رجال الكشي مع تعليقات الميرداماد - ج2

- أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي المزيد...
486 /
418

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و صلى اللّه على محمد و آله الاكرمين و سلم تسليما 313- محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن محمد، قال: حدثني محمد ابن أحمد، عن محمد بن موسى الهمداني، عن منصور بن العباس، عن مروك بن عبيد، عمن رواه، عن زيد الشحام، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما وجدت أحدا اخذ بقولي و أطاع أمري و حذا حذو أصحاب آبائي غير رجلين رحمهما اللّه: عبد اللّه ابن ابي يعفور و حمران بن أعين، اما انهما مؤمنان خالصان من شيعتنا، أسماؤهم عندنا في كتاب أصحاب اليمين الذي أعطى اللّه محمدا.

314- علي بن محمد، قال: حدثني محمد بن موسى، عن محمد بن خالد، عن مروك بن عبيد، عمن أخبره عن هشام بن الحكم، قال: سمعته يقول: حمران مؤمن لا يرتد أبدا، ثم قال: نعم الشفيع أنا و آبائي لحمران بن أعين يوم القيامة، نأخذ بيده و لا نزايله حتى ندخل الجنة جميعا.

419

في بكير بن أعين

315- حدثني حمدويه، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن الفضيل و ابراهيم ابني محمد الاشعريين، قالا: ان أبا عبد اللّه (عليه السلام) لما بلغه وفاه بكير بن أعين، قال: أما و اللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه و بين امير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما).

316- محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن الحسن، عن أبيه، عن ابراهيم بن محمد الاشعرى، عن عبيد بن زرارة.

و الحسن بن جهم بن بكير، عن عمه عبد اللّه بن بكير، عن عبيد بن زرارة، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فذكر بكير بن أعين (1) فقال: رحم اللّه بكيرا و قد فعل فنظرت اليه و كنت يومئذ حديث السن، فقال: اني اقول (2) إن شاء اللّه.

____________

في بكير بن أعين

: فذكر بكير بن أعين فذكر على صيغة المعلوم، أي فذكر أبو عبد اللّه (عليه السلام) بكير بن أعين فقال: رحم اللّه بكيرا.

أو على ما لم يسم فاعله، أي فذكر عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) بكير فقال (عليه السلام) رحم اللّه بكيرا و قد فعل، أي و قد رحمه فانه مرحوم مغفور لا محالة بايمان و ايقانه و هداه و تقواه.

أو هو شهادة منه (عليه السلام) بأن اللّه تعالى قد رحم بكيرا بما عنده (عليه السلام) من العلم الذي ورثه عن آبائه الصادقين باذن اللّه سبحانه.

قوله (ع): فقال انى أقول

«فقال» كلام أبي عبد اللّه (عليه السلام) و القائل بكير، و قوله «أني أقول إن شاء اللّه»‌

420

في بنى أعين: مالك و قعنب

317- قال علي بن الحسن بن فضال: قعنب بن أعين أخو حمران مرجئ.

(1)

318- حدثني حمدويه، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن الحسن ابن علي بن يقطين، قال: كان لهم غير زرارة و اخوته أخوان ليسا في شي‌ء من هذا الامر؛ مالك و قعنب.

في قيس بن رمانة

319- حمدويه و ابراهيم، قالا: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثني علي بن أسباط، عن قيس بن رمانة، قال: أتيت أبا جعفر (عليه السلام) فشكوت اليه الدين و خفة المال، قال، فقال: أيت قبر النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فاشكو اليه وعد إلي.

قال: فذهبت ففعلت الذي أمرني، ثم رجعت اليه، فقال لي: ارفع المصلى

____________

يعني (عليه السلام) فنظرت ذات يوم الى بكير و كنت يومئذ حديث السن، فقال لي اني أقول إن شاء اللّه أي اني سأقول بك و بامامتك و أدين اللّه بولايتك و اتباعك إن شاء اللّه تعالى.

قلت: و انما قال ذلك لما قد كان مولانا الباقر (عليه السلام) أخبره بأن الامام بعده ابنه جعفر (عليه السلام)، و أنه يدرك زمانه و يقول بامامته و يدين اللّه تعالى بولايته و اتباعه.

في بنى أعين: مالك و قعنب

: قعنب بن أعين أخو حمران مرجئ «مرجئ» على صيغة المفعول: اما من المهموز، أو من الناقص، يعني أن قعنب بن أعين ليس هو من الموقنين و المتقنين و المستيقنين الذين يستوجبون الجنة بايقانهم و استيقانهم. بل أنه من الذين ذكرهم اللّه بقوله «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّٰهِ إِمّٰا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّٰا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ (1)»

____________

(1) سورة التوبة: 106

421

و خذ الذي تحته، قال: فرفعته فاذا تحته دنانير، فقلت: لا و اللّه جعلت فداك ما شكوت إليك لتعطيني شيئا، قال، فقال لي: خذها و لا تخبر أحد بحاجتك فيستخف بك، فأخذتها فاذا هى ثلاث مائة دينار.

في مفضل بن قيس بن رمانة

320- محمد بن ابراهيم العبيدي، عن مفضل بن قيس بن رمانة، قال دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فذكرت له بعض حالي، فقال يا جارية هاتي ذلك الكيس! هذه أربعمائة دينار وصلني أبو جعفر أبو الدوانيق بها، خذها فتفرّج بها، قال:

قلت جعلت فداك ما هذا دهري، (1) و لكني أحببت أن تدعو اللّه تعالى لي، قال، فقال:

اني سأفعل. و لكن اياك أن تعلم الناس بكل حالك فتهون عليهم.

321- محمد بن بشير، قال: حدثنا محمد بن عيسى، عن أبي أحمد و هو ابن أبي عمير، عن مفضل بن قيس بن رمانة، و كان خيارا.

322- حدثني طاهر بن عيسى، قال: حدثني جعفر بن أحمد، قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: أخبرني العباس بن عامر، عن مفضل بن قيس بن رمانة، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فشكوت اليه بعض حالي و سألته

____________

في مفضل بن قيس بن رمانة

: ما هذا دهرى أي ما هذا عادتي، أو ما هو قصدي و همتي.

فقد ذكر في القاموس: الدهر بمعنى العادة، و بمعنى الهمة، و بمعنى الغاية (1) و في النهاية الاثيرية: ما ذاك دهري، و ما دهري بكذا، أي همتي و ارادتي (2) و في مجمل اللغة: ما دهري كذا أي ما همتي.

____________

(1) القاموس: 2/ 33

(2) نهاية ابن الاثير: 2/ 144

422

الدعاء، فقال: يا جارية هاتي الكيس الذي وصلنا به أبو جعفر، فجاءت بكيس، فقال: هذا كيس فيه أربع مائة دينار فاستعن به.

قال قلت: لا و اللّه جعلت فداك ما أردت هذا، و لكن اردت الدعاء لي، فقال لي و لا ادع الدعاء، و لكن لا تخبر الناس بكل ما انت فيه فتهون عليهم.

323- حمدويه، قال: حدثنا محمد عيسى، عن ابن أبي عمير، عن مفضل بن قيس بن رمانة، قال: و كان خيرا، قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أن اصحابنا يختلفون في شي‌ء، و اقول: قولي فيها قول جعفر بن محمد، فقال: بهذا نزل جبريل.

قال أبو احمد: لو كان شاطرا (1) ما أخبرني على هذا الا بحقيقة.

في أبى جعفر الاحول محمد بن على بن النعمان مؤمن الطاق

324- مولى بجيلة و لقبه الناس شيطان الطاق، و ذلك أنهم شكوا في درهم فعرضوه عليه و كان صيرفيا فقال لهم: ستوق، (2) فقالوا: ما هو الا شيطان الطاق.

____________

قوله: قال أبو أحمد لو كان شاطرا

من الشطارة بمعنى الضلاعة و الجلادة. و الشاطر في أصل اللغة من أعيى أهله سوءا و خبثا و رداءة، فشاع تجريده عن ذلك و استعماله في كل متضلع بالامر متجلد فيه قد أعيى شركائه في الصناعة بضلاعته و جلادته.

يعني قال أبو أحمد- و هو ابن أبي عمير-: لو كان مفضل بن قيس شاطرا لأخبرني بالامر على التعيين و على الحقيقة، فكان يقول في مسألة كذا أقول كذا و أقول أنه قول جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).

في أبى جعفر الاحول

: فقال لهم: ستوق الستوق باهمال السين المفتوحة و تشديد التاء المثناة من فوق المضمومة‌

423

325- حمدويه بن نصير، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن النضر بن شعيب، عن أبان بن عثمان، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: زرارة و بريد بن معاوية و محمد بن مسلم و الاحول أحب الناس إلي أحياء و أمواتا، و لكنهم يجيئوني فيقولونني (1) لي فلا أجد بدا من أن أقول.

326- حمدويه، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، و يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي العباس البقباق، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: أربعة أحب الناس إلي أحياء و أمواتا، بريد بن معاوية العجلي، و زرارة بن أعين، و محمد ابن مسلم، و أبو جعفر الاحول، أحب الناس إلي أحياء و أمواتا.

____________

و القاف أخيرا.

قال في المغرب: ارداء من البهرج (1).

و في القاموس: الستوق كتنور و قدوس، و تستوق بضم التاءين زيف مبهرج ملبس بالفضة (2).

قوله (ع): و لكنهم يجيئوني فيقولوننى

أي و لكن الاربعة المذكورين يجيئوني بأقاويل استنكرها فيقولوني، بالتشديد من التقويل من باب التفعل للتعدية.

أي يحملونني على القول لهم أو فيهم، فلا أجد بدا من أن أقول. أو الضمير للناس لا لهم و هذا أظهر، أي و لكن الناس يجيئوني عنهم بمناكير فيقولونني و يحملونني على القول فيهم بما يسوءهم فلا أجد بدا من أن أقول.

و في كثير من النسخ «فيقولون لي» (3) مكان «فيقولونني» و هو تحريف.

____________

(1) المغرب: 1/ 242

(2) القاموس: 3/ 244

(3) كما في المطبوع من الرجال بجامعة مشهد.

424

327- حدثني محمد بن الحسن، قال: حدثني الحسن بن خرزاذ، عن موسى بن القاسم البجلي، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي خالد الكابلي، قال: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق و هو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة ازراره (1) و هو دائب يجيبهم و يسألونه، فدنوت منه فقلت ان أبا عبد اللّه نهانا عن الكلام فقال: أمرك أن تقول لي؟ فقلت: لا و لكنه أمرني أن لا اكلم أحدا.

قال: فاذهب فأطعه فيما أمرك، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بقصة صاحب الطاق و ما قلت له و قوله لي اذهب و أطعه فيما أمرك، فتبسم أبو عبد اللّه (عليه السلام) و قال: يا أبا خالد ان صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير و ينقض، و أنت ان قصوك لن تطير.

328- حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن يونس عن اسماعيل بن عبد الخالق، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ليلا فدخل عليه الاحول فدخل به من التذلل و الاستكانة أمر عظيم، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) مالك؟ و جعل يكلمه حتى سكن، ثم قال له: بما تخاصم الناس؟ قال: فأخبره بما يخاصم الناس؛

____________

قوله: قد قطع أهل المدينة ازرارة

«الازرار» بالفتح جمع زر القميص و الجبرية و غيرهما، بكسر الزاي و تشديد الراء. و قطع ازراه كناية عن اتعاب السؤال و المناظرين اياه لكثرتهم و تهجمهم عليه، و منهم من جذبه عن اليمين، و منهم من جذبه عن الشمال يسئلونه و يجيبهم.

«و هو دائب» مشدودة بالمناظرة و المجادلة و السؤال و الجواب، يقال: دأب في عمله يد أب من باب منع، دؤب بالضم فهو دائب، أي جد و تعب، فهو مجد تعبان.

و منه في التنزيل الكريم «وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دٰائِبَيْنِ» (1) اي مجدين في المسير غير منقطعين عن السير لتدبير الكائنات في عالم الكون و الفساد.

____________

(1) سورة ابراهيم: 33

425

و لم أحفظ منه ذلك، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) خاصمهم بكذا و كذا.

و ذكر أن مؤمن الطاق قيل له: ما الذي جرى بينك و بين زيد بن علي في محضر أبي عبد اللّه؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي بلغني أنك تزعم أن في آل محمد اماما مفترض الطاعة؟ قال: قلت نعم و كان أبوك علي بن الحسين أحدهم، فقال: و كيف و قد كان يؤتى بلقمة و هي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، (1) أ فترى (2) أنه كان يشفق علي من حر اللقمه و لا يشفق علي من حر النار؟ قال: قلت له كره أن يخبرك فتكفر، فلا يكون له فيك الشفاعة لا و للّه فيك المشية، (3) فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) أخذته من بين يديه و من خلفه فما تركت له مخرجا.

329- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني اسحاق بن محمد البصري، قال: حدثني أحمد بن صدقة الكاتب الانباري، عن أبي مالك الاحمسي، قال:

حدثني مؤمن الطاق و اسمه محمد بن علي بن النعمان أبو جعفر الاحول، قال:

كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل زيد بن علي فقال لي: يا محمد أنت الذي تزعم أن في آل محمد اماما مفترض الطاعة معروفا بعينه؟ قال: قلت نعم كان أبوك أحدهم.

قال: و يحك فما كان يمنعه من أن يقول لي فو اللّه لقد كان يؤتى بالطعام الحار فيقعدني على فخذه و يتناول البضعة (4) فيبردها ثم يلقمنيها،

____________

قوله: ثم يلقمنيها

يلقمنيها القاما من باب الافعال، أو يلقمنيها تلقيما من باب التفعيل.

قوله رضى اللّه تعالى عنه: أ فترى

على صيغة المجهول، أي أ فتظن.

قوله: (رحمه اللّه) لا و للّه فيك المشية

أي و لا للّه يصح فيك مشية في ادخالك الجنة.

قوله رضى اللّه تعالى عنه: و يتناول البضعة

بكسر الباء أي الشي‌ء اليسير من الطعام، و كذلك كل قطعة يسيرة من الشي‌ء‌

426

أ فتراه (1) كان يشفق علي من حر الطعام و لا يشفق علي من حر النار؟ قال: قلت كره أن يقول لك فتكفر، فيجب من اللّه عليك الوعيد، و لا يكون له فيك شفاعة، فتركك مرجئ فيك للّه المشية و له فيك الشفاعة.

قال: و قال أبو حنيفة لمؤمن الطاق: و قد مات جعفر بن محمد (عليه السلام): يا أبا جعفر ان امامك قد مات فقال أبو جعفر: لكن امامك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم.

330- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني أبو يعقوب اسحاق بن محمد البصري، قال: أخبرني أحمد بن صدقه، عن أبي مالك الاحمسى، قال: خرج

____________

فهي بضعة منه، و في العدد ما بين الثلاث و التسع بضع، و اما القطعة من اللحم فهي بضعة بالفتح.

قال ابن الاثير في النهاية: و في الحديث «فاطمة بضعة مني» البضعة بالفتح القطعة من اللحم، و منه الحديث «صلاة الجماعة تفضل صلاة الواحدة ببضع و عشرين درجة» البضع في العدد بالكسر، و قد يفتح، ما بين الثلاث الى التسع، و قيل:

ما بين الواحد الى العشرة، لأنه قطعة من العدد (1).

و قال الجوهري: تقول بضع سنين و بضعة عشر رجلا، فاذا جاوزت لفظ العشر [ذهب البضع] لا تقول بضع و عشرون (2).

و هذا يخالف ما جاء في الحديث.

قوله رضى اللّه تعالى عنه: أ فتراه

افتراه على ما لم يسم فاعله بمعنى الظن، و مفعولاه الضمير و الجملة الفعلية بعده، و المعنى أ فتظنه كان الخ.

____________

(1) نهاية ابن الاثير: 1/ 133

(2) الصحاح: 3/ 1186

427

الضحاك الشاري (1) بالكوفه، فحكم (2) و تسمى بإمرة المؤمنين: و دعا الناس الى نفسه، فأتاه مؤمن الطاق، فلما رأته الشراة وثبوا في وجهه، فقال لهم: جاع! (3) قال: فأتى به صاحبهم، فقال لهم مؤمن الطاق: أنا رجل على بصيره من ديني و سمعتك تصف

____________

قوله: الضحاك الشارى

الشاري واحد الشراة- بضم المعجمة و تخفيف الراء- و هم الخوارج لعنهم اللّه تعالى، سموا بذلك لقولهم: انا شرينا أنفسنا في طاعة اللّه، أي بعناها بالجنة.

عنوا بذلك قتل أنفسهم بكفرهم و بغيهم و خروجهم على أمير المؤمنين (عليه السلام) و عتوهم في المقاتلة، فتسميتهم بهذا الاسم من باب التهكم، كما في «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ»* (1) ثبتنا اللّه تعالى على جادة الحق في صراط المستقيم.

قوله: فحكم

بالتخفيف من الحكومة.

قوله: فقال لهم جاع (2)

بالجيم و العين المهملة المشددة و ربما يخفف.

و في طائفة من النسخ «جاخ» بتشديد الخاء المعجمة مكان العين، و قد يخفف و الجعجعة بالقوم الصياح بهم و التضيق عليهم.

في القاموس: جع فلانا رماه بالطين، و الجعجاع معركة الحرب و مناخ سوء لا يقر فيه صاحبه و الفحل الشديد الرغاء، و الجعجعة صوت الرحى و نحر الجزور و أصوات الجمال اذا اجتمعت، و تحريك الابل للإناخة، أو للنهوض و القعود على غير طمأنينة، و أسمع جعجعة و لا أرى طحنا يضرب للجبان يوعد و لا يوقع، و للبخيل يعد و لا ينجز، و تجعجع ضرب بنفسه الارض من وجع (3).

____________

(1) سورة آل عمران: 21 و سورة التوبة: 34 و سورة الانشقاق: 24.

(2) و في المطبوع من الرجال: جانح

(3) القاموس: 3/ 13

428

العدل فأحببت الدخول معك! فقال الضحاك لأصحابه: ان دخل هذا معكم نفعكم.

قال: ثم أقبل مؤمن الطاق على الضحاك، فقال: لم تبرأتم من علي بن أبي طالب و استحللتم قتله و قتاله؟ قال: لأنه حكم (1) في دين اللّه، قال: و كل من حكم في دين اللّه

____________

و فيه: جخ تحرك من مكان الى آخر، و برجله نسف بها التراب، و جخجخ كتم ما في نفسه و نادى و صاح و قال جخ جخ و دخل في معظم الشى‌ء و فلانا صرعه و الليل تراكم ظلامه و جخ بمعنى بخ (1).

و في مجمل اللغة: جخجخ الرجل اذا كتم ما في نفسه، و يقال: بل الجخجخة أن يهمر و لا يكون لكلامه جهة، و جخ الرجل اذا تحرك من مكان الى مكان، و في الحديث «كان اذا صلى جخ» و الجخجخة الصياح و النداء، و جخجخ فيهم أي صح بهم و ناد فيهم و تحول اليهم، و جخ اذا اضطجع و لزم الارض، و جخجخ جبن.

و الجعجعة صوت الرحى تقول: أسمع جعجعة و لا أرى طحنا، و الجعجاع مناخ السوء، و يقال: جعجعته اذا أزعجته، و منه كتاب ابن زياد الى ابن سعد لعنهما اللّه تعالى أن جعجع بالحسين (صلوات اللّه عليه).

و في النهاية الاثيرية: و الجعجاع أيضا المكان الضيق الخشن، و منه كتاب عبيد اللّه بن زياد الى عمر بن سعد: أن جعجع بالحسين و أصحابه، أي ضيق عليهم المكان (2).

و في صحاح الجوهري: يعني أحبسه و قال ابن الاعرابي: يعني ضيق عليه قال: و الجعجع و الجعجاع الموضع الضيق الخشن، و الجعجعة التضييق على الغريم في المطالبة (3).

قوله: لأنه حكم

بالتشديد من التحكيم.

____________

(1) القاموس. 1/ 258

(2) نهاية ابن الاثير: 1/ 274

(3) الصحاح: 3/ 1196

429

استحللتم قتله و قتاله و البراءة منه؟ قال. نعم، قال: فأخبرني عن الدين الذي جئت أناظرك عليه لا دخل معك فيه ان غلبت حجتي حجتك أو حجتك حجتي من يوقف المخطي، على خطائه و يحكم للمصيب بصوابه؟ فلا بد لنا من انسان يحكم بيننا.

قال: فاشار الضحاك الى رجل من أصحابه، فقال: هذا الحكم بيننا فهو عالم بالدين، قال: و قد حكمت هذا في الدين الذي جئت أنا أناظرك فيه؟ قال: نعم فاقبل مؤمن الطاق على اصحابه، فقال: ان هذا صاحبكم قد حكم في دين اللّه فشانكم به! فضربوا الضحاك بأسيافهم حتى سكت.

(1)

331- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني اسحاق بن محمد البصري قال: حدثني أحمد بن صدقة، عن ابي مالك الاحمسي، قال: كان رجل من الشراة يقدم المدينة في كل سنة، فكان يأتي أبا عبد اللّه (عليه السلام) فيودعه ما يحتاج اليه، فأتاه سنة من تلك السنين و عنده مؤمن الطاق و المجلس غاص باهله.

فقال الشاري: وددت اني رايت رجلا من اصحابك اكلمه؟ فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) لمؤمن الطاق: كلمه يا محمد، فكلمه فقطعه سائلا و مجيبا، فقال الشاري لأبي

____________

قوله: حتى سكت

يعني حتى مات. قال في القاموس: سكت مات (1).

قلت: و أصل ذلك أن السكوت يستعار للسكون، و يعبر عن الموت بالسكون لأنه أقرب لوازمه، كما يعبر بالحركة عن الحياة، لكونها أقرب لوازمها، و في التنزيل الكريم «وَ لَمّٰا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ (2)» أي سكن.

قال في الاساس: و من المجاز ضربته حتى أسكته و أسكت حركته (3).

____________

(1) القاموس: 1/ 150

(2) سورة الاعراف: 154

(3) أساس البلاغة: 302

430

عبد اللّه: ما ظننت ان في اصحابك احدا يحسن هكذا، (1) فقال ابو عبد اللّه: ان في اصحابي من هو اكثر من هذا، قال: فأعجبت مؤمن الطاق نفسه، (2) فقال: يا سيدى سررتك؟ قال: و اللّه لقد سررتني و اللّه لقد قطعته و اللّه لقد حصرته، و اللّه ما قلت من الحق حرفا واحدا، قال و كيف؟ قال لأنك تكلم على القياس، و القياس ليس من ديني.

332- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني الحسين بن اشكيب، قال:

حدثني الحسن بن الحسين، عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابي جعفر الاحول، قال، قال ابن أبي العوجاء مرة: أ ليس من صنع شيئا و أحدثه حتى يعلم أنه من صنعته فهو خالقه؟ (3) قال: بلى، فأجلني شهرا أو شهرين ثم تعال حتى أريك، قال: فحججت فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: أما انه قد هيأ لك شأنين (4)

____________

قوله: يحسن هكذا

من الاحسان بمعنى العلم، كما في «وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»* (1) و في: قيمة كل امرء ما يحسنه.

قوله: فاعجبت مؤمن الطاق نفسه

مؤمن الطاق بالنصب على المفعولية، و نفسه بالرفع على الفاعليه.

قوله: و هو خالقه

في بعض النسخ «فهو خالفه» بالفاء، و ذلك هو الأصحّ الاظهر.

و أما «و هو» بالواو كما في نسخ عديدة فللعطف.

و تقدير الكلام أن من صنع شيئا و أحدثه حتى يكون ذلك من المعلوم المستبين أ ليس يصح أن ذلك الشي‌ء من صنعته؟ و أ ليس هو خالقه؟.

قوله (ع): قد هيأ لك شأنين (2)

بتسكين الهمزة بين الشين المعجمة المفتوحة و النون على تثنية الشأن، و الشأن‌

____________

(1) سورة آل عمران: 134

(2) و في المطبوع من رجال الكشى: شاتين.

431

و هو جاء به معه (1) بعدة من اصحابه ثم يخرج لك الشانين قد امتلئا دودا، و يقول لك هذا الدود يحدث من فعلى، فقل له: ان كان من صنعك و انت احدثته فميز ذكوره من الاناث! فقال: هذه و اللّه ليست من ابزارك (2)

____________

ملتقى قبائل الرأس و العروق التى منها يجري الدمع الى العين قاله في مجمل اللغة.

و يعني بهما هنا جمجمتي الرأس.

قال في المغرب: شئون الرأس هو أصل القبائل و هي قطع الجمجمة، الواحد شان (1).

و قال: الجمجمة- بالضم- عظام الرأس، و يعبر بها عن الجملة (2).

قوله (ع): و هو جاء به معه (3)

ضمير هو المنفصل المرفوع، و ضمير معه المتصل المجرور لابن أبي العوجاء و الباء في «به» للتعدية و العائد لما قد هيأه، و باء «بعدة» بمعنى في للظريفة، أو بمعنى مع يعني: و هو- أي ابن أبي العوجاء- جاء إليك بما قد هيأه لك معه في عدة من أصحابه أو معهم.

قوله: من ابزارك

بفتح الهمزة و تسكين الموحدة قبل الزاي و الراء أخيرا جمع البزر، يقال:

بزرت القدر أي ألقيت فيها الابزار و التوابل و الأفاويه، و أبزار القول و أبازيره استعارة من توابل الطعام و أفاويه الناطف لبدائع الكلام و طرائفه و لطائفه.

قال في القاموس: البزر كل حب يبذر للنبات ج بزور و التابل و يكسر فيهما جمع أبزار و أبازير، و القاء الأبازير في القدر، و الابزاريون من المحدثين جماعة‌

____________

(1) المغرب: 1/ 273

(2) المغرب: 1/ 94

(3) و في المطبوع من الرجال: و هو جاء معه.

432

هذه التي حملتها الابل من الحجاز، (1) ثم قال (عليه السلام): و يقول لك أ ليس تزعم انه غني؟

فقل بلى، فيقول: أ يكون الغني عندك من المعقول (2) في وقت من الاوقات ليس عنده ذهب و لا فضة؟ فقل له نعم

____________

منهم محمد بن يحيى (1).

و في المغرب: البزر من الحب ما كان للبقل، و أما الناطف المبزر فهو الذي فيه الابازير و هي التوابل جمع أبزار بالفتح عن الجوهري (2).

و في أساس البلاغة: بزر برمتك و ألق فيها الابزار و الابازير، و تقول: اللحم المبزر أشهى، و النفس عليه أشرة و الا فهو بجزر السباع أشبه.

و من المجاز مثلي لا يخفى عليه أبا زيرك أي زياداتك في القول و وشاياتك، و قد بزر فلان كلامه و توابله، و منه قيل للرجل المريب: البازور (3) انتهى‌

قوله: هذه التى حملتها الابل من الحجاز

ترشيح للاستعارة، فحيث انه استعار لهذه الخرائد المونقات في الكلام الا بزار و التوابل، اورد شيئا من ملائمات الشبه بها، و هو حمل الابل اياها ترشيحا للمجاز.

قوله: من المعقول

المعقول هنا بمعنى العقل المصدر او الاسم، كالمعسور و الميسور في معنى العسر و اليسر. و في الحديث «لا يسقط الميسور بالمعسور» المصدران استعملا و اريد بهما معنى الفاعل اي اليسير و العسير على الفعيل بمعنى الفاعل.

يعني أ يكون في طريق العقل عندك ان الغني في وقت من الاوقات من ليس‌

____________

(1) القاموس: 1/ 371

(2) المغرب: 1/ 36 و الصحاح: 2/ 589.

(3) أساس البلاغة: 38

433

فانه سيقول لك كيف يكون هذا غنيا؟ فقل له ان كان الغنى عندك أن يكون الغني غنيا من فضته و ذهبه و تجارته فهذا كله مما يتعامل الناس به، فأي القياس أكثر و اولى بأن يقال غني من احدث الغنى فأغنى به الناس قبل ان يكون شي‌ء و هو وحده؟ او من افاد مالا (1) من هبة او صدقة او تجارة؟ قال، فقلت له ذلك، قال فقال و هذه و اللّه ليست من ابزارك هذه و اللّه مما تحملها الابل.

و قيل: انه دخل على ابي حنيفة يوما، فقال له ابو حنيفة: بلغني عنكم معشر

____________

عنده ذهب و لا فضة، و المصادر على صيغة اسم المفعول معدودة عندهم بالسماع.

قال المطرزي صاحب المعرب و المغرب في شرح مقامات الحريري: المعقول اسم للعقل كالمجلود و الميسور للجلادة و اليسر، و هي من جملة المصادر التي وردت على مثال اسم المفعول، و في المثل ما له حول و لا معقول، و يقولون: علم معقولا و عدم معقولا، و ينشد للراعي حتى اذا لم يتركوا لعظامه لحما و لا لفؤاده معقولا.

و قال الفيروزآبادي في القاموس: عقل يعقل عقلا و معقولا و عقل فهو عاقل (1).

و قال أحمد بن فارس في مجمل اللغة: العقل نقيض الجهل و رجل عاقل و عقول و المعقول العقل.

و أما الجوهري فقد قال في الصحاح: و قد عقل يعقل عقلا و معقولا أيضا و هو مصدر، و قال سيبويه: هو صفة و كان يقول: ان المصدر لا يأتي على وزن مفعول البتة و يتأول المعقول فيقول: كأنه عقل له شي‌ء، أو حبس و أيد و شدد قال: و يستغنى بهذا عن العقل الذي يكون مصدرا (2).

قوله: أو من أفاد مالا

من أفاده بمعنى اغتناه و استفاده يقال: أفدته علما أو مالا، أي أعطيته و أنلته و ناولته اياه، و أفدت منه علما أو مالا، أي تناولته و أخذته و استفدته منه.

____________

(1) القاموس: 4/ 18

(2) الصحاح: 5/ 1769

434

الشيعة شي‌ء؟ فقال: فما هو؟ قال: بلغني ان الميت منكم اذا مات كسرتم يده اليسرى لكي يعطى كتابه بيمينه، فقال: مكذوب علينا يا نعمان! و لكني بلغني عنكم معشر المرجئة ان الميت منكم اذا مات قمعتم في دبره قمعا (1) فصببتم فيه جرة من ماء لكي لا يعطش يوم القيامة فقال: ابو حنيفة مكذوب علينا و عليكم.

ما روي فيه من الذم.

333- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن محمد القمي، قال:

حدثني أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن فضيل بن عثمان، قال: دخلت على ابي عبد اللّه (عليه السلام) في جماعة من اصحابنا فلما اجلسني قال: ما فعل صاحب الطاق؟ قلت: صالح، قال: اما انه بلغني انه جدل و انه يتكلم في تيم قذر؟ (2) قلت: اجل هو جدل، قال: اما انه لو شاء ظريف من مخاصميه ان يخصمه

____________

و قد فصلنا ذلك في المعلقات على الصحيفة الكريمة السجادية تفصيلا (1).

قوله: قمعتم في دبره قمعا.

قمعة قمعا ضربه بالمقمعة بكسر الميم الاولى و فتح الثانية، العمود من الحديد، أو آلة كالمحجن يضرب بها على رأس الفيل، و خشبة غليظة يضرب بها الانسان على رأسه و الجمع المقامع قاله في القاموس (2).

و مثل ذلك في الصحاح و غيره (3).

و القمع بالفتح و بالكسر و كعنب ما يوضع في فم الاناء فيصب فيه الدهن و غيره قاله في القاموس (4).

قوله (ع): في تيم قذر

النسخ في هاتين اللفظين مختلفة، ففي عدة منها «في تيم قذر» بالتاء المثناة‌

____________

(1) التعليقة على الصحيفة السجادية المطبوع على هامش نور الأنوار: 42.

(2) القاموس: 3/ 74

(3) الصحاح: 3/ 1272

(4) القاموس: 3/ 75

435

فعل؟ قلت: كيف ذاك.

فقال: يقول أخبرني عن كلامك هذا من كلام امامك؟ فان قال نعم: كذب علينا و ان قال لا: قال له كيف تتكلم بكلام لم يتكلم به امامك.

ثم قال انهم يتكلمون بكلام ان أنا أقررت به و رضيت به أقمت على الضلالة، و ان برئت منهم شق علي، نحن قليل و عدونا كثير، قلت: جعلت فداك فابلغه عنك ذلك؟ قال: أما أنهم قد دخلوا في أمر ما يمنعهم عن الرجوع عنه الا الحمية، قال:

فأبلغت أبا جعفر الاحول ذاك فقال: صدق بأبي و أمي ما يمنعني من الرجوع عنه الا الحمية.

334- علي، قال: حدثنا محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن مروك ابن عبيد، عن أحمد بن النضر، عن المفضل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام):

أيت الاحول فمره لا يتكلم، فأتيته في منزله، فأشرف علي، فقلت له: يقول لك أبو عبد اللّه (عليه السلام) لا تكلم، قال: فأخاف ألا أصبر.

____________

من فوق و الياء المثناه من تحت و الميم، و القاف و الذال المعجمة و الراء.

و «التيمة» بكسر التاء و اسكان الياء المنقلبة عن الهمزة الشاة التي تذبح في المجاعة و التي تكون للمرأة تحلبها في المنزل و ليست بسائمة.

و «القذر» بالتحريك النجاسة، و بكسر الذال النجس، أي أنه جدل يجادل في كل شي‌ء، و يتكلم في الشاة الميتة هل جلدها المدبوغ طاهر.

و في طائفة منها «في هم قدر» بفتح الهاء و تشديد الميم بمعنى القصد و الهمامة و الارادة، و «قدر» بضم القاف و كسر الدال المهلة المشددة على صيغة ما لم يسم فاعله.

أي أنه يتكلم و يجادل في قصد الانسان و أرادته لفعله و يقول: انه اذا كان ذلك مقدرا واقعا بقضاء اللّه و قدره، لزم أن يكون الانسان غير مختار في قصده و ارادته لفعله،

436

في جابر بن يزيد الجعفى

(1) 335- حدثني حمدويه و ابراهيم ابنا نصير، قالا: حدثنا محمد بن عيسى عن علي بن الحكم، عن ابن بكير، عن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليها السلام) عن أحاديث جابر؟ فقال: ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة و ما دخل علي قط.

336- حمدويه و ابراهيم، قالا: حدثنا محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن زياد بن أبي الحلال، قال: اختلف أصحابنا في أحاديث جابر الجعفي، فقلت لهم: أسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)، فلما دخلت ابتدأني، فقال: رحم اللّه جابر الجعفي كان يصدق علينا، لعن اللّه المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا.

____________

فيلزم أن يكون مجبورا في فعله، و هو قول الجبرية و ذلك باطل، فيتعين المصير الى القول بالاستطاعة.

و هذه شبهة عويصة لا سبيل الى المخرج عنها الا مما سلكناه في كتاب الايقاضات، و في كتاب القبسات بفضل اللّه سبحانه.

في جابر بن يزيد الجعفى

قال في الصحاح: جعفي أبو قبيلة من اليمين، و هو جعفي بن سعد العشيرة ابن مذحج، و النسبة اليه كذلك، و منهم عبيد اللّه بن الحر الجعفي و جابر الجعفي (1) و في القاموس: جعفي ككرسي ابن سعد العشيرة أبو حي باليمن و النسبة جعفي أيضا (2).

و في مجمل اللغة لأحمد بن فارس: جعفي قبيلة و النسبة اليهم جعفي.

قلت: جعفى على فعلى بالضم و بالقصر موضع بالكوفة، أو بالسواد قريبا من الكوفة.

____________

(1) الصحاح: 4/ 1337

(2) القاموس: 3/ 123

437

337- حمدويه، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الحميد بن ابي العلاء، قال: دخلت المسجد حين قتل الوليد، فاذا الناس مجتمعون قال: فأتيتهم فاذا جابر الجعفي عليه عمامة خز حمراء و اذا هو يقول: حدثني وصي الاوصياء و وارث علم الانبياء محمد بن علي (عليه السلام)، قال، فقال الناس: جن جابر جن جابر.

338- آدم بن محمد البلخي، قال: حدثنا علي بن الحسن بن هارون الدقاق قال: حدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنى علي بن سليمان، قال: حدثني الحسن ابن علي بن فضال، عن علي بن حسان، عن المفضل بن عمر الجعفي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن تفسير جابر؟ فقال: لا تحدث به السفلة (1) فيذيعونه، أما تقرأ في كتاب اللّه عز و جل «فَإِذٰا نُقِرَ فِي النّٰاقُورِ (1)» ان منا اماما مستترا فاذا أراد اللّه إظهار أمره نكت في قلبه، فظهر فقام بأمر اللّه.

____________

قال النجاشي في ترجمة محمد بن الحسين بن سعيد الصائغ: انه كوفي مات سنة تسع و ستين و مأتين، و صلى عليه جعفر المحدث المحمدي و دفن في جعفى (2)

قوله (ع): لا تحدث به السفلة

السفلة بفتح السين و كسر الفاء جمع و ليس بواحد، يقال: قوم سفلة و فلان من السفلة، و لا يقال هو سفلة.

قال في المغرب: السفل خلاف العلو بالضم و الكسر فيهما، و قوله قلب الرداء أن يجعل سفلاه و أعلاه الصواب أسفله، و سفل سفولا خلاف علا من باب طلب، و منه بنت بنت بنت و ان سفلت، و ضم الفاء خطا لأنه من السفالة الخساسة.

و منه السفلة لخساس الناس و أراذلهم، و قيل: استعيرت من سفلة البعير و هي‌

____________

(1) المدثر: 8

(2) رجال النجاشى: 259- 260 ط طهران.

438

339- جبريل بن أحمد، حدثني الشجاعي، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، قال: دخلت على ابي جعفر (عليه السلام) و أنا شاب، فقال: من أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال ممن؟ قلت: من جعفى، قال: ما أقدمك الى هاهنا؟ قلت: طلب العلم، قال: ممن؟ قلت: منك، قال: فاذا سألك أحد من أين أنت؟ فقل من أهل المدينة، قال، قلت: أسألك قبل كل شي‌ء عن هذا، أ يحل لي ان اكذب؟ قال: ليس هذا بكذب من كان في مدينة فهو من اهلها حتى يخرج.

قال و دفع إلي كتابا و قال لي: ان انت حدثت به حتى تهلك بنو امية فعليك لعنتي و لعنة آبائي، و اذا أنت كتمت منه شيئا بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي و لعنة آبائي، ثم دفع إلي كتابا آخر، ثم قال و هاك هذا فان حدثت بشي‌ء منه أبدا فعليك لعنتي و لعنة آبائي.

340- جبريل بن أحمد، حدثني محمد بن عيسى، عن عبد اللّه بن جبلة الكناني، عن ذريح المحاربي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جابر الجعفي و ما

____________

قوائمه، و من قال السفلة- بكسر السين و سكون الفاء- فهو على وجهين: أن يكون تخفيف السفلة كاللبنة، و جمع سفيل كعليه في جمع علي، و العامة تقول: هو سفلة من قوم سفل و قد انكروا قوله.

و وجه اللّه و أمانة اللّه من ايمان السفلة يعني الجهلة الذين يذكرونه و قال أبو حنيفة يعني الخارجة (1) انتهى كلام المغرب.

قيل: و سئل أبو حنيفة عن السفلة فقال: هو كافر النعمة، و عن أبي يوسف من باع دينه بدنياه، و عن الاسمعي: من لا يبالي بما قال و قيل فيه.

____________

(1) المغرب: 1/ 254

439

روى؟ فلم يجبني، و أظنه قال: سألته بجمع (1) فلم يجبني فسألته الثالثة؟ فقال لي:

يا ذريح دع ذكر جابر فان السفلة اذا سمعوا بأحاديثه شنعوا، او قال: اذاعوا.

341- جبريل بن أحمد الفاريابي، حدثني محمد بن عيسى العبيدى، عن علي بن حسان الهاشمي، قال: حدثني عبد الرحمن بن كثير، عن جابر بن يزيد قال قال أبو جعفر (عليه السلام): يا جابر حديثنا صعب مستصعب، أمرد ذكوان وعر أجرد (2) لا يحتمله و اللّه الا نبي مرسل، أو ملك مقرب، أو مؤمن ممتحن، فاذا ورد عليك يا جابر شي‌ء من أمرنا فلان له قلبك فأحمد اللّه، و ان أنكرته فرده إلينا أهل البيت، و لا تقل كيف جاء هذا، و كيف كان و كيف هو، فان هذا و اللّه الشرك باللّه العظيم.

____________

قوله: سألته بجمع

كأنه كان السؤال يجمع و هو المزدلفة مرة ثانية بعد المرة الاولى، فلذلك قال: فسألته الثالثة، و في نسخة «الثانية» مكان «الثالثة» فيكون السؤال أولا بجمع.

قوله (ع): حديثنا صعب مستصعب أمرد ذكوان وعر أجرد

«مستصعب» بكسر العين المهملة من استصعب عليه الامر أي صعب.

و «أمرد» بالراء و اهمال الدال على أفعل الصفة من المرودة و المرادة، بمعنى الشرود و الشدة، و المارد من الرجال العاتي الشديد، و المتمرد هو الشارد الشديد الشرود، و الامرد من لا لحية له.

و في أساس البلاغة: من المجاز جبل متمرد و جبال متمردات و شجرة مرداء لا ورق لها (1).

و الامرد من الحديث كناية عن التمام المحض و الصعب العويص المعتاص المتشرد معناه على الاذهان الضيقة القاصرة، و المتباذخ المتمرد مغزاه على الفطن الكليلة الخامدة.

____________

(1) أساس البلاغة: 588

440

342- علي بن محمد، قال: حدثني محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن عمرو بن عثمان، عن أبي جميلة، عن جابر، قال: رويت خمسين الف حديث ما سمعه أحد مني.

____________

و «ذكوان» على فعوال بزيادة الواو و الالف من الذكارة، باعجام الذال قبل الكاف و الراء بعد الالف من الذكورة، أو من الذكر بالكسر و الذكرة بالضم بمعنى الصيت و الشرف و الشدة و الصعوبة.

قال ابن الاثير في النهاية: الذكارة بالكسر من الطيب ما يصلح للرجل كالمسك و العنبر و العود، و هي جمع ذكر و الذكورة مثله، و منه الحديث «و كانوا يكرهون المؤنث من الطيب و لا يرون بذكورته بأسا» هو ما لا لون له ينفض كالعود و الكافور و العنبر، و المؤنث طيب النساء كالخلوق و الزعفران (1).

و في أساس البلاغة: له ذكر في الناس، أي صيت و شرف، و ذكور الطيب ما لا ردع له (2).

و في القاموس: الذكر بالكسر الصيت كالذكرة بالضم الشرف، و المذكر من السيف ذو الماء، و من الايام الشديد الصعب (3).

و في طائفة من نسخ الكتاب «ذكوان» (4) على فعلان بزيادة الالف و النون من الذكا بالقصر أو الذكاء بالمد، و هو سطوع رائحة المسك و تمام تضوعها و ارتفاع لهيب النار و اشتعال ضوئها.

قال في القاموس: ذكت النار ذكوا و ذكاء بالمد، عن الزمخشري، و استذكت‌

____________

(1) نهاية ابن الاثير: 2/ 164

(2) أساس البلاغة: 205

(3) القاموس: 2/ 35

(4) كما في المطبوع من رجال الكشى.

441

343- جبريل بن أحمد، حدثني محمد بن عيسى، عن اسماعيل بن مهران عن أبي جميلة المفضل بن صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: حدثني أبو

____________

اشتدت لهبها، و بالضم غير مصروفة الشمس، و ابن ذكاء بالمد الصبح و مسك ذاك و ذكية ساطع ريحه (1).

و في المغرب: و أصل التركيب يدل على التمام، و منه ذكاء السن بالمد لنهاية الشباب، و ذكا النار بالقصر لتمام اشتعالها (2).

و في النهاية الاثيرية: الذكاء شدة وهج النار يقال: ذكيت النار اذا اتممت اشتعالها و رفعتها، و ذكت النار تذكو ذكا- مقصور- أي اشتعلت و قيل: هما لغتان (3).

و «وعر» بفتح الواو و تسكين العين المهملة و الراء، أي صعب عسر النيل.

في الصحاح: جبل وعر- بالتسكين- و مطلب وعر قال الاصمعي: و لا تقل وعر (4).

و «أجرد» بالجيم قبل الراء و الدال المهملة بعدها على أفعل، الصفة من الجرد بالتحريك.

في أساس البلاغة: أرض جرداء متجردة عن النبات، و قد جردت جردا، و نزلنا في جرد في فضاء بلا نبات، و هي تسمية بالمصدر، و سنة جرداء كاملة متجردة عن النقصان (5).

و في الصحاح: و رجل أجرد بين الجرد لا شعر عليه، و فرس أجرد، و ذلك اذا رقت شعرته و قصرت و هو مدح، و كل شي‌ء قشرته عن شي‌ء فقد جردته عنه،

____________

(1) القاموس: 4/ 330

(2) المغرب: 1/ 192

(3) النهاية: 2/ 165

(4) الصحاح: 2/ 846

(5) أساس البلاغة: 88

442

جعفر (عليه السلام) بسبعين ألف حديث لم أحدث بها أحدا قط، و لا احدث بها أحدا أبدا، قال جابر: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك انك قد حملتني وقرا عظيما بما حدثتني به من سركم الذي لا أحدث به أحدا، فربما جاش في صدري (1) حتى يأخذني منه شبه الجنون، قال: يا جابر فاذا كان ذلك فاخرج الى الجبان فاحفر حفيرة و دل رأسك (2) فيها، ثم قل: حدثني محمد بن علي بكذا و كذا.

____________

و المقشور مجرود و ما قشر عنه جرادة (1).

و منه في الحديث «الجنة جرد مرد» أي أجارد عن النقصان أمارد عما يشوبهم من الشوائب.

قوله (رحمه اللّه): فربما جاش في صدرى

يقال: جاش القدر جيوشا و جيشانا اذا غلا و فار، و جاشت العين اذا فاضت و جاش الوادي أو البحر اذا زخر و طما.

قوله (ع): و دل رأسك

بفتح الدال المهملة و تشديد اللام المكسورة على فعل الامر من التدلية، بمعنى الادلاء أي الارسال و الالقاء و الانزال.

في النهاية الاثيرية: في حديث الاسراء «تدلى فكان قاب قوسين» التدلى:

النزول من العلو، و قاب قوسين قدره، و الضمير في تدلى لجبرئيل (عليه السلام)، يقال:

أدليت الدلو و دليتها اذا أرسلتها في البئر و دلوتها أدلوها فأنا دال اذا أخرجتها (2).

و في المغرب: أدليت الدلو أرسلتها في البئر، و منه أدلى بالحجة أحضرها، و في التنزيل «وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ» أي لا تلقوا أمرها و الحكومة فيها، و دلاه من سطح بحبل أي أرسله فتدلى و دلى رجليه من السرير (3).

____________

(1) الصحاح: 1/ 452

(2) نهاية ابن الاثير: 2/ 131

(3) المغرب: 1/ 183

443

344- نصر بن الصباح، قال: حدثنا أبو يعقوب اسحاق بن محمد البصري، قال: حدثنا علي بن عبد اللّه، قال: خرج جابر ذات يوم و على رأسه قوصرة راكبا قصبة حتى مر على سكك الكوفة، فجعل الناس يقولون: جن جابر جن جابر! فلبثنا بعد ذلك أياما، فاذا كتاب هشام قد جاء بحمله اليه.

قال: فسأل عنه الامير فشهدوا عنده أنه قد اختلط، و كتب بذلك الى هشام فلم يتعرض له، ثم رجع الى ما كان من حاله الاول.

345- نصر بن الصباح، قال: حدثنا اسحاق بن محمد، قال: حدثنا فضيل عن زيد الحامض، عن موسى بن عبد اللّه، عن عمرو بن شمر، قال: جاء قوم الى جابر الجعفي فسألوه أن يعينهم في بناء مسجدهم؟ قال: ما كنت بالذي أعين في بناء شي‌ء يقع منه رجل مؤمن فيموت، فخرجوا من عنده و هم ينحلونه (1) و يكذبونه، فلما كان من الغد أتموا الدراهم و وضعوا أيديهم في البناء، فلما كان عند العصر زلت قدم البناء فوقع فمات.

____________

قلت: و من المشهور أن الادلاء هو الاهباط و الارسال في جهة السفل، و التدلية هي الاصعاد و الاخراج الى جهة العلو.

كما قال في القاموس: دلوت و أدليت أرسلتها في البئر و دلاها جبذها ليخرجها (1) و لكن التعويل على ما في النهاية و المغرب.

قوله: و هم ينحلونه (2)

بفتح النون و تشديد الحاء المهملة من باب التفعيل للنسبة، من النحلة بالكسر بمعنى الدعوى، أي ينسبونه الى الادعاء لنفسه ما ليس له.

يقال: نحله القول ينحله بالفتح فيهما نحلا اذا أضفته اليه و ادعيته عليه و ليس‌

____________

(1) القاموس: 4/ 328

(2) و في المطبوع من الرجال: ينخلونه.

444

346- نصر، قال: حدثنا اسحاق، قال: حدثنا علي بن عبيد، و محمد بن منصور الكوفي، عن محمد بن اسماعيل عن صدقة، عن عمرو بن شمر، قال:

جاء العلاء بن يزيد رجل من جعفى، قال: خرجت مع جابر لما طلبه هشام حتى انتهى الى السواد، قال: فبينا نحن قعود و راع قريب منا: اذلفتت نعجة (1) من شائه الى حمل، فضحك جابر، فقلت له: ما يضحكك أبا محمد؟ قال: ان هذه النعجة دعت حملها فلم يجي‌ء، فقالت له: تنح عن ذلك الموضع فان الذئب عاما أول (2) أخذ أخاك منه

____________

هو من قوله، و المنحول هو ذلك المضاف اليه اختلاقا و تقولا و ادعاء عليه، و انتحل فلان شعرا أو كلاما.

و كذلك تنحله اذا ادعاه لنفسه و هو ليس له بل لغيره. و هذا مما قد اتفق عليه الصحاح و القاموس و أساس البلاغة و مجمل اللمعة (1).

و قال قوم: انتحلت الشي‌ء اذا ادعيته و أنت محق، و تنحلته اذا ادعيته مبطلا و بيت الاعشى يدل على خلاف هذا و هو:

فكيف أنا و انتحالي للقوافي * * *بعد المشيب كفى ذاك عارا

قوله: اذ لفتت نعجة

أي لفتت وجهها و التفتت اليه، يقال: لفته عن كذا اذا صرفه عنه، و الى كذا اذا صرفه اليه.

قوله: فان الذئب عاما أول

أول أصله على أوأل على أفعل مهموز الوسط على ما هو مذهب الاكثر، لا ووأل على فوعل كما ذهب اليه بعض، و هو بفتح اللام منصوبا غير مصروف على أفعل التفضيل، أو أفعل الصفة ملحوظا فيه اعتبار الوصفية.

____________

(1) القاموس: 4/ 55 و أساس البلاغة: 623 و الصحاح 5/ 1826.

445

فقلت: لا علمن حقيقة هذا أو كذبه، فجئت الى الراعي فقلت له: يا راعي تبيعني هذا الحمل؟ قال، فقال: لا، فقلت: و لم؟ قال: لان أمه أفره شاة في الغنم و أغزرها درة، و كان الذئب أخذ حملا لها عند عام الاول من ذلك الموضع، فما رجع لبنها حتى وضعت هذا فدرت، فقلت: صدق.

____________

و في عضة من النسخ «عام أول» بالتنوين مجرورا باضافة العام اليه على مجرد وزن أفعل الصفة منسلخا عن اعتبار معنى الوصفية فيه مطلقا في اللهجة و الطية رأسا.

و انما معناه الملحوظ البداءة و الابتداء و المبدأ فيكون مصروفا، و كذلك اذا كان في محل النصب، كما اذا قلت جئتك أو لا أي ابتداء.

أو في محل الرفع كما اذا قلت: ليس له أول أي مبدأ، فقولك مثلا فعلت كذا أولا و آخرا معناه ابتداء و انتهاء، و النصب على التميز.

أو على أنه منزوع الخافض لا على الظرف كما ينساق اليه و هم غير المحصل.

و المتمهر المتثبت يعلم أن الانتصاب على المفعول فيه و على نزع الخافض وراء الانتصاب على الظرفية، ففي قولك سكنت دارا انتصاب على نزع الخافض و في قولك جئت قبلك انتصاب على الظرف، و الظرف برأسه أحد المنصوبات.

و ربما تستعمل أولا بمعنى قديما فينصرف أيضا، تقول: أنعمت علي أولا و آخرا، أي قديما و حديثا.

فان قلت: هلا اعتبرت فيه الوصفية الاصلية فلم تصرفه أصلا؟

قلت: اعتبار الوصفية الاصلية انما يتأتي في المنقول و هذا من قبيل المشترك فهذا حق القول الفصل.

و فاضل تفتازان في التلويح و في حاشية الكشاف قد زل هنالك في تفسير كلام الجوهري و تحرير مرامه، فنحن قد رددنا عليه و أوردنا مر الحق في المعلقات على إنجيل أهل البيت (1) (عليهم السلام).

____________

(1) التعليقة على الصحيفة السجادية المطبوع على هامش نور الأنوار: 28.

446

ثم أقبلت فلما صرت على جسر الكوفة نظر الى رجل معه خاتم ياقوت، فقال له: يا فلان خاتمك هذا البراق أرنيه، قال: فخلعه فأعطاه، فلما صار في يده رمى به في الفرات، قال الاخر: ما صنعت، قال: تحب أن تأخذه؟ قال: نعم، قال، فقال بيده الى الماء، فأقبل الماء يعلو بعضه على بعض حتى اذا قرب تناوله و أخذه.

و روى عن سفيان الثوري: أنه قال جابر الجعفي صدوق في الحديث الا أنه كان يتشيع، (1) و حكي عنه أنه قال: ما رأيت أورع بالحديث من جابر.

____________

ثم في بعض نسخ الكتاب «عام الاول» بانتصاب العالم على الظرف و اضافته الى الاول، بادخال الالف و اللام عليه.

قال في المغرب: فعلت هذا عاما أول على الوصف و عام الاول على الاضافة و أي رجل دخل أول فله كذا مبني على الضم، كما في من قبل و من بعد.

و مثله في المفردات (1) و الفائق و غيرهما. و حكى في الصحاح عن ابن سكيت المنع من ذلك (2)، و في القاموس جوازه على القلة (3).

قوله رحمة اللّه: انه قال جابر الجعفى صدوق في الحديث الا انه كان يتشيع.

قال أبو عبد اللّه الذهبي في ميزان الاعتدال: جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي أحد علماء الشيعة، له عن أبي الطفيل و الشعبي و خلق، و عنه شعبه و أبو عرانة و عدة.

قال ابن المهدي عن سفيان: كان جابر الجعفي ورعا في الحديث ما رأيت‌

____________

(1) مفردات الراغب ص 31.

(2) الصحاح: 5/ 1838

(3) القاموس: 4/ 62

447

347- نصر بن الصباح، قال: حدثني اسحاق بن محمد البصري، قال:

حدثنا محمد بن منصور، عن محمد بن اسماعيل، عن عمرو بن شمر، قال، قال:

أتى رجل جابر بن يزيد فقال له جابر: تريد أن ترى أبا جعفر؟ قال: نعم، قال:

فمسح على عيني فمررت و أنا أسبق الريح حتى صرت الى المدينة.

____________

أورع منه في الحديث، و قال شعبة: صدوق، و قال يحيى بن بكير عن شعبه: كان جابرا اذا قال أنا و ثنا و سمعت فهو من أوثق الناس، و قال وكيع: ما شككتم في شي‌ء فلا تشكوا ان جابر الجعفي ثقة.

و قال ابن عبد الكريم: سمعت الشافعي يقول: قال سفيان الثوري لشعبة لان تكلمت في جابر الجعفي لا تكلمن فيك، زهير بن معاويه قال، سمعت جابر بن يزيد يقول: عندي خمسون ألف حديث ما حدثت منها بحديث.

ثم قال: و ذكر شهاب أنه سمع ابن عيينة يقول: تركت جابرا الجعفي و ما سمعت منه قال: دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليا فعلمه مما تعلم، ثم دعا علي الحسن فعلمه مما تعلم، ثم دعا الحسن الحسين فعلمه مما تعلم، ثم دعا الحسين ولده حتى بلغ جعفر بن محمد، قال سفيان: فتركته لذلك.

ابن عدي بالاسناد عن الحميدي سمعت سفيان سمعت جابرا الجعفي يقول:

انتقل العلم الذي كان في النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الى علي، ثم انتقل من علي الى الحسن، ثم لم يزل حتى بلغ جعفرا.

الجراح بن مليح يقول: سمعت جابرا يقول: عندي سبعون ألف حديث عن جعفر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كلها.

العقيلي بالاسناد عن زائدة يقول: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الحميدي سمعت رجلا يسأل سفيان: أ رأيت يا أبا محمد الذين عابوا على جابر الجعفى؟ قوله حدثني وصي الاوصياء؟ فقال سفيان: هذا أهونه.

448

قال: فبينا أنا كذلك متعجب اذ فكرت فقلت: ما أحوجني الى وتد أوتده فاذا حججت عاما قابلا نظرت هاهنا هو أم لا، فلم أعلم الا و جابر بين يدي يعطينى وتدا، قال: ففزعت، فقال: هذا عمل العبد باذن اللّه فكيف لو رأيت السيد الاكبر! قال: ثم لم أره.

قال: فمضيت حتى صرت الى باب أبي جعفر (عليه السلام) فاذا هو يصيح بي أدخل لا بأس عليك، فدخلت فاذا جابر عنده، قال؛ فقال لجابر: يا نوح غرقتهم أولا بالماء و غرقتهم آخرا بالعلم فاذا كسرت فاجبر.

قال: ثم قال من أطاع اللّه أطيع، أي البلاد أحب إليك؟ قال: قلت الكوفة قال: بالكوفة فكن، (1) قال: سمعت أخا النون بالكوفة، قال فبقيت متعجبا من قول جابر فجئت فاذا به في موضعه الذي كان فيه قاعدا، قال: فسألت القوم هل قام أو تنحى؟ قال: فقالوا لا، و كان سبب توحيدي ان سمعت قوله بالالهية و في الائمة هذا حديث موضوع لا شك في كذبه و رواته كلهم متهمون بالغلو و التفويض.

____________

عن ابن عيينة قال: جابر الجعفي يقول: دابة الارض علي. انتهى ما في ميزان الاعتدال.

قوله (ع): بالكوفة فكن

فكن على صيغة الامر بالكينونة، أي فبالكوفة كن قال: فاذا قال (عليه السلام) ذلك فلم ألبث و اذا أنا بالكوفة.

و قوله «سمعت أخا النون بالكوفة» يحتمل أن يكون معناه قال الرجل فاذا أنا سمعت بالكوفة صوت جابر يناديني باسقاط حرف النداء و يقول: أخا النون، و انما سماه أخا النون لسباحته في بحر الحيرة و التعجب كما يسبح الحوت في البحر.

أو أنه قال الرجل: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) بعد قوله بالكوفة فكن يقول: أخا النون بالكوفة، أي أخا النون كن بالكوفة تأكيدا لقوله بالكوفة فكن، فيكون (عليه السلام)

449

348- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني محمد بن نصير، عن محمد بن عيسى.

و حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عروة بن موسى، قال: كنت جالسا مع أبي مريم الحناط و جابر عنده جالس، فقام أبو مريم فجاء بدورق من ماء بئر منازل ابن عكرمة، فقال له جابر: ويحك يا أبا مريم كأني بك قد استغنيت عن هذه البئر و اغترفت من هاهنا من ماء الفرات، فقال له أبو مريم: ما ألوم الناس أن يسمونا كذابين- و كان مولى لجعفر (عليه السلام)- كيف يجي‌ء ماء الفرات الى هاهنا.

قال: و يحك يحتفر هاهنا نهر أوله عذاب على الناس و آخره رحمة يجرى فيه ماء الفرات، فتخرج المرأة الضعيفة و الصبى فيغترف منه، و يجعل له أبواب في بني رواس و في بني موهبة و عند بئر بني كندة و في بنى فزارة حتى تتغامس فيه الصبيان.

قال علي: انه قد كان ذلك (1) و ان الذي حدث علي و عمر لعل أنه قد سمع بهذا الحديث قبل أن يكون.

____________

قد سماه أخا النون لكونه سابحا كالنون في بحر التحير.

و هذا أظهر لقوله (عليه السلام) أولا يا نوح غرقتهم أولا بالماء و غرقتهم آخرا بالعلم (1).

قوله: قال على: انه قد كان ذلك

قال علي كلام محمد بن عيسى، و أن الذي حدث الى آخر كلام أبي عمرو الكشي، و المعنى قال علي بن الحكم: قد كان ذلك أي ما قد أخبر به جابر من احتفار النهر هنا و جريان ماء الفرات فيه، فكأنه- أي علي بن الحكم- قد أدرك ذلك و رءاه‌

____________

(1) هذه الزيادة في «ن» فقط.

450

في اسماعيل بن جابر الجعفى

349- حدثنا محمد بن مسعود، قال: حدثني على بن الحسن، قال: حدثني ابن أورمة، عن عثمان بن عيسى، عن اسماعيل بن جابر، قال: أصابني لقوة في وجهى، فلما قدمنا المدينة دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: ما الذي أرى بوجهك؟

قال: قلت فاسدة ريح.

قال: فقال لي: ائت قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فصل عنده ركعتين، ثم ضع يدك على وجهك، ثم قال: بسم اللّه و باللّه هذا أحرج (1) عليك من عين انس أو عين جن، أو وجع

____________

و علي بن الحكم هو الذي حدث بهذا الحديث و رواه، و هو قد عمر عمرا طويلا، فلعله قد سمع بهذا الحديث قبل أن يكون ذلك، فبقي الى أن كان فأدرك كينونته، فلا يتوهمن أنه انما سمع هذا الحديث بعد كينونة الامر.

و في بعض النسخ «و عهده (1)» بكسر الهاء من باب لبس مكان و عمر، أي علي بن الحكم هو الذي حدث بهذا الحديث و أدرك عصر كينونة النهر.

قال في المغرب: عهدته بمكان كذا لقيته، و يقال: متى عهدك بفلان أي متى عهدته، و منه متى عهدك بالخف أي يلبسه، يعني متى لبسته.

في اسماعيل بن جابر قوله (ع): هذا أحرج

بفتح الحاء المهملة و تشديد الراء قبل الجيم على صيغة المتكلم من التحريج بمعنى التضييق تفعيلا من الحرج و هو الضيق و الشدة و المشار اليه بهذا، و هو المقصود بتوجيه الخطاب نحوه.

تبينه من التبيينية الاستغراقية في من عين: انس أو جن أو وجع.

____________

(1) كما في المطبوع من الرجال بجامعة مشهد و في المطبوع بالنجف: عروة بعلانية.

451

أحرج عليك، بالذي اتخذ ابراهيم خليلا و كلم موسى تكليما، و خلق عيسى من روح القدس، لما هدأت و طفيت، (1) كما طفيت نار ابراهيم، اطفأ باذن اللّه اطفأ باذن اللّه قال: فما عاودته الا مرتين حتى رجع وجهي، فما عاد إلي الساعة.

____________

و معنى الكلام و مغزاه: يا هذا الذي غير هذا الوجه و أصابه و ألم به أيا ما كنت من عين انس أو عين جن، أو مادة مرض و موجب وجع، أحرج و أضيق عليك باسم اللّه و بالله احرج عليك باللّه الذي اتخذ ابراهيم خليلا.

و «لما» بمعنى «الا» أي أحرج عليك و لا أدعك و لا أذر التحريج و التضييق عليك، الا اذا هدأت بالهمز اي سكنت و طفئت، و النار الهادئة الطافئة هي الساكنة الخامدة.

و التحريج أيضا بمعنى التحيير تفعيلا من الحيرة، يقال: حرجت العين تحرج من باب لبس يلبس اذا حارت، و بمعنى الزام التحرج و ايجابه، و التحرج المجانبة و التجنب و التجافي و التباعد، يقال: تحرج من كذا أي جانبه و تجنبه و تجافى عنه، و حرجه منه اذا اضطره الى أن يتحرج.

قال في المغرب: و حقيقته جانب الحرج فيكون حقيقة التحريج اذن الجاؤه الى ان يجانب الحرج.

و في شرح أبي عبد اللّه المازري لصحيح مسلم: تحنث الرجل اذا فعل فعلا خرج به من الحنث، و الحنث الذنب، و كذلك تأثم اذا ألقى الا ثم عن نفسة، و مثله تحرج و تحوب اذا فعل فعلا يخرجه من الحرج و الحوب، و فلان يتهجد اذا كان يخرج من الهجود، و يتنجس اذا فعل فعلا يخرج به من النجاسة.

قوله (ع): لما هدأت و طفيت

«لما» في هذا الباب من الكلام بمعنى «الا» للاستثناء، و المعنى أحرج عليك و لا أدع تحريجي و تضييقي عليك الا اذا هدات.

452

350- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني جبريل بن أحمد، عن محمد ابن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: هلك المترئسون في أديانهم، منهم: زرارة، و بريد، و محمد بن مسلم، و اسماعيل الجعفي، و ذكر آخر لم أحفظه.

في علباء بن دراع الاسدى و أبى بصير

(1) 351- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني أحمد بن منصور، قال:

حدثني أحمد بن الفضل، ابن أبي عمير، عن شعيب العقرقوفي، عن أبي بصير

____________

و طفئت، كما طفئت نار ابراهيم (عليه السلام)، يقال: هدأت النار اذا سكنت و خمدت و نار هادئة بالهمز أي ساكنة لينة خامدة، و في دعاء القنوت في صلاة الغفيلة «لما قضيتها» أي أسألك و أسألك و لا أقطع السؤال و الالحاح الا اذا قضيت لي حاجتي.

و كذلك في التنزيل الكريم «حَتّٰى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللّٰهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلّٰا أَنْ يُحٰاطَ بِكُمْ» (1) أي الا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك، أو الا تهلكوا جميعا، فهو استثناء مفرغ من أعم الاحوال، لتأتنني به على كل حال الا حال الاحاطة بكم، أو من أعم العلل على أن يكون لتأتنني به في تأويل النفي، و التقدير لا تمتنعون من الاتيان به الا للإحاطة بكم.

و منه قولهم: أقسمت عليك باللّه الا فعلت، أي أقسمت عليك و أقسمت عليك الا اذا فعلت و لا تركت الاقسام عليك باللّه الا اذا فعلت.

فتثبت و لا تتخبط فامثل القاصرين طريقة من أهل العصر قد تاه به و همه فذهب فيه حيث شاء.

في علباء بن دراع الاسدى

علباء- باهمال العين المفتوحة و اسكان اللام و الباء الموحدة و الالف الممدودة-

____________

(1) سورة يوسف: 66

453

قال: حضرت- يعني علباء الاسدي- عند موته فقال لي: ان أبا جعفر (عليه السلام) قد ضمن لي الجنة فأذكره ذلك.

قال: فدخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: حضرت علباء عند موته؟ قال: قلت نعم، فأخبرني أنك ضمنت له الجنة و سألني أن اذكرك ذلك، قال: صدق.

قال: فبكيت، ثم قلت: جعلت فداك أ لست الكبير السن الضرير البصر فاضمنها لي قال: قد فعلت، قلت: اضمنها لي على آبائك و سميتهم واحدا واحدا، قال: قد فعلت، قلت: فاضمنها لي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: قد فعلت، قلت: اضمنها لي على اللّه، قال: قد فعلت.

352- محمد بن مسعود، قال: حدثني ابراهيم بن محمد بن فارس، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن شهاب بن عبد ربه، عن أبي بصير، قال:

ان علباء الاسدي ولي البحرين (1) فافاد سبعمائة ألف دينار و دواب و رقيقا، قال: فحمل ذلك كله حتى وضعه بين يدي أبي عبد اللّه (عليه السلام).

____________

ابن دراع- بفتح الدال المهملة و تشديد الراء- الاسدي.

قوله: ان علباء الاسدى ولى البحرين

الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في الاستبصار و في التهذيب روى هذا الحديث بأسناده عن ابن أبي عمير، عن الحكم بن علباء الاسدي (1).

فقلت في المعلقات على الاستبصار: الحكم بن علباء لم يجر له ذكر في كتاب الرجال، و الذي ولي البحرين و جرت له الواقعة هو علباء لا ابنه.

و الظاهر المستبين أن الحكم بن علباء مصحف الحكم عن علبا، بتصحيف العين بالباء، و الحكم هو الحكم بن أخي ولاد أبو خلاد الصيرفي الثقة يروي عنه ابن أبي عمير و صفوان بن يحيى، أو الحكم بن أيمن يروي عنه أيضا ابن أبي عمير.

____________

(1) الاستبصار: 2/ 58 و فيه الحكم بن عليا الاسدى فتدبر

454

ثم قال: اني وليت البحرين لبني أمية، و أفدت كذا و كذا، و قد حملته كله إليك و علمت أن اللّه عز و جل لم يجعل لهم من ذلك شيئا و أنه كله لك.

فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): هاته، فوضع بين يديه، فقال له: قد قبلنا منك (1) و وهبناه لك و احللناك منه (2) و ضمنا لك على اللّه الجنة، قال أبو بصير: فقلنا ما بالي و ذكر مثل حديث شعيب العقرقوفي.

____________

قوله (ع): قد قبلنا منك

نص صريح في أنه (عليه السلام) قد قبل ذلك منه و قبضه أولا، ثم من بعد القبول و القبض و هب له ما قبله منه و قبضه، فهذا تنصيص على عدم سقوط حصة الامام من الخمس في أبواب المناكح و المساكن و المتاجر فليفقه.

قوله (ع): و أحللناك منه

أحاديث هذا الباب كلها وردت بلفظة الاحلال و الاباحة و ما في معناهما، و انما مفاد ذلك مجرد اباحة التصرف قبل اخراج الخمس، لا سقوط حصة الامام من الخمس في أبواب المناكح و المساكن و المتاجر في زمان الغيبة، كما قد أعلن بالتصريح به الشيخ في كتابيه التهذيب و الاستبصار و شيخه الشيخ المفيد في كتبه، و يتوهم من ظواهر عبارات العلامة و المحقق الشهيد و جدي المحقق الحكم هناك بالسقوط.

فنحن قد أوضحنا مرامهم و حققنا القول المعتمد عليه في المذهب في المعلقات على الاستبصار فليتقن.

455

في أبى حمزة الثمالى ثابت بن دينار أبى صفية عربى أزدى

353- حدثني محمد بن مسعود، قال: سألت علي بن الحسن بن فضال، عن الحديث الذي روى عن عبد الملك بن أعين و تسمية ابنه الضريس؟ قال، فقال: انما رواه أبو حمزة، و أصيبع من عبد الملك، (1) خير من أبي حمزة، و كان أبو حمزة يشرب النبيذ و متهم به، الا أنه قال: ترك قبل موته، و زعم أن أبا حمزة و زرارة و محمد بن مسلم ماتوا سنة واحدة بعد أبي عبد اللّه (عليه السلام) بسنة أو بنحو منه، و كان أبو حمزة كوفيا.

____________

في أبى حمزة الثمالى ثابت بن دينار قوله: و أصيبع من عبد الملك (1)

«أصيبع» بضم الهمزة و فتح الصاد المهملة و اسكان الياء المثناة من تحت قبل الباء الموحدة و اهمال العين أخيرا على تصغير إصبع.

و في نسخة «إصبع» من غير التصغير.

و المعنى: سألت علي بن الحسن بن فضال عن حديث عبد الملك بن أعين في تسمية ابنه ضريسا، و ما فيه من اساءة الادب بالنسبة الى مولانا الصادق (عليه السلام)، فقال: هذا الحديث انما رواه أبو حمزة الثمالي، و أن أصيبعا من أصيبعات عبد الملك ابن أعين، أوان اصبعا من أصابع عبد الملك على ما في نسخة خير من أبي حمزة الثمالي بتمامه، فلا يسوغ القدح في مثل عبد الملك بن أعين برواية أبي حمزة الثمالي.

قال أبو عمرو الكشي: و كان أبو حمزة يشرب النبيذ و يتهم به، يعني ان ابن فضال انما قال ذلك في أبي حمزة لأنه كان يشرب النبيذ أو كان يتهم به، الا انه- أي ابن فضال- قال: ان أبا حمزة ترك شرب النبيذ قبل موته.

قلت: أبو حمزة الثمالي من الثقات الاجلة، و ان كان عبد الملك بن أعين أجل‌

____________

(1) و في المطبوع من رجال الكشى: أصبغ بن عبد الملك.

456

354- حدثني علي بن محمد بن قتيبة أبو محمد، و محمد بن موسى الهمداني قالا: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: كنت أنا و عامر ابن عبد اللّه بن جذاعة الازدي و حجر بن زائدة جلوسا على باب الفيل اذ دخل علينا أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار فقال لعامر بن عبد اللّه: يا عامر أنت حرشت علي أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت أبو حمزة يشرب النبيذ.

فقال له عامر: ما حرشت عليك أبا عبد اللّه (عليه السلام) و لكن سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المسكر، فقال: كل مسكر حرام، و قال: لكن أبا حمزة يشرب، قال، فقال أبو حمزة: أستغفر اللّه منه الان و أتوب اليه.

355- حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثنا أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي حمزة، قال: كانت بنية لي سقطت فانكسرت يدها، (1) فأتيت بها التيمي فأخذها فنظر الى يدها فقال: منكسرة، فدخل يخرج الجبائر

____________

منه و أوثق، و لعل النبيذ الذي كان يتهم بشربه من بعض الانبذة و لم يكن يعرف تحريمها جميعا، فلما سمع أن أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال: كل مسكر حرام نبيذا كان أو غير نبيذ استغفر اللّه و تاب اليه من جميع الانبذة.

و ما تضمنه الحديث الذي رواه لا يوجب قدحا في عبد الملك، فانه من باب كمال القرب و شدة الاختصاص لا من سوء الادب.

قوله: كانت بنية لى سقطت فانكسرت يدها

السيد المكرم رضي الدين علي بن طاوس الحسيني (قدس اللّه تعالى روحه) أورد الحديث و الدعاء في كتاب مهج الدعوات فقال:

قال أبو حمزة الثمالي (رحمه اللّه تعالى) انكسرت يد ابني مرة، فأتيت به يحيى ابن عبد اللّه المجبر، فنظر اليه فقال: أرى كسرا قبيحا، ثم صعد غرفته ليجي‌ء بعصابة و رفادة. فذكرت في ساعتي تلك دعا علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام)، فأخذت‌

457

و أنا على الباب فدخلتني رقة على الصبية فبكيت و دعوت، فخرج بالجباير فتناول بيد الصبية فلم يربها شيئا، ثم نظر الى الاخرى فقال: ما بها شي‌ء، قال: فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: يا أبا حمزة وافق الدعاء الرضاء (1) فاستجيب لك في أسرع من طرفة عين.

____________

يد ابني فقرأت عليه و مسحت الكسر، فاستوى الكسر باذن اللّه.

فنزل يحيى بن عبد اللّه و لم ير شيئا فقال: ناولني اليد الاخرى فلم ير كسرا، فقال: سبحان اللّه أ ليس عهدي به كسرا قبيحا فما هذا؟ أما أنه ليس بعجب من سحركم معاشر الشيعة!

فقلت: ثكلتك أمك ليس هذا بسحر، بل اني ذكرت دعاء سمعته من مولاي علي بن الحسين (عليهما السلام) فدعوت به فقال: علمنيه فقلت: ابعد ما سمعت ما قلت لا و لا نعمة عين لست من أهله.

قال حمران بن أعين فقلت لأبي حمزة نشدتك باللّه الا ما أوردتناه فقال:

سبحان اللّه ما ذكرت ما قلت الا أنا أفيدكم اكتبوا: بسم اللّه الرحمن الرحيم يا حي قبل كل حي، يا حي بعد كل حي الدعاء بطوله الى آخره (1).

قلت: و نحن في المعلقات على مهج الدعوات أوردنا لهذا الدعاء اعتصاما يقرء قبله فليؤخذ من هناك.

قوله (ع): وافق الدعاء الرضاء

أي وافق الدعاء ارادة اللّه تعالى و مشيته لطلبتك، و رضاه عز و جل بها لخيريتها التي تتوضاها العناية الاولى في انساق نظام الكل، و موافاتها حد سلسلة الاسباب المترتبة المتأدية اليها في ترتيب نظام الوجود، فاستجيب لك في أسرع من طرفة عين.

____________

(1) مهج الدعوات: 165

458

356- حدثني محمد بن اسماعيل، قال: حدثنا الفضل، عن الحسن بن محبوب، عن على بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: ما فعل أبو حمزة الثمالي؟ قلت: خلفته عليلا، قال: اذا رجعت اليه فأقرئه مني السلام و اعلمه أنه يموت في شهر كذا في يوم كذا.

قال أبو بصير: قلت جعلت فداك و اللّه لقد كان فيه انس و كان لكم شيعة، قال: صدقت ما عندنا خير لكم من شيعتكم (1) معكم قال: ان هو خاف اللّه و راقب نبيه و توقى الذنوب، فاذا هو فعل كان معنا في درجتنا، قال علي: فرجعنا تلك السنة فما لبث أبو حمزة الا يسيرا حتى توفي.

357- وجدت بخط أبي عبد اللّه محمد بن نعيم الشاذاني، قال: سمعت الفضل ابن شاذان، قال: سمعت الثقة، يقول: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: أبو حمزة الثمالي في زمانه كلقمان في زمانه، و ذلك أنه قدم أربعة منا؛ على بن الحسين، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد، و برهة من عصر موسى بن جعفر (عليه السلام)، و يونس بن عبد الرحمن كذلك هو سلمان في زمانه.

____________

و هذا اشارة منه (عليه السلام) الى كنه مسألة استجابة الدعاء، و ذلك من غامضات المسائل في علم ما فوق الطبيعة، و القبس العاشر من كتابنا القبسات، حيز البحث عن مر الحق في ذلك على السبيل القويم و الصراط المستقيم، و أنه بتحقيق حق القول هنالك لزعيم.

قوله (ع): قال صدقت ما عندنا خير لكم من شيعتكم

يعني ما عندنا خير لكم و أصلح لشأنكم من أن يكون معكم شيعتكم، اي أصحابكم و مشاركوكم في دين التشيع، و لا يكون معكم أحد من مخالفيكم في الدين ثم قال (عليه السلام): ان هو خاف اللّه و راقبه و نبيه، يعني ان كان الذي معكم من شيعتكم ممن قد خاف اللّه و راقبه و راقب نبيه و توقى الذنوب، أي و ذكر اللّه تعالى و رآه‌

459

في عقبة بن بشير الاسدى

358- حمدويه و ابراهيم، قالا: حدثنا ايوب بن نوح، قال: اخبرنا حنان ابن عقبة بن بشير الاسدي، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقلت له: اني في الحسب الضخم من قومي، و ان قومي كان لهم عريف فهلك فأرادوا ان يعرفوني عليهم فما ترى لي؟

قال، فقال أبو جعفر (عليه السلام): تمن علينا بحسبك أن اللّه تعالى رفع بالايمان من كان الناس سموه وضيعا اذا كان مؤمنا، و وضع بالكفر من كان يسمونه شريفا اذا كان كافرا، فليس لأحد على أحد فضل الا بتقوى اللّه.

و اما قولك ان قومي كان لهم عريف فهلك فأرادوا أن يعرفوني عليهم: فان كنت تكره الجنة و تبغضها فتعرف على قومك يأخذ سلطان جائر بامرئ مسلم يسفك دمه فتشركهم في دمه، و عسى ان لا تنال من دنياهم شيئا.

في اسلم المكى مولى محمد بن الحنفية (ع)

359- حدثني حمدويه، قال: حدثني أيوب بن نوح، قال: حدثنا صفوان ابن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن سلام بن سعيد الجمحي، قال: حدثنا أسلم مولى محمد بن الحنفية، قال: كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) جالسا مسندا ظهري الى زمزم، فمر علينا محمد بن عبد اللّه بن الحسن و هو يطوف بالبيت، فقال أبو جعفر:

يا أسلم أ تعرف هذا الشاب؟ قلت: نعم هذا محمد بن عبد اللّه بن الحسن.

____________

رقيبا عليه و كذلك نبيه (عليه السلام)، كما قد ورد في الحديث ان أعمال الامة تعرض عليه (صلّى اللّه عليه و آله)

و في المغرب: رقبه رقبة انتظره من باب طلب و راقبه مثله، و منه راقب اللّه اذا خافه، لان الخائف يرقب العقاب و يتوقعه (1).

و في بعض النسخ: و ان هو خاف اللّه و راقب نبيه، و الأصحّ الاول.

____________

(1) المغرب: 1/ 215

460

قال: أما أنه سيظهر و يقتل في حال مضيعة، ثم قال: يا أسلم لا تحدث بهذا الحديث أحدا فانه عندك أمانة، قال: فحدثت به معروف بن خربوذ و أخذت عليه مثل ما أخذ علي.

قال: و كنا عند أبي جعفر (عليه السلام) غدوة و عشية أربعة من أهل مكة فسأله معروف عن هذا الحديث، فقال: أخبرني عن هذا الحديث الذي حدثنيه فأني أحب أن أسمعه منك، قال: فالتفت الى أسلم، فقال له أسلم: جعلت فداك أني أخذت عليه مثل الذي أخذته علي، قال، فقال أبو جعفر (عليه السلام): لو كان الناس كلهم لنا شيعة لكان ثلاثة أرباعهم لنا شكاكا، و الربع الاخر أحمق.

360- حمدويه، قال: حدثني محمد بن عبد الحميد، عن يونس بن يعقوب قال: سئل أسلم المكي، عن قول محمد بن الحنفية، لعامر بن واثلة: لا تبرح مكة حتى تلقاني أو صار أمرك أن تأكل القضة؟ (1) فقال أسلم تعجبا: مما روى عن محمد يا نظر الخياط و هو معهم.

و قال: أ لست شاهدنا حين حدثنا عامر بن واثلة أن محمد بن الحنفية قال له يا عامر ان الذي ترجو انما خروجه بمكة، فلا تبرحن مكة حتى تلقي الذي تحب، و ان صار أمرك الى أن تاكل القضة، و لم يكن على ما روي أن محمدا قال لا تبرح حتى تلقاني.

____________

في اسلم المكى مولى محمد بن الحنفية قوله: أن تأكل القضة

القضة بكسر القاف و تخفيف الضاد المعجمة كعضة من أضعف النبات.

قال في الصحاح: قضة مخففة نبت ينبت في السهل (1).

____________

(1) الصحاح: 6/ 2464

461

في الكميت بن زيد

361- حدثني حمدويه و ابراهيم، قالا: حدثنا محمد بن عبد الحميد العطار، عن أبي جميلة، عن الحارث بن المغيرة، عن الورد بن زيد، قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

جعلنى اللّه فداك قدم الكميت، فقال: أدخله، فسأله الكميت عن الشيخين؟ فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ما أهريق دم و لا حكم يحكم غير موافق لحكم اللّه و حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حكم علي (عليه السلام) الا و هو في أعناقهما، فقال الكميت: الله اكبر الله اكبر حسبي حسبي.

362- طاهر بن عيسى، قال: حدثني جعفر بن أحمد، قال: حدثني أبو الحسين صالح بن أبي حماد الرازي، قال: حدثنا محمد بن الوليد الخراز، عن يونس بن يعقوب، قال: أنشد الكميت أبا عبد اللّه شعره:

أخلص اللّه في هواى فما أغر * * *ق نزعا (1) و ما تطيش سهامى

____________

و في القاموس: القضة كعدة نبتة (1).

و اما تفسيرها بصغار الحصى فلست أجد له مأخذا، و ما جاء بمعنى الصغار من الحصى، فبالتشديد من المضاعف.

في القاموس: القضة بالكسر عذرة الجارية، و أرض ذات حصى، أو منخفضة و ترابها رمل، و الى جانبها متن مرتفع، و الحصى الصغار و تفتح في الكل (2).

و في النهاية: القض كبار الحصى و القضيض صغارها (3).

في الكميت بن زيد قوله: فما أغرق نزعا الخ

اغراق النازع و تغريقه في القوس بمعنى، و هو استيفاء مدها.

____________

(1) القاموس: 4/ 379

(2) القاموس: 2/ 342

(3) نهاية ابن الاثير: 4/ 76

462

..........

____________

في مجمل اللغة: أغرقت النبل مددته غاية المد.

و في القاموس: أغرق النازع في القوس اغراقا استوفي مدها كغرق فيها تغريقا، و نزع في القوس نزعا و نزوعا مدها، و عاد السهم الى النزعة رجع الحق الى أهله. و الطيش النزق و الخفة و ذهاب العقل و جواز السهم الهدف و مجاوزته اياه يقال: طاش يطيش فهو طائش و طياش قاله صاحب القاموس و غيره (1).

ثم في أكثر النسخ أخلص اللّه في هواي فما أغرق نزعا و ما تطيش سهامي، على صيغة الماضي بفتح همزة القطع من باب الافعال و رفع «اللّه» على الفاعلية، و ادخال الهمزة المضمومة و الغين الساكنة من صيغة أغرق للمتكلم من الاغراق، في المصراع الاول و ابتداء المصراع الثاني من الراء المكسورة و القاف.

فاعترض عليه أبو عبد اللّه (عليه السلام) و قال له: لا تقل هكذا، بل قل قد مكان «ما» و أما أن «قد» التحقيقية انما يكون مدخولها الماضي دون المضارع، فاكثري لا تأتي على اللزوم و الوجوب.

و في طائفة من النسخ «أخلص للّه» على المتكلم من خلص يخلص خالصة و خلوصا، فيتغير تقطيع الوزن من فاعلاتن الى مفتعلاتن.

و في التنزيل الكريم «وَ النّٰازِعٰاتِ غَرْقاً» (2) صفة ملائكة الموت، فانهم ينزعون أرواح الكفار و الفجار من أعماق أبدانهم و أقاصيها و أناملها و أظفارها غرقا، أي اغراقا شديدا في النزع، لشدة توغلهم في علائق الاجساد و غواشي الابدان، أو صفة النفوس الفاضلة حال المفارقة، فانها تنزع علاقتها عن الابدان بالارادة و الطبيعة غرقا أي نزعا شديدا لشدة اعتلاقها بعالم الملكوت، و كمال تبالغها في النشاط بالسباق‌

____________

(1) القاموس: 3/ 271 و 88 و 2/ 277.

(2) أول سورة النازعات.

463

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تقل هكذا و لكن قل- قد أغرق نزعا و ما تطيش سهامي.

363- نصر بن صباح، قال: حدثني اسحاق بن محمد البصري، قال:

حدثني محمد بن جمهور العمي، (1) قال: حدثنا موسى بن بشار الوشّاء، عن داود بن النعمان، قال: دخل الكميت فأنشده، و ذكر نحوه ثم قال في آخره: ان اللّه عز و جل

____________

الى حظائر القدس.

أو صفة النجوم و سائر المتحركات بحركة الفلك الاقصى، فانها تنزع من المشرق الى المغرب غرقا شديدا في النزع من كمال السرعة، فانها تقطع من مقعر الفلك الاقصى من مقدار ما يقول الانسان واحده باسكان الدال، ألفا و سبعمائة و اثنتين و ثلاثين فرسخا، و اللّه سبحانه يعلم ما يقطعه من محدبه وقتئذ.

و قد أوردنا برهان ذلك في كتاب قبسات الحق اليقين، و في المعلقات على زبور آل محمد عليه و (عليهم السلام) و التسليم.

قوله: محمد بن جمهور العمى (1)

في كتاب النجاشي: محمد بن جمهور العمي (2).

و في الفهرست: محمد بن الحسن بن جمهور العمي البصري، له كتب جماعة قد عدها وعد منها الرسالة المذهبة عن الرضا (عليه السلام)، و هي الرسالة المكرمة الرضوية المعروفة بالذهبية في الطب (3)، عملها (عليه السلام) للمأمون اجابة لالتماسه (4).

و العمي باهمال العين المفتوحة و تشديد الميم، نسبة الى قبيلة بني العم.

قال في جامع الاصول: العمي بفتح العين و تشديد الميم منسوب الى مرة بن‌

____________

(1) و في المطبوع من الرجال: القمى

(2) رجال النجاشى: 260

(3) توجد نسخة خطية منها في مكتبتنا.

(4) الفهرست: 172

464

يحب معالي الامور و يكره سفسافها.

(1)

فقال الكميت: يا سيدي أسألك عن مسألة و كان متّكئا فاستوى جالسا و كسر في صدره و سادة ثم قال: سل، فقال: أسألك عن الرجلين؟ فقال: يا كميت بن زيد ما أهريق في الإسلام محجمة من دم، (2) و لا اكتسب مال من غير حله، و لا نكح فرج حرام الا و ذلك في أعناقهما الى يوم يقوم قائمنا، و نحن معاشر بني هاشم نأمر

____________

وائل بن عمرو بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، و يقال لولده مرة: بنو العم و النسب اليهم العمي.

قوله: ان اللّه عز و جل يحب معالى الامور و يكره سفسافها

و في كلام الحكماء خير الامور في عالم المحسوس أوسطها، و في عالم المعقول أعلاها.

قال ابن الاثير في النهاية: في الحديث «ان اللّه يحب معالي الامور و يبغض سفسافها» و في حديث آخر «ان اللّه رضي لكم مكارم الاخلاق و كره لكم سفسافها».

السفساف: الامر الحقير و الردي من كل شي‌ء، و هو ضد المعالي و المكارم و أصله ما يطير من غبار الدقيق اذا نخل و التراب اذا اثير.

و في حديث فاطمة بنت قيس «اني أخاف عليك سفاسفه» هكذا أخرجه أبو موسى في السين و الفاء و لم يفسره، و قال: ذكره العسكري بالفاء و القاف و لم يورده أيضا في السين و القاف.

و المشهور المحفوظ في حديث فاطمة انما هو «اني أخاف عليك قسقاسته» بالقافين قبل السينين، فأما سفاسفه بالفاء فلا أعرفه (1).

قوله (ع): ما أهريق في الإسلام محجمة من دم

«أهريق» بضم الهمزة و فتح الهاء على ما لم يسم فاعله من باب الافعال، و‌

____________

(1) نهاية ابن الاثير: 2/ 373- 374.

465

كبارنا بسبهما و البراءة منهما.

364- نصر بن الصباح، قال: حدثني أبو يعقوب اسحاق بن محمد البصري، قال: حدثني جعفر بن محمد بن الفضيل، قال: حدثني جعفر بن علي الهمداني، قال:

حدثني درست بن أبي منصور، قال: كنت عند أبي الحسن موسى (عليه السلام) و عنده الكميت ابن زيد، فقال للكميت أنت الذي تقول: فالآن صرت على أمية و الامور الى مصائر؟

قال: قد قلت ذاك فو اللّه ما رجعت عن أيمان و اني لكم لموال و لعدوكم لقال و لكني قلته على التقية، قال: أما لئن قلت ذلك أن التقية تجوز في شرب الخمر. (1)

____________

الجمع بين العوض و هي الهاء و المعوض عنها و هي الهمزة و اسكان الهاء لغة نقلها الجوهري (1) و غيره.

و «محجمة من دم» مرفوعة على الاقامة مقام الفاعل.

و هنالك تفصيل أوردناه في المعلقات على الفقيه، و في المعلقات على الاستبصار.

قوله (ع): ان التقية تجوز في شرب الخمر

روايات أصحابنا و أقوالهم في جواز التقية في شرب الخمر و عدمها مختلفة، فالصدوقان (رضوان اللّه تعالى عليها) قالا: بالمنع، فعندهما لا تقية في شرب الخمر، و لا في المسح على الخفين، و لا في متعة الحج، كما لا تقية في الدماء، و الشيخ و أتباعه رحمهم اللّه تعالى قالوا بالجواز عند مخافة القتل.

قال شيخنا الشهيد في الذكرى: قال الصدوقان: عن العالم (عليه السلام) ثلاث لا أتقي فيهن أحدا، شرب المسكر و المسح على الخفين و متعة الحج؛ و هو في الكافي و التهذيب بسند صحيح عن زرارة قال: قلت له: أ في مسح الخفين تقية؟ قال: ثلاث لا أتقي فيهن أحدا: شرب المسكر و مسح الخفين و متعة الحج، و تأوله زرارة- (رحمه اللّه)- بنسبته الى نفسه (عليه السلام)، و لم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدا، و تأوله‌

____________

(1) الصحاح: 4/ 1570

466

365- حدثني محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن الحسن، عن العباس ابن عامر القصباني، و جعفر بن محمد بن حكيم، قال: حدثنا ابان بن عثمان، عن عقبة بن بشير الاسدي، عن كميت بن زيد الاسدي، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: و اللّه يا كميت لو أن عندنا مالا أعطيناك منه، و لكن لك ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لحسان: لا يزال معك روح القدس ما ذببت عنا.

____________

الشيخ بالتقية لأجل مشقة يسيرة لا تبلغ الى الخوف على النفس أو المال، لما مر من جواز ذلك للتقية.

قلت: و يمكن أن يقال: ان هذه الثلاث لا يقع الانكار فيها من العامة غالبا، لأنهم لا ينكرون متعة الحج و أكثرهم يحرم المكسر، و من خلع خفه و غسل رجليه فلا انكار عليه، و الغسل أولى منه عند انحصار الحال فيهما، و على هذا يكون نسبته الى غيره كنسبته الى نفسه (عليه السلام) في أنه لا تقية فيه، و اذا قدر خوف ضرر نادر جازت التقية انتهى كلام الذكرى (1).

قلت: فاذن قول أبي الحسن (عليه السلام) للكميت يحتمل أن يكون على وجوه ثلاثة:

الاول: على مذهب الصدوقين أنه (عليه السلام) قال له: انك اذا قلت ذلك على التقية و جازت التقية في زعمك في ذلك فيلزمك أن يكون عندك أنه تجوز التقية في شرب الخمر فان ذلك أكبر اثما عند اللّه و أعظم مفسدة في الدين من شرب الخمر.

الثاني: على مسلك الذكرى كأنه (عليه السلام) يقول: كما لا يصح أن التقية يجوز في شرب الخمر، اذ من المعلوم أنه ليس يقتل أحد أحدا على اجتناب شرب الخمر كذلك لا يصح جواز التقية فيما قلت، فانك لو كنت لم تقل ما قلت و لم تمدح بني أمية بما مدحت لم يكن أحد يقتلك على ذلك أو يأخذ منك مالا، فقوله (عليه السلام) «ان التقية تجوز في شرب الخمر» على هذين الوجهين مصبوب في قالب الانكار، أو الاستفهام الانكاري.

____________

(1) الذكرى: 90

467

366- حدثني حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن حنان، عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، قال: دخل الكميت بن زيد على أبي جعفر (عليه السلام) و أنا عنده، فأنشده: من لقب متيم مستهام، (1) فلما فرغ منها قال للكميت: لا تزال مؤيدا بروح القدس ما دمت تقول فينا.

____________

الثالث: على قول الشيخ و أتباعه يعني (عليه السلام): انك اذا قلت ذلك على التقية فلا جناح عليك، فان التقية تجوز في شرب الخمر اذا ما خيف على النفس أو المال و كذلك تجوز فيما قلته، و على هذا فالكلام في سياق الاثبات و التقرير دون الانكار و التعيير، و هذا أبعد الوجوه فليعرف.

قوله: من لقلب متيم مستهام

هذا اول مصراعي المطلع و وزن تقطيعه فاعلاتن مفاعلن، فتجب مراعاتها في سائر الابيات على ما قد وقعت فيها من الزحافات.

و «المتيم» بفتح التاء المثناه من فوق و تشديد الياء المثناة من تحت على اسم المفعول من باب التفعيل، يقال: تيمه الحب و تامه أيضا.

قال في الصحاح: معنى تيم اللّه عبد اللّه، و أصله من قولهم تيمه الحب أي عبده و ذلّله، فهو متيم و يقال: أيضا تامته (1).

و في أساس البلاغة: هو تيم اللّه أي عبد اللّه، و من المجاز تامت فلانة قلبه و تيمته و هو متيم، و قرأت شعر المتيمين (2).

و «المستهام» اسم المفعول من باب الاستفعال من هام يهيم هيما و هيمانا اذا تحير من الحب و العشق.

في القاموس: و الهيام بالضم كالجنون من العشق و قلب مستهام هايم (3).

____________

(1) الصحاح: 5/ 1879

(2) أساس البلاغة: 66

(3) القاموس: 4/ 193