منهل الغمام في شرح شرائع الإسلام - ج3

- الشيخ عباس بن حسن كاشف الغطاء المزيد...
59 /
1

الجزء الثالث

منهل الغمام‌

في شرح شرائع الإسلام‌

(كتاب الوقف و الصدقات)

بقلم‌

العلّامة آية اللّٰه العظمى‌

الشيخ عباس بن الحسن آل كاشف الغطاء‌

مكتبة كاشف الغطاء النجف الأشرف‌

2003 م 1424 ه‍‌

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

مقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و صلى اللّه على رحمته في العالمين، محمد و أهل بيته اجمعين، كتاب الوقف من (منهل الغمام على شرائع الإسلام) للخاطئ المذنب العباس آل كاشف الغطاء نوّر اللّه مرقده.

قال المصنف (رحمه اللّه)" كتاب (الوقوف و الصدقات) التي ورد الحث عليها بالنصوص و الآيات و هي من الذخائر و الكنوز لعمل بن آدم عند انقطاعه، و وفقنا اللّه و جميع المسلمين إليه فيخطّ باللوح المحفوظ فيما له و عليه، آمين.

كتاب الوقف و الصدقات

[أما الوقف] و تمام النظر في أمور ثلاثة

العقد، و الشرائط، و اللواحق، الأول منها:

النظر الأول: في صيغة الوقف

الذي هو اهمها في النظر و أعظمها بالأجر، قال جابر: لم يكن أحد من الصحابة إلَّا وقف، و أول من وقف فاطمة (عليها السلام)" لحيطانها على اولادها، ثمّ علي (عليه السلام)" داره في بني زريق بالمدينة، و هو على المشهور عقد ثمرته لحبس الأصل و اطلاق المنفعة و ذلك اعظم ثمراته، فلذا اقتصر عليها منها أو للإشارة للنبوي حبس الأصل و سبّل الثمرة و عدل من التسبيل للإطلاق للمقابلة ترشيح بديعي أو لأنه أظهر في المراد أي ان المنفعة تصرف في الجهة الموقوفة من غير قيد كيفما أراد و بعضهم لاحظ لفظ الخبر فعبّر بالتسبيل و هو محتاج إلى اللفظ فلا يكفي الفعل و لا تجري المعاطاة فيه، و اللفظ الصريح فيه وقفت لا غير و أوقفت من الشواذ فيفيد تحقق الوقف بلا قرينة تقضي بغيره و لا يسمع من مدعي غيره لو قال اردت بها الحبس و أخواته إلَّا مع القرينة الدالة عليه.

أما لفظ حرّمتُ أو تَصَدقْتُ فلا يحمل على الوقف إلا مع القرينة ان نعتبر اللفظ المخصوص و حينئذٍ كل لفظ قابل لاحتماله مع الانفراد غير الوقف إذا اردته به لا بد من نصب قرينة عليه لإمكان قصد غيره، و لو نوى الوقف من دون القرينة دين بنيته و كذا، و قصد غيره مما يمكن استعمال اللفظين فيه او قصد بالوقف غيره، و لكن الاجتزاء بمثل ذلك في العقود اللازمة قد يتأمل فيه، و معنى الإدانة انكاله إلى دينه مع عدم المعارض و لو اقرانه قصد ذلك‌

4

فكالصريح، و حكم عليه بظاهر الإقرار عموماً و خصوصاً إلَّا في حال المرض، فيقرّ بأن الصيغة الواقعة زمن الصحة المقصود بها الوقف فإن كونه وقفاً و عدمه يبتني على مسئلة الإقرار حال المرض و استشكل البعض فيما لو أقرَّ به ثمّ كذّب إقراره أو لو لم يقر به لتعلق حق للغير به فكأنه فرَّ بالإقرار عن ذلك، كما انه لا تكفي أحد الصيغتين عن الأخرى أخذاً بظاهر العطف بالواو في الكتاب و غيره.

و مثله في لزوم الصيغتين لو قال: حبستُ و سبلتُ لا في الاحتياج إلى القرينة فقد قيل وقفاً و ان تجرد لقوله(ص) المتواتر: (

حبّس الأصل و سبّل الثمرة

)، فإنَّ الخلاف و الغنية و الجامع و تذكرة الفقهاء و غيرها قالوا بصراحتهما في الوقف كلفظ وقفت.

و قيل كما عن الاشهر لا يكون وقفاً إلَّا مع القرينة أو الإقرار كما سبق لعدم الوضع و الاستعمال أعم، إذ ليس ذلك عرفاً مستقراً بحيث يفهم مع الاطلاق و ارادة غيره تحتاج إلى نصف قرينة و يؤخذ به في مقام الدعوى، و هذا بمقتضى الأصول اشبه من اصالة بقاء الملك و عدم النقل و الانتقال و ترتب آثار الوقف و أحكامه. نعم، لو قيل انهما بانضمام احداهما للأخرى تفيد ان التنصيص بالمراد عرفاً أمكن ذلك و إلَّا فلا مجال لإنكار عموم كل واحدة منهما للوقف و غيره فالأحسن الاقتصار على اللفظ المخصوص فيه أو المحفوف بالقرائن الظاهرة، لو قلنا في العقود اللازمة بجواز استعمال كل لفظ يفي بالمراد و لو مع القرينة، ثمّ انه لا ريب في ان الوقف من العقود في لسان الأكثر و من المعلوم ان العقد ما تركب من الايجاب و القبول و المطلق و غيره قد أهمل ذكر القبول في عقد الوقف و سمّاه عقداً فلو لم يعتبره به لكان الأحرى ان يطلق عليه الايقاعية و اعتذر له بأن القبول فيه و ان اعتبر لكنه لا يلزم فيه لفظ مخصوص، بل يكفي فيه ما يدل على قبول ذلك الايجاب أو انه اكتفى بما سيجي‌ء من تصريحه بعدم اعتباره فيما إذا كان على جهة عامة فكأنه أخرجه و استثناه من مطلق الوقف الذي يعتبر فيه ذلك فهو كالصريح في اعتباره له على انه لو لم يكن عقداً لكان ايقاعاً و لو كان ايقاعاً لما ابطله الردّ فينتج انه عقد لأن الرد يبطله و كل عقد يحتاج إلى القبول إلَّا ما خرج بدليله، و أما عدم الاحتياج إليه في الجهات العامة كما ذكروا الموافق لما نقل من صدقات الزهراء (عليها السلام)" و زوجها (عليه السلام)" و ابنها الصادق (عليه السلام)" من حيث اشتمالها على ذكر الايجاب فقط فهو و ان تشبث به بعضهم لكن الحق ان ذلك و اشباهه لا يفي برفع اليد عن الأصول و القواعد الموجبة لاعتبار القبول في كل عقد و لا يترتب الأثر إلَّا به فعدم الصحة إلَّا به هو الموافق للضوابط الشرعية حتى في الجهات العامة المصرّح بعدم الاحتياج إليه بها و يكفي قبول الحاكم و نائبه بها و ما ورد من وقفهم (عليهم السلام)" لا يفي بالمطلوب على حدّ اطلاقات الوقف لحصول الشك في معناه، و الحاصل الحكم بترتب الأثر بعد اصالة عدمه يوجب الالتزام بجميع ما يعتبر في مطلق العقد ان نعتبره فيه من العربية و الفورية و عدم التعليق و اقتران الإيجاب بالقبول و غيرها على أنّا لم نعثر على من يعتني بقوله انه نفى اعتباره فيه.

نعم، ربما يحتمل المحتمل في مقام التهجس انه فكّ ملك كالعتق و هو غير مسلم بل لا ريب في كونه قسماً واحداً فيحكم بلزوم ذلك ايضاً حتى في الجهات العامة فيجب القبول فيها و لو للموقف نفسه و الأوفق الرجوع إلى الحاكم أو نائبه في القبول. نعم، لعل ذلك لا يلتزم في وقف المساجد كما هو المعروف انه يكفي فيه وقفته مسجداً و عليه فأما أن يكون للوقف معنيان عقدي و ايقاعي و ذلك منافٍ للوحدة او لا تكون المساجد من باب الوقف أو يلتزم بالقبول فيها و لو من الواقف و الكل كما ترى بعد اعتباره في مطلق الوقف و وحدة معناه فاعتباره الأوفق حتى فيها لكن ذلك لا يلزم البطون إلَّا حقه لتمامية الوقف قبله و لشرطية اتصاله بالإيجاب في‌

5

جميع العقود اللازمة، و أما اعتبار نية القربة فيه فيظهر من بعضهم التصريح بالاعتبار بحيث انه يلحقه بالعبادات التي يتوقف صحتها عليه و ليس على ذلك دليل سوى اصالة عدم ترتب الأثر بدونه الحاكمة على ما قيل على اصالة عدم اعتبارها مطلقاً خصوصاً في العقود بتعليل بقاء الملك و استصحابه حتى يعلم المزيل و نقله مع عدم القربة لغيره مشكوك فيه في خصوص الوقف لما هو المعلوم من اوقافهم (عليهم السلام)" انه في سبيل اللّه تعالى مع ملاحظة بعض القرائن و الأمارات التي تفي بالمطلوب و لا ينافيه صحة وقف الذمي على الكنائس أو الوقف على الكفار كما سيجي‌ء.

أما لخروج هذا الفرد بدليله أو لأن قصد كونه في سبيل اللّه تعالى يحصل منه، فالعبادة المشترطة بالإيمان أو الاسلام لا تصح لا من جهة عدم امكان قصد التقرب منه بل من جهة اشتراط حصولها من المسلم لكن جعله من اقسام العقود مما يبعد ذلك لأن العقد سبب لزوال الملك و نقله من واحد لآخر و توقفه على القربة منافٍ للأصل و بذا افترقت المعاملة عن العبادة في لزوم ذلك فيها دونها، فالوجه عدم الاشتراط بحيث يدور الحكم بالوقفية مدارها وجوداً و عدماً و استظهر بعض مشايخنا انها غير شرط في صحة العقد بلا كلام لكن لا مانع من ان تكون شرطاً للزومه فمع عدمها لا يلزم ترتيب الأثر و ان صحَّ العقد مع عدم اقترانها به، و فيه ان مشترطها يلزم عنده مقارنتها للعقد و متى كانت شرطاً للزوجة جاز انفصالها عنه و هو خلاف المدّعي، فالأظهر عدم الشرطية و ان حصل الكمال بها.

نعم، في الصحيح و قال (عليه السلام) (

لا يرجع في الصدقة إذا ابتغى بها وجه اللّه

)، و في المسالك ان الأصحاب فهموا من الصدقة فيها الوقف انتهى.

و في الرياض و فيها حينئذ بشهادة السياق دلالة على ما مرَّ من اشتراط القربة في الصحة لمفهوم قوله (عليه السلام) (

لا يرجع إذا ابتغى

)، و هو الرجوع مع عدم الشرط فهو صريح في الاشتراط إذ لولاه لما ساغ الرجوع مطلقاً، انتهى.

و قال فيما سبق بعد ان حكى الاشتراط عن الجرائح و حاوي الاقوال و المفيد و القواعد و النهاية و الحلي و في الغنية الإجماع عليه، قال في رد الشهيد في الروضة و يكفي في عدم صحته مع عدم القربة عدم قيام دليل صالح عليه بدونها فعدم دليل على الاشتراط غير فادح بعد الاصل الدال على الفساد و اصالة عدم الاشتراط لا يعارضه إلَّا بعد فرض قيام المقتضى للصحة بعنوان العموم و هو مفقود و هو كما ترى مختل الأطراف إذ عموم الوفاء بالعقد الذي اعترف به اقوى دليل على الصحة بدونها فإن سببيته العقود مطلقاً بالإيجاب و القبول اللفظيين العربيين و إلَّا لأمكن ان يجري ذلك في مطلقها و معه لا موضوع لأصالة الفساد، و أما ما ذكره من الدليل الفقاهتي فقد سبقت الإشارة إلى ردّه من عموم الصدقة و على فرض ارادة الوقف منها في الخبر فلا اعتبار بهذا المفهوم على ان مفاد الخبر حينئذٍ ان الذي يقبض لا رجوع و ان لم يقصد به وجه اللّه تعالى، و ان ما قصد به ذلك ايضاً لا رجوع فيه و ان لم يقبض فيفهم منه انقسام الوقف إلى قسمين و يكون كالدليل للتفصيل الذي ما ادعاه أحد منّا و هو الفرق بين الوقف على الجهات العامة و غيره مثلًا كالمسجد و غيره فيكون شرط القربة فيما لا يعتبر فيه القبض و يصير حاله حال العتق، و أين هذا من اشتراط القربة في الوقف مطلقاً و لما كان الوقف عندنا قسماً واحداً و هو من العقود حكمنا بأن حاله كحال سائر العقود و ما فيها من اشترط في صحتها غير ما ذكرنا فلا وجه لاعتبارها و لا دليل عليه. نعم، لا بأس بعدم تركها احتياطاً مزوجاً من شبهة الخلاف، و لا يلزم الوقف إلَّا بالإقباض فهو قبله يجوز الرجوع فيه و ظاهره هنا صحة العقد قبله فيكون من شرائط اللزوم و إليه ذهب جماعة، و قيل انه من‌

6

شرائط الصحة ايضاً و هو صريحة فيما يأتي بل أدعي انه الأشهر و حينئذٍ فالعقد قبله محكوم بصحة في نفسه لكنه ليس يجوز للواقف الفسخ قبله، و الأصل في اشتراطه و جواز الرجوع بدونه ما رواه صفوان في الصحيح سألته عن الرجل يوقف الضيعة ثمّ يبدو له ان يحدث في ذلك شيئاً، قال: ان كان وقفها لولده و لغيرهم ثمّ جعل لها قيماً لم يكن له ان يرجع، و ان كانوا صغاراً و قد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيجوّزها لهم لم يكن له ان يرجع فيها و ان كانوا كباراً لم يسلمها إليهم و لم يخاصموا حتى يجوزوها عنه فله ان يرجع فيها لأنها لا يجوزونها عنه و قد بلغوا، و خبر الاسدي عن العمري عن الحجة (عجل اللّه فرجه)، و فيه (

و أما ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا و ما يجعل لنا ثمّ يحتاج إليه صاحبه ما لم يسلم فصاحبه فيه بالخيار و كل ما سلم فلا خيار فيه لصاحبه احتاج أو لم يحتج أفتقر إليه و استغنى عنه

). و فيه أيضاً (

و اما ما سألت عنه من امر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة و يسلمها من قيم يقوم فيها او يعمّرها و يؤدي من دخلها خراجها و مئونتها و يجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيماً عليها انما لا يجوز ذلك لغيره

)، و الصحيح (

في الرجل يتصدق على ولد له و قد ادركوا، قال: إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث

) الخبر، و هذه الأخبار و ان قضت بجواز الرجوع قبل القبض و انه من شرائط اللزوم لكنّها لا يظهر منها كونه من شرائط الصحة بمعنى ترتب الأثر و ان النقل متوقف عليه مع امكان معارضته [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] و نحوها، و بأن العقد يتم بالإيجاب و القبول و حكمهم بالبطلان بموت الواقف قبله و ان ظهر منه كونه شرطاً في الصحة لكن يمكن ان يكون من الفواسخ لعقده الجائز و ان ترتب الأثر قبل الموت عليه بل ربما يدّعي ذلك في مطلق العقود الجائزة، لكن ظاهر الأكثر انه شرط فيها، و لو قلنا به فهو شرط كاشف عن عدم صحة الوقف لا انه جزء السبب للنقل، و عليه فلا ثمرة بين القولين إذ اللزوم حينئذٍ غير معتبر في ملكية النماء و ان كشف عدم القبض عن عدم صحة الوقف. نعم، لو قلنا انه جزء السبب تتجه الثمرة في النماء المتخلل بين العقد و القبض، هذا و السارد لكلماتهم يرى ان المسألة ذات قولين، مما يظهر من بعضهم من دعوى الاتفاق على اشتراطه في الصحة كما ترى، و على أي حال إذا تمَّ وقفه بأن جرى عقده و حصل القبض مع باقي شرائطه، لا يجوز الرجوع فيه عندنا إذا وقع في زمان الصحة خلافاً لابن ثابت فجوز الرجوع به للواقف و لورثته إلَّا ان يحيزوه فيلزم أو يحكم الحاكم بلزومه و اختاره أكثر من تبعه سوى ابي يوسف عدل عنه لما حدثه اسماعيل بن ابراهيم عن بن عوف بلزومه فعدل إليه لكن الأول حكم بأن الوصية في الوقف تلزم من الثلث مع انه لم يجعله لازماً في جميع ماله في حال صحته و لا في حال مرضه و ان نجزه فهو كالمتناقض و للمفيد عبارة تقضي بعدم لزومه تأولها و من تعرض لها فلا شك في الحكم المزبور لو وقع زمن الصحة.

و أما لو وقف في مرض الموت فإن أجاز لورثة نفذ الوقف و تمَّ و صحَّ و إلَّا اعتبر من الثلث لقوله(ص): (

ان اللّه تصدق عليكم بثلث اموالكم في آخر أعماركم زيادة في أموالكم

)، و لصحيحة بن يقطين عن ابي الحسن (عليه السلام)" قلت: (

ما للرجل من ماله عند موته قال: الثلث و الثلث كثير

)، و روى بن سنان عن الصادق (عليه السلام)" قال: (

للرجل عند موته ثلث ماله و ان لم يوصِ فليس على الورثة امضاؤه

)، و في البحار عن الهداية عن الصادق (عليه السلام)" قال: (

ليس للميت من ماله إلَّا الثلث فإذا اوصى بأكثر من الثلث ردَّ إلى الثلث

)، و مصححه شعيب (

عن الرجل يموت ماله من ماله، قال (عليه السلام) الثلث و المرأة

)، كذلك و رواية سماعة و فيها قال (عليه السلام)"

7

لما سأله عن عطية الوالد لوالده قال (عليه السلام) (

إذا كان صحيحاً فهو ماله يصنع به ما يشاء و أما في مرضه فلا يصلح

). و في أخرى إذا كان صحيحاً جاز، و خبره الآخر عن الصادق (عليه السلام) (

عن الرجل يكون لمرأته عليه صداق أو بعضه فتبرئ ذمته في مرضها، قال: لا، ان وهبته له جاز ما وهبته من ثلثها

)، و في رواية ابي ولّاد (

يجوز هبتها له و يحتسب ذلك من ثلثها ان كانت تركت شيئاً

)، و مصححه أبي بصير (

عن الرجل يخص بعض ولده بالعطية، قال: ان كان موسراً فنعم، و ان كان معسراً فلا

)، إذ نظر حج التفرقة بينهما إلى الثلث و ما قضى بإمضاء العتق من الثلث فإن لم يفي به تبعض المملوك كخبر بن الجهم عن أبي الحسن (عليه السلام) (

في رجل أعتق مملوكاً له و قد حضره الموت و أشهد له بذلك و قيمته ستمائة درهم، و عليه دين ثلاثمائة درهم و لم يترك غيره، قال: يعتق منه سدسه لأن انما له ثلاثمائة و له السدس من الجميع

)، و خبر بن عقبة عن الصادق (عليه السلام) (

في رجل حضره الموت فأعتق مملوكاً ليس له غيره فأبى الورثة ان يجيزوا ذلك، كيف القضاء؟، قال (عليه السلام) ما يعتق منه إلَّا ثلثه و زاد في أخرى و سائر الورثة أحق بذلك

)، و خبر أبي بصير (

إذا اعتق الرجل عند موته جاريته ثمّ أوصى بوصية أخرى ألغيت الوصية و اعتقت الجارية من ثلثه إلَّا إنَّ يفضل من ثلثه ما يبلغ الوصية

)، و رواية اسماعيل بن همام في رجل أوصى عند موته بمال لذوي قرابته و اعتق مملوكاً له و كان جميع ما أوصى به يزيد على الثلث، قال (عليه السلام) (

يبدأ بالعتق فينفذ و بذلك كلّه فقيد تسلط الناس على أموالهم و ليس هو إلَّا كالهبة و المحاباة في البيع في مرض الموت

)، و قيل يمضي من أصل التركة و القائل فيه و في غيره من المنجزات أكثر المتقدمين و زمرة من المتأخرين للشهرة المحققة و الإجماعين المنقولين و لعدم نهوض هذه النصوص، أما لضعف السند أو الدلالة بتخصيص قواعد لزوم المقابلات و للاستصحاب و عموم لزوم التصرف و اطلاق ما دلَّ على ان الميت أحق بماله ما دام فيه الروح و ان اوصى أو قال بعدي فليس له إلَّا الثلث، و قال (عليه السلام)" في خبر ابي بصير: (

ماله يصنع به ما شاء إلى ان يأتيه الموت و ان لصاحب المال ان يعمل به ما شاء ما دام حيّاً ان شاء وهبه و ان شاء تصدّق به أو تركه إلى ان يأتيه الموت

). فجعل الموت غاية للحكم فيشمل حاله المرض، و المرسلة (

في الرجل يعطي شيئاً من ماله في مرضه، قال: إذا بان به فهو جائز

)، و موثقة عمّار (

عن الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه، قال: إذا أبان فهو جائز

)، و لإطلاقات خروج الدين من الاصل الشاملة لما يستدانه المريض حال مرضه المميت و الحكم بانتقال المال عنه يحتاج إلى دليل، إذ ليس المرض من النواقل القهرية باعتراف الخصم و لا قائل بأنه يبقى ما استدانه حال مرضه بذمته إذا لم يفي بذلك ثلثه و لا يطالب الديّان الوارث فتتبعض الصفقة حيث لا دليل على الاستثناء و مع ذلك الأول أشبه عنده تبعاً لمحققي اصحابنا السابقين الحاكمين لمسارات المنجزات للوصية كالاسكافي و الصدوق و المبسوط في الوصية و الغنية في عتقه و جملة من زبر الفاضل و الشهيدين و المحقق الثاني و فخر الاسلام و التنقيح، فيلزم التدبر في الأدلة الاجتهادية و الفقاهية ليستنبط الحكم الشرعي منها، و لا بأس بالاقتصار على ما ورد في الأخبار و عليه فغير العطية و الإبراء و الهبة و العتق لا يدخل فيما يخرج من الثلث و لا يتسرى لغيرها فمثل الوقف لا ذكر له فيها، لكن ظاهر أهل هذا القول يلحقون بها يجري مجراها فمن الهبة و العطية يتسرى إلى نقل مطلق العين و المنفعة و من العتق و الإبراء يسري الحكم إلى فك الملك مطلقاً بوقف و غيره و إلى الحقوق المالية التي تورث و أظنه لاتّحاد المناط، و لذا ضبطه الشهيد (رحمه اللّه)" بما استلزم‌

8

تفويت المال على الوارث بغير عوض و لنا أمل بفسحة الأجل و التكلم في هذه المسألة في مضانها كالوصية و الإرث، فنسألكم الدعاء.

نعم، تأمل بعضهم في مثل تزويج المرأة نفسها بأقل من مهر المثل و إجارة النفس كذلك، و نصَّ بعضهم ان للمريض اسقاط بعض ما يورث من الحقوق كحق الخيار و الشفعة و الاختصاص في الأراضي الخراجية و غير ذلك مع ان الاسقاط كالإبراء فينبغي حينئذٍ إمعان النظر في الجمع بين مقالاتهم.

و يتفرع على ما ذكرنا انه لو وقف و اعتق و باع محابى و لم يحز الورثة، فإن خرج من الثلث صحَّ و ان عجز بدأ بالأول، فالأول ما لم تعم قرينة على إرادة احدها على كل حال و لو لكونه أهم في نظره كعتق بعض أرحامه ممن لا يجب عليه عتقه مع علمه بخروج ذلك من الثلث، و هكذا و إلَّا لوحظ السابق لأنه اول ما تعلق به العقد حتى يستوفي قدر الثلث ثمّ يبطل ما زاد.

لكن المحكى عن العلّامة انه فرّق بين التنجيز و الوصية فبسط الثلث على الجميع في الأول دون الثاني، و ضعّفه واضح عند شيخنا، و لعل محط نظره قاعدة (لا يترك)، (

و أتوا منه ما استطعتم

)، و ما لا يرك فتتبعّض الصفقة عليه كبيع ما يملك و ما لا يملك و هو في غير العتق واضح، و فيه يستسعي العبد بما يبقى للورثة فيجري على القواعد كما لو مات، و وسع ثلثه الجميع ثمّ تلف قبل اخراجه منه البعض بحيث ان الباقي لا يفي بالمنجز إذ السبق لا يقصر ثلثه فيه بعد شيوعه في جميع المتروك و العقد و الإيقاع يؤثر أثره فكأن ثلثه انقلب إلى السدس في الآحاد فيكون المنجز سدس كل واحد بحيث لو اجتمع كان ثلث المتروك كالشريك في الأعيان المختلفة فإنه لا ينحصر حقه في أحدها بل له أخذ حقه من كل واحد قابل للقسمة منها.

و هكذا لو أوصى بوصايا لكن كأن البدأة بالأول عليه الأكثر ما لم يكن هناك ما يخرج من الأصل على كل مال كالواجبات المالية لنفوذ الوصية الأولى و ما بعدها لرءوسهما الثلاث إذ هي من اهلها في محلها، و لخبر حمران عن ابي جعفر (عليه السلام) (

في رجل أوصى عند موته و قال اعتقوا فلاناً و فلاناً حتى ذكر خمسة فنظرت في ثلثه فلم يبلغ اثمان قيمة المماليك، قال: ينظر الذين سمّاهم و بدأ بعتقهم و يقومون و ينظر إلى ثلثه و يعتق أول شي‌ء ذكر ثمّ الثاني ثمّ الثالث ثمّ الرابع ثمّ الخامس فإن عجز الثلث كان ذلك في الذي سمّى أخيراً لأنه اعتق بعد مبلغ الثلث ما لا يملك فلا يجوز له ذلك

)، و لاشتماله على التعليل يدفع احتمال اختصاصه فيجري الحكم في غير العتق و العتق مع غيره، لكن الشيخ و تبعته قدّموا العتق و ان تأخر للموثق عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) (

سألته عن رجل حضره الموت فأعتق غلامه و أوصى بوصية و كان اكثر من الثلث، قال: يمضي عتق الغلام و يكون النقصان فيما بقي

)، و غيره مثله و هو و ان كان ظاهراً في التنجيز إلَّا ان قوله (عليه السلام) (

يمضي .. إلى آخره

) يعم الوصية، لكنه موهون بعدم عمل الأكثر به مع معارضته للأقوى منه فلا محيص عن القول الأول و اجراء ذلك حتى في المنجّزات لصلوح التعليل في الخبر السابق له فإن اطلاق العقود التي منها الوصية محمول على النافذة لأن العقد يقتضي إرادة معنى ما تعلق به فإن صادف ذلك ما يمكن نفوذه فيه، نفذ لوجود مقتضى النفوذ و ان قصر لوجود المانع نفذ ايضاً حيث يرتفع و لم ينفذ مع وجوده فهو و ان كان صحيحاً لكنه لم يصادف محلًا ينفذ فيه من حيث عدم اجازة الورثة، هذا إذا لم يحتمل العدول أو ان الثاني ماسح للأول احتمالًا يساوق نفوذه إذا صادف محله، و يجزي‌

9

جميع ذلك في المنجزات بناء على انها كالوصية من هذه الحيثية و ان احتمل البسط فيها دونها كل ذلك لو علم الترتيب في التنجيز و الوصية.

و أما لو جهل المتقدّم، قيل و لم نعثر على غير المبسوط في خصوص الوصية انه يقسم على الجميع بالحصص لجهة الحكم بالاقتران فيهما الناشئ من اصالة عدم تقدم احدهما على صاحبه، و مع ذلك لو اعتبر ذلك بالقرعة كان حسناً إذ عنوان الحكم متى كان السبق أو الاقتران و لم يعلم احدهما فما كان الأصل ليشخص موضوع الحكم في الحادث، و لا يكفي الظن هنا لو حصل فليس إلَّا القرعة لأنها لكل امر مشكل.

نعم، لو لم يكن للاقتران حكم مستقل بل هو خاص بالسبق وحده يلزم التخصيص مع القصور حيث يجهل التقدم لأن المرجع إلى ما يؤدي إليه إطلاق الوصية و هي تقتضي ذلك و لو تبيّن السبق بعد التخصيص لحق الحكم السابق و انتفض التخصيص و بطل في المتخلف.

و ان قلنا بالأجزاء في العبادة إذا انكشف الخلاف إذ لا تشخص القرعة الحكم الواقعي و لا تعين ارادة المنجّز أو الموصي و ان ترتب على ذلك الضمان و الغرامة بل و لو حكم الحاكم بها، و في القواعد في ارثه و لو اشترى من ينعتق ليرث حيث لا وارث ثمّ تبيّن الوارث فالأقرب البطلان فيهما، و لمّا لم يكن للقرعة في الشرع ضابط يرجع إليه جازت بما يحصل به المطلوب في كل ما تشرع فيه حسب ما عليه المتعارف بين الناس بكتابة أو غيرها و يمضي ذلك الشرع و لا تتوقف على اذن الحاكم عند الاشتباه إلَّا في أصل المشروعية ثمّ هي آخر ما يرجع إليه في المشتبه بحيث لو كان هناك أصلًا أو قاعدة عامة أو نصاً معمولًا به قدم عليها من دون اشكال بناء عليه ان ما شرع فيه التنجيز بين المشتبهين لمكلف واحد لا تشرع فيه القرعة فلا تشرع في الخبرين المتضادين و لا في الإناءين المشتبه ظاهرهما بالنجس و لا في الغريقين الواجب انقاذهما و لا يتميز الأفضل من المجتهدين الواجب تقليد احدهما، و هكذا بل القدر المتيقن من مشرعيتها هو ما انحصر الأمر في التعيين بها، و إلَّا فحيث يمكن التخيير لا يعدل عنه إليها، و لذا كان الأوفق بالضوابط الشرعية عندنا هنا التخيير في الترتيب لو اشتبه المتقدم و المرجع فيه إلى الوارث أو الوصي أو إلى الحاكم لو تشاحا و ليس للموصى له ذلك لأنه قد يجري النار إلى قرصه، لكن فيما وقفنا عليه من زبر الاصحاب و كلُّ من حرر في هذا الباب لم يذكر احتمال التخيير في تقدم ما شاء من يحتمله و ربما كان نفي احتماله لعلة لم تقف عليها فانحذو حذوهم، و في المسالك بعد ذكر كيفية القرعة في المقام، قال: هذا ما يقتضيه تحقيق حال القرعة و إلَّا فكلام الاصحاب خال عن تحريره انتهى.

و ما ذكره (رحمه اللّه)" من الكيفية هو ان يكتب سبق كل واحد مما ذكر الماتن و اقترانه مع صاحبيه أو احدهما أو سبق اقرار كل واحد منهما لو تعدد أو لحوقه و يحصل المراد في ثلاثة عشر رقعة فاقتران الثلاثة في واحده لو خرجت أولًا من الخباء ثمّ اقتران اثنين بعد الثالث أو قبله ثمّ ترتب الثلاثة سابقاً و لاحقاً في كل فرد فرد، فيتعين بذلك السابق و المقارن و يحصل الاقتران بورقة الثلاث او الاثنين سابقاً و لاحقاً و يحصل الترتيب بين الثلاث إذا انفرد كل منهما سابقاً أو لاحقاً لصاحبه، و صاحبه كذلك و لو حصل التراضي من الورثة جميعاً في الترتيب و عيّنوا السابق ثمّ الذي بعده ثمّ الأخير لا يؤخذ به لأحتمال الحيف و الموافقة لغرضهم لا لغرض المورث حتى لو طابقهم الوصي بل و الموصى له في الوصايا المتعددة، و يحصل الترتيب بتعاقب الزمان في المنجز و بثم‌

10

و الفاء، و الانفصال في الوصايا ان لم تعم قرينة على مسح المتأخر لما قبله و قد يقرع بغير الرقاع مثل الحجر و العود و غيرها.

و إذا وقف شاة كان صوفها و لبنها الموجود على ظهرها و في ذراعها داخلًا في الوقف كالمتجدد بعده ما لم يستثنه الواقف نظراً إلى العرف في التبعية كما لو باعها، و حينئذٍ فكلما دخل في المبيع عرفاً من نتاج الملك الموجود دخل في الوقف ايضاً و في العتق كلبن الجارية الموجود عين العتق للعلة و ان لم يصرحوا به و على ذلك الفاضل و الشهيدان و الكركي و غيرهم بخلاف الظاهر و ثمرة النخل و الشجر كذلك، و غيره من الزوائد كالأطراف اليابسة و الورق مما فيه اصلاح الشجر و النخيل، و إذا لم يقتضيه اطلاق العقد لا يدخل حتى مع التصريح بدخوله إلَّا إذا استفيد من الإباحة المجانية فإن النماء المتجدد نماء ملكه المحبوس فيملكه لملكية الاصل و أما الموجود فليس من نماء ملكه المحبوس فلا يتملكه و إلا تجري فيه التبعية و ان جرت فليست من النواقل القهرية إلَّا ما تعارف منها على اشكال. نعم، لو صرّح الواقف بالدخول كان كالأصل ما لم يكن من اجزاء العين الموقوفة كسعف النخل الرطب و يدخل في المتجدد عوض البضع و اجرة الدابة و العبد و النكاح المتجدد و في فروخ الاشجار المتجددة بعد الوقف إذا كان من نتاج الاشجار الموقوفة وجهان من إجراء حكم الأصل عليها فيحقها حكم الاصل و من كونها من نتاج الوقف من فوائده فهي بمنزلة النماء. نعم، الدابة الموقوفة على الجهة الخاصة مثل البقرة للحرث او للدياسة او لغيرهما معيناً فنتاجها للواقف كما صرّح به الفاضل في تذكرة الفقهاء و مثله العين الموقوفة لتعزية او عزاء او لضيافة من خيمة أو قدور أو فرش و كذا ما يوقف في الحضرات المشرفة و المساجد و المدارس و الرباطات من الاعيان، فلو استعمل في غيرها ثبت للواقف اجرة المثل مع الاثم لو زاحم الجهة بل مطلقاً لعدم احراز الاذن من الواقف، و حينئذٍ لا ريب في حرمة وضع البرد الموقوفة في أحد المشاهد و الاستار على جنائز الموتى كما هو الديدن الآن، إذ لا فحوى تقضي بالأذن و لا شاهد حال بعد معلومية وقفها في خصوص الروضات، و كذا القرائن و الفرش. نعم، لو خيف عليها من الاضمحلال أو التلف او سراية دابة الأرض إليها جاز للناظر الخاص أو العام إخراجها من تلك الجهة لإصلاحها بتنقية و نحوها و لو بالفرش في غير موضعها او وضعها بالشمس أو على الجنائز و هكذا، و ليس بالبعيد جواز تولي ذلك حسبه، و يجري ذلك حتى في المرسول إلى البقاع المشرفة و لم يجري عليها صيغة الوقف فتكون من المباحات التي لم يتحقق من المالك الاذن في التصرف فيها إلَّا على هذه الجهة الخاصة و وشيكاً يأتي ما ينفع في خصوص هذه المسائل ان شاء اللّه.

النظر الثاني: في الشرائط

و هي اربعة اقسام:

القسم الأول: في شرائط الموقوف

و هي اربعة:

أولًا: ان تكون عيناً ينتفع بها مع بقائها

و يصح اقباضها فلا يصح وقف ما ليس بعين كالدين و لو مؤجلًا او كان المدين معسراً، و كذا لو كان الموقوف فرداً مردداً بين أحاد مثلما لو قال: وقفت فرساً أو ناصحاً أو داراً و لم يعبن حتى لو وصفها بأوصاف معلومة حيث لا‌

11

تشخصها، و مثل الكلي في الذمة المنفعة لإطلاق العين في قبالها كالأولين و علله غير واحد بأن المشرع للوقف الدليل الفقاهتي من قوله(ص): (

حبّس العين و سبّل الثمرة

)، و ما وقع من وقوفهم (عليهم السلام)" و ما كان ليقضي ذلك باندراج احد الثلاثة فيه أما الدين و المنفعة فلو أمكن تحبيسهما بعد التشخص و القبض فلا يمكن تسبيل الثمرة فيهما إذ ليس هناك ثمرة حتى تسبل أو ان لمفهوم من الخبر و نحوه فعليه التهيؤ للمنفعة في الأصل الذي يراد تحبيسه، و لا ريب في انعدام التهيؤ فيهما فعلًا و الذي ورد عليه العقد عارٍ عن ذلك و كونه بعد القبض مما يمكن فيه الانتفاع لا يقتضي صحة وقوع العقد على فاقده فعلًا و لذلك لا تصح اجارته و غيرها من العقود التي ترد على المنفعة، و ان قيل بصحة بيعه و الصلح عليه وهبته لأن التهيؤ المرقوم غير ملحوظ فيها فلا مانع من وقوع عقد عليها يقتضي نقل ما وقع عليه بنفسه ان لم يدعي على اعتبار التشخص فيما من اطلاق العقد أو من دليل خارجي ان كان الأول لا يوجبه، و الحاصل ان التحبيس و الاطلاق يقتضي وجود شي‌ء في الخارج كي يقع عليه الفعل و ما في الذمة لا وجود له خارجاً فوقفه كوقف المعدوم قبل التعيين و هو في الدين واضح و في المنفعة لاستهلاك العين بالتصرف الموجب لاستهلاكها فإن امكان الانتفاع مشروط ببقاء العين لا مطلق.

و لو قيل بمنع التصرف في العين و الانتفاع بها و ان كانت منفعة قلنا هو مع تخلفه في المنفعة العارية عن المنفعة أصلًا مع عدم المفصّل ان نفس الوقف لا يوجب عدم جواز التصرف بل غايته الانتفاع مع بقاء العين و ان اوجب تصرفاً في العين غير مستهلك لها و التصرف في المنفعة لازمة استهلاكها شيئاً فشيئاً فلا يتعلق الوقف بها، و أما المبهم فكالدين و ان استند إلى معين كفرس من افراسي فإن المبهم باعتبار كليته غير موجود و لا مملوك و هما مناط الوقف فالمبهم مجهول و المجهول لا يوقف مضافاً إلى المحكى من نفي الخلاف و اجماع الغنية و أصالة عدم تحقق الوقف في غير المتيقن منه لعدم شمول دليله له لا اقل من الشك.

هذا خلاصة ما ذكروه دليلًا على المنع في الثلاثة و لكنها لا تفي بالمدعي إذا لم يتحقق الإجماع عليه إذ اللازم من ذلك او لا عدم جواز وقف مسلوب المنفعة فيما لو ملكت قبل الوقف بعمري العين أو اجارتها أو غير ذلك مما ينافي فعليه التسبيل من جهة استحقاق الثمرة لغير الموقوف عليهم لا من جهة عدمها لآفة سماوية أو لغصبها أو غير ذلك مما يصح فيها فعليه التهيؤ كإجارة ما يتأخر ثمرته و وقفه قيل لدون منفعته، بل لجهة استحقاقها مع وجودها لسوى الموقوف عليهم و تحقق استيفائها بعد تمام العقد السابق و استحقاق الموقوف عليه لها في الزمن اللاحق لا يجعل مصب العقد فعليه التهيؤ للمنفعة إذ لا ريب في انعدام التهيؤ فعلًا و امكانه بالقوة كإمكانه في الدين او المبهم بعد قبضه و تشخيصه مع ان الظاهر الاتفاق على صحة الوقف، كذلك و لم أعثر على متأمل فيه.

و أما ثانياً: فلأنه لا ريب في صحة الوقف المشاع المنافي لاعتبار التشخص

و لتحقق الحبس و التسبيل فعلًا و أي مانع من عين لها منفعة مرددة بين افراد كالواجب التخيّر فيعين الواقف بعد الوقف احدها، و يكون وقفاً أو تعينه القرعة أو الناظر في الوقف كما تعيّن القسمة في المشاع العين الموقوفة و عدم شمول دليل الوقف لمثله أول الكلام و بعد شموله يلزم الوفاء به ما لم يقم دليل على بطلانه، و حينئذٍ فما يصح بيعه أو اجارته ينبغي ان يصح وقفه، و دعوى ان وقفه منافٍ لاعتبار تنجيزه الذي عليه الاكثر و لمقارنة الأثر لسببه إذ المناط ملكية ما تأهل للمنفعة من الاعيان و أن تأخر تعينه أو تأخرت منافعه لعارض من سبق عقد ينقل منافعه لغيره‌

12

عليه أو لتأخر زمان منفعته و هكذا، و حينئذٍ يصح وقف العقار و الثياب و الاثاث و الآلات المباحة و ان كنَّ مستأجرات خاليات عن المنفعة حين الوقف و ضابطه كلما يصح الانتفاع به منفعة محللة مع بقاء عينه يصح وقفه فيخرج ماله منفعة محرّمة مع الانحصار أو مع قصدها في غير المنحصر و كذا ما لا منفعة له ابداً و ينحصر الانتفاع بذهاب عينه كالطعام و الشمع و نحوهما، لكن بن ثابت لم يسوغه في الحيوانات و الكتب و خصّه أبو يوسف بالأرض و الدور و الكراع و السلاح و الغلمان تبعاً للضيعة و نفى صحته مالك بمطلق المنقول و لم أقف على موافق لهم من اصحابنا سوى ما ينقل عن العماني في استثناء بعض المنقول مما يصح الانتفاع به مع بقاء عينه كالحصر و الرياحين، و لعله مبني على اعتبار طول زمان المنفعة و هو صريح الفاضل في التحرير، و محكى (رحمه اللّه)" بدعوى المفهوم من سياق الاخبار ذلك و لمنافاته للتأبيد المطلوب من الوقف و فيهما منع بين إذ سياق الاخبار لا يظهر منها ذلك و لا يراد من التأبيد زائداً على عمر العين الموقوفة و إلَّا لم يحصل للوقف موضوع، و لذا كان ظاهر الاكثر ذلك كما انه يكفي تأهله للمنفعة و لا تعتبر الفعلية فيصح وقف الحيوان الصغير الذي يملك لإطلاق الادلة مطلقاً. نعم، فيما تملك منفعته بعقد سابق على الوقف مدة تفنى بها منافعه أو تزيد على عمره غالباً من اجارة و غيرها من العقود اللازمة، ففي وقفه اشكال أقربه المنع للحوقه بمسلوب المنفعة. نعم، لا بأس به في العقود الجائزة لأن الفسخ و عدمه يرجع إلى ارباب الوقف، و كذا يصح وقف الكلب المملوك و الستور و غيره مما يملك لإمكان الانتفاع به منفعة محللة في صيد أو ماشية أو زرع أو حائط أو لذهاب الفويسقة أو غير ذلك، لكن على القول بعدم تملكها لا يجوز وقفها لتوقفه على الملك و ترد في التوقف شيخنا بل يصح الوقف مع سلطنة الاختصاص لإطلاق الخبر و لا يخفى ضعفه و إلَّا لجرى ذلك في حقوق الاختصاص‌

13

مطلقاً و لا يصح وقف الخنزير لأنه لا يملكه المسلم و لا كلب الهراش و لا غيرهما مما لا يملك.

و لا يصح وقف الآبق كبيعه لتعذر التسليم أما لو أمكن التسليم بل و التسلم للموقوف عليه صحَّ في وجه، و هل يصح وقف الدراهم و الدنانير.

قيل لا تصح و هو الأظهر و نفي الخلاف فيه لأنه لا نفع بها إلَّا التصرف فيها كالطعام و الشمع و هو منافٍ للوقف الموجب لبقاء الأصل، و قيل يصح و هو الأشبه لأنه قد يفرض لها نفع مع بقائها لزينة و غيرها، لكن فيما دون النصاب ان قلنا بعدم ثبوت الزكاة في العين الموقوفة، و لو وقف ما لا يملكه و ان كان المالك مجهولًا و لو اجاز المالك أو الحاكم لو جهل قيل يصح لعدم المانع من التقرب للغير بماله، و لأنه بالإجازة كالوقف المستأنف و هو حسن، و به قال جماعة كثير و الحواشي و ظاهر المسالك و غيرهم لا من الصدقة التي تجوز من الفضولي و يصح وقف المشاع عندنا و خلاف الشيباني منقرض و قبضه كقبضه في البيع من غير اشكال. نعم، التصرف في المنقول منه يتوقف على اذن الشريك دون غيره.

القسم الثاني: في شرائط الوقف

و يشترط فيه البلوغ الشرعي، و كمال العقل و جواز التصرف و الإسلام لمشترط القربة فيه على تردد فلا وقف للصبي مطلقاً و المحجور عليه مطلقاً حتى مع الاجازة فيها في رأي، و في صحة وقف من بلغ عشراً و كان مميزاً تردد لوقوع الخلاف فيه و المحكى عن المفيد المنع فيه خصوصاً و ان عبّر بلفظ الصدقة للشهرة على جوازها في غيره و في الوصية و العتق و اختار في النهاية و المهذب تعدية الصدقة إلى الوقف للنص الوارد، و لكن المروي جواز صدقته في خبر زرارة عن الباقر (عليه السلام) (

إذا اتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز في ماله ما اعتق أو تصدق أو اوصى على وجه معروف و هو جائز

)، و هي مخصصة أو مقيدة للموثقتين الذي لم يشتملا على العشر و من الصدقة الوقف، و مع ذلك الأولى المنع و عليه المعظّم لتوقف رفع الحجر اجماعاً و رواية على البلوغ الشرعي و الرشد، و دعوى الخروج بمثل هذه النصوص المتروك العمل بها عند عامة الاصحاب في خصوص المقام لا يلتفت إليها بمثل هذه النصوص المتروك العمل بها عند عامة الاصحاب في خصوص المقام لا يلتفت إليها لسلب عبارة الصبي إلَّا ما استثنى فيقتصر على مورده المحقق دون المشتبه و عليه يلزم القول بنفوذ وصيته بالوقف و ان لم يصح وقفه لعدم استثنائها من صحة وصيته المتفق عليها.

و لا ريب انه يجوز ان يجعل الواقف و يشترط في متن العقد النظر في العين الموقوفة لنفسه دون غيره، و لغيره و ان تعدد و له مع غيره على الاشتراك و الاستقلال و لم أقف على متأمل فيه عدا ما يحكى عن بن ادريس و عبارته غير صريحة في الخلاف فلا ضير في نفي الخلاف إذا ادّعى و لا تعتبر في نظارته عدالته لعدم دليل صالح عليها و ان جاز للحاكم عزله إذا ظهر منه ما ينافي مصلحة الوقف، و أما غيره فقد ذهب جماعة إلى اعتبارها زائداً على الرشد و حكموا بعدم جواز جعل غير العادل ناظراً و ان كان رشيداً و آخرون إلى جوازه للأولين الخبر المتضمن لصدقة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)" و فيه يقوم على ذلك الحسن (عليه السلام)" ثمّ من بعده الحسين (عليه السلام)" ثمّ إلى من يختاره و يثق به و لا يوثق بغير العدل و في الأخرى بعد ذكر الحسنين (عليهما السلام)" فإن حدث بهما حدث فإن الآخر منهما ينظر في بني علي (عليهم السلام)" فإن وجد من يرضى بهديه و اسلامه و أمانته فإنه يجعله إليه ان شاء، و ان لم يرَ فيهم بعض الذي يريد فإنه يجعله إلى رجل من آل ابي طالب يرضى به فإن وجد آل أبي طالب قد ذهب كبرائهم و ذووا‌

14

آرائهم فإنه يجعله إلى رجل يرضى به من بني هاشم الحديث و هما لا ينهضان بالاشتراط بل ظاهرهما التأكيد في عدم تغيير أمر الصدقة و صرفها فيما ذكر (عليه السلام)". نعم، لو اشترطت في الناظر لزم الشرط بلا اشكال و لو فسق حينئذٍ انعزل و ان عاد إلى العدالة ترجع له النظارة لأن الحكم قد تعلق على الشخص المتصف بها، و بعودها يكون موضوعاً للحكم إذ بالعود إليها يجمع الأمرين التشخص و العدالة فتكون النظارة له و يكون كما لو جعل الواقف النظارة لشخص بعده و اشتراط عدالته و كان الشخص حينئذٍ عادلًا ثمّ فسق في أيامه و غبَّ موته رجع إلى ما كان عليه أولًا فإنه لا اشكال في الحكم بنظارته و ذكروا ايضاً ذلك في الوصي، لكن قد سبق منا وشيكاً في الوكالة ما ينافي ذلك و انه بعودها لا تعود الوكالة حيث تشترط العدالة في الوكيل بل و في غيرها من العقود و لعل استثناء الوقف و الوصية من بينها لاقتضاء العموم في دليل مشروعيتهما من قوله (عليه السلام) (

الوقوف حسب ما يقفها اهلها

)، و قوله تعالى: [فَمَنْ بَدَّلَهُ] جواز ذلك و إلَّا فرجوع النظارة بعد العزل و ان عاد الوصف في غاية الاشكال و ما كاد ذلك ليقضي بعزل الحاكم الذي ترجع له النظارة عند فسق الناظر المشخّص، و كذا لو ترتب الواقف.

ثالثاً: معين فقبض الموقوف هو أو الحاكم و تصرف فيه حسبما يراه من اصلاحه

بل يلزم الفساد على تقدير رجوع النظارة في تصرف الواسطة، إذا كان على خلاف نظره للزوم نقض ذلك التصرف مع الامكان فلولا تسالم الأكثر على العود لكان المتجه العدم و جعل الفسق كالموت مزيل لموضوع النظارة فإن الوصف إذا كان جزء موضوع الحكم يدور الحكم مداره وجوداً و عدماً، و متى ارتفع بتبدل موضوعه و صار له موضوع آخر فزواله بأحراز الموضوع الأول للوصف غير وجيه و هل له الرد ابتداءً و استمراراً و ليس له ذلك بعد لزومه من طرف الواقف و عدم جواز عزله للأمر بالكون مع الشرط حتى للواقف نفسه ان لم يقيده بقيد يسوّغ ذلك وجهان و استظهر الجواز في الدروس الشرعية قائلًا ان ذلك في معنى التوكيل فلا يجب على المشروط له القبول للأصل بل و لا الاستمرار بعده، و في المسالك لأنه غير واجب في الاصل فيستصحب فإذا ردَّ صار كمن لا ناظر له انتهى.

لكن شيخنا (رحمه اللّه)" استوجه عدم جواز الردّ بعد الرضا و القبول، و خلاصة ما رام بيانه بأن ذلك منافٍ لمقتضى العقد المأمور بالوفاء به من المتعاقدين و غيرهما ممن له تعلق بالعقد و دعوى أنه في معنى التوكيل ممنوعة لعدم الدليل، و عدم القصد مضافاً إلى لزوم القيام عليه مما يقتضيه النظارة مع عدم الرد لكونه من مقتضى العقد و لولاه فلزوم المضي لا دليل عليه سواه ثمّ ان الواقف لو شرط له ما هو أقل من اجرة المثل عوض عمله لزمه المضي في العمل و عدم أخذ التفاوت و ان لا يتجاوز شرطه و يقبل القليل ان لم يتبرع و ما هو إلَّا من جهة كون ذلك من مقتضيات العقد اللازم فلا يجوز ردّه و عدم قبوله فلو كان له الرد و عدم القبول لأخذ عوض عمله أجرة المثل بل الأزيد منها لكن حيث كان قبول ذلك من مقتضى العقد لزمه عدم التعدي فكذلك إذا رضى بالنظارة فليس له الرد للعلة المزبورة، و حينئذٍ يلزم العمل بمقتضى العقد الذي منع من الرد عند الرضا، و هذا و ان كان التفاتاً حسناً لكن ربما يمنع كونه من مقتضيات العقد لأن الالزام به حيث لا يكون موجباً و لا قابلًا كأنه لا برهان عليه بعد تسلط الانسان و سلطنته على ما له فعله و عدمه و لا يملك أحداً واحداً إلَّا بعقد ينقل جميع منافعه إليه مثل الإجارة، و أما غيرها من العقود فلا ترى لو باع و اشترط في متن العقد زوجية أيم مثلًا‌

15

و هي رضيت بذلك و حصل البيع على الوجه المزبور ثمّ نكلت و عدلت هل للحاكم ان يجبرها على النكاح، و هل للمشتري ان يطالبها بذلك لأنه من مقتضى العقد، و مثله لو باع و شرط استئجار دار الغير سنة و حصل الرضا من الغير بذلك ثمّ عدل، أ يصح جبره على ما رضا به؟، و هكذا و أما عدم جواز أخذ الزائد على ما عينه الواقف عوض عمله و لو كان دون اجرة المثل فهو من فروع قبول النظارة لا انه من مقتضى العقد فيكون حينئذٍ عرضها بحيث ان العقد اقتضى شيئين لا ربط لأحدهما بالآخر، فكما ان الثاني يلزم فكذا الأول فإن ذلك مما يمنع بل هو من توابع قبول النظارة التي له ردّها فإن قبلها لزمه قبول القليل و إلَّا فلا و ما بالاختيار لا ينافي الاختيار و أي فرق بين ما نحن فيه و بين الوكالة بالجعل الذي هو دون أجرة المثل فإن الوكيل لو قبل الوكالة لزمه قبول ذلك الجعل قلَّ أو كثر و متى عزل نفسه ذهب الجعل بالعزل و ليس له المطالبة بالزائد كما ليس له ان يقبل الوكالة و يطالب بجعل ساوق اجرة المثل و يدّعي عدم التبرع و كون الوكالة لا تلزم من الموكل لم يصلح فارقاً لخروجه عن مفروض البحث و خلاصته ان العقد اقتضى قبول النظارة على الوجه الخاص، فإن ردها سقط ما تفرع عليها و ان قبلها لزمه ذلك فهو ليس من مقتضيات العقد بل من توابع القبول ما دام فهو كمن استأجر على عمل أو اعمال في أيام معدودة بعوض معلوم و اشترط الأجير ان له خيار الفسخ إلى منتهى الأجل و قبل المؤجر ذلك فالعوض يدور مدار الفسخ و عدمه و يستحق الأجير لو فسخ في الاثناء بالنسبة فالنظارة كذلك حيث يردها بعد الرضا و لزوم الوفاء بالعقد و ان شمل الواقف حيث اشترط ذلك، لكن لا يشمل الناظر بمجرد الرضا و لو شمل فلا فرق بين رضاه و عدمه فليلحظ. نعم، لزوم الوصية بعد الموت مما قضى بها الدليل الفقاهتي فهي على خلاف الأصل، كما لا يجدي الرضا بها حال الحياة بل و قبولها في عدم الردّ بل للوصي ردها على الموصى و ان قبل زمن الحياة، ثمّ انه لا اشكال في انه للواقف ان لا يقتصر في النظارة على عدد مخصوص بل له جعل ناظر أو أكثر، و المتبع في الثاني قصده في الاشتراك أو الاستقلال أو اختصاص الاستقلال بأحدهما دون الثاني حسب ما يشترطه إذ الوقوف حسبما يقفها أهلها.

أما لو جعل ناظرين و اطلق فالظاهر لزوم اشتراكهما فيما لا يتسامح فيه عرفاً و لا يجوز لأحدهما الاستقلال لأن الاثنينية ملحوظة فيما للناظر التصرف فيه، و لا يصح توكيل احدهما صاحبه و لا غير صاحبه إلَّا إذا أظهر من الواقف ذلك و ان منع من تصرفهما او نظارة احدهما مانع فإن جعل الواقف شخصاً مخصوصاً بعد فقدهما و نصَّ عليه رجعت النظارة إليه و إلَّا فإلى الحاكم منضماً أو منفرداً أو من يعينه و الأولى ان يعين الحاكم من الموقوف عليه من يرتضيه للنظارة عند فقد الناظر مطلقاً من الموقوف عليهم ليجمع بين الحقين، و لو انفرد الموقوف عليه فله التصرف في الثمرة لأنها ملكه بدون مراجعة الناظر حيث لا تكون للموقوف حاجة إلى أمر آخر من تعمير أو مصانعة مصدّق أو جلب ما فيه صلاحها و لو في الزمن المستقبل و حينئذٍ لا بد من مراجعته لعدم اختصاص الموقوف عليه بالثمرة و متى اشترك مع غيره لزم الرجوع في التوزيع و كيفية الصرف إلى الناظر و لو اختلف هو و الموقوف عليه أو هو و شريكه في صرف مخصوص رجعا إلى أهل الخير و عند اختلافهم يؤخذ بما يوافق رأي الناظر في الأول و إلى ما يراه الحاكم في الثاني، و ليس للموقوف عليه الردّ على الناظر إلَّا مع الاتهام و لو جعله الواقف بمنزلة نفسه و أرجع الأمر مطلقاً إليه أو صرّح بنفوذ تصرفه مطلقاً، فالظاهر عدم جواز معارضته حتى مع الاتهام و ان كان الواقف اجنبياً بعد الوقف للزوم اتباع كلما اعتبره فيه.

16

و أما الوقف على الجهات العامة كالقناطر و الرباطات و الخانات و المدارس و الحضرات و العقارات التي يشترك فيها العموم و مرجع نظارتها إلى الحاكم الشرعي فيجوز لكل احد ممن شمله الوقف ان يتصرف فيها بدون اذن الحاكم بما قضت العادة به من التصرفات التي لا تخل بالعين الموقوفة مما لا يتسامح فيه، و لو ظهر من الناظر قصد حرمان الموقوف عليه بصورة اصلاح الوقف رفع الموقوف عليه امره إلى الحاكم فإذا انكشف له ذلك عزله أو ضم إليه من يوثق به كما صنع الكاظم (عليه السلام)" لما شرط في الأرض التي تصدّق بها النظر للرضا (عليه السلام)" و أخيه ابراهيم بعده فإذا ارتحل الرضا (عليه السلام)" دخل القاسم مع الباقي من اولاده.

و في المسالك ان وظيفة الناظر في الوقف العمارة له اولًا و تحصيل الربع بالباء، و قسمته على المستحق و حفظ الأصل و الغلّة و عدم التراخي في رعايته و نحو ذلك هذا كله مما يقتضيه مذاق الفقاهة و اللّه الموفّق.

هذا إذا كان الناظر معيناً فإن لم يعين الواقف الناظر كان النظر إلى الموقوف عليهم مع الانحصار بناء على القول بالملك لهم كما هو المشهور المصرّح به في القواعد و التحرير فإذا هم أحق بإصلاح ملكهم من الغير و تعاهده و ان رجّحنا ملكية الواقف كانت النظارة له للعلة و قبل ان النظارة له و ان لم يملك لأن النظر و الملك كانا له و بزوال احدهما لا يزول الآخر، و فصل المسالك بين الموقوف عليه المعين و بين الجهة العامة فجعل النظارة للحاكم في الثاني و للموقوف عليه في الأول، أما ما نسب الأكثر فهو مبني على ان الموقوف عليهم بمنزلة الواقف فلهم جعل انفسهم نظاراً و لهم جعل غيرهم فهم بالنسبة إلى الناظر كالوقف الابتدائي حيث يسوغ للواقف ذلك لسلطنة الناس على ما ملكوا و جواز التصرف لهم بأي نوع ارادوا، و فيه ان هذه السلطنة غير تامة بعد فرض حق للبطون اللاحقة به لا يشبه حق الوارث بوجود مورثه متى كانت كذلك كانت يدهم قاصرة عن مطلق التصرف الذي ربما ينافي حق البطون اللاحقة فيحتاج إلى من يراعي ذلك، فيلزم ان يكون المراعي غيرهم خصوصاً إذا كان فيهم غير الكامل فلا بد حينئذٍ من ان يتولى ذلك من يتولى المصالح العامة كي تمضي اجارته على الاعقاب فهم بخلاف الواقف الذي له التصرف في ملكه كيفما اراد بل ليس لهم تناول ما يملكوه من الثمرة بلا استئذان حذرا من الضرر على الاعقاب بإهمالهم بعض ما يصلحه فيلزم ان يرجعوا لغيرهم و ليس إلَّا الحاكم، فالأوفق الحكم بنظارته عند الاطلاق مطلقاً و يلزم الموقوف عليهم مراجعته فلا وجه حينئذٍ للأول لعدم ملازمة‌

17

الملكية للنظارة في طرف الوجود و عدم دليل صالح للتفصيل و ملازمة ذهاب النظارة لزوال الملكية في طرف العدم بالنسبة إلى الواقف لأنهما ارتباطيان فيزول الملكية بعود الواقف يعود الواقف اجنبياً، و كيف يستصحب شي‌ء من الآثار المرتبة على الملك بعد زواله.

القسم الثالث: في شرائط الموقوف عليه

و يعتبر في الاشهر في الموقوف عليه شروط ثلاثة أو أربعة:

الصورة الأولى: أن يكون موجوداً ممن يصح ان يملك

و يدخل فيه الوقف على الصاحب (عجل اللّه فرجه) و الخضر و اصحاب الكهف على الأصح و يقبض الحاكم عنهم و صرف ثمرته بنظره، و ان يكون معيناً متميزاً فلا يصح على المعدوم الذي لم يوجد و كذا الحمل قبل الانفصال إلَّا تبعاً و مثله العبد و مطلق المجهول، و ان لا يكون الوقف عليه محرّماً كهو على الكفار مطلقاً أو غير الذمي في الأولى و على مواطن الشيطان التي يشرب فيها المسكر و يضرب بها العود و المزمار مما اعدت للملاهي و لو لطبع كتب الضلال و غير ذلك، فلو وقف حينئذٍ على معدوم ابتداءً لم يصح لاعتبار وجود الموقوف عليه كمن وقف على من سيولد له، و كذا الملحق بالمعدوم لعدم تشخصّه أو لأنه حمل لم ينفصل اجماعاً بالنسبة إلى الوقف دون الوصية و عزل الميراث و سرّه عدم قابليته للملك إلَّا ما خرج مما لا يقتضي ثبوته صحة الوقف، أما لو وقف على معدوم و ما به التحق ممن يقبل ملك المنفعة لو وجد، تبعاً لموجود لا مستقلًا و لا مبتدئاً به، فإنه يصح فيشارك الموجود و يستقل به بعده في المرتب على ما سيجي‌ء و الاتفاق عليه و النصوص به متضافرة.

و أما لو بدأ بالمعدوم ثمّ بعده الموجود، قيل لا يصح و يبطل العقد رأساً و لا ينتقل إلى الموجود و ان كان لو بدأ به ثمّ الوقف و صحَّ العقد و عزى للأكثر و للمحققين.

و قيل يصح على الموجود و هو للشيخ في الخلاف و المبسوط لأصالة الصحة و انه ضمَّ صحيح إلى فاسد فلا يفسده فهو كوقف الشاة و الخنزير و العبد و زيد فيصح في الجامع و القابل و يبطل في الفاسد، و لكن الأول اشبه بالقواعد و الأصول إذ لو صحَّ للزم أما صحة الوقف بلا موقوف عليه أما لانعدامه أو لعدم قابليته للملك أو مخالفة قصد الواقف و شرطه فلو صحَّ و لم نجري أحكام الوقف على الموجود المتأخر لزم صحته بلا موقوف عليه و لو أجريت خالفنا ما شرطه الواقف من الترتب لأن الواقف لم يقصد الموجود ابتداء لا متحداً و لا منضماً إذا عطف بثمَّ، و بذا يفرق ما بينه و بين المثالين فإن الوقف فيهما تعلق بموجود لتوجه القصد إليهما فيصح في البعض القابل و يبطل في الفاقد مع ان اصالة الصحة لا تجري بعد الشك في تناول اطلاقات الوقف لما خلا من الموقوف عليه على ان الوقف محتاج إلى المتعلق فحيث يكون متعلقه معدوماً أو بمنزلته أو مجهولًا فكأنه لا متعلق له و هو ينافي احتياجه لذلك، و لو زعم ان المصدر به حيث يكون محالًا لغى اشتراطه فيسقط و لا يبطل الوقف لوجود الموقوف عليه فيعود ان الواسطة لا تصح للمانعية و هو مبني على عدم بطلان العقد ببطلان الشرط مع انه منافٍ لاعتبار اخراج الواقف نفسه عن الموقوف اللازم في الوقف حتى انه لو اشترط وفاء دينه أوله بعض نمائه لا يصح، و لو قلنا بصحته يلزم في مثل الوقف على المملوك و ولده ان يستوفي منافع الوقف بنفسه حتى يتعرض العبد فكيف أخرج نفسه عنه و في مثل الواسطة التي لا تنقرض أو لا يعلم مدة انقراضها ان يبقى الوقف بيد الواقف و هو خلاف المفروض من اخراج نفسه عنه، و حينئذٍ يلزم ان يكون مصب العقد على موجود قابل للانتفاع ثمّ على من يكون مثله منه فنازلا ليصدق التأبيد فمنقطع الوسط و الآخر كمنقطع الأول حينئذٍ لمنافاته تأبيده‌

18

لكن بعضهم صححه في غير منقطع الأول، و يأتي التعرض لذلك، و كذا يجري ما حررناه فيما لو وقف على من لا يملك ثمّ على من بملك، و هو كسابقه أيضاً فيه تردد و المنع اشبه لعدم وجود متعلقه في زمان فيخلو عن موقوف عليه إلَّا انَّ الظاهر من المصنف بطلانه حيث يخلو في المبتدأ و من غيره انه يبطل متى علم خلوّه في زمان ما لوجود المقتضي لذلك و هو خلو الوقف عمّا تعلق به كما سيأتي.

لكن يظهر من المصنف و غيره ان هذا الشرط في ابتداء الوقف فلا مانع ان يلحق المعدوم بالموجود فيكون تبعاً و هو يقتضي صحة الوقف على الموجود من اولاده و صحة نقله عنهم إلى ما يوجد له من الأولاد فيفيد الوقف عليهم تقدمهم، فإذا ولد لهم أخوة يشاركوهم و هو منافٍ لما سيجي‌ء من قول المصنف و لو شرط نقله إلى من سيوجد لم يجزِ فينبغي التأمل في عدم الجواز و سيجي‌ء ان شاء اللّه الكلام فيه.

و مما ذكرنا ظهر انه لا يصح الوقف على المملوك بجميع انواعه و لا يملك الوقف بجزئه الحر و لا تتبعض الصفقة فيسقط الموقوف على المملوك و يوقف بالنسبة كمن وقف على عبد و حرّ فإنه ينتصف الموقوف فيصح في النصف في قول مشهور للفرق بينهما من جهة، عدا نهوض الأدلة بالوقف على الأجزاء. نعم، هو كذلك بالإرث و الوصية و لا ملازمة بينها فالأوجه عدم صحة الوقف عليه حتى لو قيل بملكيته، لكن شيخنا استوجه الصحة على القول بالملكية و لو بدون اذن مولاه و هو مشكل بعد فرضه كالمعدوم كما صرّحوا به في الارث فالأوفق عدم الصحة، و لا ينصرف الوقف إلى مولاه لأنه لم يقصد بالوقفية، و للعامة قول برجوعه إلى مولاه لأنه يملك بالوقف و ملكه بمولاه، و يصح الوقف اجماعاً على المصالح كالقناطر و المساجد و هو ليس من الوقف على المعدوم لأن الوقف الملحوظ للواقف في الحقيقة على المسلمين لكن هو صرف في بعض مصالحهم و مثله الوقف على اكفان الموتى، و على خدمة الكعبة و المشاهد المشرفة لكن في خبر ضعيف عدم جواز الوقف على المساجد و لم يعمل به احد و لا يقف المسلم على الحربي و ان كان رجماً على المشهور لا لأجل حلية ماله التي لا تنافي الوقف عليه و لا لعدم امكان التقرب لما عرفت بل للنهي عن موادتهم و مواصلتهم و لا يجتمع وجوب تلفهم مع الوقف عليهم فالحق حرمته لا أقل بأنهم كالمماليك بل لهم كذلك، و يلحق بالحربي في هذا الحكم محقون الدم من الكفار إلَّا الذمي فقد حكى عن الفاضل و غيره كالمصنف في النافع و هنا قال: و يجوز ان يقف على الذمي و لو كان اجنبياً و استدل عليه في الرحم بوقف صفيه على أخ لها يهودي فأقرّها النبي(ص) على ذلك و في غيره بعموم الاحسان و المعروف و قوله تعالى: [لٰا يَنْهٰاكُمُ اللّٰهُ] و إلى فحوى ما دلَّ على جواز الوصيّة و الملخص فيه قول بالجواز مطلقاً و قول باختصاصه بمطلق الرحم.

حكى عن الشيخين و غيرهم و قيل بالعمودين فقط لأجل لزوم المصانعة بالمعروف و لمرسل المراسم إذا كان الكافر أحد أبوي الواقف كان جائزاً و ذهب إلى المنع في الرياض مطلقاً حاكياً له عن جماعة كسلار و الفخر و الشهيد و هو المتجه مع الشك في صحة مثل هذا الوقف لكن كان الجواز أشهر و تجنبه أولى لأنه اعانة لمن حارب اللّه و رسوله و هي محرمة بالعقل و النقل إلَّا في الضرورة و منها احياء نفسه من الهلكة و التصدق عليه بما يقيته فإن لكل كبد حرّى اجر و لا مكان ان يرجعوا إلى الايمان أو يخرج عن عقبتهم مسلم مؤمن فيحل التصدق عليهم و لو بما يشمل الوقف، و أما جواز ذلك مطلقاً الذي ربما يلزمه الترفع على‌

19

المسلمين فغير جائز جزماً و هو المعنى بقوله تعالى [لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ] و على تقدير الجواز فهو بخلاف ما لو وقف على الكنائس و البيع فإنه لا يصح لما ذكرنا فإنه من تعظيم شعائر الشيطان و قد أمروا ان يكفروا به بل يمكن القول بحرمة ذلك و ان كان فيه تشييد مرقد ولي اللّه إذ اتخذوه معبداً و لم يمنعهم السلطان عنه لتعارض ما قضى بتشيّد شعائر اللّه تعالى و ما قضى بحرمة اعانتهم خصوصاً على ما يؤيد دينهم و يعلي كلمتهم و ترجيح الثاني لا يخلو من قوة لكونه من باب تعارض الواجب و المندوب أمدنا اللّه تعالى ببسط اليد، فنخرجهم من ذي الكفل أذلاء صاغرين و شيخنا بعد ان حكم بالجواز مطلقاً و نفاه في البيع و الكنائس قال: نعم، لا بأس بالوقف على المصالح الراجعة لهم الجائزة لهم كبناء دورهم و نحوها لأنه كالوقف عليهم و ينبغي تقيده بما لا يخرجهم عن الذمة و بما لا يعيشون إلَّا به لو قلنا بالجواز.

و مثله ما لو وقف على معونة الزناة حتى في غير ما يصرف في الزنا و مثله في اللواط و السحاق و كذا قطاع الطريق أو شارب الخمر و يجمعه الوقف على المتهتك المرتكب جهرة لما حرّم اللّه و لو استحل كان كالحربي و يندرج فيهم تارك الصلاة و الصوم و اداء الزكاة و الخمس و الحج في وجه قوى، و كذا لا يجوز لو وقف على كتب ما تسمى الآن بالتوراة و الانجيل لأنها محرّفة فتدخل في كتب الضلال، و لو آمنت من التحريف فهي منسوخة لا تشبه منسوخ الكتاب المجيد للنص على رجحان تلاوته دونها فيؤول في الحقيقة إلى تشيد دينهم لأن الوقف عليها ان لم يرجع إلى الواقف عليهم في جهة خاصة من مصالحهم فهو باطل لما تقدم و ذكر المجلسي ان رسول اللّه(ص) غضب على عمر لما رأى في يده صحيفة فيها شي‌ء من التوراة فقال له: (

أف شك انتَ يا بن الخطاب أ لم ائتِ بها بيضاء نقية و لو كان أخي موسى حيّاً لما وسعه إلَّا اتباعي

)، لكن الاصحاب اطلقوا المنع فيعم ما لو وقف عليها قاصداً للوجه الذي تجوز فيه امساكها و النظر فيها و لو للرد عليها مع انهم استثنوا ذلك في كتب الضلال بل حكموا برجحانه و علل اطلاقهم من حيث ندرة الغرض إلَّا انَّ المتجه المنع و لو لهذا القصد لرجحان دفع المفسدة على جلب المصلحة قاعدة معمول بها عندنا. نعم، مع القطع بعدم المفسدة الظن القوي بالمصلحة ربما يجوز ذلك بتكلف.

و أما لو وقف الكافر على الكتابين و غيرهما من صحفهم و معابدهم جاز لإلزامهم بما ألزموا به انفسهم و اقرارهم على دينهم و تأمل في الجواز المصنف في النافع لقوله و فيه وجه آخر و ذلك ادار الجواز و عدمه مدار لزوم قصد القربة و عدمه فجوّزه حيث لا تعتبر في الوقف إلَّا ان يكون المراد بقصد القربة هو قصدهما ممن يعتقد حصولها و هو ممكن في حق من يعرف اللّه تعالى مطلقاً. نعم، متعذر فيمن ينكر ذلك أصلًا و الظاهر ان معنى الصحة هنا، و في غيره هو اقرارهم على ما تدينوا به و تنزيله منزلة الواقع و إلَّا فلا معنى لصحة ما كان الشرط في صحته الاسلام او الايمان المفقود فيهم فإن التقرب من غير المسلم و ان امكن لا اثر له فلو قلنا باعتبار نية القربة فيه و انه عبادة فلا شك ان صحتها مشروط في الاسلام فيفرق بين وقفهم او الوقف عليهم لو تصور فيه هو رجحان و يتفرع عليه إنا لو اشترطنا نية القربة في الوقف لا يصح وقف الكافر حتى على المسلم بالمعنى الأخص و لم اعثر على متأمل في صحته فيلزم أحد امرين، أما الصحة الاقرارية التي لا تنافي اشتراط القربة، و أما الحكم بعدم اشتراط قصد القربة في الوقف الذي استوجهناه آنفاً، و على كل حال المسلم مطلقاً إذا وقف على الفقراء و لم يعينهم انصرف عرفاً إلى فقراء المسلمين دون غيرهم لشهادة الحال التي تصرف الجمع المعرف إلى ذلك ما لم يقم شاهد حال آخر على ارادته لبعض فرقهم اوهم‌

20

و غيرهم مثل وقف القناطر و الجسور و بعض الرباطات و غير ذلك إذا كان الموقوف عليه الفقراء كان الموقوف عليه الفقراء و لو وقف الكافر كذلك بحيث جعل الموقوف عليه الفقراء انصرف إلى فقراء فحلته كالمسلم حر، فأنجرف غير انهما لو عيّنا فقراء بلدهم او محلتهم و انتفى الموضوع ففي المسالك يصح الوقف لغيرهم و شيخنا أبطله لانقطاعه بعدم وجودهم أو انقطاعه بعد وجودهم و انقطاعهم مع جهل الواقف بالحال و هو كذلك حيث يعلم مراعاة الجهة الخاصة، أما لو لم يفد الوقف المطلق إلَّا اولويتهم من حيث ان الداعي إليه ارادة تحصيل ما يترتب عليه من الاجر و غيره صرف في غيرهم من غير اشكال و إليه نظر المسالك، و لو وقف الكافر بل مطلق من يصح وقفه على المسلمين انصرف إلى من يصلي إلى القبلة و هي شطر المسجد الحرام و يدخل فيهم المحكوم بإسلامهم للتبعية و المستضعفين بل و المحكوم بكفرهم من المصلين كالخوارج و نظرائهم حتى المرتد الفطري الذي لم تقبل توبته أخذاً بالعموم إذ لو أخرجنا المحكوم بكفره منهم، و ان صلّى لزم اختصاصه بالفرقة المحقّة أو بعضها و هو خلاف ما يظهر من العموم، و دعوى التفصيل بين المحكوم بكفره الذي تلحقه احكام الكفار و بين المحكوم بكفره الذي تجري عليه احكام المسلمين ظاهراً عارٍ عن الوجه بعد انصراف اللفظ لمن يصلي إلى الكعبة مطلقاً و صحة الوقف على الكافر أما مطلق أو ما حكم بكفره من المسلمين ظاهراً و باطناً أو الثاني فقط و المرجع في هذا و نحوه الفهم العرفي فلا نطيل.

و لو وقف من يصح وقفه على المؤمنين انصرف إلى الاثنى عشرية مطلقاً، و قيل كما عن الشيخ و اتباعه إلى مجتنبي الكبائر منهم و من لا يضر على الصغائر و الأول اشبه و ان كانت الاولوية مما يقطع بلحاظها للواقف عند المزاحمة إذا كان منهم أو من غيرهم للعموم الذي لا داعي و لا دليل على تخصيصه بالأخذ بالعموم إذا كان الواقف من غيرهم و بالخصوص إذا كان منهم، فإن مجرد كونه منهم بحاقه لا يقضي بإرادة غير من يعمل الكبائر و يجتري على المعاصي إلَّا بشاهد حال أو مقال، و لو وقف الشيعة على الامامية و يخص بالاثنى عشرية ان كان الواقف منهم خصوصاً في زماننا، لكن شموله لمن شائع علياً لا ينكر فمنهم الجارودية حينئذٍ، و الاسماعلية، و الكيسانية، و الواقفية، و الفطحية و غيرهم ممن لم يقل بأمامة غيره و لو بالمشاركة معه من غير أهل بيته دون غيرهم من فرق الزيدية الملحقين بأصحاب صنمي قريش حكماً و موضوعاً و ان قالوا بإمامته بعدهما، و هكذا إذا وصف الواقف الموقوف عليه بنسبته دخل فيها إلَّا مع القرينة الصارفة و عند تزاحم القرائن يؤخذ بعرف الواقف، و بذلك يؤخذ في كل هذه المسائل و اطنبوا بها لاختلاف الزمانين فيدخل في النسبة كل من انطلقت عليه على ما عرفت، و ينتج انه لو وقف على الامامية كان للاثنى عشرية المعتقدين بأمامة الائمة (عليهم السلام)" و عصمتهم المتدينين بدينهم و ان ارتكبوا الكبائر، و مثله لو وقف على الزيدية كان للقائلين بإمامة زيد بن علي (عليه السلام)" مطلقاً أو ينحصر بالفرقة التي يكون الواقف منها، و كذا لو علقهم بنسبة الحراب كبني علي (عليه السلام)" كان لكل من انتسب إليه بالأبوة كالهاشميين فهو لمن انتسب إلى هاشم من ولد ابي طالب و الحارث و العباس و ابي لهب و الطالبيين فهو لمن ولد ابو طالب منهم و القرشيين فهو لمن منه تقرشت قريش خاصة و يشترك الذكور و الاثاث فيه بالسوية، و المنتسبون إليه من جهة الأب نظراً إلى العرف الذي هو قريته الحمل، و فيه خلاف للمرتضى و جملة الاخبارية و المرجع الضابط في الكل، و منه ما لو وقف على الجيران رجع فيه و في غيره مما سلف إلى العرف، و قيل لمن يلي داره إلى اربعين ذراعاً و هو حسن لحكايته‌

21

عن المشهور و نسبه في الخلاف إلى روايات اصحابنا فيؤخذ به و ان خالف العرف تعبداً ان اعتبر نصّه أو قامت به شهرته.

و قيل إلى اربعين دار من كل جانب لخبر جميل بن دراج في الحسن عن ابي عبد اللّه (عليه السلام)" حدَّ الجوار اربعون داراً من كل جانب إلى آخره، و رواية بن عكرمة عنه و فيه (

ان رسول اللّه(ص) أمر علياً (عليه السلام)" و سلمان و أبا ذر ان ينادوا في المسجد بأعلى اصواتهم بأنه لا ايمان لمن لم يأمن جاره بوائقة فنادوا بها ثلاثة ثمّ أومئ بيده إلى اربعين داراً .. إلى آخره

)، و به قالت الناس للمرسل عن عائشة سئل عن الجوار فقال (عليه السلام)" و(ص) إلى اربعين داراً و لما لم نضف بقائله منّا مع كون الجبرين بمرأى و مسمع منهم حملناهما بقرينة الأخير على التقية و حينئذٍ هو مطرح لعدم العامل و الحكم في الوقف و الوصية بما صدق عليه الاسم و يؤخذ بالمتيقن عند الاشتباه و لا يعتبر الملكية في الجوار بل هو جارٍ و ان غصب الدار و يقسم النماء على المنفقين، و قيل على الدور و قيل الرءوس و الأخير أحوط، و تتداخل العناوين بعضها ببعض كهاشمي هو عالم هو جارٍ لو وقف عليهم فلا يستحق المتصف بها ثلاث حصص و لتعدد وجه كالوصية لعناوين إذا وجدت بواحد و كالنذر كذلك، و لو وقف على مصلحة فبطل رسمها صرف في وجوه البرّ على قول مشهور لم نقف على متردد فيه سوى المصنف في النافع حيث نسبة إلى القبيل وفقه المسألة، إن تلك المصلحة أما من شأنها الدوام أو الانقطاع و العين الموقوفة لها كذلك، و على الأول فيهما فإما ان يعلم من حال الواقف قصد الخصوصية في الموقوف عليه أو لا يعلم أو يعلم العدم فإن علم من حاله قصد الخصوصية فصادف بطلان رسمها فالقاعدة تقتضي التوقف في صرف المال في غيرها مطلقاً لأنه لم يأذن به و عدم رجوعه إليه بعد خروجه عن ملكه و لا إلى وارثه و حينئذٍ يرجع أمره إلى الإمام أو نائبه و لا يتعين صرفه في وجوه البرّ، بل ذلك موكول إلى مالكه و ليس هو من منقطع الآخر فيلحقه حكمه لأن الانقطاع لسبب خارق للعادة فيما من شأنه الدوام لا يرفع حكم الدوام، و يحتمل ان يجري في الموقوف على تلك المصلحة حكم الموقوف عليه من الاعيان الموقوفة الذي يعود نفعها إلى المسلمين أو إلى صنف خاص منهم كمسجد أو مدرسة أو قنطرة أو غيرهما، فإذا آل أمرها إلى ما يصح بيعها فيه من خراب أو خلف أو غير ذلك مما يأتي فيفرض حيث بطل رسمها كأنما بيعت فيكون مصرف الموقوف عليها مصرف ثمنها على الخلاف فيه، فكل حكم يثبت في عينها لو صحَّ بيعها فتلفت به أو بغيره يجري في توابعها مما يوقف عليها فهو كما لو وقف فيها شيئاً زائداً من الآلات و غيرها و حكم التابع حكم متبوعه، و يحتمل الحكم بصرف منافع الموقوف على تلك المصلحة فيمن ينتفع بالموقوف عليه لكون الوقف حقيقة على من ينتفع لا على العين الموقوفة أو المباحة لطائفة مخصوصة، و ذلك هو الملحوظ للواقف لأنه قصد بالوقف عليها اعانة من ينتفع بها فكان الوقف عليهم لا عليها فصرفه في وجوه البر بعد معلومية مستحقه و لو بالواسطة لا دليل عليه بل استصحاب حلية تناوله لهم قبل الاندراس مما يؤيد ذلك و هو احتمال وجيه لم أعثر على من احتمله في المقام بناء عليه يلزم ابقاء الموقوف بعد طمس آثار الموقوف عليه أو نقله لكي ينتفع به الذي ينتفع بالموقوف عليه، و يجري عليه احكام الموقوف عليه من بقاء عينه و تسبيل ثمرته لمن ينتفع بمتبوعه.

الصورة الثانية: إذا لم يعلم من الواقف قصد الخصوصية

بل وقفه كان لمجرد تحصيل الأجر غايته انه رجّح الأجر في خصوص هذه المصلحة على غيره الحاصل بغيرها، فوقف عليها فيلزم ان يتحرى في صرف الموقوف المندرس ما وقف عليه ما يشابه تلك المصلحة كماً و كيفاً أو ثوابها إذا تعذر المشابه فيمن هو مخصوص بالانتفاع بها رعاية لأحتمال ارادة‌

22

الواقف الخصوصية مهما أمكن فإن تعذر روعي الثواب المأوى أو ما يزيد عليه فلا مانع حينئذٍ من صرفه في وجوه البر إذا شاطر ثوابه ثواب المصلحة الفائتة كما لا مانع من صرفه فيما يشابه تلك المصلحة بخصوصها رعاية لحق الواقف الذي اختارها من بين المصالح منصرف فيه و لا يتعين صرفها في وجوه البر بل هو احد افراد الواجب المرتب في القرب و ان امكن ان يشتري بثمرتها مثل الموقوف عليه قدم على غيره و ان كان نجوماً.

الصورة الثالثة: ان يعلم عدمها

بمعنى ان الواقف لم يقصد المسجدية الخاصة و ذكرها لكونها من افراد مطلق المسجد، و كذا القنطرة أو الرباط الخاص فإذا اندرس المذكور قام غيره مقامه كالوقف على الكلي ذو الافراد و ان ذكر الواقف فرداً مع معلومية ان مراده الكلي و هذا مما لا شبهة فيه عند قيام القرينة عليه.

و مما ذكرنا نحيط بما في كلماتهم من التشويش في المقام مثل استدلالهم على الصرف في وجوه البر بإطلاق الأدلة التي ما فيها ما يقتضي البطلان بتعذر المصرف المعين لعدم اقتضائه انتفاء الموقوف عليه الذي هو في الفرض المسلمون، كما انه ليس فيها ما يقتضي الانتقال إلى ما يشابه تلك المصلحة فلم يبقَ إلَّا الصرف في وجوه البرّ إلى آخره، فإنه بعد الاعتراف ببقاء الموقوف عليه كيف ينتقل المصرف إلى وجوه البر مع وجود مصرفه الذي عينه الواقف كما وقع لشيخنا (رحمه اللّه)"، بل الدليل يقتضي بقاء الموقوف الظاهر في دوامه و صرف ثمرته فيمن ينتفع في الموقوف عليه قبل استهلاكه لعود المصرف إليه الملحوظ بنظر الواقف فتعذر الجهة لا يقتضي البطلان كما لا يقتضي الصرف في وجوه البرّ بل يقتضي دفعه إلى الذي عينه الواقف في الموقوف عليه و لا يتعدى منه لغيره فجعله من المال الذي تعذر مصرفه كما ترى. نعم، هو في نحو الوصية و النذر المعين الذي له مصارف مخصوصة يتم ذلك لتعذّر مصرفه المخصوص و عدم رجوعه إلى ملك الناذر و الموصي، و لكن التعذر في المقام لا يسلم و لم يرمي إليه أو يصرّح به في النصوص دون النذر و الوصية مما في بعض الأخبار ايماء إليه و قياسه عليهما بعد وجود الفارق غير مرضي، كما انه قد ظهر لكَ سقوط ما اعلن به بعضهم من صرفه إلى ما يشابه تلك المصلحة استحساناً، إذ المشابهة لا تفيد الاشتراك لعدم ظهور المثالية في الوقف لتفاوت الاغراض و لا يفيد ما دلَّ على صرف آلات المسجد بعد اندراسه أو خرابه في مسجد آخر على اعتبار المشابهة و القرب مطلقاً فإن ذلك لا يجدي بعد معلومية عدم قصده للواقف إذ لم يذكر إلَّا المصرف الخاص الذي يرتفع بارتفاع الخصوصية فإن ما يمكن ان يتقرب به غيرها لا انتهاء له و لا اولوية لبعضها على بعض فإذا اشتغلت ذمته بالاستئجار على زيارة الإمام المخصوص كيف تبرأ ذمته بزيارة أمام آخر حيث يتعذر عليه الأول فمجرد المشابهة لا أثر لها في الخارج إلَّا إذا قام على البدلية قاطع من عقل أو نقل و اغرب من ذلك خيال دخوله في نوع المصلحة الخاصة و ان تميّزت عنه بالخصوصية فكان الواقف لم يلاحظ في وقته على المسجد الخاص الخصوصية الذي ذكرها لغرض، فإذا انتفت بقيت المسجدية مستدلًا بقاعدة الميسور و ما لا يدرك كله و هو مع انه لا يتم في الوقف المنقطع حيث لا تجري فيه المشابهة أو الدخول في النوع فيحكم بتأييده و لا ادعاه احد و هو غير متجه قطعاً إذ الوقف يدور مدار قصد الواقف و لا دخل للقرب و البعد في القصد و لا في التقرب و ليس لقاعدة الميسور مسرح فيما يدور الحكم فيه مجار القصد. نعم، ذلك يتم في أوامر اللّه سبحانه و تعالى الغير الارتباطية، و أما فيها فلا إذ ليست هي قاعدة سراية حتى فيما يثبت الالتزام به في العقود فلاحظ و تدبر.

23

بقي الكلام فيما لو وقف على ما ينقطع يقينا وقفة فإن كان لذلك المنقطع مصرف فيمن يدوم و الواقف عليه يدري به و الجهة الخاصة غير قابلة للوقف عليها إلَّا باعتبار ما تصرف فيه فحينئذٍ يبقى الوقف على حاله و مصرفه مصرف الوقف المنقطع لقضية التأييد في الوقف، و لأن الموقوف عليه في المثال هو ما يصرف فيه فالواقف وقف عليه في الحقيقة و ان ذكر الجهة، و أما لو كان الوقف على من ينقرض مما يصح الوقف عليه و قد وقف عليه ايضاً و الواقف عالم بذلك أو جاهل للانقراض فتبين انقطاعه ففي صرفه في وجوه البرّ مع بقاء عينه أو انقطاعه و ان حكمه حكم الموقوف عليه بعد الانقطاع و بطلان الوقف أو التفصيل بين علم الواقف بذلك و عدمه فيحكم في الثاني بالصحة، و في الأول بالبطلان وجوه أجودها بقاء الوقف لصدوره من اهله في محله مطلقاً و صرف نمائه في وجوه البرّ حسبما يراه الناظر الخاص أو العام لتعذر مصرفه بانقطاع ما وقف عليه كالوقف على ما هو موقوف على الأولاد مثلًا أو على فرقة خاصة خمد ذكرها بانقراضها، و القاعدة في كلما تعذر الصرف في وجوه البرّ كما ورد في الوصية في الخبر عن انسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلَّا باباً واحداً منها كيف يصنع في الباقي فوقع الابواب الباقية اجعلها في وجوه البرّ و في آخر.

و فيه لو أوصى رجل بتركته إلى رجل و امره ان يحج عنه قال الوصي: فنظرتُ فإذا شي‌ء يسير لا يكفي للحج فسألتُ الفقهاء في الكوفة فقالوا: تصدق به عنه فتصدق به ثمّ لقى أبا عبد اللّه (عليه السلام)" فأخبره بما فعل فقال (عليه السلام) (

ان كان لا يبلغ ان يحج به من مكة فليس عليك ضمان و ان كان يبلغ فأنت ضامن

). و في اخبار أُخر اجازة بيع ما يهدي إلى الكعبة أو ينذر لها من الأعيان غير الدراهم و صرفها في المنقطعين من زوارها، و كذا المسكوك و الحاصل ان دوام مصلحة الموقوف غير شرط في صحة الموقوف عليه و اللّه العالم.

و لو وقف في وجوه البرّ و اطلق صرف على طريق التخيير في الفقراء أو المساكين و كل مصلحة يتقرب بها إلى اللّه سبحانه و تعالى متى لم يتعين صرفه في وجه خاص لمسيس الحاجة أو للأولوية عند التزاحم، و قد يقال بتعين صرفه مع الحاجة في طلبة العلوم الدينية و لا يجوز تقديم سائر ما يتقرب به عليهم و بعده لا يتحرى الأكمل لإطلاق العنوان و الحكم كأنه عارٍ عن الخلاف، و إن عدد بعضهم سبل البرّ بالجهاد و الحج و العمرة و مصالح المسلمين و معونة الضعفاء و الفقراء فهو من باب المثال لا الحصر، و لو وقف على بني تميم أو على الهاشميين و نحوهم صحَّ كما لو اوصى أو نذرهم و يصرف إلى من يوجد منهم مع عدم امكان حصرهم عدداً، و قيل لا يصح إذا لم يستوعبهم و يتتبع اثرهم و هو لابن حمزة، لأنهم مجهولون و الوقف على المجهول ممنوع، و لكن الأول هو المذهب لخبر النوفلي و ظاهر الاتفاق بل الإجماع على ما سيجي‌ء وشيكاً تفصيله في المسألة العاشرة من الملحقات.

و لو وقف على الذمي جاز كما سلف لأنه كإباحة المنفعة في غير الوقف مما يجوز قطعاً اباحتها لمن يجوز لنا موادته، و قيل لا يصح كما مضى لأنه يشترط فيه نية القربة التي لا تصلح فيه و قدمنا امكان صلوحها بنوع من الانواع في الذمي و غيره مع عدم الدليل على الشرطية لكن المانع قال: إلَّا على أحد الابوين فضلًا عنهما للزوم معاشرتها بالمعروف و تحتم الانفاق عليهما و ان كفرا و عدم جواز تلفهما إلَّا في الجهاد واخذ الدية بقتلهما من الولد و ان هدر دمهما لغيره.

و قيل يصح على مطلق ذوي القرابة للأمر بصلة الرحم مطلقاً، و الأول أشبه و هو الصحة مطلقاً و عدم اشتراط التقرب فيه كما مضى.

24

و كذا يصح على المرتد بقسميه بعد نفي اشتراط نية القربة فيه أو امكانها كما عرفت و لا فرق فيه بين أحد الابوين و غيرهما و لا بين ذوي القرابة و غيرهم لكن خصّه من خصّه بالملّي و المرأة من الفطري لعدم قابلية غيرهما للتملك، و ان تاب على المشهور من عدم القبول بل و لو قلنا بالقبول للنهي عن موادته لكن الانصاف وقوع الشك في النهي المزبور، فلا بأس بالوقف عليهما مطلقاً أو نفيه مطلقاً كما لعلنا نختاره من جهة الاعانة لا للنهي عن الموادة، و كذا في الوقف على الحربي، و ان قال المصنف فيه تردد و وجهه مضى و سبق ايضاً ان اشبهه المنع فراجع و لو وقف و لم يذكر المصرف بطل كما اعترف به من وصل النبأ كلامه و نقل الخلاف عن بن الجنيد، و صاحب الدروس نقل القولين و سكت و شيخنا استوجه الصحة كالوصية بالثلث و نفى الفرق بين عقديهما و جعل المصرف انصرافه إلى اهل الصدقات فهو بمنزلة ان يقول وقفته على مستحق الصدقة فلم يخرج وقفه عن كونه معرفاً متميزاً و لا كون الموقوف عليه من اركان العقد الذي هو ضروري و لا كون الوقف يقتضي التمليك المستلزم لذات تقوم لعدم خلوّ هذا الوقف عن ذلك كله بعد انصرافه إلى أهل الصدقات و هو حسن لو سلم الانصراف لكن يطالب حينئذٍ بعد التزامه ذلك في الهبة مع عدم تعين الموهوب الذي حكم ببطلانها و عدم صحة عقدها مع ان ذلك ممكن فيها ايضاً إلَّا ان يكون الانصراف هنا أقوى.

و كذا لو وقف على مبهم غير معين كأن يقول على أحد هذين الاثنين أو على أحد المشهدين أو الفريقين فالكل باطل للابهام المخل بعقده و لزوم كونه معروفاً متميزاً و لزوم تعيين المالك و لو في ضمن عام أو مطلق و لا خلاف فيه لأن احد الامرين كلي لا وجود له في الخارج و الوقف لا بد له من محل معين يتقوم به واحدهما ليس من الكلي الموجود بوجود افراده ليكون مثل ما لو وقف على النوع فيشترك الاثنين لقابليتهما المتملك للحاظ الواقف للأحدية التي ينافيها الاشتراك فالمتجه البطلان. نعم، في الحكم بالقرعة فيما سبق فيما لو باع و وهب و وقف و اشتبه السابق انها تعينه لعله ايضاً بما يمكن القول به هنا فيستخرج بها الواقع عند اللّه تعالى و يقرع للاثنين فما زاد ان قال أحد الثلاثة فصاعداً، و دعوى الفرق بعدم قصد الواحد منهما بخصوصه للواقف هنا فلا تأتي القرعة لأنها تميّز ما عنده دون السالف يدفعها ما ذكروه من عموم مشروعية القرعة لما هو معين عند اللّه تعالى، فيستخرج بها ذلك.

لكن هذا يبطل اشتراط ما اتفق عليه من ان الموقوف عليه لا بد و ان يكون معروفاً متميزاً في الخارج، كما ان لنا تردد في أصل مشرعية القرعة مطلقاً فليلحظ.

و إذا وقف على اولاده و اخوته أو ذوي قرابته و لو كانوا من غير ملته على ما سبق من الحكم بالصحة اقتضى الاطلاق اشتراك الذكور و الاناث الأقرب و الأبعد بناءً على شمول اولاده و اخوته للأناث و عدم انصرافه إلى ذكورهم و لعله جازم به و إلَّا فهو محل كلام لهم، و اقتضى ايضاً التساوي في القسمة و ان قرب احدهم إليه دون شريكه او تميز بعلم أو فقر أو حاجة أو غيرها إذ ليس هناك انصراف يحكم به و لا اصل يتكل عليه إلَّا أن يشترط الموقف ترتيباً فيهم أو اختصاصاً أو تفضيلًا لأحدهم لصحة الشرط و الوقوف على حسب ما يقفها اهلها و المؤمنون عند شروطهم فلا وجه لما حكى عن الاسكافي من ترجيح الذكر كهو في الارث لو اطلق الوقف عليهم و إلَّا لما في المسالك من إن الواقف لو اطلق الوقف بصيغة تخص الذكور وضعاً أو عرفاً تدخل الاناث تبعاً، كما يدخلن في الأوامر الشرعية المختصة بالذكور كما ورد في الزكاة و الخمس للفرق الواضح فإن دليل الاشتراك في تلك الأوامر لا يعم جرماً لمثل المقام الذي يقتصر فيه على المتيقن فيقتصر على ما شمله عموم ذلك الدليل لا أقل من الشك في اندراجه في عموم العام و معه يكفي الحكم بعدم الاشتراك حيث لا قرينة، و مثله ما لو وقف‌

25

على أخواله و أعمامه تساووا جميعاً و اختص الوقف بذكورهم ان كان ظاهراً فيه دون الخالات و العمات و إلَّا شمل الجميع بلا تفاضل، و في رواية عن الباقر: (

إذا أوصى لشي‌ء معين لأخواله و أعمامه كان لأعمامه الثلثان و لأخواله الثلث

)، و حكى عن الاسكافي في انه طرد الحكم إلى ما هنا للرواية و هو ضعيف، و إذا وقف على أقرب الناس إليه فهم الأبوان و الولد و ان سفلوا على رأي الأكثر لتقدمهم بالإرث و حجبهم لغيرهم من الاقارب لكن أولاد الأولاد و لا يشاركون الآباء إلَّا بعد موت آبائهم و العبارة توهم خلافه، و عليه لا يكون لأحد من ذوي القرابة حق في الوقف ما لم يعدم المذكورون، ثمّ إذا عدموا قام الأجداد و الأخوة و ان نزلوا مقامهم، ثمّ الأعمام و الأخوال كذلك على ترتيب الأرث، لكن يفترقون عن الارث بأنهم يتساوون في الاستحقاق للتساوي في سببه إلَّا ان يعين الواقف التفصيل.

و حكى عن المبسوط تقديم المتقرب بالأبوين من الاخوة على المتقرب بأحدهما و عن التحرير كذلك في الاعمام و الأخوال و تحقيق الحال ان الحكم ان علق على الاقرب شرعاً للجهل به فيرجع إلى الشرع فيه، و حينئذٍ فلا ريب في تقديم المتقرب بالأبوين و بالأم وحدها على المتقرب بالأب من الأخوة لكشف الشارع عن معنى القرب الذي اقتضاه عقد الوقف و عوّل عليه فيه، و كذا يقدم بن العم من الطرفين على العم فلا يسري ذلك في النصيب لظهور المساواة و لا يساوي الابن أو الأب الذميين أو المملوكين أو القاتلين للمرتبة الثانية أو لمماثلهما في البنوة لانقطاع القرب بحكم الشارع و ان علق الحكم على الأقرب عرفاً و كان هو الكاشف افترق عن ما كشف الشرع عنه في كثير من الاقارب، لكن الاقرب الثاني فيقدم بن الزنا و الذمي و المملوك ان قلنا بملكيته و القاتل و الحربي لو صحَّ الوقف عليها أو على احدهما ابتداءً على الأخوة و الأجداد و هكذا فلا وقع لما ذكره شيخنا من نسبة الكشف عن الأقرب المجهول إلى الشرع لعدم وفائه و لتخلف كثيراً و لا مدخلية للشارع في معنى اللفظ اللغوي الذي ارجعنا فيه لغيره كالموضوع الصرف و اللّه الهادي.

26

القسم الرابع: في شرائط الوقف

و هي اربعة: الدوام، و التنجيز، و الاقباض، و إخراجه عن نفسه.

و الأول: لا شبهة فيه بل الوقف مطلقاً يقتضيه و الاتفاق من المخالف و المؤالف عليه و بذا يخص عموم دليل الوقف و الوفاء بالعقد ان شمل غير الدائم منه، فلو قرنه بمدة محدودة بطل وقفا، و في عوده لحالته الأولى أو يكون حبساً إلى منتهى المدة في التوقيف وجهان بل قولان مبناهما ان الوقف و الحبس بمعنى و هو ابقاء العين و تسبيل ثمرتها أعم من ان ينقطع ذلك أو يدوم و ان الانقطاع و الدوام فيهما بحسب المتعلق المضاف إلى لفظيهما في العقد و قد رتب الشارع احكاماً على كل منهما فإن كان ذلك المضاف يقتضي الدوام و الاستمرار إلى النفخ في الصور كان وقفاً و إلَّا فهو حبس و تلحق كل احكامه نظير النكاح بالنسبة إلى الدوام و الانقطاع لكن ذلك مع عدم العلم بقصد العاقد فيستكشف قصده بجملة عقده من اقترانه بالمدة أو وقفه على من ينقرض و من عدمهما وقفة على من يدوم بالتعاقب جيلًا بعد جيل، فلو احرز قصده و كان في عقده ما ينافيه بطلًا معاً لخلو أحدهما عن القصد و عدم ظهور المقصود من العقد أو ان الوقف حيث يطلق لا يراد منه مطلق بقاء العين بل هو ظاهر في التأييد فلو قرنه بمدة مثلًا فقد صرفه بالقرينة عن معناه، و حينئذٍ فهو يبطل و يعود إلى أصله أو يصح وقفاً بدعوى شموله للمفروض أو ينقلب حبساً لشمول الحبس للأمرين و عدم ظهور التأييد من لفظه و لقربه إلى معنى الوقف و هل للقصد مدخلية في ذلك فينافي قصد التأييد الانقطاع أم لا ينافيه لأن المقصود حبس العين أبداً فإن تعذر فحبسها مدة يكون مقصوراً لأنه في ضمن التحبيس الأبدي كما لو قصد بالنكاح الدوام و قرنه بأجل يكون منقطعاً و ان لم يقصد به العاقد الانقطاع لكونه مقصوداً في ضمنه يظهر من المصنف من حذا حذوه انه لو عبّر بلفظ الوقف و لم يعلم قصده و قرنه بمدّة بطل لظهور الدوام من لفظه الكاشف عن قصده و الأجل ينافيه فيبطل و يلزمه البطلان في كل عقد مثله حتى النكاح، إذ غاية ما يستدل على صحته بأصالة الصحة و هي على فرض حجيتها لا مجرى لها في المقام لورود قاعدة تبعية العقود للقصود عليها فمع وجود الكاشف عنه صار بحكم المعلوم و جعله وفقاً بأجل خلاف المقصود فيفسد العقد إذ الاقتران بالمدة لا يصح صارفاً عن المعنى الظاهر من اللفظ و يظهر من جماعة ان الاقتران بالمدة تكشف عن ارادة الحبس فيمن لم يعلم قصده، و في جامع المقاصد فيه قوة لكن الاكثر اطلقوا البطلان في الاقتران، و كذا يبطل لو علقه بصفة متوقعة لاعتبار التنجيز في كل عقد و سبب شرعي إلَّا المستثنى و التعليق ينافيه و قد مضى الكلام على ذلك مفصّلًا في الوكالة و الفرق بين متوقعة الحصول أو المتيقنة في المستقبل أو الحاصلة عند العقد و الخلاف في ذلك مفصلًا فراجع، و يأتي بعض الكلام عليه.

و كذا لو جعله وقفاً لمن ينقرض غالباً كأن يقفه على زيد و يقتصر أو يسوقه إلى بطون ينقرضون غالباً أو يطلقه في عقبه، و لا يذكر ما يصنع به بعد الانقراض و لو فعل ذلك قيل يبطل، و نسب للمبسوط و لكل من قال بانقلابه حبساً و ان قيل بعدم ظهوره منهم بحمل قولهم حبس انه وقف بحكم الحبس فالوقف حينئذٍ قسمان دائم ليس بحكم الحبس و منقطع بحكمه و عليه فينحصر القول بالبطلان مطلقاً بالشيخ (رحمه اللّه)".

و قيل يجب اجراءه حتى ينقرض المسلمون فيصح حينئذٍ وقفاً و تجري عليه احكامه، و هو الاشبه و عليه الاكثر لأصالة عدم الاشتراط و عموم ادلة العقود و اطلاق نصوص الوقف أو عمومها و لا ثمرة إلا برجوع الوقف غب الانقراض إلى الواقف أو الموقوف عليه و الذي‌

27

يقوى في النظر ان المسألتين من وادٍ واحد و ان اشتهر البطلان في الاقتران بالمدة دون ما هنا، إذ الانقطاع فيهما سواء فلا جرم ان نوضح ذلك بأن يقال انه يلزم ان يلحظ في الوقف مدة بقاء العين الموقوفة فتوقف على من يستوفى ثمرتها إلى انتهاء عمرها و يختلف ذلك في الاعيان الموقوفة من الحيوان و غيره و بذا يتميز الوقف عن الغاية و الحبس و السكنى و العمرى و الوصية بالمنفعة و الإجارة فيلزمه خروج العين عن ملك الواقف إلى غيره و عدم سلطنة الموقف على العين كما ان ليس للموقوف عليه السلطنة على نقل العين لغيره و ان ملكها فإن ملكية الموقوفة ليس على حد تملكها بغير الوقف مما يفيد النقل و حينئذٍ فلو قرن الوقف بمدة ينتهي عمر الموقوفة غالباً بها على من يزيد عمره عليها غالباً صحَّ الوقف بلا ريب لعدم الانقطاع في الموقوف و الموقوف عليه و يكفي ظن ذلك في صحة الوقف فإن تبين الخلاف يحكم به بعد التبين بما تقتضيه القواعد الفقهية، و كذا يلزم ان يلاحظ الواقف عدم خلو وقفه عمّن يستوفي ثمرته مدة بقائه فيلزم ان يسوقه في المنقرضين بمقدار استعداد تلك العين للبقاء بحيث انها تنقرض بوجود من يجوز ثمرتها و القدر المتيقن من مشروعية الوقف الذي يمتاز عن غيره به هو هذا، فهو علّقه بمدة تزيد على استيفاء ثمرة الموقوف بأن يعلم انقراض الموقوف عليه و هي باقية لا أحد يستوفي ثمرتها بطل الوقف و لا يكون حبساً و كذا لو وقفه على من ينقرض قبل انقراض الموقوف غاية ما في الباب ان عقد الوقف فيهما يكشف عن اباحة استيفاء المنفعة لمن ذكر انه موقوف عليه ما لم تعم قرينة انه استعمله في الحبس و قصده، و كذا العكس و لو صلح انتهاء المدة و انقراض الموقوف عليهم في الوقف و عدمها في الحبس قرينة الاستعمال و القصد كان الحبس وقفاً و الوقف حبساً و إلى ما ذكرنا من ان الدوام الملحوظ في الوقف هو دوام الموقوف عليه و ان تمَّ عمر الوقف قبله صريح نصوصه منها صحيح زرارة قلت له: (

روى بعض مواليك عن آبائك ان كل وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة و كل وقت إلى غير وقت قيل مجهول فهو باطل مردود على الورثة و انت أعلم بقول آبائك فكتب: هو كذلك عندي

)، و صحيح بن الصفار‌

كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام)" أسأله عن الوقف الذي يصح كيف هو فقد روى ان الوقف إذا كان غير مؤقت فهو باطل مردود على الورثة إذا كان موقتاً فهو صحيح ممضي، و قال قوم: ان الوقف هو الذي يذكر فيه انه وقف على فلان و عقبه فإذا انقرضوا فهو للفقراء و المساكين إلى ان يرث اللّه تعالى الأرض و من عليها قال: و قال آخرون هو مؤقت إذا ذكر انه لفلان و عقبة ما بقوا و لم يذكر في آخره فإذا انقرضوا للفقراء و المساكين و الذي هو غير مؤقت ان يقول: هذا وقف و لم يذكر احداً فما الذي يصح من ذلك و ما الذي يبطل، فوقّع (عليه السلام) (الوقوف بحسب ما يقفها أهلها ان شاء اللّه تعالى

فإن المراد بالمؤقت فيهما هو التوقيت ببقاء الموقوف عليه ما دام الأصل باقياً ينتفع به و غيره مردود على الورثة لانقطاع توقيته فيدخل الأصل الباقي يعد انقراض الموقوف عليه بالمردود لانتفاء التوقيت، فإذا اعتبر هذا التوقيت في الوقف لزم ان يلحظ ذلك قبل اجراء عقده فينظر في استعداد مكث العين الموقوفة مع استعداد بقاء الموقوف عليه المستوفى لثمرتها فإذا قطع الواقف أو ظن ظناً اطمئنانياً باستيفاء ثمرة الأصل للموقوف عليه حتى ينمحي ذلك الاصل صحَّ العقد سواء قرنه بمدة أو أوقفه على من ينقرض أو لا، هذا ما يظهر من النص عند التدبر في معناه و معنى ردّه انه يكون للورثة إذ لم يخرج عنهم لو وقف لفقد التوقيت المعتبر فيه لا انه كالفسخ و الإقالة التي لا تنافي صحة الوقف فمقالة شيخنا هو مؤقت ما دام الموقوف عليه موجوداً و غير مؤقت إذا انقرضوا فيلحق كل حكمة فيه مؤاخذة ضرورة ان ما عاد آخره إلى عدم التوقيت فهو غير مؤقت و غير المؤقت باطل مردود فالمتجه بحسب القواعد‌

28

و النصوص المشرعة للوقف ان المقرون بالمدة و الموقوف على من ينقرض متى لم يعدم أصله بعد انقضاء المدة و انقراض الموقوف عليه و لم تقم قرينة على ارادة الحبس منه بذكر مدة التحبيس المعتبرة فيه لا يفيد إلَّا اباحة الثمرة فقط للموقوف عليه و متى اراد المالك الرجوع به رجع لعدم خروجه بذلك عن ملكه و انتقاله لسواه فإن مات كان سبيله سبيل ميراثه، و ان كان الموقوف عليه لم ينقرض و للورثة انتزاعه من ايديهم إذ المتيقن من عقده المخرج عن الملك هو ما يسوغ بيعه للموقوف عليهم في المقام الذي قضى القاطع به و هو الوقف الذي لا تنقرض اربابه و لا يبقى اصله بعدهم كما تقتضيه اخبار جواز بيعه على ما سيجي‌ء ان شاء اللّه، و غيره لا يقتضي نقله عن مالكه و لا الاستشارية إلَّا مع دخوله في عقد آخر يلزم بذلك هذا و لكن شيخنا (رحمه اللّه)" بعد اعترافه بظهور النصّين في ان الوقف على من ينقرض قبل الاصل انه يرجع بعد الانقراض إلى الواقف لا إلى الموقوف عليهم لكنه حكم بأنه وقف يشمله عمومات الوقف و ان رجوعه إليه لا ينافي خروجه عن ملكه للموقوف عليهم ما داموا لم ينقرضوا و احكم اساس ذلك بما لا مزيد عليه مما تبتهج به النفس لو لا ان التمليك على هذا الوجه لم يثبت في الشريعة، بل و لا قاضٍ يقضي به المقام و لم يقل احد ان الوقف مطلقاً سبب تام في الملك لم ان الملكية على هذا النحو أي ثمرة ترتب للمالك عليها و اي فائدة إلَّا عدم رجوع المالك الأول فيه ما دام الثاني موجوداً و هو فرع انتقاله إليه بمثل هذا العقد في سببيته و الاستناد فيه إلى [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ] يوجب عدم رجوعه إلى ملكه بعد الانقراض و النص لم يصرّح بخروجه عن ملكه ثمّ عوده إليه خصوصاً مع احتياج الملك إلى سبب بعد زوال الأول و كون عدم الانقراض سبب طار على السبب الأول فمتى زال رجع إلى السبب الأول دعوى لا شاهد عليها، و لو حكمنا بالانتقال في المنقطع فالقاعدة توجب رجوعه إلى ورثه الموقوف عليه لاستصحاب بقاء الملكية كما جزم به سلار و مال إليه الفاضل في محكى التحرير لكن المفيد في محكى الغنية قال: ان الأحوط صرفه في وجوه البرّ و استحسنه الفاضل في المختلف و جماعة من المتأخرين حكموا برجوعه إلى الواقف أو ورثته و كلها بعد التدبر في الأدلة موهونة الوجه.

أما الأول: فملكية المورث لم يكن ملكاً طلقاً لكي يورث بل له التصرف ما دام موجوداً و مثلها لا يورث لجهة الانقطاع بالموت.

و أما الثاني: فمبنيّ على بقاءه وقفاً و ترك ذكر المصرف فيصرف فيها أو على انه مال جهل مالكه و خلل المبني بين لعدم قصد الواقف إلى بقاءه بعد ان خصّه بالمنقرض و الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها فبقاؤه وقفاً من سبب لا يوجبه لا معنى له و جهل المالك غير معلوم لعدم القطع بإخراج الاصل عن ملكه بما اوقعه مما ينقطع به ملكية غيره، ثمّ انه لو مات كيف يرجع إليه بعده و يكون على حكم ماله و أي دليل يقضي به كي يدفع إلى ورثته كل ذلك يؤيد ما قلناه من اعتبار الدوام في الموقوف عليه بما يزيد على عمر الاصل الموقوف فلا يصح الوقف بدونه.

نعم، عند الجهل تجري عليه احكام الوقف و متى انكشف الخلاف رجع إلى مالكه الأول أو ورثته ما لم يتلف الاصل و متى تلف لا رجوع له به لأنه سلّط على ملكه بالعقد الكاشف عن رضاه بالتصرف فيه، و تملك ثمرته مجاناً و يضمن ورثه الموقوف عليهم بعد الانقراض لو تصرفوا به مطلقاً لعدم كونهم مأذونين بذلك فيلزمهم ارجاع الأصل إلى صاحبه أو من ينوب منابه من وارث بعد الموت و حاكم شرع قبله هذا الذي ترجح في النظر القاصر و ليس فيه‌

29

خرق الإجماع المركّب كما قد يتوهم غايته الاختلاف في سبب الرجوع إلى المالك الأول و ورثته الذي قال به و ادّعاه غير واحد من اصحابنا. نعم، يثمر في عدم رجوع الواقف و رجوعه و حيث لا دليل على جعله وقفاً بالمعنى الأخص كان للمالك الرجوع به متى اراد و لا يكون حبساً البتة، إذ هو عقد لم يقصده الواقف جزماً فكيف يحكم به مضافاً إلى اعتبار المدة في الحبس و أخويه. نعم، ظاهر المصنف كونه باطلًا في المقرون بالمدة و صحيحاً على من ينقرض و عليه فإذا انقرضوا و الأصل باقٍ رجع إلى ورثة الواقف عنده.

و قيل إلى ورثة الموقوف عليهم و هو الأنسب لو دخل المفروض في الوقف بالمعنى الأخص من الأول و من القول بصرفه في وجوه البرّ، و لكن المصنف و جماعة حكموا بأن الأول أظهر و هو كذلك، حيث نقول بعدم انعقاده وقفاً لا انه وقف خرج عن مالكه و صار من املاك الغير ثمّ عاد إليه لعدم نهوض القواعد به و قياسه بفسخ المشتري لخياره بعد موت البائع لا وجه له لأن البائع لم يملك العوض ملكاً مستقراً بل المشتري بفسخه يستحق العوض في مال البائع فلا نجمع بين العوضين و أين هو من عوده بالانقراض و منه يعلم البطلان في منقطع الأول كما غيّر.

و أما منقطع الوسط كما لو وقف على زيد و على عبده أو غيره مما لا يصح الوقف عليه ثمّ على المساكين حتى يرث اللّه الأرض فهو إلى الوسط كمنقطع الآخر فيبطل فيه و فيمن بعده لكن في الدروس احتمل صحته في الطرفين، و ان امتنع في الوسط فإن رجع قوله إلى ما قلناه من الكشف عن رضاه في صرف الثمرة لمن ذكر و ان دام مع تجويز رجوعه بالوقف فهو على وفق القاعدة و ان كان يرى صحته وقفاً مع كونه قد انقطع مع دوام الأصل، ففيه ما مرَّ لكن يحتمل ان قصد التأييد في عقد الوقف يورث النقل فتلغو الواسطة و يتلقى من بعد الوسط الملك ممن انتقل إليه خصوصاً إذا جهل الواقف عدم قابلية الوسط للملك، و هو كما ترى للزوم تبعض الصفقة فما دام المملوك موجوداً ينبغي ان الواقف يستوفي الثمرة فهو كمن وقف على زيد و نفسه و الفقراء و هو باطل فيبطل حتى على زيد لعدم حصول سلسلة الترتيب المقصودة و لو كان مجرد التأييد يقتضي صحة الوقف لصح في منقطع الأول ايضاً بأن يلغى الأول و يكون موقوفاً على من بعده و لا يقول به أحد و لا يشمله الوقوف على، انتهى، لعدم حصول القصد مع الانقطاع مع تعذر من قصده و في الدروس ايضاً لو وقف على ابنيه ثمّ على الفقراء فمات احدهما فالأقرب صرف نصيبه إلى اخيه لاشتراط الصرف على الفقراء أو بانقراضهما الذي لا يصدق بموت احدهما، و يمكن جعله منقطع الوسط فيعود نصيب الميت للواقف و اقربائه و يمكن جعله للفقراء عملًا بالتوزيع و اعترضه شيخنا (رحمه اللّه)" ان صرف نصيبه لأخيه لا وجه له لعدم كونه من الواقف فيصح حينئذٍ في النصف و يرجع النصف الآخر للواقف و هو متين، غير ان رجوع النصف الآخر إلى الفقراء بعد عوده للواقف أو لورثته مشكل إذا انقرض الثاني، إذ لا ناقل له مجدداً إليهم و الواقف جعل مصرف الكل هم بعد انقراض الابنين فلو لم يرجع إلى الآخر الملحوظ في الوقف في الجملة للزم تبعض الصفقة على الفقراء المنافي لجعله لهم جميعاً إذا فقد الأخوان فيقتضي أما بطلان الوقف، و أما رجوع نصيب الميت لأخيه و الأول لم يدعيه أحد فالمعين الثاني لكن مع ذلك فيه تأمل و في الدروس ايضاً لو قرن الوقف على ولده يمده عمره أو سنه مثلًا، ثمّ على الفقراء صحَّ لأنه وقف مؤيد في طرفيه و وسطه و هو كذلك و ان اجمعوا على البطلان لو قرنه بمدة فإن ذلك مخصوص بما إذا خلا الوقف عن موقوف عليه بعدها الوقوف على تشمله و ليس في الادلة انه يشترط فيمن يوقف‌

30

عليه اعتبار مدة حياته و إلَّا لما شارك بن الابن عمه في الوقف على الاولاد بعد وجوده غب عدمه.

و فيه ايضاً انه لو اشترط اختصاص بعض الموقوف عليهم بالثمرة مدة ثمّ لمن يعينه منهم ايضاً مدة و هكذا كان يشترط ان الغلة في العام الأول لفلان تمَّ في الثاني لفلان صحَّ و اتبع شرطه لعمومي المؤمنون و الوقوف، لكن إذا اشترط ذلك لغير الموقوف عليهم من الاجانب فالظاهر الصحة إلَّا إذا استغرق عمر بعض الموقوف عليه أو الطبقة الأولى مثلًا فإن كونهم موقوفاً عليهم لا ينافي ذلك لأن الشرط رفع استحقاقهم للمنفعة و استأنس له بخبر جعفر بن حيّان سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) (

عن رجل وقف غلّةً له على قرابة له من ابيه و قرابة من أمه و أوصى لرجل و عقبه من تلك الغلة ليس بينه و بينه قرابة بثلاثمائة درهم من تلك الغلة في كل سنة و يقسم الباقي على قرابته من ابيه و أمه قال (عليه السلام) جائز للذي اوصى له بذلك، قلت: أ رأيت ان مات الذي اوصى له، قال: ان مات كان الثلاثمائة درهم لورثته يتوارثونها ما بقي واحد منه فإذا انقطع ورثته و لم يبقَ منهم أحد كانت الدراهم لقرابة الميت

)، ترد إلى ما يخرج من الوقف بحمل الوصية على تمليك ذلك بالشرط لكن التقيد بعد صحة مثل هذا الشرط بعدم الاستغراق، كما وقع لكل من صححه كأنه عار عن الوجه إذ غايته كما انه كوقف مسلوب المنفعة بإسكان أو عمري مع تصريحهم بجواز إلا انَّ يقال ان سلب المنفعة بالشرط منافٍ لمقتضى عقد الوقف لكن تبقى المطالبة بالفرق بينه و بين مسلوب المنفعة قبله و في الدروس ايضاً لو وقف على ولده، فإذا انقرضوا و انقرض اولادهم فعلى المساكين ان الاقرب عدم دخول اولاد الأولاد في الوقف و النماء قبل انقراضهم لأقرباء الواقف حتى ينقرضوا و نسب للشيخ (رحمه اللّه)" دخولهم أما لشمول لفظ الولد لهم أو لقرينة الحال و هو كذلك قال شيخنا (رحمه اللّه)" الاشكال فيما لو علم من الواقف عدم جرّ الوقف إلى اولاد الأولاد ثمّ اشترط عوده إلى الفقراء بفقدهم قال ان المتجه بعد انقراض الأولاد بطلان الوقف لخلوه عن موقوف عليه في بعض الزمان و هو كذلك لكن حكى عن القواعد صرفه إلى الفقراء بعد فقد الطبقة الثانية التي لم يوقف عليها و عدّه من منقطع الوسط و جعل النماء قبل انقراضهم لورثة الواقف على اشكال قال (رحمه اللّه)" و هو مبني على اختصاص البطلان في الوسط خاصة إلَّا ان ذلك يقتضي عدم الاشكال في انه لورثته، و فيه أن الاشكال لعله في أصل صحة الوقف لا في عود النماء للورثة أو لعله ان بملكيتهم له كيف يعود إلى الفقراء المتلقين من الواقف، ثمّ ان ملكيتهم له بأي سبب ناقل فإن كان لجهة ارث العين فإن الواقف قد اخرجها من ملكه و ان كان بسبب أخّر و هو ان الواقف اشترط ذلك فتشمله أدلة الشروط فذلك لم يقع فتخصصه الاشكال بالأخير لم يعلم وجهه فالمتجه حينئذٍ عندنا بطلانه من أصله و اللّه العالم.

و لو قال: وقفت إذا جاء رأس الشهر و ان قدم زيد لم يصح من دون فرق بين الشرط المتيقن في حصوله كالمثال الأول و عدمه لأن السبب الناقل في باب العقود يقتضي ان يؤثر اثره حين وقوعه كما سلف و للإجماع لو قلنا بأن الاسباب الشرعية غير الاسباب العقلية هي علل ناقصة لعدم تأثير السبب في الحال في كثير من الاسباب و كان حق هذا التفريغ ان يتقدم على السابق، لكنه ربته مشوشاً كما في المسالك، و القبض بأذن الواقف شرط في صحته أو في لزومه بغير خلاف يعرف و لصحيح صفوان المتقدم و خبر العمري عن الحجة (عجل اللّه فرجه) السابق ففي الأول له ان يرجع لأنهم لا يجوزونها عنه و في الثاني و كلماتهم فلا خيار فيه لصاحبه و لا ريب انه من الشرائط، فلو وقف و لم يقبض ثمّ مات و كان ميراثاً لعدم تمامية‌

31

العقد بغير القبض كعدم تماميته بغير القبول فهماً من وادٍ واحد إلَّا في الفوريّة فالظاهر عدم اعتبارها في القبض إذ لا دليل عليها لعدم وفاء النص الوارد فيه بها كخبر بن زرارة و ابن صفوان و عالي السند. نعم، صريحة هنا انه شرط في صحة العقد لا في لزومه خلاف ما يظهر من قوله آنفاً، و لا يلزم إلَّا بالاقباض و المسألة خلافية و المتجه فيها انه شرط كاشف عن البطلان لا انه جزء سبب كالقبول فالنماء المتحلل ان لم يحصل القبض للواقف فلا ثمرة و لا فرق بين موت الواقف أو الموقوف عليه في عدم صحة العقد قبل القبض فينفسخ بالموت كما ينفسخ بالرجوع قبله و يلحق بالموت غيره من الجنون و الاغماء و الاكراه حتى انكشف ذلك قبل القبض او وقع فإن دوام التأهل معتبر في الموجب و القابل و العين إلى تمام السبب الناقل فعروضه في الاثناء مبطل مطلقاً و ان زال بعد العقد.

نعم، ربما يظهر من بعضهم التوقف في الفساد في قبض البطون اللاحقة حيث يعرض المانع للطبقة الأولى عن القبض بالموت أو بغيره لجهة ان موت الموقوف عليه ليس كموت الواقف الذي ينتقل المال عنه و لعل الفساد أقرب لأن البطن الثاني يتلقى من قبله بحيث ان ملكية البطن الأول شرط في ملكية من بعدها، فإذا لم يملك الأول بالقبض كيف ينتقل الملك إلى الثاني فيدور الأمر بين ان يكون الوقف ابتداء على البطن الثاني قبل وجوده أو عدم شرطية القبض مطلقاً أو في صحة العقد فيحصل الملك للبطن الأول الذي معه يصح الانتقال إلى الثاني فيكون قبضه كقبضه و كلاهما خلاف المشهور، فلا يكون هو كالوقف على شخصين قبض احدهما دون الآخر فإن لك لا يتم حتى في الشخصين المرتبين في الوقف الموجودين لأن انتقال الملك إلى الثاني بدون ملكية الأول لا يمكن في المرتب. نعم، لو وقف عليهما تشريكاً و قبض احدهما نفذ في حصته و بقى الباقي على ملك الواقف، فإن عرض المانع من القبض للشريك حتى مات اختص الوقف بحصة شريكه و تبعضت الصفقة و لو وقف على اولاده الأصاغر أو المخبطين من غيرهم في وجه كان قبضه قبضاً عنهم لولايته الاجبارية، و كذا الجد للأب بلا صعود و في الوصي و غيره من الأولياء حتى الحاكم تردد منشؤه اصالة عدم الولاية مطلقاً فما ثبت فيه حكم بها دون ما لم يقم دليل عليه، إذ ليس ولاية الحاكم أو الوصي بل الأب و الجد كولاية الإمام كما اوضحناه في محله بناءً عليه ان ما يشك في حصول الولاية فيه فالأصل يقتضي عدمها لا ان ثبوت الولاية بمقام نثبتها في سائر المقامات و هو منشأ ما يحكى عن التحرير من عدم صحة الوقف بقبض الوصي لا ما وجهه به شيخنا من جهة اتحاد الموجب و القابل المغتفر في الأب و الجد دون غيرهما للحكم لعدم اخلال ذلك في العقد للاتفاق على صحة اتجار الوصي للطفل و البيع و الشراء له، فضلًا عن غيره و لا لدعوى ان ولاية الوصي اضعف من ولاية غيره فإن هذا الضعف ان منشأه ما قلناه فلا يخص الوصي و ان كان غيره فهو اول الكلام بعد ان كانت يده يد الطفل فالمنشأ ما ذكرناه و حينئذٍ يتبع في مطلق الاولياء عدا الإمام (عليه السلام)" عموم دليل و لا يتهم و خصوصها و يحكم بالعدم في المشكوك، لكن في خصوص المقام أظهره عند المصنف و كثير ممن تلاه الصحة في الوصي فضلًا عن الحاكم و لعله كما في الرياض لمفهوم التعليل صحيح عبيد بن زرارة في الرجل يتصدق على ولده له و قد ادركوا، فقال (عليه السلام) (

إذا لم يقبضوا حتى بموت فهو ميراث و ان تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز لأن والده هو الذي يلي أمره

) فإن مفهومه ان من يلي أمره يجوز قبضه له و الوصي ولي امره فالمفهوم مع نذور المخالف يرجح الصحة، لكن في خبر محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام)" انه قال: (

في الرجل يتصدق على ولده و قد ادركوا إذا لم يقبضوا حتى بموت فهو ميراث فإن تصدق على من لم يدرك من ولده فهو

32

جائز لأن والده هو الذي يلي أمره

) الخبر، تخصيص بالأب الذي يشاركه الجد ان لم يقدم عليه في الولاية فيعطي الجمع بين الخبرين ان المعنى في الأول هو الأب ايضاً لا مطلق الولي الذي بيده أمر الطفل في الجملة فيتمحّض الدليل عليه بذهاب المشهور إليه ثمّ ان القبض المصحح تعقد الوقف و الملزم له، هل يشترط فيه في مطلق الولي إلى قصد النيابة فلا يكفي مع الذهول عنها أو مجرد الاستيلاء يكفي فيه حتى لو نوى الخلاف، و كذا الموقوف عليه هل يشترط في قبضه قصد الوقفية أم يكفي فيه وضع يده عليه فيشمل ما لو كان قبل ذلك تحت يده حتى لو كان مغصوباً له و لغيره، و هو مقبوض له.

و الظاهر انه بعد الحكم باشتراطه في صحة العقد فالأصل يوجب اعتبار كل خصوصية فيه يشك في صحة العقد بدونها و لو للخلاف في تلك الخصوصية، و حينئذٍ فلا محيص عن ان يقال بعدم كفاية مجرّد الاستيلاء في القبض المعتبر في حق الموقوف عليه فضلًا عن الولي مطلقاً فيقبض على انه وقف فلا يجري مع الذهول عنه و ان قبضه بعارية أو وديعة للزوم اجتياز الفعل المشترك عن غيره.

نعم، الأولى فيما يقفه الوصي و نحوه عمّن له الولاية عليه ان يقبض الحاكم ذلك منه لاستهجان قبضه من نفسه، و إن أمكن باعتبار اختلاف الحيثية ككونه موجباً و قائلًا.

و منه يظهر ان استدامة القبض لا تكفي مع عدم الالتفات في خلالها إلى انه وقف مقبوض فلو غصب عيناً أوقفت عليه يرتفع الاثم بنفس الالتفات إلى انه مقبوض وقفاً هذا ما يقتضيه الأصل، لكن اطلاق اعتبار القبض في جميع العقود حتى الرهن ظاهرة في مجرّد الاستيلاء بدون القصد و معه سواء اذن الواقف أم لا، بحيث يكون تحت يده بعد العقد المعتبر فيه ذلك إلَّا ان يمنع هذا الظهور مطلقاً أو في بعض العقود كالوقف مثلًا و لعله هو الأوفق، و في المسالك و حيث لا يعتبر تجديد القبض في المقبوض أيضاً لا يعتبر مضي زمان يمكن فيه احداثه و ان اعتبر لأن الأذن فيه يستدعي تحصيله و من ضروراته مضى زمان بخلاف ما لا يعتبر فيه التجديد انتهى.

و اعترضه شيخنا بأن ذلك لا يجدي في التجديد الحقيقي و أما الحكمي فغير محتاج إلى ذلك انتهى، و لم يتضح لنا معناه إذ التجديد يحتاج إلى قصد ذلك في المقبوض قبله و القصد لا بد له من زمان يحصل فيه فهو و ان كان حكمياً كيف يحصل من دون ان يكون الزمان ظرفاً له و كل منوي هكذا.

و لو وقف على نفسه لم يصح عندنا، و حكى في البصائر الإجماع عليه و جوزه بعض أهل السنة لاختلاف الاستحقاقين فإن استحقاق الشي‌ء وقفاً غير استحقاقه ملكاً فقد يقصد الانسان منع التصرف المزيل للملكية كالبيع و نحوه، كمن نذر ان لا يبيع الدار الفلانية من دوره، و كمن وهبه عبده ما يملك بناء على صحة ملكه فإنه يستحق بالهبة المستحق له لكنه كما ترى إذ لا معنى لنقل ملكه إلى نفسه اشبه شي‌ء بتحصيل الحاصل الممنوع، و كذا اشتراط نفعه لنفسه إذ لم يملكه مسلوب المنفعة مضافاً إلى فحوى بعض النصوص بمنعه، و كذا لو وقف على نفسه ثمّ على غيره في المشهور لدخوله بمنقطع الأول الذي يبطل الوقف به حسبما سلف، و لكن قيل و حكى عن الشيخ (رحمه اللّه)" انه يبطل في حق نفسه و يصح في حق غيره و الأول اشبه، و عليه المحققون من الاصحاب كما تقم و لو عطف بالواو مفرداً أو جمعاً فقد قويّ غير واحد ممن تأخر الصحة في النصف فيهما، و أحتمل الدروس الصحة في ثلاثة ارباع في الجمع لأن اقله ثلاثة فيبطل في ربع و احتمل البطلان من رأس فيهما، و احتمل كون المجموع للغير و هو لازم لقول الشيخ بالصحة في المرتب بالأولوية و لكل من المحتملات وجه،

33

فالصحة مطلقة في النصف بناء على جواز تبعّض الصفقة في مطلق العقود لا في خصوص البيع كما لعله هو المختار و التنصيف مطلقاً لكونه الظاهر من الاشتراك ظهوراً لفظياً و التربيع في الجمع لأن اقله ثلاثة و البطلان رأساً لعدم وجوب الوفاء بما وقع عليه العقد اجماعاً و العقد لا يكون مبعضاً و اختصاص الغير به جميعاً لوجود الموقوف عليه الذي معه يصح العقد إذ لما كان بعضه لا يمكن كان شرط الواقف كلًا شرط فلا يلزم بمخالفته محال و اتباع شرطه، انما يلزم لو كان سائغاً و بطلان الوقف من اصله حيث لا يكون في الكلام من يصح الوقف عليه، لكنه موجود قطعاً فينحصر الوقف به بعد ان اخرجه المالك عن ملكه كما لو اوصى بمال من ثلثه للفقراء و الوثنيين فإنه يختص الأول بجميع المال لا بنصفه، و كما لو عيّن وصيين او اكثر و فيهم ما يمتنع ان يكون وصياً لصغره أو لكفره يختص الثاني بالوصية تعدد أو انفرد و يتصرف بالمال وحده و لا تعود وصية الممتنع إلى الحاكم و كما لو اوقف على مسجد و كنيسة فإنه جميع النماء يصرف في المسجد لا نصفه و هكذا، و خير الاحتمالات صحة الوقف في النصف مطلقاً و تبعض الصفقة لا تبعض العقد لوهن جميعها بما مرَّ عليك ذكره و النقض بصحة الوصية بما ذكر لو قلنا به فهو قياس و الوقف على المسجد و الكنيسة كهو على نفسه و غيره، و لم يحضرني من يخصه بالمسجد و ان جعل الاختصاص بعضهم مفروغاً منه، و لو وقف على غيره و شرط قضاء ديونه و أراد مئونته لم يصح، و كذا لو شرط الانتفاع به مدة معلومة أو قرنه بحياته و ان بعض المنفعة بينه و بين غيره كل ذلك من المشهور الذي صرّحت به الفتاوى المعلل بأن الوقف مقتضاه نقل العين و المنفعة عن ملكه فإستثناء احدهما أو جزء منهما منافٍ لمقتضاه فيبطل الشرط و العقد معاً و ربما اشعرت مكاتبة علي بن سليمان إلى ابي الحسن (عليه السلام) (

بذلك جعلت فداك ليس لي ولد ولي ضياع ورثتها عن ابي و بعضها استفدتها و لا آمن الحدثان فإن لم يكن لي ولد و حدث لي حدث، فما ترى جعلت فداك لي ان اقف بعضها على فقراء اخواني و المستضعفين او ابيعها و اتصدق بثمنها عليهم في حياتي فأني اتخوف ان لا ينفذ الوقف بعد موتي فإن وقفتها في حياتي فلي ان آكل منها ايام حياتي أم لا؟ فكتب (عليه السلام) فهمت كتابك في أمر ضياعك فليس لك ان تأكل منها من الصدقة فإن انت اكلت منها لم تنفذ ان كان لكَ ورثة فبع و تصدق ببعض منها في حياتك و ان تصدقت امسكت لنفسك ما بقوتك مثل ما صنع امير المؤمنين (عليه السلام)"

)، و مثلها خبر طلحة بن زيد عن ابي عبد اللّه عن ابيه (عليهما السلام) (

ان رجلًا تصدق بدار له و هو ساكن فيها، فقال (عليه السلام) الحين اخرج منها

)، لكن في كشف الجد (رحمه اللّه)" و لو شرط رد مظالم عنه او صدقة أو عبادة او اداء ديون لزمته في حياته و نحو ذلك قوى القول بالصحة، و قال قبل ذلك و لو شرط اجارة عن عبادة تجوز عن الاحياء و كان حيّاً كزيارة و حج و نحوهما قوى لبطلان انتهى. و كأنه راعي القاعدة المرقومة بالنسبة إلى الحي إذ بالموت يخرج عنه الوقف و يرجع الثواب إليه كما يثاب على الوقف نفسه.

و الملخّص في صحة الشرط عدم منافاته لمقتضى العقد. نعم، تشكل المنافاة فيما لو شرط في متن العقد المسبل فيه المنفعة استثناء شي‌ء من التسبيل الذي قصده بالوقف لقاعدتي الشروط و الوقوف التي لا تحكم عليهما إلَّا حكاية المنافاة الموهومة لدى القائل بالصحة، و قد يومي او يقضي بالحصة قوله (عليه السلام) (

و ان تصدقت امسكت لنفسك ما يقوتك

)، فإنه ظاهر بالاستثناء مما تصدق به لا انه خارج عنه فيوقف العين المستأجرة المسبّل منعتها بعد تمام الإجارة فالقاعدة توجب عدم الاستحقاق من حيث كونه وقفاً لاعتبار اخراج نفسه من عينه و ثمرته لا نحو ما ذكر و عليه ينزّل خبر ابي الجارود عن الباقر (عليه السلام) (

لا يشتري الرجل ما تصدق به، و ان تصدق بمسكن على ذي قرابة فإن شاء سكن معهم .. إلى آخره

)، و بمضمونه‌

34

افتى في النهاية قال: إذا وقف انساناً مسكناً جاز له ان يقعد فيه مع من وقف عليه و لا يجلس غيره فيه فإنه منافٍ للقاعدة فلا بد من حمله على ما لو اشترط اختصاصه ببعض المنافع أو حمله على اذن من وقف عليه المسكن و عليه ايضاً تحمل فتوى الأكثر بدخول الصوف و اللبن الموجودين في الشاة الموقوفة ما لم يستثنه.

و فتوى الفاضل (رحمه اللّه)" في وقف البقرة للحرث يقتضي بقاء غيره من المنافع للواقف فإنه ظاهر في جواز استثنائها كما انه لا ينافي القاعدة شرط اكل اهله منه و اضيافه و من يمر به و التابعة، و حكى ذلك من فعل النبي(ص) و فاطمة (عليها السلام)" في صدقتها كما لا يقدح كونهم واجبي النفقة فتسقط نفقتهم ان اكتفوا به وفاقاً لأصحاب امير المؤمنين (عليه السلام)"، و ان استشكل في خصوص الزوجة و المملوك لرجوع ذلك إلى نفسه و بالجملة لا ريب في خروج ملكه عنه عيناً و منفعة يوقفه له كنقله له ببيع و غيره لغيره.

أما لو وقفه على جهة مخصوصة و لا يجب صرف النماء في جميعهم و لا قبولهم او بعضهم كان وقفه على الفقراء و هو منهم لو عرض له الفقر بخروج ما وقفه عن ملكه، أو كان غنياً ثمّ صار فقيراً أو وقفه على الفقهاء ثمّ صار فقيهاً أو كان متلبساً بالمبدإ قبل الوقف و حينه، فقد قال المصنف و غيره: ان له المشاركة بالانتفاع و لو انفرد بالوصف اختص به و علل ذلك بما في المسالك و غيره بأن الواقف ينظر إلى جهة الفقر و المسكنة و يقصد نفع موصوف بهذه الصفة لا شخص بعينه، فهو لم يوقف على نفسه و لا على جماعة هو منهم و لو كان الوقف عليهم لاعتبر قبولهم او قبول بعضهم لشرطية القبول كما سبق، فالملك ينتقل بذلك إلى اللّه تعالى لا إليهم، و لذا لا يجب صرف النماء في جميعهم بل يكتفي الشارع بصرفه فيمن احرز الوصف و ان كان هو الواقف و اطلاق الجواز في كلام المتقدمين كأنه لا شبهة فيه إلَّا بن ادريس في المحكي عنه عدم جواز انتفاع الواقف بما وقفه على حال و لحقه المختلف و تذكرة الفقهاء، غير انه فصل بين المنتقل من الوقف إلى اللّه كالمسجد و القنطرة و الرباط، فلم يمنع من انتفاع الواقف بها صلاة و عبوراً و مكثاً، و بين ما انتقل إلى الخلق مطلقاً و ان لحقه الوصف بعد فلا يجوز له الانتفاع.

و في المهذب ألحق الخانات و الدور التي ينزلها الحاج بالمساجد و القناطر فجوز انتفاع الواقف بها دون غيرها، لكن في المبسوط و الغنية شبيه ما ذكره المصنف و ان لاح منهما ان ما يعود إلى أصل الإباحة للمسلمين قاطبة كأن هو و غيره سواء و الكفاية لم يفصل بل استشكل في اصل الحكم و ناقش في الدليل السابق، و قال: لو كان النص الوارد وارد بلفظ الوقف على نفسه او يثبت اجماع على المشاركة لكان للقول المزبور وجه، لكنه لا نصَّ و لا اجماع، و شيخنا حكم بجواز الانتفاع للواقف بما خرج عن المالية و صار من قبيل التحرير للسيرة القطعية في مثل المسجد و القنطرة و الخان و غيرها، دون ما فيه مالية و ان كان وقفاً عاماً فمنع جواز انتفاع الواقف المتّصف بذلك الوصف سابقاً و لاحقاً به خصوصاً إذا كان للوقف ثمرة و نماء يصرف في الموقوف عليهم مثل الفقهاء و الفقراء و الورعين و غيرهم، و علله بأن الوقف حينئذٍ للجنس و لو بواسطة افراده فيلزم خروج الواقف عن صدقته لتحقق المانع المزبور فيه، قال: على ان وقفه على الفقراء نحو ملك الزكاة للفقراء الذين لا يندرج فيهم من عليه الزكاة انتهى. مقرباً ذلك بما ملخصه ان الكلي يملك و يملك فتحصل براءة الذمة في الكلي المملوك بأداء فرده ممن عليه، فكذا إذا ملك بتشخص بفرد انطبق عليه فإذا تشخّص بالوقف صار هو المالك لصدقته المعتبر فيه خروجه عنها فلا بد في صحة الوقف من خروج تشخّص الكلي به، و لا يجري ذلك فيما هو خارج عن المالية و الانتفاع به لا على طريق الملك كالصلاة في‌

35

المسجد و العبور على القنطرة و الجلوس في الخان مما هو جائز باعتبار الإباحة الشرعية، و لو بسبب الوقف للسيرة القطعية و لغير ذلك انتهى. و هو حسن غير ان ما ذكره مما قامت السيرة على جوازه لا ينفك غالباً عن المالية مثل العبور على القنطرة و الجلوس في الخان إذ لو تركه الواقف و توقف في غيره على المالية كان مما يتمول فيقتضي أن ينحصر الجواز بالمسجد و الصلاة لا غير فيه و في امثاله من المشاهد المشرفة دون البيع و الشراء و السكنى فيها و التدريس و غير ذلك، مما لو صنع في غيرها توقف على بذل المال بل و الصلاة في بعض الأوقات فينبغي ان يفصل في جواز الانتفاع بالمذكورات بين ما يتساوى الانتفاع به و بغيره في عدم المالية و بين ما لا يتساوى فيه ذلك مما لو تركه لأوجب الخسارة فتكون هاتيك الغرامة كأنه ثمرة الانتفاع به و ينبغي ان يجوز الانتفاع فيما عرى عن المالية من الوقف العام الذي يتشخص كليه به نحو الوقف على الفقهاء و المشتغلين كالمدارس و الدور و دوران الحكم مدار المالية و عدمها، كأنه لا يلتزم به هنا احد لاختلاف ذلك بحسب الأزمنة و الأمكنة و الحاجة و التفرقة بين الوقف على الجهة أو على من لا ينحصر ان زعمه فلا دليل عليه و القياس على الزكاة، ان تمَّ فهو دليل على المنع كليّة فالمتجه في الضابط في الوقوف العامة جواز انتفاع الواقف فيها حيث لا يكون مقصوداً في عقد الوقف و لا ملحوظاً لكنه دخل من حيث شمول الوصف له فكان الموقوف عليه هو الوصف الذي لا يتقوم بنفسه لا الشخص المتصف فإن الشخصية غير ملحوظة للواقف أبداً على حد أكرم العالم في عدم دخول غيره في العام إلَّا إذا اتصف بالعلم و متى زال الوصف عنه امتنع اكرامه و تبدل الموضوع فلا يستصحب كالوقف على الفقهاء مثلًا. نعم، يشكل ذلك فيمن احرز الوصف حين الوقف لأنه مستثنى مع الوصف لعدم شمول الوقف له و ان اتصف و لا ينوعه اتصافه و تجرده لعدم انفكاك الوصف عنه حين خروجه، و لذا قيده المصنف بما عرض له الوصف بعد الوقف لا ما كان متصفاً به حينه لكن المسالك طرد الحكم في جواز الانتفاع و تبعه شيخنا و لم يعلم وجهه و لذا لو قصد ادخال نفسه بالجهة التي يندرج فيها مع احرازه لتلك الجهة حين الوقف بطل الوقف جزماً بل و لو ذهل عن شمولها له لخروجه على كل حال، إنما الاشكال فيما لو دخل في الجهة بعد الوقف عليها و لم يكن ملحوظاً للواقف، و مثله ما لو وقف على بعض اولاده المشخّصين بالذكورية أو الأنوثية دون الباقي منهم و على العلماء فصار غير الموقوف عليه من أولاده منهم فينبغي عدم شمول الوقف لهم لأنه اخرجهم منه فإن الحكم به في غاية الصعوبة، هذا و حيث ان الوقوف حسبما يقفها اهلها و يصح كل شرط لم يخالف الكتاب و السنة فيها، و حينئذٍ لو شرط عوده إليه عند حاجته صحَّ الشرط و لم يبطل العقد لعمومي الوفاء بالعقود و المؤمنون فيصح وقفاً فإن احتاج كان منقطعاً و إلَّا كان مؤيداً و هو صريح الانتصار، و المختلف و ايضاح القطيفي و ظاهر المقنعة و المراسم و استقواه شيخنا (رحمه اللّه)" لعدم الدليل على اشتراط الدوام في الوقف فيكون منقطع الآخر و لا تعليق فيه ينافي عقد الوقف بل هو تقييد للوقف على نحو تقييده بوجود الموقوف عليه او بغيره من الأوصاف الجائزة التي لا يبطل الوقف إلَّا بارتفاعها فينتهي الوقف بانتهاء الوصف كما ينتهي بانقراض الموقوف على، و هذا يجري في كل غاية عدا المؤقت الذي خرج بدليله فيقتصر عليه في الانقطاع المبطل بل المتجه في باب الشروط انَّ العمل بالعقد و الشرط مهما أمكن لزم، و ان قلل الشرط دائرة العقد فيؤثر اثره في غير ما اخرجه الشرط فكل شرط شكَّ في منافاته لمقتضى العقد يحكم بعدم منافاته و صحتهما معاً فينحصر البطلان فيما تحقق منافاته بالعقل أو النص الخاص و هو الضابط في الشروط في جميع العقود إلى آخر ما رام بيانه من اختيار انه حينئذٍ من الوقف المنقطع الآخر الذي تجري عليه احكامه إلى حين‌

36

الانقطاع كما سبق، و قيل لو اشترط عوده صحَّ الشرط و بطل الوقف من اصله كما عن ابي علي و ابني حمزة و ادريس و الآبي و حكاه المختلف عن الشيخ في المبسوط و ظاهر المختصر النافع و الكفاية و علل يكون العقد يقتضي الدوام فينافيه التعليق و يستأنس له بدليل بطلانه لو قرن بالمدة لاتّحاد المناط و لأنه صدقه و لا يجوز الرجوع فيها و لوجوب اخراج نفسه من الوقف، و لخبر اسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) (

عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير، و قال: ان احتجت إلى شي‌ء من مالي أو من غلته فأنا احق به أ له ذلك و قد جعله اللّه تعالى و كيف يكون حاله إذا هلك الرجل أ يرجع ميراثاً او تمضي صدقته، قال (عليه السلام) يرجع ميراثاً على أهله

) الخبر، و المراد بالصدقة في الرواية الوقف بقرينة السوق الذي صريحه تمليك المنافع و للموثق من اوقف أرضاً ثمّ قال: ان احتجت إليها فأنا احق بها ثمّ مات الرجل فإنها ترجع إلى الميراث، و نوقش في الرواية سنداً و دلالة.

أما الأول ففي طريق الأولى ابان بن عثمان و قد طعن في مذهبه، و الموثق غير حجة اصطلاح المتأخرين ما لم يعتضد.

و أما الثاني فبقيام احتمال ان المبطل كونه احق به فيهما و هو وقف لا انه احق به بعد فسخه فيؤول شرطه إلى عدم اخراج نفسه عنه الذي لا ريب في بطلان الوقف به فلا يصلحان دليلًا على المدعي لخروجهما عمّا نحن فيه و احتمال ان قوله (عليه السلام)" في الرواية السابقة يرجع ميراثاً، إنما هو حيث تحقق الحاجة للواقف فأراد الإمام بيان عدم رجوعه إلى الوقف بعد الموت إذا ملكه بعروض الحاجة للواقف ايام حياته و سوق الخبر لا ينفي هذا الاحتمال فيه، و كذا الموثق إذ هما من وادٍ واحد فهما مسوقان إلى أن الواقف لو ملك الوقف بالشرط الصحيح لا يعود بعد الموت إلى الحالة الأولى لا أن نفس الشرط يجعله ميراثاً و ان لم يحتج إليه بحياته لا اقل من تساوي الاحتمالين القاضيين بإجمال الخبرين فلا ينهضان بالبطلان بعد الجزم بالصحة، و قيل انقلب الوقف و صار حبساً و حكمه انه يعود إليه مع الحاجة و يورث، و هذا معنى البطلان في الكتاب، و نسب للشيخ و القاضي و القواعد و تذكرة الفقهاء و ارشاد الأذهان و الدروس و المصابيح و جامع المقاصد و الرياض و الروضة و ظاهرهم، انه بنفس الشرط يعود كذلك لا انه بعد الحاجة لعدم تحققها بالموت جزماً و دعوى ان الميت بموته قد احتاج لنقل ماله إلى الوارث كما احتمله المسالك لا وجه له و لذا قال شيخنا انه من الخرافة، لكن ينافيه كون موت الحابس غاية لحبسه بعد ان لم يذكر له أمداً و ما ذكره من الحاجة أمداً لم يحصل فيقتضي بقائه محبوساً إلى آخره فكيف يورث بموته لا بذهاب ما حبس عليه و كونه بموته يعود ميراثاً إذا انقرض المحبس عليه مطلقاً و اضمحلّت الجهة مما لا يغطيه النص و لا اطلاقهم انه بالموت يورث كدعوى ان الوقف او الصدقة التي بمعناه إذا اقترنا بالشرط صرف الشرط لفظيهما إلى الحبس، و كان ذلك من القرائن الصارفة للفظين عن معناه رجعت المسألة إلى غير ما نحن فيه و هي ان اصالة الصحة تصح لصرف اللفظ عن معناه الظاهر منه إذا استلزم البطلان أو لا فيحكم بالفساد محافظة على ابقاء اللفظ على ظاهره و المتجه من الاقوال المذكورة حسبما يترجّح في النظر القاصر هو بطلان الوقف بالشرط مطلقاً لاعتبار الدوام فيه شطراً أو شرطاً فما ينافي دوامة يبطله و لا يشمله الوفاء بالعقد، و لا المؤمنون و لا الوقوف لتقييدها باعتبار الدوام فيه فهو كالعتق في بعض الأحوال و بذلك يفترق عن غيره و هو المتبادر من لفظه و المعهود من شرعيته و من هنا لا يثبت الخيار فيه مطلقاً و لا يشرع فسخه اختياراً و من سرد النصوص الواردة فيه و في تشريعه لا يكاد مشكك في ذلك فالجاري على الاصول هو البطلان من اصله. نعم، لا ينكر وفاء النصين بأنه مع قصد الواقف الوقف يعود حبساً‌

37

بالشرط المزبور فلذلك قاربه المصنف و تبعه الجماعة عليه و حينئذٍ يخرج عن القاعدة بنصه الذي يجب التعبدية و لا يتعدى عن مورد النصّ و مقالة ان النصين لا يصلحان لإثبات مثل هذا الحكم المخالف للضوابط من وجوه لا تسمع بعد الحكم بصحتهما و كثرة العامل بهما و ان ابان مما اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فلا ينافيه الطعن في مذهبه مع عملهم بمضمون حديثة الذي لم اعثر على متوقف فيه ممن يعتني بقوله فليس لطرحهما وجه قوي و دعوى ان الراجح جعله من الوقف المنقطع الآخر حسبما قرره شيخنا (رحمه اللّه)" فهو على القول بصحة الوقف المنقطع في غاية الجودة لكن يلزمه التصرف بالخبرين المرقومين بلا برهان يصح لذلك لظهورهما في الارثية و ان لم يرجع و لا مسته الحاجة إلى العود حتى مات الموجب لبقاء الصدقة على حالها. نعم، إذا فهم من النصّ عدم عوده ملكاً بعد الموت و دوامه وقفاً فلا محيص عمّا اختاره شيخنا لو صححنا الوقف المنقطع الآخر و لم نقل ببطلانه و انقلابه حبساً او اعطائه بالشرط حكمه ثمّ الشرط لو صحَّ فعوده إليه بتحققه من دون فسخ كما يقتضيه كلام المصنف ظاهراً و يحتمل ان الشرط إذا حصل سلطة على الفسخ لا انه بحصوله ينفسخ العقد بل يكون ذلك إلى اختياره كما هو الشأن في مطلق من له الخيار كما لو اشترط تسلطه على الفسخ عند الحاجة إليه، و في المسالك و لا يرد ان هذا العقد لا يقبل الخيار فإن هذا النوع من الخيار مستثنى بالنص و الفتوى دون غيره انتهى. و قال شيخنا (رحمه اللّه)" لم اعرف خلافاً في عدم جوازه عدا عبارة في محكى التحرير، لا ريب في شذوذها لمنافاته للزوم في الوقف على وجه لم يشرع فسخه اختياراً بوجه انتهى. فكأنه يرى ان اشتراط فسخه من الشروط المنافية لمقتضى عقده و عموم المؤمنون و الوقف تقضي بصحته لكن شيخنا جعل البطلان من المسلمات فهو مع ذلك عكس النقيض، و لو شرط اخراج من يريد ممن وقف عليه بطل الشرط و نقل الاتفاق عليه كل من حرر المسألة دون ما لو شرط ادخال من يولد مع الموقوف عليهم جاز سواء وقف على اولاده او على غيرهم و الفارق بينهما الإجماع و إلَّا فالعمومان لا تقتضي الفساد بل توجب الصحة و المخالفة لمقتضى العقد اول النزاع إذ لا فرق بين هذا الشرط و سائر الشروط و كون الموقوف عليه قد ملك بالوقف فالشرط المسلط للواقف على فسخ ما ملك مشكوك فيه فلا يزول الملك المنقول إليه بما يشك في كونه ناقلًا لا يسمع بعد صحة الشرط إلَّا ما نصَّ على خروجه بنقل او عقل قاطع لكن في النسخة المصححة إدخال من يولد ادخال من يريد مع اولاده او غيرهم لو وقف عليهم، و لعله لفحوى النصوص في المسألة الآتية فيختص الادخال مع من وقف عليهم مطلقاً بأولاده إلّا مطلق فلا وجه للتعدي عنه إلى من يريد بل و لا إلى غير اولاده ممن سيوجد مضافاً إلى ما ورد في خبر إلى ظاهر البلالي المروي عن اكمال الدين العالي السند قال: كتب جعفر بن حمدان و عرض على السرداب اني استحللت بجارية حتى قال: ولي ضيعة قد كنت قبل ان تصير إلى هذه المرأة سبلتها على وصاياي و على سائر ولدي على ان الأمر في الزيادة و النقصان فيه إليّ ايام حياتي و قد اتت بهذا الولد فلم ألحقه بالوقف المتقدم المؤيد و اوصيت ان حدث لي حدث الموت ان يجري عليه ما دام صغيراً فإن كبر اعطى من هذه الضيعة حمله مائتي دينار غير مريد و لا يكون له و لا لعقبه بعد اعطاء ذلك في الوقف شي‌ء فرأيك اعزك اللّه تعالى، فردَّ جوابها منه (عليه السلام) (

أما الرجل الذي استحل بالجارية إلى ان قال (عليه السلام) و أما اعطائه المائتي دينار و اخراجه من الوقف بالمال ماله فعل به ما اراد

)، و في الدروس ابطل اشتراط إدخال من يريد في ظاهر كلامه لكن مطلقاً و مثله في محكى المبسوط و نحوهما المصنف إلَّا ادخال من يولد للخبر المذكور و فحوى النصوص الآتية فلا وقع حينئذٍ لما في المسالك و غيره من نسبة العموم في المسألتين للكتاب فإن ظاهره‌

38

خروج ذلك بنصه و بطلانه في غيره. نعم، لو كان مستنده بعدم منافاة هذا الشرط لمقتضى العقد توجه عليه ان اشتراط من يريد ادخاله في معناه و اضعف لأنه قد لا يريد فيبقى الوقف على اصله فإذا جاز ادخال من سيولد او يوجد جاز ادخال من يريد و من لا يريد و لطولب بالفرق بين المسألتين، إذ لو فرض سلطنة الادخال و الاخراج إليه على وجه يكون اصل الوقف بيده دخولًا و خروجاً فالمتجه البطلان فيهما لرجوعه إلى اشتراط أصل السببية بيده و الفرض انه سبب شرعي متى وجد اثر اثره و لو فرض ان الارادة تصلح لأن يكون وصفاً لدخول الموقوف عليه فكذا لخروجه من دون فرق فيدخل و يخرج من اتصف بها من غير ادخال و اخراج منه فإنه بهذه الملاحظة لا فرق بين المسألتين إلَّا بدعوى عدم صلاحية الارادة وصفاً للموقوف عليه و هو غير مسلم. نعم، ربما علل بعضهم البطلان في الثانية ان ذلك يقتضي نقصان حصة الموقوف عليه فيكون ابطالًا للوقف في ذلك البعض فينافي العقد المملك لجميعها، و لكنه موهون بالنقض بإدخال كل معدوم تابع للموجود و بأن العقد لما تضمن الشرط لم يكن للموقوف عليه حق إلَّا ما طابقه و بأن الوقف حق لازم في حق الموقوف عليه في الجملة و انما المختلف الحصة و ذلك غير فادح كما لو وقف على بطون تزيد تارة و تنقص اخرى و سيجي‌ء ما ينفع هنا لكن المتجه البطلان في المسألتين إلَّا المستثنى للنص و ان صحَّ مطلق الشرط في الوقف فلولا الاتفاق الذي يكشف عن الدليل الخاص لكان الأوفق الصحة.

و أما لو شرط نقله عن الموقوف عليهم إلى من سيوجد لم يجز و بطل الوقف فكذلك لنفي الخلاف أو الاجماع المحكى عن الشيخ لما سبق من مخالفته لمقتضى العقد إذ بناء الوقف على اللزوم، فإذا شرط نقله كان خلاف مقتضاه فيبطل هو و شرطه و في القواعد على اشكال و الدروس الأقرب جوازه و تذكرة الفقهاء لو قال هذا وقف على اولادي سنة ثمّ على المساكين صحَّ اجماعاً. نعم، في جامع المقاصد بعد حكمه بالبطلان فرق بين هذه المسألة و ما قبلها و بين اناطة الوقف بصفة في الموقوف عليهم مثل الفقر و غيره بل الوقف في الثاني يدور مدار الفقر وجوداً و عدماً، فإذا قال على فقراء اولادي و غيرهم فالوقف ليس على الأولاد بل على الفقراء منهم، و متى زال الفقراء انتفى الموقوف عليه منهم فكان هذا جارياً مجرى موتهم و عدمهم بخلاف ما إذا ثبت الوقف لهم و شرط نقله عنهم كما نحن فيه فإن ذلك ابطال للوقف باختياره و تحقيق الحال ان عموم الوقف ان اقتضى الدوام نافاه كل شرط يوجب الانقطاع فيخصص دليل صحة الشرط فيه بما لا ينافي الدوام و صحة قضى بعدمه في بعض المقامات ان قيل به فهو خارج بدليله و ان كان عقد الوقف لا يقتضي الدوام إلى انتهاء الموقوف عليه بانتهاء عينه بل يمكن نقله و انقطاعه فلا ينافي عقده كل شرط اشترط فيه سوى ما يحيله العقل و لو بواسطة الشرع مثل ان يخرجه عن ملكه و يكون اختياره بيده و غير ذلك و حيث تنوّعت الشروط فيه بين ما يصح منها و ما لا يصح، فالمرجع في مقام الشك أما إلى اصالة عدم الصحة و أما إلى اطلاق ادلة الوقف و الشرط و الرجوع إلى الثاني حيث لا يدخل شي‌ء منها في عنوان المخصص المعلوم تخصيصه لها فإن دخل اتجه بطلان الشرط لأن اندراجه في العام ليس بأولى من اندراجه في عموم المخصص و الأقوى الوقوف على القدر المتيقن من الشروط السائغة حيث لا ميزان عندنا بينما ينافي عقد الوقف و عدمه فللتوقف في صحته مجال، لكن شيخنا (رحمه اللّه)" جعل المدار في البطلان حيث يشترط الواقف الإدخال و الإخراج و النقل و يكون ذلك إلى اختياره و حكم بأن مثل هذا الشرط منافٍ لمقتضى العقد و جعل مناط الصحة على اشتراط الدخول و الخروج و الانتقال الذي هو المعنى المصدري في المسائل الثلاث، و بذلك جمع بين اجماعي الشيخ و تذكرة الفقهاء ردّاً على الرياض باختلاف موردهما و هو التفات‌

39

حسن و امر مستحسن، انما الاشكال في الشرط الذي يحتمل الأمرين معاً فهل الأصل فيه الصحة أو البطلان و ترجيح جانب الفساد اوفق بالضوابط الشرعية فما اختاره المصنف كأنه الأوجه و اللّه الهادي.

ثمّ انه قد اتضح مما مرَّ عليك ذكره انه لو وقف على احد كأولاده و غيرهم ثمّ أيده بالبطون المتعاقبة فهو القدر المتيقن من صحة الوقف و لزومه و عدم ادخال غير الموقوف عليهم في كل طبقة فيهم إلَّا إذا شرط على النحو الذي قرع سمعك، لكن مع ذلك قد قيل و حكى عن الشيخ في النهاية إذا وقف على اولاده الأصاغر و قيل و قبض عنهم و أيّده على الوجه المشروع جاز ان يشترك معهم غيرهم من اولاده و غيرهم، و ان لم يشترط و جوّزه القاضي ايضاً لا مطلقاً بل مع عدم ظهور ارادة الاختصاص منه ظهوراً بينا و مستندهم ظهور بعض النصوص بذلك كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) (

في الرجل يجعل لولده شيئاً و هم صغار ثمّ يبدو له و يجعل معهم غيرهم من ولده، قال: لا بأس

)، و رواية محمد بن سهيل عن ابيه سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) (

عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله ثمّ يبدو له بعد ذلك ان يدخل معه غيره من ولده، قال: لا بأس به

)، و صحيحة بن يقطين المشتمل صدرها على ذلك قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) (

عن الرجل يتصدّق على ولده ببعض ماله ثمّ يبدو له بعد ذلك ان يدخل معه غيره من ولده، قال: لا بأس بذلك

) الخبر، و رواية علي بن جعفر (عليه السلام)" عن اخيه المروي في قرب الاسناد سأله (

عن رجل تصدق على ولده بصدقة ثمّ بدا له ان يدخل غيره فيه مع ولده أ يصح ذلك، قال (عليه السلام) نعم يصنع الوالد بمال ولده ما أحب

)، و نوقش فيها بعدم الوثوق بسند اكثرها من جهة اشتماله على ما طعن به و اختلال دلالتها لاشتمالها على الصدقة و الجعل و هو غير الوقف أو على ارادة الغرم عليه دون وقوعه و انصراف الاطلاق إلى فاقد القيد المراد منه عدم الاقباض او عدم بيان المتصدق به و قال شيخنا (رحمه اللّه) انها غير مختصة بدعوى القائل من تشريك خصوص من يتجدد من الأولاد انتهى.

فالدليل أعم من المدّعي و هو ان اراد به ما نقله المصنف (رحمه اللّه)" فليس في عبارته اشارة إلى ارادة الأخص بل ظاهر غيرهم الاطلاق في كلامه المنسوب الى القبل، و ان اراد ان غيره صرّح بالخصوصية في كلام الشيخ الذي حكاه المصنف (رحمه اللّه)" فيحتاج إلى المراجعة، و لعل الكتاب نقل قول الشيخ و غيره فلا يتم ما اورد شيخنا (رحمه اللّه)" و على أي حال ان لم يشترط الواقف التشريك فليس بمعتمد ان يجوز له ذلك مع الاطلاق عند الأكثر و المصنف منهم لأعراض المعظم من هذه النصوص اولا و لمنافاته قاعدة الاسباب و لمعارضتها بالنصوص المستفيضة من عدم جواز الرجوع فيما كان لله و التشريك رجوع، و بذيل رواية بن يقطين حيث عطف على قول الامام (عليه السلام) لا بأس بذلك، (

و عن الرجل يتصدق ببعض ماله على بعض ولده و بيّنه لهم أ له ان يدخل معهم من ولده غيرهم بعد ان ابانهم بصدقة قال: ليس له ذلك إلَّا ان يشترط انه من ولده فهو مثل من تصدق عليه فذلك له

)، و رواية جميل بن درّاج قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) (

رجل يتصدق على ولده بصدقة و هم صغار أ له ان يرجع فيها، قال (عليه السلام) لا، الصدقة لله

) إلى آخره، فيلزم التصرف في النصوص السابقة بأن تحمل على غير الوقف المبحوث عنه و تقيد بذيل خبر بن يقطين و دراج لعدم الفرق بين سؤاليه في احدهما حتى أجاب بنفي البأس في الصدر، و بعدم الجواز في الذيل فما هو إلَّا بالتقييد و خبر قرب الاسناد مسوّق لبيان حقوق الوالد على الولد و السلطنة على ماله على حدّ انت و مالك لأبيك، فلا بد من حمل‌

40

الصدقة فيه على غير الوقف اللازم مما يقبل التشريك الحاصل من الوالد و لو بسبب آخر، لكن في المسالك ان خبر بن دراج لا يعارض لأن المفروض المشاركة و هو ينفي الرجوع، و صحيحة علي بن يقطين يمكن التوفيق بين الصدر و الذيل فيها بأمرين قال احدهما ان يكون في الثاني قد شرط قصره على الأولين كما يشعر به قوله بعد ان ابانهم و يحمل الأول على ما لو لم يشترط ذلك كما يدل عليه اطلاقه فيكون ذلك كقول القاضي و الثاني حمل النفي في الثاني على الكراهة جمعاً انتهى.

و استوجه التأويل الأول ثمّ استظهر من لفظ الصدقة و الوقف و ان كان مشتركاً فكأنه يرجح قول القاضي و استغرب شيخنا (رحمه اللّه)" من المسالك ذلك بأنه منافٍ للاستثناء الظاهر في الاتصال في الخبر المزبور و بعيد من لفظ الإبانة و التبيين و هو وجيه و محتمل إلَّا ان الذوق السليم يرجّح جمع المسالك من جهة اشتمال الذيل على الشرط الذي ينبه ان الرجل بين لهم اني وقفته عليكم لا غير فكان المستثنى على تقدير عدم البيان فتدبر.

ثمّ ان الظاهر ان ما يجوز الوقف عليه ابتداءً من الاوصاف الرذيلة إذا عرض ذلك بعد الوقف لا يخلُ بصحة الوقف و لا بلزومه و يظهر من المفيد (رحمه اللّه)" الخروج من الوقف بعروضه و المحكى عنه ان الوقف صدقه فلا يستحقه من لا يستحقها، فلو عرض في الموقوف عليه كفراً و فسق بحيث يستعان بذلك المال عليها جاز حينئذٍ للواقف التغيير و نفي البعد عنه المختلف مع حدوث المانع، أما لو كان حاصلًا حال الوقف فلا و هذا التفصيل عارٍ عن الوجه بعد لزوم الوقف و لا دليل على جواز نقضه و تغييره. نعم، يشكل ذلك فيما لو عرض في الموقوف عليه ما يمنع من الوقف عليه ابتداءً فهل يعتبر في استدامته ما يعتبر في ابتداءه أم لا، و هل يجري ذلك في غيره من الصدقات أم لا؟، مقتضى وجوب الوفاء بالعقد و استصحاب بقاءه يوجب عدم بطلانه و مقتضى تبدل موضوع الموقوف عليه الملحوظ للواقف يقتضي انفساخه كظهور العيب في المبيع قبل القبض، أو كعيوب السنة في المقبوض الموجب لفسخ العقد فعدمه هو شرط ضمني لدوام الوقف، و متى حصل بطل الوقف و رجع إلى الواقف، لكن الأول اوفق بالأصول و الثاني أحوط و إلى هنا تمَّ ان عموم الوقوف يقتضي اشتراط كل شرط سائغ لا يمنع منه مانع في الوقف مثل ان لا يؤجره اكثر من سنة و لا يؤجره نسيئة و ان يعمره بالنماء و لا يوقع عقداً إلا بعد تمام الأول و لا يسلم حتى يقبض و ان يسكن الموقوف عليهم بعد عمارة العين من نمائها و ان يخرج من نماء الوقف على الجهة أو على مخصوص مبين كأولاده أو اخوته أو غيرهم و ما تعاقب منهم و من سواهم بعدهم ربعاً أو اكثر لغايات آخر تنفع الواقف كعبادة او زيارة او صرف في عزاء الحسين (عليه السلام)" أو غيره من الأئمة (عليهم السلام)" او لفاتحه او لضيف أو لغير ذلك، ثمّ يصرف الباقي في الموقوف عليهم او يشاركون و له ان يشترط تقديم هذه المصارف على الصرف في الموقوف عليهم، فإن زاد من المنفعة شي‌ء دفع إليهم و هكذا لكن لنا في بعض ما صححنا شرطيته تأمل لمنافاته لتمليك الموقوف عليه و إلَّا عاد في بعض الصور إلى انه يبقى موقوفاً مسلوب المنفعة إلى الابد و لا شك في منافاته للتمليك بعقده و حينئذٍ لو أجر العين الذي يريد وقفها قبل ان يوقف مدة تزيد على عمر من يوقفه عليه من الطبقة الأولى او يشترط صرف نماءه في أمور مندوبة بحيث لا ينتفع الموقوف عليه بثمرته إلَّا بعد انقراض طبقة منهم أو اكثر فعندي في صحة الوقف كذلك اشكال و لعل يأتي لذلك مزيد بيان بتوفيق الحجة (عجل اللّه فرجه) فتستريح من زلة القلم و القدم و اللّه المعين. و القبض كالقبول معتبر في الموقوف عليه.

41

أولًا: من دون اشكال حتى فيما وقف على الجهة العامة كذا من تجدد بعد القبض من يشارك في الوقف و ان لم يقبض و يسقط اعتبار ذلك في بقية الطبقات بلا شبهة و لا خلاف لقيام الدليل على ان قبض الأولى قبض من الجميع كقبض الحاكم للموقوف على الجهة، لا لأن قبضهم لو اشترط كان العقد جائزاً و هو منافٍ للزومه لمنعه بإمكان كونه يؤول إلى انه منقطع الآخر لو لم تقبض الأخرى لكنه يتم باختيار ان الانقطاع يبطل الوقف و قد حكم بدوامه كما سبق، و منه يعلم انه لو وقف على الفقراء و على اضرابهم من الفقهاء و النحاة و غيرهم، فلا بد من نصب قيم يقبض الوقف لاشتراطه في مطلقة و لا يمكن قبض الجميع إلَّا نادراً و أقل الجمع لا يجدي و لو انحصروا في ثلاثة او اكثر بحيث يمكن قبضهم أو وقفه على عدد مخصوص منهم لكن على البدل، فالظاهر انه يتعيّن و لا يفيد نصب القيم، إذ هم كغيرهم من الموقوف عليه المنحصر لكن لم أقف على استثنائهم فلعلهم طرد و الحكم لدليله او وكّلوه على غيره ممن يتعين ان يقبض و النصب المرقوم يشمل بظاهر اطلاقه نصب الحاكم للقيم لأنه مرجع الأمور العامة فإن لم يقبض هو نصب غيره لذلك فإن تعذّر وجوده أو الوصول إليه أو إلى وكيله المطلق ان صحَّ التوكيل في مثله يقوم عدول المؤمنين مقامه و يستأنس له بما دلَّ على ان قبض الحاكم للزكاة قبضاً عن الفقراء و موجباً لبراءة ذمة الدافع دون قبض بعض من يجوز له الدفع منها فإنه ليس بقبض عن الجميع بل يجزي بمقدار ما قبض، و لا ريب ان ذلك من مناصب الحاكم لا المشكوكة ليجري فيها اصالة عدم توليه لذلك لكن ظاهر المتن كصريح آخرين ان للواقف ايضاً نصب قيّم للقبض حتى مع وجود الحاكم و مع تعذره و تعذّر وكيله يختص النصب بالواقف و محل نصبه قبل ايقاع الصيغة، لو قيل بفوريته و إلَّا فيجوز قبله و بعده و ربما استند بعضهم على ذلك بما في التوقيع السابق من قوله (عليه السلام) (

فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيماً عليها

)، و بما في صحيح صفوان المتقدم من قوله (عليه السلام) (

ان كان أوقفها لولده و لغيرهم ثمّ يجعل لها قيماً لم يكن له ان يرجع فيها

) إلى آخره، و نوقش فيهما بأن القيم في التوقيع الناظر الذي يقوم بحراستها و يجي‌ء خراجها للناحية، و بأن مثل هذا الوقف في خبر صفوان لا يحتاج إلى القبض لعدم تعرضه لقبضهم أو للقبض عنهم و القيم بحاقه لا يجدي بالنسبة إليهم فلا يظهر من النصين ان للواقف هذه الوظيفة باعتبار كونه واقفاً، و ان كان له اشتراط الناظر على وقفه في عقده لعموم المؤمنون و هو غير قابض الوقف لكن بعد ما عرفت شرطية القبض في عقد الوقف و سلطنة الواقف عليه قبل وقفه لا تكاد تشك ان له هذه الوظيفة اثرى لو شرط في العقد ان يحصل القبض في فرد مخصوص من حكّام الشرع ان يقبض لا تجوز مخالفته للعموم المزبور، فما جاز اشتراطه له جاز نصب القيم عليه من قبله قبل الوقف و بعده و لا يمنع اسعار الخبرين بذلك. نعم، لا يتعين له ذلك بل يكفي قبض الحاكم مطلقاً فليلحظ.

42

و أما لو كان الوقف على مصلحة عامة كالرباط و الخان و القنطرة كفى ايقاع الوقف عن اشتراط القبول عند مشترطة و كان القبض إلى الناظر في تلك المصلحة فهو ايقاع في المفروض لا عقد لا يحتاج إلى القبول بعد فرض، انه جزء العقد لكن الالتزام بذلك مما يخالف ظاهر الاصحاب فلا بد من قبول الحاكم المنصوب لهذه المصالح بعد تعذر الموقوف عليه و كون التعذر يسقط جزئيته فيجعله ايقاعاً لا معنى له.

و أما القبض فإن ظهر من دليل جعل الناظر و تشريعه في الوقف ان كل ما يعتبر في الوقف له التولية عليه، فلا معنى إذاً للفرق بين القبول و القبض و لا وجد لسقوطه دونه و ان لم يظهر من دليله ذلك كان القبض و القبول ليس من وظيفته، و إنما الثابت في حقه التولي لما يصلح الوقف و ايصال ما يلزم ايصاله من ثمرته إلى الموقوف عليه و لو كانت الجهة و الرجوع منهما إلى الحاكم أقوى فلا يسقط الأول و لا يلزم أو يصحح الوقف الثاني.

نعم، لو شرط في عقد الوقف ان يكون الناظر هو القابض بناء على صحة مثل هذا الشرط لعموم المؤمنون لزم ان يكون هو القابض.

و لو وقف مسجد صحَّ الوقف و لو صلى فيه واحد هو او غيره، و كذا لو وقف مقبرة تصير وقفاً بالدفن فيها و لو واحد و قيده بعضهم بأذن الواقف لأن الاقباض له و هو شرط صحة القبض و ان يقعا بنية القبض المأذون فيه من الواقف لاحتياج تشخيص ذلك إلى القصد حتى في قبض الموقوف عليه المنفرد، و هذا الحكم مشهور بين الاصحاب لكنه عارٍ عن النص أو لم نظفر به فالأحرى الرجوع إلى الحاكم فيه و هو الأسلم، و لو صرف الناس في الصلاة في المسجد أو في الدفن و لم يتلفظ بالوقف لم يخرج بصوفه عن ملكه، و كذا لو تلفظ بالعقد و لم يقبضه لأن الخروج عن الملك تحتاج إلى سبب ناقل و ليس ما ذكر من النواقل الذي يلحقه بالعقد المخصوص و لم يرد فيه شي‌ء من النصوص و لا يعمّه دليل تشريع المعاطاة و نبّه المصنف به على خلاف غيرنا حيث قالوا به للسيرة و إلَّا فالحكم لا يوجب بسط المقال فلا تتحقق المسجدية و يترتب عليها الاحكام إلَّا بما ذكر فكلما شكَّ في مسجديته و عدمها حكم بالعدم فيه كالجدار و ما فوقه و تحته و لا يكون مسجداً في الخراج قبل عمارته بأذن الوالي الذي له التقبيل و إذا انتفت الآثار رجع إلى اصله.

النظر الثالث: في اللواحق

و في مسائل:

المسألة الأولى: الوقف الخاص و العام على معين من المسلمين و غيرهم أو على جميعهم

و لو من حيث وقفه على الجهة فإنه متى صحَّ بأن جمع الشرائط و فقد الموانع لا ريب في انه ينتقل من الواقف المالك له قبله إلى ملك الموقوف عليه عيناً و منفعة على المشهور بل المتفق عليه إذ هو قسم من الصدقات، و لأن فائدة الملك موجودة فيه من استحقاق نمائه و ضمانه بالمثل و القيمة في التلف لغير الواقف و إلى اللّه تعالى فينحصر بالموقوف عليه و لأجله كان للموقوف عليه حق الشفعة لو كان الملك مشتركاً في قول وجيه، و المنع من البيع لا ينافيه لعدم انحصار سلطنة المالك بالتسلط على بيعه و لا ملازمة شرعاً بين البيع و الملك فقد يملك الانسان ما يبيعه و ما لا يبيعه و اسباب عدم بيع المملوك شرعاً فوق حدّ الاحصاء كالصغر و السفه الذي ليس للمالك بيع ما يملكه مطلقاً و كما في بيع أم الولد التي لم تخرج عن الملك ثمّ انه قد يمتنع بيعه، و قد يصح بيعه على وجه يأتي بيانه فيتخاصمه الموقوف عليهم و ينفرد‌

43

بأخذ ثمنه لو انفرد من وقف عليه حيث لا يمكن الاستبدال اجماعاً، بل و مع امكانه على الاشهر كل ذلك معلوم لا ينبغي الاطالة فيه، و عليه فلو وقف حصته من عبد لغيره فيه نصيب أو كان غير مشترك ثمّ اعتقه لم يصح العتق لا للشخص و لا للجميع لخروجه بالوقف عن ملكه.

و أما لو اعتقه الموقوف عليه لم يصح ايضاً لأن حبس العين مأخوذ في حقيقة الوقف على وجه لا تتغير بسبب مطلقاً و لو كان غير اختياري و فسخه بالشفعة مما تثبت فيه الشفعة لو وقفه المشتري حيث يكون للشريك الشفعة فهو لتعلق حق الشفيع به قبل الوقف أو لخروجه بدليله، و لتعلق حق البطون به الذي يلزم مراعاتهم بعدم تغييره.

و أما لو اعتقه الشريك مضى العتق في حصته لعدم المانع له من العتق و كون الباقي موقوفاً لا يمنع لأن الناس مسلطون على أموالهم، لكن لم يقوم عليه في الحصة الموقوفة و ان كانت مملوكة للموقوف عليه لما عرفت من اقتضاء الوقف الدوام و عدم التغيير و بقاء العين على ما هي عليه و لأن العتق لا ينفذ مباشرة في العبد الموقوف، فالأولى ان لا ينفذ سراية فكيف يسري في الحصة الموقوفة فتقوم على العاتق مع ان الموقوف عليه لا يمكنه وقفها و ان ملك لما قدمناه و الحال ان العتق اقوى من السراية مباشرة لخلو الثاني عن الواسطة و احتياج الأول إليها، أو لأن السراية من فروع المباشرة و توابعها فإذا لم يؤثر المتبوع فالتابع أولى هذا، و لكن يمكن القول بالسراية، و يلزم ذلك من القول بانتقاله إلى الموقوف عليهم و عليه يلزمهم انفكاكه من الرق و سراية العتق و تغريم العاتق القيمة و يملكهم إياها و تسلطهم على صرفها او شراء المثل بها و وقفه على ما يأتي وشيكاً، و حينئذٍ يفرق بين العتق مباشرة و بينه لأنه و ان كان من فروعه، لكن شرطه منتفٍ فإن العتق مباشرة يتوقف على انحصار الملك في المباشر أو فيه و في شريكه و حق البطون اللاحقة توجب عدم الانحصار هنا، و ليس كذلك افتكاكه فانه ازالة للرق شرعاً فلا يتوقف على انحصار الملك إذ هو فك قهري لعموم من اعتق شخصاً من عبد و له مال قوم عليه الباقي، فيسري العتق حينئذٍ باقية و ان كان موقوفاً و يضمن الشريك القيمة لأنه يجري مجرى الاتلاف المضمون به القيمة في مطلق الوقف، و مع ذلك كله فيه للمصنف و غيره تردد حتى على القول بأنه ملك لله تعالى، أو للواقف لعموم دليل سراية العتق و لأن المانع لو منع في الجميع و ليس المانع من السراية إلَّا ظهور ادلة الوقف في بقاء عينه فلا تؤثر في تغيرها الاسباب الاختيارية مطلقاً الموجبة للنقل كالبيع و الهبة و لا القهرية كالإرث، ثمّ ان سراية العتق على خلاف الأصل جزماً فيعتبر فيما اتفق عليه دون ما نحن فيه و يكفي في عدم عموم دليله عدم السراية في بعض افراده فقد توقف بعضهم في عتق العبد المرهون بعضه من الشريك أو الراهن فكان الموقوف عليه يملك منفعة العين ملكاً مستقراً تامّاً و يملك العين ملكاً يتعلق فيه لغيره حق فلا يجوز تغييره بما يذهب به شأنية يملك الغير.

نعم، لو حكمنا ادلة السراية على ما قضى ببقاء الوقف على حالته لزم افتكاك العبد و الغرامة جزماً و الحكومة ممنوعة لا اقل من المعارضة و عدم رجحان الدليلين على الآخر فيتساقطان و المرجع اصالة عدم السراية. نعم، يبقى الاشكال في الوقف المنقطع بناء على انه قسم من الوقف و الظاهر الموافق للقواعد ان سبيله سبيل العبد المملوك منافعه بإجارة و نحوها فيسري العتق و يغرم الشريك القيمة، و يملك الموقوف عليه المنفعة إلى حين الانقطاع و لا يغرم العاتق منافع العبد إلى زمن انقطاعه لإمكان الجمع بين العتق و ملكية المنافع مع احتمال غرامته لها للموقوف عليه لأن المنافع ملكت بالوقف فإذا زال انتفى سبب يملكها من حيث‌

44

التبعية، و لا يقاس بالإجارة التي هي لنقل المنفعة فإذا عتق لا يزيل عتقه تملك منفعته و وجه عدم الغرامة ان الوقف اقتضى أمرين فإذا ارتفع احدهما و هو يملك العين لا يرفع الآخر فتبقى منفعته مملوكة إلى حين الانقطاع و لا يجري ذلك في غير المنقطع لعدم الثمرة في عتقه حينئذٍ بعد ان يكون منفعته مملوكه إلى موته فالمحكم المحتمل.

المسألة الثانية: إذا وقف عبد مملوكاً كانت نفقته في كسبه

شرط ذلك أم لم يشترط لتوقف بقائه على الكسب فيلزمه ذلك كلزوم عمارة العين الموقوفة من غلتها و ان كان وقفه على الجهة بل فيها ابده، إذ الغرض من الوقف انتفاع الموقوف عليه المتوقف على النفقة و كان الواقف شرطها عليه كالأجير الخاص و العبد و المهايا من مالكه كذا قيل، و لكن لو عجز عن الاكتساب كان نفقته على الموقوف عليهم كما لو نكّل و انعتق فإن نفقته على المالك، و لو قيل في المسألتين على القول بانتقاله للموقوف عليه أو مطلقاً كذلك عليهم النفقة لا عليه كان اشبه لأن نفقة المملوك يلزم المالك حيث يقال بملكيته للموقوف عليه و يلزم الواقف أو بيت المال على القول ببقائه على ملك الواقف أو رجوعه لله تعالى و على الصدقات ان وقف على غير محصور، أو على الجهة و يحتمل لزوم الانفاق على من ينتفع به منهم معيناً و لا ريب في الحكم إذ لا دليل على ان الانفاق الواجب من المال المزبور، و كذا العقار إذا لم يشترط و هو واضح، و لو صار مقعداً بدون تنكيل انعتق عندنا فيسقط عنه الخدمة لزمانته و عن مولاه نفقته لحريته عن غير التنكيل و إلَّا لزمه الانفاق عليه كما يلزمه حسبه لو توقف احيائه على الانفاق و لم يجد منفقاً و لو بالسؤال و في الفرق بين انعتاقه قهراً بالزمان و عدمه في السراية ناقل في الدليل قوة و ضعفاً و إلَّا فيجري فيه ما سبق.

المسألة الثالثة: لو جنى العبد الموقوف عمداً

لزمه القصاص بلا خلاف فإن كونه موقوفاً و ان اقتضى ابقاء عينه لكن لا ريب في حكومة أدلة القصاص على ادلته و حينئذٍ فإن كانت دون النفس بقي الباقي وقفاً لعدم المزيل إلَّا ان يدخل في مفهوم التنكيل و ان كان بحق و ان كانت نفساً اقتص منه، و بطل الوقف قبل القصاص لأجله لا لانتفاء موضوعه به كما ذكره شيخنا (رحمه اللّه)" إذ لا يعد الموت أبطأ لا للوقف و ليس للمجني عليه استرقاقه لامتناع عوده إلى الملك و استحسن المسالك تبعاً لجامع المقاصد التخيير لثبوته في غير الموقوف و هو قياس من حيث ان أدلة الوقف تعين القتل و تمنع من التملك كمنع الردة من التوبة الرافعة للقتل و لم تثبت الأولوية ليؤخذ بها.

و أما ان كانت الجناية خطأ تعلقت بمال الموقوف عليه مطلق القول بالانتقال إليه، و قيل في المحكي عن المبسوط يتعلق المال بكسبه لأن المولى لا يعقل عبداً و لا يجوز اهدار الجناية لما فيه من الظلم، و لا طريق إلى عتقه فيتوقع فهو إذاً أشبه فيملك المجني عليه منافعه حتى يستوفي و ان كان وقفاً و المنافع كذلك و ان كانت من مال المولى لكن حيث توقف عليها استيفاء حق آخر انتقلت منه إليه فلا يقال ان ما يحوزه بالكسب من مال المولى و المولى لا يعقل عبداً بل منافعه انتقلت بالجناية إلى المجنى عليه جمعاً بين عدم تغيير الوقف و عدم سقوط حق الجناية، و أما غير الكسوب فإن كان له منفعة يستوفيها الموقوف عليه تقابل بالعوض استوفاها الغريم حتى تنهى أرش جنايته و إلَّا جاز بيعه كما يجوز بيع مطلق الوقف العاري عن الانتفاع فإن لم يمكن اتجه عتقه دفعاً لدليل الضرر الحاكم على سائر الأدلة و حينئذٍ لم يتجه ما اورده شيخنا في المقام على المصنف و ما احتمله غيره هنا لعدم الدليل عليها.

45

و أما لو جنى عليه و ان اوجبت الجناية ارشاً بأن كانت خطأ أو كان الجاني حراً ففي المبسوط و الايضاح و التحرير و القواعد و التبصرة و هنا قال: فللموجدين من الموقوف عليهم لشبهه بالمنافع المستحقة لهم دون من بعدهم.

و أما ان كانت نفساً توجب القصاص فإليهم ايضاً لأنهم المالكون، و ان اوجبت دية أخذت من الجاني و هل يقام بها مقامه إذا وفت بمثله او زادت، قيل: نعم، و اختاره جماعة لأن الدية عوض رقبته، و هي ملك البطون فلا يملكها الموجودون ملكاً تامّاً فيلحق القيمة حكم العين و قالوا به ايضاً في الوقف الذي يجوز بيعه و لأن حق الوقف اولى من حق الرهن الذي يتعلق بالقيمة، و قيل لا بل يكون للموجودين من الموقوف عليهم و هو اشبه لأن الدية عوض المنافع المرتفعة بالجناية، و لأن الوقف لم يتناول القيمة فليس للاستبدل وجه يوافق الأصول إذ لو تناولها لكانت وقفاً و الشراء بها مثله و وقفه لا قاضي به و البدلية المعنوية استحسان لا يثبت حكماً و لعدم البلوى او قلته في هذه المسألة اعرضنا عمّا اطنبوا فيها و فرعوا عليها.

المسألة الرابعة: إذا وقف في سبيل اللّه تعالى انصرف إلى ما يكون وصله إلى الثواب إذا لم يظهر من الواقف

و لو بقرينة حال او مقال ارادة فرد بخصوصه و إلَّا تساوت الأفراد التي توجب الثواب كالغزاة و الحج و العمرة و بناء المساجد و الخانات و القناطر و الزوار للنبي(ص) و الأئمة (عليهم السلام)" و غير ذلك.

أما لو كانت المصلحة أكثر ثواباً بنظر المتولي فهل يتعين تقديمها عليه لموافقته ظاهر لغرض الواقف لو عرض عليه الإحرام لا فتتساوى افراد ما يحصل به الثواب الارجح الثاني، لأن المناط تحصيل الثواب الكلي الساري في افراده حيث لا قرينة على التعيين و ما ذكر من القرينة لا تصلح للتعين و هو المشهور و ذهب الشيخ إلى قسمته اثلاثاً بين الغزاة المطوعة و الحج و العمرة و ابن حمزة إلى اختصاصه بالمجاهدين و لعل نظرهما إلى ترجيح ما ذكرنا لا إلى المفهوم عرفاً، فلا وقع لجعل قولهما مخالفاً و الرد عليهما بما ذكره شيخنا، و كذا لو قال في سبيل اللّه و سبيل الثواب و سبيل الخير كان واحداً و صرف في أي ثواب يكون كما نبهنا، و لا يجب قسمة الفائدة أثلاثاً بين الغزاة و الحج و العمرة الذي هو سبيل اللّه و بين الفقراء و المساكين الذي هو سبيل الثواب و بين ارباب الزكاة الذي هو سبيل الخير لعدم انصراف اللفظ إلى ذلك لكن الشيخ حكم بتثليثه على النحو المرقوم فإن كان لعثوره على نص يفي به اتبع، و ان كان لظهور اللفظ عرفاً بذلك فممنوع.

المسألة الخامسة: إذا كان له موال من أعلى و هم المعتقون له مباشرة أو من جهة ارث ولاء العتق،

و موالٍ من اسفل و هم الذين اعتقهم أو المنهي له ولاء عتقهم ثمّ وقف على مواليه فإن علم انه اراد احدهما من أي طريق كان و يلحقه الظن المعتبر انصرف الوقف إليه جزماً، و منه ما لو كان الموجود الأعلى منهم أو الأسفل بلا اشكال و لا خلاف و ان لم يعلم، و قلنا بكون لفظه مشتركاً بينهما و امكن معلومية قصده منه أو من غيره يلزم ذلك لتوقف معرفة الموقوف عليه عليه، و ان تعذّر و قلنا باشتراكه المعنوي أو يجوز استعمال المشترك اللفظي في أكثر من معنى في الجمع أو مطلقه، انصرف الوقف إليهما و لو نفى الاشتراك المعنوي في الموالي و لم نجوز استعمال اللفظي منه في أكثر من معنى مطلقاً، فالأوفق بطلان الوقف لجهالة الموقوف عليه أو استخراجه بالقرعة في رأي و مثله ما لو وقف عين ماء من عيونه على معين أو في جهة خاصة أو بلفظ الجمع مع اضافة البعض حيث لا انصراف و لا قرينة و لا يكفي تعيين الوارث في المعين و لا الحاكم في الجهة بل يرجع إلى المتفاهم العرفي و إلَّا تبطل، هذا ما تقتضيه الضوابط. و في المسألة حكايات يعز صرف الوقت فيها.

46

المسألة السادسة: لو وقف على اولاد اولاده و أبدا الوقف بانتقاله إلى ان يرث اللّه الأرض،

اشترك أولاد البنين و البنات في القول المشهور من غير تفصيل لظهور اتحادهم فيه لأنه من التولد العام لهما إلَّا ان يكون عرف الواقف على خلافه فيكون الموقوف عليه احدهما و يصدق في قصده إذا ادعى ارادة أي الفردين و لا ينافيه انه اقرار في حق الغير لقضيّة من ملك شيئاً ملك الإقرار به التي لا يخصصها عموم اقرار العقلاء على انفسهم و دخول ذو الرأسين بهم غير بعيد لدخوله بالأولاد جزماً و الخنثى المشكل كذلك، و ان كانت طبقة مستقلة بخلاف ما لو وقفه على البنين خاصة أو على البنات كذلك أو عليهما فقد قيل بخروج الخناثى من الوقف لخروجهم عن الصنفين المذكورين في آية [يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً .. إلى آخره] إلَّا إذا استخرج احدهما بالعلامة المعتبرة فإن تعذّر ذلك جرى فيها ما ذكر في الإرث من أخذ نصف النصيبين بناء على ان المستفاد من تلك الأدلة اعطاء قاعدة و هي استحقاق الخنثى نصف المصيبين في كل ما يعطي للأولاد مطلقاً بإرث أو نذر أو هبة أو وصية أو وقف أو غيرها، و لو من الحبوة لو كانت الأكبر، لكن الدروس استوجه في الوقف على البنين فقط أو البنات كذلك القرعة لأنها لا تخرج في حقيقة الأمر عن احدهما فتميزها القرعة و هو وجيه حيث نوى حجيتها لكن يلزمه انه لو انكشف بالعلامات غير ما اخرجته القرعة بعد دفع الثمرة إليها، فهل ينتقض ذلك من حينه أو من أصله فيرجع الموقوف عليه عليها بالزائد أو لا ينتقض تحكيماً لأدلة القرعة على العلامة أو المتيقن من تشريعها حيث لا علامة و هل تجري في ذلك مسئلة الإجزاء فكل على رأيه، او لا دخل للغرامة بالإجزاء الذي يرفع الاثم لا انه ينقل مال الغير لغير صاحبه فالضمان و القول بالإجزاء لا يتنافيان ينبغي التأمل فيما تقتضيه الأصول الشرعية في ذلك، ثمّ لو لم نعتبر حجية القرعة في التشخيص في غير ما دلَّ الدليل على اعتبارها فيه و رجعنا إلى العمل بالأصول فقد قيل انها متعارضة إذ أصالة عدم الاستحقاق معارض بأصالة عدم اختصاص غيرها به و لا مناص إلَّا القرعة و على فرض عدم اعتبارها يعزل النصيب حتى يتبين الحال أو يرجع فيه إلى الحاكم فيرى رأيه فيه.

و لو قيل بعدم تعارض الأصول إذ الاستحقاق في غيرها متيقن و هو يكفي في أخذ المال و أصالة عدم الاختصاص بعد فرض عدم شمول العام لها لا يترتب عليه أثر شرعي لكي يعارض، و ليس هناك علماً اجمالياً بالشراكة ليقطع الاستحقاق المعلوم فأصالة عدم الاستحقاق بحالها حتى يثبت الاستحقاق لها بمثبته.

لكن شيخنا (رحمه اللّه)" جعل تعارض الأصول هنا مفروغاً منه رزقنا اللّه الوصول إلى فهم ما ألتفت إليه، و في الرياض المراد بأولاد الأولاد المحكوم بدخولهم هو اولادهم في الطبقة الأولى بلا واسطة أو اولاد اولاده الذكور منهم دون الأناث مطلقاً لكونهم اولاد أولاد حقيقة اجماعاً.

أما لو أراد أولاد أولاد الاناث من الدرجة الثانية و الثالثة و هكذا ففي شمول التعامل لهم مناقشة، ان قلنا بالمشهور من ان اولاد البنات ليسوا بأولاد حقيقة فإن اولاد بنات اولاد الواقف ليسوا حقيقة بأولاد لأولاده على هذا التقدير انتهى.

و ردّه شيخنا (رحمه اللّه)" بأن المقصود اندراج أولاد البنين و البنات في الدرجة الأولى في أولاد الأولاد تصدق الولد على الذكر و الأنثى لا بيان دخول اولاد اولاد الذكور و الاناث من الدرجة الثانية و الثالثة و هكذا، إلى ان قال: لاختصاص الوقف على اولاده و اولاد اولاده بالبطنين بلا خلاف، لدعوى الانصراف عرفاً فلا وجه لأحتمال ارادتهم هنا انتهى. و هو كذلك غير ان الرياض انما ناقش في شمول التعليل و هو صدق اولاد الأولاد على الذكور و الاناث لو‌

47

قصدهم الواقف فنازلًا في انه يشمل اولاد بنات الأولاد أم لا، لا انه يقول لو وقفه على اولاد اولاده و ثم ساقه لغيرهم يستفاد منه جميع الطبقات و ان لم يصرّح بالنزول فيدخل فيهم حينئذٍ اولاد بنات الأولاد أم لا، فنحن بوادٍ و العذول بوادي.

و أما لو قال لمن انتسب إلى منهم لم يدخل اولاد البنات على المشهور لعدم صدق الانتساب عرفاً على ما قيل و ان صدق عليهم التولد فإن اولاد البنت ينسبون إلى ابيهم لا إلى امهم و كذلك في الخمس لأن عنوانه القبيلة المنتسبة إلى هاشم و هي لا تعم اولاد البنات فالحكم لا شك فيه و ان تردد به البعض، و لو وقف على اولاده او اولاد غيره، انصرف إلى اولاده لصلبه حيث يطلق و لا قرينة، و لم يدخل معهم اولاد الأولاد في قول شائع و المخالف معدود، و قيل محكياً عن المفيد و في النهاية و المهذب و البصائر و اللمعة و التحرير يشترك الجميع لصدق الولد عليهم حقيقة، و الأول أظهر لأصالة عدم المشاركة أو الانتقال إلى اولاد الأولاد مع الانسياق عرفاً فيشك في دخولهم بقصد الواقف و ما يشك في انه مقصود و غير مقصود فهو غير مقصود حتى يعلم قصده و لذا لا يستهجن قوله بطناً بعد بطن و ليس هو كقوله صغيراً أو كبيراً في انه للتوضيح عرفاً و في الوصية أظهر فلا ينافيه ان اطلاقه عليهم حقيقة لمعلومية اختلاف افراد المتواطئ و رجوعه إلى انسياق بعض افراد المطلق عند الاطلاق و عليه تحمل قراءة النصب ليعقوب في قوله تعالى: [وَ وَصّٰى بِهٰا إِبْرٰاهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ] إذا العطف يقتضي المفادة و ان احتمل انه للعناية بيعقوب كما هو في عطف جبريل على الملائكة في قوله تعالى: [مَنْ كٰانَ عَدُوًّا .. إلى آخره] فهو خلاف ظاهر العطف و خصَّ جبريل بالذكر من حيث هبوطه إلى النبيين و معرفة الناس به أكثر من غيره من الملائكة كعطف ابليس على الجن و هو منهم إلَّا ان الانصاف ان اطلاق الأولاد عليهم و ان نزلوا شائع لا ينكر في الكتاب و السنة لكن ذلك كالوقف على المسلمين من الامامي أو غيره فلا يدخل الامامي في الثاني و لا الثاني في الأول للشك في قصد الواقف العموم و هو يكفي في العدم لا لأن ولد الوالد لا يفهم من اطلاق الولد، إذ لعله يمنع بما ذكرنا بل للشمول وجه يخرج على القواعد، و لو قال: على اولادي و اولاد اولادي اختص بالبطنين لما تقدم من الشك في شموله لمن نزل منهم، و مثله ما لو قال على اولادي فإذا انقرضوا و انقرض اولاد الأولاد فعلى الفقراء فالوقف للأولاد لما ذكر من انسياقه للذهن أو عدم اطلاقه عليهم حقيقة فيحتاج للقرينة فإذا انقرضوا و لم يبقَ من البطن الأول احد، قيل و الحاكي له الشيخ فيصرف إلى اولاد الأولاد، فإذا انقرضوا فإلى الفقراء صوناً للكلام عن اللغوية و الدروس استقواه تبعاً للمفيد و عن غاية المراد قال عملًا بالظاهر و القرينة المقالية بجعل ذلك المجاز وارداً مورد اللفظ و لا شك ان عطف الانقراض على الانقراض مشعر بذلك و إلَّا كان الوقف منقطعاً و الوقف شأنه الدوام انتهى. فكأنه يميل إليه و قيل لا يصرف إلى اولاد اولاده لأن الوقف لم يتناولهم كما سبق لكن يكون انقراضهم و ان نزلوا و البطن الثاني فقط شرطاً لصرفه إلى الفقراء و هو اشبه حيث لا نرى صحة قول المفيد و ننفي الاشعار الذي ادّعاه غاية المراد و نصحح وقف منقطع الوسط و ركن القائل كالمصنف إلى عدم دلالة اللفظ المزبور على دخولهم في الوقف بأحد الدلالات إذ لا تلازم بين اشتراط انقراضهم و انه وقف عليهم و إلَّا لاقتضى اشتراكهم مع آبائهم لا ترتبهم عليهم و اعتبار الدوام لا يكون قرينة على ما لا يظهر من اللفظ و لا على الترتب و مجرّد العطف لا يفيد الدخول فضلًا عن ان يفيد عدمه لأحتمال خوف خراب الوقف منهم، و لذا اشترط فقدهم كما لو قال وقفته على حاكم البلد فإذا‌

48

مات و فنوا اعدائي فعلى الفقراء إذ لا اشكال في عدم دخول اعدائه في الوقف و لا نسلم قيام القرينة على الخروج في المثال دون السابق لاتّحاد الاشعار إلَّا على قول المفيد الموجب للاشتراك لا الترتيب و نقل عن الخصم عدم القول به لكن على هذا يخلو ذكرهم عن الفائدة و ما قيل من كون فائدة ذكرهم ثانياً لفائدة بيان وقت استحقاق الفقراء فيكون في قوة تعبيد اطلاق الأولاد الشامل للبطون المرتبة أبداً بالبطنين الأولين إذ لولاه لسري الوقف في اعقابهم جميعاً و لم يختص بالبطنين كما وقع لشيخنا (رحمه اللّه)" لكنه لم يصل إلى فهم ان ذكرهم كيف يكون قرينة على الاختصاص بعد شمول لفظ الاولاد لما نزل ذكوراً و اناثاً و كيف يكون ذكر الأولاد و الانقراض هنا يقتضيان التخصيص و لا قرينة دون سائر المقامات بل الداعي لذكورهم رفع توهم اختصاص الوقف بآبائهم و ان شملهم لفظ الاولاد إذ لا اشكال في كونه من الفرد الخفي في المطلق و العام على فرض الشمول و فائدته فائدة التوكيد لكن يرجح عندنا البطلان لانقطاع الوقف فلو صححناه في منقطع الآخر فما كان لنقوله في منقطع الوسط و لو عممنا الرد صحَّ ذلك.

المسألة السابعة: لو وقف مسجداً فيما يملكه من الارض ملكاً تامّاً مستقراً

و لو بلحوق الإجازة بعد الوقف في وجه فخرّب او خرّبت القرية أو المحلة فعطّل لم يعد إلى ملك الواقف بالخراب و التعطيل، و لا تخرج العرصة عن الوقف و لا تنتفي المسجدية إذ لم يبقَ من آثارها غيرها إذ هي المناط فيه و لم نعثر على مخالف منّا بذلك. نعم، يبطل الوقف حيث يكون المسجد في الأراضي الخراجية حيث لم يبقَ للآثار شي‌ء بعد منها و ان كانت الآثار من ترابها للإجماع و النصوص المتظافرة على ان عرصتها مجرّدة عن العمارة لا توقف و لا ترهن و لا توهب بل و يلحقها الانفال في وجه و استثناء المسجد منها لا دليل عليه و السيرة المدعاة على ذلك بعد عدم حجتها في نفسها ممنوعة لعدم الوثوق بكشفها عن رأي الإمام أو عن نصّ خاص يوجب الاطمئنان بالاستثناء. نعم، قد يدّعي ذلك في المسجد الحرام و الكوفة لما ورد فيه بالخصوص دون غيرهما بل قيل في المحرم ان النبي(ص) لما اراد زيارة البيت و استمهلوه أهل مكة إلى العام القابل صالحهم على الدخول إليه بما اشترطه فقبلوا ذلك في خصوصه لا مطلق مكة المشرفة فيكون الحرم من الأرض المصالح عليها بخصوصه و الحاصل استثناء المسجدين من مطلق الأرض الخراجية كأنه لا شبهة فيه و لا يقاس الباقي عليها و ان استهجن كدية الاصابع.

لكن شيخنا (رحمه اللّه)" يلوح منه اجراء حكم المسجديّة عليها بعد زوال الآثار و عدم عود العرصة للمسلمين لابتنائها على الدوام فكيف يلتئم هذا مع قوله يكون ارض السواد من الفتوح عنوة المحددة بموصل و عبادان و القادسية و منتهى جبال حلوان طولًا و عرضاً، و انها جميعاً عامرة حين الفتح و انها ملك للمسلمين قاطبة و ليست المسجدية من النواقل الاختيارية و لا القهرية و لو لا الرخصة في انها تملك تبعاً لآثار التصرف و توقف كذلك لمنعنا مطلق ملكيتها بأذن الحاكم الشرعي أو المتغلب فراجع ما ذكره (رحمه اللّه)" في البيع و الرهن.

نعم، سمعت ممن لا يهتم عن جدنا كاشف الغطاء (رحمه اللّه)" انه أفتى في ايران بجواز بيع الارض الخراجية فيما يعود نفعه إلى المسلمين كافة لا مطلقة كالمسجد و المقبرة و القنطرة و الخان و انه فعل ذلك و قال: ينتفع بثمنها و تعود رقبتها إلى ما كانت عليه فهو يرى استثناء ذلك من حرمة بيعها، و عليه فلا اشكال في بقاء العرصة وقفاً لكن يلزم البائع ان يشترط على المشتري ذلك كبيع أم الولد في الدين، و إذا اطلق ايضاً لا يصح إلَّا فيما ذكر و هو حسن ان فهم من دليل خاص يقتضي به و إلَّا فلا يسلم لأنه اعتباري بنا عليه، و حينئذٍ تعود إلى الواقف‌

49

العرصة بعد الخراب إذا كانت مسجداً و ان قلنا بأنه لو أخذ السيل ميتاً و يأس منه كان الكفن للورثة فإنه كالعرصة في الخروج عن ملك الورثة ثمّ عوده إليهم و غيرنا جزم بالعود فقياسه على المثال لجامع تعذر المصرف في الموضعين و ضعفه ظاهر إذ الكفن لم يخرج عن ملك الورثة غايته يلزمهم التكفين به و صرفه في ذلك كمصرف النفقة الواجبة فإنها مملوكة للمنفق و ان وجب صرفها في المستحق فليس الورثة إلَّا كأخذ الكفن من الزكاة او الوقف أو باذله فلا كلام في عوده لها إذا تعذر المصرف، و كذا لو حكمنا بأن ما يوازي الكفن من التركة على حكم مال الميت لكن لا بد من قصده على احتياج الميت إليه لا مطلقاً و إلَّا عاد للورثة.

المسألة الثامنة: إذا انهدمت الدار الموقوفة و عادت خراباً

لم تخرج العرصة عن الوقف و لم يجز بيعها و ان محيت آثار العمارة كلها فضلًا عن بقاء ما لا يعتد به منها بغير خلاف و لا اشكال في الدائم و المنقطع قبل انقراض أهله على القول بصحته لعمومات الوقف و لاقتضائه التأبيد و لعدم الوفاء بالعقد، و لأن الخراب لا يصح لنقض الوقف و ابطاله و جواز بيعه لأن من شرائط البيع تملك البائع للعين ملكاً مستقراً يوجب سلطنته على نقله عنه و ذلك غير موجود في الوقف و لأن العرصة داخلة في العين الموقوفة و هي باقية فلا يبطل وقفها ذهاب ما فيها من الموقوف و يكفي فيه عموم الوقوف في الخبر، و رواية بن راشد عن ابي الحسن (عليه السلام) (

لا يجوز شراء الوقف و لا تدخل الغلة في ملكك

) إلى آخره، لكن شيخنا (رحمه اللّه)" نفى الريب في الحكم مقيداً بما لو كان متعلق الوقف نفس العرصة و ان قارن حين الوقف كونها مشغولة بعمارة من دار أو حانوت أو حديقة أو غيرها، فلا يجوز بيعها حينئذٍ كما لا يتعين الانتفاع بها بالفرد الخاص سواء الموجود حال الوقف أو غيره إلَّا مع الشرط.

نعم، ان يبدلها الموقوف عليها عمّا كانت عليه حال الوقف اختياراً و به افتى في تذكرة الفقهاء، فلو تعذر الاستمرار ارتاد اقرب الاوصاف، إلى ان قال (رحمه اللّه)" ما نصه: ان ذكر الدار يقع على وجوه:

احدها: وقفها ما دامت داراً فانهدمت فالظاهر كونها من منقطع الآخر.

ثانيها: وقفها داراً على معنى انه ينتفع بها داراً و ظاهر ان وقفها كذلك ما دامت صالحة لذلك و ان انهدمت. نعم، إذا خرجت عن قابلية ذلك على وجه لا يرجى عودها أمكن القول ببطلان وقفها.

ثالثها: وقف الدار على معنى التسبيل فنفتها كائنة ما كانت و ان قارن كونها داراً حين الوقف، و الظاهر بقاء وقفها بل يجوز تغييرها اختياراً.

و رابعها: وقفها داراً و علم ارادة دوام اصل الوقف منه فاتفق انهدامها و الظاهر عدم جواز تغييرها اختياراً و لكن إذا انهدمت جاز الانتفاع بها على غير وجه الدراية إلَّا مع التصريح انتهى.

و هو تحقيق عجيب لأن وقوع الدار أو البستان مفعولًا لوقفت دون وقوع العرصة مفعولًا لا يورث ملاحظة عنوانها، إذ انعدام العنوان لا يوجب بطلان الوقف لأنه ان اريد بالعنوان متعلق الوقف الواقع مفعولًا لوقفت فلا ريب في كونه كبعت هذه الدار أو وهبتها فإن التمليك المعلّق بعنوان لا يدور جزماً مدار العنوان إذ الدار لو ملك فقد ملك منه كل جزء خارجي، و ان لم يكن ضمن العنوان و ليس التمليك من قبيل الاحكام الجعلية المتعلقة بالعنوانات و ان اريد بالعنوان شي‌ء آخر فهو خارج عن المصطلح و لا بد من بيان المراد منه هل يراد ما اشترط لفظاً أو ما اشترط قصداً في الموضوع زيادة على عنوانه ثمّ كيف يستكشف من اطلاق وقفت هذه الدار ملاحظة ما ذكره من الوجوه فإذا كان نفس الاسم باعثاً على انقطاع الوقف او‌

50

بطلانه عند تغيّره و تبدله لظهور ملاحظة الدارية للواقف حيث جعل متعلق الوقف داراً، فإذا زال الاسم بطل الوقف أو انقطع لم يبقَ لنا وقف نحكم بصحته و دوامه إلَّا نذراً و هو كما ترى فليس للعنوان في الوقف أثر بل لو صرّح بالشرط، فأما ان يخرج عن ملكه او لا مع الأول كيف يعود له، و على الثاني كيف يكون وقفاً و الحاصل ان هذا التحقيق مما يرجع أمره إليه لأن عقولنا لم تصل إلى فهمه. نعم، مخالفة العنوان حيث يلحظ للواقف اختيار تقتضي المعصية و الإثم و العصيان، و يجب على الناظر أو الحاكم جبر الموقوف عليه على ردّه على حسب ما لحظه لأنه تزول به وقفيته إذا خولف الواقف فلو قال: وقفتُ الدال و أبّده لكن شرط وقفه ما دام داراً فإن تغير بنفسه أو غيره الموقوف عليه رجع ملكاً فالوقف باطل اجماعاً إذ لا تأييد فيه لا انه يكون منقطعاً و تمام الكلام ان الانقطاع و عدمه يلحظ بالنسبة إلى الموقوف عليه لا الموقوف فإنه لا يلحظ فيه في الدائم إلّا دوامه بدوام الموقوف عليه بحيث ان الموقوف عليه لا يفنى قبله.

و أما العناوين قصدت أو لم تقصد لا يترتب عليها أثر. نعم، لو شرطت في العقد لوحظ الشرط فإن كان مفسداً فسد العقد من اصله و إلَّا لا اثر له هذا و قد سدَّ باب بيع الوقف جماعة منهم الحلي في البصائر كما سلف.

لكن ذهب المصنف و الفاضل و جماعة انه لو وقع بين الموقوف عليهم خلف يخشى خرابة جاز بيعه و الأصل فيه ما روته الثلاثة في الأربعة بطرق اكثرها صحيح علي بن مهزيار قال كتبت إلى ابي جعفر (عليه السلام)" الثاني: (

فلاناً ابتاع ضيعة فأوقفها و جعل لكَ في الوقف الخمس و سأل عن رأيك في بيع حصتك من الأرض أو تقويمها على نفسه بما اشتراها أو يدعها موقوفة، فكتب إلي: أعلم فلاناً اني آمره ان يبيع حصتي من الضيعة و ايصال ثمن ذلك إلي و ان ذلك رأيي ان شاء اللّه تعالى أو يقومها على نفسه ان ذلك ارفق له

)، و كتبت إليه (

ان رجلًا ذكر ان بين من وقف عليهم هذه الضيعة اختلافاً شديداً، و إنه ليس يأمن ان يتفاقم ذلك بينهم بعده فإن كان ترى ان يبيع هذا الوقف و يدفع لكل إنسان منهم ما وقف له من ذلك امرته، فكتب إليَّ بخطه: و اعلمه اني ارى له ان كان قد علم الاختلاف ما بين اصحاب الوقف ان يبيع الوقف

) فإنه ربما جاء في الاختلاف تلف الانفس و الأموال و هذا هو العمدة في القول بالجواز و لأجله و فهمه ذهب كل إلى كل مذهب و تفضيله بمحله، و لو لم يقع خلف و لا خشي خرابة بل كان البيع انفع لهم قيل يجوز البيع، لرواية علي بن جعفر بن حيان (

عن رجل وقف غلة له على قرابته من أبيه و قرابته من أمه فللورثة ان يبيعوا الأرض إذا احتاجوا و لم يكفهم ما يخرج من الغلة قال: نعم، إذا رضي كلهم و كان البيع خيراً لهم باعوا

) و مال إلى العمل بها الشهيد و الشيخ علي و الوجه المنع لجهالة الراوي عند الاصحاب فالعمل بخبره ضعيف كما في المسالك و القول فيه سلف.

و لو انقلعت نخلة من الوقف قيل يجوز بيعها لتعذر الانتفاع إلَّا بالبيع، و قيل لا يجوز لإمكان الانتفاع بالإجارة للتسقيف و شبهه و هو اشبه إلَّا في الخلف بين الارباب فينعكس الأشبه كما سبق و خالف بن ادريس و هو منقرض لو حمل كلام الشيخ (رحمه اللّه)" على عدم ارادة مطلق الانتفاعات في التعذر و انما المصحح للبيع زوال المنفعة الموجودة حتى الوقف لأنها الملحوظة للواقف و ان بقي لها منافع أُخر و إلَّا فالخلاف لفظي كما في المختلف و شيخنا بناء على اصله السابق استقوى حمل عبارة الشيخ (رحمه اللّه)" على ان الواقف لاحظ الانتفاع الخاص فقيد الوقف به فبذهابه لا وقف فيجوز البيع، قال: و إليه يرجع ما ذكرنا في البيع من أنه متى جعل الواقف‌