خلل الصلاة وأحكامه

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
836 /
3

[مقدمة الناشر]

نحمده في جميع أُموره و نستعينه على رعاية حقوقه، و نصلّي و نسلّم على من أرسله بأمره صادعاً و بذكره ناطقاً، و على آله و أهل بيته الّذين بهم يستعطى الهدى و يستجلى العمى.

و بعد، فإنّ التفقّه في الدين لا يُستغنى عنها مهما طال به الزمن و تقلّبت الأحوال الاجتماعيّة، لأنّه مسلك العبوديّة و أساس تنظيم شؤون الحياة الإنسانيّة في جميع أبعادها الفرديّة و الاجتماعيّة، بل ما دام يتعاقب الجديدان تشتدّ عليه حاجة الإنسان بما هو إنسان؛ و لذا خاطبنا ربّنا الرحمن في كتابه القرآن و قال عزّ من قائل- فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ و حثّنا على ذلك النبيّ الكريم و أوصياؤه الهادون (صلوات اللّٰه و سلامه عليهم أجمعين).

فامتثالًا لما ندب إليه لسان الوحي بدأ منذ عصر النبيّ دراسة الفقه و تدوينه، و كان نصيب الإماميّة المتمسّكين بحبل آل الرسول (صلوات اللّٰه عليهم) في هذا المضمار هو قصب السبق في جميع جوانبه، و فاقت مدرستهم على سائر المدارس إتقاناً و تدقيقاً و تعميقاً، لعكوفهم على أهل بيت نبيّهم (عليهم السّلام) و الأجيال على ذلك متسلسلة و القرون متتابعة، و سطع في سماء الفقاهة في كلّ قرن نجوم مضيئة ينفون بنور علمهم عن هذا الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين.

و من هذه الأنجم: العالم العامل الكامل الحاوي لأشتات الفضائل سماحة آية اللّٰه العظمى الحاجّ الشيخ مرتضى نجل أُستاذ الفقهاء و المجتهدين آية اللّٰه العظمى في الأرضين مؤسّس الحوزة العلميّة في مدينة قم الحاجّ الشيخ عبد الكريم الحائري (قدس سرهما) و الّذي تربّى في بيت الفقاهة و عُرف بين أقرانه و معاصريه بدقّة النظر و جزالة النبالة؛ فلذا أصبح مجلس درسه مجمعاً للفضلاء من الطالبين و معهداً للأذكياء من المشتغلين.

فكانت حصيلة جهوده العلميّة و دراساته مجموعة من الأبحاث الأُصوليّة و الفقهيّة الّتي خطّتها بأنامله الشريفة، و منها الكتاب الماثل بين يديكم.

و قد وفّق اللّٰه سبحانه و تعالى سماحة حجّة الإسلام و المسلمين الحاجّ الشيخ محمّد حسين أمر اللّهي دامت إفاضاته بتصحيح و تحقيق هذه الأبحاث أداءً لحقّ أُستاذه (قدس سره) بعد أن أذن له إذناً خاصّاً قبل ارتحاله بالإشراف على طبع كتبه و نشر آثاره.

و هذا هو السفر الثالث من تلك الأسفار المنيفة الّتي أتاح له التوفيق أن يقوم بتحقيقه و تنميقه و وُفّقنا لطبعه و نشره، آملين أن يستفيد منه حقّ الاستفادة الطالبون الباحثون، و أن يكون للمؤلّف (رحمه اللّه) و للمحقّق و لنا ذخراً يومَ لا ينفع مال و لا بنون.

مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة‌

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الحمد للّٰه ربّ العالمين، بارئ الخلائق أجمعين و الصلاة و السلام على سيّدنا و نبيّنا و شفيع ذنوبنا خاتم النبيّين، و على آله الأئمّة الميامين لا سيّما ابن عمّه و وصيّه و خليفته و مولانا الحيّ صاحب العصر و حسنة الدهر و خليفة اللّٰه تعالى في الأرض و رحمة اللّٰه و بركاته.

8

[شرح مبحث الخلل في الشرائع]

[الفصل الأوّل في الخلل الواقع في الصلاة]

الفصل الأوّل في الخلل الواقع في الصلاة (1) و هو إمّا عن عمد أو سهو (2) أو شكّ (1). (3)

____________

(1) لا يخفى أنّ «الخلل» بالفتح هو الفساد في اللغة، و هو المصطلح عليه في هذا الباب، إلّا أنّ المقصود عروض الفساد بمقتضى الدليل الدالّ على الأجزاء و الشرائط فيبحث عن حكمه بالنظر إلى ما يمكن أن يكون حاكماً أو وارداً أو مخصّصاً له.

(2) المقصود بالسهو في المقام ما يشمل النسيان و سبق اللسان، لعدم ذكرهما؛ و يمكن إدراجهما فيه عرفاً، فإنّه عزوب المعنى عن القلب بعد خطوره بالبال، إلّا أنّ النسيان أبعد عن الارتكاز ثمّ بعده السهو ثمّ بعده سبق اللسان، و الأمر سهل بعد وضوح المراد.

(3) قال (قدس سره) في الجواهر:

و المراد به تردّد الذهن من غير ترجيح (2).

أقول: يعني إنّ ذلك اصطلاح الفقهاء في المقام بقرينة المسائل الّتي تذكر للشكوك، و إلّا ففي اللغة هو خلاف اليقين فيشمل الظنّ أيضاً.

و كيف كان، فيمكن أن يقال: إنّ ما ذكره (قدس سره) ليس وافياً بجميع أسباب الخلل، فإنّه لم يذكر الجهل بالموضوع، و أمّا الجهل بالحكم فقد ألحقه بالعمد على ما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى، و لم يذكر الخلل الناشئ من الظنّ بالركعات أو الأفعال و لم يذكر الخلل الحاصل من الاضطرار.

____________

(1) الشرائع: ج 1 ص 86.

(2) الجواهر: ج 12 ص 228.

9

[الخلل الواقع في الصلاة عن عمد و ما يلحق به]

فمن أخلّ بشي‌ء من واجبات الصلاة عامداً فقد أبطل صلاته (1). (1)

____________

و قد ذكر في العروة ما يحصل من الاضطرار و الإكراه (2). و هو لا يخلو عن إيراد أيضاً، لأنّه إن كان الإكراه داخلًا في العمد فلا وجه لذكره بعد ذكر العمد، و إن لم يكن داخلًا فيه فلا بدّ من إضافة الخوف و التقيّة و الإلجاء أيضاً، فإنّه نظير الإكراه.

فالأولى أن يقال: إنّ الخلل إمّا أن يكون عن عمد و علم من دون طروّ عنوان عليه يرفع التكليف، و إمّا أن يكون عن عمد مع كونه مقروناً بعنوان رافع للتكليف كالإكراه و الإلجاء و الحرج أو خوف الضرر أو التقيّة، و إمّا أن يكون عن جهل بالحكم أو الموضوع، و إمّا أن يكون عن السهو الشامل للنسيان و سبق اللسان، و إمّا أن يكون عن الشكّ، و إمّا أن يكون عن الظنّ حتّى يكون مستوفياً لجميع الأقسام.

(1) في الجواهر:

انّ الحكم إجماعيّ على الظاهر، و عن نهاية الإحكام أنّه لا خلاف فيه (3).

أقول: الدليل على ذلك هو ما دلّ من الدليل على جزئيّة الأجزاء و شرطيّة الشروط، و هو يقتضي البطلان، لأنّ الصحّة خلف فرض الشرطيّة و الجزئيّة بالنسبة إلى أصل الصلاة، و مقتضى إطلاق وجوب الإتيان بالمركّب الصلاتيّ بعد الإتيان بها فاقدة لبعض الشرائط أو الأجزاء وجوب الإعادة، فالبطلان و الإعادة مستفادتان من إطلاق دليل الأجزاء و الشرائط المقتضي للدخالة في أصل المركّب لا في مرتبة منه، و هو واضح.

____________

(1) الشرائع: ج 1 ص 86.

(2) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 50 في الخلل، المسألة 1.

(3) الجواهر: ج 12 ص 228.

10

..........

____________

و العجب من صاحب الجواهر حيث استدلّ على بعض موارد الإخلال العمديّ بأنّ مقتضى النهي هو الفساد، فالنهي عن التكلّم موجب للفساد (1).

و فيه: أنّه إن كان النهي عن التكلّم تكليفاً محضاً فليس تركه شرطاً في الصلاة فلا يكون تركه إخلالًا بالصلاة حتّى يكون موجباً لبطلانه، و إن كان وضعيّاً فهو صغرى لما ذكرنا من الدليل و ذكره أيضاً من انعدام المشروط بانعدام شرطه (2).؛ و كيف كان، فلا ريب في دلالة الدليل على البطلان و وجوب الإعادة.

إنّما الإشكال في أنّه قد يمكن أن يقال: إنّ صحيح «لا تعاد الصلاة.» يقتضي عدم وجوب الإعادة حتّى في صورة الإخلال العمديّ المبحوث عنه، ففي الوسائل عن الفقيه في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّه قال:

«لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود» ثمّ قال: «القراءة سنّة، و التشهّد سنّة، و لا تنقض السنّة الفريضة» (3).

و نقله عنه و عن الشيخ في باب الركوع (4).

و لا يتوهّم أنّ إطلاقه ينافي الشرطيّة و الجزئيّة الثابتة بالأدلّة، لإمكان التحفّظ على ذلك: بأن يكون ما وقع الخلل من ناحية غير الخمسة المذكورة شرطاً للمركّب الصلاتيّ بما أنّها واجدة للملاك الأقوى، و الغرض منه إنّما يستوفي في ضمن استيفاء الغرض الأدنى المتقوّم بالخمسة، و مع استيفاء الغرض الأدنى لا يمكن استيفاء الأعلى، و حينئذٍ فقد عصى المكلّف بالإخلال العمديّ لعصيانه الأمر‌

____________

(1) الجواهر: ج 12 ص 228.

(2) الجواهر: ج 12 ص 228.

(3) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، وص 1241 ح 4 من ب 1 من أبواب قواطع الصلاة.

(4) المصدر: ص 934 ح 5 من ب 10 من أبواب الركوع.

11

..........

____________

بالمركّب المشتمل عليه و على غيره لكن قد امتثل الأمر بالمشتمل على الخمسة، أو يقال: إنّ المطلوب واحد متقوّم بعدم الإتيان بالفاقد، فالإتيان بالفاقد موجب لعدم إمكان استيفاء الغرض، فعلى الأوّل حصل عصيان و امتثال و على الثاني لا يكون في البين إلّا العصيان، و كلاهما مشتركان في عدم وجوب الإعادة، فلقائل أن يقول: إنّ مقتضى الحديث عدم الإعادة مطلقاً إلّا في فرض الإخلال بالخمسة الواردة في حيّز الاستثناء.

لكن يردّه أمران:

أحدهما: أنّ مقتضى بعض الروايات المعتبرة أنّ الحكم بعدم الإعادة لا يكون في صورة العمد:

ففي صحيح زرارة عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال:

«إنّ اللّٰه تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود، و القراءة سنّة، فمن ترك القراءة متعمّداً أعاد الصلاة، و من نسي فلا شي‌ء عليه» (1).

و في موثّق منصور بن حازم، قال:

قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السّلام): إنّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها، فقال: «أ ليس قد أتممت الركوع و السجود؟» قلت: بلى، قال: «قد تمّت صلاتك إذا كان نسياناً» (2).

فإنّ المستفاد من الصحيح أنّ الملاك في الحكم بعدم الإعادة في صورة النسيان و الإعادة في فرض العمد إنّما هو كون النقص من حيث ما ثبت دخالته بالسنّة من دون أن يكون فرضاً من قبله تعالى، و المستفاد من صحيح «لا تعاد»‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 766 ح 1 من ب 27 من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) الوسائل: ج 4 ص 769 ح 2 من ب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

12

..........

____________

أيضاً أنّ الملاك لعدم وجوب الإعادة هو كون المتروك من السنّة، و لا يمكن أن يكون أمر واحد ملاكاً للمطلق و المقيّد فلا بدّ من تقييد المطلق لا محالة، و المستفاد من الموثّق عدم خصوصيّة للقراءة و إنّما الملاك هو تماميّة الركوع و السجود، فإنّ قوله (عليه السّلام): «أ ليس قد أتممت الركوع و السجود؟» في حكم التعليل، و مقتضى ذلك إلقاء خصوصيّة ترك القراءة، بل الملاك ترك كلّ جزء يكون غير الركوع و السجود، فالتقيّد في الذيل بالنسيان راجع إلى كلّ ما كان من غير الركوع و السجود من الأجزاء.

و احتمالُ عدم التقييد بالصحيح و الموثّق من جهة احتمال حمل الأوّل على استحباب الإعادة في صورة العمد و لو من باب الجمع مع الإطلاق المستفاد من صحيح «لا تعاد»، و احتمالُ كون المقصود من الثاني تماميّة الصلاة في صورة النسيان، و مفهومه عدم التماميّة في غيرها، و لا ينافي الصحّة من جهة عدم إمكان استيفاء الغرض الفائت، مدفوعٌ: أمّا الأوّل فلأنّ المقصود من «لا شي‌ء عليه» في صورة النسيان عدم اللزوم في مقابل لزوم الإعادة في فرض كون المتروك هو الفريضة، فلا بدّ أن يكون المقصود من قوله «أعاد الصلاة» هو لزوم الإعادة، و لو فرض الدوران في مقام الجمع بين الأخذ بالإطلاق و الحمل على الاستحباب أو التقييد فيرجع إلى إطلاق دليل الشرائط و الأجزاء المقتضي للإعادة. و أمّا الثاني فبأنّه ليس بصدد الفرق بين النسيان و غيره بما لا يرجع إلى أمر عمليّ أصلًا، فإنّه لو لم يكن الفرق بين النسيان و غيره إلّا بالتماميّة في النسيان و عدمها مع عدم إمكان الاستيفاء في غيره من دون فرق بينهما من الإعادة و عدمها لم يكن ذلك ممّا يتعلّق به غرض في مقام العمل، فهو دليل قطعيّ على أنّ المراد به الصحّة و عدم الإعادة بملاك صحّة الصلاة في الجملة.

13

..........

____________

هذا، مضافاً إلى أن قوله (عليه السّلام) في صحيح «لا تعاد» في مقام التعليل: «و لا تنقض السنّة الفريضة» كاد أن يكون صريحاً في وحدة الملاك في جميع أفراد ما يراد من الدليل و أنّ الملاك عدم سراية بطلان السنّة إلى الفريضة، فالفريضة قد أُتيت بها صحيحة، و النقصان الموجود من جهة ترك السنّة غير مضرّ بها، و المستفاد منه عرفاً تحقّق النقصان في الصلاة حتّى في صورة السهو لكن لا يعتنى به في مقام العمل، فافهم و تأمّل. هذا كلّه بيان الأمر الأوّل.

ثانيهما: أنّه يمكن دعوى انصراف الحديث بنفسه عن صورة العمد، من جهة عدم تحقّق الداعي العمديّ في الخارج لمن يكون بصدد أداء التكليف، فإنّ من ليس بصدد أداء التكليف لا يصلّي أصلًا و من يكون بصدد أدائه لا يترك الجزء عالماً عامداً؛ نعم، يمكن أن يتركه من باب الجهل و لو بسيطاً من باب عدم المبالاة، و إن فرض تركه فلا ينقدح في نفسه الإعادة إلّا بعد التوبة؛ أو من جهة أنّ كلمة «لا تعاد» ظاهرة في أنّ المضيّ دخيل في الحكم بعدم الوجوب، فلو كان شاملًا لصورة العمد لكان مقتضاه الحكم بالصحّة من أوّل الأمر و لو كان عاصياً بالنسبة إلى ترك المطلوب الأعلى بعد ما تقدّم أنّ مقتضى الذيل هو الإتيان ببعض المطلوب و لا يكون باطلًا رأساً، بل يقال: إنّ الظاهر من مادّة العود أنّ تحقّق الحكم المذكور في ظرف تحقّق الخلل و لا يقتضي حكماً بالنسبة إلى ما قبل الخلل بتجويزه أو الحكم بعدم إيجاب تركه الإعادة، و مقتضى ذلك التخصيص بغير صورة العمد؛ أو من جهة أنّه في مقام أنّ الأعذار الارتكازيّة ليست ممضاة في الخمسة، فهو في مورد ثبوت العذر و أنّه لا يعتنى به في الخمسة. و الوجوه المذكورة صالحة للانصراف بلا إشكال.

مع أنّ الحكم واضح بضرورة المسلمين، فإنّه لم يعهد ترك جزء من أجزاء الصلاة عمداً مستنداً إلى حديث «لا تعاد»، فإنّه يعدّ من المنكرات من دون ريب‌

14

[الإخلال للجهل بالحكم]

و كذا (1) لو فعل ما يجب تركه أو ترك ما يجب فعله جهلًا بوجوبه (1). (2)

____________

و لا شبهة، فالمسألة بحمد اللّٰه واضحة مع أنّه ممّا ادّعي عليها الإجماع.

(1) أي تبطل صلاته (2).

(2) قال (قدس سره) في الجواهر:

فيكون كالعامد، و عن الدرّة الإجماع عليه، و عن شرح الألفيّة للكركيّ أنّ جاهل الحكم عامد عند عامّة الأصحاب في جميع المنافيات، مضافاً إلى قول الصادق (عليه السّلام) في خبر مسعدة بن زياد في قوله تعالى فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ (3):

«إنّ اللّٰه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالماً؟ فإن قال: نعم قال له: أ فلا عملت بعلمك؟ و إن قال: كنت جاهلًا قال: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل، فيخصمه (4)، فتلك الحجّة البالغة» (5) انتهى (6).

أقول: أمّا الإجماع فالمحصّل منه غير حاصل، و على فرض حصوله فكشفه عن رأي الحجّة (عليه السّلام) في تلك المسألة الّتي ذكروا فيها للبطلان وجوهاً و إن كانت غير قابلة للاعتماد غير معلوم؛ مع أنّ الإلحاق بالعامد في معقد الإجماع ربما يمكن أن يكون قرينة على أنّ المقصود هو الجاهل المقصّر، فإنّ عدم إلحاق القاصر به في استحقاق العقوبة واضح جدّاً.

و أمّا الخبر ففيه أوّلًا: أنّه يدلّ على المؤاخذة و لا يدلّ على وجوب الإعادة حتّى في المقصّر، فيمكن أن يكون المقصّر مؤاخذاً و لا تجب الإعادة من باب تقبّل‌

____________

(1) الشرائع: ج 1 ص 86.

(2) الجواهر: ج 12 ص 229.

(3) سورة الأنعام: 149.

(4) أي يغلبه بتلقين الحجّة كما عن «المنجد».

(5) أمالي المفيد، المجلس 35.

(6) الجواهر: ج 12 ص 229 230.

15

..........

____________

الناقص عن التامّ بملاك استيفاء الغرض الأدنى و فوت الأعلى أو بملاك البطلان المحض و عدم إمكان التدارك.

و ثانياً: على فرض دلالته على البطلان فإنّما هو في مورد الجاهل المقصّر، لوضوح عدم الحجّة البالغة بالنسبة إلى القاصر.

و ثالثاً: على فرض الدلالة عليه و الإطلاق فلا ريب أنّه في مورد لا يكون دليل مخصّص أو حاكم أو وارد بالنسبة إليه، و المدّعى أنّ حديث «لا تعاد الصلاة» كذلك. و لو بدّل استدلاله المذكور بالاستدلال بأنّ البطلان و وجوب الإعادة هو مقتضى القاعدة لعين ما ذكر في العمد: من جهة دلالة الإطلاقات على الجزئيّة و الشرطيّة و بقائهما إلى ما بعد الإتيان بها ناقصة لكان أسلم من الإشكال، إذ لا يرد عليه إلّا محكوميّته بصحيح «لا تعاد»؛ فالعمدة هو البحث عنه.

فنقول: مقتضى إطلاق الحديث هو الصحّة في مطلق الجهل الّذي يرى الجاهل نفسه معذوراً في الترك عند العمل و لو كان مقصّراً، فلا يشمل العامد كما مرّ و لا الجاهل المقصّر البسيط، لما مرّ من أنّ «لا تعاد» ناظر إلى من عمل بتكليفه و مضى؛ و أمّا بالنسبة إلى غيرهما فمقتضى الإطلاق هو الصحّة كما أفتى به السيّد الطباطبائيّ (قدس سره) في العروة (1) و قد أمضاه عدّة من الفحول.

و عمدة الشبهة في ذلك أمران:

أحدهما: أنّ مقتضى ما مرّ من صحيح زرارة و موثّق منصور (2) هو تقيّد صحيح «لا تعاد» بصورة النسيان:

أمّا الصحيح فقد يقال: إنّ قوله «فمن ترك القراءة متعمّداً أعاد الصلاة» يشمل‌

____________

(1) كتاب الصلاة: الفصل 50 في الخلل، المسألة 3.

(2) في ص 11.

16

..........

____________

صورة الجهل بالحكم، لأنّه متعمّد في ترك الموضوع و يترك القراءة عن عمد.

و فيه: أنّ الشائع في العرف أنّ المتعمّد هو العالم المتذكّر كما ورد في رواية الجهر في مورد الإخفات، فإنّه جعل في قبال السهو و النسيان و عدم العلم، و في عرف الفقهاء أيضاً كذلك، و الظاهر أنّه متّخذ من العرف و ليس لهم وضع جديد في ذلك؛ مع أنّ الظاهر أنّ المقصود هو التعمّد في ترك القراءة المجعولة جزء، و هو لا ينطبق على صورة الجهل بالحكم؛ مع أنّ ترك القراءة في صورة الجهل لا يكون متعمّداً، و ذلك لتسرّع الذهول على الجاهل بالحكم.

و قد يقال: إنّ المقصود من ترك القراءة تعمّداً أي من دون أن يكون من جهة النسيان بقرينة الذيل.

و فيه: أنّه ليس أولى من العكس بل العكس أولى كما قيل، لأنّ الظاهر أنّ الصدر هو المخصوص بالبيان و الذيل يكون متفرّعاً عليه و من تبعاته.

و أمّا الموثّق فالجواب عنه أنّ دلالته على وجوب الإعادة في غير الناسي مطلقاً مبنيّة على الإطلاق في المفهوم و قد بيّنّا مراراً عدم الإطلاق للمفهوم، مع أنّ احتمال شمول النسيان لمطلق الذهول عن الواقع الّذي هو نتيجة النسيان غير بعيد؛ فالظاهر أنّه لا مقيّد لإطلاق «لا تعاد» من جهة المعتبرين.

ثانيهما: أنّ الحكم بعدم الإعادة في صورة الجهل مطلقاً حكماً أو موضوعاً، نسياناً أو غفلةً موجب لتقيّد جزئيّة الأجزاء و شرطيّة الشرائط بالعلم، و هو محال.

و الجواب عنه بوجوه:

الأوّل: أنّه لو كان صحّة الصلاة في حال الجهل بملاك تقبّل الناقص (من جهة تعدّد المطلوب و تقوّم المطلوب الأعلى بجميع الأجزاء و الشرائط، و الأدنى بالمشتمل على الركوع و السجود و باقي الخمسة و كان استيفاء الأعلى مشروطاً بكونه في ضمن استيفاء الغرض الأدنى) لم يتوجّه الإشكال المذكور، إذ مقتضى‌

17

..........

____________

ذلك إطلاق الجزئيّة و الشرطيّة على كلّ حال للعالم و الجاهل و يكون العلم بأصل الجزئيّة دخيلًا في كيفيّتها، و هي دخالتها في أصل المطلوب، بخلاف حال الجهل فيكون دخيلًا في حال الجهل في مرتبة من المطلوب، و لا إشكال في ذلك أصلًا، بل هو المستفاد من ذيل صحيح «لا تعاد» من عدم بطلان الفريضة بالسنّة، فإنّه مشعر أو ظاهر في حصول النقص لكن حيث أتى بما هو الفرض يكتفي بذلك في حال الجهل، و لعلّ عدم الاكتفاء به في حال العلم من باب عدم حصول قصد التقرّب بالإتيان بما هو مفوّت لغرض المولى، فتأمّل.

الثاني أن يقال: إنّ التكليف مقيّد بعدم تركه في محلّه على وجه يرى نفسه معذوراً و لا يكون مقيّداً بالعلم، بل التكليف يكون في حال التردّد قبل الفحص الّذي لا يكون المكلّف معذوراً و لا يرى نفسه معذوراً أيضاً موجوداً، و ذلك لحصول الانصراف كما يأتي إن شاء اللّٰه عن صورة العمد و الجهل التقصيريّ من الملتفت، و وجه الانصراف أنّ مصبّه في فرض المضيّ على النحو المشروع كما لا يخفى، و يجي‌ء إن شاء اللّٰه بعض البيان في ذلك.

الثالث: أنّ تقيّد التكليف بالعلم بالتكليف على تقدير العلم بالتكليف الفعليّ خالٍ عن المحذور، بمعنى أنّ إرادة الشارع تعلّقت بإيجاد شي‌ء على تقدير حصول العلم بتلك الإرادة إمّا من باب الاتّفاق لا من الدليل الدالّ على ذلك، و إمّا من الأعمّ منه و من ذلك الدليل، أو من خصوص ذلك الدليل، فإنّ حصول العلم من ذاك الدليل و إن كان مستحيلًا لتوقّف العلم بالتكليف الفعليّ على العلم بذلك لكن استحالة الشرط لا تقتضي استحالة المشروط، و كذا لو تعلّقت بإيجاده على تقدير العلم بحصول تلك الملازمة، و هذا لا إشكال فيه.

فقد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ مقتضى إطلاق حديث «لا تعاد» هو عدم وجوب‌

18

..........

____________

الإعادة إلّا في صورة ترك بعض الأجزاء أو الشرائط عالماً و عامداً أو في فرض وقوعه في حال الجهل عن تقصير مع التردّد و عدم تخيّل عذر لنفسه؛ و لكن لا يخفى أنّه يختلف الحكم المذكور وضوحاً و خفاءً، فإنّ عدم الإعادة في الجاهل القاصر أوضح، و ذلك لعدم إطلاق لمعقد الإجماع المتقدّم نقله عن الجواهر من جهة تنزيله فيه منزلة العامد، و ذلك لوضوح أنّ القاصر ليس منزّلًا منزلة العامد، لعدم استحقاقه العقوبة بالإخلال، فلعلّ كلام الجواهر أيضاً منصرف إلى المقصّر، لذلك.

و أوضح منه القاصر الّذي كان ذاهلًا عن الواقع، فحقيقة النسيان متحقّقة في نفسه و إن لم يكن مسبوقاً بالعلم و لا بالخطور الذهنيّ.

و أوضح منه ما إذا كان متوجّهاً إليه و مردّداً فيه ثمّ عرض له النسيان من جهة جهله أو لجهة أُخرى.

و أوضح من الكلّ بل لا ينبغي الشبهة فيه أصلًا ما إذا كان الترك مستنداً إلى النسيان، بأن كان جاهلًا متردّداً و كان يأتي بالمشكوك احتياطاً فنسي في صلاته، و ذلك لوضوح أنّ الجهل لا يقتضي البطلان بل غايته عدم كونه معذّراً فلا ينافي معذّريّة النسيان.

ثمّ إنّ المستفاد من العروة أنّ الخلل بالقبلة إذا لم يكن على وجه الاستدبار و لا إلى جانبي اليمين و اليسار و لو كان من جهة الجهل بالحكم ملحق بالسهو (1).

لكن فيه إشكال كما نبّه عليه بعض من علّق عليه.

وجه الإشكال أنّ الخلل من جهة القبلة داخل في المستثنى في حديث‌

____________

(1) العروة: كتاب الصلاة، الفصل 50 في الخلل، المسألة 3.

19

..........

____________

«لا تعاد الصلاة»، و ما دلّ على توسعة القبلة فبين ما هو صريح في الجهل بالموضوع و بين ما هو غير ظاهر في الإطلاق بالنسبة إلى صورة الجهل بالحكم.

إن قلت: مقتضى إطلاق صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّه قال: «لا صلاة إلّا إلى القبلة» قال: قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: «ما بين المشرق و المغرب قبلة كلّه» قال: قلت: فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت؟ قال: «يعيد» (1). و كذا خبر معاوية بن عمّار أنّه سأل الصادق (عليه السّلام): عن الرجل يقوم في الصلاة ثمّ ينظر بعد ما فرغ فيرى أنّه قد انحرف عن القبلة يميناً أو شمالًا، فقال له: «قد مضت صلاته و ما بين المشرق و المغرب قبلة» (2) أنّه لا إعادة على الجاهل بالحكم أيضاً.

قلت: بعد ما هو المحقّق أنّه ليس الإمام (عليه السّلام) بصدد بيان توسعة القبلة حتّى للعالم بها و بحكمها، لأنّه خلاف الضرورة و خلاف ما تدلّ عليه الآية الشريفة (3) فإنّ التوجّه إلى ما بين المشرق و المغرب مع العلم بعدم كونه إلى الكعبة ليس إلّا كالتوجّه إلى ما يستدبرها عرفاً في أنّه ليس من التوجّه شطر المسجد الحرام فالأمر يدور بين كون المقصود غير العالم بالحكم و الموضوع أو بيان الحدّ للمجموع و أنّ الحدّ الثاني الّذي لا بدّ منه في جميع الحالات هو ما بين المشرق و المغرب، و ليس الأوّل أولى من الثاني إن لم يكن العكس هو الأولى، فإنّه إذا كان للشي‌ء حدّان يصحّ أن يقال بالنسبة إلى كلّ منهما: إنّه حدّه و لو كان كلّ واحد منهما حدّا بالنسبة إلى بعض الأفراد دون البعض الآخر، هذا بالنسبة إلى صحيح زرارة؛ و أمّا بالنسبة إلى خبر عمّار فحيث إنّ المورد هو الجهل بالموضوع فليس للذيل‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 227 ح 2 من ب 9 من أبواب القبلة.

(2) الوسائل: ج 3 ص 228 ح 1 من ب 10 من أبواب القبلة.

(3) سورة البقرة: 145.

20

..........

____________

إطلاق من أوّل الأمر، فعلى فرض إمكانه ذاتاً فبعد عدم إرادة الإطلاق فالحمل على أنّه قبلة في المورد أقرب أو متساوٍ للإطلاق بالنسبة إلى غير ما هو معلوم الخروج.

مع أنّ الصحيح محتمل لأن يكون التحديد فيه بالنسبة إلى القبلة الّتي لا صلاة بدونها، لا حدّ مطلق القبلة.

مع أنّه ليس المراد من القبلة هو الكعبة قطعاً، فالمراد أنّه أيضاً ممّا يستقبل، و كونه ممّا يستقبل في بعض الأوقات يكفي في صدق أنّه قبلة، كما يقال: إنّ تلك الغرفة مسكونة أي صالحة للسكونة و ليس مقتضاه أنّها صالحة لسكونة جميع الأفراد في جميع الحالات، فعلى ذلك لا إطلاق لمثله.

مع أنّه على فرض الإطلاق يمكن أن يقال: إنّه معارض بمثل خبر عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) قال:

في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم و هو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته، قال: «إن كان متوجّهاً في ما بين المشرق و المغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم.» (1).

فإنّه يشمل صورة الجهل بالحكم؛ و الانصراف من حيث ظهور البعث في العلم ممنوع، إذ هو متمشٍّ في جميع الأوامر مع أنّها ليست مقيّدة بالعلم، فحينئذٍ يرجع إلى إطلاق الآية الشريفة بضمّ الاستثناء الوارد في صحيح «لا تعاد».

فتحصّل أنّ الأقرب عدم العفو عنه إذا كان الجهل بالحكم منشأً للخلل، و اللّٰه العالم الملهم.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 229 ح 4 من ب 10 من أبواب القبلة.

21

[الجهل بالغصبية]

و لو جهل غصبيّة الثوب الّذي يصلّي فيه أو المكان أو نجاسة الثوب أو البدن أو موضع السجود فلا إعادة (1). (1)

____________

ثمّ إنّ الظاهر عدم شمول الحديث للمتذكّر المتنبّه المقصّر، لأنّ المستفاد منه أنّه متعرّض للحكم بعد المضيّ من دون أن يستلزم حكماً بالنسبة إلى ما قبل المضيّ، و مقتضى ذلك أنّه لا بدّ أن يكون المضيّ على الوجه الشرعيّ و لو بتخيّل المكلّف، و هو العالم.

(1) قال (قدس سره) في الجواهر: بلا خلاف أجده (2).

أقول: ينبغي تعميم البحث لجميع مصاديق الجهل بالموضوع، فنقول: إنّه على أقسام:

فمنها ما كان دخالته في الصلاة من جهة الحكم التكليفيّ، كالاحتراز عن المكان و اللباس المغصوبين.

و في ذلك يذكر أُمور:

الأوّل: أنّ المعروف في كلماتهم في هذا القسم ما كان موجباً لدخالة شي‌ء في الصلاة بنحو المانعيّة، كالغصب و تشبّه الرجال بالنساء و بالعكس و لبس الحرير و الذهب للرجال إن كان منشأ ذلك الحرمة.

و أمّا ما كان دخالته في الصلاة بنحو الجزئيّة و الشرطيّة فهل يتصوّر أن يكون ذلك من جهة الحكم التكليفيّ؟

فنقول: يمكن تصويره، فإنّه لو نذر الجهر بالبسملة في صلاته الصحيحة و لم يأت بالجهر و قرأ فعلى فرض كون تطبيق الحرام على الشي‌ء موجباً لبطلانه فلا بدّ أن يقال ببطلان القراءة، لكونه مفوّتاً للواجب و ليس تفويته بالترك المحض،

____________

(1) الشرائع: ج 1 ص 86.

(2) الجواهر: ج 12 ص 231.

22

..........

____________

فإنّه لو ترك الجهر بترك القراءة و الصلاة لم يكن حانثاً لنذره. و ما قرع الأسماع بأنّ الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه ليس مقتضاه إلّا أنّ نفس المضادّة لا تقتضي النهي، و أمّا إذا أُخذ معروض أحد الضدّين اللذين لا ثالث لهما في الواجب فأتى بالمعروض فارغاً عن الواجب فقد فوّت الواجب بذلك.

إن قلت: تفويت القراءة للواجب موقوف على صحّتها، و مع عدمها لا يفوّت بها الواجب و لا يكون حراماً فلا يكون باطلًا.

قلت: يكفي في الحكم بالبطلان هو كون الصحّة موجبة للبطلان، فإنّه لا يمكن الحكم بالصحّة لأنّه يلزم من صحّتها العدم.

إن قلت: لا يمكن الحكم بالبطلان أيضاً، لأنّه يلزم منه عدم الحرمة و يلزم منه عدم البطلان.

قلت: يكفي في الحكم بالبطلان كون المأتيّ به مخالفاً للمأمور به أو كونه بحيث لو فرضت صحّته لا بدّ من الحكم ببطلانه أو لم يحكم بصحّته من جهة عدم الدليل على ذلك، بخلاف الصحّة فإنّه لا يكفي فيها كونه بحيث لو فرض عدم صحّته لا بدّ من الحكم بها، فإنّ صرف تلك الملازمة لا يكفي في الصحّة، و ليس البطلان كذلك، فافهم و تأمّل، فإنّه لا يخلو عن الدقّة.

و كذا يتصوّر الشرطيّة من حيث الحكم التكليفيّ في ما إذا فرض توقّف ترك الواجب الأهمّ كالإزالة على فعل المهمّ كالصلاة بحيث لا يقدر المكلّف على ترك الواجب إلّا بتلك الوسيلة، و قد تقدّم و حرّرنا في الأُصول أنّ توقّف الفعل على الترك في بعض الموارد لا يوجب استحالة توقّف الترك على الفعل في مورد آخر و لا يوجب التوقّف في أحد الطرفين في بعض الموارد حفظ رتبته في جميع الموارد، فإنّ التقدّم الرتبيّ ليس إلّا احتياج الشي‌ء إلى المقدّم من دون احتياجه إليه، و تمام الكلام موكول إلى الأُصول.

23

..........

____________

الثاني: بيان وجه الحكم بالبطلان في صورة العلم.

فنقول: الوجه في ذلك على ما هو المعروف أمران:

أحدهما: أنّه يشترط في العبادة عدم كونه مبغوضاً بالفعل، إذ المبغوضيّة الفعليّة لا تمكن إلّا بمغلوبيّة ملاك الأمر، إمّا من باب كون ملاك النهي أقوى كالغصب بالنسبة إلى الصلاة الاستحبابيّة، و إمّا من جهة وجود المندوحة لمتعلّق الأمر، و بعد فرض المغلوبيّة فلا يصلح أن يكون مقرّباً للعبد فلا يصلح أن يكون عبادة، فهو أولى بالفساد و عدم كونه عبادة مع كونه من المباحات الصرفة و المكروهات كذلك. و عليه يبتني بطلان الصلاة في المغصوب إذا كانت عن الجهل غير المعذور فيه، كالجهل بالحكم الحاصل من جهة ترك التعلّم أو الجهل الحاصل للغاصب أو النسيان الحاصل له من باب عدم المبالاة.

لكن فيه إشكال، إذ لا دليل على أزيد من وجود الصورة و قصد القربة، و لا دليل على لزوم أن يكون ما يتعبّد به محبوباً فعلًا كما في ما يتوصّل به إلى الغرض، و لا فرق بينهما إلّا في قصد القربة الموجود في المفروض.

إن قلت: لا بدّ من وجود الملاك، و مع فرض المبغوضيّة الفعليّة و النهي الفعليّ كما هو المفروض لا أمر بناءً على الامتناع فكيف يكشف الملاك! قلت: الجواب عنه أوّلًا أنّ مقتضى كون الشارع في إلقائه الخطاب بصدد إلقاء تمام ما هو له دخل في ملاك حكمه هو تماميّة الحكم من قبل الشارع من حيث وجود الملاك في جميع موارد فقدان الشرائط العقليّة من القدرة و العلم و عدم التزاحم للضدّ أو عدم التزاحم للعنوان المبغوض، و هذا هو المراد من إطلاق المادّة المصطلح عليه في لسان الأُستاذ الوالد قدّس اللّٰه روحه و رضي اللّٰه عنه و أرضاه.

و ثانياً: أنّه توجد في كثير من العبادات إطلاقات متكفّلة لبيان الملاك من دون‌

24

..........

____________

تضمّنها للأمر حتّى لا تشمل المورد، مثل «الصوم جنّة من النار» (1) و إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ (2) و قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (3) الدالّ على أنّ الملاك فيها ذكره تعالى الّذي به تطمئنّ القلوب.

و كذا توجد إطلاقاتٌ متضمّنة للإخبار عن اللزوم المجامع لثبوت الإرادة اللزوميّة من دون أن يكون مدلولها المطابقيّ هو البعث بداعي الانبعاث، كقوله تعالى إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً (4) و قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (5) فإذا لم تشمل البعث الّذي هو لازم للإخبار للمورد فلا مانع من شمول نفس الإخبار بماله من المعنى المطابقيّ لمثل المورد.

و ثالثاً: أنّ تعلّق البعث بنفس الطبيعة الكلّيّة و إطلاقه من جهة البعث لا مانع منه، و إنّما الّذي لا يحسن عند العقل هو مقرونيّة البعث بداعي الانبعاث بالنسبة إلى جميع الحالات و الأفراد، و أمّا لو بعث المولى مثلًا إلى الظهرين من أوّل الزوال إلى الغروب بداعي انبعاث العبد نحوهما متى قدر و شاء فهو حسنٌ بلا ريب، كيف! و هو ليس بداعي الانبعاث عنه في جميع الوقت، إذ ليس هو بمطلوب له؛ فكما أنّ المقصود هو البعث بداعي الانبعاث عنه في بعض الأوقات إذا شاء و لا مانع منه كذلك لا مانع من التقييد بالقدرة بالنسبة إلى الانبعاث، و هو لا يستلزم تقيّد البعث، فالبعث حاصل نحو الطبيعة على وجه الإطلاق بداعي الانبعاث عنه عند الاقتضاء، و إطلاق البعث دالّ على إطلاق الملاك.

____________

(1) الوسائل: ج 7 ص 290 ح 8 من ب 1 من أبواب الصوم المندوب.

(2) سورة العنكبوت: 45.

(3) سورة طه: 14.

(4) سورة النساء: 103.

(5) سورة البقرة: 183.

25

..........

____________

و رابعاً: أنّ دخل عدم المبغوضيّة في العبادة غير معلوم، فالعقاب عليه عقاب بلا بيان، لأنّه و إن كان متعلّق الأمر غير مبغوض لكن يحتمل أن يكون متعلّق ما هو المراد هو الأعمّ، فيكون باقي الشرائط و الأجزاء متعلّقاً للإرادة اللبّيّة، و دخالة عدم المبغوضيّة فيها مشكوكة فيجري فيها البراءة العقليّة بل و الشرعيّة، و ليس مقتضى العلم بمتعلّق الأمر هو القطع بدخالة عدم المبغوضيّة في الملاك، إذ تعلّق الأمر به بغير المبغوض لم يعلم كونه على وجه التعيين، إذ المعلوم تعلّق الأمر به على تقدير عدم الإتيان بالطبيعة في المبغوض لا مطلقاً.

و خامساً: يمكن أن يقال بوجود الأمر الترتّبيّ، فإنّ الترتّب كما يصحّ في الضدّين كذا يصحّ في النقيضين، فإنّ من كان عاصياً على كلّ حال أو كان مرتكباً للحرام من الغصب أو غيره صلّى أو لم يصلّ فلا مانع من توجّه الأمر إليه، فإنّ الاستحالة في مقام الانبعاث و منه يسري إلى مقام الأمر.

بل يمكن أن يقال بالأمر الترتّبيّ بوجه ثالث، و هو الترتّب على عدم صلاحيّة النهي للتأثير كما في الجاهل المركّب المقصّر و لو لم يكن المكلّف عاصياً على كلّ حال بل كان عاصياً لأجل الصلاة، فإنّه في فرض عدم صلاحيّة النهي للانزجار عنه يمكن أن يقال: إنّه لا مانع من الأمر.

لكن فيه إشكال من جهة أنّ المفروض عدم العصيان إلّا العصيان الصلاتيّ، و حينئذٍ لو فرض صرف عدم الانزجار من ناحية النهي المجامع لترك عصيان الصلاة فلا أمر حينئذٍ على وجه الإطلاق أي و لو في مورد فرض العصيان الصلاتيّ، لعدم اقتضاء غرض المولى ذلك و إن فرض العصيان الصلاتيّ، فلا يمكن الأمر في فرض حصول العصيان الصلاتيّ، لأنّه أمر بشي‌ء في فرض حصوله؛ و كيف كان، فلا إشكال في كشف الملاك.

26

..........

____________

هذا، مع أنّه يمكن أن يقال في مقام دفع أصل الإشكال بوجود القرب النسبيّ، فإنّ من يعصي و يصلّي هو أقرب إليه تعالى ممّن يعصي و لا يصلّي، و من لا يعصي إلّا على فرض الإتيان بالصلاة هو أقرب إليه تعالى ممّن لا يصلّي حتّى بالعصيان، لأنّ درك مصلحة الصلاة أهمّ بالذات من ملاك الغصب.

إن قلت: ليس هو من القرب بل هو البعد، فمن لا يصلّي و يغصب فهو أبعد ممّن يصلّي و يغصب.

قلت: قلّة البعد عنه تعالى ممّا يتقرّب به و يصلح أن يصير عبادة، فإنّ من يترك الكبيرة للّٰه تعالى فقد عبده، لأنّ المعروف المبرهن عليه أنّ كلّ توصّليّ فهو عبادة إذا صار مقروناً بقصد التقرّب.

ثانيهما أي الثاني من وجهي البطلان-: فقد قصد التقرّب، و لعلّه ظهر ممّا ذكرنا إمكان حصوله، فإنّ من يعصي على كلّ حال يقصد التقرّب بالصلاة، لأنّ المفروض صحّة الصلاة لو لا فقد قصد التقرّب، فإنّ ذلك في فرض العصيان متعلّق لغرض المولى و لو لم يتعلّق به الأمر الترتّبيّ، كيف و قد مرّ صحّة التعلّق به! و كذا من لا يعصي إلّا بقصد الصلاة و لكن يترك الصلاة إذا لم يأت في الفرد الّذي يعصي فيه فيترك لذلك الغرض الأهمّ أو يأتي به في الفرد المحرّم فيحصل به غرض المولى.

نعم، لو فرض عدم كونه عاصياً على كلّ حال و لم يكن الواجب أو المأمور به أهمّ ملاكاً من ملاك الحرام كالصلاة المستحبّة إذا يعصي لتلك مع أنّ فعلها ليس أحسن من تركها بل تركها أحسن و أحبّ من فعلها فلا يتمشّىٰ منه قصد التقرّب و كونه له تعالى، فإنّ حصول الفرد المخصوص إنّما يكون اختياريّاً و يكون بداعٍ من الدواعي، و المفروض أنّه ليس له في البين داعٍ إلى خصوص الغصب، فالمجموع لم يحصل بداعي التقرّب؛ و حصول طبيعة الصلاة بالإرادة بدون‌

27

..........

____________

تعلّق إرادة نحو الخصوصيّة و لو من باب أحد الأفراد محال، لعدم إمكان حصول خصوصيّة وجوديّة من دون العلّة؛ و حصول المجموع بداعي التقرّب أيضاً محال، لعدم قربٍ له من حيث المجموع كما هو المفروض.

هذا من جهة الدليل العقليّ على البطلان.

و قد يتمسّك لذلك ببعض الأخبار:

منها: معتبر إسماعيل بن جابر من جهة الوثوق بمحمّد بن سنان، أو من جهة نقله في الفقيه بنحو الجزم كما في الجواهر (1) عن الصادق (عليه السّلام):

«لو أنّ الناس أخذوا ما أمرهم اللّٰه به فأنفقوه في ما نهاهم عنه ما قبله منهم، و لو أخذوا ما نهاهم اللّٰه عنه فأنفقوه في ما أمرهم اللّٰه به ما قبله منهم حتّى يأخذوه من حقّ و ينفقوه في حقّ» (2).

و الاستدلال به متوقّف على أمرين: أحدهما أن يكون المقصود من عدم القبول عدم الصحّة. ثانيهما كون الإنفاق شاملًا للمورد، فإنّ الصلاة في المغصوب إنفاق للمنافع المحرّمة في سبيل اللّٰه تعالى فلا يكون مقبولًا.

و فيه: أنّه بعد ورود القبول و عدم القبول بالمعنى الخاصّ في موارد من القرآن الكريم: مثل قوله تعالى فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمٰا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ (3) و قوله تعالى إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (4) و مثل قوله تعالى وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰاهِيمُ الْقَوٰاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْمٰاعِيلُ رَبَّنٰا تَقَبَّلْ مِنّٰا (5) و قوله تعالى:

____________

(1) الجواهر: ج 8 ص 142.

(2) الوسائل: ج 3 ص 423 ح 1 من ب 2 من أبواب مكان المصلّي.

(3) سورة المائدة: 27.

(4) سورة المائدة: 27.

(5) سورة البقرة: 127.

28

..........

____________

فَتَقَبَّلَهٰا رَبُّهٰا بِقَبُولٍ حَسَنٍ (1) و في بعض الروايات: «إن قبلت قبل ما سواها» (2) لا يبقى وثوق بالدلالة اللغويّة؛ مع أنّ عدم قبول الإنفاق من حيث هو إنفاق أي صرفٌ في المصارف الّتي صرفها غير عدم صحّة العمل؛ و كذا المنطبق على كيفيّة الصرف، كيف! و لو كان المقصود عدم صحّة ما ينطبق عليه لم يكن فرقٌ بين التعبّديّ و التوصّليّ فاللازم عدم صحّة التوصّليّ أيضاً، فتأمّل.

و منها: ما في الجواهر عن تحف العقول مرسلًا و رواه المحدّث النوريّ في دار السلام مسنداً عن بعض كتب الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السّلام):

«يا كميل انظر فيمَ تصلّي و على مَ تصلّي؟ إن لم يكن من وجهه و حلّه فلا قبول» (3).

و فيه بعد ضعف السند و ما تقدّم من الإشكال في دلالة مادّة القبول على الصحّة-: أنّ كون المقصود نهي الكميل عن الصلاة في المغصوب بعيدٌ جدّاً، بل يقرب أن يكون المقصود هو الاحتياط في المشتبه كما يستفاد من حكمه «انظر»، فالمقصود عدم الغفلة و النسيان أو عدم الاعتماد على بعض الأُصول أو الأمارات مع ظنّ الخلاف.

و منها: ما في المستدرك عن عوالي اللئلئ:

سئل الصادق (عليه السّلام) فقيل له: يا ابن رسول اللّٰه ما حال شيعتكم في ما خصّكم اللّٰه به إذا غاب غائبكم و استتر قائمكم؟ فقال (عليه السّلام): «ما أنصفناهم إن و أخذناهم، و لا أحببناهم إن عاقبناهم، بل نبيح لهم‌

____________

(1) سورة آل عمران: 37.

(2) لم نعثر في المصادر الروائيّة على رواية بهذه اللفظة و إن ورد مضمونها في بعض الروايات. راجع الوسائل: ج 3 ب 8 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، و جامع أحاديث الشيعة: ج 4 باب فضل الصلاة و أنّها أفضل الأعمال بعد المعرفة.

(3) الجواهر: ج 8 ص 143، و دار السلام: ج 2 ص 32.

29

..........

____________

المساكن لتصحّ عبادتهم، و نبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، و نبيح لهم المتاجر ليزكو أموالهم» (1).

و فيه: ضعف السند و قصور الدلالة من جهة عدم كونه في مقام بيان بطلان العبادة بذلك، بل في مقام تعليل التحليل بصحّة العبادة في ما يحتاج صحّته إلى العبادة و يكفي في ذلك دخله في الجملة، و قد تقدّم و يجي‌ء أيضاً بطلان العبادة في الجملة، كيف! و لو كان إطلاقه مقتضياً للبطلان مطلقاً فلا بدّ من الحكم ببطلان الصوم و غير ذلك، و خروجه بالتخصيص كما ترى؛ مع أنّ التعليل بصحّة العبادات غير مشار إليه إلّا في هذا الخبر، و ذلك مشعر بعدم الدخالة.

و أمّا الإجماع فموهون بالاستناد إلى الوجوه العقليّة، و بذهاب فضل بن شاذان على ما هو المعروف إلى خلافه، و تبعه جمعٌ من متأخّري المتأخّرين كما في الجواهر (2).

الثالث: بيان صورة الجهل و النسيان في فرض كون معلومه باطلًا من جهة عدم الترتّب و عدم وجود المصلحة الأقوى في العبادة، كالصلاة المستحبّة في المحلّ الّذي لا يريد غصبه إلّا بداعي أن يصلّي فيه.

فنقول: بناءً على ما ذكرناه من أنّ الملاك في الحكم بالفساد هو فقد قصد القربة فلا إشكال في الجهل المركّب و الغفلة و النسيان و لو فرض كون ذلك منجّزاً عليه غير معذور في ارتكاب الحرام (كما قيل بالنسبة إلى الغاصب مطلقاً إذا سها عن الغصب أو كان سهوه من باب عدم المبالاة) لتحقّق قصد التقرّب.

و كذا لا إشكال في القصوريّ إذا فرض كون ملاك العبادة أهمّ عند التزاحم‌

____________

(1) المستدرك: ج 7 ص 303 ح 3 من ب 4 من أبواب الأنفال.

(2) الجواهر: ج 8 ص 142.

30

..........

____________

فحينئذٍ يصحّ الإتيان بها في الفرد المزاحم دركاً للملاك الأهمّ و لو كان الجهل بسيطاً، و ذلك لأنّ الحرام الواقعيّ صار بمنزلة المكروه، لتزاحم ملاكه لملاك الترخيص و المعذوريّة، فرجّحه الشارع عليه لعدم جعل الاحتياط و الترخيص في الارتكاب، فيصحّ قصد التقرّب بالإتيان بالفرد المكروه للحصول إلى الواجب و لو من باب عدم الإتيان به في الفرد الخالي عن تلك المنقصة.

و هذا لا إشكال فيه بناءً على ذاك المبنى.

لكن يبقى الإشكال في موردين:

أحدهما: الجهل التقصيريّ البسيط، من جهة عدم تأتّي قصد التقرّب. ثانيهما: الجهل البسيط القصوريّ إذا كانت العبادة غير أهمّ، كما لو كان مستحبّاً، فإنّ الإتيان بما هو مكروه قطعاً و يحسن الاجتناب عنه من جهة احتمال كونه حراماً واقعاً و من أجل ذلك لا يحصل له قربٌ إلى المولى و لو من باب الانقياد، لأجل درك المستحبّ الّذي لم يكن حسب الفرض أهمّ من الاجتناب لأجل ترك المحتمل أو لأجل الانقياد لا يمكن أن يكون بداعي التقرّب.

إن قلت: مقتضى أماريّة مثل اليد و الاستصحاب في بعض الموارد عدم ملاك للكراهة أصلًا و أنّ المورد خاصّ بالمستحبّ.

قلت: التجنّب عن محتمل الحرام مورد للحسن العقليّ و المثوبة القطعيّة للانقياد و لو مع فرض الشكّ، فإنّها لا تترتّب على وجود الملاك واقعاً حتّى يقتضي الأمارة أو الأصل المحرز عدم تحقّق الملاك، بل الانقياد حاصل و الثواب عليه متحقّق و لو لم يكن في الواقع ملاك للمبغوضيّة الذاتيّة.

و من ذلك يظهر وجه الإشكال في تكرار السلام الثاني لو شكّ في الإتيان به أو شكّ في صحّة ما أتى به و كان الشكّ في الإتيان به في المحلّ، فإنّ مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان بالسلام الصحيح إلّا أنّه حيث إنّ أمر السلام الثاني دائر‌

31

..........

____________

بين الحرام الذاتيّ و المستحبّ فلا يتمكّن المصلّي من قصد التقرّب.

و يظهر أيضاً اندفاع الإشكال على فرض احتمال الوجوب، للتمكّن من قصد القربة، لأنّ درك المصلحة الملزمة أولى من التجنّب عن المفسدة المغلوبة بالأصل الجاعل للعذر، و على فرض عدم الاحتمال فلا يأتي، فليس ذلك عويصة للمصلّي.

ثمّ لا يخفى أنّه يترتّب على كون الدخالة بتوسيط الحكم التكليفيّ أمران: أحدهما أنّ صحّة العبادة في صورة تأتّي قصد القربة من حيث الترتّب أو من حيث الجهل لا تتوقّف على الدخول في الركن الآخر، أو على صدق الإعادة لأنّه ليس بملاك حديث «لا تعاد» بل بملاك تأمين ما هو الشرط الّذي هو قصد التقرّب، كما لا يخفى. ثانيهما أنّه لا فرق في الإخلال بها بين الركن و غيره في مورد الحكم بالصحّة، فلو توضّأ جهلًا بالماء المغصوب صحّ الوضوء و الصلاة، و هذا بخلاف الإخلال بغير ذلك من الشرائط كشرطيّة الترتيب بين الأجزاء، فإنّ مقتضى الشرطيّة المطلقة عدم تحقّق الطهارة فيدخل في المستثنى الوارد في حديث «لا تعاد» و إن كان في ذلك إشكال يأتي إن شاء اللّٰه تعالى، و المقصود أنّه لا يجري في ذلك القسم من الأُمور الدخيلة في المركّب الإشكال الّذي ربما يورد في غيره.

و لا يخفى أيضاً أنّه لا فرق في الأقسام الأربعة بين الحكم و الموضوع، فالجهل المركّب بالحكم أو السهو عنه موجب لصحّة العبادة، لتمشّي قصد التقرّب، كما أنّ الجهل المعذّر أيضاً كذلك بالنسبة إلى العبادة الواجبة، و كذا في الإشكال في القسمين الآخرين.

و إشكال تقيّد الحكم بالعلم الوارد في الشرائط الأُخر المتقدّم مع جوابه غير جارٍ في المقام، لأنّ مقتضى التقيّد بالعلم ليس دخالة العلم بالحكم في موضوع نفس ذلك الحكم، بل العلم بالحرمة موضوع للمانعيّة مثلًا و لا إشكال في ذلك أصلًا.

32

[الخلل الواقع في الصلاة عن سهو]

[الإخلال بالركن و منه الإخلال بالقيام حتى نوى]

و أمّا السهو فإن أخلّ بركن أعاد، كمن أخلّ بالقيام حتّى نوى (1)، (1)

____________

هذا كلّه في الخلل العمديّ و ما يلحق به من الجهل.

و أمّا الخلل السهويّ فقد قال في الشرائع: و أمّا السهو.

(1) و مقتضى ذلك أن القيام في حال النيّة ركن فلو أخلّ به سهواً يحكم ببطلان الصلاة.

و الكلام فيه يقع في أمرين:

أحدهما بيان مقصود المصنّف (قدس سره)، فنقول: المقصود بالنيّة إنّما هي الّتي تكون شرطاً أو جزءً للصلاة، و من المعلوم أنّ ما هو الشرط فيها هي النيّة المقارنة لأوّل جزء من التكبير، و المقصود أيضاً هو أوّل ما هو دخيل فيها أي في حدوثها، فالمدّعى بحسب الظاهر أنّه يشترط القيام في أوّل جزء من النيّة الدخيلة في الصلاة شرطاً أو شطراً على وجه الركنيّة، و لا فرق في ذلك بين أن يكون النيّة الدخيلة فيها بمعنى الداعي أو بمعنى الخطور بالذهن، كما لا يخفى.

ثانيهما في ما يمكن الاستدلال به للمطلوب، فنقول: قد استدلّ له بإطلاق معاقد الإجماعات المنقولة مستفيضةً أو متواترةً كما في الجواهر على أنّ القيام ركن (2)، و الظاهر منه أنّ القيام الواجب في الصلاة ركن من غير فرق بين حال النيّة أو بقيّة الحالات.

و فيه: أنّ الإجماع المذكور موهون بأُمور:

منها: تسالمهم على ما يظهر من الجواهر و الحدائق على أنّه لو أخلّ بالقيام في حال القراءة سهواً بترك القراءة كذلك أو بأن قرأ جالساً لا يوجب البطلان و كذا لو زاد القيام سهواً (3)، فهذا دليل على عدم الإطلاق، إذ لو كان المقصود هو الإطلاق‌

____________

(1) الشرائع: ج 1 ص 87.

(2) الجواهر: ج 9 ص 238.

(3) الجواهر: ج 9 ص 241، و الحدائق: ج 8 ص 60.

33

..........

____________

و كان القيام في غير حال النيّة و التكبيرة خارجاً عنه تخصيصاً لزم التخصيص الأكثر المستهجن؛ فالأصوب أن يقال: إنّهم ليسوا بصدد بيان الإطلاق و أنّ المقصود أنّ ترك أصل القيام سهواً مضرّ بالصلاة.

و منها: ما عن الشهيد (قدس سره) في بعض فوائده أنّه قال:

إنّ القيام بالنسبة إلى الصلاة على أنحاء: فالقيام في النيّة شرط كالنيّة، و القيام في التكبير تابع له في الركنيّة، و القيام في القراءة واجب غير ركن، و القيام المتّصل بالركوع ركن. (2).

و منها: نفس ما تقدّم نقله من عبارة الشرائع، فإنّه مشعر أو ظاهر في عدم ركنيّة القيام على وجه الإطلاق، و لذا قال (قدس سره) في الجواهر في باب القيام:

انّ المراد بقولنا «القيام ركن» نحو قولهم «السجود ركن و الركوع ركن» أي إذا فقدت الركعة القيام أصلًا. بطلت الصلاة، و هو كذلك هنا إجماعاً محصّلًا و منقولًا، إذ من سها و ركع من جلوس بلا قيام أصلًا بطلت صلاته عمداً أو سهواً (3).

فقد تحصّل أنّه ليس في المقام نصّ و لا إجماع يدلّ على أنّ القيام مطلقاً ركن إلّا ما خرج بالدليل.

نعم، لا بدّ من الكلام في موارد ثلاثة بالخصوص: الأوّل القيام حال النيّة، و الثاني القيام حال التكبير، و الثالث القيام المتّصل بالركوع.

أمّا الأوّل فهو الّذي يظهر من المتن اعتباره و ركنيّته و إن كان المحتمل أن يكون المقصود اعتباره حال الافتتاح، و التعبير بذلك من جهة عدم لزوم بقاء القيام في حال السهو إلى آخر التكبير.

____________

(2) الحدائق: ج 8 ص 57.

(3) الجواهر: ج 9 ص 241.

34

..........

____________

و يمكن أن يستدلّ له بموثّق عمّار، و هو كما في الوافي عن التهذيب، قال:

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجل سها خلف الإمام فلم يفتتح الصلاة، قال: «يعيد الصلاة و لا صلاة بغير افتتاح»، و عن رجل وجبت عليه صلاة من قعود، فنسي حتّى قام و افتتح الصلاة و هو قائم ثمّ ذكر، قال: «يقعد و يفتتح الصلاة و هو قاعد، و لا يعتدّ بافتتاحه الصلاة و هو قائم، و كذلك إن وجبت عليه الصلاة من قيام فنسي حتّى افتتح الصلاة و هو قاعد فعليه أن يقطع صلاته و يقوم فيفتتح الصلاة و هو قائم، و لا يقتدي (و لا يعتدي) بافتتاحه و هو قاعد».

و في الوافي: «و لا يعتدّ بافتتاحه و هو قاعد» (1).

و لا يخفى أنّه الصحيح، إذ لا معنى ل‍ «لا يعتدي»؛ و «لا يقتدي» بعيد أيضاً عن مساق الخبر، لأنّه ليس صدر هذا الكلام مربوطاً بالاقتداء، و حكم الاقتداء قد وقع في صدر الخبر ثمّ ذكر حكم القاعد ثمّ ذكر حكم القائم من دون إشارة فيه إلى الجماعة، كما هو واضح؛ مع أنّ الاقتداء هو الافتتاح بالجماعة، و حينئذٍ لا معنى للاقتداء بالافتتاح؛ هذا، مع أنّه لو كان راجعاً إلى الاقتداء لا يمنع عن الاستدلال بقوله في ما قبله، كما لا يخفى.

و بعد ذلك نقول: الاستدلال عليه مبنيّ على أمرين:

أحدهما: أن يكون النيّة جزءً للصلاة فيكون أوّلها النيّة و التكبيرة.

و هو ممنوع، إذ لا دليل معتمد على الجزئيّة.

ثانيهما: أن يكون المقصود اشتراط كلّ ما يفتتح به الصلاة بالقيام بنحو الاستغراق، لا أن يكون القيام شرطاً للافتتاح في الجملة و لو من جهة كونه شرطاً‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 704، الباب 13، و الوافي: ج 8 ص 914 ح 7385.

35

..........

____________

للتكبير أو كونه شرطاً للمجموع، و لعلّه الظاهر منه، إذ الأصل في المحمول هو الاستغراق كما هو المعروف الظاهر عرفاً.

لكن يكفي عدم ثبوت جزئيّة النيّة للإيراد على الاستدلال.

و يمكن الاستدلال له أيضاً بأنّ النيّة ركن، و القيام شرط في النيّة، و شرط الركن يكون ركناً:

أمّا الأوّل فلما يجي‌ء إن شاء اللّٰه من إثبات كونها ركناً مع أنّه لا شبهة فيه بين الأصحاب بل بين كافّة العلماء.

و أمّا الثاني فيكفي فيه عموم لزوم القيام في الصلاة.

و أمّا الثالث فلأنّ مقتضى الاشتراط عدم الإتيان بالركن صحيحاً، فهو داخل في المستثنى من حديث «لا تعاد» و لو بالدليل المنفصل، فإنّ المفروض خروجه من عموم الحديث الإخلال بالنيّة، و المقصود بحسب الظاهر هو الصحيح منها، و بعد اشتراط النيّة بالقيام لم تقع النيّة صحيحة، فالإخلال وقع في الصلاة من حيث فقد النيّة الصحيحة.

و فيه أوّلًا: أنّه مبنيّ على جزئيّة النيّة للصلاة، و إلّا لم يدلّ دليل شرطيّة القيام في الصلاة على شرطيّته بالنسبة إلى النيّة.

و ثانياً: أنّ مقتضى «لا تعاد الصلاة» إلقاء الشرطيّة، فالركن الّذي هو النيّة وقع صحيحاً.

مع أنّ كون المقصود من ركنيّة النيّة المستفادة من الدليل الآتي إن شاء اللّٰه تعالى هو النيّة الصحيحة غير معلوم.

فإذاً ليس في البين دليل يقتضي ركنيّة القيام بالنسبة إلى النيّة بما هي نيّة مع قطع النظر عن تقارنها للتكبير و كون القيام شرطاً على وجه الركنيّة بالنسبة إليه،

36

..........

____________

إذ خلاصة ما مرّ أُمور:

منها: الإجماع على أصالة ركنيّة القيام، و قد عرفت ما فيه.

و منها: موثّق عمّار.

و منها: شرطيّة القيام للنيّة الّتي هي ركن و أنّ شرط الركن ركن، و قد مرّ النظر في جميع ذلك.

و منها: أن يقال: إنّ المستفاد من الآية الشريفة أنّ القيام ركن مطلقاً فيؤخذ بذلك إلّا ما خرج، و هي قوله تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَمٰا عَلَّمَكُمْ مٰا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (1).

و تقريب الاستدلال به أنّ الظاهر منه وجوب القيام في الصلاة لا سيّما بقرينة قوله فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً، و التقيّد بالقنوت الّذي هو التواضع و الذلّ بالنسبة إلى المعبود بالحقّ جلّ شأنه الّذي هو من الأُمور المندوبة لا ينافي دلالته على الوجوب بالنسبة إلى أصل القيام، فإنّ البعث حجّة على الوجوب فيخرج ما ورد فيه الترخيص؛ مع أنّ أصل التواضع للّٰه و الذلّ له الّذي أقلّ مراتبه الانقياد لأمره واجب و ركن، فإذا ثبت وجوبه بالكتاب فيكون من الفرائض فلا يشمله حديث «لا تعاد الصلاة» الّذي ورد في ذيله ما يبيّن أنّ الموضوع لعدم وجوب الإعادة هو ما ثبت بالسنّة فهو خارج من مدلول «لا تعاد».

و فيه أوّلًا: أنّه قد ورد في اللغة في معنى «القانت»: القائم بالطاعة الدائم عليها، و على هذا فالأقرب في معنى الآية الشريفة هو القيام بطاعة اللّٰه تعالى دائمين على ذلك أي لا تغفلوا عن القيام بطاعة الرحمن حتّى في أوان إيقاد‌

____________

(1) سورة البقرة: 238 239.

37

..........

____________

الحرب. و الّذي ربما يومئ إلى ذلك هو التفريع عليه بقوله فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا، فعلى ذلك يكون المقصود هو لزوم القيام بطاعة الحقّ سبحانه في جميع الحالات و لو كان ذلك رجالًا أو ركباناً، و مع ذلك فعدم كون المقصود به هو خصوص القيام الصلاتيّ واضح.

و ثانياً: على فرض كون المقصود هو القيام الصلاتيّ فليس بصدد تشريع القيام، لأنّ ورودها بعد فرض الصلاة و الإتيان بها قائماً، بل هي في مقام المراقبة على الصلوات و خصوص الصلاة الوسطى و الإتيان بالقيام قانتاً للّٰه تعالى، فليس الفرض من جانبه تعالى بل غاية ما يستفاد من الآية الإمضاء للسنّة، و هو غير كونه فرضاً من اللّٰه تعالى.

إن قلت: على فرض الدلالة على الوجوب فلا دلالة على الركنيّة إلّا من باب عدم شمول «لا تعاد»، و هو ممنوع، إذ الذيل الوارد في صحيح زرارة المتقدّم (1) لا يدلّ إلّا على كون الجزء أو الشرط سنّةً علّة لعدم وجوب الإعادة، فلا ينافي وجود علّة أُخرى لعدم وجوبها فيتمسّك بإطلاق الصدر؛ مع أنّ مقتضى حديث رفع النسيان و السهو هو تقيّد إطلاق مثل الآية الشريفة.

قلت: أمّا الأوّل فلأنّ الذيل و إن لم يدلّ على انحصار العلّة في ذلك لكن يخلّ بظهور الصدر في كون موضوع عدم وجوب الإعادة مطلق غير الخمسة بما هو غير الخمسة، بل يكون الموضوع ذلك بما أنّ المنطبق عليه عنوان السنّة، فلا يمكن التمسّك بالصدر و لا بما انفصل عنه ممّا يدلّ على عدم إعادة الصلاة من الأجزاء غير الخمسة غير المذيّل بالذيل المذكور.

و ذلك كلام كلّيّ في مطلق التعليلات و المعلّلات، و خلاصته قواعد ثلاثة فاضبطها:

____________

(1) في ص 11.

38

..........

____________

منها: عدم دلالة التعليل على الانحصار، فلا يكون للتعليل مفهوم بنحو الإطلاق.

و منها: عدم جواز التمسّك بإطلاق الدليل المشتمل على التعليل و لا ما يكون غير مشتمل عليه و يكون متّحد المفاد معه.

و منها: حجّيّة التعليل عرفاً بالنسبة إلى المنطوق فيتمسّك بعموم التعليل، ففي مثل «الخمر حرام لأنّه مسكر» لا يتمسّك بالصدر لحرمة مطلق الخمر و لو لم يكن غير مسكر و لا بدليل آخر يدلّ على حرمة الخمر مطلقاً، لأنّ التعليل مفسّر للحرمة المتعلّقة بالخمر في أيّ دليل ورد، و يتمسّك به لحرمة مطلق المسكر و لو لم يكن خمراً، و لا تنافي بينه و بين ما يدلّ على حرمة بعض أفراد الخمر غير المسكر، لعدم دلالة التعليل على الانحصار.

و أمّا ما ذكر من التمسّك به من حديث رفع السهو و النسيان فصدقه يتوقّف على سهو طبيعة ذلك الواجب و هو بالسهو في جميع الوقت، مع أنّ عدم المؤاخذة غير رفع الجزئيّة و الشرطيّة واقعاً أو فعلًا مع بقاء جزئيّة سائر أجزاء المركّب، و تمام الكلام موكول إلى الأُصول.

فملخّص الكلام عدم الدليل على ركنيّة القيام بالنسبة إلى خصوص النيّة.

و أمّا الثاني أي القيام بالنسبة إلى التكبير فقد قال (قدس سره) في الجواهر في باب القيام في حال التكبير في مسألة وجوب أن يكون قائماً-:

مقتضى إطلاق النصوص و أكثر الفتاوى أنّه لا فرق في ذلك بين العمد و النسيان و لا بين المنفرد و المأموم، بل لا خلاف أجده فيه (1). انتهى.

____________

(1) الجواهر: ج 9 ص 224.

39

..........

____________

و في مفتاح الكرامة بعد نقل كلام الشهيد المشتمل على الإفتاء بركنيّة القيام في حال التكبير و القيام المتّصل بالركوع قال:

و بذلك كلّه صرّح في المهذّب البارع و غاية المرام و روض الجنان و شرح الشيخ نجيب الدين و جامع المقاصد، و في حاشية المدارك أنّ ما ذكره الشهيد (قدس سره) هو مراد الفقهاء، و في المفاتيح نفي الخلاف عن ذلك، و ظاهر مجمع البرهان نسبته إلى الأصحاب، كما أنّه يظهر من كشف اللثام دعوى الإجماع عليه (1). انتهى.

أقول: لا يبعد أن يكون إسناد الإجماع إليهم من جهة الإطلاق كما أُشير إليه في الجواهر (2)، و هو لا يكون حجّة بعد ما تقدّم من قيام القرائن على عدم كون المقصود هو الإطلاق فراجع صدر المسألة المتقدّمة، فالمقصود هو ركنيّة القيام في الجملة فلا يتعيّن أن يكون في حال التكبيرة، إذ يكفي في ذلك القيام المتّصل بالركوع.

نعم، يمكن أن يوجّه الاستدلال بالإجماع بأنّه بعد قيام الإجماعات المستفيضة أو المتواترة على ركنيّة القيام في الجملة يدور الأمر بين القيام في حال التكبير و المتّصل بالركوع، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر، فيجب القيام فيهما حتّى في حال السهو، للعلم الإجماليّ بركنيّة القيام في أحد الموضعين.

لكن ذلك لا يثبت لزوم القيام ركناً في تمام التكبيرة بل يكفي القيام أوّلها.

و عمدة ما يستدلّ به لذلك ما تقدّم من موثّق عمّار (3)، و دلالته على ركنيّة القيام‌

____________

(1) مفتاح الكرامة: ج 2 ص 304.

(2) الجواهر: ج 9 ص 224.

(3) في ص 34.

40

..........

____________

بالنسبة إلى التكبير واضحة، إلّا أنّه لا يدلّ عليها إلّا بالنسبة إلى أوّل التكبير الّذي به يحصل الافتتاح، فلا دليل عليها بالنسبة إلى تمام التكبير.

إن قلت: إنّه و إن كان كذلك إلّا أنّ مقتضى «لا تعاد الصلاة» هو الحكم بالصحّة في حال السهو فيمكن حمل ما ورد في الموثّق على الاستحباب جمعاً.

قلت: إنّه قد يقال: إنّ مقتضى الحديث عدم العود، و هو في مورد دخل في العمل دخولًا صحيحاً فلا يشمله الحديث؛ لكن فيه تأمّلٌ لا يخفى، خصوصاً مع فرض كون الطهارة و الاستقبال داخلين في عداد المستثنيات.

و يمكن أن يقال: إنّ الحكم بقطع الصلاة في الموثّق مع كونه حراماً بالذات إذا كانت الصلاة صحيحة ربما يكون مانعاً عن الحمل على الاستحباب، فإنّه و إن أمكن ثبوتاً تقيّد حرمة القطع بغير المورد مع كون الإعادة مستحبّاً إلّا أنّ حرمته الذاتيّة و قيام الارتكاز على حرمة القطع و أنّه لا يرفع عنها اليد لإدراك أمر استحبابيّ مانعةٌ عن الحمل على الاستحباب، فالتخصيص أولى بنظر العرف؛ و إن منع ذلك فلا ريب في عدم الترجيح، فيرجع إلى دليل شرطيّة القيام في الصلاة مطلقاً.

و يستدلّ عليه أيضاً بأنّ القيام شرط في التكبير، لإطلاق اشتراط القيام في الصلاة الّتي منها التكبير، و التكبير ركن كما ورد في الأخبار المعتبرة و يجي‌ء الكلام فيه إن شاء اللّٰه تعالى، فإذا فقد شرط الركن انعدم الركن الصحيح فيدخل في كبرى ترك التكبير الصحيح الّذي يدلّ ما يجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى من الدليل على إخلاله بالصلاة و لو سهواً.

لكن فيه: أنّ مقتضى «لا تعاد الصلاة» عدم اشتراط التكبير في هذا الحال‌

41

..........

____________

بالقيام، فلا يكون الإخلال بالركن الصحيح، فلا يكون داخلًا في المستثنى من حديث «لا تعاد».

إن قلت: حجّيّة حديث «لا تعاد» بالنسبة إلى المورد و إلقاؤه شرطيّة القيام بالنسبة إلى التكبيرة تتوقّف على عدم دخوله في المستثنى، و عدم دخوله في المستثنى يتوقّف عليها، إذ لو لا العموم المذكور كان الإخلال بالقيام موجباً للإخلال بالتكبير الصحيح.

قلت: نمنع التوقّف الأوّل، فإنّ حجّيّته تتوقّف على عدم دخوله في المستثنى على تقدير الشمول بحيث لا يكون تعارض بين العامّ و المستثنى حتّى يتقدّم عليه المستثنى؛ و هذا الكلام سارٍ في جميع موارد يكون أحد الدليلين رافعاً لموضوع الآخر على تقدير حجّيّته، بخلاف العكس، فإنّه على تقدير تقدّمه عليه من باب التعارض و ترجيح النصّ على الظاهر أو الأظهر عليه، فافهم و تأمّل فإنّه حقيق به. و به يندفع إشكال الدور في غير واحد من الموارد الّتي منها مسألة رادعيّة الآيات و حجّيّة السيرة المعنونة في الكفاية (1).

هذا، مضافاً إلى أنّ مفاد استثناء التكبير هو التكبير الصحيح الشرعيّ غير واضح، بل الظاهر هو أصل ما يصدق عليه التكبير و لو فاسداً.

فتحصّل أنّ الدليل ينحصر في الموثّق و مقتضاه ركنيّة القيام بالنسبة إلى أوّل التكبير، و هو العالم المعلّم الملهم.

و أمّا الثالث و هو القيام المتّصل بالركوع فيمكن أن يستدلّ عليه بأُمور كلّها مخدوش:

الأوّل: الإجماع على ركنيّة القيام كما تقدّم و خرج ما خرج و بقي الباقي.

____________

(1) كفاية الأُصول: ص 348.

42

..........

____________

الثاني: أنّ أصالة ركنيّة القيام مستفادة من قوله تعالى وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ.

و قد تقدّم جوابهما.

الثالث: الإجماع على ركنيّة خصوص القيام المتّصل بالركوع، ففي الجواهر عن الرياض اتّفاقهم على ركنيّته و ركنيّة القيام في التكبيرة الافتتاحيّة (1)، و قد تقدّم (2) الإيماء إلى كلام الشهيد (قدس سره) و ما علّقوه عليه المستفاد منه أنّ ما ذكره هو مراد الفقهاء و أنّه ممّا ذهب إليه الأصحاب.

لكن نقل الإجماع المذكور موهون بأُمور: منها عدم نقل ذلك عن كتب القدماء من الأصحاب. و منها إهمال الشيخ (قدس سره) ذلك في نهايته المعدّة لذكر متون الأخبار و كذا ابن زهرة. و منها تعليل غير واحد من الأصحاب كما في مفتاح الكرامة و عن المستند بدخول ذلك في مفهوم الركوع (3)، و لذا يكون المستفاد من كلام صاحب الجواهر أنّ الّذي هو ركن ليس خصوص المتّصل بل الركن هو قيامٌ ما (4).

الرابع: الإجماع على دخالته في مفهوم الركوع من جهة الإجماع على لزوم الانحناء في الركوع:

قالا في الشرائع و الجواهر في واجبات الركوع:

الأوّل أن ينحني بمقدار ما يمكن وضع يديه على ركبتيه، إجماعاً كما في جامع المقاصد و المفاتيح، و في المنتهي: بحيث تبلغ يداه ركبتيه، و هو قول أهل العلم كافّة إلّا أبا حنيفة فإنّه أوجب مطلق الانحناء (5). انتهى.

____________

(1) الجواهر: ج 9 ص 245.

(2) في ص 33.

(3) مفتاح الكرامة: ج 2 ص 302، و المستمسك: ج 6 ص 92 عن المستند: ج 5 ص 38.

(4) الجواهر: ج 9 ص 244.

(5) الجواهر: ج 10 ص 69 70.

43

[الإخلال بالنية حتى كبر]

أو بالنيّة حتّى كبّر (1)، (1)

____________

أقول: ليس معقد الإجماع المذكور صريحاً بل و لا ظاهراً في لزوم الانحناء من حالة القيام، بل المقصود بيان لزوم الحالة التقوّسيّة و أنّه هل يكفي مطلق حصول الانحناء و لو لم يكن عن قيام كما عن أبي حنيفة أو لا بدّ من الحدّ المذكور، كيف! و قد أفتى الطباطبائيّ (قدس سره) في منظومته على ما في الجواهر بأنّ الهويّ مقدّمة للركوع كما أنّها مقدّمة للسجود (2)، و قد جزم في ما حكى في الجواهر عن الرياض بتحقّق الركوع إذا أتى به من جلوس و أنّ البطلان من جهة فقد القيام المتّصل بالركوع لا الركوع (3).

الخامس: دخالته في مفهوم الركوع؛ و هو ممنوع.

السادس: دخالته في مفهوم الركوع الخضوعيّ و لعلّه واضح عند العرف؛ لكن اعتبار ذلك من جانب الشارع على وجه يدور مداره غير معلوم، بل لعلّ تحقّق الخضوع حكمة في الأمر به، و عدم الإطلاق لغيره لا يمنع من جريان أصالة البراءة في القيد. هذا تمام الكلام في القيام.

فالمحصّل بحسب الدليل ركنيّته بالنسبة إلى ابتداء التكبير، و عدم وضوح ركنيّته بالنسبة إلى النيّة و لا بالنسبة إلى جميع التكبير و لا في خصوص المتّصل بالركوع، و اللّٰه الهادي.

(1) و قال في النيّة: «و هي ركن في الصلاة». قال في الجواهر:

إجماعاً منّا محصّلًا و منقولًا مستفيضاً أو متواتراً، بل من العلماء كافّة في المحكيّ عن المنتهي و التذكرة، بل عن التنقيح: لم يقل أحد بأنّها ليست بركن (4).

____________

(1) الشرائع: ج 1 ص 87.

(2) الجواهر: ج 10 ص 77.

(3) الجواهر: ج 9 ص 244 245.

(4) الجواهر: ج 9 ص 154.

44

..........

____________

و في المفتاح بعد ذكر ما حكيناه عن الجواهر، و الظاهر أنّ مستنده ما ذكره (قدس سره)-: نقل الإجماع على ركنيّتها عن التذكرة و نهاية الإحكام و الذكرى و قواعد الشهيد و التنقيح و فوائد الشرائع و غيرها و هو كثير (1). انتهى.

و من ذلك يظهر وضوح الإجماع على ركنيّتها.

و يمكن أن يستدلّ على ذلك بما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالعبادة الّتي يكون القدر المتيقّن منها بحسب الظاهر هو الصلاة الفريضة كقوله تعالى وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ (2) و قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (3) و قوله تعالى إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ (4) و قوله تعالى وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (5).

فالعبادة المتقوّمة بداعي الأمر الإلهيّ أو ما يقوم مقامه هي من الفرائض لا من السنن، فلا تكون مشمولةً لحديث «لا تعاد الصلاة». مع أنّ كون الصلاة الفاقدة لنيّة التقرّب مشمولةً لحديث «لا تعاد» مخدوش من غير الجهة المذكورة أيضاً، لأنّه إن كان فقدها من جهة عدم الالتفات إلى عنوان الصلاة فلا يصدق على المأتيّ به عنوانه حتّى في العرف، و إن كان من جهة فقد الداعي الإلهيّ مع التوجّه إلى عنوان الصلاة فلا يتصوّر إلّا الرياء المتقوّم بالتوجّه إلى لزوم قصد التقرّب و أنّه محبوب فيرائي بذلك، و إلّا لم ينقدح الرياء في النفس أعاذنا اللّٰه تعالى منه.

و قد يقرّب خروج المورد عن عموم «لا تعاد» من جهة أنّ اعتبار النيّة ليس في الواجب شرطاً و لا شطراً، و عموم الحديث المذكور ناظر إلى ما هو دخيل في الواجب لا للأعمّ منه و من الدخيل في الغرض.

____________

(1) مفتاح الكرامة: ج 2 ص 319.

(2) سورة الذاريات: 56.

(3) سورة البقرة: 21.

(4) سورة الأنعام: 162.

(5) سورة طه: 14.

45

[الإخلال بالتكبير حتى قرأ]

أو بالتكبير حتّى قرأ (1)، (1)

____________

و فيه أوّلًا: وضوح عموميّة «لا تعاد»، فإنّ الموضوع هو الصلاة و أنّها لا تعاد من الخلل الوارد فيها مطلقاً، كان ذلك من جهة ترك شرط الواجب أو ترك ما هو دخيل في الغرض.

و ثانياً: أنّه لا مانع من دخل قصد التقرّب في العبادة، فإنّ الواجب هو الإتيان بالفعل بداعي الأمر به، و إتيان داعي الأمر به بداعي الأمر المتوجّه إلى نفسه لا إلى الفعل، فيؤتى داعي الأمر بالفعل بداعي الأمر بهذا الداعي، فلم يؤت داعي الأمر بالفعل بداعي الأمر بالفعل حتّى يلزم توقّف الشي‌ء على نفسه، و لقد بيّنّا ذلك في كتاب مباني الأحكام.

ثمّ إنّه يظهر ممّا ذكرناه عدم وضوح ركنيّة نيّة الظهريّة و العصريّة و الأدائيّة و القضائيّة و غير ذلك، بل الثابت ركنيّتها هو نيّة التقرّب الّتي بها تصدق العبادة، فحينئذٍ لو أتى بالعصر سهواً فكونه عصراً غير واضح، إذ يحتمل أن يكون ظهراً و الإخلال بنيّة الظهريّة ملقىً بعموم «لا تعاد» كما أنّه يحتمل أن يكون الملقى هو الترتيب، فلا يتعيّن أن يكون الملقى هو الترتيب، و الكلام فيه موكول إلى محلّه و المقصود هو الإشارة إلى أنّ المتيقّن من الركنيّة هو نيّة التقرّب، بل لو قلنا بلزوم إخلاص زائد على مقدار دخالته في صدق العبادة و غفل عن ذلك لم يكن مخلّاً بصحّة الصلاة المأتيّ بها، و اللّٰه العالم.

(1) و قال (قدس سره) في تكبيرة الإحرام:

و هي ركن، و لا تصحّ الصلاة من دونها و لو أخلّ بها نسياناً (2).

و قال في الجواهر:

إجماعاً محصّلًا و منقولًا مستفيضاً كالنصوص (3).

____________

(1) الشرائع: ج 1 ص 87.

(2) الشرائع: ج 1 ص 62.

(3) الجواهر: ج 9 ص 201.

46

..........

____________

و قال السيّد (قدس سره) في مفتاح الكرامة بعد قول العلّامة «و هي ركن تبطل الصلاة بتركها عمداً و سهواً»:

بإجماع الأصحاب و إجماع الأُمّة إلّا شاذّاً كما في الذكرى و جامع المقاصد و المدارك، و بإجماع علماء الإسلام عدا الزهريّ و الأوزاعيّ كما في المعتبر، و هو مذهب عامّة العلماء كما في التذكرة، إلى غير ذلك (1).

أقول: و يدلّ عليه عدّة من الأخبار:

منها: ما رواه في الوسائل عن الشيخ و الكلينيّ بطرق معتبرة كلّها عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة، قال:

سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح، قال: «يعيد» (2).

و منها: معتبر عبيد بن زرارة، قال:

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجل أقام الصلاة فنسي أن يكبّر حتّى افتتح الصلاة، قال: «يعيد الصلاة» (3).

و يحتمل أن يكون المقصود نسيان تكبير الإقامة بقرينة قوله «أقام» و قوله «افتتح الصلاة» الظاهر في الشروع فيها بالإتيان بالتكبير فيدلّ على جواز القطع لدرك الإقامة كما أفتوا به في الجملة، فعليه فلا يدلّ على المقصود، فتأمّل.

و منها: صحيح ذريح عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام)، قال:

____________

(1) مفتاح الكرامة: ج 2 ص 336.

(2) الوسائل: ج 4 ص 715 ح 1 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

(3) المصدر: ص 716 ح 3.

47

..........

____________

سألته عن الرجل ينسى أن يكبّر حتّى قرأ، قال: «يكبّر» (5).

و لا يخفى صراحته في لزوم التكبير، و لا دلالة فيه على بطلان الصلاة و لزوم إعادتها، إلّا أن يستظهر ذلك من وحدة متعلّق الأمر و المنسيّ، فالظاهر هو تدارك التكبير بقصد الافتتاح، و لازم ذلك هو إعادة باقي أجزاء الصلاة أيضاً؛ لكن فيه تأمّلٌ.

و منها: صحيح ابن يقطين، قال:

سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن الرجل ينسى أن يفتتح الصلاة حتّى يركع، قال: «يعيد الصلاة» (1).

و منها: موثّق عمّار، قال:

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجل سها خلف الإمام فلم يفتتح الصلاة، قال: «يعيد الصلاة و لا صلاة بغير افتتاح» (2).

و منها: خبر الفضل أو ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) أنّه قال:

في الرجل يصلّي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزئه تكبيرة الركوع؟ قال: «لا، بل يعيد صلاته إذا حفظ أنّه لم يكبّر» (3).

و منها: صحيح العلاء عن محمّد عن أحدهما (عليهما السّلام):

في الّذي يذكر أنّه لم يكبّر في أوّل صلاته، فقال: «إذا استيقن أنّه لم يكبّر فليعد و لكن كيف يستيقن؟!» (4).

و دلالة ذلك على المدّعى غير قابلة للإنكار، إلّا أنّ موقع الإشكال في المسألة‌

____________

(5) الوسائل: ج 4 ص 716 ح 4 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

(1) المصدر: ح 5.

(2) المصدر: ح 7.

(3) الوسائل: ج 4 ص 718 ح 1 من ب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام.

(4) الوسائل: ج 4 ص 716 ح 2 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

48

..........

____________

إنّما هو في التعارض بينها و بين بعض الأخبار الأُخرى و كذا التعارض بينها و بين «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» (1):

أمّا الأوّل أي بالنسبة إلى المعارضة لبعض الأخبار الأُخرى فقد روي عن زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال:

قلت له: الرجل ينسى أوّل تكبيرة من الافتتاح، فقال: «إن ذكرها قبل الركوع كبّر ثمّ قرأ ثمّ ركع، و إن ذكرها في الصلاة كبّرها في قيامه في موضع التكبير قبل القراءة و بعد القراءة» قلت: فإن ذكرها بعد الصلاة؟ قال: «فليقضها و لا شي‌ء عليه» (2).

و فيه: أنّه ليس ظاهراً في كون «مِنْ» في قوله «من الافتتاح» بيانيّة، بل يحتمل أن يكون تبعيضيّة فالمقصود أوّل تكبير من التكبيرات الافتتاحيّة، فيكون التدارك قبل الركوع بإعادة القراءة مستحبّاً، و لا يحتاج الحمل على الاستحباب إلى ما يقتضي ذلك من نصٍّ دالٍّ على عدم لزومه، إذ يكفي قرينةً لذلك كونُ أصل الإتيان بالتكبير الأوّل الافتتاحيّ مستحبّاً، و هو الّذي اختاره في الجواهر في مقام الحمل (3) تبعاً لما في الوسائل (4)، و هو جيّد بحسب الظاهر.

و يحتمل بعيداً ما عن الشيخ (قدس سره) من كون المقصود من قوله «فليقضها» هو قضاء الصلاة المأتيّ بها من دون التكبير (5)؛ و الإيراد عليه بعدم تناسبه لقوله «و لا شي‌ء عليه» إذ أيّ شي‌ء أشدّ من إعادة الصلاة، و عدمِ تناسبه لقوله «و إن ذكرها في الصلاة كبّرها» إذ لا بدّ من الحكم بالبطلان حينئذٍ لا الاكتفاء بالتكبير في حال‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 770 ح 5 من ب 29 من أبواب القراءة.

(2) المصدر: ص 717 ح 8 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

(3) الجواهر: ج 9 ص 205.

(4) الوسائل: ج 4 ص 717.

(5) الوسائل: ج 4 ص 717.

49

..........

____________

القيام بعد القراءة أو قبلها مدفوعٌ، أمّا الأوّل فلأنّه لعلّ المقصود أنّه ليس شي‌ء عليه وراء الإعادة من سجدتي السهو أو قضاء نفس التكبير مضافاً إليها، و أمّا الثاني فلاحتمال أن يكون مرجع الضمير في قوله «كبّرها» هو الصلاة أي يأتي بها واجدة للتكبير و ليكن ذلك في موضوعه و هو أوّل الصلاة، من غير فرق بين أن يكون ذلك قبل الشروع في القراءة أو بعدها، فيكون الجملة الثانية أعمّ من الأُولى.

و في الصحيح عن الحلبيّ عن أبى عبد اللّٰه (عليه السّلام)، قال:

سألته عن رجل نسي أن يكبّر حتّى دخل في الصلاة، فقال: «أ ليس كان من نيّته أن يكبّر؟» قلت: نعم، قال: «فليمض في صلاته» (1).

و قد حمله في الوسائل و غيرها على التقيّة، لأنّه رأي بعض العامّة.

و فيه: منعٌ واضح بعد ما تقدّم من إجماع علماء الأُمّة إلّا الشاذّ على الركنيّة، بل حمل ما يدلّ على الركنيّة على التقيّة أولى.

لكن يمكن أن يقال: إنّ المقصود هو النسيان عن التكبير حتّى دخل في الصلاة و لو كان النسيان المذكور في الآن قبل التذكّر، و هو يجتمع مع احتمال الإتيان بها ثمّ عروض النسيان و الذهول، فأجاب (عليه السّلام) بأنّه قد أتى به بحسب نيّته، أو يقال: إنّ المقصود هو الإرشاد إلى عدم العلم بالنسيان، بأن يكون العلم بتركه نسياناً صوريّ يرتفع بعد التوجّه إلى أنّه كان من نيّته أن يكبّر، فيكون المقصود أنّه لم يعلم نسيانه فكأنّه قال بعد قوله «أ ليس كان من نيّته أن يكبّر» و قول السائل «نعم»: فلم يعلم أنّه نسي أو قد أتى به فليمض في صلاته؛ و الّذي ربما يدلّ عليه إشعار الاستدلال و التعليل، و لا بدّ من موافقته للارتكاز، و الّذي يوافقه عدم العلم‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 717 ح 9 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

50

..........

____________

بالنسيان لا كفاية النيّة عن الإتيان بالعمل، فإنّه ربما يكون ممّا هو بطلانه واضح عند العرف، لأنّ كفاية النيّة عن العمل موجب لتعطيل جميع الخيرات، فإنّ الأثر مترتّب على العمل، و النيّة شرط فيه في العبادات؛ كما أنّه ربما يؤيّد ذلك بما تقدّم (1) من ذيل خبر محمّد أي قوله (عليه السّلام): «كيف يستيقن؟» و بما روى الصدوق عن الصادق (عليه السّلام) مرسلًا أنّه قال: «الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح» (2)، فإنّ الغالب عروض النسيان في الأثناء لا في ابتداء العمل مع فرض الشروع فيه، و إلى الآن لم نسمع من أحد أنّه نسي التكبير الّذي هو أوّل الصلاة لا سيّما في الفرادى الّتي يكون بناء المصلّي على الإتيان بجميع أجزائها بالمباشرة، و المفروض في الصحيح على الظاهر هو الفرادى و إلّا لكان عليه ذكر غيرها، لاحتمال المدخليّة في الحكم عرفاً.

و في الموثّق عن أبى بصير، قال:

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجل قام في الصلاة فنسي أن يكبّر فبدأ بالقراءة، فقال: «إن ذكرها و هو قائم قبل أن يركع فليكبّر، و إن ركع فليمض في صلاته» (3).

و لا يخفى عدم الوجه للحمل على التقيّة، و لا على ما حمل عليه الصحيح المتقدّم من الاعتبار بالنيّة فيه الدالّ على حجّيّتها على الإتيان أو استلزامها لعدم القطع بالترك دون ذاك الموثّق، و لقوله «إن ذكرها و هو قائم» فيه الّذي كاد أن يكون صريحاً في تذكّر تركه، و لأنّ المضيّ مع الشكّ لا فرق بين الدخول في‌

____________

(1) في ص 47.

(2) الوسائل: ج 4 ص 717 ح 11 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

(3) الوسائل: ج 4 ص 717 ح 10 من ب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.

51

..........

____________

الركوع و عدمه؛ فلا بدّ إمّا من رفع اليد عن مبنى الأصحاب و القول بعدم حجّيّة إجماعهم و الاجتراء على خرقه بالحمل على ما يحمله العرف في مقام الجمع من جواز الأمرين أي الإعادة و المضيّ أو حملِ ما دلّ على الإعادة على التقيّة لأنّه مذهب أكثر العامّة، أو يقال بأنّه بعد الركوع لقد أتى بتكبير الركوع و أنّ تكبير الركوع مجزٍ عن تكبيرة الإحرام في حال السهو، لأنّ الواجب هو التكبير أوّل الصلاة فكأنّه قد كبّر للافتتاح ثمّ ركع؛ و إطلاقه من حيث الإتيان بالتكبير للركوع و عدمه محمول على الغالب أو الدائم في عصر الصدور من الإتيان بتكبير الركوع أو يقيّد بصحيح البزنطيّ عن الرضا (عليه السّلام)، قال:

قلت له: رجل نسي أن يكبّر تكبيرة الافتتاح حتّى كبّر للركوع، فقال: «أجزأه» (1).

الدالّ على عدم الإجزاء من دون أن يكبّر للركوع. و لا يعارض ذلك بما تقدّم (2) من خبر الفضل أو غيره من عدم إجزاء تكبيرة الركوع، لأنّ الثاني أي صحيح البزنطيّ وارد في من نسي حتّى كبّر و الأوّل أي خبر الفضل هو السؤال عن إجزاء تكبيرة الركوع بما هي كذلك فيشمل حال القيام و يقيّد بذلك، فيصير المحصّل من الأخبار الثلاثة هو إجزاء تكبيرة الركوع لمن نسي حتّى كبّر للركوع و ركع، و هو على طبق القاعدة بناءً على عدم لزوم قصد عنوان تكبيرة الافتتاح أو الإحرام بل اللازم هو التكبير أوّل الصلاة، و مقتضى ذلك أنّه لو كبّر للركوع فتذكّر نسيان تكبير الافتتاح و لم يركع قطّ يجوز الاكتفاء به ثمّ يعيد القراءة لحفظ الترتيب كما أشار إلى ذلك صاحب كشف اللثام في المحكيّ عنه في الجواهر‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 718 ح 2 من ب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام.

(2) في ص 47.

52

..........

____________

مستظهراً من الصحيح المتقدّم احتمالًا ثمّ قال: «إذ ليس عليه أن ينوي بالتكبير أنّه تكبير افتتاح كما في التذكرة و الذكرى و نهاية الإحكام للأصل» (1).

و هو جيّد عندي و إن أورد عليه صاحب الجواهر بما لا مزيد عليه (2)؛ لكنّه غير وارد، لعدم الدليل على لزوم قصد الافتتاح كما عرفت نقله عن عدّة من الأصحاب، و على مانعيّة قصد الخلاف أيضاً فمقتضى الإطلاق و أصل البراءة في الأقلّ و الأكثر هو الاكتفاء، و أمّا تعارضه لصحيح الفضل أو ابن أبي يعفور (3) كما في الجواهر (4) فقد عرفت أنّه أخصّ منه، لأنّ الاكتفاء مطلقاً غير الاكتفاء به في صورة النسيان حتّى كبّر للركوع؛ فالأحوط في صورة النسيان حتّى أن كبّر و ركع إتمام الصلاة و الإعادة و إن لم يكن لازماً، لما تقدّم من صحيح ابن يقطين الوارد في النسيان حتّى أن ركع فحكم فيه بالإعادة.

فالملخّص جواز القطع و الإعادة عملًا بالطائفة الأُولى و إن كان يحتمل الاكتفاء بها بعد الركوع أو بعد تكبير الركوع أو إذا كان من نيّته الإتيان بها و لا سيّما إذا كبّر للركوع.

هذا بالنسبة إلى إشكال المعارضة للأخبار الخاصّة.

و أمّا الثاني أي بالنسبة إلى المعارضة لعموم «لا تعاد الصلاة» بأن يحكم بالصحّة كما أنّه يحكم بجواز القطع و الإعادة بل استحباب ذلك فيمكن أن يجاب بأنّ قيام ارتكاز المتشرّعة على حرمة القطع في الجملة بالنسبة إلى الصلاة الصحيحة مانع عن الحمل على الاستحباب، فهو مقدّم على ظهور «لا تعاد»‌

____________

(1) الجواهر: ج 9 ص 202.

(2) الجواهر: ج 9 ص 202.

(3) الوسائل: ج 4 ص 718 ح 1 من ب 3 من أبواب تكبيرة الإحرام.

(4) الجواهر: ج 9 ص 204.