سفينة النجاة ومشكاة الهدى ومصباح السعادات - ج1

- الشيخ أحمد بن علي كاشف الغطاء المزيد...
166 /
1

الجزء الأول

بسمه تعالى‌

هذا هو الجزء الأول‌

من كتاب‌

سفينة النجاة‌

للمرحوم المبرور‌

آية الله الحجة الشيخ احمد آل كاشف الغطاء‌

طاب ثراه‌

و عليه حواشي و تعليقات و فتاوى‌

اخيه الحجة‌

الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (قدّس سِرُّه‌)

مكتبة كاشف الغطاء النجف الأشرف‌

1423 ه‍ ..... 2002 م‌

2

[مقدمة المحشي]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و له الحمد‌

رب هب لي حكما و زدني علما و الحقني بالصالحين و المصلحين محمد و عترته الاطيبين صلواتك عليهم.

(و بعد) فان من انفس ما أنتجته و أخرجته هذه العصور الأخيرة من المؤلفات النافعة و الثمار اليانعة، و الآثار الخالدة هو كتاب (سفينة النجاة) لشقيقنا آية الله الشيخ أحمد تغمده الله برضوانه و اسكنه الفردوس من جنانه الذي كان في آخر أيامه من أعظم مراجع التقليد لطائفة الإمامية في عامة أقطارها و كان قد طبع هذا الأثر الجليل في حياته و نفذ قبل انتهاء عامين من طبعه و بقي أكثر العارفين بمزاياه يتعطشون إلى الارتواء من مناهله بإعادة طبعه. و كان الكثير ممن رجع إلينا بالتقليد يلح علينا بأن نعلق عليه و نعيد طبعه و لكن اشتغالنا بتأليف (تحرير المجلة) و طبعه مضافا إلى الظروف السود التي وقعنا فيها منذ بضع سنين عاقنا عن ذلك و لما أوشكت أو كادت أن تنفرج تلك المضايق المكربة و سنحت الفرصة عزمنا بتوفيقه تعالى على طبعه الجديد مع تعليقاتنا عليه شرحا و استدراكاً و بياناً لرأينا فيما إذا اختلفت الفتوى و ذكرنا في الحواشي و التعليقات المهم من فروع (العروة الوثقى) الشهيرة لسيدنا الأستاذ أعلى الله مقامه و هو أي كتاب السفينة دورة فقه كاملة مشتمل على جميع كتب الفقه مع غاية التحقيق و الإيجاز بل الإعجاز و يشتمل على جملة فروع غير مذكورة حتى في (العروة) التي هي اجمع كتاب للفروع و نرجو بعناية الحق جل شأنه أن يبرز بالنشر بأبهى حلَّه و هو بضميمة تعليقاتنا عليه و ما نلحقه به من فروع خير موسوع جامع، و أنفع حتى من (المختصر النافع) يستغني به الفقيه فضلا عن المتفقه عن كثير من كتب الفقه و يأخذ منه أوفر النصيب من العلم المنتهي و المبتدأ و لما كانت مقدمته في الاجتهاد و التقليد مشتملة على تحقيقات علمية عميقة بل و إلى الغاية دقيقة لا يصل إلى معانيها الطبقة و الوسطى فضلا عن الطبقات الأخرى من السواد العام لذلك أفردناها في الطبع و جعلناها كرسالة مستقلة يقتنيها من هو أهل لها و يلحقها بالكتاب إذا شاء و‌

3

العمل على طبق المتن و ما نعلق عليه من الحواشي مبرئ للذمة و مسقط للتكليف و موجب للمثوبة و الأجر إن شاء الله.

و هذا أوان الشروع في المقصود من كتاب (السفينة) و حواشينا عليه و من الحق جل شأنه نستمد العناية و التوفيق. (1)

____________

(1) حرره محمد الحسين آل كاشف الغطاء في مدرسته العلمية في النجف الاشرف 22 جمادي الآخرة سنة 1364 ه‍.

4

[مقدمة الماتن]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و له الحمد‌

اللهم انا نحمدك و أنت الغني الحميد و نمجدك و أنت ذو العرش المجيد نستمد منك الحسنى بالحمد الذي ألهمته و نستزيد على ما أنعمت به علينا من الهدايا لدنك و التوفيق لسبيلك و نصلي على أشرف أنبيائك و رسلك محمد الذي أرسلته رحمة للعاملين و أنزلت على قلبه الروح الأمين و على أخيه و وصيه الذي جعلته ردءً له و ظهيرا و أبنائه أقلام الحق و السنة الصدق الذين أذهبت عنهم الرجس و طهرتهم تطهيرا صلاة تنجز لهم بها من المقام المحمود موعده و تعذب بها من الشرف مورده (و بعد) فاني مجيبك أيها الأخ الفاضل أعزك الله و أرشدك و أيدك و سددك إلى ما طال تشوقك إليه و حثك عليه و ترغيبك فيه من إملاء رسالة تحتوي على الإفصاح عما فرضه الله من الاعتقادات و الإيضاح لما تعم به البلوى و تكثر إليه الحاجة من أحكام العبادات و العقود و الإيقاعات و باقي المسائل الفرعية إلى باب الديات محررا ذلك باجلى إشارة و أحلى عبارة مقتصرا فيها على ما يروي الغلة و يشفي العلة و يحصل به مراد الطالب و مناخ الراكب و بغية السائل و رواء الناهل و ها انا قد عزمت على ذلك متوكلا على الله سبحانه و تعالى ملتجئ إليه و معتمداً عليه و راجيا منه أن يوفقني لإتمامها و يجعلها خالصة لوجهه الكريم و ينفعني بها يوم لا ينفع فيه إلا من أتى الله بقلب سليم و حيث انها مشتملة على فقه آل محمد (صلوات الله عليه و عليهم) الذين هم سفينة النجاة التي من ركبها نجا و من تخلف عنها هوى و مقتبسة من أنوار أخبارهم و آثارهم التي هي مشكاة الهدى و مصباح السعادات لذا سميتها (سفينة النجاة) و مشكاة الهدى و مصباح السعادات‌

و رتبتها على مقدمة و مقاصد و خاتمة.

5

أما المقدمة

ففيها مطلبان‌

المطلب الأول في موجز من أصول الإيمان

و هي خمسة و أصول الإسلام منها ثلاثة (الأول) معرفة الله سبحانه و تعالى و يكفي في ذلك معرفة انه واحد أحد فرد صمد لا شريك له و لا معبود سواه قديم أزلي دائم ابدي حي قادر عالم منزه عما يقتضي الحدوث من الجسمية و الرؤية البصرية و الاختصاص بمكان أو جهة أو زمان تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً بل يكفي معرفة انه تعالى جامع لصفات الكمال منزه عن صفات النقص و ان لم يعرف تفاصيلها و الا فالافهام قاصرة عن معرفة كنه جبروته و الأوهام متقاصرة عن إدراك حقيقة ملكوته تبارك الله رب العالمين (الثاني) من أصول الإسلام النبوة و يكفي في ذلك معرفة ان الرسول إلينا و المفروضة طاعته على كافة المكلفين و علينا و الواسطة بين الله و بين الناس و من عصمه الله من كافة المعاصي و الادناس هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان و أمه آمنة بنت وهب و ان معجزاته (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أقوى من معجزات الأنبياء السابقين ظهوراً و أقرب صدوراً و أوفر عدداً و أصح سنداً و كفى بكتاب الله معجزا مستمراً مدى الدهر حيث بارزته العرب العرباء و حاولت معارضته فحول الفصحاء و البلغاء فعجزوا عن ذلك و وقفوا هنالك (الثالث) من أصول الإسلام المعاد الجسماني و يكفي في حصول اليقين به حكم العقل بوجوبه و انه لو لا اصل المعاد لضاع عمل العاملين و ذهبت حقوق المظلومين و لساوى أشقى الأشقياء أفضل الأنبياء إذا ليس في الدنيا ما يصلح للجزاء مع ان اقبالها على الفجار بمقدار إعراضها عن الأخيار و لو لا عود تلك الأجسام لما ورد الثواب و العقاب على المباشر للطاعات و الآثام (الرابع) و هو من أصول الإيمان الإمامة و يكفي في ذلك الإقرار بإمامة الأئمة الاثني عشر و عصمتهم و وجوب طاعتهم و نذكر أسماءهم الشريفة في‌

6

هذه الرسالة تيمناً و تبركاً (فاولهم) علي بن أبي طالب و أمه فاطمة بنت أسد (الثاني) من بعده ولده الحسن (الثالث) من بعده أخوه الحسين و أمهما فاطمة الزهراء (الرابع) من بعده ولده علي بن الحسين و أمه شاه زنان (الخامس) من بعده ولده محمد الباقر و أمه أم عبد الله فاطمة بنت الحسن فهو علوي بين علويين (السادس) من بعده ولده جعفر الصادق و أمه أم فروة بنت القاسم (السابع) من بعده ولده موسى الكاظم و أمه حميدة (الثامن) بعده ولده علي الرضا و أمه أم البنين (التاسع) من بعده ولده محمد الجواد و أمه الخيزران (العاشر) من بعده ولده علي الهادي و أمه سمانة (الحادي عشر) من بعده ولده الحسن العسكري و أمه حديثة (الثاني عشر) الإمام المنتظر صاحب العصر و الزمان خليفة الله في عباده و امينه في بلاده قائم آل محمد أرواحنا و أرواح العالمين فداه و أمه نرجس و هؤلاء هم العترة الطاهرة و فقنا الله لطاعتهم و حشرنا في زمرتهم (الخامس) من أصول الإيمان العدل بمعنى انه لا يجوز عليه عز اسمه الظلم و الاخلال بالواجب و يكفي في إثباته غناه عن الظلم و جمعه لصفات الكمال و تنزيهه عن ذميم الخصال و قد ذم الظلم و أهله و أمر بفعل الأفعال المرضية و نهى عن الأخلاق الردية.

المطلب الثاني في نبذ من أحكام التقليد

اعلم انه قد استقل العقل و تواتر النقل بان الله سبحانه و تعالى لكمال لطفه و تمام رحمته و رأفته بعباده لم يتركهم سدى بل فرض لهم فرائض و حدّد لهم حدوداً و جعل لهم احكاما و جعل لكل واقعة حكما حتى ارش الخدش فيجب على كل مكلف ان تكون اعماله في عباداته و معاملاته من عقوده و ايقاعاته و عادياته بل و كافة حركاته و سكناته في اقواله و افعاله موافقة لتلك الأحكام الشرعية مطابقة لتلك النواميس الإلهية و معرفة ذلك في زمان الرسول و عترته الطاهرين (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كانت بالرجوع إليهم و الاستضاءة بانوارهم و الاقتفاء لآثارهم حتى في زمن الغيبة الصغرى فان صاحب الأمر روحي له الفداء كان قد عين نوابا مخصوصين تصل إليه التوقيعات بواسطتهم و هم كانوا السفراء بينه و بين شيعته و أما بعد أن‌

7

وقعت الحيرة بسبب غيبته الكبرى التي انقطعت فيها السفارة و النيابة الخاصة لم يبق طريق لمعرفة تلك الأحكام الا بالرجوع إلى كتاب الله المجيد و الأحاديث الشريفة و حيث ان ذلك لا يمكن أن يكلف به جميع المكلفين و الا لاختل النظام في المعاش و المعاد لا جرم صار الناس على صنفين فصنف على عهدته تعيين الأحكام و استنباطها من الأدلة و الصنف على عهدته كافة الأمور الآخر التي يتوقف عليها استقامة النظام و الثاني يرجع إلى الأول في اخذ الأحكام المتعلقة به فالأول هو المجتهد و الثاني هو المقلد و هذه سنة الله في عباده و بلاده حتى في زمان الرسول و عترته الطاهرة فانه لم يكن ممكنا وصول جميع المكلفين إليهم و اخذ الأحكام عنهم خصوصا بعد انتشار الإسلام و كثرة المسلمين بل قوله جل شأنه [فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] دالة على ان الأمر كان كذلك في أوائل الإسلام أيضا نعم الفرق بين الزمانين ان المعرفة في ذلك الزمان ببركات وجودهم الشريف كانت ايسر منها في هذا الزمان مضافا إلى استقلال العقل به و لذا لا يختص به أهل ملة و ملة بل هو جار في جميع أهل الملل و الأديان قد أكده النقل و أيده و أرساه و شيده حيث ورد في ذلك كثير من الآيات و الأخبار كآية النفر و آية الذكر و غيرهما و قد أمروا (صلوات الله و سلامه عليهم) بالرجوع إلى من عرف حلالهم و حرامهم‌

و قال العسكري (عليه السلام) في التفسير المنسوب إليه و اما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظاً لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه و قد ورد في التوقيع عن صاحب الأمر أرواحنا له الفداء و أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله عليهم

إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على ذلك فاذاً لا ينبغي الريب في انقسام المكلف إلى قسمين مجتهد و مقلد و رجوع الثاني في معرفة أحكامه إلى الأول و من أنكر ذلك بلسانه فهو معترف به في جنانه و من جحده في قوله فهو مصدق له في فعله نعم هنا قسم ثالث و هو تارك الطريقين و العامل بالاحتياط و هذا و ان كان الحق صحة اعماله و صحة عباداته حتى إذا استلزم التكرار خلافا لمن خالف في ذلك فان الحق على ما فصل في محله كفاية‌

8

الامتثال الإجمالي العلم حتى مع التمكن من الامتثال التفصيلي بالعلم فضلا عن الظن الخاص أو المطلق من دون فرق بين استلزامه للتكرار و عدمه في التعبديات أو التوصليات في الشبهات الحكمية أو الموضوعية بل هو بحكم العقل و النقل ارجح من الامتثال الظني خاصا أو مطلقا لكن ذلك لا يستغنى به عن الاجتهاد أو التقليد و لو في الجملة لمعرفة موارد الاحتياط إذ قد لا يحصل التفات إلى اشكال المسألة ليحتاط و قد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط و قد يتعارض الاحتياطان فلا بد من الترجيح مثلا الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر الاحتياط يقضي بعدم استعماله في رفع الحدث لكن إذا فرض انحصار الماء به ينعكس الأمر و يكون الاحتياط قاضيا باستعماله بل قد يجب إذا كان الاحتياط بتركه استحبابيا و احوط من ذلك الجمع بين استعماله و التيمم و هكذا و كل ذلك يحتاج في تميزه إلى اجتهاد أو تقليد على ان ذلك إنما يجري فيما يمكن في الاحتياط كالشبهات الوجوبية أو التحريمية من الشك في التكليف أو المكلف به في الواجبات الاستقلالية أو الارتباطية كما في موارد الشك في الجزئية أو الشرطية أو المانعية أو القاطعية في الأحكام التكليفية أو الوضعية في الشبهات الحكمية أو الموضوعية و اما في موارد دوران الأمر بين محذورين من الحرمة و الوجوب كذلك فلا طريق إلى الاحتياط و لا مجال الا للرجوع إلى أحد الطريقين هذا مضافا إلى ما فيه من العسر التام و الحرج الشديد على عامة المكلفين فان من أراد الاحتياط في فريضة واحدة في مقدماتها و أجزائها و شرائطها و موانعها و قواطعها ربما لا يكفيه لذلك عامة نهاره و ليله و بالامتحان يعرف صدق ما ادعيناه فان القول خفيف المئونة و لكن عند الفعل تسكب العبرات و تكثر العثرات‌

إذا انبجست دموع من عيون‌

تبين من بكى ممن تباكى‌

و من أمكنه ذلك فعليه به و طوبى له فما أحسنه و أرجحه و على أي حال فالراجح المحافظة عليه بقدر الإمكان فانه طريق النجاة و الميسور لا يسقط بالمعسور هذا في مشروعية اصل الاجتهاد و التقليد في الجملة و اما تفاصيل ما يصح فيه التقليد و ما لا يصح و من يصح تقليده و من لا يصح و ما حقيقة التقليد و ما يعتبر فيه إلى غير‌

9

ذلك من الأحكام المتعلقة بذلك فموقوف بينها على أمور‌

(الأول) في بيان ما يصح في التقليد و ما لا يصح

اعلم ان التقليد لا يصح في الأصولين اعني أصول الدين و أصول الفقه و لا في مبادئ الاستنباط من النحو و الصرف و المنطق و نحوها و لا في الضروريات التي يستوي فيها المجتهد و المقلد كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما بل و لا في اليقينيات التي يمكن لكل أحد تحصيل اليقين بها لوضوح أدلتها و لا في تطبيق المفاهيم الكلية على مصاديقها و الكبريات على صغرياتها مما تكون الشبهة فيه على فرض حصولها موضوعية ليس على عهدة الشارع إزالتها و لا من شأنه بيانها لأن المنشأ فيها اشتباه الأمور الخارجية و مثله الشك في اصل إيجادها كما لو شك في إنه أتى بالصلاة مثلا أم لا و لا فرق في ذلك بين ان تكون تلك المفاهيم خارجية صرفة أو‌

مخترعة شرعا كماهية العبادات و نحوها إذ بعد معرفة الحكم الكلي و موضوعه الكلي الذي يأخذ من الشارع يكون تطبيقه على مصاديقه و كذا إحراز تحققه في الخارج راجعٌ إلى المكلف لا دخل له بالشارع و يستوي فيه المجتهد و المقلد فلو شك المقلد في مائع انه خمر أو خل مثلا و قال المجتهد انه خمر لا يجوز له تقليده فيه نعم من حيث انه مخبر عادل يقبل قوله كما في أخبار غير المجتهد إذا كان عادلا و كذا لو شك في انه صلى مثلا أم لا و قال المجتهد بأنه صلى و هكذا و من هنا يتوجه اشكال على ما جرت عليه السيرة من الرجوع إلى المجتهد في تفسير كلم الوصايا و الأوقاف و النذور و الاقارير و نحوها عند التخاصم في تعيين المراد منها فيستفتي فيها و يجعل ما يفتي به حجة لأحد الخصمين على الآخر مع ان الحكم الشرعي الكلي فيها ليس هو الا العمل على طبق ما أراده الموصي أو الواقف أو الناذر أو المقر و أما تعيين المراد فراجع إلى المكلفين بالعمل في ذلك من الوصي و الورثة و متولي الوقف و الموقوف عليهم و هكذا و ينبغي ان لا يكون فهم المجتهد حجة عليهم لو فهموا منها خلاف ما فهم بل يسري الإشكال إلى كثير من المباحث التي ذكرها علماؤنا (قدس الله اسرارهم‌) في مثل كتاب الوصايا و الوقف و النذر و الإقرار و غيرها من الكتب فانهم قد أطالوا الكلام في الكثير من المسائل الراجعة إلى تعيين المراد مع ان ذلك كله ليس بحثا عن الحكم الكلي ليكون من‌

10

مسائل الفقه اللهم الا ان يكون المقصود من ذلك الاستعانة بفهم المجتهد على تعيين المراد عند من يتوجه إليه التكليف بذلك و يكون ذكر العلماء له في تلك الكتب لذلك الغرض أيضا من باب الاستطراد و هذا كله بالنسبة إلى تطبيق المفاهيم على مصاديقها أو إحراز تحققها في الخارج و اما (1) نفس تلك المفاهيم الكلية التي هي موضوعات للأحكام الكلية فلا ريب في جريان الاجتهاد و التقليد فيها سواء كانت من الماهيات المخترعة أو من الموضوعات اللغوية أو العرفية فان الموضوع الكلي بحدوده و قيوده كالحكم الكلي إنما يؤخذ من المجتهد كما يؤخذ من الشارع و الشبهة فيه على فرض حصولها حكمية على عهدة الشارع إزالتها و من شأنه بيانها فان منشأها أما فقد النص أو إجماله أو تعارضه و في الجميع الأمر راجع إليه غاية ما هناك انه في صورة إجمال النص كما يمكن الرجوع إليه في رفع الإجمال كذلك يمكن الرجوع إلى اللغة و العرف‌

____________

(1) هذا المقام لا يخلو من إجمال و ابهام؛ فإن أوله ظاهر في ان محل البحث ناقص الشك في معنى المفهوم و آخره ظاهر في الشك في المصاديق و انطباق الكلي عليها، و التحقيق ان يقال ان الشك ان كان في المركبات الشرعية و الماهيات المخترعة كالصوم و الصلاة و نحوها فالمرجع فيها إلى الشارع و الفقيه لا غير لأن عليه بيانها كما ان عليه بيان أحكامها فالحكم و الموضوع هنا سواء، و ان كان الشك في المفاهيم العامة و الألفاظ اللغوية و العرفية فإن كان الشك في معانيها و المراد منها في استعمال الشارع و المتشرعة مثل مفهوم الصعيد و الكعبين أو الجزء أو السهم في وصايا الموصين أو الأولاد و الذرية في كلمات الواقفين و أمثال ذلك فالمرجع أولا في تفسيرها إلى النص لأن موضوع الحكم كنفس الحكم على المتكلم بيانه و هو اعرف بمراده. فان لم يكن هناك نص فالمرجع إلى العرف الخاص أو العام فان لم يكن أو اشتبه فإلى اللغة فان لم يتضح منها ذلك فلا محيص من الرجوع إلى الأصول العملية و إذا تعارض النص مع العرف فان كان معتبرا عمل به في مورده و يرجع إلى العرف في غيره و ان لم يكن معتبرا فالمرجع إلى العرف مطلقا و مع الشك فالمرجع كما قلنا إلى الأصول، أما إذا كان المفهوم واضحا معلوما و حصل الشك في المصداق أي ان الشك في هذا المصداق ينطبق عليه ذلك المفهوم مثل ان مفهوم الغنم معلوم واضح و يشك في ان المتولد من الشاة و الكلب من أي الطبيعتين هو و أي المفهومين ينطبق عليه فلا مجال هنا للرجوع إلى الفقيه و لا إلى الشارع أصلا فان أمكن تمييزه بالرجوع إلى العرف أو إلى الامارات تعين و الا فإلى الأصول العملية فيبني على طهارته و حرمة لحمه للأصل فيهما. أما الرجوع في ألفاظ الوصايا و الوقف و نحوها إلى الفقهاء فهو من باب الأصل العام و القاعدة الكلية و هي لزوم رجوع الجاهل إلى العالم في كل شي‌ء. و الفقيه أعرف بموارد الاستعمال و خصوصيات الكلام الكاشفة عن مراد المستعملين و هذا هو ملاك صحة اصل التقليد و اعتباره فتدبر هذا و اغتنمه.

11

إذا كان الإجمال بدويا يمكن زواله بالرجوع إليها بالرجوع اليهما هذا كله بالنسبة إلى الأحكام الواقعية المجعولة للوقائع بعناوينها الأولية و اما الأحكام الظاهرية التي هي مفاد الأصول العملية المجعولة للشاك على نحو الوظيفة الفعلية فلا ريب في رجوعها إلى المجتهد سواء كانت جارية في الشبهات الموضوعية أو الحكمية نعم بينهما فرق من حيث ان الثانية من المسائل الأصولية فتختص بالمجتهد استنباطا و عملا لأن إجراءها في مجاريها لا يسوغ الا بعد الفحص عن الأدلة الذي لا يقدر عليه الا المجتهد بخلاف الأولى فانه من المسائل الفقهية إنما يختص بالمجتهد استنباطها و الا فاجراؤها في مجاريها مما يشترك فيه المجتهد و المقلد لعدم اشتراطه بالفحص و على تقديره فهو فحص في أمر خارجي يقدر عليه المقلد مثلا إذا استفاد المجتهد من الأدلة ان الأصل الجاري في الشك بالطهارة و النجاسة هو أصالة الطهارة فليس للمقلد ان يجريه في مسألة ماء الغسالة و عرق الجنب من حرام إذا وقع الشك في طهارتهما و نجاستهما و لكن له أن يجريه فيما إذا شك في طهارة الثوب أو الماء و نجاستهما لاحتمال ملاقاتهما للنجاسة بعد أن قلده في ان الأصل المجعول من الشارع في مثل ذلك هو أصالة الطهارة ثمّ انه لا بد من التقليد في الأحكام الشرعية الفرعية من دون فرق بين التكليفات بأقسامها و الوضعيات‌

كذلك فكما يجب التقليد في الواجبات و المحرمات كذلك يجب في المستحبات و المكروهات و المباحات و كما يجب في الأجزاء الواجبة كذلك يجب في الأجزاء المستحبة نعم في مثل الأذكار و الدعوات و الزيارات و الصلوات و ما أشبه ذلك من المستحبات التي علم الرجحان الشرعي في اصل ماهيتها و طبيعتها بأي فرد تحققت يمكن أن يقال بعدم وجوب التقليد في خصوصياتها إذا أتى بها بداعي القربة المطلقة لا بعنوان الورود بخصوص بل إذا أتى بها بذلك العنوان الخاص لكن بداعي احتمال الأمر رجاء للثواب جاز أيضا على ان ما في الكتب المعروفة المعلوم انتسابها إلى أساطين الدين (قدس الله اسرارهم‌) لا ريب في صحته و اعتباره و جواز العمل على طبقه فلكافة إخواننا أيدهم الله تعالى بروح منه العمل بما في كتب الشيخ الطوسي كالمصباح و غيره مما يصح انتسابه إليه و كتب السيد ابن طاوس كذلك كالاقبال و‌

12

مهج الدعوات و امان الأخطار و نحوها و كتب البهائي كمفتاح الفلاح و غيره و كتب المجلسي كزاد المعاد و تحفة الزائر و غيرهما و هكذا غيرها من الكتب التي علم انتسابها إلى علمائنا الكرام (1) جزاهم الله عن الإسلام و أهله خير الجزاء‌

(الثاني) في بيان من يصح تقليده و من لا يصح و بيان حقيقة التقليد

اعلم ان أهم ما يشترط وجوده فيمن يرجع إليه في التقليد هو الاجتهاد و أهم ما يتوقف عليه الاجتهاد هو وجود القوة القدسية التي يتمكن بها من رد الفروع إلى الأصول و استنباطها منها و استقامة السليقة التي يتمكن بها من فهم المراد من كلمات أهل بيت العصمة (صلوات الله عليهم) و إشاراتهم و هذه القوة و تلك الاستقامة من الملكات النفسانية التي لا تحصل بالكسب (2) و إنما هي بيد الله سبحانه يؤتها لمن يشاء من عباده في مبدأ الفطرة حسبما تقتضيه حكمته و إرادته و لعله إلى هذا أشير بما ورد من ان العلم ليس بكثرة التعلم و إنما هو نور يقذفه الله بقلب من يشاء (و يشترط) فيه بعد إحراز الاجتهاد أمور فمنها البلوغ و العقل و الذكورة و الإيمان و العدالة و طهارة المولد إجماعا كما في الروضة و‌

____________

(1) بل و حتى الكتب التي لم يعلم انتسابها إلى أربابها إذا كانت مشتملة على أدعية و أذكار و أوراد و ختومات مثل ختم الواقعة و نحوها من السور الشريفة فان الذكر و الدعاء كالصلوات خير موضوع فمن شاء استقل و من شاء استكثر و كثيرا ما نصحح الأسانيد بالمتون، و على كلام الأنبياء و أوصيائهم مسحة نور إلهية يعرفها أهلها و لا يسري ذلك إلى مثل الطلسمات و الاوفاق و ما أشبه ذلك من أعمال المحتالين و الدجالين فانها إشراك و مصائد فليحذر المؤمنون منها و الله العاصم.

(الحسين)

(2) لعل المراد ان الكسب ليس هو العلة التامة في حصولها إذ كم من سائر لا يزيده كثرة السير الا بعدا عن الغاية لا ان الكسب لا اثر له. كيف و قد ابى الله أن يجري الأمور الا بأسبابها و لم نجد أحدا من متعارف البشر جاءته ملكة الاجتهاد بدون سعي و كد بل السعي و الكد لا بد منه فان كان ممن له استعداد و أهلية حصلت له تلك الملكة بمعونة الحق جل شأنه و بألطافه. و الا خاب سعيه و لم يصل إلى الغاية مهما جد و اجتهد و لا يختص هذا بعلم الأصول أو الفقه بل عامة العلوم و سائر الصنائع و الفنون على هذا فليس كل من اشتغل في فنّ يصير فنانا و لا كل من جد في صنعة يكون أستاذا و إنما على قدر المكاسب و المواهب تعلو الدرجات و تسمو الملكات و تعظم الهبات.

(الحسين)

13

العدالة هي ملكة (1) إتيان الواجبات و ترك المحرمات و تعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علما أو ظناً بل يعتبر فيه أن لا يكون مقبلا على الدنيا و طالبا لها مكبا عليها مجدا في تحصيلها كما دل عليه الخبر السالف المروي عن العسكري (عليه السلام) و منها الحرية على الأشهر كما في الروضة و الحفظ و الضبط بمعنى عدم كونه كثير السهو و النسيان و كونه مجتهدا مطلقا على الاحوط فلا يجوز تقليد المتجزي و منها الاعلمية على الاحوط فلا يجوز تقليد المفضول مع التمكن من الفاضل و المراد بالأعلم الأقوى ملكة و الاجود استنباطا لا الأكثر اطلاعا و حفظا نعم أكثرية الاطلاع على الأشباه و النظائر قد يكون لها مدخلية في قوة الملكة و اجودية الاستنباط فتعتبر من هذه الجهة و لو تعارضت فضيلة العلم مع فضيلة التقوى و الورع بعد إحراز العدالة فيهما قدم العلم و لو كان كل منهما اعلم من الآخر في باب فالاحوط تقليد كل فيما هو اعلم فيه كما لو كان أحدهما اعلم في العبادات و الآخر في المعاملات أو اختلفا كذلك في أقسام العبادات أو المعاملات أو في أحكام عبادة واحدة على الأقوى و إذا تردد الاعلم بين شخصين أو اشخاص فان أمكن تعيينه بالعلم أو الظن وجب على الاحوط و الا فلا يبعد جواز تقليد الاعلم الواقعي الموجود فيما بينهما المعين في الواقع و ان لم بعينه و حينئذ فما اتفقوا فيه عمل به و ما اختلفوا فيه ان أمكن الاحتياط اخذ به و الا تخير و له‌

____________

(1) هذه العبارة شائعة في كلمات جملة من الفقهاء في تعريف العدالة أو الاجتهاد و منهم السيد الأستاذ (قدّس سِرُّه‌) في (العروة) و هي جدا قاصرة عن افهام المعنى المراد ضرورة ان كل أحد له ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرمات حتى افسق الفسقة و إنما التعبير الصحيح الوافي بالإشارة إلى تلك الحقيقة انها ملكة الإتيان بالواجب و ترك الحرام بسهولة و هذه الملكة كسائر الملكات و الصفات الإنسانية كملكة الشجاعة و الكرم و الحلم كسبية أو وهبية فالشجاع يدخل إلى الحرب ركضا ثابت الجنان من غير تأمل و لا روية كشي‌ء عادي له اما الجبان فينخلع قلبه إذا رأى السيوف تلمع و الأسنة تشرع و لا يدخل إلى حومة الوغى و لو ضربته بالسياط فالفاسق قد يأتي بالواجب متكلفا لعدم الملكة اما العادل فهو سهل عليه معتادٌ له بل تصعب عليه المخالفة و المجتهد الواسع إذا عرض عليه اصعب الفروع قدر على استنباط حكمه بمجرد توجيه الفكر لإحاطته بالقواعد و الأدلة و حضورها عنده فكل فرع يرد عليه و ان لم يخطر عليه في مدة عمره و لكنه أسرع ما يعرف حكمه و يستنبط وجهه و لا يحتاج إلى استفراغ وسع جديد فالملكات صفات إنسانية تصدر عنها الأعمال بسهولة فتدبره.

(الحسين)

14

في هذه الصورة تقليد الجميع من باب المقدمة العلمية لتقليد الاعلم و يكون الحكم كما ذكر و اما تقليد أحدهما بعنوانه الكلي أو تقليد مصداق أحدهما بمعنى الفرد المبهم المردد فيما بينهما أو تقليد المجموع من حيث المجموع فلا وجه له و إذا لم يفت الاعلم في واقعة جاز الرجوع فيها إلى غير الاعلم فالاعلم و من ذلك احتياطاته اللزومية كالتي لم تسبق بفتوى و لم تلحق بها إذا نشأت من التوقف و اما إذا كانت احكاما و لو تعويلا على أصالة الاحتياط أشكل الرجوع إلى الغير و كذا لو شك في انها من أي النحوين و ان قلد الاعلم ثمّ صار غيره اعلم منه عدل إليه حتى لو كان الأول ممن يحرم العدول و لو إلى الاعلم و لو توافق الاعلم و غيره في الفتوى جاز له العمل بها و لو بتقليد غيره فان التقليد معتبر من باب الطريقية لا الموضوعية و ان كان الاحوط خلافه و يجب تقليد الاعلم في هذه المسألة فلو قلده أجاز له الرجوع إلى غيره جاز و ان كان ذلك الغير يرى وجوب تقليد الاعلم لأن تقليد غير الاعلم باذن الاعلم تقليد للاعلم في هذه المسألة و لو تساويا في العلم و ان تفاضلا في العدالة و الورع تخير في تقليد أيهما شاء و ان كان الاحوط تقليد الاعدل الاورع بل له تقليد أحدهما في بعض المسائل و الأخر في آخر حتى في أحكام عبادة واحدة فضلا عن المتعدد بل لو أفتى أحدهما بوجوب جلسة الاستراحة مثلا و استحباب التثليث في التسبيحات الأربعة و أفتى الآخر بالعكس جاز له تقليد الأول في استحباب التثليث و الثاني في استحباب الجلسة بل له على الأقوى ان يقلد أحدهما في الحكم و الآخر في الموضوع إذا كان المحكوم عليه هو مفهوم ذلك الموضوع دون مصاديقه كما لو أفتى أحدهما بحرمة الصوم‌

المندوب في السفر مثلا مع عدم كون الأربعة فراسخ عنده سفرا و أفتى الآخر بتحقق السفر بها مع فتواه جواز الصوم المندوب في السفر فإذا قلد الأول في الحرمة و قلد الثاني في الموضوع و هو كون الأربعة سفرا حرم عليه إيقاعه فيها و هذا بخلاف ما إذا كان المحكوم عليه مصاديق ذلك المفهوم كما لو أفتى أحدهما بطهارة ماء الاستنجاء مع فتواه باختصاصه بمخرج الغائط و أفتى الآخر بنجاسته مع فتواه بعمومه لمخرج البول فليس له الحكم بطهارة ما يغسل به البول تقليدا للأول بالحكم و الثاني بالموضوع و‌

15

الأقوى كون التخيير بين المتساويين استمراريا فله بعد تقليد أحدهما العدول إلى الآخر و ان كان الاحوط خلافه و هل يصح في صورة التساوي تقليدهما معا فيما توافقا فيه مطلقا دفعة أو تدريجا فيتعدد المقلد و التقليد و يتحد المقلد و المقلد به أولا يصح مطلقا أو يفصل بين الدفعة و التدريج فيصح في الأول دون الثاني وجوه أقواها الأول و عليه فلو عدل أحدهما فهل يبقى مع الباقي أو يعدل مع العدل أو بتخير وجوه اقواها الأخير و الظاهر ان الاعلمية لا تعتبر فيما عدا التقليد مما يرجع أمره إلى الحاكم الشرعي كالولاية على القاصرين أو الأوقاف أو الوصايا و غيرها مما يرجع إليه بل لا تعتبر في القضاء أيضا على المشهور فحكموا بان اختيار تعيين الحاكم إلى المدعي فلو اختار غير الاعلم الزم خصمه بالترافع عنده فضلا عما إذا توافقا عليه لكن الاحوط مع وجود الاعلم في البلد أو ما يليه و ان كان الترافع عنده عدم التجاوز عنه و حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه و لو لمجتهد آخر الا إذا تبين خطأه (و منها) الحياة في الجملة فلا يجوز تقليد الميت ابتداءً مطلقاً و يجوز البقاء على تقليده ان كان مساويا للحي (1) و ان كان اعلم منه فان اوجبنا تقليد الاعلم وجب البقاء و الا جاز و ان كان الحي اعلم منه انعكس و التقليد نظير البيعة يتحقق بمجرد إنشاء الالتزام فمن التزم بالعمل بفتاوى مجتهد حسبما يتجدد له من الوقائع فقد قلده تعلم شيئاً من تلك الفتاوى أم لا عمل بشي‌ء منها أم لا اخذ الرسالة للعمل أم لا فلو مات ذلك المجتهد قبل ان يعلم المقلد بشي‌ء من فتاويه أو يعمل بها جاز له البقاء على تقليده فيها و لو عمل أو علم ببعض دون بعض جاز له البقاء على تقليده حتى فيما لم يعمل به و لم يعلم (2) لكن إنما يجوز له البقاء بعد تقليد الحي في ذلك فلو بقي بدون ذلك كان كمن‌

____________

(1) الأصح عندنا عدم جواز البقاء على تقليد الميت الا في المسائل التي عمل بها و التقليد عندنا هو العمل لا الالتزام و إذا مات المجتهد فالذي عمل بفتواه مخير بين البقاء عليها في تقليد الحي في ذلك و بين العدول إلى الحي اما الفتاوى التي لم يعمل بها فيتعين الرجوع فيها إلى الحي و الله العالم.

(الحسين)

(2) قد عرفت انه مشكل بل لا بد من الرجوع فيها إلى الحي.

(الحسين)

16

لم يقلد حتى لو كان ذلك الميت ممن يرى جواز البقاء على تقليد الميت اما لو قلد الحي في ذلك جاز له البقاء و لو كان ذلك الميت ممن يرى حرمته و حينئذ فيبقى على تقليده الا في هذه المسألة و لو عدل إلى الحي فليس له العود إلى الميت و ان كان ذلك الحي ممن يرى جواز البقاء لانه بعدوله إليه فقد تقليده السابق فعودة إليه يكون كالتقليد الابتدائي و منه يعلم انه لو مات الثاني بعد العدول إليه فقلد ثالثا يرى جواز البقاء أو وجوبه فليس له البقاء الا على تقليد الثاني دون الأول نعم لو كان الثاني يرى وجوب البقاء أو جوازه فبقى على تقليد الأول فبعد رجوعه إلى الثالث الذي يوجب البقاء أيضا و يجيزه يمكن ان يقال بتعيين بقائه على الأول لانه لم يقلد الثاني الا في جواز البقاء أو وجوبه و اما فيما عداه فهو باق على تقليد الأول و يمكن أن يقال بالتخيير لأنه مقلد لهما و الأقوى الأول و لو قلد مجتهدا يرى ان التقليد يتحقق بمجرد الالتزام فمات ثمّ قلد آخر يرى انه لا يتحقق الا بالعمل لكنه يرى جواز البقاء فيكفي في جواز بقائه حتى في المسائل التي لم يعمل بها عمله بتلك الفتوى أعني تحقق التقليد بمجرد الالتزام و الأقوى صحة تقليد المميز و ان لم يكن بالغا و ترتب أحكام التقليد عليه فلو قلد مجتهدا ثمّ مات جاز له البقاء عليه و ان مات قبل البلوغ فضلا عما إذا مات بعده مع بقائه على تقليده.

(الثالث) في طريق إثبات الاجتهاد و ما يشترط في المجتهد

من العدالة و الاعلمية و طريق إثبات فتواه و الطرق إلى ذلك كثيرة (أحدها) و هو احسنها و أتقنها تحصيل العلم بذلك بنفسه من دون توسيط واسطة في البين ففي الاجتهاد و الاعلمية يمكن ذلك لمن كانت له اهلية و ممارسة في المطالب الفقهية بمناظرته و الحضور في مدرسته و النظر في تصنيفه و كتابته و لكن لا يخفى ان للاجتهاد مراتب متفاوتة و درجات متباعدة لا يصل إلى تمييزها القاصر و لا يهتدي إلى معرفتها سوى البصير الماهر و في العدالة بكثرة معاشرته سفرا و حضرا حتى يحصل العلم بحصول تلك الملكة له و هذا أيضا مقام شامخ و محل منيع لا يميزه الا نياقدة الرجال و قد روي في الاحتجاج و عن تفسير العسكري عن الرضا (عليهما السلام) انه قال قال علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا رأيتم الرجل قد‌

17

حسن سمعته و هديه و تماوت في منطقه و تخاضع في حركاته فرويدا لا يغرنكم فما اكثر من يعجزه تناول الدنيا و ركوب الحرام منها لضعف بنيته و مهانته و جبن قلبه فنصب الدين فخا لها فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فان تمكن من حرام اقتحمه و إذا وجدتموه يعق عن المال الحرام فرويدا لا يغرنكم فان شهوات الخلق مختلفة فما اكثر من ينبو عن المال الحرام و ان كثر و يحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرما فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا ما عقدة عقله فما اكثر من ترك ذلك أجمع ثمّ لا يرجع إلى عقل متين فيكون ما يفسده بجهله اكثر مما يصلحه بعقله فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا مع هواه يكون على عقله أم يكون مع عقله على هواه و كيف تكون محبته للرياسات الباطلة و زهده فيها فان في الناس من خسر الدنيا و الآخرة بترك الدنيا للدنيا و يرى ان لذة الرئاسة الباطلة افضل من لذة الأموال و النعم المباحة المحللة فيترك ذلك اجمع طلبا للرياسة الباطلة حتى إذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم و لبئس المهاد فهو يخبط خبط عشواء يقوده أول باطل إلى ابعد غايات الخسارة و يمده ربه بعد طلب لما لا يقدر عليه في طغيانه فهو يحل ما حرم الله و يحرم ما احل الله لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقي من اجلها فأولئك الذين غضب الله عليهم و لعنهم و اعد لهم عذابا مهينا و لكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي هواه تبع لأمر الله و قواه مبذولة في رضا الله يرى الذل مع الحق اقرب إلى عز الابد من العز في الباطل و يعلم ان قليل ما يحتمله من خيراتها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد و لا تنفد و ان كثير ما يلحقه من سرائها ان اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له و لا زوال فذلكم الرجل نعم الرجل فيه فتمسكوا و بسنته فاقتدوا و إلى ربكم فيه فتوسلوا فانه لا ترد له دعوة و لا تخيب له طلبة و قد ذكرنا هذا الخبر الشريف الساطعة منه أنوار النبوة و الإمامة بتمامه ليكون تذكرة و تبصرة لنا و لكافة اخواننا وفقنا الله و اياهم لاتباع مرضاته و اجتناب ما يسخطه و قد حمله في الوسائل على انه بيان لأعلى مراتب العدالة لا لأدناها و انه مخصوص بمن يؤخذ عنه العلم و يقتدى به في الأحكام الدينية‌

18

لا في امام الجماعة و الشاهد و هو جيد و اما في الفتوى فبالأخذ من المجتهد شفاها أو كتابة إذا حصل له العلم بأنه خطه أو من رسالته مع الامن من الغلط و قابليته لفهم المراد منها أو تفسير غيره لها مع الاطمئنان به و العبارات الظاهرة في الفتوى ذكر الحكم بدون تقييد أو أن يقول الأقوى كذا أو الاظهر أو الأقرب أو الظاهر و لا يخلو عن قوة و ما أشبه ذلك و اما إذا قال في المسألة اشكال أو تردد أو تامل أو المشهور كذا أو لا يخلو من وجه أو لا يبعد كذا أو يحتمل ان يكون كذا أو نحو ذلك فليس من الفتوى في شي‌ء و اما الاحتياط فان كان مسبوقا بالفتوى أو ملحوقا بها فهو استحبابي و ان لم يكن فان صرح بان فتواه احتياط فهو من باب عدم الفتوى فيجوز الرجوع فيه إلى الغير حتى بعد العمل على طبقه (ثانيها) الشياع الموجب للعلم لكنه بالنسبة إلى الاجتهاد و الاعلمية لا بد أن يكون عند أهل العلم القابلين لتمييز ذلك و الا ففورة العوام الطغاة لا عبرة بها بل لا بد أيضا من التدقيق فيه بحيث يكون أخبار أهل العلم مستندا إلى وقوفهم على ذلك بالمراجعة له و المناظرة معه أو الحضور في درسه أو المطالعة لكتابه و الا فرب شياع ينتهي إلى أخبار واحد بل قد يكون ذلك الواحد اخبر به على سبيل الاحتمال فاخبر به الآخر عنه على سبيل الجزم و هكذا (ثالثها) البينة العادلة لكنها بالنسبة إلى الاجتهاد و الاعلمية يشترط فيه ما مر في الشياع (رابعها) أخبار العدل الواحد بالفتوى بل الثقة و ان لم يكن عدلا فان الأقوى حجيته في ذلك و ان لم نقل بحجيته في الموضوعات فانه إخبار بالحكم الكلي لا بالموضوع فيدل على اعتباره جميع ما دل على اعتباره في رواية الأحكام و هذه الطرق (1) كله في عرض واحد‌

____________

(1) نظرا إلى غلبة الفساد على الصلاح في هذا الزمان و استيلاء المطابع و الأغراض و رواج الدعايات الكاذبة و الدعاة المستأجرين و بساطة العوام و سلامة نفوس الكثير منهم فاصح طريق و اقربه إلى الواقع لمعرفة المجتهد الذي يتعين الرجوع إليه- النظر إلى كثرة انتاجه و شيوع مؤلفاته و خدماته للشرع الشريف و الإسلام و كتبه النافعة و ثماره اليانعة، و ردوده على المذاهب الباطلة فانها أوضح دليل على مقدار رتبته من الاجتهاد في الفقه و غيره للعوام و غيرهم و هذه هي السيرة المستمرة و العادة المتبعة عند الإمامية من زمن الأئمة (سلام الله عليهم) إلى عصر اساتيدنا (رضوان الله عليهم) فقد كان الرواة، يعرف العالم منهم بكثرة روايته و مؤلفاته التي كانت تسمى الأصول إلى زمن الكليني رضي الله عنه صاحب (الكافي) في الحديث ثمّ تلاه الشيخ المفيد (قدّس سِرُّه‌) الذي انحصرت مرجعية الإمامية به في عصره و ما استحق ذلك الا بكثرة مؤلفاته التي بلغت قرب المائتين ثمّ جرى تلاميذه على هذا المنهاج فألف الشيخ الطوسي (رحمه الله) ما يناهز الثلاثمائة كتاب في مختلف العلوم و بهذا صار شيخ الطائفة ثمّ تلاه قرينه السيد المرتضى رضي الله عنه أبو الثمانين و جرى الحال على هذا المنوال إلى زمن المحقق الحلي صاحب الشرائع و النافع و المعتبر و غيرها ثمّ انتهت المرجعية إلى العلامة الحلي و مؤلفاته في مختلف العلوم تكاد تفوت حد الاحصاء في الفقه و الأصول و الحديث و الحكمة و الكلام و الحساب و الهندسة و الافلاك بالعربية و التفسير و الأخلاق و هكذا تسلسلت الزعامة الدينية من بعده لولده فخر المحققين صاحب الإيضاح و السيد عميد الدين صاحب الكنز و الشهيدين و لا سيما الشهيد الثاني الذي تبلغ مؤلفاته اكثر من مائتين و هكذا إلى الشيخ البهائي و من بعده إلى الشيخ مرتضى الأنصاري و تلاميذه من اساتيذنا كالشيخ ملا كاظم صاحب الكفاية و غيرها و أستاذنا السيد الطباطبائي صاحب العروة (و الغرض) من هذا كله ان مرجعية الإمامية كان معيارها و طريقها كثرة الانتاج و توفر المؤلفات في شتى العلوم لا في خصوص الفقه و الأصول و قد قيل من ثمارهم تعرفونهم اما اليوم و في هذا العصر التعيس فقد انقلبت الآية و انعكست القضية و ضاعت الموازين و سقطت العقول و نهضت البطون فانا لله و انا إليه راجعون. (الحسين)

19

حتى البينة و خبر العدل فانهما من الظنون الخاصة التي يجوز العمل بها حتى مع التمكن من العلم و اما الظنون المطلقة فلا يجوز العمل بها مع التمكن من أحد تلك الطرق و مع عدمه ففي العدالة يجوز ذلك و كذا في الاعلمية فقط سبق تقديم مظنونها بل محتملها على غيره و اما الاجتهاد أو فتوى المجتهد ففي العمل بها أو الرجوع إلى فتوى الأموات المتيقن اجتهادهم أو العمل باحوط القولين أو الأخذ بالاحتياط في اصل المسألة وجوه احوطها الاخير و ظواهر الألفاظ في كلام المجتهد أو رسالته أو كلام الناقلين لفتواه من الظنون الخاصة يجوز العمل بها حتى مع التمكن من العلم و إذا تعارضت طرق إثبات الفتوى فان أمكن الجمع العرفي في الدلالة بحمل الظاهر على الاظهر أو النص كتقييد المطلق أو تخصيص العام أو نحو ذلك عمل به و الا فان كان بينهما تقديم و تأخير أخذ بالمتأخر و الا قدم السماع شفاها على النقل و على الكتاب و إذا تعارض نقل السماع مع الكتاب لا يبعد تقديم الكتاب مع الامن من الغلط و إذا تعارض ناقل السماع مع ناقل الكتاب أو تعارض نقل السماع بعضه مع بعض أو نقل الكتاب كذلك عمل بالترجيحات من الاعرفية و الاكثرية و الاعدلية و الاضبطية و نحوها و إذا تكافئا تخير فلا يبعد الحاق الرواية عن المجتهد بالرواية عن الإمام في التعديل و التضعيف و التحسين و التوثيق و الإرسال و الإضمار و القطع و الوقف و غيرها‌

20

فيجري على هذه ما يجري على تلك و إذا تعارضت الكتب أو اختلفت الشفاه ربما جرى بعض الترجيحات و الا فالتخيير.

(الرابع) في بيان حكم الأعمال الصادرة من الجاهل بالاحكام الكلية قاصرا أو مقصرا

لعدم استناده إلى اجتهاد أو تقليد صحيحين و لا عمل بالاحتياط و هي تارة تكون من المعاملات من عقود أو ايقاعات أو غيرها من التوصيات التي لا يشترط في صحتها قصد التقرب كالتطهير من النجاسات و التذكية و نحوها و أخرى من العبادات التي يشترط في صحتها ذلك و على التقديرين فتارة يأتي بها من الالتفات و أخرى مع الغفلة و الملتفت تارة يعتقد الفساد و أخرى يعتقد الصحة و لو سكونا إلى قول من يسكن إليه من ابويه و امثالهما أو تقليدا لمن لا يصح تقليده أو زعما للاجتهاد و ليس به أو نحو ذلك مما يوجب الاعتقاد و سكون النفس و ثالثه يكون شاكا متزلزلا ثمّ الكلام تارة في استحقاق العقاب و عدمه و أخرى في الصحة و الفساد المترتب عليهما وجوب القضاء أو الإعادة و عدمه (اعلم) ان المستفاد من أدلة وجوب تحصيل العلم بالاحكام عقليها و نقليها إنما هو الوجوب الغيري المقدمي لتحصيل المطابق للواقع و الاجتهاد و التقليد معتبر ان من باب الطريقية لا الموضوعية فان أدلة وجوب رجوع المجتهد إلى الدلالة و رجوع المقلد إلى المجتهد إنما هي لبيان الطرق الشرعية لا لبيان اشتراط اخذ الواقع من هذه الطرق فلا يترتب على ترك الأخذ بها مع موافقة الواقع عقاب و لا فساد نعم من اخذ بها و انفق مخالفتها للواقع كان معذورا من حيث التكليف فلا عقاب و اما من حيث الوضع فلا فتجب الإعادة و القضاء و غيرهما من الآثار الا أن يدل دليل خاص على خلاف ذلك و من لم يأخذ بها فخالف الواقع فان كان عن قصور كان كمن اخذ بها فخالف و ان كان عن تقصير لم يكن معذورا لا في التكليف و لا في الوضع و مرآة مطابقة العمل الصادر للواقع و عدم مطابقته هي العلم بذلك أو الطريق الذي يرجع إليه المجتهد أو فتوى المجتهد التي يرجع إليها المقلد و توهم ان ظن المجتهد أو فتواه لا يؤثر في الوقائع السابقة فاسد لأن مؤدى ظنه هو نفس الحكم الشرعي الواقعي الثابت للاعمال الماضية و المستقبلة و من ذلك يعلم الحال في‌

21

استحقاق العقاب و عدمه و انه مع المطابقة للواقع لا عقاب و ان ترك الأخذ بالطرق المذكورة تقصيرا فضلا عن القصور من دون فرق بين الصور السالفة كلها و اما مع المخالفة للواقع و عدم الأخذ بتلك الطرق فالامر فيه دائر مدار القصور و التقصير فان كان قاصرا فلا عقاب و الا استحقه و أما الصحة و الفساد فاما فيما عدا العبادات مما لا يشترط في صحته قصد التقرب فلا ينبغي الإشكال في الصحة لو طابق الواقع و ان كان حين الإتيان به معتقدا للفساد فضلا عما إذا كان غافلا أو شاكا أو معتقدا للصحة و لو من دون تقليد صحيح أو اجتهاد صحيح كما لا ينبغي الإشكال في الفساد لو خالفه و ان كان حين الإتيان معتقدا للصحة أو مستندا إلى اجتهاد أو تقليد صحيحين فضلا عما إذا كان معتقدا للفساد أو شاكا أو غافلا نعم لا يكون مكلفا بالواقع ما دام الاعتقاد أو الاستناد إلى الطريق الصحيح فإذا زال رجع الأمر إلى الواقع و عمل على مقتضاه و توهم الفساد في المعاملات من حيث الشك في ترتب الأثر على ما يوقعه فلا يأتي منه قصد الإنشاء في العقود و الايقاعات مدفوع بأن قصد الإنشاء يحصل حتى مع القطع بالفساد شرعا فضلا عن الشك فيه أ لا ترى ما يقع من الناس من قصد التمليك في القمار و بيع المغصوب و غيرهما من البيوع الفاسدة و اما العبادات فهي كذلك أيضا في ان المدار في صحتها و فسادها على المطابقة للواقع و عدمها لكنها تفترق عن المعاملات في تحقيق الصغرى أعني المطابقة للواقع و عدمها و ذلك لاعتبار قصد التقرب فيها و هو لا يتحقق في بعض الصور السابقة فلا يكون مطابقا للواقع فيحكم فيه بالفساد و ذلك أعني عدم التحقق واضح في بعض الصور و في بعضها واضح تحققه و بعض محل للاشكال فاما إذا اعتقد الفساد لفقد شرط أو جزء أو وجود مانع أو قاطع فواضح عدم تأتي قصد التقرب منه فلا ريب حينئذ في فساد عبادته و ان طابقت الواقع من سائر الجهات بأن لم تكن فاقدة لما اعتقد فقده و لا واجدة لما اعتقد وجوده و اما إذا كان غافلا أو بانيا على الصحة اعتقادا أو اجتهادا أو تقليدا و لو غير صحيحين فواضح تأتي قصد ذلك منه فلا ريب في صحة عبادته مع المطابقة للواقع من سائر الجهات و اما إذا كان شاكا فان بنى على الاحتياط بالجمع في موارد دوران الأمر‌

22

بين المتباينين من الشبهة الحكمية كما في صورة التردد بين القصر و الاتمام بل و الشبهة الموضوعية كما في صورة التردد في القبلة بين الجهات فاتى ببعض المحتملات عازما على اتيان الباقي و بعد الفراغ منه قبل الشروع في الباقي انكشفت مطابقته للواقع فلا ريب في صحته لتحقق قصد القربة منه و ان بنى على الاقتصار على الموافقة الاحتمالية فاتى ببعض المحتملات رجاء مطابقته للواقع بانيا على الاقتصار عليه فانكشفت المطابقة و كذا لو أتى في مقام الشك في الجزئية أو الشرطية بالعبادة خالية عن ذلك الجزء و الشرط كان صلى بدون السورة رجاء المطابقة للواقع فانكشف عدم وجوبها فهو محل للاشكال بل جزم بعض الاساطين بالفساد مستظهراً نفي الخلاف فيه مستنداً إلى عدم تحقق قصد التقرب في مثل ذلك مما بعلم فيه بوجود الأمر الا بقصد الإتيان بما يعلم معه المطابقة مفرقا بين المقام و بين ما يحتمل فيه وجود الأمر كبعض الصلوات و الاغسال التي لم يرد فيها نص معتبر و اعادة بعض الصلوات الصحيحة ظاهراً من باب الاحتياط بأن الأمر على تقدير وجوده هناك لا يمكن قصد امتثاله الا بهذا النحو فهو أقصى ما يمكن هناك لكن يتوجه عليه ان الإتيان بداعي احتمال الأمر إذا كان كافيا في تحقق قصد التقرب كما هو الحق فلا يفرق فيه بين الجزم بوجود الأمر و عدمه و لذا لا ينبغي التأمل في صحة مثل ذلك في المستحبات نعم في الواجبات ربما يتامل في ذلك من حيث ان الإتيان ببعض المحتملات بانيا على الاقتصار عليه مشوبا بالتجري لكنه مندفع بان التجري إنما هو في ترك البعض الآخر لا في اتيان هذا البعض فالقول بالصحة لا يخلو (1) عن قوة و ان كان الاحتياط لا ينبغي تركه و اولى بالصحة ما إذا أتى بها كذلك عازما على الفحص بعد الفراغ فان طابقت الواقع و الا أعاد أو أتى بباقي المحتملات فانكشفت المطابقة و اولى منهما ما إذا دخل فيها جازما بصحتها فعرض له في الاثناء ما يوجب التردد في صحتها أو بطلانها فمضى فيها عازما على الفحص بعد الفراغ كذلك فانكشفت الصحة و ربما مال بعض في هذه الصورة إلى التفصيل بين كون الحادث مما وجب على المكلف تعلم حكمه قبل الدخول في الصلاة لعموم البلوى كأحكام الخلل‌

____________

(1) و لكن لعل ما ذكره بعض الأساطين أصح و الفرق بين المقامين يظهر بالتأمل. (الحسين)

23

الشائع وقوعه و ابتلاء المكلف به فلا يجوز لتارك معرفة المضي بترك الصلاة و بين كونه مما لا يتفق الا نادرا و لذا لا يجب تعلم حكمه قبل الصلاة للوثوق بعدم الابتلاء به غالبا فيجوز ذلك و الأقوى الصحة في الجميع و ان كان الاحتياط لا ينبغي تركه و يتفرع على اشتراط قصد التقرب في العبادات اشتراط صحتها بمعرفة ماهيتها و اجزائها و شرائطها و موانعها و قواطعها باجتهاد أو تقليد ليتمكن من قصدها كذلك الا ان الظاهر كفاية المعرفة الاجمالية و انها واجدة لجميع الأجزاء و الشرائط فاقدة لكافة الموانع و القواطع و ان لم يعرفها تفصيلا فلا يشترط التمييز بين الأجزاء و الشرائط و لا بين الأجزاء الواجبة و المندوبة و لا بين شروط الصحة و شروط الكمال و لا بين الواجب الاصالة و الواجب بالتبع لمقدميته لواجب آخر بل الظاهر الصحة إذا اتفق وجود شرائطهما التوصلية كطهارة البدن و اللباس و ستر العورة و نحوهما و فقد موانعها و قواطعها كالتأمين و التكفير و الفعل الكثير و نحوها و ان لم يعرف شرطيتها و مانعيتها لا تفصيلا و لا إجمالا لعدم دخولها في حقيقة العبادة ليتوجه القصد إليها كذلك نعم في مثل الصوم الذي حقيقته الامساك عن المفطرات يشترط معرفتها إجمالا أو تفصيلا ليتمكن من قصده لكن موانعه الآخر التي لا دخل لها بحقيقته كالمرض و السفر و الحيض حكمها حكم موانع الصلاة و كذا الظاهر الصحة إذا اتفق سلامتها من الشك و السهو و ان لم يتعلم احكامهما قبل العمل بل و كذا لو لم تسلم من ذلك و لكن كان له مسدد يعرفه حكمه أثناء العمل بالنسبة إلى ما يمكن فيه ذلك على نحو يوافق حكمه الشرعي من دون فرق بين ما يعم به الابتلاء و ما لا يقع الا نادرا و بين أن يكون قد اطمأن من نفسه بعدم الابتلاء به أو لم يطمئن بل حتى لو كان قاطعا بابتلائه به فلم يبتل به أو ابتلى و امكنه العمل بحكمه الشرعي في الاثناء الا ان ذلك كله لا يسقط فرض تعلم الأحكام الشرعية و وجوب معرفتها بالاجتهاد أو التقليد الذي هو من أهم الفرائض و قد تطابق العقل و النقل على وجوبه و ورد في الكتاب المجيد و السنة الشريفة من الحث عليه و الترغيب فيه ما تجاوز حد الاحصاء و الحصر و يكفي دليلا على وجوبه توقف الإطاعة و الامتثال و الوصول إلى الواقعيات عليه و لولاه‌

24

لضاعت أحكام الشريعة المقدسة و حصول المطابقة للواقع بدونه احيانا من باب الاتفاق لا تعويل عليه كما ان فواتها معه كذلك ليس بقادح بعد معذوريته بذلك و إنما الغرض مما ذكرناه التنبيه على أمور (أحدها) ان الظاهر من تلك الأدلة ان وجوبه مقدمي غيري للتوصل به إلى موافقة الواقعيات فالعقاب في صورة تركه المؤدي إلى مخالفة الواقع إنما هو على مخالفة الواقع لا على تركه و يلزمه نفي العقاب إذا لم يؤد إلى ذلك خلافا لمن خالف فزعم الوجوب (1) النفسي و ان العقاب على ترك التعلم (ثانيها) ان اعتبار الطرق التي يرجع إليها المجتهد و فتوى المجتهد التي يرجع إليها المقلد إنما هو من باب الطريقية لا الموضوعية فلو عمل على طبقها فخالف الواقع فهو و ان كان معذورا من حيث العقاب لكن بالنسبة إلى الآثار الوضعية يلزم الجري على ما انكشف من أول الأمر الا ان يدل دليل خاص على خلاف ذلك خلافا لمن زعم الاجزاء (2) بالعمل على طبقها (ثالثها) ان معرفة تلك الأحكام من تلك الطرق ليست شرطا مستقلا في صحة الأعمال من عبادات أو معاملات بل هي دائرة مدار جامعية العمل للاجزاء و الشرائط الواقعية و عدمها نعم في العبادات قد يتوقف ما يعتبر فيها من نية الإطاعة و الامتثال على تلك المعرفة فتعتبر في ذلك لا استقلالا كما عرفت ذلك مفصلا لكن هذا لا ينبغي أن يكون موجبا للتسامح أو التسافل في تعلم الأحكام الشرعية الذي لا يمكن الوصول إلى الواقعيات غالبا الا به فان المطابقة التي فرضنا حصولها من دون ذلك إنما هو فرض نادر على ان الأمان من العقاب لا يحصل الا به مع العمل إلى طبقه فانه ان أصاب فهو و الا كان معذورا و اما إذا لم يتعلم فالعقاب يترتب عليه على تقدير المخالفة فأحكام الشك و السهو يجب تعلمها اجتهاداً أو تقليداً خصوصا ما يعم به الابتلاء نوعا فلو لم يتعلمها فابتلى بذلك فورد خلل في العبادة لا‌

____________

(1) الواجب النفسي نوعان واجب بنفسه لنفسه كالصلاة و الحج و واجب بنفسه لغيره كالاقامة على القول بوجوبها و لا يبعد ان وجوب التعلم من هذا القبيل و لعل وجوب الوضوء و غسل الجنابة من هذا القبيل.

(2) القول بالاجزاء فيها اجمع أو في جملة منها قوي.

(الحسين)

25

يمكن تداركه عوقب على ذلك اللهم الا أن يكون قد اطمأن بعدم ابتلائه بذلك عادة فاتفق له ذلك على خلاف العادة فانه يمكن ان يقال بعدم العقاب و ان وجب القضاء و الأجزاء الواجبة يجب تمييزها من الأجزاء المستحبة و كذا شروط الصحة يجب تمييزها من شروط الكمال فانه يحتاج إلى ذلك عند فرض ضيق الوقت ليقتصر على الواجبات فلو أخل بذلك و ابتلى كذلك فلزمه للجهل تأخير الصلاة عن وقتها كان معاقبا و قد ورد عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) انهم قالوا هلك الناس الا العالمين و هلك العالمون الا العاملين و هلك العاملون الا المخلصين و المخلصون على خطر عظيم (1) جعلنا الله و كافة اخواننا من العالمين العاملين المخلصين و نجانا و اياهم من ذلك الخطر العظيم بجوده و منه و كرمه انه هو الجواد الكريم.

(الخامس) في حكم تغير الاجتهاد أو التقليد

و هو و ان علم إجمالا مما سبق فان مقتضى ما ذكرنا من الطريقية في الأدلة التي يرجع إليها المجتهد و فتوى المجتهد التي يرجع إليها المقلد و ان المدار في الأجزاء و عدمه هو المطابقة للواقع و عدمها و ان مرآة ذلك بالنسبة إلى الوقائع السابقة هو العلم أو الظن أو الفتوى ان يكون العمل بالنسبة إلى ما مضى و ما يأتي على طبق الاجتهاد اللاحق أو التقليد اللاحق الا ان يدل دليل خاص على خلاف ذلك و لكن ان شئت كشف الحجاب عن ذلك فاعلم ان الرأي السابق إذا تبدل إلى رأي لاحق فان انكشف انه حين الرأي الأول لم يكن واصلا إلى مرتبة الاجتهاد أو كان و لكنه لم يستفرغ الوسع في حكم تلك الواقعة بان استند إلى اصل عملي ناف للتكليف أو دليل اجتهادي كذلك من دون فحص عن الدليل الوارد أو الحاكم أو المعارض أو المقيد أو المخصص أو قرائن المجاز أو فحص و لكن لم يفحص المقدار الواجب ثمّ عثر بعد ذلك على ذلك فلا ريب في وجوب العمل على الرأي اللاحق ان حصل و الا احتاط أو رجع إلى مجتهد له رأي فيها من دون فرق بين‌

____________

(1) وجه الاستشهاد بهذا الحديث الشريف غير ظاهر.

(الحسين)

26

أعماله السابقة أو اللاحقة و ان كان الرأي الأول عن اجتهاد صحيح فان علم بمخالفته للواقع فالحكم كما مر بل و كذا لو لم يعلم بمخالفته للواقع و لكن علم ببطلان مستنده واقعا كما لو زعم حجية القياس فافتى بمقتضاه لانكشاف عدم دليل ثابت الحجية له على ذلك على اشكال ينشأ من احتمال الاكتفاء بكون الدليل ثابت الحجية حال التعويل عليه لا مطلقا و اما ان لم يعلم بذلك بل كان اجتهاده الظني على خلاف ما سبق فاما في الأعمال اللاحقة فالحكم كما مر و اما في الأعمال السابقة فهو محل الخلاف فمنهم من يقول بالأجزاء و منهم من يقول بعدمه و القاعدة و ان كانت تقضي بالثاني كما مر و لكن لزم العسر و الحرج العام بل اختلال النظام الموجب للمخاصمة بين الأنام و الا لسلبت الزوجة من بعلها و أخليت الدار من أهلها و لو بعد دهور و أعوام و ذلك منفي بالسيرة القاطعة من العلماء و العوام المتصلة إلى زمان الإمام و لذا لم يتعرض شي‌ء من الأخبار لبيانه مع كثرة وقوعه و كثرة الابتلاء به حتى في زمان الأئمة (عليهم السلام) يعين الأول على ان في اقتضاء القاعدة لذلك في مثل المقام تأملا فانه يمكن ان يقال انه حتى بعد حصول الظن الثاني هو يرى حجية الظن الأول في زمانه بعد تمامية موازينه و لا رجحان للثاني على الأول بالنسبة إلى زمان حصوله ثمّ ان الوقائع التي هي مورد اختلاف الاجتهاد ان كانت من الأفعال المتصرمة في الوجود كالصوم و الصلاة و الحج و نحوها فلا اشكال في تمييز ما سبق منها و ما لحق فلو اكتفى في التسبيحات الاربع بتسبيحة واحدة و في التيمم بضربة واحدة أو كان يرى طهارة ماء الغسالة و عرق الجنب من حرام و صحة العقد و الايقاع بالفارسية و التذكية بغير الحديد و الطلاق بمثل أنت بته أو بتلة و العتق المعلق و عدم النشر بالعشر و حلية بعض الحيوانات و نحو ذلك فجميع اعماله الواقعة على طبق ذلك قبل رجوعه عن ذلك ماضيه و الأعمال المتجددة لا بد من إيقاعها على طبق الاجتهاد اللاحق و ان كانت من الأمور الباقية بنفسها أو بآثارها فان كان الباقي هو نفس الموجود الخارجي الذي هو متعلق للحكم الوضعي أو التكليفي كماء الغسالة و عرق الجنب من حرام أو ملاقيهما فلا اشكال في جريان حكم الاجتهاد الثاني عليه فلو عدل إلى النجاسة وجب اجراء احكامها عليه و ذلك لان الحكم الوضعي و التكليفي الذي يتعلق به إنما يتعلق به‌

27

باعتبار فعل المكلف المرتبط به و هو متجدد بعد العدول و ان كان الباقي هو الأثر الحاصل من فعل المكلف المتعلق بذلك الموضوع كما لو توضأ أو اغتسل بماء الغسالة أو بملاقيه أو ملاقي عرق الجنب من حرام أو تيمم بضربة واحدة أو تزوج أو تملك أو طلق بالفارسية أو ذكى بغير الحديد أو طلق بالالفاظ التي هي محل الخلاف أو اعتق عبده معلقا أو تزوج من ارضعته عشراً و هكذا و كان متعلق ذلك باقيا إلى ما بعد الرجوع كأن كانت طهارته الحاصلة من الوضوء أو الغسل أو التيمم باقية لم تنقض بالحدث و زوجته التي تزوجها أو طلقها باقية و ما تملكه باقٍ و الحيوان الذي ذكاه بغير الحديد باقٍ و هكذا فالظاهر جريان أحكام الاجتهاد السابق عليه و لو بعد رجوعه فيجوز له ان يصلي بتلك الطهارة و لو بعد عدوله إلى القول بالنجاسة و كذا له ان يرتب آثار الزوجية و الملكية و الحرية و البينونة و التذكية و نحوها و لو بعد عدوله إلى القول بالفساد في أمثال ذلك و ذلك ان متعلق الحكم الحاصل بالاجتهاد السابق في مثل هذه الموارد هو الفعل الأول الواقع منه من تطهير أو عقد أو ايقاع أو تذكية أو نحوها باعتبار تاثيرها في الأثر الذي من شأنه البقاء و الدوام و الأفعال المتجددة من صلاة أو وطئ أو اكل أو نحوها فإنما هي من توابع ذلك الأثر فإذا وقع ذلك الفعل الأول في حال الاجتهاد السابق فلا يؤثر الاجتهاد اللاحق بالنسبة إلى الأفعال المتجددة التابعة لذلك الأثر الحاصل منه و الفرق بين مثل العقد بالفارسية و التذكية بغير الحديد فيحكم في الحيوان المذكى بذلك على طبق الاجتهاد الثاني بخلاف الزوجة الباقية لا وجه له كالفرق في الزوجة بين عقدها بالفارسية أو عقدها مع حصول عشر الرضعات بينها و بينه فيحكم في الثاني بالفساد بعد تبدل الرأي دون الأول نعم لو كان يرى حلية اكل حيوان فذكاه و كان الحيوان باقيا إلى ان يرجع إلى القول بالحرمة فالظاهر حرمة اكله عملا بالاجتهاد الثاني (1) و ذلك لأن التذكية إنما اثرت في زوال حرمته العرضية‌

____________

(1) تحقيق الحق في هذه القضية النظرية ان الفتوى حيث انها عبارة عن بيان الحكم الكلي الإلهي المتعلق باعمال المكلفين فلا بد من ان يكون لها مصاديق متجددة و متوالية ينطبق عليها ذلك فإذا أفتى ان ماء الغسالة مثلا طاهر فكل فرد يحدث من مصاديق هذا الكلي و يوجد يندرج في كل هذه الفتوى ابدا فلو تبدل رأيه و عدل إلى الفتوى بالنجاسة فالافراد التي استعملها في اكله و شربه و صلاته بانيا على الطهارة تمضي صحيحة و لا شي‌ء عليه من قضاء و لا اعادة حتى الثوب الذي طهره بماء الغسالة يبقى على طهارته و لا يعيد غسله و اما الافراد المتجددة من هذا النوع فلا اشكال انه هو و مقلدوه يبني على نجاستها و اجتنابها إنما الكلام في الفرد الموجود سابقا الباقي إلى ما بعد تبدل الرأي و تغير الفتوى بالنسبة إلى الآثار اللاحقة فهل يبني على طهارته نظرا إلى حدوثه في وقت الفتوى الأولى أو على النجاسة نظرا إلى كون العمل وقت الفتوى الثانية و هذا النوع يطرد في كل ما هو من هذا القبيل و لا ينبغي الريب في ان الطهارة و النجاسة من الأحكام الوضعية و لكن الأحكام الوضعية تختلف فبعضها مبني على الدوام و يفهم من دليلها انها إذا حدثت دامت و لا تزول إلا باسباب خاصة و ذلك كالزوجية و الملكية و الحرية فإذا تحققت بالفتوى السابقة لا يمكن ان تزول بالفتوى اللاحقة فلو كان فتواه صحة عقد الزواج أو البيع بالفارسية فعقد هو أو مقلده على زوجة بالفارسية ثمّ أفتى بالبطلان فذلك العقد لا يبطل قطعا و كذلك البيع إنما يظهر اثر الفتوى في العقود الجديدة فقط و لكن عقدة الإشكال الموجبة للنظر في الوضعيات التي لا يعلم حالها من حيث البقاء و الدوام كما لو أفتى بحصول التذكية شرعا بغير الحديد فذكى شاة بالصفر و نحوه لهذه الفتوى فان باع أو اكل فلا اشكال اما لو بقيت الشاة إلى أن عدل إلى اعتبار الحديد و ان المذكي بغيره ميتة فهل يحكم بانها مذكاة بالاولى أو ميتة بالثانية و الفرض ان التذكية ليست كالزوجية التي علم من الأدلة إذا حدثت دامت فان حكمنا بذكاتها ترجيحا للفتوى السابقة جرى ذلك في نظيرها و هو ما لو كان قد أفتى بان الحيوان المخصص حلال الآكل تجري عليه التذكية و ذكاه ثمّ عدل إلى انه حرام اللحم و الذبيحة موجودة فاللازم على ما سبق أن يحكم بحليته اخذا بالفتوى الأولى و كون المتعلق هنا الحرمة الذاتية و في الفرع الأول العرضية كما في المتن لا يصلح فارقا إذ القضية قضية إحدى الفتويين لا نحو المتعلق كما لا يكاد يظهر وجهه للتفكيك بين الآثار فيحكم بصحة البيع و تملك الثمن و المثمن و لا يحكم بجواز الآكل مع ان الجميع آثار الفتوى الأولى فتدبره فانك لا تجده بهذا التحقيق و بهذا الوضوح من البيان في غير هذا الكتاب.

(الحسين)

28

الحاصلة من قبل الموت فتبقى بآثارها و اما الحرمة الذاتية فموضوعها نفس ذلك الحيوان باعتبار الآكل المتعلق به فيكون نظير ماء الغسالة الباقي إلى أن قال بالنجاسة فاللازم في مثل الحيوان المذكور القول بحرمة اكله و ان جرى عليه أحكام الطهارة بمقتضى التذكية و كذا لو اشترى لحم ذلك الحيوان بعد ذبحه أو باعه فانه بعد عدوله إلى الحرمة لا يجوز له اكله و ان بقي العقد على صحته من حيث تملك الثمن و المثمن و هكذا و لا فرق في مضي الأعمال السابقة بين أن تكون من الواجبات الاستقلالية أو الارتباطية كما لا فرق في الارتباطية بين ان يكون العدول بعد الفراغ منها أو في اثنائها فلو رأى صحة الصلاة في شعر الارانب و الثعالب مثلا فصلى فيها كذلك ثمّ رجع في الاثناء فنزع قبل الإتيان بشي‌ء من افعالها أو اقوالها بعد الرجوع مضى و كذا لو رأى‌

29

عدم جزئية الصورة فصلى بدونها ثمّ رجع في الاثناء مضى إذا كان ذلك بعد الدخول في ركن بل و كذا بعد الدخول في فعل آخر و لو لم يكن ركنا على اشكال احوطه ان لم يكن اقوى العدم و اما قبل الدخول في الفعل الآخر المترتب عليها فلا ريب في وجوب الإتيان باثم ان هنا موردين الظاهر ان الأجزاء فيهما موضع وفاق (أحدهما) ما إذا صدر منه حكم على طبق اجتهاده الأول كما لو ترافع إليه المتعاقدان بالفارسية في النكاح فحكم بالزوجية أو في البيع فحكم بالملكية و هكذا فانه يجب العمل على طبق ذلك الحكم و لو بعد الرجوع و هذا ما يقال من ان الفتوى لا تنقض الحكم لكن المراد بالحكم الذي لا ينتقض بالفتوى هو الحكم في المرافعات و المخاصمات و الا فلو حكم (1) بطهارة ماء قليل لاقته نجاسة استنادا إلى فتواه بعدم انفعال الماء القليل بالملاقاة فلا يلزم متابعته على غير مقلديه (ثانيهما) ما إذا كان الاختلاف فيما يعذر فيه الجاهل من حيث الجهة الوضعية إذا كان معذورا من حيث الجهة التكليفية كما فيما عدا الاركان من أجزاء الصلاة و ما عدا الشرائط المطلقة من شرائطها لسقوط جزئيتها و شرطيتها في موارد العذر كما يدل عليه حديث الرفع و حديث لا تعاد الصلاة الا من خمس بل ربما يدعي الإجماع على الاجزاء في العبادات مطلقا و توهم ان الجزئية و الشرطية لا تتقيدان بالعلم بهما و الا دار و من هنا لم يكن العلم شرطا في اصل التكليف و إنما هو شرط في تنجزه نعم يمكن تقييدهما بالعلم و الالتفات إلى نفس الجزء و الشرط و عليه ينزل الحديثان مندفع بأن ذلك إنما هو مع اتحاد المرتبة و اما مع اختلافها بان يكون العلم بمرتبة انشائه شرطا في فعليته فلا محذور ثمّ انه لا فرق فيما ذكرنا من الأجزاء بالنسبة إلى الأعمال السابقة بين أن يكون الاجتهاد السابق مستندا إلى قطع بالحكم أو ظن مطلق به بناء على الحكومة أو اصل عملي عقلي محضا ليس فيه جعل من الشارع كأصالة التخيير في دوران الأمر بين محذورين أو إلى المجعولات الشرعية من الأدلة الاجتهادية سواء كانت مجعولة من باب‌

____________

(1) تحقق الحكم في مثل هذه الأمور مشكل.

(الحسين)

30

الظن الخاص أو المطلق بناء على الكشف أو الأصول العملية سواء كانت برزخية كالاستصحاب و نحوه أو محضة كأصالتي الطهارة و الحل و نحوهما و توهم الفرق في ذلك تارة بين المجعولات الشرعية فيدعي الأجزاء فيها لوجود أحكام شرعية فيها مقتضية لذلك كالاحكام الواقعية و بين غيرهما مما لا جعل فيه فلا أجزاء إذ ليس فيه الا المعذورية و أخرى في المجعولات الشرعية بين ما كان منها جاريا في تنقيح ما هو موضوع التكليف بلسان تحققه كقاعدتي الطهارة و الحل بالنسبة إلى كلما اشترط بالطهارة أو الحلية فيدعى الأجزاء لأن دليله يكون حاكما على دليل الاشتراط و مبينا لدائرة الشرط و انه اعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه بل هو موجب لارتفاعه من حين ارتفاع الجهل و بين ما كان منها جاريا في الحكم بوجود موضوع التكليف بلسان ان مجريها قد تحقق فيه ما هو الشرط واقعا كما في الامارات فلا أجزاء و ذلك لأن دليل حجيته حيث كان بلسان انه واجد للشرط الواقعي فبارتفاع الجهل ينكشف انه لم يكن كذلك مندفع اما الأول فيما بيناه مفصلا في كيفية جعل الطرق و الامارات من ان التصرف فيها ليس الا في مرحلة الاثبات يجعل الحجية و الطريقية باتمام جهة الكشف و الا فليس هناك الا الأحكام الواقعية و الطريق المجعول بالعرض كالطريق المنجعل بالذات يصيبها تارة و يخطئها أخرى و ليس على تقدير الخطأ الا المعذورية و اما الثاني فيما بيناه هناك أيضا من ان مثل قاعدة الطهارة و قاعدة الحل ليس مفادها الا جعل الوظيفة العملية الظاهرية للمشكوك في طهارته و نجاسته و حليته و حرمته و ليس فيها تعرض لأدلة الشرائط الدالة على اشتراط الطهارة الواقعية و الحلية الواقعية الثابتة للشي‌ء بعنوانه الاولى و لذا لا ريب في عدم الأجزاء في الشبهات الموضوعية لو انكشف الخلاف كما لو تطهر بماء يشك في طهارته و نجاسته ثمّ انكشفت نجاسته أو صلى بلباس من شعر حيوان يشك في حلية اكل لحمه و حرمته بناء على الجواز مع الشك ثمّ انكشفت حرمته و لاجل ذلك لم تنفع أصالة الحل في الحيوان المشكوك حلية اكل لحمه في جواز الصلاة به و الا لاندفعت الشبهة عن هذه المسألة المعضلة التي هي معركة للآراء بين اساطين‌

31

العلماء إذ يتعين حينئذ الحكم بالجواز في المشكوك من دون اشكال أصلا و كذا لا فرق بين أن يكون تغير الاجتهاد في المسألة الفرعية مستندا إلى تغيره في المسألة الاصولية بالنسبة إلى الأصول العملية أو الأدلة الاجتهادية كأن كان يرى البراءة في الشك في الجزئية و الشرطية فعدل إلى الاحتياط أو يرى حجية خبر الثقة فعدل إلى حجية خصوص خبر العادل و هكذا أو لم يكن مستنداً إلى ذلك بل كانت اجتهاداته في المسألة الاصولية على حالها و لكنه عثر على مخصص أو مقيد أو معارض أو تبدلت استظهاراته من ألفاظ الكتاب الشريف و السنة الشريفة كأن كان يرى ان الصعيد هو مطلق وجه الأرض ثمّ صار يرى انه خصوص التراب الخالص و هكذا بل لا فرق بين ان يتذكر مستند اجتهاده السابق و يرى فساده أو لا يتذكره و لكنه يرى فساده إجمالا هذا كله إذا كان اجتهاده السابق يقتضي الصحة فتغير إلى ما يقتضي الفساد و اما لو انعكس فلا اشكال في الحكم على ما يقتضيه الاجتهاد اللاحق حتى في الأعمال الصادرة منه حين ما كان يرى الفساد سواء كان حين صدورها متذكرا لفتواه فيها أم لا سواء كانت من العبادات أو غيرها إذا تأتى منه قصد القربة على ما عرفت تفصيله في الأمر السالف ثمّ ان ما ذكرناه من الأجزاء إنما هو فيما إذا تغير الاجتهاد في الحكم الكلي و اما لو سها المجتهد في تعيين مؤدى نظره فعمل بغيره أو اخطأ في الموضوع فلا أجزاء ثمّ ان الذي ذكرناه في حكم تغير الاجتهاد جار في تغير التقليد اما إلى تقليد آخر أو إلى اجتهاد فان المقلد إذا بلغ درجة الاجتهاد و ادى نظره إلى الخلاف أو مات‌

مجتهده أو عرض له ما يوجب خروجه عن اهلية التقليد من جنون أو فسق أو زوال ملكة الاجتهاد عنه أو صار غيره اعلم منه أو عدل إلى مساويه بناء على جوازه و كان من قلده ثانيا يخالف الأول في الفتوى فان الحكم بالنسبة إلى الأعمال السابقة و اللاحقة كما سلف و هكذا لو رجع مجتهده عن فتواه فانه يتعين عليه العمل بالفتوى الثانية في الأعمال اللاحقة و ان تردد عدل إلى غيره الاعلم فالاعلم و اما احتمال جواز بقائه على العمل بالاولى فالظاهر اتفاقهم على عدمه و ان كان لا يخلو من وجه إذا كانت عن اجتهاد صحيح لعله السر في عدم ابطالهم للفتوى الأولى و لو بعد العدول عنها و‌

32

من ثمّ اختلفت اقوال الفقيه الواحد منهم في المسألة الواحدة في كتاب واحد فضلا عن الكتب المتعددة اشد الاختلاف و على ذلك يبتني وجوب اعلام المقلد بالعدول و عدمه فان قلنا بجواز البقاء لم يجب و الا ففيه وجهان من ان ترك الاعلام فيه اغراء بالجهل و من الاستناد إلى طريق شرعي و هو استصحاب (1) عدم الرجوع فلا يجب الردع و جريان طريقة السلف على العدم خصوصا مع انتشار المقلدين في الأطراف و لو قيل بوجوب الاعلام بقدر الامكان فيما إذا انقطع بالبطلان دون غيره كان وجيها اما إذا اخطأ المجتهد في بيان فتواه فالظاهر وجوب الاعلام و كذا لو نقل غيره فتواه فاخطأ وجب على ذلك الناقل الاعلام اما لو لم يخطئ في ذلك و لكن المجتهد تبدل رأيه فالظاهر عدم وجوب الاعلام عليه و ما يأتي به المقلد بعد رجوع مجتهده و قبل علمه بذلك حكمه حكم ما يأتي به قبل الرجوع اما ما يأتي به مع السهو في تعيين فتوى المجتهد اما منه أو من المجتهد في بيان فتواه أو من ناقل الفتوى فحكمه حكم ما إذا سها المجتهد في ذلك بالنسبة إلى عمل نفسه و كذا لو قلد من زعم قابليته للتقليد فبان الخلاف لجهل أو فسق أو غير ذلك و يدخل في هذا الباب اعمال سائر الفرق من الإمامية ممن عد الاثني عشرية الاصولية إذا استبصروا و رجعوا إلى الحق بل و اعمال المخالف إذا استبصر و مقتضى القاعدة في الجميع جعل المدار على مطابقة الواقع و عدمها و لو بحسب فتوى من رجعوا إليه في التقليد و الله العالم.

(السادس) في بيان حكم الشخصين أو الأشخاص المختلفين في الاجتهاد أو التقليد

و الكلام تارة في حكم المجتهد بالنسبة إلى اعمال مجتهد آخر و أخرى في حكم المقلد لمجتهد بالنسبة إلى اعمال مقلد مجتهد آخر و ثالثه في حكم المجتهد بالنسبة إلى اعمال مقلد مجتهد آخر و رابعة في حكم المقلد لمجتهد بالنسبة إلى اعمال مجتهد آخر و الظاهر ان ذلك بمنزلة تغير الاجتهاد و التقليد فان فتوى مجتهد في حق مجتهد آخر بمنزلة فتوى المجتهد الواحد لو عدل عنها إلى أخرى و تقليد مقلد المجتهد في حق مقلد مجتهد‌

____________

(1) هذا لا يجدي و لا يخرجه عن الاغراء بالجهل.

(الحسين)

33

آخر بمنزلة تقليد المقلد الواحد لو تبدل إلى تقليد آخر و تقليد مقلد مجتهد في حق مجتهد آخر بمنزلة تقليد الشخص الواحد لو تبدل بالبلوغ إلى درجة الاجتهاد و فتوى المجتهد في حق مقلد مجتهد آخر بمنزلة اجتهاد الشخص نفسه لو زالت عنه الملكية فقلد مجتهدا آخر و الأعمال الصادرة من أحدهما بالنسبة إلى الآخر بمنزلة الأعمال السابقة من الشخص الواحد قبل تغير اجتهاده و تقليده و حيث تقدم ان مقتضى القاعدة جعل المدار على المطابقة للواقع و عدمها و لو بحسب الاجتهاد اللاحق أو التقليد اللاحق و إنما قلنا بالأجزاء هناك للزوم العسر و الحرج و اختلال النظام فاللازم هنا الاقتصار في الأجزاء على الموارد التي يلزم منها ذلك و ربما اختلفا في ذلك نعم لو قلنا بان الأجزاء هناك موافق للقاعدة فيما إذا كان الاختلاف في الطرق الظنية استناداً إلى عدم ترجيح أحد الظنين على الآخر جرى هنا جميع ما جرى هناك لكن الاعتماد على ذلك لا يخلو عن اشكال و على أي حال فان علم أحدهما بمخالفة عمل الآخر للواقع عمل يعلمه و اما ان لم يعلم بذلك و إنما وقع الاختلاف بالطرق الظنية بعد فرض ان اجتهاد الآخر أو تقليده صحيح في حد نفسه فالاعمال الصادرة منه على حسب مذهبه إذا كانت متعلقة بتكليف الآخر كما في الواجبات الكفائية اكتفى بها الآخر فمن غسل ميتا أو كفنه أو صلى عليه أو دفنه حسب اجتهاده أو تقليده و كان غير صحيح بحسب اجتهاد الآخر أو تقليده اكتفى به و سقط الواجب عنه و هكذا في غير ذلك من الواجبات الكفائية و لو اوقع المتعاقدان عقداً بالفارسية في تمليك أو تزويج أو غيرهما و كانا يريان صحته اجتهاداً أو تقليداً رتب الآخر عليه آثار الصحة و ان كان يرى فساده فله ان يشتري الثمن من المشتري و الثمن من البائع أو يتصرف فيه بإذنه و ليس له ان يتزوج المرأة التي عقدت بذلك العقد بل لو تزوجها عالما حرمت عليه مؤبدا و لو لم يدخل بها و ان دخل بها حرمت عليه كذلك لو كان جاهلا على اشكال و اما لو اختلف المتعاقدان في ذلك فكان أحدهما يرى صحته اجتهاداً أو تقليداً و الآخر يرى فساده كذلك فاما بالنسبة اليهما فلا اشكال في بطلانه في حق من يرى ذلك و صحته عند الآخر لا تجدي بعد ان كان العقد مشتركا بينهما و قد اوقع ما يعود إليه بالنحو الذي يرى فساده و اما‌

34

في حق من يرى صحته فقد يقال بالبطلان أيضا نظرا إلى ان بطلان العقد من طرف يستلزم بطلانه من الآخر لأنه فعل واحد متقوم بالطرفين فلا يتبعض و يرده انه صحيح من الطرفين عند من يرى صحته و فاسد كذلك عند من يرى فساده فلا تبعيض و إنما هو من تعدد الحكم الظاهري في واقعة واحدة بالنسبة إلى مكلفين مختلفين في الاجتهاد أو التقليد و نظيره شائع فالاقوى صحته في حق من يرى الصحة و فساده في حق من يرى الفساد و اما بالنسبة إلى غيرهما فعلى ما اخترناه لا بد من ترتيب آثار الصحة و على القول الآخر يرتب آثار الفساد هذا إذا وقع كل من الايجاب و القبول بالفارسية و اما لو اوقع من يرى صحتها ما يعود إليه بها فلا اشكال في صحته في حق من يرى الصحة و اما في حق الآخر فهل هو صحيح أيضا لأن ما يعود إليه قد اوقعه على طبق مذهبه أو فاسد لفساد ما وقع من الآخر وجهان اقواهما الأول و في جريان أم ذكر من الحكم بالصحة في مثل التطهير و التذكية و نحوهما اشكال فلو كان أحدهما يرى عدم لزوم التعدد في تطهير الأواني بالماء الكثير و يرى الآخر لزومه أو يرى أحدهما صحة التذكية بغير الحديد و يرى الآخر فسادها فالاحوط عدم ترتيب آثار الطهارة على الإناء الذي غسل بالماء الكثير دفعة واحدة و عدم الآكل من الحيوان الذي ذكي بغير الحديد و هكذا لو كان أحدهما يرى صحة الطلاق بالالفاظ المختلف فيها و يرى الآخر فساده فالاحوط لمن يرى الفساد عدم التزويج بتلك المرأة التي طلقت بتلك الألفاظ أما لو كان أحدهما يرى طهارة شي‌ء كماء الغسالة مثلا فباشره برطوبة و كان الآخر يرى نجاسته فلا اشكال في وجوب الاجتناب عنه و كذا لو كان يرى حلية شي‌ء كالعصير التمري أو الزبيبي بعد الغليان فاستعمله في طعامه و كان الآخر يرى حرمته فانه لا يجوز له الآكل منه و اما اقتداء أحدهما بالآخر أو اقتدائهما بثالث فالظاهر جوازه إذا كان الاختلاف في الطرق الظنية إذ يكفي في صحة صلاة المأموم صحة صلاة الإمام و لو بحسب تكليفه إذا لم يكن المأموم عالما ببطلانها نعم يجب على المأموم العمل في موارد الاختلاف حسب اجتهاده أو تقليده سواء كان الاختلاف في مسائل القراءة أو غيرها من مقدمات الصلاة أو افعالها أو اقوالها أو شرائطها أو موانعها فلو كان الإمام‌

35

يرى عدم وجوب السورة و الماموم يرى وجوبها فان أتى بها الإمام و لو بعنوان الاستحباب فلا اشكال و ان لم يأت بها وجب على المأموم الإتيان بها و كذا يجوز للمختلفين في ذلك الاقتداء بثالث إذا لم يعلم المتأخر ببطلان صلاة من بينه و بين الإمام إذ يكفي في صحة صلاة المتأخر صحة صلاة من تقدم عليه و لو بحسب تكليفه فلو كان المتأخر يرى كفاية التهيؤ ممن بينه و بين الإمام فاحرم بمجرد تهيئه و كان المتأخر عنه لا يرى ذلك لم يقدح فصله و ان كان هو لا يجوز له الاحرام الا بعد احرامهم و من هنا يعلم حكم مسألة ربما يعم الابتلاء بها و هي انه لو احرم المتقدم بمجرد تهيؤ من تقدم عليه و احتمل المتأخر عنه انه يرى كفاية ذلك اجتهادا أو تقليدا حمل فعله على الصحة و لم يقدح فصله و ان كان هو ممن لا يرى كفاية ذلك (1) هذا كله إذا كان فعل كل على نحو الاستقلال و اما إذا كان بعنوان النيابة عن الآخر بوكالة أو ولاية كما في قضاء الولد ما فات ابويه أو تبرعا أو باجارة أو غيرها فلا ريب في انه يجب الإتيان به على حسب تكليف المنوب عنه اجتهادا او تقليدا فان فعله بما هو نائب فعل للمنوب عنه و هذا بخلاف ما إذا كان على نحو اهداء الثواب فانه يجب الإتيان به على حسب تكليف الفاعل كذلك فمن كان وكيلا عن شخص في اجراء عقد أو ايقاع أو إعطاء خمس أو زكاة أو كفارة أو نحو ذلك وجب الجري فيه على حسب تقليد الموكل أو اجتهاده لا على حسب تقليد نفسه أو اجتهاده و الولد في قضائه عن ابويه كذلك و كذا المتبرع في القضاء عن الميت أو الاجير عنه و كذا الوصي فيما يرجع إلى تفريغ ذمة الميت‌

____________

(1) لا يخلو من اشكال

(الحسين)

36

من الحقوق المالية أو البدنية يجب عليه العمل على حسب تقليد الموصى أو اجتهاده نعم بالنسبة إلى ما يرجع إلى نفسه من الأعمال المتعلقة بوصايته مثل انه هل يجب عليه السعي في انجاز الوصية حتى مع لزوم المشقة الشديدة أم لا و ما أشبه ذلك يعمل على حسب اجتهاده أو تقليده فلو كان الوصي أو الولي أو الاجير أو المتبرع لا يرى شرطية الترتيب في القضاء عن الميت مع الجهل و الميت يرى ذلك وجب عليهم مراعاته و هكذا و إذا لم يعلم تكليف المنوب عنه لعدم العلم باجتهاده أو بمجتهده وجب (1) الاحتياط و لا فرق في ذلك بين الأحكام اللاحقة للعمل في نفسه كأحكام القصر و الاتمام فلو كان المنوب عنه يرى القصر في السفر إلى اربع فراسخ من دون الرجوع ليومه و يرى النائب التمام لانه يرى اعتبار الرجوع ليومه في الأربعة قضاها عنه قصرا و بالعكس أو باعتبار مباشرة إذا كان لها دخل في صحة العمل و فساده كالجهر و الاخفات و نحوهما فان ما يلحق العمل باعتبار مباشرة و ان كان يراعي فيه حال المباشر فالمرأة تقضي عن الرجل اخفاتا و لو في الصلاة الجهرية و الرجل يقضي عن المرأة جهرا في الصلاة الجهرية و كذا في ستر تمام البدن و في مسألة العجز و القدرة فان القادر على القيام يقضي عن الميت قائما حتى ما فاته في حال العجز و لو جوزنا قضاء العاجز عن القادر فيقضي القاعد عما فات الميت في حال كان يجب عليه القيام فهو كذا في مسائل الجهل و العلم كمن جهل القبلة فصلى إلى الجهة المظنونة أو إلى اربع جهات مع عدم الظن و من جهل نجاسة ثوب فصلى فيه و ان كان المنوب عنه عالما بنجاسته و هكذا الا انه يلزم ان يكون ذلك على وفق تكليف المنوب عنه فإذا كان الرجل المنوب عنه يرى ان الواجب في الاخفات ان يسمع نفسه فليس للمرأة النائبة عنه الاقتصار على ما دونه و إذا كان يرى عدم الاكتفاء بمطلق الظن في القبلة مع التمكن من تحصيل العلم فليس للنائب الاكتفاء به و هكذا نعم لو كان هناك تكليف راجع إلى المباشر استقلالا و لو من حيث تعلقه بالنيابة كجواز نيابته عن المخالف و عدمه أو انه يجب على الولي قضاء ما فات ابويه عمدا أو لا يجب و هكذا عمل فيه‌

____________

(1) وجوب الاحتياط مشكل و الأقوى كفاية الإتيان بالعمل حسب تكليف النائب.

(الحسين)

37

حسب اجتهاده أو تقليده و لو كان الميت يرى ان المنجزات في مرض الموت من الأصل وجب على الوصي و الورثة الجري في منجزاته على ذلك و ان كانوا يرون انها من الثلث و كذا لو كان يرى ان الواجبات البدنية كالصلاة و الصوم من الأصل كالواجبات المالية فاوصى بإخراجها منه أو كان الثلث لا يفي بها وجب العمل على ذلك و ان خالفه الوصي و الورثة في ذلك اجتهادا أو تقليدا و هكذا لو كان يرى ان حجة الإسلام يجب اخراجها بلدية و ان الميقاتية لا تكفي فانه يجب اخراجها كذلك و هكذا و اما ما يرجع إلى الحبوة و ارث الزوجة و نحوهما فلا دخل له بتكليف الميت بل يعمل فيه حسب تقليد الورثة أو اجتهادهم و لو اختلفوا في ذلك كان الولد الأكبر يرى وجوب الحبوة مجانا و باقي الورثة يرون استحبابها بالعوض أو كانت الزوجة ترى ارث ذات الولد من العقار و النخيل و الاشجار و باقي الورثة يرون حرمانها من ذلك كغير ذات الولد فلا بد حينئذ من المرافعة عند المجتهد الجامع للشرائط فيحكم عليهم بما يفتي به.

(السابع) في بيان باقي الأمور المتعلقة بهذا الباب و ذلك في طي مسائل

(أحدها) انه قد علم مما ذكرناه في الأمور السالفة انه إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط وجب العدول إلى غيره

و كذا إذا قلد من لم يكن جامعا لها و مضى عليه برهة من الزمان ثمّ التفت وجب العدول و حال الأعمال السابقة حال اعمال الجاهل القاصر أو المقصر فان ذلك من السهو في التقليد لا من تبدله ليجري عليه حكم الأجزاء أما إذا قلد شخصا بتخيل انه عمرو فبان زيدا فان كانا متساويين في الفضل أو كان الذي قلده افضل فقد صح عمله مطلقا و ان انعكس فان اتفقا في الفتاوى و لو بالنسبة إلى ما عمل به فكذلك و كذا ان اختلفا و قلنا بعدم وجوب تقليد الاعلم و ان قلنا بوجوب ذلك كان من السهو في التقليد فلا يجي‌ء فيه الأجزاء أيضا و ان شك في موت المجتهد أو في تبدل رأيه أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده جاز له البقاء إلى أن يتبين الحال ثمّ ان تبين حياته أو عدم تبدل رأيه أو عدم عروض ما يوجب عدم جواز تقليده فلا اشكال و ان تبين العكس فالظاهر ان المسألة من مسائل‌

38

الأجزاء لا من السهو في التقليد لاعتماده في ذلك على الاستصحاب و كذا إذا مات مجتهده ففي مدة الفحص عمن يرجع إليه من الاحياء لو بقي على تقليده السابق فاعماله في تلك المدة صحيحة حتى لو لم توافق فتوى من رجع إليه و كان ممن لا يجوز البقاء فضلا عما إذا وافقتها أو كان ممن يجوز البقاء أو يوجبه و اما في مدة الفحص في التقليد الابتدائي فالواجب العمل بالاحتياط فلو لم يعمل به كان كالجاهل القاصر أو المقصر و الله العالم‌

(ثانيها) إذا علم ان عبادته مدة من الزمان كانت بلا تقليد صحيح

فان علم موافقتها للواقع أو لفتوى المجتهد الذي قلده فلا اشكال و الا فان علم مقدارها قضاه و ان لم يعلم به فالاقوى كفاية قضاء القدر المتيقن و اجراء البراءة في الزائد و الاحوط قضاء ما يتيقن معه البراءة و اما ان شك في انها كانت عن تقليد صحيح أم لا فله البناء على الصحة سواء شك في اصل التقليد أو في صحته عملا بقاعدة الشك بعد الفراغ كذا لو شك في أثناء العمل لو كان مركبا ارتباطيا فضلا عما إذا كان استقلاليا فانه يبني على الصحة في ما مضى و يجب عليه الاحراز للتقليد الصحيح في الباقي و منه يعلم انه إذا قلد مجتهدا ثمّ شك في انه جامع للشرائط بنى على الصحة فيما مضى و وجب عليه الفحص بالنسبة إلى ما يأتي و لو قيل بعدم وجوب الفحص حتى بالنسبة إلى ما يأتي فله وجه (1) بل و كذا لو علم بالتقليد و العمل و شك في المتقدم و المتأخر سواء جهل تاريخهما لو علم بتاريخ أحدهما و شك في الآخر فانه يرجع إلى الشك في الصحة بعد الفراغ و استصحاب عدم التقليد إلى حين العمل لا يثبت وقوعه بغير تقليد كما ان استصحاب عدم العمل إلى حين التقليد لا يثبت وقوعه عن تقليد الا بناء على الأصل المثبت‌

(ثالثها) انه قد علم مما ذكرناه في الأمور السالفة إنما يصدر من المجتهد ان كان من قبيل الإذن و التوكيل فيبطل بموته أو جنونه أو فسقه

أو غير ذلك مما يوجب خروجه عن الأهلية فالمأذون منه أو الوكيل عنه في التصرف في‌

____________

(1) و لكنه غير وجيه بل يجب عليه الفحص قال انكشف له كان جامعا صحت اعماله السابقة و اللاحقة و الا كان حكمه مراعاة المطابقة للواقع كالعامل بغير تقليد.

(الحسين)

39

الاوقاف أو في أموال الأيتام أو قبض الحقوق الراجعة إليه و صرفها أو غير ذلك مما يجري فيه التوكيل منه فينعزل بعروض أحد تلك الأمور عليه و ان كان من قبيل إعطاء المنصب كنصبه متوليا على الاوقاف أو قيما على الايتام أو نحو ذلك من المناصب الشرعية فالاقوى عدم انعزاله بذلك و الفرق ان الإذن حدوثه يؤثر في الحدوث و بقائه يؤثر في البقاء فالشرائط المعتبرة في نفوذه في الحدوث معتبرة في نفوذه في البقاء (1) و هذا بخلاف إعطاء المنصب فان حدوثه مؤثر في الحدوث و البقاء فان المجعول فيه معنى يبقى و يستمر الا أن يرفعه رافع و لا يحتاج في بقائه إلى بقاء الجيل نظير المناصب المجعولة من السلطان للولاة و القضاة بل نظير المناصب المجعولة من الله سبحانه و تعالى لأنبيائه أو اوليائه فالفرق بين الإذن و إعطاء المنصب هو الفرق بين العقود الاذنية كالوكالة و الوديعة و العارية و بين غيرها من العقود التمليكية التي يتحقق بها أمر يبقى و يستمر إلا ان يرفعه رافع كعقد البيع و الإجارة الموجب لملكية العين أو المنفعة أو عقد النكاح الموجب للزوجية و هكذا‌

(رابعها) المجتهد غير العادل أو مجهول الحال لا يجوز تقييده

و لا ينفذ حكمه و لا تصرفاته في الأمور العامة و لا ولاية له في الاوقاف و الوصايا و‌

____________

(1) يعني ان الشرائط في باب الوكالة تعتبر حدوثا و دواما بخلافها في إعطاء المنصب فيكفي تحققها حدوثا لا استدامة و الفرق ظاهر بادنى تامل.

(الحسين)

40

أموال القصر و الغيب و منه يعلم ان من ليس اهلا للفتوى و القضاء يحرم عليه ذلك و يحرم على الناس الترافع إليه و الشهادة عنده و المال الذي يؤخذ بحكمه حرام و ان كان الأخذ له محقا الا إذا انحصر استنقاذ حقه بذلك و من ادعى الاجتهاد و الأهلية فان كان ممن يحتمل في حقه ذلك حمل على الصحة و لم يفسق بذلك و لكن لا يجوز ترتيب الآثار بمجرد ذلك و اما إذا خالف الضرورة في دعواه فشارب الخمر خير منه (1) و لنكتف بهذا القدر من مسائل الاجتهاد و التقليد و نشرع في المقاصد.

____________

(1) و ما اكثر المدعين لهذا المنصب و لا سيما في هذه العصور التعيسة جهلا بانفسهم و بهذا المقام و ما اكثر المخدوعين بهم جهلا أو لغرض و الغرض يعمي و يصم و لا حول و لا قوة الا بالله. و قد ذكرنا في أول هذه الرسالة ان احسن معيار للكشف عن صدق هذه الدعوى و كذبها هو الانتاج العلمي و كثرة المؤلفات النافعة و ان طريق الإمامية من زمن الأئمة (عليهم السلام) إلى عصرنا القريب هو ان المرجعية العامة و الزعامة الدينية تكون لمن انتشرت و كثرت مؤلفاته كالشيخ المفيد و السيد المرتضى و الشيخ الطوسي الذي تكاد مؤلفاته تزيد على الاربعمائة و الشيخ الصدوق له ثلاثمائة مؤلف و هكذا كان هذا هو المعيار الصحيح و الميزان العادل إلى زمن السيد بحر العلوم صاحب المصابيح و الشيخ الأكبر صاحب كشف الغطاء إلى الشيخ الأنصاري صاحب المؤلفات المشهورة التي عليها مدار التدريس اليوم اما الرسالة العملية و ان تعددت فلا تدل على شي‌ء و ما اكثر ما يأخذها اللاحق من السابق و ليس له فيها سوى تبديل الاسم أو تغيير بعض الكلمات و إليه تعالى نفزع في اصلاح هذه الطائفة و تسديد خطواتها إلى السداد ان شاء الله.

(الحسين)

41

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المقاصد

المقصد الأول في العبادات

و فيه كتب:

الكتاب الأول كتاب الطهارة

فالكتاب مصدر كتب بمعنى جمع قال عز من قائل [أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ] أي جمعه و الطهارة هي النظافة و النزاهة و ليس لها حقيقة شرعية (1) و لا متشرعية بل هي في لسان الشارع و المتشرعة مستعملة في معناها اللغوي و العرفي‌

و فيه مباحث:

المبحث الأول في المياه

جمع ماء و اصله موه بالتحريك بدلالة ضروب تصاريفه في التصغير و الجمع فيقال مويه و امواه في القلة و مياه في الكثرة ففيه قلب و ابدال و الماء هو أحد العناصر الأربع الذي انعم الله به على العباد و احيى به ميت البلاد و اروى به العطشان و جعل الحياة مقرونة به في الشجر و النبات و الحيوان و به قوام العبادات الموصلة إلى رضاء جبار السموات و قد تفضل الله به على خلقه فجعله طاهرا طهورا و طهارته و طهوريته الذاتية من لوازم ماهيته فهي مجعولة بجعل ذاته لا بمجعول آخر و لذا لم يختلف في ذلك أهل ملة و ملة و اهل دين و دين بل هو كذلك حتى عند من لم يتدين بدين و هو المطهر العام فانه مطهر لكل شي‌ء عدا ما لا يقبل التطهير مع بقائه على‌

____________

(1) لا ريب ان الشارع قد اعتبر في ذلك المعنى اللغوي العام حدوداً و قيوداً و كثر استعماله في إرادة خصوص ذلك المفيد و قل استعماله بذلك المطلق فاحتمال الحقيقة المتشرعية بل الشرعية التعينية لا التعينية قريب جداً.

(الحسين)

42

حقيقته كالاعيان النجسة و المائعات المتنجسة (1) بل هو مطهر لبعض اعيان النجاسات كميتة الإنسان فانه يطهر بتمام غسله و كما يطهر من الخبث يطهر من الحدث بل هو انقى المطهرات و ادفعها للقذرات و حقيقته هي ما يذكرها الطبيعيون من انه جسم سيال بارد بالطبع و نحو ذلك و اما ما يذكره الفقهاء من انه ما يصح إطلاق اسم الماء عليه بلا إضافة و لا قرينة فليس بالحد و لا بالرسم و إنما هو تمييز لبعض المصاديق المشتبهة بإطلاق الاسم و هو قسم واحد لا قسمان فان المضاف ليس منه و إنما يستعمل فيه مجازا كما يستعمل في ماء الوجه و ماء الشباب و نحوهما على انه لا وجه لجعل المضاف عنوانا في هذا الباب فانه ليس هناك حكم يخصه مما هو كذلك بل الأحكام مترتبة عليه بما هو جسم مائع فيشاركه في ذلك جميع المائعات (2) كالدهن الذائب و الدبس السائل و نحوهما فالماء ليس هو الا الماء المطلق و ليس المراد التقييد لا الإطلاق بل المطلق حتى من قيد الإطلاق و إضافته أحيانا لتمييز المصداق لا لتصحيح الإطلاق كما يقال ماء البحر و ماء النهر و ماء البئر و نحوها و هو من أوضح الأشياء مفهوما و مصداق و قد توجد افراد يشك فيها من حيث الصدق أو المصداق فيرجع إلى الاصول (3) و الشك في الصدق شك مفهومي كما في مثل ماء النفط و الكبريت و نحوهما و الشك في المصداق شك موضوعي كما إذا شك في مائع انه ماء أو ماء ورد مسلوب الصفات و الأصول تقضى في الطهورية بالعدم فلو استعمله في رفع حدث أو خبث أم يرتفع للاستصحاب و اما في الانفعال فان لم يعتصم بعاصم أو تغير انفعل مطلقا و الا فلا لاستصحاب طهارته هذا إذا لم تكن له حالة سابقة و الا اخذ بها كما لو كان مطلقا فشك في اضافته أو بالعكس و لو تردد بين الماء و البول لم تترتب عليه أحكام الطهارة و لا أحكام النجاسة فلا يطهر من حدث و لا خبث و لا ينجس ما لاقاه فلو توضأ به غافلا لم يرتفع حدثه و لم ينجس بدنه عملا بالأصل فيهما و هو على‌

____________

(1) بعض المائعات المتنجسة يمكن تطهيرها بالماء كما سيأتي ان شاء الله. (الحسين)

(2) يمتاز عنها بذهاب بعض العلماء من المتقدمين إلى جواز تطهير الخبث ببعض انواع الماء المضاف.

(3) إذا لم يرتفع الشك بالرجوع إلى العرف أو اللغة.

(الحسين)

43

قسمين معتصم و غير معتصم و العاصم أحد أمرين اما اتصاله بمادة أرضية كما في الجاري و ماء البئر بل مطلق المائع عن مادة أو سماوية كما في ماء الغيث و اما كثرة حدها الشارع المقدس بالبلوغ مقدار كر و يدخل فيه ماء الحمام فان العاصم فيه رفعا و دفعا هو الكرية و لذا يجري الحكم في غيره مما ماثله و ان لم يصدق عليه ماء الحمام فليس هو قسما مستقلا و افراد الفقهاء له بالذكر تبعا للأخبار ثمّ ان المعتصم منه و غير المعتصم شرع سواء في الانفعال بالمفسد العام و هو التغيير بالنجاسة فانه أينما تحقق افسد و إنما يظهر اثر العصمة في الانفعال بالملاقاة فان المعتصم لا ينفعل و غيره ينفعل نعم بينهما فرق آخر في صورة الانفعال بالتغيير و هو ان غير المعتصم يفسد به بتمامه كما يفسد بالملاقاة كذلك و المعتصم إنما ينفعل منه المقدار المتغير و اما ما عداه فان تحقق فيه العاصم من اتصاله بمادة أو كرية فهو باق على طهارته و ما لم يتحقق فيه ذلك ينفعل بملاقاته للمتغير فإذا تغير الجاري فان لم يكن التغيير قاطعا لعمود الماء نجس المتغير خاصة دون ما قبله و ما بعده و ان كان قاطعا لعمود الماء فما قبله مما يلي المادة لا ينجس و اما ما بعده فان كان اقل من كر نجس و الا فلا و إذا تغير غير الجاري مما يعتصم بكريته فان كان مجموعه كرا بلا زيادة نجس الباقي و ان زاد فان لم يكن التغيير قاطعا للعمود كفى في عصمة الباقي كرية مجموعه و الا اعتبرت الكرية في كل من الطرفين هذا خلاصة الكلام في أحكام المياه على سبيل الاجمال و ان شئت تفصيل الحال على نحو ما ذكره علماؤنا الكرام (قدس الله اسرارهم‌)

فاعلم انهم ذكروا انها على أقسام

(أحدها) الجاري

و المراد به هنا حكما أو موضوعا مطلق النابع عن مادة مع اتصاله بها أي ما كان من شأنه النبع فعلا أم لا جرى على وجه الأرض أم لا فالعيون الواقفة التي ليس لها نبع فعلي لضعف موادها بحيث إذا وصل ماؤها إلى حد خاص وقف و إذا اخذ منه نبع داخلة فيه (1) حكما أو موضوعا و اما ما جرى على وجه الأرض من دون مادة كالمياه الجارية من ذوبان الثلج فليست منه فالاعتصام اثر‌

____________

(1) مع الوقوف و عدم الجريان الفعلي مشكل.

(الحسين)

44

للاتصال بالمادة لا للجريان فلو جرى من دون مادة لم يعتصم و لو اتصل بها اعتصم و ان لم يكن جرياناً و يعتبر في المادة الدوام فلا عبرة بما يترشح من مادة اجتمعت من مطر و نحوه و ان دخلت في اعماق الأرض كما يعتبر الاتصال بها فان انقطع و لو بنحو التغيير القاطع لعمود الماء زال الحكم فان عاد عاد و يجري الحكم على الخارج رشحا كالنز و الثمد الا إذا ضعفت مادته جدا بحيث لا يصدق عليه اسم النابع و إذا كانت المادة تتقاطر و تترشح من الأعلى فما يجتمع منها في الأسفل يجري عليه الحكم في حال التقاطر و يزول في حال الانقطاع فيكون شبيها بماء الغيث على التفصيل الآتي فيه و لو اصابته النجاسة بعد الانقطاع فاتصل طهر و لو اصابته حال الاتصال فبقيت إلى الانقطاع تنجس و ما ينبع مرة و ينقطع أخرى كالعيون التي تنبع في الشتاء و تنقطع في الصيف يلحق كل حكمه و لو جهل حال وقت الاصابة من جهة الشك في انقطاعها أو انقطاعه عنها و لو من جهة وجود الحاجب فان كانت حالة سابقة عمل بها و الا بنى على طهارته و تطهيره المتفرع على طهارته لا المتفرع على مادته و كذا لو شك في ان له مادة فعلا أم لا فانه ان كانت له حالة سابقة و احتمل جفافها أو لم تكن و احتمل حدوثها اخذ بالحالة السابقة و ان لم تكن أو كانت و لم يعلم بها رتب آثار العدم فيما يعتبر فيه المادة كالعصر و التعدد و نحو ذلك فلو غسل به ما يتوقف تطهيره في غير ذي المادة على ذلك وجب و الا بقي على النجاسة و آثار الوجود فيما يعتبر فيه عدم المادة كالانفعال بالملاقاة فلو اصابته نجاسة بقي على طهارته و تطهيره كما سبق‌

(ثانيها) ماء البئر

و قد عرفت انه داخل في الجاري حكما أو موضوعا و الأقوى ان نزح المقدرات في صورة عدم التغيير مستحب لا تعبدا محضا بل لدفع القذارة الحاصلة و ان لم تبلغ مرتبة النجاسة الموجبة لحرمة الاستعمال و قد نسب إلى بعض القائلين بالطهارة وجوب النزح تعبدا و لا يخفى ضعفه و ذهب جمع من أصحابنا إلى انفعاله بالملاقاة مطلقا و فصل بين الكر و ما دونه و يلزم المطلقين أن يكون اسوأ حالا من الماء الراكد الذي ليس له مادة فان الكرية تعصمه و لا تعصم هذا فاتصاله بالمادة كانه لوهنه و لضعفه و هو كما ترى يمكن دعوى القطع بفساده و ايما كان فالظاهر هو ان الآبار المتواصلة‌

45

الجاري ماؤها من بعض إلى بعض سبيلها سبيل الجاري في الاعتصام قولا واحدا كآبار المشهد الغروي و نحوه و كذا العيون الواقفة الواصلة ماؤها إلى فمها و لا يتعداها لسعف مادتها كما في بلاد الشام ان قلنا بكفاية الاتصال بالمادة في ذلك كما عرفت انه الأقوى و الا فهي بحكم الراكد كما لا ريب في اعتبار المادة التي من شأنها النبع و الا فالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر و لا مادة لها حكمها حكم الراكد قطعا و مما يجب التنبيه له في المقام ان الآبار المعدة لاستسقاء المسلمين منها في البوادي و القرى كالآبار التي في طريق بيت الله الحرام و غيرها يحرم حتى على القول بالطهارة البول فيها و التغوط و إلقاء كافة القذارات بل و الاستنجاء أو غسل كافة انواع النجاسات بل و الاغتسال من الجنابة فان ذلك موجب لتنفر طباعهم منه و انصراف أنفسهم عنها و هو اضرار بهم و لا يبعد الضمان للضرر المترتب على ذلك بل لا يبعد حرمة دخول ذوي الامراض المسرية فيها و يجري ذلك في جميع ما لعموم المسلمين فيه حق من الشوارع و المشارع و نحوها و اما ماء بئر زمزم وفقنا الله تعالى للوصول إليها و الشرب منها فيجري عليها ما يجري على المشاعر المحترمة و المعابد المعظمة فيحرم استعمال مائها في إزالة النجاسات أو غسل (1) الجنابة مطلقا و لو بعد خروجه منها و إذا وقعت فيها نجاسة وجب اخراجها و إذا تنجست وجب تطهيرها و ليس كذلك آبار الحرم و لا آبار العتبات الشريفة حتى ما كان منها في الصحن الشريف نعم لو كان في الرواق الشريف جرى عليه الحكم لاحترام نفس الرواق و لو غسل عصيانا اثم و طهر المحل كما في الآبار المعدة لاستسقاء المسلمين اما لو اغتسل من الجنابة فشفي الصحة في بعض الصور و تثبت في بعض آخر و الله الهادي إلى سواء السبيل‌

(ثالثها) ماء الحمام

الذي ورد فيه ان سبيله سبيل الجاري إذا كان له مادة و انه كماء النهر يطهر بعضه بعضا و المراد به ما في الحياض الصغار عند اتصاله بالمادة و قد عرفت ان العاصم فيه دفعا و رفعا هو الكرية و يكفي بناء على ما هو الأقوى من اعتصام السافل بالعالي كرية‌

____________

(1) الأقوى صحة غسل الجنابة مع طهارة البدن و لا ينافي الاحترام بل هو كالوضوء منها.

(الحسين)

46

المجموع في دفع النجاسة عما في الحياض و كرية المادة في رفعها عنها و ان كان الاحوط اعتبار كريتها حتى في الدفع و اما المادة لو فرض نقصانها عن الكر فالظاهر انه لا ينفعها الاتصال بما في الحياض لا دفعا و لا رفعا و لو كان المجموع كرا أو ازيد بناء على ما هو الأقوى من عدم اعتصام العالي بالسافل مع عدم وحدة الماء و قد عرفت أيضا الا خصوصية للحمام بذلك بل هو جار في كل مكان مماثلا له و خلاصة القول فيه و فيما ماثله ان العلو ان كان تسريحيا كان كالماء الواحد و اعتصم بعضه ببعض و ان كان تسنيميا فان كانت العصمة للاعلى اعتصم به الأسفل ما دام الاتصال فان انقطع انقطعت و إذا عاد عادت فالاعلى في حق الأسفل دافع رافع و ان كانت العصمة للاسفل دون الأعلى لم ترفع و لم تدفع عن الأعلى و ان كانت العصمة للمجموع دون الآحاد لم يعتصم الأعلى بالاسفل و يعتصم الأسفل بالاعلى في الدفع دون الرفع و حكم الشك بالنسبة إلى الاتصال بالمادة و الانقطاع عنها و غير ذلك حكم ما ذكرناه في الشك بالنسبة إلى مادة الجاري و منه يعلم انه لا اثر لصفة الحمامية لا في طهارة و لا في نجاسة و لا في تطهير و لا في تنجيس بل ماء الحمام كماء غيره فجاريه بحكم الجاري و راكده بحكم الراكد فكره ككره و قليله كقليله و غسالته محكوم (1) بطهارته إلى ان تعلم النجاسة كغسالة غيره و لا عبرة بالظن و يناسب التنبيه في هذا المقام على أحكام دخول الحمام و لو إجمالا اعلم ان دخوله مستحب فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) نعم البيت الحمام يذكر الغار و يذهب بالدرن و واجباته غض النظر عن عورة من يحرم النظر إليه و سترها عمن يجب الستر عنه و عدم الإسراف في الماء أو المكث أو البقاء زائدا على المتعارف كما يتفق حصوله من بعض أهل الوسواس و لا يفسد ماؤه بالبول أو الغائط بل و لا يغسل النورة أو الاستنجاء في المياه التي لم تعد لذلك و لا يلقي بدنه بشدة في الماء حتى يبعث على اراقته أو الخلل في بعض ابنيته و لا يبالغ في عصر المئزر الراجع إلى صاحب الحمام حتى يبعث على خرقه أو وهنه كما يفعله بعض المحتاطين فيقعون‌

____________

(1) الاحوط اجتناب غسالة ماء الحمام و هذا من موارد تقديم الظاهر على الأصل.

(الحسين)

47

في فعل محرم لملاحظة الاحتياط في مستحب على ما يزعمون و لا يبعد الضمان في كثير من هذه المقامات و ان يكون بدنه خاليا عن الامراض المسرية و ان لا يستعمل بعض اللطوخات الكريهة الرائحة الموجبة لتنفر كل من في الحمام من المسلمين و ان لا يخفي شيئا مما يعلم انه لو علم به صاحب الحمام لمنعه (و مندوباته) المحافظة على المئزر السابغ عند دخوله و في حال مكثه و عند غسله مع أمن الناظر و عدمه و السلام من المتزرين و دخوله يوم الأربعاء و ان يكون على الحالة الوسطى من الشبع و الجوع و ان يقال للخارج منه طاب ما طهر و طهر ما طاب فيجيب بقوله طهركم الله و سؤال الجنة و الاستعاذة من النار في البيت الثالث بل ينبغي له أن يتذكر النار لحرارة هوائها و الحميم لحرارة مائه و المحشر بلبس ازاره و فقر الآخرة بخلو يده و افتقاره و الحساب بمحاسبة اجرته و القبر بضيقه و ظلمته و يتأمل في قذارته و نقصه بالاطلاع على معايبه و عورته و يستحضر وقت احتضاره إذا استلقى على قفاه لإزالة اقذاره و بتقليب الدلاك في تطهيره و غسله تقليب المغسل عند مباشرة غسله ثمّ بعد الفراغ من الحساب و إزالة القذر و لبس الثياب يكون كالفارغ من العقاب الداخل في الجنات خلصنا الله و كافة اخواننا من تلك العقبات و ادخلنا و اياهم تلك الجنات فانا و ان لم نكن اهلا لذلك و لكنه هو أهل العفو و الرحمة و أهل المغفرة و العظمة (و من لواحقه) الخضاب و قد ورد فيه من الحث ما يزيد على الحد و الحصر فانه نور و إسلام و زينة و طيب و براءة في القبر و يستحي منه منكر و نكير و يستبشر به المؤمن و يغيظ به الكافر و تفرح به الملائكة و يطيب النكهة و يشد اللثة و يطرد الريح من الاذنين و يجلو الغشاء من البصر و يلين الخياشيم و يذهب بالغثيان و هو خبث النفس و يقل وسوسة الشيطان و الدرهم فيه افضل من الف درهم في غيره في سبيل الله عز و جل و كان أبو جعفر (عليه السلام) يخرج من الحمام و هو من قرنه إلى قدمه مثل الوردة منن اثر الحناء و خرج موسى بن جعفر (عليه السلام) يوما من الحمام و بيده اثر الحناء و نظر إليه رجل عند قبر رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و قد اخذ الحناء من يده و رؤي أبو جعفر (عليه السلام) و قد اخذ الحناء و جعله على اظافيره و كفى بهذه الأخبار دليلا على استحباب ما هو المتعارف بين أصحابنا اليوم من خضاب‌

48

اليدين و الرجلين بل ربما يستشم من إنكار من أنكر على أبي جعفر موسى (عليهما السلام) ان القول بعدم جوازه أو مرجوحيته من شعار المخالفين فما ورد من المنع عنه على تقدير صحته محمول على التقية، و الاطلاء بالنورة فانها طهور و نشرة و تزيد في ماء الصلب و تقوي البدن و تسمنه و تزيد في شحم الكليتين و مانعة عن طول شعر الجسد القاطع لماء الصلب المرخي للمفاصل المورث للضعف و السل و ان من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤخر ذلك عن أربعين يوما و من لم يجد فليستقرض و المرأة لا تؤخره عن العشرين و غسل الرأس بالسدر فانه جالب للرزق و دافع للهم و مذهب لوسوسة الشيطان سبعين يوما فلا يعصي الله و من لم يعص الله سبعين يوما دخل الجنة و حلق الراس فانه يجلي البصر و يزيد في نوره و تخفيف اللحية و تدويرها و الأخذ من العارضين و قص ما زاد عن القبضة فان ما زاد عنها في النار و عن الصادق (عليه السلام) يعتبر عقل الرجل في ثلاث في طول لحيته و نقش خاتمه و كنيته و يحرم حلقها بل يستحب توفيرها قدر قبضة من يد صاحبها مع استوائه و استوائها و الا اعتبر المقدار مما يلائم خلقته و الأخذ من الشارب فانه مخبأ للشيطان و الأخذ منه نشرة و النشرة بضم النون فالسكون الرقية و الحرز و سميت نشرة لانه ينشر بها عن المريض ما خامره من الداء و اخذ الشعر من الانف فانه يحسن الوجه و يزيد في الجمال بل استيصال الشعر من جميع البدن فانه من سنن المرسلين و يجلو البصر و يريح البدن و يقل الدرن و تمشيط الشعر و تسريحه في اللحية و الشارب و الحاجبين فانه الزينة عند كل صلاة و الجالب للرزق و المحسن للشعر و المنجز للحاجة و القاطع للبلغم و المزيد في ماء الصلب و الشاد للاضراس و الذاهب ببلابل الصدر و يكره التمشط قائما فانه يركب الدين و يورث الفقر و الضعف في القلب و قص الاظفار فانه دافع للداء الأعظم و مدر للرزق و الاظفار مقيل للشيطان و منها يكون النسيان و يكره تقليمها بالاسنان و إذا منعت الاظفار من وصول الماء إلى البشرة في الغسل و الوضوء وجب تقليمها و الاكتحال للرجل و المرأة فانه أمان من الماء و يعذب الفم و ينبت الشعر و يحد البصر و يجفف الدمعة و يعذب الريق و يجلو البصر و يعين على طول السجود و الركوع و الطيب فانه‌

49

من اخلاق الأنبياء و سنن المرسلين و يشد القلب و تتضاعف به الصلاة من الواحد إلى المائة و أربعين و انه لا ترد هديته و ما ينفق فيه ليس من السرف‌

(رابعها) ماء الغيث

و العصمة و العاصمية ثابتان بالذات للنازل من السماء حين نزوله في ملاقاته الأولى التي لم يتقدمها ملاقاة مستقرة فإذا أصاب حينئذ نجسا لم ينجس و ان أصاب متنجسا خاليا من عين النجاسة مع قابليته للتطهير طهره سواء لم يمس جسما آخر قبله أو مسه و لكن مس مرور و عبور بلا قرار كما لو مس ورق الشجر و نحوه في الهواء أو وقع على ورق الاشجار و اعالي الجدار متساقطا منها إلى الأرض من دون قرار أو وقع على السطح فجرى في ميزاب أو غيره إليها أو وقع عليها و كان فيها تسريح فجرى إلى موضع آخر منها أو من غيرها أو وقع على سقف فسطاط أو بيت متخذ من الشعر أو القصب أو الحصر أو البواري فجرى منه من دون قرار أو أصاب محلا فنبا عنه إلى آخر و هكذا من دون فرق بين وصوله بنفسه أو باعانة ريح أو غيره و بين بقاء التقاطر و عدمه (1) اما إذا استقر في ارض و نحوها فلا عصمة و لا عاصمية الا مع بقاء التقاطر و اتصاله و لو من بعض نواحيه بذلك المتقاطر ليعتصم حينئذ بمادة السماء كما يعتصم الجاري بمادة الأرض فيعتصم بالعرض باتصاله بالمعتصم بالذات و هذا هو المراد من اشتراط بقاء التقاطر الذي يتكرر في كلماتهم و الا فالقطرات الأخيرة التي لم يتقاطر بعدها شي‌ء لا ريب انها عاصمة معتصمة و ليس هناك بقاء للتقاطر و لا يعتبر فيه بعد صدق اسم المطر عليه شي‌ء آخر من غزارة و كثرة أو جريان فعلي من الميزاب أو مطلقا أو جريان تقديري و ما نسب إلى المشهور من اعتبار الكثرة فهو لتحقيق الموضوع فان مستندهم هو منع صدقه على القطرات اليسيرة و هو لا يخلو تأمل أو منع و على أي حال فالمنبع الصدق العرفي فمتى صدق عليه اسم المطر اعتصم و عصم و ما في أخبار الباب من تعليق العصمة على الجريان لا ينافي ما ذكرناه فان موضوع السؤال فيها المطر الواقع على السقف الذي جعل كنيفا فيكنف من جانبه الآخر و هذا ان لم يكن على‌

____________

(1) الأقوى مع عدم التقاطر عدم العاصمية و المراد من اشتراطه انه لو وقعت القطرات و انقطع التقاطر فبعد استقرارها و الانقطاع لا تطهر إنما تطهر حال تقاطرها. (الحسين)

50

نحو الجريان و اتصال عمود الماء بالنازل من السماء فلا ريب في نجاسته و ذلك لاستقراره في اعماق السقف التي رسبت فيه النجاسة فإذا تقاطر منها كان نجسا حتى مع بقاء التقاطر على السقف فضلا عن انقطاعه لانه بقراره في الاعماق المتنجسة انفصل عنه فلا عصمة ذاتية و لا عرضية و هذا وجه حسن للتوفيق بينها و بين المطلقات لم ار من تنبه له و منه يعلم زوال العصمة و العاصمية عن المتقاطر من السقف إذا كان مما يرسب الماء في اعماقه كالطين و نحوه و العصمة العرضية الحاصلة من الاتصال بمادة السماء كما تثبت له كذلك تثبت لغيره و هي دائرة مدار الاتصال فمتى انقطع زالت العصمة عنه و إذا عاد عادت و حكم الشك فيه حكم الشك في الاتصال بمادة الأرض من انه إذا كانت له حالة سابقة متيقنة اخذ بها و الا فهو معتصم لا عاصم و إذا كان فيه عين نجاسة فما دام الاتصال لا اثر لها و إذا انقطع تنجس فإذا عاد طهر و إذا لاقاه طاهر حين الانقطاع تنجس و لو في الفترات و ان كان السماء تكف إذا لم يكن متصلا و لو من بعض نواحيه بما تكف عليه السماء و لو كان معرضا للتقاطر عليه على الأقوى و إذا أصاب عين النجاسة و انفصل عنها من دون تغير و لا قرار أو مع القرار و لكن في حالة اتصاله بالمتقاطر فهو باق على عصمته و عاصميته فإذا وقع على السطح النجس فما يرسب منه في اعماقه حال الاتصال المتقاطر من السماء طاهر و ان تقاطر من السقف بعد انقطاع (1) التقاطر من السماء حتى إذا كانت عين النجاسة فيه حال وقوعه عليه و لا يعتبر في التطهير به بعد صدق المطر عليه و زوال عين النجاسة عن المحل و قابليته للتطهير و وصوله إليه امتزاج أو عصر أو تعدد أو ورود فيحصل التطهير بالمورود و المتواردين كما يحصل بالوارد نعم في الولوغ لا بد من التعفير و من اعتبر الكثرة في اصل تحققه فلا يعتبرها في التطهير به فتكفي القطرات اليسيرة في ذلك بعد تحقق الكثرة في اصله و لا فرق بين افراد المتنجسات في حصول التطهير به فيطهر به‌

____________

(1) مشكل و قد تقدم منه (قدّس سِرُّه‌) قريبا اعتبار التقاطر بعد الاستقرار في الأرض و لعل المراد هنا انه يطهر السطح النجس بالتقاطر عليه من السماء و ان انقطع و بقي يتقاطر من السقف فهو في هذا الحال طاهر غير مطهر لانقطاعه عن المادة.

(الحسين)