الاستطاعة و الديون و النفقات الواجبة و حق المقاسمة و الشفعة و المواريث و الوصايا و ان لم يعلم الذي بيده تلف العين الأخرى، فلولا الملك لما كان لتعلقها وجه بل يجب التفحّص عن تلف العين الأخرى و بعد احرازه تتحقق الأمور المذكورة، و منعه الأستاذ (رحمه اللّه)" بأن تعلّق الاستطاعة الموجبة للحج و الغنى المانع من استحقاق الزكاة لا يتوقف على الملك و هو كذلك لحصوله بالأذن أو البذل و تحققه ببذل النفقة من دون تمليك، لكن ذلك غير مراد الجد (رحمه اللّه)" على الظاهر فلعلّه يقول بوجوب الاستطاعة بالمأخوذ المعاطاة فلو لم يكن مملوكاً لكان الذي بيده غير مستطيع بعد ان كان عوضه لا يكفي في الاستطاعة إذا فرض نموه دون بدله و اللازم باطل لحكمهم بوجوب الحج بما حصل في يده فما هو إلَّا كالمبيع بالخيار إذا ارتفع ثمنه، و ليست هذه الإباحة كالبذل إذ لو كان المأخوذ مما تكمل به الاستطاعة و عينه بعد الموقفين باقية ثمّ رجع به المالك الأول فيكشف رجوعه عن عدم الاستطاعة فلا يغني ذلك عن حجة الاسلام و المفروض سقوط الحج عن ذمته و لا قائل بعدم السقوط و ان تسكع بالإياب بعد الرجوع بها كما لو فسخ ذو الخيار كذلك، و ليس ذلك من مسئلة الإجزاء لأنه تخيل أمر فهو عقلي لا شرعي، ثمّ قد يتأمل في مقالته أيضاً ان القابل بالإباحة يقول بأنها ليست من العقود و لا مما يقوم مقامها إذ لا ريب انها عند المبيح ليست كنثار العرس و لا كالصدقة لتحقق المعاوضة فيها البتة و هو يكفي في اطلاق العقد عليها و لا يضر اطلاق الاباحة فإنه كإطلاق اباحة المساكن و المناكح فهي ان لم تكن عقداً فلا اقل من انها بمنزلته لاعتراف الطرفين بترتب آثار الملك عليها و ادراجهم لها في كتاب البيع ايماء إلى العقدية و حينئذ فمخالفته للقصد يحتاج إلى دليل كسائر العقود لا انه هنا موافق للأصل، كما ذكره الاستاذ في الفرق فإنه يتجه لو شك في العقدية و إلّا ما كان بمنزلتها و الحال انه لا شك هنا، و كذا ما ذكره (رحمه اللّه)" من عدم البأس بالتزام كون التصرف مملكاً إذ ادعى إليه الجمع بين الأصل و الدليل على جواز مطلق التصرّف و ان كان موقوفاً على الملك فهو كتصرف ذو الخيار و الواهب فيما انتقل عنهما فإنه كلام متين غير انه موقوف على انحصار الجمع بذلك و إلَّا إذا امكن بوجه آخر راجح عليه فالمتبع الراجح فإن الجمع ممكن بجعل الملك متزلزلًا و هو أوفق بالقواعد غايته التصرّف بالإباحة الممكن كما‌

18

عرفت و ليس هو كجعل التصرّف مملكاً الذي لم يعهد في غير المقام مما اشتمل على المعاوضة.

و منه يظهر ما في تخلّصه عن استبعاد كون التلف مملكاً من الجانبين بأنه لما قام الإجماع بأنَّ كلًا من المالين مضموناً بعوضه، و إن تفاضل لا بمثله و قيمته لزم كون المتلوف من مال من وقع في يده رعاية لعموم على اليد فالإجماع و العموم بمنزلة الدوامة التي يلزم الخروج عن الأصل بها فيحكم الدليل على اصالة عدم الملكية بتقديرها آخر ازمنة الإمكان نظير النص القاضي بأن تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه فالتقدير هنا كالتقدير هناك فيحكم كونه من مال البائع من حيز التلف استصحاباً لأثر العقد إلى وقته، فإنه تمحل ظاهر إذ الملكية يمكن ان تفرض قبل التلف رعاية للأصل على القول بالملك أو ان القبض مثل الإجازة في الفضولي و قبله مطلق البيع غير مستقر فتسقط المماثلة و الإنصاف بعد هذا كله، ان القول بالإباحة تبعاً للأكثر اقوى، فهي اشبه بالهبة المعوضة و بالقرض منها بالبيع لمنافاة الرجوع الملزوم و للملك و حينئذ فلا يجوز اخراج الواجب من الصدقة مطلقاً منها حتى ثمن الهدى و حتى ما ثبت بالعارض كما صرّح به الشهيد (رحمه اللّه)" إلَّا بتلف أحد العينين كما انه تغتفر الجهالة في الثمن و المثمن و الأجل فيها، و كذا لا يجوز نكح الأمة ما دام ثمنها باقٍ بيد المعاوض و لا يعتبر التقابض في المجلس في النقدين معاوضة، و قوى الأستاذ (رحمه اللّه)" اعتبار جميع شروط البيع فيها حتى على القول بالإباحة عدا الصيغة لأنها بيع عرفي و أدلة الشروط تشمله و لأن الأصل فساد هذه المعاملة أن لم تفد الملك خرج منه ما فقد الصيغة دون باقي الشروط، و حكم بجريان حكم الربا فيها مطلقاً لأنها معاوضة فيلحقها الربا لثبوته في كل معاوضة، و خلاف الفاضل و الحلي بحصره بالبيع و القرض فقط منقرض و ان ظهر من المصنف ذلك لاقتصاره على البيع في باب الربا، لكنه في الصلح اثبته و هو وجيه لو لم يظهر منهم ان الشروط تلحق البيع العقدي، و لا ضير في الاعتراف بدخولها في العقود، فالأحرى انها معاملة مستقلة لكن في ثبوت الخيار فيها و عدمه اشكال في وجهين من ثبوته في الجائز و ان كان اثره بعد اللزوم فيصح اسقاطه و المصالحة عليه قبل اللزوم و من عدم الدليل على اعتباره فيها.

و أحتمل الاستاذ (رحمه اللّه)" التفصيل بين ما اختص بالبيع من الخيار و عدمه و بين غيره، فأثبته في الأخير و في باب الخيار لم يخصص خياراً بالبيع مطلقاً.

و منها ان التزلزل و الإباحة متى يرتفع حكمها فلا يجوز الرجوع و لا اشكال في اللزوم بتلف العوضين لارتفاع مورد التراد و حصول السلطنة على التلف و ارتفاع ضمان اليد بعد كون الضمان هنا ضمان معاوضة و بذلك يحصل الفرق بين المقام و البيع الخياري إذ الخيار من عوارض العقد في الثاني فيستصحب بقائه، و من عوارض العوضين في الأول فلا بقاء له مع تلفهما فهو كالرجوع في العين الموهوبة بل موضوع الجواز هنا التراد و لا مطلق الرجوع بدونه فيمتاز عن الهبة بذلك لا أقل من ان ذلك باعث على الشك في الموضوع المستصحب في ان متعلق الجواز اصل المعاملة، فيكون كالخيار او الرجوع في العين بلا تراد أو التراد مطلقاً، أو مع الرجوع فلا يبقى للاستصحاب محل بعد الشك في موضوعه فلا جرم من الخروج عن اصالة اللزوم بالأخير دون ما قبله لأنه المتيقن فلا يثبت إلَّا ببقائهما.

كذا أفاد الأستاذ (رحمه اللّه)" و هو مبني على انها بيع و لو عرفاً و لا يتأتى فيه ضمان اليد كما لا يخفى، ثمّ قال (رحمه اللّه) و منه يعلم ما لو تلف احد العينين أو بعضها على القول بالملك، و أما على القول بالإباحة فقد استوجه بعض مشايخنا وفاقاً لبعض معاصريه تبعاً للملك اصالة عدم اللزوم انتهى. و نحن بعد التتبع لم نعثر على من استوجه ذلك إلَّا العم العلي في بعض تقاريره بناء‌

19

على الملك المتزلزل لا الإباحة، فإنه حكم بدرسه ان لو اراد رده مجاناً كان هبة و لا يلزم الآخر قبولها ثمّ قوى محتمل، كذلك في عدم اللزوم على الملكية المتزلزلة لأن المتزلزل في البيع لا يسقطه تلف العين مطلقاً لإمكان الفسخ بالرجوع إلى القيم و المثل، و أما لك و الكفاية و الجواهر و ان احتملوه لكنهم حكموا باللزوم على القولين، فما يظهر من الأستاذ (رحمه اللّه)" من ان المالك استوجهه لعله لا اثر له في كلامه و لو لا ميل الأكثر إلى لزوم المعاطاة في الفرض لكان لكلام العم وجه إذ غايته ان سلطنة المالك على العين الموجودة باقية و ان تلفت الأخرى، و منعه الاستاذ (رحمه اللّه)" بمعارضته ببراءة ذمة المتلوف منه عن المثل أو القيمة بعد رجوع الثاني بالتالف و ضمانه حيث كان ضمان معاوضة لا ضمان يد إذ قبل تلف العين لا ضمان يد و كذا بعد التلف لو لم يرد الرجوع بالتالف صاحبه ثمّ اشكله (رحمه اللّه)" بأن المتلوف مضمون على كل حال، أما بالبدل الجعلي و هو العين أو الحقيقي و هو المثل أو القيمة فإن تعذر احدهما ثبت الآخر بأصالة بقاء السلطنة عليه فهي حاكمة على اصالة عدم الضمان بالبدل الحقيقي مع ان عموم التسلط شامل للبدلين و هو وجيه لو لا قيام الدليل على الانحصار بالبدل الجعلي في الرجوع و حيث يتعذر ليس لصاحب الموجودة اخذها لرضاه بأنها عوض التالفة قبل التلف فيكون شبه المدفوع عن وفاء الدين و ان لم يكن من جنسه، و كذا ليس لصاحب التالفة رد الموجودة و المطالبة ببدل التالفة لعدم وقوع التراضي عليه و ان هذا من خصائص المعاطاة خصوصاً على القول بالإباحة لأن التراضي وقع على جعل هذا بمكان الآخر مطلقاً حتى مع التلف فإذا كانت عوضاً خرجت بذلك عن الملكية فلا مسرّح لأصالة بقائها و عموم التسلط على الملك لخروج المدفوع عن ملك الدافع بمجرد الإباحة غايته ان له الرجوع فمتى تعذر و لو من طرف واحد سقط حقه و بقى الموجود على ملكيته، و الظاهر ان نقل العين بعقد لازم او مطلق يحكم التلف، و كذا بعضها لو تلف فهو كالكل لامتناع التراد لا لتبعض الصفقة أو الضرر فإن التبعّض لا يبطل أصل المعاوضة بل يوجب الفسخ و الرجوع بالبدل الحقيقي.

و أما الضرر فهو مستند إلى تقصيرهما في التحفظ بالتعاطي و احتمل الالتزام العين الأخرى بمقدار التالف و هو بعيد و بحكمه أيضاً التصرف المغيّر للعين أو المبدل للاسم أو المغير للصفة كالعجين للحنطة، و الصبغ للثوب و تفصيله و خياطته، بل و المزج حيث لا يمكن فصله و ان كان بالأجود، و الظاهر ان الضابط هو التصرف الموجب للضرر برد العين على مالكها ممتنع معه التراد دون ما لا يوجب ضرراً كركوب الدابة، و صقل السيف، و قصارة الثوب، و وطي غير العذراء عملًا بالأصل من دون معارض و يلحق بالتلف الدين إذا كان عوضاً أم معوضاً فليس لصاحب العين الرجوع بها لسقوط الدين المقابل على القولين و الساقط لا يعود و يحتمل العود بعد الرجوع لأن ملكه متزلزل موقوف على تلف العين الموجودة، و كذا لو رجع بالخيار و لانقطاع التراد بخروجه عن الملك و عوده محتاج إلى الدليل و انقطاع استصحاب الملكية السابقة بالنقل إذ ليس البيع بالخيار كالحائل بين المملوك و مالكه فإذا ارتفع بقي الملك على حاله الأول فإن الحائل لا يسلب الملكية و كذا على الإباحة لتضمن البيع المباح الملك الضمني و هكذا باقي فروع المسألة، و قد صرّح الاستاذ (رحمه اللّه)" بعدم لحوق أحكام الخيار للرجوع في المعاطاة فلا يورث بالموت و لا تسقط بالإسقاط لأن التراد من خواص المتعاطيين فلا يلحق غيرهما إلَّا بدليل، و هو مبني على أنه من الأحكام لا الحقوق، و لعله ينافي اطلاقه (رحمه اللّه)" و غيره الحق عليه فتشمله الآية و الرواية ما ترك الميت من حق فهو لوارثه إلَّا ان يكون غير قابل للانتقال كحق الجلوس في المباحات و حق الخيار المجعول للأجنبي و حق التولية و النظارة و غيرها مما كان وجود صاحب الحق من مقوماته و يمكن منعه باستصحاب بقاء‌

20

الحق بعد الموت و ان الموضوع عرفي في الاستصحاب لا حقيقي و إلَّا لبطلت اكثر الاستصحابات.

نعم، لو ادّعى الاستاذ (رحمه اللّه)" الإجماع على ان ذلك من الأحكام أو الحقوق الغير قابلة للانتقال فله وجه و إلَّا فلا اشكال في شمول الكتاب و السنة له فيلحقه حكم الحقوق خاتمة فيها مسائل:

الأولى: انه لا اشكال في لحوق حكم المعاطاة إذا حصل الإعطاء من جانب واحد وفاقاً للشهيد (رحمه اللّه)" و ان لم يصدق معنى المعاطاة و التعاطي فيكون اقباض احد العوضين من مالكه تمليكاً لا يعوض أو مبيحاً له كذلك بل المتداول بين الناس ان مجرد ايصال الثمن واخذ المثمن من المعاطاة و ان كان بلا تعاطي كوضع ثمن الماء و أجرة الحمام في كونه المعدّ له بلا حضوره.

الثانية: انه ليس من شروطها على ما يظهر منهم حصولها بالأفعال فقط بل قد تحصل باللفظ الدال على التراضي مطلقاً و ان لم يعتبر شرعاً، و في كفاية مجرّد التفاؤل و ان لم يحصل التعاطي فيملك كل مال الآخر و مباح له التصرف فيه من دون قبضه وجهان، و الاستاذ (رحمه اللّه)" نفى البعد عن صحته بيعاً و اشكله على الإباحة لعدم حصول الملك بها و هو كذلك، لكن ينتفى تقيده بما إذا لم يحصل بها البيع الضمني كما هو بالأفعال و إلَّا فلو حصل لغى الأشكال.

الثالثة: ان المشتري فيها هو الدافع أخيراً و البائع المعطي أولًا في مقام الاشتباه و إلا فلو تعيّن الثمن و لو من حيث كونه نقداً أو بمعنى آخر يرجع إلى نقديته فلا ريب يتميز أحدهما عن الآخر تقدم أو تأخر و هذا هو المميز بينهما.

الرابعة: يظهر من القائلين بالإباحة اباحة جميع التصرفات لكل من المتعاطيين حتى المتوقفة على الملك، و فيه اشكال آثار الملك على غير المملوك، و إن أذن به المالك لعدم كون الأذن مشرّعاً و خيال دخولها في البيع الضمني مثل اعتق عبدك عني مدفوع مما ذكروه من ان التمليك في المثال مقصود للمتكلم و هو من دلالة الاقتضاء التي هي الدلالة المقصودة للمتكلم لا يصح الكلام بدونها عقلًا مثل و أسئل القرية و شرعاً مثل اعتق عبدك عني بكذا، لأوله إلى استدعاء ان يملكه و اعتق المولى عنه جواب الاستدعاء فلا بد من تقدير الملكية قبل العقد بزمان متصل بها و لا شك ان المقصود فيما نحن فيه ليس إلَّا الإباحة التي بمجرّدهما لا تثبت الملكية للمباح له بغير دليل يقضي بالملكية عند ارادة البيع قبله أو على انتقال الثمن عن المبيح بلا فصل بعد البيع للمباح له مثل دخول العمودين في ملك الشخص الذي لا يقبل سوى العتق، لا يقال ان عموم السلطنة يفيد ذلك فللمالك ان يبيح التصرفات حتى المتوقفة على الملك قلنا: نعم، لكن حيث لا ينافي العموم قواعد أخرى مثل لا بيع و لا عتق إلَّا في ملك.

و دعوى أن الملك التقديري لا يحتاج إلى دليل خاص بل به يجمع بين مطلق الإباحة و بين توقف التصرّف على الملك مدفوعة بأن عموم التسلط لا يشمل الإحكام فلا يباح به ما لم يمضه الشارع، و لذا حرّم الاسراف مع ان بيع مال الغير لنفسه محرّم عقلًا و نقلًا فكيف يشمله العموم كي يثبت التنافي و قياسه على حصول الملك التقديري في بيع الواهب عبده الموهوب أو عتقه باطل إذ الملك هنا حقيقي يكشف البيع عن الرجوع فيه قبله في وقت متصل به و ليس هو كملكية الميت لديته أو الابن لأبيه، فما نحن فيه خارج عن الملك الضمني في مثل اعتق عبدك عني لتوقفه على القصد المفقود و عن الملك القهري كملك العمودين لتوقفه على التنافي بين الدليلين و الحال ان المنع من بيع مال الغير حاكم على عموم تسلط الناس على اموالهم و عن التمليك بالهبة و المبيع بالخيار من حيث عدم تحقق الملك سابقاً في المقام بحيث يكشف‌

21

عن البيع، و حينئذ إذا لم يدخل المقام في احد الثلاث و لم تفد الإباحة الملكية و لا يمكن تقديرها لعدم الدليل كان البيع باطلًا لخروجه عن مفهوم المعاوضة و المبادلة و الإباحة المطلقة ليست من النواقل المعهودة، و لأجله حكم الشيخ (رحمه اللّه)" بأن الهبة الخالية عن الصيغة تفيد اباحة التصرف فيما لا يتوقف على الملك فلا يجوز وطئ الجارية بها و حكم الشهيد (رحمه اللّه)" بعدم جواز اخراج المأخوذ بالمعاطاة كالخمس و الزكاة و ثمن الهدي و وطئ الجارية مع تحقق الإباحة المطلقة هذا ما تقتضيه القواعد، لكن يظهر من غير واحد ملكيته المال بمجرّد ان يسلطه مالكه عليه، و قالوا ان ثمن المغصوب مع علم المشتري بالغصب يملكه الغاصب البائع بدفعه إليه و اذنه في اتلافه فلا يتوقف شرائه به على الإجازة من دافعه و حكم الفاضل (رحمه اللّه)" بجواز وطئ الجارية المبيعة بثمن عين مغصوبة مع علم المشتري بالغصب و مقتضاه ان نفس التسليط كافٍ في جواز التصرّف مطلقاً.

كذا أفاد الأستاذ (رحمه اللّه)" و هو من الجودة بمكان، غير ان ذلك فيما لم يقصد المتعاطيين التمليك واضح، و أما لو قصداه فمحل كلام من كونه لا يقضي بالملكية و ان لم يدخل بالبيع المصطلح، ثمّ ان هذا التقدير عسى ان يكون رابعاً لتصريحهم بجواز التصرّف مطلقاً، او اتفاقهم عليه الصالح لأن يكون دليلًا في المقام فلا ضير في تقدير الملك آنا ما بل لا فرق بينه و بين الإباحة بالعوض التي لم يمنع احد فيها من التصرف فيما يتوقف على الملك و وجّه عدم الفرق ان كلًا من المالين ملك للمبيح و ان كان المباح له يستحق التصرّف لخروج ذلك عن المعاوضة المعهودة بل هي بمعنى التسالم الذي لا يفيد نقلًا و لا تمليكاً فلا بد من تقدير الملكية حينئذ و لا مفصل بين الصورتين.

نعم، ذلك يوجب اللزوم مطلقاً إلَّا ان الدليل قضى بجواز التراد ما دامت الغير باقية، و أما على القول بلزومها من طرف المباح له دون المبيح لأنه بالتصرّف يخرج ماله عن ملكه لا دليل عليه.

الخامسة: انه لا ريب على القول بالإباحة فالعقد مركّب بعد التلف من الإباحة و التمليك فلا تدخل بعقد من العقود بل هي تملك للمقبوض بواسطة التضمين للمدفوع لحصول التراضي بذلك، فالمقبوض على تقدير التلف يملك عوضاً من الذاهب مقاصه و وفاء عن الدين، و أما التالف فقد يملك ضمناً على ما سبق لو توقف تلفه أو نقله على الملك فلا معنى حينئذ للخلاف في ان المعاطاة بالتلف هل يكون بيعاً أو معاوضة مستقلة كما يظهر من ذلك مرتباً على البيعية احكام البيع من الخيار مطلقاً و الأخذ بالشفعة دون المعاملة المستقلة، و أما على الملك المتزلزل فلا اشكال في كونها بيعاً عند مدعيه و متى لزم صار بيعاً لازماً فتلحقه احكامه غير ما اختص بالبيع العقدي.

السادسة: لا تلزم المعاطاة بتلف النماء على القولين و لو رجع المالك بالعين أخذها بغير اجرة و ان استوفى منافعها القابض كان النماء له على الملك المتزلزل و للراجع على الإباحة و انما جاز للقابض اتلافه و التصرّف فيه مطلقاً. نعم، قد يتأمل في ملكيته النماء المنفصل الباقي بعد لزوم تملك الغير بالتصرّف فيرجع به دون الغير لعدم خروجه بخروج الغير عن ملكه لكنه خلاف المعروف بينهم، فالمتجه تبعيته للغير في التملك.

السابعة: لو اختلف المتعاطيان في تحقق اللزوم و الغير باقية استظهر بعض مشايخنا ان القول قول مدعيه بيمينه و علله بإمكان استناده إلى سبب خفي لا يعلم إلَّا من قبله كأن وهبه لمن له الولاية عليه فقبل من قبله أو عتقه أو باعه بخيار أو غيرها إلَّا إذا استند إلى سبب خاص يمكن الاشهاد عليه قدم نفيه عملًا بالأصل و فيه اشكال، لأن الرجوع سبب تام في ملكية‌

22

العين الموجودة فتعود الدعوى بعده إلى بيان سبب الخروج فلا يسمع قول مدعيها مطلقاً حتى لو كانت العين بيد ثالث يدعى انتقالها إليه سواء أقرَّ الوسط بالانتقال أو انكر حيث لا يكون معلوماً لكونه إقراراً في حق الغير فلا تملك الإقرار به و على المدعي بيان السبب و لا تكفي اليد لاشتباهها بين المالكية و غيرها.

الثامنة: ذهب جماعة إلى جريان المعاطاة في غير البيع من العقود إلَّا ما لا يستباح بدون العقد كالنكاح و الخلع فيكتفي بها في الإجارة و الهبة و الهدية لتسلط الناس على اموالهم أعياناً و منافع فلا مانع من اباحة بعض لبعض بعوض أو بدونه على المشهور من افاد بها الإباحة، و أما على مذهب المحقق الثاني فيملك المأمور و الأمر و الآمر العمل و ملك الموهوب و ان توقف لزومه على التلف، و توقف جماعة في جريانها في الرهن و الوقف لعدم تصور الإباحة في الأول و كذا، الجواز المنافي للوثوق على الملكية، و كذا في الثاني لعدم كفاية القبض فيه فقط و عدم جوازه و إلَّا لساغ اشتراط الرجوع به.

نعم، لو قيل بمقالة المفيد (رحمه اللّه)" لأمكن افادة المعاطاة في الرهن ذلك دون الوقف لعدم معهوديته إلَّا بوقف المساجد كما يظهر من الفاضل تبعاً للشيخ.

التاسعة: ان المعاطاة هل يكون باللفظ الذي لم يجمع شرائط اللزوم أو تختص بالأفعال و مورد الاشكال عند من لا يعتبر مطلق اللفظ في البيع و غيره و إلا دخل في العقود فلا فرق بين بعت و غيرها مطلقاً، أما المعتبر فالذي يقتضيه النظر ان يكون ذلك من البيع الفاسد و مقتضاه عدم الملك مطلقاً و ضمان المقبوض به المنافي لحكم المعاطاة لكن يظهر من جماعة صحته معاطاة مطلقاً و من آخرين بشرط مقارنته للقبض فلو تأخر عنه كان كالمعدوم و المتخذ من ذلك أن مورد المعاطاة هو التقابض المقرون بالرضا إذا كان معلوماً و لو من لفظ صريح أو امارة فلا يكتفي بما لا يفيد العلم بالرضا، و ان افاد الظن و حينئذ فاللفظ و الفعل سواء في مناطها و ذلك هو القدر المتيقن من الصحة و اللزوم على القولين و في الرضا المتعقب لوصول العوضين لو حصل اشكال و ان تعارف وضع العوض في كوز أعد له أو مكان خاص في أغلب المقامات، و قد تعارف الآن كتابه ورقة فيها قيمة ما في الحانوت موضوعه ببابه فيدخل الشخص الحانوت و يتناول منه ما يشاء مع عدم وجود صاحبه ثمّ يضع مقدار قيمته المرسومة في ثقب بصندوقه، و كذا اجرة رافع النعل و حارسه عند الدخول للأماكن المشرّفة إذا علم القدر من أجرة المكان و العامل و المحل الذي اعدَّ لوضع الأجرة فيه فيتمحض موضوع عدم جواز التصرف في العقد الفاسد بما إذا علم عدم الرضا إلَّا بخيال صحة المعاملة فإذا ارتفعت لا اذن و ان احرز الرضا و لكنه لم ينصرف و العقد إذا لا أثر له و لم تستند الصحة إليه بل إلى الرضا. نعم، هذا الرضا لا يخل من أن يتضمّن انشاء تمليك و لو على طريق الإباحة فيكون معاطاة صحيحة عقيب عقد فاسد فكأن المقصد الأصلي من المعاملة التصرّف صحَّ العقد أو فسد فقد قيل بدخوله أيضا في المعاطاة و مرجعه إلى عدم شرطته انشاء الإباحة أو التمليك بمطلق الفعل أو القبض كما نبهنا عليه، و إشكاله من حيث ظهور كلماتهم في إنَّ محل النزاع صورة الانشاء الحاصل بالتقايض أو بمطلق الفعل و الأصل يقتضي عدم لحوق حكم المعاطاة له و ان جزم بعضهم بدخوله في محل النزاع و القول به.

و التحقيق إنَّ التعاطي بقصد التمليك بيع عرفي فإن لم يكن للشارع تصرف فيه جرت عليه احكام البيع سوى ما استثنى و إلَّا فلا، و لا يكفي فيه إلَّا اللفظ مطلقاً أو الخاص المعهود فلا يصح البيع بغيره من الأفعال، و الإشارة و الكتابة و الصفة و الملامسة و المنابذة و الحصاة و إن فسّرت بما لا يقتضي غرراً و لا تعليقاً و لا جهالة، و لكن يقوم مقام اللفظ ما لاتّفاق الإشارة مع‌

23

العذر لخرس أو مرض و نحوه، مع العجز حتى عن التوكيل، و أما مع القدرة عليه و العجز عن اللفظ فيمكن اعتباره للأصل القاضي بشركية فأشك فيه مما تتوقف الصحة فنفي اعتباره بالأصل و جعله كمن لا يجب الاقتداء عليه في صلاته غير وجيه كما وقع لبعض مشايخنا و يقضي به ايضاً فحوى ما ورد من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس لشموله الصورة القدرة على التوكيل، و الظاهر عدم دخوله في المعاطاة مطلقاً لأن مورد النزاع فيها في القادر على اللفظ و مع العجز عن الإشارة تكفى الكتابة كهو في الطلاق و لو امكنه الأمرين قدّم الكتابة على رأى الحل و الإشارة على رأى الأكثر و يشهد للأول النص في الطلاق، و لا ينعقد البيع عند المعظّم و لا غيره من العقود و الإيقاعات باعتبار المادة إلَّا بلفظ صريح فيه لغة و شرعاً فمتى دخله احتمال ارادة غيره لم يصح و لا يكفي فيه القصد و لا معرفة القائل بما اراده الموجب بل لازم الصراحة تبادر العقد المعيّن من اللفظ عند خالي الذهن بحيث لا يشتبه بغيره و لا يحتمل سواه و لا يمكن التنازع فيه، و لا فرق في ذلك بين اللفظ الموضوع للمعنى المقصود حقيقة أو مستعملًا فيه مجازاً أو على طريق الكفاية لكن مع اقترانه بلفظ آخر لازمه المعنى المقصود و لا يمكن ارادة غيره منه فإن الجمع بين اقوالهم يقتضي ذلك عند من لا يعتبر اللفظ الخاص فيجري احكام تلك المعاملة عليه دون غيره و ان كان اصرح منه بالانضمام لغيره أخذاً بالمتيقن لأحتمال ارادة اللفظ الخاص لفحوى ما قضى باعتباره في بعض العقود مثل النكاح و ان أدى بلفظ آخر صريح في الدلالة على المراد و هو أوفق في قطع المخاصمة مثل اللفظ المعتبر في العبادة، و إن أمكن تأدية المعنى بغيره إلَّا مع العجز فلا حكم لغير المأثور في كلام الشارع من الألفاظ و علله بغضهم بأن العقود توقيفية و انها متلقاة من الشارع فلا بد من الاقتصار عليها و على المأثور منها شرعاً المعهود لغة إلَّا انَّ هذا ينافي اطلاق حلية البيع و التجارة و عموم الوفاء بالعقود على ما سمعته و استثناء المتشرعة و الشارع لبعض البيوع الفاسدة بخصوصها مما يقضي بالعموم فلا بأس باستعمال المجاز و الكناية إذا اختفت بما ذكرناه‌

24

و كذا المشترك بتسمية. نعم، اللازم الأعم يتوقف على قصد الملزوم الخاص فلا بد من انكشافه بلفظ يقضي بذلك و لا يجدي مجرّد النية و ان انكشف بغير لفظ مقترن بالعقد لسبق مقال أو مقارنة حال لعدم حصول العقد اللفظي حينئذ و هو معنى قول الفاضل (رحمه اللّه)" ان المخاطب لا يدري بمَ خوطب، و حينئذ لا بد من ملاحظة العناوين الدائرة على لسان الشارع بما يدل عليها من الألفاظ كي يترتب عليه في الحكم المجعول فإجارة المرأة نفسها لا يترتب عليه حكم الزوجية و يلحقه حكم الإجارة لا النكاح إلَّا انه مع هذا فحصته بلفظ الأخذ، و الدفع، و التسليم، و التصرّف، و قول: بارك اللّه في صفقتك و غيرها فيه اشكال، و ذهب جماعة إلى عدم انعقاده بلفظ السلم لأنه حقيقة في نوع منه فلا يستعمل في الجنس إلَّا مجازاً، و كذا بلفظ الهبة و الصلح و الإجارة و الكتابة و ان انضم اليها ما يفيد المقصود من الألفاظ، فالمتيقن من النص و الفتوى لفظ بعت ايجاباً و قبلت و اشتريت قبولًا، و قيل بأن الشراء ضد لاستعماله في الكتاب بلفظ البيع و زاد بعضهم لفظ ملكت ايجاباً و تملّكت و ابتعت قبولًا، و مقتضى الضديّة في بعت و اشتريت يمتاز الايجاب عن القبول بالتعدية إلى مفعولين أو التعلق بالعين أو التقدم و الذي يتجه الاقتصار على لفظ بعت ايجاباً و قبلت و رضيت قبولًا، لعدم الوثوق إلَّا بالصراحة بهما و ان كان في بعض الالفاظ مما يشابههما في الصراحة إلَّا انه لم يظهر منهم الاكتفاء بكل صريح من الألفاظ و الركون إلى عمومي حلية البيع و الوفاء بالعقود قد سبق ما منهما و يلزم في الأشهر ان يكونا بلفظ الماضي.

فلو قال: اشتر أو ابتع أو ابيعك لم تصح و ان حصل القبول لعدَّ صراحتهما في الإنشاء دون الماضي لأنه من المنقول الشرعي إلى الانشاء و ان وضع للإنشاء غيره مثل الأمر في عقد المساقاة، و الجملة الخبرية في الطلاق و الرهن غير ان الأغلب وضع الماضي لذلك و المعلوم أفادته الإنشاء في البيع حقيقة فينحصر البيع بلفظه لعدم الدليل على الاكتفاء بغيره.

و كذا في طرف القبول مثل ان يقول بعني او تبيعني لأن ذلك اشبه بالاستدعاء و الاستعلام لمحكي الإجماع مع ما تقدم لا لإفادته الاستدعاء إذ المفروض قصد الانشاء فيه.

و استقوى الاستاذ (رحمه اللّه)" انعقاد بلفظ المضارع لو فرض افادته للإنشاء على وجه لا يحتاج إلى قرينة المقام و تؤيده صحيح منصور في بيع المضمون، و فيه (

أبيعك هذه الغنم بدراهمك التي عندي فرضى فقال(ع): لا بأس

) و نحوه في بيع الآبق و اللبن في الضرع و لكنه خلاف المشهور.

اشتراط تقديم الايجاب

و هل يشترط تقديم الايجاب على القبول فيه تردد بين السلف فمنهم من أوجبه اقتصاراً على المتيقن، و محكي الإجماع و لأن القبول فرع الايجاب لغة و عرفاً و لم يثبت خلافه شرعاً، و منهم من نفاه لعموم الآية و غيرهما و لفحوى ما قضى بصحته في النكاح و منهم من قصر الخلاف على غير لفظ القبول لظهوره في البقاء على أمر سابق فلو فرض عدم وقوعه امتنع القبول و مثله اشتريت في انشاء الشراء فإنه ظاهر في انشاء البيع قبله، و الأشبه عند المصنف و جماعة عدم الاشتراط للأصل و العمومات و لأن القبول حقيقته الرضا بالإيجاب و هو اعم من تحققه سابقاً أو لاحقاً لعدم خروجه عن احد ركني المعاوضة بتأخره إذ الرضا بشي‌ء غير لازم لتحققه في الماضي لأنه ليس من تبعية اللفظ لمثله و لا القصد كذلك كي يمتنع تقديمه، و إنما هو على سبيل الفرض و التنزيل بصيرورة القابل نفسه متناولًا لما يلقى إليه من الموجب‌

25

و مثله الموجب كقولك أنا راضٍ بعطيتك إذ لا فرق بين سبق العطية أو لحوقها في انشاء قبولها و حينئذ لا فرق بين ان يكون القبول بلفظ قبلت و غيرها.

و منعه الاستاذ (رحمه اللّه)" بأن القبول انشاء نقل للعوض في الحال إذ البيع مبادلة مال بمال و هو الركن في العقد و لا يتحقق ذلك إلَّا بعد الايجاب القاضي بالنقل و إلَّا فلا معاوضة و لا انشاء نقل، و إنما هو رضي بشي‌ء قد يكون لا انشاء نقل و تمليك لعدم نقل ماله إلى الموجب في الحال و فرق واضح بين رفع يد الناقل عن ماله و دفعه لغيره و بين الرضا بدفعه بدلًا فإنَّ حقيقة المعاوضة الأول لا الأخير إذ تحقق في الخارج متوقف على الثاني و هو الرضا الذي يعد قبولًا و ركناً في العقد.

قال (رحمه اللّه)" و مما ذكرنا يظهر الوجه في المنع عن تقدم القبول بلفظ الأمر كما لو قال بعني هذا بدرهم فقال بعتك، لأن غاية الأمر دلالة طلب المعاوضة على الرضا بها لكن لم تتحقق بمجرّد الرضا بالمعاوضة المستقبلة نقل في الحال للدرهم إلى البائع كما لا يخفى، ثمّ نقل تصريح الشيخ (رحمه اللّه)" بجواز التقدم في البيع عاطفاً له على النكاح لخبري الساعدي و أبان بن تغلب في الثاني، و فيهما (

قال: زوجنيها اما رسول اللّه(ص) فقال: زوجتكها بما معك من القرآن، و إذا قالت: نعم بعد اتزوجك متعة فهي امرأتك و انت اولى الناس بها

)، و ردّه بالأصل و منع دلالة الخبرين لأحتمال تحقق القبول بعد ايجاب النبي(ص) و إلَّا لزم الفصل الطويل و منع الفحوى في الأول و قصور الدلالة في الثاني لاشتماله على كناية. نعم، في الايجاب مع ان اعتبار الماضون ايضاً تنفيه، و هذا الكلام مما لا غبار عليه بناء على الأخذ بالمتيقن من العقود الجارية في لسان الشارع الذي لم يرتضيه سابقاً مع تصريحه أيضاً بلزوم العقد هنا و ان تقدّم القبول مطلقاً لأنه بيع عرفي، و لأن الأصل في البيع اللزوم إلَّا ما خرج منه من الصيغ التي لم تشتمل على لفظ مطلقاً، أو ما قام مقام اللفظ مما قام الاتفاق على لزومه، و كذا خرج منه ما قام الاتفاق على عدم لزومه و ان اشتمل على انشاء المعاملة باللفظ ثمّ انه (رحمه اللّه)" تبعاً لغيره استقوى صحة البيع إذا تقدم القبول بلفظ اشتريت أو بعت أو تملكت أو ملكت هذا بكذا، إذ المشتري ينشئ ملكية مال صاحبه لنفسه بإزاء ماله و البائع يرضى بذلك مما يقيده من اللفظ فليس في الاشتراء معنى القبول.

نعم، هو ان وقع بعد الايجاب افاد المطاوعة فكان فيه مفهوم القبول و لذلك اطلق عليه، و لا كذلك لو تقدّم على الإيجاب لخلوه عن المطاوعة و افادته النقل ليس إلَّا فرضيت بالبيع و اشتريت يختلف معناهما بالنسبة إلى التقدم و التأخر، فلو تقدما لم يكن فيهما معنى القبول مثلما لو نوى تملّك المباحات أو اللقطة فيشكل الحال حينئذ بالتقدم لخلوه عن الايجاب و القبول، و تخلّص منه بان معنى القبول بالعقد الرضا به و ان لم يتحقق معنى القبول المتضمن للمطاوعة و قبول الأثر و ان ذلك هو المفهوم من كلامهم، فالرضا بإنشاء البائع مع تضمن انشاء النقل هو معنى القبول فلا فرق بين التقدم و التأخر فيه إذا لم يقم اجماع على انفعال نقل البائع بمعنى المطاوعة. نعم، في خصوص القبول، و ما يتضمن معناه ربما يدعي ذلك لأنه مع التقديم لا يدل على انشاء لنقل العوض في الحال و يمتاز البائع عن المشتري في غير ما يتضمن معنى المطاوعة و الانفعال بأن الملتزم بنقل ماله عوضاً عن مال شخص آخر هو المشتري، و من نقل ماله على ان يكون له بدل من مال آخر يكون بائعاً فمن ملك بالتشديد ماله غيره بعوض يطلق البائع عليه و من ملك بالتخفيف مال غيره بعوض ماله و هو المشتري فالفرق اعتباري لملكية كل منهما مال غيره بإزاء ماله.

26

و الحاصل يلزم ان يكون الالتزام الحاصل منهما ليس على نسق واحد، ففي مثل الصلح عن اسقاط حق، و غيره يلزم تقديم الايجاب لعدم الفرق بين المتصالحين إلَّا به و للزوم تركّب العقد من ايجابين و مثله ما تتحقق به المطاوعة كالارتهان و الاتهاب و الاقتراض، فإن قبول المقترض و المرتهن يتوقف على محقق الرهن و الاقتراض، و كذا الباقي المغاير كالاشتراء الذي لا تلزم المطاوعة فيه بل يكفي الرضا المتعقب المقترن بالانشاء و لا يعتبر فيه إلَّا الرضا بالإيجاب من دون عوض فلا مانع من التقدّم فيه و ذلك مثل اشتريت و ما ضاهاها و مثل العارية و الوكالة، هذا ملخص مقالته (رحمه اللّه)" و هو مع اعتبار المراد بالعقود المعهودة ساقط من اصله و مع عدم اعتبار ذلك و محقق الاجماع على عدم الايجاب، كما حكى أيضاً كذلك و مع عدمهما فلا محيص عمّا حققه و هذا و العجب ممن يرى ان الإجازة ناقلة بمنع تقديم القبول على الإيجاب مع ان لازم النقل جواز ذلك لعدم الاعتبار بالإيجاب حينئذ فالأنسب ما عليه المصنف، و من الشروط وصل القبول بالإيجاب و عدم الفصل بينهما ذكر ذلك جماعة و عللوه بعلل اعتبارية اجودها ما ذكره الاستاذ (رحمه اللّه)" بأن الأمر المتدرج إذا كان له صورة اتصالية في العرف فالشرع يترتب الحكم على تلك الصورة، و لا يلزم بيانه لجواز الانفصال لخروجه عن المتعارف فالعقد الجامع للإيجاب و القبول بمنزلة كلام واحد بقدح تخلل الفصل فيه المحل بالهيئة الاتصالية و اعترضه (رحمه اللّه)" بأنَّ اثر البيع منوط بصدقه و صدق التجارة عن تراضٍ فلا يضر عدم صدق العقد إذ ليس الملك و اللزوم متوقف على العقد و إن‌

27

ظهر من تمسكهم بالآية ذلك ثمّ المأخذ اعتبار الاتصال بين المستثنى و المستثنى منه و غيره مثل استتابة المرتد و السكوت في الأذان و اثناء القراءة و التشهد و غيرها و يتعدى منها إلى كل كلام ارتبط بعضه ببعض لفظاً، أو معنى كتقدير ما يلزم تقديره من خبر لا مبتدأ له و بالعكس و من متعد لم يذكر مفعوله أو لصدق عنوان خاص كالعقد و القراءة إلى آخر ما رام بيانه، و في النظر القاصر ان جميع ما ذكره خارج عما نحن فيه إذ الموالاة في القول و الفعل حكم شرعي تدور الصحة و الفساد مدار وجوده و عدمه و الأصل يقتضي عدمه إلَّا بالنص عليه و ما ذكره (رحمه اللّه)" أمور اعتبارية لا يناط بها الحكم الشرعي مطلقاً أ ترى انَّ الإجارة مطلقاً يخلَّ تأخيرها بالعقد عرفاً بل حذف بعض الكلام في بعض الموارد من الانواع البديعية المحسّنة له و ان كان ارتباطياً.

نعم، لو اورث الانفصال في العقد الغرر أو الجهالة لزم عدمه لا من جهة قبح ذلك بل لعارض آخر و الاتصال في الأمور المذكورة منه ما هو منصوص عليه و منه ما يتوقف صدق المقال عليه كالمستثنى من المستثنى منه، و لو كان القاعدة و الأصل ذلك لما خصص عموم الكتاب بالخبر المتأخر أو قيد مطلقه، كذلك و ليس الحاجة إلى الاستثناء بأكثر من ذلك مضافاً إلى إنَّ خبر الساعدي يظهر منه الفصل إذ القبول قول الصحابي زوجنيها و الإيجاب بعد طول الفاصل قوله(ص): (

زوجتكها بما معك من القرآن

). عدم التعليق

و قول الاستاذ (رحمه اللّه)" و لعل هذا موهن آخر للرواية مبني على تحقق القاعدة المزبورة التي لا مساس لها و اللّه العالم، و من الشروط أيضاً ما ذكره غير واحد عدم التعليق في العقد بأن تقرن المعاملة بأداة الشرط و عللوه بفحوى التنجيز في الوكالة المتفق فيه مع كونها من العقود الجائزة، و حكى عن الفاضل (رحمه اللّه)" الفرق بين قول الموكل: انت وكيلي في ان تبيع عبدي يوم الجمعة، و انت وكيلي و لا تبيع عبدي إلَّا في يوم الجمعة، من صحة الأول و فساد الأخير مع كون المقصد واحد و بأن الانتقال بحكم الرضا و لا رضاء إلَّا مع الجزم المنافي للتعليق إلَّا ان بعضهم جعل الاعتبار بجنس الشرط لا بأنواعه و جماعة افسدوه في غير معلوم الحصول و نفوا البأس في التعليق على ما علم وجوده في الماضي أو الحال، مثل إن كان لي فقد بعته دون المعلوم في المستقبل و هو المعبر عنه بالصفة، و الظاهر اتفاقهم على عدم الجواز و ان كان لا يجري فيه اشتراط قدم الجزم لإمكانه فيه فهو كالتعليق على قدوم الحاج أو طيار البيدر الذي لا ريب في عدم صحته، اما لو شرط لوازم العقد مما كان صحته معلقة عليه في الواقع من الملك و البلوغ و القدرة و نحوها فذهب الأكثر إلى الصحة و جعلوه كاشتراط بعض الغايات فإن ما يقتضيه العقد بإطلاقه بمنزلة المشترط عند التحليل، فلا بأس في اشتراطه فهو خارج عن مورد الاجماع على عدم الجواز إذ التعليق لم يؤثر أثراً زائداً على ما افاده اطلاق العقد كاشتراط اداء الثمن و تسلم المثمن مطلقاً، و كبعتك ان قبلت، غير انَّ ما حكيناه عنه(ص) يفيد ان نفس التعليق مضر بالعقد مطلقاً و إلَّا لصحَّ انت وكيلي في ان .. الخ، و ليس له دليل إلَّا الاجماع، فإن تمَّ لزم فساد العقد به مطلقاً، فيكون اشبه شي‌ء بالأمر التعبدي و لا يضر ارتضاء الشيخ له بعد كونه معلوماً لمن ادعى الاجماع عليه، و أما غير الاجماع من العلل فقد ردها الاستاذ (رحمه اللّه)" فمنها عدم قابلية الانشاء للتعليق الذي ليس له محصّل لأن مدلول الكلام أمر وحداني غير معلّق البتة، و انشاء الملكية المقيدة بوقت أو بغيره أمر مقصود لا قبح فيه لا شرعاً و لا عرفاً بل ديدن العرف عليه في محي غائب أو قضاء حاجة فيقول: هذا لك ان‌

28

حصل الأمر الفلاني، و هو ايضاً في الشرع كثير بل اغلب ما يفيد الملكية ليس على كل تقدير و إلَّا لما صحَّ الخيار مطلقاً أو بالشرط و لا صحَّ القرض لو قال المقرض: ان قبضت مالي من زيد فهو قرض عليك، و هو كذلك لو لم يكن المدعي يرى الخروج بالدليل و ان انشاء الأمر المردد يورث عدم الجزم بالنقل و هو حصر بالعقد.

و منها أن العقد سبب تام في حصول أثر حال وقوعه و ترتب سببه عليه، و التعليق ينافي حصول المسبب في الحال و معنى الوفاء بالعقد هو هذا، و رده بأن المسبب مداو العقد ان كان مطلقاً فمطلقاً و ان مقيداً فمقيداً، مع أن حلية البيع و سلّط الناس على اموالهم يكفي دليلًا على الصحة و اللزوم مضافاً إلى تأخر مقتضى جملة من العقود مع صحتها و إلى تخلف الملك عن العقد كثيراً، و منه الفضولي و غيره، و منها لزوم الاقتصار‌

29

على المتيقن من الاسباب الناقصة الشرعية لا أنها اسباب جعلية فلا تقضي بالسببية مطلقاً، فسببيته غير العاري عن الشرط مشكوك الجعل و منعه بأن اطلاق الأدلة يورث العموم لإطلاق حلَّ البيع و التجارة و الوفاء بالعقد، فينحصر الدليل على العدم بالإجماع الذي يظهر من الشيخ و غيره خلافه و هذا في المقرون بالأداة، و أما غيره فإن كان المنشئ مردداً فلا اشكال في الصحة إذا كان التمليك مقصوداً كمن يبيع ما لا يدري انه له أو انه متحول او ان المشتري راضٍ حين الايجاب أم لا، قال الجد (رحمه اللّه) لا يخل خيال فساد المعاملة إذا لم يكن رافعاً للقصد، و كذا ما لا يمكن تحقق القصد إليه منجزاً إلا بالعلم به كالطلاق و العتق المتوقفين على العلم بالزوجية و الرقية، فلو شك الموقع لهما فيهما فعلاجه ان يوكل غيره ليحصل الجزم من الوكيل الذي لا يضر به تعليق الوكالة على ملكية الفعل للموكول لحصول الأذن، و إن ارتفعت الوكالة بالمعنى الأخص بالتعليق و حينئذ فما يكفي الجزم به عدم معلومية المسند صحَّ و لزم ان قارن القصد كما لو عقد على امرأة يشك في حرمتها عليه أو ولي الحاكم من يشك في اهليته فإن عدم العلم بالحرمة و الأهلية لا ينافي الجزم و ليس الطلاق و الخلع كذلك لأن الجزم به يتوقف على العلم بالزوجية فلا يمكن بدونها فلا يصح و ان انكشف ما اوقعه موافقاً و حكى عن قواعد الشهيد اطلاق المنع في المشكوك و منه ما لو طلق جاهلًا بحضور امرأتين أو فاسقين او صغيرين أو خنثيين فظهر انهما رجلان عادلان و له وجه يوافق الاعتبار للزوم إحراز الشرط، فلو طلّق ثلاثاً للعدة بحضورهما كذلك أو تسعاً لها لم يلزم التجحيش و لا تحرم أبداً لعدم احراز الشرط حين الطلاق لأخذ العلم الذي يلزمه الجزم في موضوع الحكم و للاحتياط وجه.

قبول الإيجاب

و من الشروط قبول الإيجاب مطلقاً أو مقيداً فلو أوجب بيع عقار أو دار فقبل نصفه بنصف الثمن لم يصح و أن معلّق الجزم بنقله في الجملة و مثله ما لو باعه من موكله فقبل لنفسه دون ما لو قبل موكله، و إن لم يكن الخطاب موجهاً إليه أو امر مأذونه بالقبول.

و من الشروط امكان الانشاء منهما و احراز القابلية إلى تمام العقد فلو خرج أحدهما عن الأهلية قبل تمامه فسد، و لا ينتقص بقبول الموصى له أو ورثته و لو بعد الرد لأنَّ القبول في خصوص المورد ليس بركن و إنما هو شرط للانتقال و حقيقة الوصية هو الايصاء ليس إلَّا.

و من الشروط حصول الرضا من الموجب و القابل لا مطلقاً بل ممن يؤثر رضا و لا يكون وجوده كعدمه فلا عبرة برضاء من عرض له السفه، أو الفلس، أو الرقية، أو مرض الموت قبل تمام العقد، و لا يمكن استصحاب صحة الايجاب قبل عروض العارض إذا عرض قبل القبول بناء على عدم التوالي لو طال الزمان و على كون الإجازة ناقلة في الفضولي للشك في تحقق الموضوع بعد خروج الموجب عن الأهلية قبل القبول، و كذا في طرف القابل فلو عرضت الرقية فسد البيع و ان قبله المولى و ليس هو كبيع الموكل بحضور الوكيل لو قبل، و إن كانت المبايعة مع الوكيل فإن شرط صحة البيع أو لزومه تحقق تمام السبب خرج عن ذلك لحوق الرضا لبيع المكره بدليله لأنهم نزلوه منزلة الإجازة في الفضولي فلو رضي بالبيع بعد الايجاب قبل القبول أو بعدهما فالمشهور على اللزوم و الصحة على خلاف القاعدة، انما الاشكال فيما لو أخذنا الإمارة الشرعية في المعاقد ثمّ ظهر الفساد مع تلف العينين أو مع وجودهما كبيع اللقطة و مجهول المالك نجد لمسوغه ثمّ ظهر صاحبه، و كذا الايقاع كما لو بان فسق الشاهدين قبل الطلاق بعد احراز عدالتهما حينه و لو بالاستصحاب فإن أجرينا الاجزاء في الاحكام الوضعية فلا اشكال في جواز التصرف و عدم الضمان فإنَّ معنى الأجزاء هنا‌

30

الخروج عن ملك صاحبه و دخوله في ملك الغير لا الأذن بالتصرف و بقاء علقة المالك الأولي كالأكل في المخمصة، و إن حكمنا بالعدم أو خصصنا النزاع في العبادة فقط أو في الأمر مطلقاً كما يرمى إليه عنوان الأجزاء فيحتمل الصحة كجواز التصرف مطلقاً بمال الغير بدون رضاه في بعض الموارد مثل المماطل و المفلس و غيرهما، فيسقط حقه بالإياس منه مثلًا، و يبني على صحة الطلاق لحكم الشارع ظاهراً بصدوره جامعاً للشرائط و عدمها فيرفع إلى الضوابط الشرعية و الأصول.

و أما لو اختلف المتعاقدان في كل من جزئي العقد أو في جميعه اجتهاداً أو تقليداً فالقاعدة ان يرتب الأثر كل على مذهبه فيجوز للمرأة مع تقليد من لا يرى صحة عقد النكاح بالفارسية ان تتزوج غير من عقدها به عليه و يلزمها الاعتزال عنه، و يجوز للمجوز العاقد أن يطأها و يلزمه الانفاق عليها فلا يعذر فيها إلَّا المجتهد بها أو المقلد و يحتمل ان الاجتهاد من الواقع الثانوي فغير المصحح للعقد الفارسي يقول بصحة النكاح به إذا وافق رأي المجتهد الآخر فالحكام الظاهر به المجتهد فيها بمنزلة الواقعية الاضطرارية كإشارة الأخرس و ايجاب العاجز عن العربية و صلاة المتيمم بالنسبة إلى الواجد في تبدل التكليف، إلَّا أن ذلك يلزمه التصويب في بعض الأحوال و عدم الانتقاض لو تبدل الرأي، و قد حكى الإجماع لأعدمهما مضافاً إلى انَّ المتيقن من الأخذ بالإمارة ما دام الواقع غير معلوم و لذا فصّل بعض سلفنا الصالح بين انتقاض الاجتهاد بظهور الحكم الواقعي أو تبدله لظاهري مثله فحكم بالانتقاض في الأول دون الثاني، و منهم من فصل بين ما يلزم من نقضه بعض المحاذير مما شأنه الاستمرار و بين عدمه فلم يرَ نقضه الأول مثل النكاح الذي يلزم من انتقاضه اختلاط الانساب و غيره مما يشاكله، و قال بالنقض في غيره و ذكر بعض المتأخرين إنَّ العقد المركّب ان وافق رأي مجتهد ما صحَّ مطلقاً و ان كان لا قائل به بطل كما لو فرض ان تقديم القبول بالفارسية لم يقل به من جوّز العقد بها و ان قال بجوازه في العربي فيبطل من حيث عدم القائل بالتركيب كذلك.

و فيه إنَّ العذرية و الواقعية الاضطرارية مرجعهما إلى اجتهاد المجتهد فإن صححنا كونه سبباً عند النافي لصح به ما اجتهد به فلا فرق بين العقدين لأن الصلح ليس وجود القائل، و إنما هو الاجتهاد أو التقليد المتفرّع عليه إذ وجود القائل به لا يكون حجة شرعية على الحاكم بالبطلان هذا و لكن الاستاذ (رحمه اللّه)" فرّق بين الشروط بالنسبة إلى المتخالفين فلم يجري احتمال الصحة في المولاة و التخيّر و البقاء على صفات صحة الانشاء إلى آخر العقد، و علله بأن القابل الذي يرى فساد الإيجاب كيف يقبل بعده فهو و إن صحَّ عند الموجب إلَّا انه لا يقضي مجرد ذلك بصحة ترتب القبول عليه حيث يرى القائل فساده، و كذا الموجب الذي يرى فساد القبول فإنه يجب عليه اعادة ايجابه بخلاف الصراحة و العربية و الماضوية و الترتيب لأن الفساد فيها مستند إلى فعل الآخر اختياراً و الفرق بما ذكره من العلة بحيث يورث ان القائل بعد المعذورية و انه من الواقعي الثانوي يقول بالفساد في بعض دون بعض إذ فساد العبارة فيهما سواء و الاستناد إلى فعل الآخر و عدمه لا ربط له بالصحة و الفساد عند الاختلاف فيلزم التأمل في عبارته (رحمه اللّه)"، و لعل الفارق عدم صدق العقد مع الثلاثة الأخيرة، و فيه ان صدق تحقق العقد و عدمه لارتباط به حكم الملك و اللزوم في المعاملة بل النقل و الانتقال منوط بصدق البيع و التجارة عن تراضٍ و يحتمل شرطية صحة التبعيض بغير الارتباطيات، و أما بها فلا يصح و ان الثلاثة لا يجوز التفكيك فيها كمن يقلّد في الموضوع مجتهداً و في الحكم آخر مثل الحائر من الموضوعات المستنبطة لكنه كما ترى لصعوبة جعل المقام من الارتباطيات، و حينئذ لو انتفى احد هذه الشروط و قبض المشتري أو وكيله أو وليّه ما ابتاعه بالعقد الفاسد الذي فقد‌

31

احدهما لم يملكه لخلوّه عن السبب المملك بعد فرض فساده، و لا يدخل في المعاطاة لأن التباني على عدم الانشاء بها إلَّا إذا اعرضا عن العقد قبل التقابض و قصد الانشاء بها، و أما بعده لو قصد التعاطي فالظاهر بطلانه أيضاً معاطاة على ما سمعت لتعقّب الانشاء عن القبض، و كان المقبوض مضموناً عليه لو تلف كالمغصوب و حكى الاجماع عليه و نسب إلى الاصحاب و ظاهر على اليد ذلك لا الحكم التكليفي فقط مثل عليك ان تفعل كذا، للفرق بين اسناد الظرف إلى فعل المكلّف و بين اسناده إلى المال كعليه دين فالمراد من الظرف استقراره في العهدة عيناً كان أو ديناً، و من هنا استند اليها في ضمان الصغير و من بحكمه و استدل أيضاً بالنص المعمول به في غرامة قيمة ولد الجارية المسروقة المبيعة لصاحبها من المشتري المستولد لها فإن ضمانه مع انه نماء لم يستوفه المشتري يقضي بضمان الجارية بطريق أولى و كون نمائها له حكم التلف لا يقضي بكونه اتلاف ليشمله من اتلف فإن المساواة في الحكم مع عدم تحقق التلف لا يجعله متلفاً.

كذا أفاد الاستاذ (رحمه اللّه)" و فيه تأمل فإن ايجاد ما يحول بين المالك و ما يملكه في كثير من المقامات مثل العتق و الوقف و الهبة حيث لا يجوز الرجوع للمالك بعين ماله مع كونه مضموناً له ينزلوه منزلة التلف لإيجاد سبب الحيلولة فلاحظ ما ذكروه في الخيار و غيره من المقامات و ما ذكروه في المعاطاة بناء على جواز الرجوع مع بقاء العين مطلقاً.

نعم، لو ثبت ان كل ما يضمن بصحيحة يضمن بفساده و ان ذلك أصل من الأصول الشرعية طرداً و عكساً ثبت الضمان، و قد لهج اكثر المتأخرين بهذه القاعدة و ارسلوها ارسال المسلمات و معنى ضمانه هو شغل ذمته لمالكه به و دركه عليه فإن تعذر ردّه ثبت بدله في ذمته و هو منحصر بالمثل أو القيمة او بأداء عوضه الجعلي الذي تراضى المتعاقدان به و امضاه الشارع كما في العقد الصحيح، أو ناقل الأمرين من البدل الجعلي و العوض الواقعي لبراءة الذمة من الزائد بعد تردد المضمون بينهما إذا تفاوتا كما ذكره الشهيد في الهبة المعوّضة لو رجع الواهب قبل قبض العوض و تلف الموهوب، و لكن الأصل في الضمان التدارك بالعوض الواقعي، أعني المثل أو القيمة إلَّا إذا دلَّ دليل على الاجتزاء بغيره أو تعيينه بالتراضي فلا دليل لمن ذهب وهمه إلى ان الضمان هنا مخصوص بالعوض المسمى كالضمان في العقد الصحيح و إلَّا لحصل التساوي بين العقدين، و ان بقي كل من العوضين على ملك مالكه فإنه لا يكفي في الفرق بعد الحكم بأنه يتلف احدهما بتعيين الآخر نظير المعاطاة على الإباحة و كون ضمان العقد الصحيح ذلك هو لجهة إمضاء الشارع ما تواطئا على عوضيته، فلا يساويه الفاسد في الامضاء و عليه فمعنى الضمان في الفاسد و الصحيح سواء، و لا تفكيك في العبارة إلَّا انه في الصحيح دلَّ الدليل على الضمان الخاص و بقي الضمان في الفاسد على اصله، كما إنَّ العقد في العبارة اعم من اللازم و الجائز منه و مما يوجب نوعه الضمان أو بعض اصنافه فالمراد إنَّ المضمون في مطلق العقود الصحيحة يضمن بفاسدها و ان كان نوع العقد لا يقتضي ضماناً كالصلح و الهبة و العارية إذا اقتضاه بعض اصنافه مما اشتمل على العوض من الأولين أو على الشرط و الذهب و الفضة من الأخير.

نعم، المسبب للضمان في الفاسد العقد و القبض لا احدهما منفرداً فينفرد بذلك عن الصحيح و سببيته من حيث أنه منشأ للقبض أو انه سبب بشرط القبض، انما الاشكال فيما لو كان صحيحه لا يقتضي ضماناً إلَّا بالشرط في ضمن عقد صحيح فهل يوجب فاسده الضمان أيضاً قيل: نعم، و قيل: لا، و الأوجه الأول لأن الشرط بمنزلة الجزء من العقد فهو صنف من اصنافه‌

32

فمثل الهبة المعوضة بناء على انها مشروطة و شرطية ضمان العين في الاجارة و المضمون من العارية لو قبض بالفاسد منها تحقق الضمان أيضاً كصحيحها متى صحَّ الشرط فيه، و أما لو خلّى العقد عن العوض فهو فاسد مطلقاً و ليس له فرد صحيح كالبيع بلا ثمن و الاجارة بشرط لا اجرة فقد نفي بعضهم الضمان فيه و ان كان نوعه يوجب الضمان لأنَّ هذا الصنف منه لو فرض صحيحاً لا يوجب ضماناً، و هو وجيه بناء على العموم المذكور و ان كان البيع الصحيح يضمن به و يحتمل الضمان بقي القول في مدرك هذه القاعدة.

يظهر من فحوى كلمات الجد (رحمه اللّه)" أن يدركها الإجماع، و من الاستاذ (رحمه اللّه)" انحصار مدركها بأمرين:

الأول: الاقدام على الضمان عند الأخذ مستشعر ذلك من بعض كلمات الشيخ (رحمه اللّه)" من ان دخوله على ان يكون المال مضموناً عليه بالمسمى فإذا لم يسلم له رجع إلى المثل و القيمة و خدشهُ بما ما يخصهُ أنه لو صح ان يكون دليلًا لقضى بضمان المسمى لا بالمثل و القيمة لأنهما انما تواطئا عليه فإذا انتفى كيف يبقى المطلق إلَّا ان يدل عليه دليل إذ المضمون غير ما اقدما عليه، سلّمنا لكن الاقدام قد يتحقق و لا ضمان كالمتلوف قبل القبض و قد يتحقق الضمان و لا اقدام كشرطية ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري لو فسد عقدهما فأنهم حكموا بالضمان، و كذا البيع بلا ثمن و الإجارة بلا عوض و ان تأمل في الضمان بعضهم في الأخيرين.

الثاني: حديث اليد الظاهر الدلالة، و نظر فيه (رحمه اللّه)" باختصاصه بالأعيان فلا تشمل المنافع و الاعمال المضمونة بالإجارة الفاسدة ثمّ قوى الضمان لجهة اليد و احترام مال المسلم و عمله و لأدلة نفي الضرر إذ العمل من العامل لم يقع مجاناً و لا متبرعاً به ليلغى احترامه، و كذا العين فكيف لا يعوّض مما يوازي عمله الذي صنعه بالاستدعاء إلى آخر ما ذكره مما يقبله الطبع و لا يمجّه السمع غير انه ان تمَّ فهو يقضي بضمان المسمى لا المثل و القيمة لأنه غرامة لم يقدم عليها المشتري فأدله الضرر و طيب النفس‌

33

أيضاً تقضي بالعدم خصوصاً إذا كان التفاوت فاحشاً فالدليل ان تمَّ قضى بغير المطلوب إثباتهُ و لا ينفع إنَّ الأصل في الضمان ذلك لأنَّ ثبوته خلاف الأصل فإن ثبت فهو ما وقع عليه التواطي و غيره يتضمن الضرر على احد المتعاوضين لكون ذلك غرامة غير ما ظنَّ نفسه عليه. نعم، لو علم بأنَّ فساد العقد يوجب ضمان المثل و القيمة كان دخوله موجباً لذلك فيعود إلى معنى الشرط كالضمان فيما لا يعود نفعه إليه، مثل السبق في المسابقة و ضمان ما لا يلزم كألقِ متاعك في البحر و على ضمانه، و حينئذ يتم استدلال الشيخ بالدخول على ان يكون مضموناً و يكون الخارج عنه للدليل الخاص فيشكل حينئذ مع الجهل به لا الجهل بفساد العقد المخصوص فإنه موجب للضمان مع العلم بأن مطلق الفاسد مضمون و لو علم احدهما بالفساد يثبت الضمان على الجاهل لأقدامه عليه على فرضه فهو غير مغرور و تسليط العالم له على المال لا يجعله أمانة مالكية لأنه دفعه على سبيل التمليك لا انه امانة أو عارية و لولاه لجاز له التصرّف و الانتفاع به مع انه ممنوع، و أما العكس و هو عدم الضمان بفاسد لا ضمان بصحيحة من حيث افادته بنفسه و ان حصل بالشرط الضمان و ذلك كالرهن و الوكالة و المضاربة و العارية مطلقاً بناء على ان المضمون منها بأمر خارج، و كذا الإجارة الفاسدة إذ بصحيحها لا تضمن العين المستأجرة به لكن مال بعض المتأخرين إلى الضمان لتنزيله منزلة المغصوب بعد فساد الاجارة و هو مرهون و إلَّا لجرى في فاسد الرهن لأنَّ استيلائه بغير حق ايضاً إلَّا ان يكون هناك اجماع، و علله الاستاذ (رحمه اللّه)" بخروجها عن مورد القاعدة لأن موردها مورد العقد و هو في الإجارة المنفعة لا العين، فيجري في العين القواعد، و في الصحيحة منها الغير امانة مأذون من المالك في التصرّف بها، فلم يكن فيه ضمان و في الفاسدة إنما دفعها المالك بناء على استحقاق المستأجر لها و حيث لا يستحق التصرّف بها قيده يد عدوان و هو قاضٍ بالضمان.

ما لا يضمن بصحيحه

قال (رحمه اللّه)" فالقاعدة المذكورة غير مخصصة بالعين المستأجرة و لا متخصصة .. الخ، و لما ذكره من سبب خروجها عن القاعدة و لعله لخروج العين عن مورد العقد و كون الضمان بعد التساقط خلاف الأصل و كون يده يد عدوان بمجرّد تبيّن الفساد أول الكلام بعد حصول الأذن من المالك كما لو سلّط الغير على ماله بزعم أنه للغير و بعد التلف انكشف الخلاف فإنه لا بغض و لا عدوان و لا يشمله من اتلف لاختصاصه بغير المأذون و لو بالفحوى و لكن مع ذلك لا يخل الضمان من وجه خصوصاً بعد علم المستأجر بفساد الإجارة لارتفاع الأذن حينئذ جزماً، و أما قبله لو تلفت العين ثمّ بان الفساد فالمؤجر إذا امتنع شرعاً مطالبته بالمسمى و ثبت له أجرة المثل صارت العين لها حكم المغصوب مع الجهل بالغصب و لازمه الضمان فلو افاد الأذن عدم الضمان لقضى بثبوت المسمى لأنه الذي وقع عليه التراضي، و حينئذ لا فرق بين الفاسد و الصحيح من الإجارة فالقاعدة متخصصة كهو في الصيد المتعارض المحل للمحرّم في الحرم و كشراء المرتدة من مالكها قبل الاستنابة إذا لم تتب و شراء الخمر من مستحلّه و غيرها، مما ثبت به الضمان قبل التلف للقيمة من جهة وجوب الاتلاف فلا يقال إنَّ العارية لا ضمان في صحيحها فكيف يضمن بالفاسد لأن ضمان فيها لا دخل له بالعقد و إلَّا لوجب الرد، و إنما هو لوجوب الاتلاف على المستعير كالضمان في الأمثلة ثمّ يشكّل اطراد القاعدة في المنافع التي لم يستوفها المشتري في البيع الفاسد ان قيل بضمانها فيه دون الصحيح لأن الثمن دفع بإزاء العين فلا يضمن البائع المنافع قبل دفعها إذا لم يستوفها فيه.

34

و فيه المنع من ضمان المشتري، و إن زعم بعد تسليط المالك له على العين على نهج بيع الصحيح بل لا يضمن الأصل لكونه حينئذ من قبيل الامانة في العوضين و إن لزم الرد فوراً لأنَّ اذن المالك في التصرّف كان على وجه خاص قد ارتفع و مئونة الرد على المشتري من باب المقدمة إذ لم يصدّق الضرر، و مثله ردَّ الثمن و له امساك المبيع إذا علم من البائع المماطلة برد الثمن دفعاً للضرر لكن بعد الرجوع إلى الحاكم و بشكل اطرادها أيضاً في الحمل لعدم ضمانه للبائع بالصحيح على القول بعد التبعية و ضمانه في البيع الفاسد، و فيه المنع من ضمانه أيضاً، إلَّا إذا اشترط دخوله في المبيع فلا نقض و في شركه العنان مع اذن أحدهما للآخر في العمل مما اشتركا فيه الذي يمكن ان يقابل بالعوض فإن غير العامل من الشريكين أو الشركاء لم يضمن أجرة الشريك في عمله فلو كانت الشركة فاسدة ضمن الأجرة لاحترام العمل، و فيه ان الشريك بمنزلة المتبرّع‌

35

حينئذ خصوصاً إذا طلب من الشريك ذلك، و كذا لا يضمن ما اتلف بعد الاذن له في التصرّف و لا يجدي في الضمان حديث اليد لخروج المقبوض بالأذن عنه في الصحيح و الفاسد من العقد إذ المالك سلطنة على ماله و ان كان بعوض لم يسلم له إذ غايته رد عينه إليه أو بدلها الواقعي أو الجعلي إلَّا إذا دخل في المغصوب و ذلك أيضاً مقيد بالعلم هذا كله في غير المستوفاة من المنافع، و أما هي فظاهر المشهور ضمان ما يستوفيه قبل الرد لأنه مال ظهر انه للغير و إن لم يأثم قبل علمه بالفساد في الاستيفاء و لكن نفى الضمان في الوسيلة لحديث الخراج بالضمان بمعنى ان ضامن العين له خراجها فالغنيمة و الفائدة بإزاء ضمان العين كنماء المبيع بالخيار للمشتري و المرهون للراهن لأن ضمانهما عليهما فالمشتري لم يقدّم على تقبيل البائع إلَّا بعد كون الخرّاج له و درك الغير عليه في صحيح العقد و فاسده فلا يجتمع ضمان الغير مع ضمان الخراج بعد كون النماء في مقابل الغرامة.

ما يضمن بصحيحه

و ردّه الاستاذ بأن الضمان للعين أمر قهري حكم به الشارع كضمان المقبوض بالسوم فلا يكون عوضاً عن الخراج لأنه لم يقدم المتبايعان عليه ليكون الخراج بدله فالضمان الذي بإزاء الخراج هو الثابت بالاختيار حيث يقدم عليه المتعاقدان لا مطلقاً مع ان منفعة العارية المضمونة للمعير مما أقدم المستعير على ضمانها إلَّا ان يكون اقدامه بإزاء الانتفاع لا المنفعة فالرواية مرهونة سنداً و دلالة مضافاً إلى ان ضمان نماء الجراية المسروقة لمالكها كما ورد، و ضمان المنفعة في المغصوب كذلك كما في صحيح أبي ولاد مما يعارض الرواية أيضاً و ان كان موردهما التصرّف في مال الغير لا من جهة تسليط مالك العين على المنافع لضمانها بالعوض إلَّا انها ينافيان عموم الخراج بالضمان فمعارضتهما لذلك و ان اختلف المورد، لكن الاستاذ (رحمه اللّه)" ضعف الرد بها و هو بمحلّه، غير ان الظاهر من قوله المراد بالضمان الذي بإزائه الخراج التزام الشي‌ء على نفسه و تقبله له مع امضاء الشارع له انتهى.

قصر عدم الضمان على البيع الصحيح الممضي عن الشارع و إلَّا كان مضموناً و هو غير مسلم لأن هذا البيع متضمّن لرضاء البائع بالاستيفاء للمنافع و ان فسد و ليس مجرّد فساده يرفع الرضا بذلك و إن أوجب إرجاع العين لمالكها و الرضا سبب تام في حلية المال، و لذا حلَّ بالفحوى من دون حصول المعاقدة الموجبة لحصول الاذن، و بذلك حلَّ استيفاء منافع المنيحة في قبال علفها مع عدم دخولها في شي‌ء من العقود إلَّا الاجارة الفاسدة من جهة ضمان العين للمالك، و الحال ان المنافع غير مضمونه. نعم، لو نهى المالك ضمن المستوفي للمنافع في كل الثمن و المثمن مع نهي الآخر و لزوم رد كلٌ إلى مالكه فوراً و هل لغير المنافع حبس مال صاحبه قبل استيفاء ماله يأتي الكلام عليه، و من ذلك يعلم حال المنافع الفائتة التي ذهبت على المالك و لم يستوفها المشتري، لكن ظاهر الأكثر الضمان لأنه فوت على المالك مالًا بمنزلة المقبوض له من جهة قبضه للعين فللمنفعة حكم المقبوض و لذلك تحصل المعاوضة و يتم البيع بقبض الدار المجعول منفعتها ثمناً و قبض الجارية المجعول خدمتها كذلك في السلم و غيره.

و فيه ان لو سلم كون المنافع أموالًا نقول إنَّ مورد حديث اليد الاعيان و لا يشمل الموصول غيرها و لذلك لا يضمن التفاوت في السمن و الضعف، لا في الكبر و لا الصغر في الحيوان المغصوب بعد ردّه مع إنَّ الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال و ما ذلك إلَّا لأنَّ الصغر و السمن ليس من الأموال، و ان تفاوتت القيمة فيه فيعود إلى تفويت منفعة المالك و منه يظهر فساد ما تعلّق به البعض من إنَّ الضمان لجهة احترام مال الغير لنفيه مع عدم الاستيفاء و به مع تسليط صاحبه عليه خصوصاً إذا علم احدهما بالفساد بالنسبة إلى ملكه في الثمن و المثمن مع ان‌

36

معنى ضمان صحيح البيع هو وجوب دفع عوضه و ذهابه من ماله و المنفعة في العوضين هي لهما مجاناً فليست بمضمونه و مشموله لما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده و لولاه لتقصد الثمن عليها و الضمان في المستوفاة إن قبل به فهو لجهة الإتلاف لا التلف و صحيح النصوص في يد المغصوب وجوب ردّه مع سكوتها عن المنافع مطلقاً، فالموافق للأصل عدم الضمان مطلقاً خصوصاً في غير المستوفاة أو الحكم فيهما بالضمان و الفرق بالاستيفاء و عدمه يلغى لحصول فواته على المالك و ان لم يستوفِ هذا الفوت بالتسبيب و لا فرق بينه و بين المباشرة و عليه الفاضل في كلامه تبعاً للحلي إذا ساوى المبيع بالبيع الفاسد للمغصوب مع الاعراض عن صحيحة ابي ولّاد الظاهرة في ضمان المنافع المستوفاة دون غيرها،

37

و لما كان الأصل في الضمان ضمان اليد لا المعاوضة و هو غرامة المضمون بالمثل أو القيمة، فلا جرم من معرفتهما فالكلام في أمور:

أولها: المثلى ما لا فرق بين قيمة مجموع اجزاءه مجتمعة او متفرقة أي ما ليس له صورة اجتماع تزيد او تنقص عمّا لو بيعت اجزاءه متفرقة و ذلك في النوع الواحد الذي لا اصناف له، و الصنف الواحد من أصناف النوع المتفاوتة.

و الأول: مثل المسكوك من العينين الذي لا نقص و لا غش فيه كالمجيدي و البرا و المنقنة و الاشرفي في زماننا.

و الثاني: كالحنطة و الشعير و الأرز و سائر الحبوب المختلفة بالصنف فلو كان المضمون بعضاً من الأول او من احد الأصناف في الثاني لزم دفع مساويه من ذلك النوع أو الصنف المخصوص، و إن اختلفت قيمته يوم القبض عن زمن دفعه أو مكانه عن مكانه لسقوط حق المضمون له يدفع الضامن إليه مثل ماله لتنزيله منزلة عين ماله بل الذي يترجّح في النظر إنَّ ما يصح بيعه سلماً هو مثلى، فإذا اجتزى به المشتري أو لزمه قبوله شرعاً عوض الثمن فكذا يصح به الوفاء عمّا في الذمة و يلزم بأخذه المضمون له إذا امتنع لأنه أقرب طرق الإيصال و الوفاء، و إن حصل به الضرر من جهة تفاوت القيمة لكونه كالمغصوب الباقية عليه مع تفاوت قيمته فهو كالمسلم فيه بالنسبة إلى المسلم فكان الأصل في الوفاء و الرجوع إلى القيمة تعذره، و يكفي في اصالته و اعتباره فحوى نصوص السلم و كلمات الاصحاب في مقامه و إلا كيف ينعقد البيع مع فرض التفاوت المورث إلى الجهالة و الغرر إذ مطابقته للأوصاف جميعاً متعذرة أو متعسرة فإذا برئت ذمة البائع بدفع ما يقارب الوصف كذا تبرأ ذمة الضامن بمثله المقارب، و إلَّا لانحصر الأمر بإرضاء المضمون له و تخييره و إن حصل الضرر العظيم على الدافع و هو ينفي، و حينئذ الضابط للمثلى ما يصح سلماً في البيع و يصح اقراضه فمن فحوى نصوص القرض و السلم يشخّص المثلى و يعرف عرفاً و شرعاً و عليه فلا حاجة لما اطنب به الأستاذ من تشخيصه، و ذكر ضوابطه و اختلاف تحاذيره إذ كلهم يحمون حول المماثلة العرفية، و في الخبر القرض بمثله و إنما يأخذ دنانير مثل دنانيره في آخر، و النبوي الظاهر منه عدم المثليّة في الوفاء حيث دفع الباذل عوض البكر يأتي الكلام عليه في بابه إن شاء اللّه تعالى.

و مع ذلك كله فقد ذكر الاستاذ (رحمه اللّه)" في منفي خفائه ما ملخصه ان لا حقيقة شرعية و لا متشرعية للفظ المثل و لا المراد المعنى اللغوي منه و لا في النصوص حكم تتعلق بهذا العنوان انتهى. مع ان نصوص القرض و السلم ظاهرة في تعلّق حكمها به، ثمّ ذكر ان ما كان مثلياً باتفاق المجمعين فلا اشكال في ضمانه به و ما اختلف كلام المجمعين فيه لا يستدل عليه بالإجماع مثل غير المسكوك من النقدين و الحديد و الرصاص و غيرها، فيلزم الرجوع فيما اختلف فيه إلى الأصول و أصالة البراءة عمّا زاد على ما يختاره الضامن عند الشك تورث التخيير بين المثل أو القيمة في الاداء ان يخالف ذلك الإجماع و إلَّا كان الأصل تخيير المالك في المضمون لأصالة الاشتغال و عدم البراءة بما لا يرضى به المالك و عموم على اليد ايضاً يقضي بعد ارتفاع الضمان إلَّا برد العين أو ما يرضى به المالك فلا مورد لأصالة البراءة بعد تحقق الاشتغال و عدم اليقين بها، و دفع القول بأن التخيير مجمع على خلافه بأنه من باب تخيير المجتهد بالفتوى لانحصار العلاج به من جهة دوران الأمر بين محذورين، فهو و إن اجمع على خلافه لا بد من ارتكابه لانقطاع التشابه به و تأمل به لأنه يشبه القياس مع إمكان العلاج في الرجوع إلى الحاكم فبعين ما يختاره و يلزم اتباعه.

38

المثل و القيمة

ثمّ حكم (رحمه اللّه)" ان الأصل في الضمان المثل لأنه أقرب إلى المضمون التالف فإن تعذّر حتى في القيمي يرجع إلى القيمة و هو بمعنى الظاهر و لو لا هذا الظهور لوجب البيان على الشارع و بأن قوله تعالى: [فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ] إن المماثل المثل في المثلى و القيمة في غيره في جميع المضمونات و إن لم يكن على سبيل العدوان لعدم المفصّل و ظاهرها المماثلة في الاعتداء و المعتدى به لا في خصوص الأول كما قاله بعضهم، و خدش (رحمه اللّه)" الدليلين و القاعدة المستفادة من اطلاق الضمان و اهمال بيان المضمون و الآية بأنهما يقتضيان المثلية حتى في القيميات وجد المثل أو فقد، أما مع وجوده فظاهر و أما مع فقده فيلزم اداء قسمته يوم الدفع كما لو تعذر المثل في المثلى و لا يقولون بهما و ان لزوم رد العين المقترضة من جهة اداء القرض لا ضمان المثل بالمثل و أيضاً لو اعتبرت المماثلة من جميع الجهات لكان المماثل الناقص في القيمة لا يلزم المضمون له بقبوله لعدم المماثلة في المالية مع إنَّ المشهور الزامه بالمثل، و إن نقص بل لو سقط عن المالية أيضاً في قول فاتضح ان الدليلين أعم من وجه من حكم الأكثر في المسألة لاجتماعهما في المماثل من كل وجه و انفراد مقالة المشهور بنقصان المثل عن التالف لحكمهم ببراءة الذمة في دفعة و انفراد الدليلين في القيمي عند المشهور مع وجود المماثل له مثل الثوب المنسوخ من قطن خاص المعلوم طولًا و عرضاً و كذا في العبد المساوي في الصفات، و لذا لو ساوى المتلوف ما في ذمة المتلوف عليه من عبد للتالف لا يقع التهاتر بينهما و لو اعتبر المثل لوقع، ثمّ ذكره ان عموم الآية و الدليل لا يخصص إلَّا بما اجمعوا على انه من القيمي فيدخل المختلف فيه في المثلى و لا يمنع من ذلك تخصيص العام بالمجمل المفهومي المتردد بين الأقل و الأكثر في مورد الشك فإن ذلك لا يخرجه عن الحجية فيه ثمّ لخّص مقالته (رحمه اللّه)" بأن المثلي المجمع عليه يظهر بمثله مطلقاً و ان نقص عن التالف قيمتا لتبدل الزمان أو اختلاف المكان، لإهمال هذا التفاوت للخبر الظاهر بأجزاء ما اسقطه السلطان و روّج غيره من الدراهم في القرض إذا كان من الساقط قبل سقوطه و يضمن القيمي بالقيمة متى كان مجمعاً عليه و ان وجد المماثل أو صرّح الضامن بضمان مثله و ما شك فيه يلحق بالمثلى مع عدم الاختلاف في القيمة و مع الاختلاف في القيمة بين القيمة المدفوع و التالف يلحق بالقيمي لجهة دفع الضرر على المضمون له و يحتمل تعين المثل و الزامه به لما سبق من اصالته و براءة ذمة الدافع يدفعه، و له اشار بالتأمل هذا خلاصة ما افاده (رحمه اللّه)" عليه، و فيه من تشريح الذهن ما هو ظاهر للفطن غير انه لا تبعد ان يكون المدار في المثلى و القيمى على المتعارف، و العبرة فيه عند تحقق التلف و انه مثل الكيل و الوزن المعتبر مثلياً في زمان و قيمياً في آخر أو في مكان دون مكان فيما كان قيمياً عند التلف ضمن قيمته، و ان حصل المثل و كذا العكس، و فيه تدفع القيمة عند تعذره لا يوم الضمان فلا دخل للإجماع فيهما كما لا دخل له في المكيل و الموزون إلَّا من جهة كشفه عن تحقق المتعارف لو شك فيه و يسهل الخطب إذا كان المرجع فيه إلى العرف و مذاق الفقاهة في امثاله من الكيل و الوزن و الوسق و الرطل و الصاع تقتضيه فلا حاجة إلى هذه المتعبة.

ثانيها: ان المثل أما ان يتعسّر او يتعذر.

39

و الأول: أما أن يكون تعسّره لزيادة قيمته السوقية على قيمة التالف يوم تلفه أو لغرة وجوده إلا عند من يعطيه بأزيد من ثمن المثل الذي ترغب الناس فيه و اللازم تحصيله كيف ما كان بعد كونه مضموناً على كلا الطريقين فيلزم بالمثل زاد أو نقص و لا ينتقل إلى القيمة فهما معاً و ما قبل من ان الموجود بأكثر من ثمن المثل كالمعدوم كما في الهدي و الرقبة في الكفارة خصوصاً مع الحاجة الماسة و معاندة البائع موهون بعدم قضاء الضرر بالانتقال في الغاصب قطعاً و في غيره بعدم المفصّل لكن في عدمه لو لم يوجد المثل إلَّا بالأكثر من ثمن المثل ففي وجوب الشراء تردد انتهى. و لعله أراد الصورة الثانية لا مطلقاً لعدم الزيادة عن ثمن المثل في السابقة و يجب نادية المثل عند المطالبة مطلقاً من دون فرق بين الزمان و المكان لتسلّط المضمون له على الضامن الذي لا يرفقه إلَّا التعذر المفقود و هو الذي يقتضيه عدل الاسلام و أصول المذهب كما نبه عليه الحلي (رحمه اللّه)".

و أما الثاني: فلا شك في سقوطه عند التعذر و وجوب دفع القيمة عند المطالبة لتسلطه على مطالبة الغريم بالعين أو البدل إذا تعذر، و أما مع عدمها فحقه باق في المثل و إن تعذر إذ نفس عدم وجوده لا تعين البدل حيث لا نطالب المضمون له بحقه و تعتبر قيمة يوم المطالبة، و قيل يوم الدفع إذ لو حصل المثل قبل الدفع و بعد المطالبة فليس للغريم الالزام بالقيمة و لا للضامن كذلك، فالمثل ثابت في الذمة إلى زمان دفع القيمة فالمثل كالدين لا يسقط بتعذر ادائه بل لو وجد المثل قبل تلف عين القيمة المدفوعة فلا يبعد ان للضامن استرجاعها و دفع المثل و المضمون له كذلك أخذاً بما تقتضيه القواعد و مع ذلك احتمل غير واحد بأنَّ العقد سبب للانتقال إلى القيمة، و منعه الاستاذ و غيره بأن سقوط المثل بدفع القيمة عند التعذر لا يوجب براءة الذمة من قبل اداءه و مطابقة الغريم لعدم انقلاب ما في الذمة و تبدّله، و هكذا جميع الواجبات التوصلية و التعبدية الكفائية فإن الذمة لا تبرأ إلَّا بوجود الفعل من غيره في الخارج لا بمجرّد العلم بأن الغير سيؤخذ ذلك و إن وجب على الغير بالعارض كمن نذر غسل الثوب أو صلاة الميت إذ بالنذر لا يسقط الوجوب عن غيره ثمّ خدش ذلك بأن التعذر صيّر المثلى قيمياً كما لو لم يوجد ابتداء كما في القيميات، إذ لا فرق بين طرو التعذّر بعد الوجود أو قبله فيما لا مثل له و هو جيد لو لا انه لا قائل به لو وجد بعد التعذر قبل الدفع فلو اشتغلت الذمة بالقيمة لألزم بها الضامن مع انه ليس كذلك فما هو إلَّا انتقال مراعي كتبرع الغير بوفاء الدين إذ قبله لا تبرأ ذمة المديون و إن أمكن سقوط الدين بدفع المتبرّع، فالدفع للقيمة مثله و مثل ما لو لم يدفعه لعسر مع وجوده فإنه لا يسقط اعتباره بالإعسار فلو ايسر لزم دفعه، ثمّ انه (رحمه اللّه)" سرد المقالة و أتى بتمام الصور المحتملة في المسألة و ذكر احكامها بما لا مزيد عليه (رحمه اللّه)" و خلاصة ما أفاده (أعلى اللّه مقامه) هو ان الثابت في الذمة عند تلف العين المغصوبة او المطلقة هو مثلها فقط و لا يصح دفع القيمة بدلها مطلقاً مع التمكن و عدمه و سواء كان التعذر ابتداء كالقيميات او بالأثناء كغيرها و الرجوع إلى القيمة هو مع المطالبة لجهة دفع الضرر و عدم سقوط الحق فلا يغرم المتلف إلا قيمة يوم ادائه إذ به يرتفع ضمان المثل و يصل الحق إلى صاحبه و برء ذمة الضامن و هذا هو الموافق لظاهر كلماتهم.

و ظاهر الاستاذ (رحمه اللّه)" ايضاً اختياره خصوصاً في غير القيمى ابتداء، و أما فيه فالمتجه ثبوت قيمة يوم التلف لتحقق الانتقال و شغل الذمة فينوب مناب الغير المضمونة، و أما لو قلنا ان ادلة الضمان لا يتبادر منها إلَّا ضمان الأقرب إلى التالف متدرجاً فالمثل يقدم على غيره لقربه فإن لم يكن قام غيره مقامه فينقلب المثل قيمياً عند عدمه ابتداء أو تعذره، و تعتبر قيمة العين عند الأعواز لا قيمة المثل المفقود بعد وجوده زمان وجوده، فحينئذ يعتبر حال الأعواز‌

40

لأنه أول ازمنة كون المتلوف قيمياً، و يفرّق بين القيمي ابتداء أو ما أنقلب إلى القيمة بضمان قيمة الأول، أما حين الغصب أو حين التلف أو اعلى القيم في المغصوب دون غيره فيعتبر فيه احد الأمرين السابقين و يكون المدار في الثاني على يوم الأعواز و الأعلى منه إلى دفع القيمة ان قلنا به مطلقاً، و احتمل الجد (رحمه اللّه)" صدق تعيين قيمة يوم التلف في المتعذر ابتداء لعدم شغل الذمة بالمثل ابداً دون ما طرء التعذر عليه فتجزئ فيه احتمال يوم التلف أو الاعواز او الاداء حسب ما مرَّ، و هو ظاهر الفاضل (رحمه اللّه)" و مبني على ان التمكن من المثل شرط لحدوثه في الذمة و يمكن منعه و إلّا لجرى ذلك فيما طرء عليه التعذر، فلا تشتغل الذمة بعد العجز لأن استقراره منوط حينئذ في استدامته و لم يسبقه احد إلى ذلك إلَّا انه موافق للقاعدة و لازمه ان لا تتعين القيمة إلَّا بعد القبض و الأعواز حينه، فلو تعذر ثمّ وجد ليس لصاحبه المطالبة بالقيمة لطرو العجز فإن طروه لم يرفع شغل الذمة و انقلاب المضمون قيمياً حتى لو وجد بعد فقده و هو تعين إن لم يكن المشهور على خلافه.

ثالثها: أن القاعدة توجب تحصيل المثل بهما امكن لأن له حكم العين الذي يلزم ردها و لو بمئونة فلا ينتقل إلى القيمة إلَّا عند التعذر، لكن ظاهر من حكم بالانتقال حين الأعواز لا يلتزم برد العين لو وجدت بعد التعذر و هو كما ترى و يصدق الأعواز بعدم الوجود في البلد و اطرافه او كان مما لا ينقل عادة و ان وجد في مقام آخر و هو خلاف القاعدة، و إن وجد في اخبار السلم تحتمل ذلك فالمراد بالتعذّر هو العرفي لا العقلي.

رابعها: تعرف قيمة المثل بعد فقده بالمتعارف من قيمته لا بالأعلى و لا بالأدنى و الذي لا يوجد له إلَّا مثل نادر عند من لا يرغب في بيعه إلَّا بما يريد لا عبرة به بل يرفض موجود تتعامل به الناس فلا عبرة بقيمة الثلج في الصيف قبل وجود المكينة و تعارف بيعه و شراءه، فكل ما لم يقدح وجوده في صدق التعذر لا عبرة بوجوده قبل فقده في التقديم لكن يشكل الحال بوجوده مع المطالبة به، و الظاهر أن حكمه حكم المتعذر لنفي الضرر فلو ضمن له ثلجاً اغتصبه في الشتاء فطالبه في الهجير مع وجوده عند من لا يرغب في بيعه إلَّا بأضعاف القيمة ينزل منزلة المعدوم، و يستحق قيمته عند التلف او الاعواز و لو تفاوتت القيم للمثل أخذ بما لا ضرر فيه منها و الانصراف إلى بلد القرض أو السلم لا يأتي في الضمان، و كذا يعتبر قيمة المثل قبل سقوطه عن المالية، فمن غصب ماء مفازه ينال المغصوب فيها العطب يقرض قيمته المتعارفة هنا و لا يبرأ الضامن يدفعه وسط الماء لو كانا فيه لسقوطه عن المالية حينئذ فلا يعدّ المثل وفاءً.

خامسها: لو وجد المثل بعد دفع القيمة كان لا حكم له لبراءة الذمة بدفع البدل فلا يعود الشغل إذ الساقط لا يعود، كما أن المعدوم لا يعود و إن لم يسقط المثل عن الذمة بالإعواز لأن سقوطه بأداء عوضه كسقوطه بغيره مع وجوده إذا رضي المضمون له بالبدل و مع انقلابه قيمياً عند التعذر فالسقوط اوضح إذ المدفوع نفس ما في الذمة، و احتمل الاستاذ (رحمه اللّه)" ان القيمة بدل حيلولة التعذر عن المثل فلو وجد انتفت الحيلولة فيعود المبدل، و هو مبني على ان براءة الذمة مراعاة بعدم وجود البدل كالمرض الحائل عن استعمال الماء الموجب للتيمم و لعله هنا لا يمكن ادعاؤه لأوله إلى ضمان عين المدفوع للمالك فلو اتلفه او شي‌ء به فسد بيعه و لزوم مثله في الأول أو قيمته على ما سلف ورد عينه في الثاني مع وجودها و لو بأضعاف القيمة أو بدلها، فيتسلسل في بعض الفروض و لعلهم لا يلتزمونه مطلقاً مع الرضا بالقيمة او الزام الشرع بها و سيأتي ما يفيد المقام.

41

سادسها: أن ظاهر مقابلة القيمي للمثلى في كلماتهم هو عدم اعتبار المثل في الأول و ان وجد المماثل كالكيل و الموزون و تشخيص القيمي اما بالإجماع او بالمتعارف أو بالتنصيص عليه من صاحب الشرع و ليس في الادلة ما يفضي بأن القيمي ما تعذر مثله ابتداء او مطلقاً و بذلك يصرّف ظاهر الآية إذ مع وجود المثل من جميع الجهات و تعين القيمة لم يكن الاعتداء بالمثل فلا يلتفت إلى ما يظهر من المصنف في القرض تبعاً للشيخ (رحمه اللّه)" بأن الانتقال إلى القيمة عند تعذر المثل يترتب عليه وجوب قيمة يوم الدفع للعين أو للمثل لو وجد ثمّ تعذر إذ لا يبقى للمقابلة وجه و لا للتقسيم معنى و ليس تفسير المثل بعد إحراز، إن التالف من القيمي يوجب في اداءه لقربه منه فإن ذلك مناسبة بعد خروج القيمي الذي له مماثل عن ظاهر آية الاعتداء بالنصوص الماضية بذلك مثل رواية تقويم العبد لقوله(ع): (

من اعتق شخصاً من عبد قوّم عليه

) مع امكان وجود المثل، و لذا صحَّ بيعه سلماً و كذا ما قضى بسقوط الدين في اتلاف المرهون لجابه الشامل لإمكان البدل و كذا صحيحة ابي ولّاد في ضمان البغل و غيرها، فنفي البعد من الاستاذ (رحمه اللّه)" في البحث بعيد جداً، إن لم يكن التفضيل بين المتيسّر و عدمه احداث قول ثالث.

سابعها: أن القيمة لو لزمت الضامن بدل العين المتلوفة في البيع الفاسد فهي قيمة العين أو المثل يوم تلفها أو تعذره و نسب ذلك للأكثر و وجّه ذلك بكون الانتقال إلى القيمة هو يوم التلف فهو المضمون و قبله الضمان للعين، و خدش بان يوم التلف هو يوم الانتقال إلى القيمة مطلقاً لا خصوص قيمة يوم التلف فلا بد للخصوصية من دليل فإن فقد رُعي جانب المضمون له لتسلطه على الضامن.

و ردّه الاستاذ (رحمه اللّه)" بأنَّ الأصل في ضمان التالف ضمانه يوم تلفه و معنى ذلك وجوب تداركه ببدله الذي يجعله بمنزلة انه لم يتلف و ليس هو إلَّا قيمة ذلك الوقت لحصول التدارك و هو متين، غير ان ضمان العين من حين القبض على هذا النحو و هو ان بقيت ردها، و إلَّا اعطى القيمة فتلفها المتأخر عن يوم القبض مع اختلاف القيمة و تعيين قيمة يوم التلف، اما يوجب الضرر على المالك او الغريم لأنه ان نقص عن يوم القبض تضرر المالك و ان زاد تضرر الغريم فينبغي مراعاة يوم القبض لا يوم التلف لأن ضمانه مقيّد بعدم تلفه الموجب لقيمته عند قبضه.

نعم، لزوم أعلى القيم في المغصوب لو قلنا به فبدليله و لو ألحق المبيع فاسداً به كان له حكمه، و هو اعتبار يوم الغصب للرواية و هو دليل آخر لاعتبار يوم القبض و حصول التدارك به لا يوم التلف الذي ربما يزيد أو ينقص غايته.

إنَّ الغاصب من بين من عليه العهدة يؤخذ بأشق الأحوال فيغرم اعلى القيم و لا يطرد ذلك في كل ضامن و يكون الزائد فوق ما يتدارك به عقوبة و جزاء لمعصيته.

ثامنها: أن المبيع فاسداً هل يلحق المغصوب في الغرامة لا في الاثم أم لا، و الأول الحلي و جماعة، و الثاني لغيرهم، و يستدل للأول بصحيحة أبي ولّاد الكاشفة عن كيفية التدارك و الغرامة في المضمونات مطلقاً بيوم الضمان فيه، فإنها و ان وردت في المغصوب إلَّا انهم عمموا الحكم لاتّحاد المناط ففي الصحيح عن ابي ولّاد (

قال: اكتريت بغلًا إلى قصر بني هبيرة ذاهباً و جائياً بكذا و كذا، و خرجت في طلب غريم لي فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت ان صاحبي توجه إلى النيل فتوجهت نحو النيل فلما أتيت النيل خبرت انه توجه إلى بغداد فأتبعته و ظفرت به و فرغت ما بيني و بينه و رجعت إلى الكوفة و كان ذهابي و مجيئي خمسة عشر يوماً فأخبرت صاحب البغل بعذري و أردت ان اتحلل منه فيما صنعت و ارضيه

42

فبذلت له خمسة عشرة فأبى ان يقبل فتراضينا بأبي حنيفة و اخبرته بالقصة و اخبره الرجل فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: أرجعته سالماً، قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً، قال: فما تريد من الرجل؟ فقلت: اريد كراء بغلي فقد حبسه على هذه المدة، فقال: اني ما ارى لكَ حقاً لأنه اكتراه إلى قصر بني الهبيرة فخالف ركبه إلى النيل أو إلى بغداد فضمن قيد البغل و سقط الكراء، فلما ردَّ البغل سليماً و قبضته لم يلزمه الكواء، قال: فخرجنا من عنده واخذ صاحب البغل يسترجع فرحمته مما افتى به ابو حنيفة و اعطيته شيئاً و تحللت منه و حججت تلك السنة و اخبرت ابا عبد اللّه(ع) فقال: في مثل هذا القضاء تحبس السماء مائها و الأرض بركاتها، فقلت، فما ترى انت جعلت فداك؟ قال(ع): ارى عليك مثل كرى البغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل و من النيل إلى بغداد و إلى الكوفة و توفيه إياه، قال: قلت: فقد علفته بدراهم فلي عليه علفه؟ فقال(ع): لا لأنك غاصب، قلت: أ رأيت لو عطب البغل أو أنفق أ ليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة بغل يوم خالفته، قلت: فإن اصاب البغل عقرٌ أو كسر او دبر؟ قال(ع): عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم ترده عليه، قلت: ممن يعرف ذلك؟ قال(ع): انت و هو اما ان يحلف هو فيلزمك و ان ردَّ عليك اليمين فحلفت على القيمة لزمك ذلك أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون ان قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا فيلزمك

) الخبر، و دلالتها على المطلوب من قوله قيمة بغل يوم خالفته الظاهر كما ادعاه الاستاذ (رحمه اللّه)" ان مراده(ع) قيمة بغله يوم المخالفة لا قيمة مثل بغله فليس منها دلالة على ضمان القيمي بالمثل و ان اسقاط لام العهد من البغل من جهة اضافته إلى اليوم و هو قيد للقيمة او للاختصاص الحاصل من الإضافة إلى البغل و بعّد (رحمه اللّه)" تعليق الظرف بنعم الواقعة بعد يلزمك بل نفى امكانه بتقرير ان مورد السؤال بعد الفراغ من ضمانه بالتلف بسبب المخالفة انه أي قيمة يدفع عند اختلاف قيم البغل لا أن يلزمه دفع القيمة ام لا و هو جيد غير ان العبارة محتملة للوجهين يدل على الأول ان السائل اراد تقرير ما حكم به ابو حنيفة بأني لو ضمنته لم اؤدي كراه بخيال ان المضمون لا تضمن منافعه فأجابه الإمام بضمان الجميع و عين له ما يضمنه من قيمته حسب ما فهمه الاستاذ (رحمه اللّه)" و يرشد إلى الثاني أن السائل لما الزمه الإمام(ع) بالكراء توهّم ان سبيله سبيل العين المستأجرة من عدم ضمان عينها فأجابه الإمام(ع) بلزوم يوم المخالفة قيمة بغل بنصب اليوم و تنكير البغل و إنما نكرة لعسر معرفة قيمته حين المخالفة لو عطب فلا بد من غرامة قيمة مثله لانحصار براءة الذمة بذلك و هو ظاهر.

لكن الاستاذ (رحمه اللّه)" قال: و لم يأتِ بشي‌ء يساعده التركيب اللغوي و لا المتفاهم العرفي .. الخ، و لم يصل ذهني لتمام مطلوبه و مما يؤيد ذلك قوله: (

أو يأت صاحب البغل بشهود .. الخ

)، فإن الغرض من ذلك اثبات قيمة البغل يوم المخالفة لأنه يوم الاكتراء لقرب القصر من الكوفة فهو طريق آخر لمعرفة قيمة بغله حيث لا يوجد المثل أو يتنازعا على مثليته فليس في الخبر دلالة على ضمان القيمي بالمثل، و إنما هو لأجل انه طريق إلى معرفة قيمة القيمي كالشهود فالإمام ذكر لذلك طريقين و حينئذ فهي صريحة بضمان القيمة يوم القبض لا يوم التلف إلا انَّ بعضهم حمل الرواية على التعبد و خصَّ الحكم بالدابة المغصوبة و بعض اطلق لاضطراب متن الخبر و مخالفته للأصل.

و لقد اشبع الاستاذ (رحمه اللّه)" القول فيها بما ملخصه تيمّناً و تبركاً و تلذداً بذكر كلماته فإنه بعد الاستشهاد بالفقرتين جعل الميزان في أصابت العيب قيمة يوم المخالفة لا يوم الرد فعلّق يوم ترده بعليك و لم يجعله قيداً للقيمة فمعناه عليك يوم الرد القيمة لا عليك قيمة يوم الرد، لعدم‌

43

العبرة بأرش يوم الرد لتبعيته لتقويم العين سليمة و ناقصة و هو يوم حدوث العيب لا يوم ردّه للعين، إلَّا ان يزيد العيب يوم الرد على يوم حدوثه فهو و ان قارن التقويم يومه إلَّا انه اتفاقي لا تناط به القيمة لأنه لو نقص اعتبر حدوثه بل و ان ذهب و عاد إلى الصحة فإن الضمان بحدوثه لا يرتفع، و حينئذ لا تعرض للرواية ليوم هذه القيمة انها يوم حدوث العيب الذي ذهب وصف الصحة فيه الذي هو جزء من العين في الضمان و المعاوضة أو إنها يوم الغصب الذي قلنا بظهوره من الرواية مع الاستشهاد بالفقرتين فيكون ذلك قرينة على ارادة يوم المخالفة، إلَّا ان يكون التعبير به لدفع توهم ان القيمة قيمة ما اشتراه به المرسوخة بالأذهان العوام فذكر الإمام(ع) يوم المخالفة و من البعيد اختلاف قيمة البغل في مثل مدة سيره مع رجوعه سالماً سليماً فلا يناط الحكم به بعد هذه القرينة و أيده بذكر يوم الاكتراء في ذيلها الظاهر بعد اعتناء المتكلم بيوم المخالفة لأن الكراء غالباً بمحضر المكارين و غيرهم في المكان المعد لذلك و ايده ايضاً بأن سماع بنيّة المالك و قبول قسمه لا يلتئم مع كون المناط يوم المخالفة لأن البينة على صاحبه لو قبل قوله(ع) مخالفة قبول قوله للأصل و لو حمل على انهما تراضيا على القسم بدون المحاكمة، و إن المالك اعرف ببغله فله الحلف و له ردّه فهو تمحل بخلاف ما لو كانت العبرة بيوم التلف و ادعى المتلف نقصان قيمته عن شراءه او عن قيمة بعلمها فاليمين يتوجه على المالك حتى لو اثبت القيمتين بالشهود فهو بعيد و ابعد منه الاستشهاد بها على اعلى القيم من خبر الغصب إلى حين التلف مع عدم دلالة فقرة فيها على ذلك هذا خلاصة ما أفاده مما التقطه من كلماتهم في الغصب و لعل الجري على الضوابط الشرعية، و قصر الرواية على موردها او الاعراض عمّا يخالف ذلك فيها اولى من التصرف فيها بما يخالف المشهور.

تاسعها: أنه ذهب جماعة من المحققين إلى لزوم التدارك بأعلى القيم حين الغصب أو القبض في البيع الفاسد و غيره إلى حين التلف سواء قارن التلف أو تقدم عليه و فيما لو تأخر عنه تردد المصنف في الغصب و لم يعرف لغيره و لعله الجهة أن الضمان بالمثل حتى في القيمي و ان دفع القيمة لإسقاط المثل الذي حصلت الزيادة فيه و قد عرفت ما فيه مع عدم ما ينهض لإثبات ارتفاع القيمة قبل ردَّ العين لو لم تتلف و تلفها حين نقصان قيمتها بعد الزيادة لا يوجب ضمانها زائدة لعروض ذلك لها في بعض الأناة إذ التلف لا يعين ذلك و غاية ما استدلوا عليه بضمان العين زمن الارتفاع لو قارنه التلف فكذا مع تأخره عنه لعدم ارتفاعه بعد ثبوته و فيه ان المضمون هو العين دون الوصف العارض لها الذي لا يعد جزءاً كي يضمن فواته، و إلَّا لضمن مع وجودها و قول بعضهم ان الضمان بمجرّد الارتفاع المراعي بالتلف و إن زال الارتفاع حينه إذ بزواله لا يزول الضمان مرهون بمخالفته لأصل البراءة من ضمان غير العين و بحكمهم أدلة الضرر على المالك يعارضها ما قضى بعدم ارتفاع القيمة السوقية مع أن أدلة الضرر لا عموم فيها لكثرة الخارج فنقتصر على ما ثبت بدليل منها.

و وجه الاستاذ (رحمه اللّه)" دليل الضمان بأن الحيلولة كالتلف فكما يتحقق الضمان مع الارتفاع فكذا بالحيلولة مع تعقب التلف فإن عدم تمكن المالك فيهما سواء و تخلّص عن عدم ضمان الارتفاع مع ردَّ العين بأن زيادة القيمة السوقية امر اعتباري لا يقوم بنفسه فيضمن لكونه ليس من الاحوال، فإن يروده الماء و حرارته الباعثة على زيادة القيمة و نقصانها لا يسمى مالًا و لا يلحقه الحكم و إنما هو مقوم لمالية المال و مميز له عن مماثله فمراتب مالية العين تختلف بحسب مرور الزمان عليها فإذا أزيلت يد المالك عن العين و حيل بينها و بينه فإن ردت اليه عينه فلا مال سواها يضمن و ان تلفت في يد مانعه عنها استقرت تلك المراتب و دخل الأدنى في الأعلى نظير منافع العين المختلفة المتضادة فإن المضمون أعلاها فلو أزيلت يده عمّا‌

44

يساوي دينار او تناقص حتى بلغ الدرهم وقت التلف لم يرتفع ضمانه للدينار الذي ثبت و اشتغلت به الأمة حين الغصب فيستصحب بقائه لحديث اليد و ليس هو من الشك في التكليف فتحكم فيه اصالة البراءة من الزائد إذ ذلك في غير ما ثبت.

هذا غاية ما أفاد و هو بيد الحكم بالتبعية لا يتصور لضمانه معنى لعدم تحقق التلف الذي يستعقبه الضمان مع فرض عدم المالية، و إلَّا لغرم المالك مع اباحة التصرفات و ضمان العين إذا حصلت الزيادة بيد المتصرف لأن هذه الزيادة مملوكه له من حيث المأذونية فعدم ضمان المالك لها يؤذن بعدم قابليتها للضمان إلَّا مصاحبة للعين يوم تلفها لأجل استحالة تعلقه بها منفردا فمتى زالت بقي ضمان العين بحاله لم يختلف حاله فإن الضمان لا بد له من متعلق و لو كان متعلقه حاله الارتفاع لوجب أخذ التفاوت مع بقاء العين وردها للمالك و هو لا يقول به و لو نفع استصحاب الضمان المستفاد من حديث اليد لجرى أيضاً مع بقاء العين، و الحاصل انه بعد ما كانت زيادة السوق من الأمور الاعتبارية و لا تقوم لها إلَّا من حيث المصاحبة لا تكون متعلقاً للضمان عند الانفكاك فينحصر الأمر، أما ينفي كون الزيادة أمر اعتباري أو عدم الضمان و هذا من الأمور الواضحة مثلًا لو ضعف الباز عن صيد بعض افراد الغزال‌

45

فنقصت لذلك قيمته و تلف لا يقابل ذلك الضعف بالمال فيضاف إلى القيمة أو المضمون قيمة صقر فائدته صيد الغزال و هكذا، فالزمان كالمكان الذي تختلف القيمة في أفراده بأن غصبه في مكان يساوي به عشرة و طالبه بمكان يزيد او ينقص عنها و تلف في مكان كذلك فالمعتبر قولًا واحداً محل التلف لأن تداركه بحسب ماليته و هي تختلف بحسب الأماكن فليلحظ، أما لو كان الارتفاع من زيادة في العين لا في السوق فقد نفى الخلاف غير واحد في ضمان اعلى القيم لأن الزيادة بمنزلة الجزء و لا اشكال بضمانه منفرداً لو تلف تابعة للعين و لو لا نفى الخلاف لكانت أيضاً مورداً للخلاف في ان العبرة بيوم فواتها أو ضمانها أو اعلى القيم لماليتها كالعين.

خاتمة فيها فوائد

منها أن الحيلولة بين الغاصب و العين بسرقة أو غرق أو ضياع أو أباق أو منع ظالم لا يقدر عليه يحكم التلف كما صرّح به المعظم في الامانات المضمونة، و ليس حصول اليأس شرط و ان قيل به خصوصاً لو قصر زمان الحيلولة كاللوح في السفينة المغصوب مع قرب الجدد و فيها مال لغير الغاصب، فإنه ينتقل إلى القيمة جمعاً بين الحقّين و لعدم منافاته لتسلّط الناس على اموالهم بعد الخروج بالقيمة عن عهدته، و أما انتزاع اللوح و غرامة الغاصب لما في السفينة لأنه يؤخذ بأشق الأحوال بعيد جداً لتسلط غير الغاصب على منع الغاصب و لا مكان ضمانه لمال الغير لصدق من أتلف إلَّا أن يكون الزمان غير معتد به عرفاً كأن تقف السفينة في الساحل، و لا يخرج الغير ماله منها و ان كانت اجارته لغير هذا الساحل فيجوز الانتزاع حينئذ، و لو توقف رفع الحيلولة على مقدمات فالظاهر لزوم تحصيلها على الغاصب كما لو توقف انتزاع اللوح على غرق حيوان للغاصب يحرّم تلفه مما يذكّى فإنه يلزم بذبحه فيعود مالًا له فلا يحرّم.

إلَّا إنَّ الشهيد (رحمه اللّه)" في ظاهره حكم بعدم الانتزاع إلى الساحل و لا نعرف وجهه فإن ألزم بتحصيل المقدمة و ردَّ العين تسقط القيمة زمان السعي فليس للغاصب الالزام بها لعدم سلطنته على غير العين و يحتمل الانتقال عند التعذّر في الحال و هو الأوفق.

و منها انه يجوز للمالك الامتناع من قبض القيمة قبل اليأس من تحصيلها و لذا يلزم الضامن مما يتوقف على رفع الحائل من جهة قاعدة التسلّط إلَّا إذا اخرجت العين عن المالية كما ذكرناه سابقاً.

و منها ان القيمة لو قبضها المالك فهل يملكها قبل التلف للعين او لا يملكها إلَّا بالتلف، و إن أبيح له التصرّف بها كالإباحة في المعاطاة ظاهر المشهور الأول، و مالَ بعض من قاربنا عصره إلى الأخير و هو المناسب لعدم انتقال العين بدفع القيمة إلى الغاصب و بقائها على ملك المالك إذ لا تلازم بين خروج الغرامة عن ملكه و بين ملكيته لما ضمنه لعدم كونها معاوضة ليجمع بين العوض و المعوّض بل هي غرامة، فالمبذول قبل تلف العين و بعده سواء بالنسبة إلى العين المضمونة، لكن المحكى عن العلامة الحلي و الشيخ الصدوق و الشهيد الثاني الاشكال في ذلك لشبهة الجمع بين العوض و المعوّض و عدم جعل القيمة في مقابل الحيلولة بل حكم الثاني بالملك المتزلزل إلى حين اليأس من الظفر بالعين المغصوبة و استحسنه بعض من تعقّبه و المناسب لأصول المذهب و قواعده و لحديث نفي الضرر و هو ملكية البدل المدفوع عوض العين مطلقاً و زوال المانع ناسخ من حينه لتلك الملكية كالماء الناقض للطهارة بالصعيد فيرجع كلٌ إلى ملك صاحبه مع بقاءه و مع تلفه ينتقل إلى البدل من البدل و المبدل جمعاً بين الحقين و دفعاً للضرر، و يتفرع عليه ان تلف كل منهما يذهب من كيس القابض فأتلفت العين‌

46

المضمونة، فهي من مال الضامن و لا رجوع له على المغصوب منه و ان تلف البدل و ارجع الغاصب العين رجع على المضمون له بالقيمة أو بدلها لعدم دفعها له مجاناً و إن لم يكن على سبيل المعاوضة لكن البدلية توجب ذلك و سلطنته على اتلافها لا يورث عدم ضمانها بعد رجوعها إلى الغارم بفسخ ملكيتها فهو من قبيل ظهور الدين بعد تصرّف الوارث بالتركة فإن الموت سبب للتمليك و ظهور فاسخ له، و لولاه لما خيّر الوارث بالوفاء منه او من غيره.

لكن الاستاذ (رحمه اللّه)" فرّق بين التلف و انقطاع السلطنة فحكم بالملكية في الأول و التسلّط بلا ملكية في الثاني و إن المدفوع بدل رفع سلطنة المالك فيتدارك بتسلطه من الضامن على ماله، و استثنى بنعم السلطنة المتوقفة على الملك لتوقف بعض التصرفات كالعتق و الوقف عليها فأوجب ملكية المبذول تحقيقاً لمعنى التدارك و الخروج عن العهدة معترفاً ببقاء العين المضمونة على ملك مالكها و حاكماً بالإباحة و السلطنة المطلقة على البدل المبذول و مرجعا الملكية و عدمها فيما يتوقف عليها من التصرفات إلى حكم المعاطاة، و لا داعي إلى هذا كلّه بعد امكان الحكم بالملكية في التلف و الحيلولة فإذا ارتفع المانع من ردّ العين انفسخ المالك، كما قررنا غير انَّ هذا لا يناسب ما عن الاشهر من ملكية البدل مطلقاً و انه بمنزلة الدين في الذمة الذي يملك صاحبه بقبضه و انه لو لم يكن مملوكاً لم يفد في دفع ضرر المالك بل ربما يكون ضرراً عليه للزوم حفظه لمالكه و نحوه، و ان جواز التصرّف فيه لا بد و ان يكون على وجه يشمل ما يعتبر فيه الملك فيتح ذلك انه لا سبيل للغاصب و لا من بحكمه على استرجاع البدل بعد ملكه له و الأصل اللزوم، فإن تمام البدلية موقوف على تمامية الملك التي منها عدم تسلّط الغاصب عليه ذلك، و في الإيضاح لو اجبر على الرد لكان نقصاً في البدلية و لا يرغب العاملون فيه و اعرض عن ذلك كثير من المحققين لمنافاته للاعتبار، و لاحتمال الجمع بين العوض و المعوّض، و ان حتى تؤدي ظاهر في ان ملك المغصوب منه متزلزل مراعي بعدم المال فينفسخ الملك قهراً بالأداء الذي هو غاية الضمان، و لأن هذا الملك ثبت على طريق القهر لجهة عدو وصول ملك المالك إليه فهو اما بدل أو لجهة الحيلولة، و الأول قد زال برجوع المغصوب لمالكه و مع زواله لا يمكن عدم رجوع كل من البدلين لصاحبه، و الثاني أيضاً ارتفع فلا وجه لعدم الرد أيضاً. نعم، استثنى بعض المتأخرين منه ما إذا لم يبق للعين المغصوبة قيمة فحكم بخروجها عن ملك المالك بذلك و فرغ عليه جواز المسح بالرطوبة الباقية لو علم الغصب لو علم بالغصب بعد الشغل قبل المسح و استجوده شيخنا لأن اقتضاء ملك القيمة خروج المضمون عن ملكه لكونه عوضاً شرعاً، و رده الاستاذ بعدم الدليل على هذا الاقتضاء لأن بدلية القيمة لتدارك ما ذهب من المالك ففي تلف العين لا مورد للملكية و في ذهاب السلطنة على العين الذي به قوام مالية العين، فالقيمة بدل عنها لا عن العين فهي بدل انقطاع السلطنة مثل سرقة المال او غرفة و هو المسمى ببدل الحيلولة و في ذهاب الاجزاء التي بها قوام المالية و خروج العين عنها، فالقيمة بدل ذلك الفائت من الأوصاف و الأجزاء لا بدل العين فلا تخرج عن الملكية فأين الاقتضاء بل العين باقية على ملك المالك فلا يجوز المسح بها إلَّا بأذن المالك و مثله ما لو خاط بخيوط مغصوبة ثوبه و طلب المالك نزعها و ان اقتضى إلى التلف وجب ثمّ يضمن الغاصب النقص و لو لم يبق لها قيمة غرم جميع القيمة و حينئذ المضمون الأوصاف التي تقابل بجميع القيمة لا نفس العين، و لو تلفتْ ليس لها عهدة مالية إلَّا انه لا يخرجها ذلك عن المملوكية كحبة الأرز و هو جيد لا غشاوة عليه سوى ان الشارع في بعض المواضع اخرج الملك عن مالكه قهراً و أقام عوضه مقامه مثل وطئ الغير لحيوان غيره، و مثل ما لو تعددت الأيدي و غرّم صاحب العين غير من تلفتْ في يده فإنه يملك الغارم‌

47

ما بذمة المتلف للمالك فإذا ثبت ان المؤدي عن المضمون عوض شرعي فلا يبعد صحة الوضوء حينئذ و ذلك ان ظاهرهم عدم وجوب اخراج الخيط المغصوب عن الثوب بعد خروجه عن القيمة بالانتزاع و مثله الصبغ بالمغصوب فلو خضّب كرمته بحناء مغصوبة لا حكم للونها لزوال ماليته فلم يجب الحلق في الصلاة إلَّا ان يقال ان ذلك من جهة الضرر على مالك المخيط كالبناء المستدخل فيه خشبة مغصوبة، فهو و إن كان مملوكاً للغير لكن لا يترتب عليه الأثر كالحبس في مكان مغصوب، و كغصب المال بولاية الجائر لو رغب الضرورة اليها فإنهم حكموا بجواز ذلك و ان ملكية المالك حينئذ لا اثر لها، و كذا لو أقرَّ بالغصب بعد بيع الغير أو قيام انها لغيره فإن ظاهر الشرع يقتضي زوال ملكه المقَرّ له عنها فيملك القيمة مع بقاء العين فهي في الجميع بحكم التالف قبل، و مثله ما لو استحال المغصوب إلى يحرّم التكسّب به كما لو غصبه خلًا فصار خمراً فينزل منزلة المتلوف و يتفرّع عليه انه لو عاد إلى حالته لا حق للمالك فيه و لا يبقى بغير مالك فيعود للغارم و إن استشكل به غيره، و لعله من استصحاب وجوب الرد و من تغيير الموضوع فيورث ذلك، ان ظاهر البدلية كونها عن العين لكن الملكية للغير بالحيلولة على سبيل التزلزل بعد قبول القيمة تصح جميع التصرفات لمن كانت في يده، و نماء القيمة للمغصوب منه و العين للغاصب ما دام المانع و هو معنى الاقتضاء الذي قاله شيخنا (رحمه اللّه)" فليلحظ.

و منها إنَّ الغارم يخرج عن عهده العين بأداء القيمة فلا يضمن النماء مطلقاً و لا الزيادة كذلك و لا ارتفاعها بعد الغرامة إلى حين التلف في المتعذّر، و قيل بالضمان لأن ضمان المنافع تتبع العين، و المفروض أنها لم تنتقل إلى الغاصب بالغرامة و هي باقية على حالها، و لكن الأرجح خلافه كما أن الأقوى ضمان المنافع و الزيادة الحاصلة بعد التعذّر و قبل الغرامة للفرق بينه و بين التلف فلا يثبت له حكمه و إن عطف على التلف في بعض العبائر لعدم الزام المضمون له بالقيمة إلَّا بالتلف، فلو صبر حتى يرتفع العذر له ذلك فتبقى العين في عهده الضامن إلى ان تتلف فيضمن ارتفاعها قطعاً و مثله دفع عن المثل في المثلى فمتى ارتفع العذر و صار ردَّ العين ممكناً لزم ردّها و ان توقفت على موته فإن سقوط وجوب الرد للتعذر عقلي، فلا يستصحب عند ارتفاعه و فائدته سقوط الضمان لو تلفت العين قبل ارتفاع العذر عملًا بعموم على اليد المغيّا بقوله حتى تؤدي. نعم، طروّ التمكن لا يرجع الغرامة إلى ملك الدافع فيحدث للعين به ضمان جديد من يومه أو يوم التلف أو أعلى القيم لاستصحاب كون العين مضمونه بهذه الغرامة و مجرّد عود التمكن لا يوجب سلطنة المالك على العين و لا ينفي ملكيته عن الغرامة ليلزم الجمع بين العوض و المعوّض فخيال ذلك من جهة قدرة الغاصب على اعادة السلطنة لا وجه له لأنه لا يفيد إلّا حكماً تكليفياً بوجوب الردّ. نعم، لو دفع العين زالت ملكية المالك عن الغرامة إلَّا إذا قلنا بأن دفع الغرامة كان بدلًا عن القدر الفائت من السلطنة حال التعذّر فلا تزول ملكية المضمون له عنها بدفع العين و لذا حكموا في غير المقام بأن للأجل قط من الثمن.

و استضعفه الاستاذ (رحمه اللّه)" إلى الغاية و حكم بأنه يدل عن اصل السلطنة يرتفع بعددها فيلزم دفعه او دفع بدله مع تلفه او خروجه عن ملكه بناقل و ان كان جائزاً دون نماءه المنفصل، و لا يطالب بالغرامة إلَّا بعد دفع العين لأنها عوض السلطنة التي لا تعود إلا بدفع العين لا عوض قدره الضمان تحصيلها للمالك و ان كان للمالك المطالبة بها في كل وقت لأنَّ المال المدفوع لم يكن عوضاً عن سلطنة المطالبة فليس له ذلك إلَّا بعد دفع الغرامة بل هو عوض عن سلطنة الانتفاع على الوجه المقصود من الاملاك و لذلك لا يباح بمجرد بذل الغرامة.

48

و فرّع عليه (رحمه اللّه)" عدم جواز حبس العين عن المالك مع المطالبة أو مطلقاً إلى ان يتسلّم الغارم المال رداً على من قال به باعتبار ان القيمة لا تخرج عن العوضية اما عن العين او عن السلطنة، و إن لكل من المتعاوضين حبس ما في يده حتى يتسلّم ما بيد الآخر خصوصاً في البيع الفاسد و المقبوض بالسوم، و ردّه بأن ذلك ينفي جواز الجمع بين العين و الغرامة للمالك مع انهم لا يقولون به إذ العين بنفسها ليست عوضاً و لا معوضاً فالمالك سلّط عليها و الغرامة عوض عن السلطنة الموقوفة على قبض العين فبعد رجوعها و قبضها يتسلّط الغارم على المطالبة بماله، إلَّا أن يقال بأنَّ له حبس البدل و قد فرضته السلطنة و هو بدون حبس العين لا وجود له بل يتوقف حبسه على حبسها فحبسها من باب المقدمة، قال: و الأقوى الأول انتهى. و هو كلام وجيه غير انه موقوف على اثبات ان المال المدفوع بدل عن تأخير العين و رفع يد المالك عنها مدّة التعذّر أو عن مطلق السلطنة و هو اختار الأخير و لم يذكر وجهه مع ان حبس العين المفوّت لمنافعها بالنسبة إلى ضمان المنافع فيه خلاف فيكون المال عوضاً عنها فقد يستوعيه المنفعة، و قد يتبعّض فليس للغاصب التسلّط عليه و مع ان الاشهر ذلك في حبس الحر المستأجر مدة معينة و العبد المكاتب أو الذي ضرب عليه ضريبة في اليوم او الشهر ضمان الضريبة و مال الإجارة، فيصح أن يحبس البدل بعد قبض العين أو رفع الحجر عن الحر حتى يستوفى المسمى من الحابس لهما او يدخل في ملكه لأنه بدل عن ذلك و الحاصل ان اللازم تتبع موارد الحبس فقد يلزم في بعض الموارد و قد لا يلزم في احد العوضين و يلزم في الآخر، و قد يملك البدل و العين، و لا يلزم الجمع بين العوضين و يلزم اجراء القواعد و الأصول في غير المنصوص فكل موضع يصح الحبس فيه و يجوز شرعاً لا يجري عليه حكم المضمون المغصوب لأن حبسه بحق نعم يضمنه لأنه قبضه لمصلحة نفسه بقيمة يوم التلف على ما صرّحوا به لأنه الأصل فربما زادت على الغرامة و قد تساويها و قد تنقص و احتمل بعضهم ضمان اعلى القيم من حين الحبس إلى التلف على ما سبق و لا يختلف الضمان بالنسبة إلى أسبابه إلَّا المغصوب لو عمل بصحيحة أبي ولّاد من الضمان يوم المخالفة بالمثل و القيمة لا حين التلف، قال الاستاذ (رحمه اللّه)" لم نجد مأخذاً واضحاً لما أشتهر من ان الغاصب يؤخذ بأشد الأحوال و هو كذلك لأن ذلك من مخاليقنا فجرى على الألسن.

49

بيع الصبي

و أما الشروط التي ينتفي بانتفائها المشروط و لا يصح بدونها العقد و هي أقسام:

فمنها ما يتعلّق بالمتعاقدين و إن كان العقد لغيرهما و هو البلوغ الشرعي و العقل و الاختيار بعده فلا يصح بيع الصبي الذي لم يبلغ أشده و لا شراءه، فلو حصل تلحقه احكام البيع الفاسد على الأشهر بين الطائفة بل و لو اذن له الولي أو اجاز معاملته ان لم يأذن، و كذا لو بلغ عشراً على الأشهر، و إن كان مميزاً غير الامام فإنه لا يلحقه احكام الصغر قولًا واحداً عندنا لعدم سلب عبارته الذي هو السبب في فساد معاملته مطلقاً لتنزيله منزلة المعدوم فهو كالصدى و كنطق الطائر و الحجة فيه بعد الاجماع المحكى على لسان جماعة الأصل و عموم أدلة الحجر المغيّا و شرطية العقد التي يتوقف احرازها على قبول خبره، و جملة من النصوص كقول أبي جعفر(ع): (

الغلام لا يجوز امره في البيع و الشراء و لا يخرج عن اليتم حتى يبلغ خمسة عشر سنة

)، و رواية سنان (

متى يجوز امر اليتيم؟ قال: حتى يبلغ اشده، قال: ما اشده؟ قال: احتلامه

)، و قوله(ع): (

رفع القلم عن ثلثه الصبي حتى يحتلم

)، و معنى رفع القلم ان لا يكون لكلامه حكم، و صحيحة بن مسلم ان عمد و خطأه واحد و رواية قرب الاسناد عن ابي البختري عن جعفر عن ابيه عن علي(ع): (

المجنون و المعتوه الذي لا يفيق و الصبي الذي لم يبلغ عمدها خطأ بجملة العاقلة و قد رفع عنهما القلم

) و غيرها مما ورد معتضد يظاهر الاتفاق المحكى في جملة من العبائر و باستلزام صحة عقده في بعض الاحيان ارتكاب احد محذورين، أما التصرّف في مال اليتيم بغير ما هو احسن الممنوع او الضرر بالصبر إلى البلوغ و مع ذلك خالف بعض السلف فمال إلى الصحة مع الإذن مطلقاً، و ببلوغ العشر مع الرشد تمسكاً بعموم الوفاء بالعقد و بآية الابتلاء و بالاعتداد بعبارته في احرامه و تدبيره و اذانه و وصيته و طلاقه وهبته و عتقه على الأشهر في بعضها و بإذنه بدخول الدار و ايصال الهدية و نحو ذلك و بمرسل إذا بلغ عشر سنين و كان رشيداً كان جائز التصرّف المردود كل ذلك بوجود المخصص للعموم او الخطاب للمكلفين فلا يندرج فيه غيرهم و لأخصية آية الابتلاء من المدعي و عدم وضوح دلالتها على جواز التصرّف مطلقاً و احتمال إرادة الاختيار بالبلوغ و الرشد في غير البيع من مقدماته و قياس البيع على المستثنى ممنوع ان قلنا بالاستثناء للدليل و المرسل مع ضعفه بالإرسال و جملة على البلوغ بالعشر تقية يمكن ان يشار به إلى ما قضى الدليل بجوازه مثل الوصية فالمنع مطلقاً هو الأولى، و جعله شيخنا من البديهيات المسلّمة بينهم مطلقاً، غير ان ما سوى الإجماع ظاهر في منع استقلاله بالتصرّف بمعنى عدم مضيه كالفضولي فلا ينافي وقوفه على شي‌ء آخر من البلوغ أو اجازة الولي لمعاملته، و حديث رفع القلم ظاهر في عدم المؤاخذة لا سلب عبادته التي منها جعل الاحكام و إلَّا لكانت عبادته غير شرعية، مضافاً إلى ان السببية و الشرطية المستفادة من الشرع المعبّر عنها بالأحكام الوضعيّة لا تخص البالغين فعقده سبب ناقص يتوقف تأثيره على اذن الولي او البلوغ، و كذا يعاقد كما في جنابته سبب لوجوب غسله بعد البلوغ و للزوم منعه عن مسّ الكتاب، و لو سلّم اختصاصها بالبالغين فلا مانع من ان الفعل الصادر في الخارج موضوعاً للحكم المختص بالبلوغ كالثوب الذي غسله قبله فإنه يكلف بالصلاة به بعده إذا احتاج ذلك كقهره فإنه تكليف بتنفيذه بعد بلوغه و لأجله تردد المصنف بعد ما جزم بالصحة في العارية في اجازة الصبي بإذن الولي، و كذا الفاضل و ابنه قوى الصحة بإذن الولي و تبعه المولى الاردبيلي و بنى جامع المقاصد المسألة‌

50

على ان أفعال الصبي و اقواله شرعية ام لا فيرهن ذلك في الإجماع الذي هو عمدة ادلة المسألة.

و اعتمد الاستاذ (رحمه اللّه)" فيها على مساواة عمد الصبي لخطئه في الخبر السابق المذكور في الجنايات لعدم اختصاصها بها و إلَّا لما تمسكوا به بنفي الكفارة في الاحرام مع العمد عن الصبي و عن وليّه لوقوع فعل ما يوجبها منه لعدم الأثر لعمده فجعل ذلك شكلًا منطقياً و هو ان قصد الصبي خطأ و كلما هو خطأ لا يترتب عليه الحكم المرتب على القصد في غيره فيتيح عدم ترتب الحكم على قصده كالهازل و الخاطئ و الغالط استأنس له برواية ابي البختري السالفة بتقرير ان رفع القلم في ذيلها اما علة لثبوت الدية على العاقلة لعدم المؤاخذة و الجزاء دنيا و آخرة فلا يثبت في مالها الدية في الخطأ و لا القصاص في العمد لجهة رفع القلم، و أما معلول لكون عمدها خطأ فيكون ذلك علّة لرفع القلم عنهما من حيث ان الشارع الغي قصدهما و جعله بمنزلة العدم فلا يسمع اقراره و لا يقتص منه و ان اذن الولي، و لا يبقى الحكم مراعي إلى ما بعد البلوغ بعد ان تساوى القصد و عدمه و إلا لخالفوا البالغين من حيث ثبوت الحكم لهما قصداً او لم يقصد فإذا لم يلزم الصبي و المجنون ما يلزم البالغين او قصدوا حتى بعد البلوغ و الإفاقة و حتى مع اذن الولي لأنهما لا اثر لهما في حدوث فيوجب ذلك سلب عبارتهما و عدم العبرة بإنشائهما مطلقاً و إلَّا لقيّد الحكم في الصبي بما يصدر من دون اذن وليّه المفروض عدم القيم لأنه كالمجنون و المعتوه و مقتضى ذلك أيضاً عدم تغريمهما لو اتلفا مال الغير قضاء لعليّة رفع القلم مع ان المشهور عدمه، و خرّجه الاستاذ بعدم لزوم ذلك إذا كان رفع القلم معلولًا علّة إذ عليه ان يكون المرفوع هو الحكم الثابت للقصد إذا وقع من البالغ، و أما ما ثبت مطلقاً مثل الاتلاف فلا يقضي الخبر برفعه إذ عدم الاعتبار بقصده إذا كان علة لرفع القلم يكون مفاده ذلك فلا نقض بالاتلاف بخلاف ما إذا كان معلولًا فانه يتم النقض فلا بد من التماس دليل على خروجه، هذا خلاصة تحقيقه أمراً باغتنام فهمه مرجّحاً بحاصله لكلام المشهور في سلب عبارته مطلقاً من دون فرق بين اليسر و الخطير و لا بين اذن الولي و عدمه إلى آخر ما دام بيانه و هو وجيه لو لا معارضته بالنصوص المسندة بجواز اطلاقه و وصاياه و اقامة الحدود عليه و المرسلة يقتص من الصبي إذا بلغ عشراً و في اخرى خمسة اشبار، و في خبرين شداد عن العسكري(ع): (

إذا بلغ ثمان سنين فجائز امره في ماله و قد وجبت عليه الفرائض و الحدود

)، و قد عمل بها الشيخان و الصدوقان و جماعة و في صحيح ابي بصير عن ابي جعفر(ع) قال: (

سئل من غلام لم يدرك و امرأة قتلا رجلًا؟ قال(ع): ان خطأ المرأة و الغلام عمد و غيرها مما يخالف ذلك

)، و قضية الجمع اما باختصاص الرفع عن الحكم التكليفي لا الوضعي كما في رفع عن امتي على بعض الوجوه او التفصيل بين قصده و عدمه فيطابق في القصاص ظاهر الكتاب، مع انه لو كان رفع القلم معلولًا للقصد في رفع حكمه يلزم ثبوت الخطأ في ماله و المفروض نفيها على انه لا يطابق غيره من اخبار رفع القلم لعليّته فيها و كلامهم واحد و المسألة تحتاج إلى البيان خصوصاً بعد ما ذكره أولًا من عدم مانعية كون فعله موضوعاً للحكم بعد البلوغ و اللّه العالم، و أما وجه تمسّكهم في رفع كفارة الاحرام في كون عمده خطأ فيحتمل انه لجهة كونه ليس من حقوق الناس فيتجه رفعه و ان جعله الشارع سبباً فيفرق حينئذ بين الاحكام الوضعية و مما يدل على صحة معاملته أيضاً حكاية أبي الدرداء انه اشترى عصفوراً من صبي فأرسله و ما عن السكوني عن ابي عبد اللّه(ع): انه نهى عن كسب الغلام الذي مقامه بيده معللًا انه ان لم يجد سوق و لا وجه لحملها على الجواز في الاشياء الحقيرة دون غيرها كما فعله الكاشاني (رحمه اللّه)" لعدم ما يدل على الفرق بعد احراز القابلية‌