فقه الشيعة - كتاب الخمس والأنفال - ج1

- السيد محمد مهدي الخلخالي المزيد...
654 /
3

الجزء الأول

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ.

القرآن الكريم‌

6

فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

القرآن الكريم‌

7

كلمة المؤلف

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه على ما أنعم و له الشكر على ما ألهم و الصلاة و السلام على خير خلقه من جميع الامم محمد و آله الطيبين الطاهرين و البراءة من أعدائهم و معانديهم إلى يوم الحسرة و الندم.

و بعد فقد فرض اللّه تبارك و تعالى في كتابه العزيز على الأغنياء أن يؤدوا ما عليهم من الزكاة و الخمس من وافر عوائدهم و يموّلوا المسلمين و يعولوهم و يعلوا إسلامهم و نظامهم على سنة اللّه لصالح الأغنياء و الفقراء على حدّ سواء فإن جانبا من هذا الحق لا بد و أن يكون للفقراء و المساكين تسديدا لمعاشهم و حاجاتهم اليومية و يصرف القسم الآخر في سبيل إعلاء كلمة الإسلام و المسلمين، و تحكيم دينهم، فإن أداء هذا الحق إنما هو من أصلح الأعمال التي تنبئ عن خالص الإيمان، و قد استخلفهم اللّه في أرضه، فإن أداء الزكاة إنما هو تطهير لهم، كما أن أداء الخمس إنما هو أداء لحق اللّه و رسوله، و قد حاولت البحث عن أحكام الخمس بما كان في وسعي من موازنة الأقوال و الأدلة و قد حررت ما سنح لي الجهد في دراستها و ألقيتها دروسا اجتهادية على ثلة من الطلاب الأفاضل في حوزتي العلمية فأحمده تعالى على هذا التوفيق و أشكره على ما أولاني به، إنه خير موفق و معين.

السيد محمد مهدي الموسوي الخلخالي‌

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تعريف الخمس وجوب الخمس مستحلّ الخمس

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الخمس و هو (1) من الفرائض (2) و قد جعلها اللّه تعالى لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) و ذريّته عوضا عن الزكاة

____________

تعريفه

(1) قال في المدارك (1) في تعريفه أن «الخمس حق مالي ثبت لبني هاشم بالأصل عوض الزكاة» (2).

(2) لثبوته بالكتاب و السنة و الإجماع، بل الضرورة في الجملة، قال اللّه تعالى:

«وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ

____________

(1) المدارك 5: 359.

(2) و قال في الجواهر 16: 2، مع تبيين أكثر: «هو حق مالي فرضه اللّه مالك الملك بالأصالة على عباده في مال مخصوص، له، و لبني هاشم- الذين هم رؤساؤهم، و سوّاسهم، و أهل الفضل و الإحسان عليهم- عوض إكرامه إياهم بمنع الصدقة و الأوساخ عنهم ...»

و التقييد بالأصالة لإخراج النذر و الموقوف عليهم، و زيادة قيد العوض عن الزكاة لبيان الواقع، و إلّا فهو غير محتاج إليه و قال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في تعريفه «هو لغة رابع الكسور و شرعا اسم لحق في المال يجب للحجة (عليه السّلام) و قبيله».

12

إكراما لهم (1) و من منع منه درهما، أو أقل كان مندرجا في الظالمين لهم، و الغاصبين لحقهم،

____________

وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ» (1).

و قد اشتملت الآية الكريمة على تأكيدات عديدة (2) في تشريع هذا الفرض، لا تخفى على المتأمل. و قد ورد التعبير عنه بالفريضة في رواية أبي بصير المذكورة في المتن قال: قال الصادق (عليه السّلام) «... و الخمس لنا فريضة ...» (3).

فوجوب الخمس في الجملة من ضروريات الدين لم يختلف فيه علماء الفريقين و إن اختلفوا في بعض مصاديقه أو مصرفه (4).

(1) كما في جملة من الروايات المستفيضة (منها) رواية أبي بصير المنقولة في المتن عن الصادق (عليه السّلام).

____________

(1) الأنفال: 41.

(2) «منها» الخطاب لجميع المؤمنين بالأمر بالعلم قائلا «و اعلموا» الدال على الاهتمام و ضرورة التنبيه على المطلب «و منها» التأكيد بكلمة «أن» و «منها» تعليق الخمس على «ما» الموصولة التي هي من المبهمات تأكيدا للعموم و «منها» تفسير الموصول بكلمة «من شي‌ء» الذي هو مبهم آخر دال على التعميم المطلق، و أن كل ما صدق عليه الغنيمة يتعلق به الخمس و لو كان قليلا و «منها» تعليقه بالإيمان باللّه و بما أنزل الدال على أن المنكر له لم يؤمن باللّه و بما أنزل و (منها) إقرانه تعالى و تشريك ذاته تعالى مع الرسول، و لذي القربى و بقية الأصناف من آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) تعظيما و إجلالا لهم بإظهار هذه الشركة، و تنزيها لهم عن الصدقة و الوسخيّة التي تنزه عنها ذاته المقدسة.

(3) الوسائل 9: 483، الباب الأول مما يجب فيه الخمس، الحديث 2، ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث: قم.

(4) جاء في مستند العروة كتاب الخمس: 10، عن سيدنا الاستاذ (دام ظلّه) أنه قال: «و من ثم ادعى الخليفة الثاني نسخ وجوب الصرف في سهم ذوي القربى لما كان يرتئيه من لزوم الصرف فيما هو أهم، و أولى من المصالح العامة كحفظ ثغور المسلمين، و تحصيل السلاح و الكراع و نحوها».

13

بل من كان مستحلا لذلك كان من الكافرين (1)

ففي الخبر عن أبي بصير «قال: قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال (عليه السّلام) من أكل من مال اليتيم درهما، و نحن اليتيم» (1).

و عن الصادق (عليه السّلام): «إن اللّه لا إله إلّا هو حيث حرم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، و الخمس لنا فريضة، و الكرامة لنا حلال» (2).

و عن أبي جعفر (عليهما السّلام): «لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا» (3).

و عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئا أن يقول: يا ربّ اشتريته بمالي، حتى يأذن له أهل الخمس» (4).

____________

منكر الخمس كافر

(1) لأنه منكر للضروري؛ لتحقق الضرورة على ثبوته في الجملة، و لو في خصوص الغنائم الحربيّة و إن اختلفوا في تفاصيله، بل في بعض الروايات: أن عدم العمل به على حدّ المنكر له، فالتارك لأدائه، كالمنكر لحكمه.

روى العيّاشي في تفسيره عن سدير عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «يا أبا الفضل، لنا حق في كتاب اللّه في الخمس، فلو محوه فقالوا: ليس من اللّه، أو لم يعملوا به لكان سواء» (5).

____________

(1) الوسائل 9: 483، الباب الأول من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث الأول، معتبرة و لعل التعبير عنهم باليتيم باعتبار أنهم بعد وفاة والدهم الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) أصبحوا أيتاما لا تداريهم الأمة، كما لا يدارى الأيتام بعد فقد والدهم.

(2) الوسائل 9: 483، الباب الأول من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 4.

(4) الوسائل 9: 542، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 11.

(5) مستدرك الوسائل 7: 277، الباب الأول من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3، و تفسير العياشي 2: 62، الحديث 57.

14

..........

____________

فإنها ظاهرة في التسوية بين الإنكار و عدم الأداء- من حيث غصب حقهم (عليهم السّلام) غصبا مجحفا بهم دون آثار الكفر.

و قد روى أيضا في تفسيره عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: «قد فرض اللّه في الخمس نصيبا لآل محمد (عليهم السّلام) فأبى أبو بكر أن يعطيهم نصيبهم حسدا و عداوة، و قد قال اللّه:

وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ ...» (1).

____________

(1) مستدرك الوسائل، الحديث 2.

15

فصل: 1 الخمس في سبعة أشياء

1- غنائم دار الحرب‌

2- المعادن‌

3- الكنز‌

4- الغوص‌

5- المال المخلوط بالحرام‌

6- الأرض التي اشتراها الذمي‌

7- ما يفضل من مئونة السنة من الأرباح‌

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

فصل: 1 فيما يجب فيه الخمس و هو سبعة (1) أشياء

____________

فصل 1: فيما يجب فيه الخمس

(1) قال في المدارك (1) «هذا الحصر استقرائي مستفاد من تتبع الأدلة الشرعيّة، و ذكر الشهيد في البيان (2) «أن هذه السبعة كلها مندرجة في الغنيمة».

و لا يخفى: أن إدراج موردين منها تحت عنوان «الغنيمة» لا يخلو عن تكلف، بل منع (أحدهما) المال المختلط بالحرام و (الثاني) الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، فإنه لا يصدق عنوان الفائدة و الغنيمة على شي‌ء منهما، أما (الثاني) فظاهر؛ لأنه قد اشتراه بالثمن و أما (الأول) فكذلك؛ لعدم صدق الغنيمة عليه إلّا بتكلف، بدعوى أن تحليل الحرام المختلط بالحلال بأداء الخمس نوع فائدة، و غنيمة، و إلّا لم يجز التصرف في شي‌ء منه، و لكن يشكل ذلك بأن الاغتنام حينئذ يكون بعد التخميس، لا قبله، فلم يرد الخمس على الغنيمة، بل الأمر بالعكس، لصدق الاغتنام بعد أداء الخمس و كيف كان فالمتبع في هذين الموردين هو الدليل الخاص، و يأتي الكلام في مصرفهما عند تعرض الماتن لهما.

____________

(1) المدارك 5: 360.

(2) البيان: 213.

18

..........

____________

و أما الخمسة الباقية فلا إشكال في اندراجها تحت عنوان الغنيمة، فتشملها الآية الكريمة و الروايات الدالة على تعلق الخمس بالفائدة، أو الغنيمة، كما ستمر علينا في الأبحاث الآتية.

و يترتب على ذلك (أعني كون الملاك في تعلق الخمس بالأمور السبعة، أو الخمسة هو صدق الغنيمة)

أولا: أنه لا استيحاش في زيادة العدد على ما ذكر، كما أشار إليه صاحب المدارك حيث قال: إن الحصر استقرائي.

و ثانيا: أنه لا موجب لمحاولة صدق العناوين الخاصة على بعض المصاديق المشتبه بها، كصدق عنوان الحرب في بعض موارد الغنائم الحربية، أو صدق عنوان المعدن، أو الكنز، أو الغوص- مثلا- على بعض مصاديقها، كالعنبر الخارج بنفسه من البحر (1) أو ما غرق بنفسه و أخرجه غير المالك و نحو ذلك (2)؛ لكفاية صدق عنوان «الغنيمة» على جميع ذلك في وجوب الخمس، و لا ينافي ذلك ثبوت أحكام خاصّة- كالنصاب في الكنز و المعدن، و إخراج المئونة السنوية في أرباح المكاسب- لثبوتها بعد إحراز موضوعاتها، و إلّا فتدخل تحت عنوان مطلق الغنيمة التي يجب فيها الخمس لا محالة.

و مما يؤيد ما ذكر من أن الملاك في الجميع هو عنوان الغنيمة:

صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «ليس الخمس إلّا في الغنائم خاصة» (3).

____________

(1) يأتي في المسألة 27.

(2) يأتي في المسألة 25.

(3) الوسائل 9: 485، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث الأول.

19

..........

____________

فإن حصر الخمس في الغنائم إنما يتم في مقابل الشراء و نحوه مما لا يعد غنيمة، دون الغنائم الحربية، فإنه لا إشكال في عدم حصر الخمس فيها عند أئمة أهل البيت (عليهم السّلام)، بل و غيرهم‌

فما في التهذيب (1) في ذيل الحديث المذكور من قوله «فالمراد به ليس الخمس بظاهر القرآن إلّا في الغنائم خاصة؛ لأن ما عدا الغنائم التي أوجبنا فيها الخمس إنما ثبت ذلك كله بالسنة، و لم يرد (عليه السّلام) أنه ليس فيه الخمس على كل حال»، تأويل بعيد؛ لعموم الآية الكريمة لمطلق الغنيمة، و إن كان موردها غنائم بدر خاصة، فالأصح أن المراد بالغنائم مطلق الفوائد في مقابل ما لا يصدق عليه الفائدة، كالتملك بالشراء، و نحوه، فتعم جميع موارد الخمس السبعة، أو الخمسة.

و يؤيد ما ذكرناه ما عن الفقه الرضوي صريحا من قوله (عليه السّلام) بعد ذكر الآية الكريمة: «و كل ما أفاده الناس فهو غنيمة، لا فرق بين الكنوز، و المعادن، و الغوص، و مال الفي‌ء الذي لم يختلف فيه، و هو ما ادّعى فيه الرّخصة، و هو ربح التجارة، و غلّة الضيعة، و سائر الفوائد، من المكاسب و الصناعات و المواريث و غيرها؛ لأن الجميع غنيمة و فائدة و رزق اللّه عز و جل ...» (2).

فإنها و إن كانت ضعيفة السند إلّا أنها صريحة الدلالة على المطلوب، و هو الدلالة على الجامع بين موارد الخمس، أي الغنيمة و نحوها روايات اخرى (3) تدل على وحدة الملاك، أشار إليها في الحدائق (4).

____________

(1) التهذيب 4: 124، الحديث 359.

(2) مستدرك الوسائل 7: 284، الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

(3) الوسائل 9: 503، الباب 8 مما يجب فيه الخمس، الحديث 6، موثقة سماعة و 9: 546، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8، رواية حكيم مؤذن بني عيسى.

(4) الحدائق الناضرة 12: 320.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الأول: غنائم دار الحرب

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

الغنائم الحربية، صفايا الغنيمة، قطائع الملوك، الفداء، الجزية، ما صولحوا عليه، إغارة المسلمين على الكفّار، أخذ مال الناصب، الغنائم المغصوبة، السلب من الغنيمة.

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

(الأول): الغنائم المأخوذة من الكفار من أهل الحرب (1)

____________

(الأول): الغنائم الحربيّة تعريفها

(1) عرّفها (قدّس سرّه) بأنها الأموال المأخوذة من الكفار من أهل الحرب بالمقاتلة معهم، بشرط إذن الإمام (عليه السّلام).

تحليله: (الحرب الخاصة)

قال في الجواهر (1) إن المراد بالحرب هو أن يكون بين المسلمين، و الكافرين كفرا تستحل به أموالهم، و تسبى به نساؤهم و أطفالهم، كأن يكون بإنكار- و لو عنادا- للملك الجبار، أو النّبي المختار (صلّى اللّه عليه و آله) أو المعاد، أو شك في ذلك في غير فسحة النظر، أو إثبات إله، أو نبيّ آخر، لا غيره من أقسام الكفر مما لا يجري فيه ذلك كالمرتدين- بغير نصب- ملة أو فطرة و إن شاركوا الكفار في القتل و نجاسة السؤر، و حرمة الذبائح، و النكاح و نحوها، كما هو واضح».

فالمراد بالكافر الحربي الذي يجوز قتاله و يحل ماله المشرك، و أهل الكتاب، دون المرتد، و منكر الضروري، أو الحرب القائمة بين المسلمين أنفسهم و التفصيل في كتاب الجهاد، هذا كله في تعريفها.

حكم الغنيمة لا خلاف و لا إشكال في أن خمس الغنيمة الحربيّة يكون لأهله، و أما الباقي فإن كان من المنقول فيقسم بين المقاتلين خاصة، و إن كان من غير المنقول فالعامرة من الأراضي المفتوحة عنوة تكون للمسلمين كافة يشترك فيها المقاتلون أيضا، و إن كانت مواتا فهي للإمام فتكون من الأنفال (2).

____________

(1) الجواهر 16: 5، و قال الشيخ في النهاية في تعريفها: «الغنائم كل ما اخذ بالسيف من أهل الحرب الذين أمر اللّه تعالى بقتالهم من الأموال و السلاح، و الكراع، و الثياب، و المماليك، و غيرها مما يحويه العسكر و مما لم يحوه».

(2) جامع المقاصد 3: 401- 405 بتلخيص- كتاب الجهاد، و المدارك 5: 360، و الجواهر 16: 5.

26

[شروط الغنيمة]

قهرا بالمقاتلة معهم بشرط أن يكون بإذن الإمام (عليه السّلام) (1)

____________

كيفية تملك الغانم للغنيمة‌

هل يملك الغانم حصته من الغنيمة بمجرد الاغتنام و استيلائه عليها أو يملك بالقسمة، الظاهر هو الثاني؛ لأن مجرد الاستيلاء لا يكفي في انتقال الملك من الكافر إلى شخص المقاتل و إن كان غانما، و من هنا يأخذ الإمام صفوة الغنيمة قبل القسمة من دون مشاركة المقاتلين معه فيها، نعم يملك المقاتل بعنوانه- أي بما أنه مقاتل- الغنيمة و إن لم يكن مباشرا للاستيلاء عليها. و أما الملكية الشخصيّة فلا تكون إلّا بالقسمة، و لا يشاركه غيره، و الحاصل: أن الغانم بعنوانه يملك أن يملك بشخصه، يعني هو أولى من غيره أولوية قطعيّة بأن يستملك ما يعطى من الغنائم المنقولة، و هذا نظير ملكية الفقير للزكاة و السادة للخمس فإن عنوان الفقير هو المالك للزكاة، دون شخصه، نعم يملك بعنوانه ان يملك بشخصه في مقابل الغني فإنه لا يملك أن يملك.

شروط الغنيمة

(1) يشترط في الغنائم التي هي محل الكلام من حيث تعلق الخمس بها، و كون الباقى للمقاتلين، أمر ان (الأول) الأخذ بالمقاتلة، لا بغيرها، كالسرقة و الغيلة، و نحوهما، و إلّا فيكون الجميع للآخذ (الثاني) إذن الإمام، و إلّا فيكون الجميع للإمام (عليه السّلام) كما هو المشهور المدعى عليه الإجماع- كما يأتى-.

27

[تعميم الخمس لمطلق الغنائم]

من غير فرق بين ما حواه العسكر و ما لم يحوه (1)

____________

تعميم الخمس لمطلق الغنائم

(1) أشار (قدّس سرّه) إلى تعميمين في وجوب الخمس (الأول): عدم الفرق في الغنائم بين ما أحاط به العسكر و ما لم يحط به بأن كانت خارج معركة القتال ثم استولى عليها المسلمون بعد الحرب (الثاني): عدم الفرق بين المنقول و غيره كالأراضي الخراجيّة، و الغرض من هذين التعميمين هو التنبيه على تعميم التخميس لمطلق الغنائم سواء الغنائم الخاصة بالمقاتلين أم الغنائم العامة لجميع المسلمين، فإنهم يذكرون في كتاب الجهاد (1) أن الغنائم الحربيّة تكون على قسمين (أحدهما) ما تختص بالمقاتلين و هي الأموال المنقولة التي حواها عسكر العدو، و أخذها المقاتلون، فإنها بعد التخميس يقسم الباقي عليهم على النحو المقرر هناك، و لا يشاركهم فيها أحد.

____________

(1) جاء في كتاب النهاية للشيخ الطوسي: 294، في كتاب الجهاد في باب قسمة الفي‌ء «و الباقى- يعني و الباقي بعد الخمس من الغنائم- على ضربين، ضرب منه للمقاتلة خاصة دون غيرهم من المسلمين، و ضرب هو عام لجميع المسلمين مقاتلهم و غير مقاتلهم فالذي هو عام لجميع المسلمين فكل ما عدا ما حوى العسكر من الأرضين و العقارات، و غير ذلك فأنه بأجمعه في‌ء للمسلمين، من غاب منهم و من حضر على السواء، و ما حوى العسكر يقسم بين المقاتلة خاصة و لا يشركهم فيه غيرهم» و يظهر من العلامة (قدّس سرّه) في القواعد أن ما ينقل من الغنائم يكون للمقاتلين مطلقا سواء حواه العسكر أو لا يقول (قدّس سرّه) «و الأول- يعني (ما ينقل) إن لم يصح للمسلم تملكه فليس غنيمة، بل ينبغي إتلافه كالخنزير ... إلى أن يقول: و الباقي (أي الباقي بعد صفوة الإمام) للغانمين خاصة سواء حواه العسكر أو لا، و ليس لغيرهم فيه شي‌ء و لا لبعضهم الاختصاص بشي‌ء ...»- قواعد الأحكام 1: 491.

و قد يظهر من بعض التعابير في المتون الفقهية: أن المراد مما لم يحوه العسكر هو خصوص غير المنقول و أما المنقول فيكون للمقاتلين مطلقا و إن لم يحوها العسكر فليس هناك إلّا تقسيم واحد أي المنقول و غير المنقول، قال في الشرائع «الأول غنائم دار الحرب مما حواه العسكر و ما لم يحوه من أرض و غيرها» أي يتعلق بها الخمس مطلقا- الجواهر 16: 5، 6- و العمدة إنما هو البحث عن الأراضي المفتوحة عنوة.

28

..........

____________

(الثاني) ما تكون لعامة المسلمين و لو بسبب قتال بعضهم، و هي الأراضي المفتوحة عنوة، أي المأخوذة بالقهر و الغلبة، و غيرها من الأعيان الغير المنقولة، بل المنقولة مما لم يحوه العسكر على احتمال: و وجوب الخمس في القسم الثاني هو المشهور خالفهم في ذلك صاحب الحدائق (قدّس سرّه) (1) و بعض من تأخر، و منهم سيدنا الاستاذ (دام ظله) (2) فإنهم لم يلتزموا بالخمس في الأراضي الخراجيّة، و إنما خصوه بغنائم المقاتلين- أي الأموال المنقولة، و هو الصحيح كما سيأتي.

ثمرة الخلاف و لا يخفى أن ثمرة الخلاف في ذلك هو أنه على القول بتعلق الخمس بالأراضي الخراجيّة هو جواز تملك رقبة الأرض المفتوحة عنوة فيما لو وجد شي‌ء منها تحت يد مسلم و إن علم بكونها عامرة حال الفتح إذا احتمل انتقالها إليه من سهم الخمس بوجه سائغ بأن كان بإمضاء الإمام (عليه السّلام) أو نائبه.

تحقيق محل البحث إن محل البحث إنما هو الأراضي العامرة حال الفتح، و هي المسمّاة بالأراضي الخراجية التي تكون للمسلمين قاطبة، و أما مواتها فهي من الأنفال توضيح ذلك:

أن الفقهاء (3) قسّموا الأراضي على أربعة أقسام:

____________

(1) الحدائق الناضرة 12: 324.

(2) جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف (قدّس سرّه) «كالأراضى»: «ثبوت الخمس في الأراضي محل إشكال بل منع» مستند العروة (كتاب الخمس): 11- 12.

(3) منهم المحقق الثاني الكركي في رسالة الخراجيات: 40- 49 و يدل عليه مرسلة حماد المروية في التهذيب 4:

128- 130، الحديث 366، و الوسائل 15: 110- 111، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2 باب كيفية قسمة الغنائم و نحوها و 155، الباب 71، الحديث الأول.

29

..........

____________

(أحدها): ما يملك بالاستغنام و يؤخذ قهرا بالسيف، و هو المسمى ب‍ (المفتوح عنوة) و هذه الأراضي تكون للمسلمين قاطبة لا تختص بها المقاتلة عند أصحابنا كافة و هذه إذا كانت عامرة تسمى بالأراضي الخراجية، و أما موات هذه الأراضي حال الفتح فتكون من الأنفال و هي للإمام.

(ثانيها): أرض من أسلم أهلها عليها طوعا من غير قتال و حكمها أن تترك في أيديهم ملكا لهم يتصرفون فيها بما يشاءون (1).

(ثالثها): أرض الصلح و هي: كل أرض صالح أهلها عليها و هي أرض الجزية فيلزم ما يصالحهم الإمام (عليه السّلام) عليه من نصف أو ثلث أو ربع أو غير ذلك، و ليس عليهم شي‌ء سواه، و يصح لهم التصرف فيها بما شاءوا من المعاملات (2).

(رابعها) أرض الأنفال و هي كل أرض انجلى أهلها عنها و تركوها أو كانت لغير مالك فاحييت، و هي للإمام، و له التصرف فيها، و منها موات الأرض المفتوحة عنوة.

و محل البحث إنما هو القسم الأول؛ لأنه من غنائم المسلمين المأخوذة بالسيف و لو بسبب بعضهم، و هم المقاتلون، و أما بقية الأقسام المذكورة، فليست من الغنائم؛ لأنها إما أن تكون لأهلها كالقسم الثاني و الثالث، أي المسلمة أهلها، أو أرض الصلح، أو تكون للإمام كالقسم الرابع، و هو أراضي الأنفال ثم إن المشهور المدعى عليه الإجماع ثبوت الخمس في القسم الأول أي المفتوحة عنوة الأراضي و الضياع و الدور و المساكن، أي غير المنقول من الغنيمة.

____________

(1) يدل عليه رواية صفوان و أحمد بن محمد بن أبي نصر- الوسائل 15: 157، الباب 72، الحديث 1 و 2.

(2) الوسائل 15: 149، الباب 68 من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه.

30

[هل يتعلق الخمس بالأراضي المفتوحة عنوة]

و المنقول و غيره (1) كالأراضى و الأشجار و نحوها

____________

هل يتعلق الخمس بالأراضي المفتوحة عنوة

(1) لا إشكال و لا كلام في تعلق الخمس بالغنائم المنقولة- كما تقدم- و أما غير المنقول كالأراضي الخراجيّة- أي المفتوحة عنوة- فالمشهور تعلق الخمس بها أيضا كما أشرنا، بل عن المدارك (1) دعوى الإجماع عليه و قال العلامة (قدّس سرّه) في القواعد (2) فى كيفية إخراج الخمس منها: «و الثاني (أي من الغنائم): ما لا ينقل يخرج منه الخمس إما بإفراز بعضه، أو بإخراج خمس حاصله، و الباقي للمسلمين قاطبة، لا يختص به الغانمون مثل الأرض، فإن فتحت عنوة فإن كانت محياة فهي للمسلمين قاطبة، لا يختص بها الغانمون، و النظر فيها إلى الإمام ...» و كأنه من المسلمات عندهم.

مقالة صاحب الحدائق (قدّس سرّه) في الأراضي المفتوحة عنوة- و خالف في ذلك صاحب الحدائق (قدّس سرّه) (3).

____________

(1) كما في الجواهر 16: 6- 7، إلى أن قال ....

(2) قواعد الأحكام 1: 492.

(3) الحدائق الناظرة 12: 324، يقول (قدّس سرّه): «ظاهر كلام الأصحاب كما قدمنا نقله: أن الغنيمة التي يجب فيها الخمس هي جميع أموال أهل الحرب، مما ينقل و يحوّل أم لا، حواه العسكر أم لا، و ظاهره دخول الأراضي و الضياع، و الدور، و المساكن و نحوها و لا أعرف على هذا التعميم دليلا سوى ظاهر الآية، فإن الظاهر من الروايات اختصاص ذلك بالأموال المنقولة، و منها صحيحة ربعي (الوسائل 9: 510، الباب الأول من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3). إلى أن قال: و قد تتبعت ما حضرني من كتب الأخبار- كالوافي و الوسائل المشتمل على أخبار الكتب الأربعة و غيرها- فلم أقف فيها على ما يدل على دخول الأرض و نحوها مما قدمناه في الغنيمة التي يتعلق بها الخمس، و لم أقف في شي‌ء منها على وجوب إخراج الخمس منها عينا، و قيمة حتى الأخبار الواردة في تفسير الآية المشار إليها، فإنها ما بين صريح أو ظاهر في تخصيصها بما ينقل و يحول و حينئذ فيمكن تخصيص الآية بما دلت عليه هذه الأخبار مع أن الأخبار الواردة في الأراضي و نحوها بالنسبة إلى المفتوح عنوة إنما دلت على أنها في‌ء للمسلمين من وجد و من سيوجد إلى يوم القيمة، و أن أمرها إلى الإمام (عليه السّلام) يقبلها أو يعمرها و يصرف حاصلها في مصالح المسلمين» انتهى كلامه (قدّس سرّه).

31

..........

____________

و محصّل ما أفاده (قدّس سرّه) في المقام هو أنه لا دليل على ثبوت الخمس في الأراضي إلّا عموم آية الغنيمة، و لكن في مقابلها طائفتان من الأخبار تدلان على اختصاص التخميس بالغنائم المنقولة و بها تخصص الآية الكريمة:

(إحداهما) الروايات الواردة في قسمة الغنائم الحربيّة (1) على المقاتلين بعد التخميس، حيث إن موردها ما عدا الأراضي، فإنها لا تقسم على الغانمين، بل هي ملك لجميع المسلمين إلى يوم القيمة و لا يجوز تقسيمها على المقاتلين خاصة.

(الثانية) الروايات الواردة في أحكام الأراضي الخراجيّة (2) فإنه لا تعرض في شي‌ء منها للخمس مع أنه كان من المناسب ذكره من أحكامها.

إيراد صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و قد أورد عليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (3) و تبعه المحقق الهمداني (قدّس سرّه) في مصباحه (4) أما بالنسبة إلى أخبار تقسيم الغنائم المنقولة فبأنها لا تدل على الحصر و التخصيص بها، و لا دلالة فيها على قصر مورد الخمس بها و أما أخبار اختصاص الأراضي المفتوحة عنوة بالمسلمين فهي لا تأبى عن التقييد بالآية الشريفة و غيرها مما يدل على ثبوت الخمس في مطلق الغنائم.

أقول: لا بدّ من التكلم في مرحلتين:

(الأولى): فيما يمكن الاستدلال به على ثبوت الخمس في مطلق الغنائم حتى غير المنقول كالأراضي المفتوحة عنوة.

____________

(1) الوسائل 9: 409، الباب الأول من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3 و غيره في نفس الباب. و 15: 110، الباب 41 من أبواب كيفية قسمة الغنائم، الحديث 2.

(2) الوسائل 15: 157، الباب 72، أحكام الأرضين، و 19 في الأبواب 10، 17، 18، 19 من أبواب أحكام المزارعة، و 25: 435، الباب 18 من أبواب احياء الموت.

(3) جواهر الكلام 16: 8- 9.

(4) مصباح الفقيه 14: 11، كتاب الخمس.

32

..........

____________

(الثانية): في إمكان تخصيصها بالروايات التي يقال بدلالتها على التخصيص بالغنائم المنقولة.

أما المرحلة الأولى فقد استدل على العموم بعد حكاية الإجماع (1) الممنوع صغرى و حجّية في أمثال المقام- بعموم الموصول في آية الغنيمة، قوله تعالى: «فاعلموا أن ما غنمتم ...»‌

المبيّن بقوله تعالى «من شي‌ء» المفيد للشمول لكل شي‌ء حتى الأراضي المفتوحة عنوة، لصدق الغنيمة عليها أيضا، كالأموال المنقولة؛ لأن المفروض أنها مأخوذة بالسيف و الغلبة.

المناقشات و قد نوقش في شمول الآية الكريمة للأراضي بوجوه:

المناقشة الاولى دعوى: اختصاصها بالغنائم المنقولة، و ذلك لتبادر تقسيم الباقي (أي الأربعة الأخماس) على المقاتلين، و لا يكون ذلك إلّا في الغنائم المنقولة؛ لأن الأراضي لا تقسم على أحد، بل تبقى لكافة المسلمين يصرف خراجها في مصالحهم طول الدهر، فتكون خارجة عن عموم‌

الموصول في «ما غنمتم» لا محالة.

(و يدفعها): أن هذا الاحتمال ينافي ما هو التحقيق من شمول الآية الكريمة للمسلمين كافة، و لكل فائدة سواء أ كانت غنائم حربية، أم غيرها من الفوائد- كما يأتي- في بيان شمولها لأرباح المكاسب. فلا بد من التحفظ على عمومها‌

____________

(1) لاحظ كتاب الخلاف 2: 116، كتاب الفي‌ء، و قسمة الأخماس مسألة 18، و المدارك 5: 360، و الجواهر 16: 6.

و لا يخفى: أنه لم يتضح مرادهم من دعوى الإجماع على تعلق الخمس بالأراضي المفتوحة عنوة بخصوصها، بل من المحتمل أنهم يريدون دعوى الإجماع على تعلق الخمس بأصل الغنيمة في الجملة، فلاحظ.

33

..........

____________

من حيث شمولها لعموم المسلمين، سواء المقاتلين الذين يستولون على غنيمة حربيّة، أم غيرهم ممن يكسبون أرباحا تجارية، كما هو المختار فيها، إذ هو مقتضى عموم الخطاب في «غنمتم» لشموله لعموم المسلمين، و لا موجب لتخصيصها بالمقاتلين، بل هم أحد مصاديق الآية الكريمة، و إن كانوا سببا لاغتنام الأراضي لعموم المسلمين، فهم المقاتلون، و تكون الأراضي للعموم و من هنا يظهر ضعف ما نسب إلى السيد البروجردي (قدّس سرّه) من «أن الخطاب بالخمس في الآية الكريمة إنما يختص بمن حضر الحرب، و جاهد، و اغتنم، و الأراضي ليست غنيمة، و فائدة عائدة إليهم، كما هو المفروض، بل هي غنيمة للإسلام و عنوان المسلمين، و الخطاب في قوله تعالى «غنمتم» للأشخاص المقاتلين، لا الحيثيات و العناوين» (1).

وجه الضعف أولا: أن تخصيص الخطاب بالمقاتلين ينافي ما ذهبوا إليه من شمول الآية الكريمة لأرباح المكاسب التي تعود إلى كافة المؤمنين.

و ثانيا: أنه لا موجب للتخصيص بالمقاتلين لإمكان توجه الخطاب إلى آحاد المسلمين الحاضرين و من سيوجد بعد ذلك، دون العناوين و الحيثيات، كما في كثير من الخطابات القرآنيّة كقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا» و نحو ذلك فلا محذور في توجه الخطاب في ضمير «غنمتم» إلى كافة المسلمين، و كان سبب ملكيتهم للأراضي إسلامهم بضميمة قتال بعضهم‌

الموجب للاستيلاء عليها.

المناقشة الثانية: أن عنوان الغنيمة لا يصدق إلّا بالاستيلاء الحربى، و بتعبير آخر: يتوقف صدقها على أمرين «الأول» الاستيلاء المملك، لا مجرد الأخذ و الاستيلاء الخارجي «الثاني» الغلبة بالمقاتلة و لم يتحقق شي‌ء منهما بالنسبة إلى الأراضي لسائر المسلمين.

____________

(1) كتاب الخمس و الأنفال: 20 نقلا عن تقريرات بحثه (قدّس سرّه).

34

..........

____________

(و تندفع): بما ذكرناه آنفا في ردّ المناقشة الأولى من عدم اختصاص مفهوم الغنيمة بذلك، بل هي بمعنى مطلق الفائدة، فلا محذور في دخول المسلمين المالكين للأراضي الخراجية في عموم اللفظ من هذه الناحية، كما دخلوا في عموم الخطاب و لو كان السبب جمع منهم.

المناقشة الثالثة: ما قيل من أن ظاهر الآية أن موضوع الخمس ما يكون غنيمة- و لو بمعنى الفائدة- للأشخاص الحقيقيّين من المسلمين، لا لعنوان المسلمين بما هو شخصيّته حقوقية اعتبارية؛ لأن هذا هو مدلول الضمير في (غنمتم) إذ جهة المسلمين و عنوانهم الاعتباري ليس مسلما و مرجعا للضمير بالحمل الشائع، و بعبارة أخرى: أن ظاهر إضافة ملكية شي‌ء إلى جماعة، أو إلى الضمير الراجع إليهم- كما في الآية الكريمة- إرادة الملك الشخصي لهم، و لو على نحو الإشاعة، و أما ما كان ملكا لهم على جهة العنوان الكلي، فلا تشمله الإضافة المذكورة، و قد ثبت في بحث الأراضي الخراجيّة ملكية الأراضي لعنوان الكلي المسلم المعبّر عنه بالشخصيّة الحقوقية، دون ملكية الأفراد و لو على نحو الإشاعة و لعل هذا هو مراد السيد البروجردي (قدّس سرّه) في ذيل العبارة المحكية عنه من قوله (قدّس سرّه) «و الخطاب في قوله تعالى للأشخاص المقاتلين لا الحيثيات و العناوين» (1).

و تندفع: أولا بالنقض بنفس المقاتلين الغانمين؛ لأن ملكيّتهم للغنيمة لا تكون إلّا بالعنوان الكلي، و هو عنوان «المقاتل» فإن المالك للغنيمة الحربيّة قبل القسمة إنما هو هذا العنوان على نحو الكلي، دون أشخاصهم، و إنما يملكون السهام بأشخاصهم بعد القسمة و وصول حصة كل واحد منهم بيده، فالمالك قبل القسمة هو الشخصية الحقوقية، و هو عنوان المقاتل و بعبارة أخرى: أن الخطاب للمقاتلين بتخميس‌

____________

(1) كتاب الخمس و الأنفال: 20.

35

..........

____________

الغنائم إنما هو قبل القسمة أي في حال ملكيتهم لها على الوجه الكلي، و إلّا فبعد القسمة لا خمس عليهم لإخراجه قبلها بواسطة أمير الجيش إذ هو يأخذ الخمس ثم يقسم الباقي على المقاتلين، فإذا صح إضافة الغنيمة إلى المقاتلين بلحاظ العنوان الكلي و الحيثية أي الشخصيّة الحقوقية فلتكن إضافتها إلى سائر المسلمين بالنسبة إلى الأراضي أيضا كذلك؛ لأن المفروض شمول الغنيمة لمطلق الفائدة، و شمول الخطاب لعموم المسلمين.

و ثانيا: لا مانع من إضافة الملك إلى عنوان المسلم فيقال «ملك المسلم» «غنيمة المسلم» و نحو ذلك، كما يقال: ملك زيد، فإنه يكفي في الإضافة أدنى المناسبات فضلا عن الملكية و لا موجب لدعوى الظهور في الأشخاص الحقيقية إلّا من ناحية الخطاب في غنمتم و لا محذور في توجه الخطاب إلى الأشخاص باعتبار كونهم مصاديق العنوان المالك المنطبق عليهم، إذ يصح أن يخاطب أفراد الفقراء- مثلا- و يقال لهم: «أنتم تملكون الزكاة» أو يقال:

«زكاتكم كذا مقدار» من دون أي عناية مجازية، فإن مالكية الجامع الانتزاعي مما لا يتبادر إلى الأذهان العامة إلّا بدقة و تأمل، فإن المرتكز في الأذهان هو مالكية الأفراد و لو باعتبار كونهم مصاديق لعنوان كلي، و عليه ينزل الخطابات الشرعية.

نعم: تنكشف هذه العناية في الخطاب بدليل خارج، و المفروض دلالة أخبار الأراضي الخراجية على مالكية عنوان المسلم، لا أفرادهم، فالآية الكريمة تعمهم، و تلك الأخبار تكون قرينة على كيفية الشمول، لصدق الغانمين عليهم أيضا و لو كان السبب بعضهم، و هم المجاهدون حيث إنهم السبب لاستيلاء عامة المسلمين على أراضي الكفار، و تملكهم لها، فلاحظ.

36

..........

____________

المناقشة الرابعة: ما جاء في تقريرات (1) بحث سيدنا الاستاذ (دام ظلّه) من قوله: «بل يمكن أن يقال بعدم إطلاق للآية المباركة بالإضافة إلى غير المنقول، فإن (الغنيمة) هي الفائدة العائدة للغانم بما هو غانم، و عليه فتختص بما يقسم بين المقاتلين، و هي الغنائم المنقولة، و أما الأراضي المحكوم عليها بأنها ملك لعامة المسلمين فلا تعدّ غنيمة للغانم، و المقاتل- بما هو كذلك و إن استفاد منها بما أنه فرد من آحاد المسلمين فلا تختص به، و لا مدخل لوصفه العنواني في الانتفاع بها لتتصف بكونها غنيمة له- كما لا يخفى- فالإطلاق إذا ساقط من أصله، و معه لا دليل على وجوب الخمس في غير المنقول».

أقول: إن كان مراده (قدّس سرّه) أن «الغنيمة» عبارة عما يملكه المقاتل بما هو كذلك فلا تشمل الأراضي الخراجية حينئذ لعدم ملكية المقاتلين لها بما هم مقاتلون و إن ملكوها بما هم مسلمون- لزم اختصاص الآية بالغنائم الحربية، و هذا خلاف ما ذهب إليه في بحث خمس أرباح المكاسب من شمولها لمطلق الفائدة، كما هو خلاف التحقيق أيضا.

و إن كان مراده (دام ظلّه) أن «الغنيمة» هي ما يملكه الشخص بما هو غانم لها و فائز بها، أي مطلق الفائدة، فتشمل الآية الكريمة الأراضي الخراجية؛ لأن المسلمين يملكونها و لو بسبب قتال بعضهم، و أي فائدة غير مكتسبة أحسن من ذلك، فإن القتال يكون على عهدة بعض المسلمين، و هم المجاهدون، و تكون نتيجة قتالهم ملكية عموم المسلمين للأراضي المفتوحة عنوة، فعموم الآية تعم المقاتلين و غيرهم، كما تعم التجار المكتسبين للأرباح و الفوائد التجارية على الفرض، فليكن عموم المسلمين داخلين في الآية الكريمة أيضا باعتبار ملكيتهم للأراضي الخراجية، لصدق الفائدة بالنسبة إليهم و لو بجهد المقاتلين منهم خاصة.

____________

(1) مستند العروة (كتاب الخمس): 12.

37

..........

____________

المناقشة الخامسة: هي ما أفاده (دام ظلّه) (1) أيضا من أن الخمس لا يتعلق بملكية العنوان الكلي، كالأوقاف العامة التي تكون ملكا للجهة، أو العنوان العام، كالفقير، و حيث إن الأراضي الخراجية تكون ملكا لعنوان كلي المسلم لا يتعلق بها الخمس، و قال (قدّس سرّه) و المشهور أنما ذهبوا إلى التخميس في الأراضي الخراجية زعما منهم أنها غنيمة للمقاتلين، لا باعتبار كونها غنيمة لعامة المسلمين.

و استدل على التحديد المذكور بوجهين:

(الأول): اختصاص أدلة الخمس بالملك الشخصي، لا الكلي.

(الثاني) اختصاص ما دل على أن الخمس بعد المئونة بالأموال الشخصية، فإنها التي تصرف المئونة في تحصيلها، إذ لا معنى لإخراج المئونة فيما يكون المالك هو العنوان الكلي العام؛ لعدم كونه ممن يصرف المئونة في سبيل تحصيل الغنيمة، كما هو ظاهر.

أقول: يمكن المناقشة في (الوجه الأول) بأنه لا موجب لتخصص أدلة التخميس بالأشخاص، إذ لا محذور في تعلق الخمس بالأموال العامة على نحو الحكم الوضعي، فيقال: إن الشارع كما جعل الأراضي الخراجية ملكا للمسلمين جعل خمسها لأهل الخمس، و أي مانع في هذا التقسيم الإلهي، و المالك في كلا الطرفين هو العنوان الكلي فإن المالك للخمس هو الإمام على نحو المنصب الكلي و الفقير من السادة كذلك، و المالك للباقي من الأرض عنوان المسلم الكلي، فإن باب التشريع مفتوح لا ينسد على العناوين الكلية و لا نرى منعا في إضافة الفائدة و الغنيمة و الملكية إلى العنوان الكلي فنقول فائدة المسلم غنيمة المسلم و نحو ذلك.

____________

(1) مستند العروة (كتاب الخمس): 14.

38

..........

____________

و أما الوجه الثاني (ففيه) أيضا أنه لا موجب لتخصيص مئونة التحصيل بالأموال الشخصيّة؛ لأنه لو احتاج تحصيل الأموال العامة إلى مئونة تصدى لصرفها من له الولاية عليها، فيكون الخمس بعد صرفها، و لو سلم اختصاص أدلتها بالأموال الشخصيّة، فلا نسلم تخصيص أدلة الخمس بها، إذ لا ملازمة بين الأمرين، فليكن تعلق الخمس بالأموال الشخصيّة مشروطا باستثناء المئونة، دون الأموال العامة.

فتحصل: أن هذا الوجه أيضا لا يوجب خروج الأراضي الخراجية عن عموم الآية الكريمة.

المناقشة السادسة: دعوى انصراف الآية الكريمة عن الأموال العامة- كالأراضي الخراجيّة- بدعوى: أن الخمس يكون كالضريبة المجعولة على المال، و الارتكاز العرفي تمنع عن جعل الضرائب على الأموال العامة التي تشترك مع الضريبة في الصرف على المصالح العامة، و من هنا يمكن دعوى وجود قرينة ارتكازية صارفة للآية الكريمة عن شمولها للأراضي الخراجية التي هي كالموقوفات العامة تصرف على المصالح العامة، فتختص الآية الكريمة بالأموال الشخصيّة، دون الأموال العامة (1).

و يمكن الجواب: أولا: بأنه لا موجب لجعل الخمس و الزكاة من الضرائب على أموال الناس لعدم ورودهما على أموال الناس، بل هما ملك لأربابهما من الأول، و من دون سبق ملكية الناس لمقدارهما، كي يخرجان عن ملكهم، لتعلقها بالأموال ابتداء من الأول إما على نحو الشركة أو ما يقرب منها، فإنه تعالى تفضّل على عباده، و رزقهم من ثمرات الأرض، و هيأ لهم أسبابها ثم قسّم منافعها بينهم،

____________

(1) كتاب الخمس و الأنفال: 20.

39

..........

____________

و جعل قسما منها للفقراء، لا سيما في مثل الخمس و الزكاة الذين هما من التكاليف المالية العبادية، تقربا إليه تعالى، و شكرا لأداء نعمه فيما زاد عليهما، فالشركة الربّانية ليست ضريبة، و إنما هي أداء لحق اللّه في الأموال بعد أن كان الكل له تعالى، فهو أداء لحق الغير؛ لأن في أموالهم حق للسائل و المحروم، و أداء حق الغير لا يكون ضريبة، و أخذا من المالك؛ لعدم وروده على ملك أحد، بل كان على نحو الشركة من حين الحدوث.

و يؤيد ذلك اختلاف الخمس مع الأراضي الخراجية في المصرف، فإن الخمس يكون نصفه للإمام يصرفه في مصالح الإمامة باعتبار كونه رئيسا للدولة الإسلامية، و النصف الآخر يصرفه في السادة الفقراء، و أما ثمرات الأراضي الخراجية، فتصرف في مصالح عامة المسلمين باعتبار أنهم الأمة الإسلاميّة، فيصرف في بناء القناطر و الجسور، و المستشفيات، و الجيش، و سد الثغور و نحو ذلك، و هذه غير تلك كما هو واضح- و من هنا جعل عليها الزكاة كما في الروايات (1) فلا ضريبة و لا لغوية في جعل الخمس في الأراضي العامة، و لما ذا لم يتضح هذه اللغوية عند جمهور الأصحاب قبل صاحب الحدائق (قدّس سرّه) و هذه المناقشة تكون أشبه بالاستحسان.

و من هنا يمكن دعوى الفرق بين الأنفال و الأوقاف العامة و نحوها من الأموال العامة التي اتفقوا على عدم الخمس فيها، و بين الأراضي الخراجية التي ذهب المشهور إلى تعلق الخمس بها، وجه الفرق هو صدق الغنيمة على الأراضي المأخوذة من الكفار عنوة و بالحرب و لو بواسطة جهاد المقاتلين، و عدم صدقها على الأنفال، و مثلها مما لا تعد غنيمة عرفا، لا سيما في الأنفال‌

____________

(1) الوسائل 15: 157 في الباب 72 من جهاد العدو.

40

..........

____________

التي هي نوع ملكية ضعيفة ترجع إلى منصب الإمامة، فإن أدلة الغنيمة منصرفة عنها، كما أشار إليه المحقق العراقي (قدّس سرّه) في شرح التبصرة (1).

فتحصل مما ذكرناه إلى هنا أنه لم يتضح وجه مقبول لدعوى انصراف الآية الكريمة عن الأراضي الخراجيّة في التخميس و من هنا قد أصرّ صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (2) على تعلق الخمس بالأراضي اكتفاء بعموم الآية الكريمة، و نحوها من الأخبار الدالة على ثبوت الخمس في مطلق الغنيمة ردا على صاحب الحدائق (قدّس سرّه).

المرحلة الثانية في تخصيص آية الخمس بعد أن اعترف صاحب الحدائق (قدّس سرّه) (3) بشمول آية الخمس لمطلق الغنيمة حتى الأراضي الخراجية، كصاحب الجواهر (قدّس سرّه) إلّا أنه أخرج الأراضي الخراجيّة بالتخصيص، و جعل المخصص ثلاث طوائف من الأخبار.

المخصّص الأول

(الطائفة الأولى) و هي عبارة عن الروايات الواردة في قسمة الخمس أخماسا أو أسداسا، و إعطاء كل ذي حق حقه، فإنها المنقولة من غير تعرض فيها للأراضي و الضياع، و الدور و نحوها.

كصحيح ربعي بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه، و كان ذلك له، ثم يقسّم ما بقي خمسة أخماس، و يأخذ خمسه، ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه ...» (4).

____________

(1) شرح تبصرة المتعلمين 3: 173.

(2) الجواهر 16: 8- 9 و تبعه في إثبات العموم السيد الحكيم (قدّس سرّه) في المستمسك 9: 444 إلّا أنه التزم بلزوم تخصيصها بأدلة الأراضي الخراجيّة كما ذكرنا في الشرح.

(3) الحدائق الناضرة 12: 325.

(4) الوسائل 9: 510، الباب الأول من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.

41

..........

____________

و نحوها غيرها (1) من الأحاديث الدالة على قسمة الخمس أخماسا، أو أسداسا، و إعطاء كل ذي حق حقه.

إيراد صاحب الجواهر و قد أورد عليه في الجواهر (2)- و تبعه غيره (3)- قائلا: «و من العجيب دعواه ظهور سائرا الأخبار في قصر الحكم على ذلك، مع أنا لم نقف على خبر منها كذلك، نعم ظاهر بعضها الوارد في كيفية القسمة غير الأرض، لكن لا على جهة الحصر و التخصيص».

و حاصله: أنه لا دلالة لأخبار قسمة الخمس على اختصاصه بغير المنقول، و إنما تدل على قسمة المنقول كذلك، أي يعطى خمسه، لأهله، و الباقي يقسّم بين المقاتلين، فتكون ساكتة عن حكم غير المنقول خمسا و قسمة، فإن الموضوع في صحيحة ربعي المتقدمة التي استشهد بها في الحدائق (4) إنما هو المغنم المأتي به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا يتحقق الإتيان إليه (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا في الغنائم المنقولة، دون الأراضي، فإنه لا يعقل فيها ذلك، فهي خارجة عن موضوع الرواية نعم في بعضها وقع السؤال عن حكم مطلق الغنيمة، و ما يصنع بها، فأجاب (عليه السّلام) بالتخميس و تقسيم الباقي بين المقاتلين.

كصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن الغنيمة فقال:

«يخرج منها خمس للّه، و خمس للرسول، و ما بقي قسم بين من قاتل عليه، و ولى ذلك» (5).

____________

(1) كصحيح ابن عتبة، و صحيح هشام بن سالم.- الوسائل 10: 110، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3 و 4.

(2) الجواهر 16: 8.

(3) المستمسك 9: 444، و مستند العروة (كتاب الخمس): 12، و مصباح الفقيه 14: 11.

(4) الحدائق 12: 324.

(5) الوسائل 15: 112، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5.

42

..........

____________

فإنها تدل على أن الغنيمة التي تخمّس و يقسم الباقي منها بين المقاتلين إنما هي الغنائم المنقولة، و أما الأراضي فلا يجرى فيها ذلك، فالسكوت عنها في الجواب، مع عموم السؤال عن حكم مطلق الغنيمة لعلّه يدل على تخصيص الخمس بالمنقول، و نحوها صحيحة ابن عتبة (1) فإن السؤال فيها أيضا عن مطلق الغنيمة، و لكن الجواب يختص بالغنائم المنقولة تخميسا و تقسيما للباقي من دون ذكر للأراضي.

أقول: لو كان السؤال في هذه الروايات عن مطلق الغنيمة، دون خصوص المنقول لزم الجواب عن الأراضي أيضا، و لو بلزوم إبقائها لعامة المسلمين من دون تخميس و تقسيم على أحد، كما في بعض الروايات الاخر (2) الدالة على أنها للمسلمين، و أنه ليس لمن قاتل شي‌ء من الأرضين، فعليه يمكن أن يقال:

باختصاص السؤال فيها بغنائم المقاتلين، دون الأعم منها، و من غنائم المسلمين، فإن الأراضي ليست غنيمة للمقاتلين بما هم كذلك، فإنها للمسلمين كافة، فعليه لا تعرض في هذه الروايات للأراضي سؤالا و جوابا، فليس هناك إطلاق مقامي يتمسك به بعد فرض عدم وقوع السؤال إلّا عن خصوص غنائم المقاتلين كما يظهر ذلك من رواية ابن عتبة (3) حيث إنه وقع السؤال فيها عن الغنيمة بعد القتال.

و كيف كان فلم يتضح من روايات تقسيم الغنائم اختصاص التخميس بالمنقول، كما ذهب إليه في الحدائق (4) بل غايتها الدلالة على اختصاص التخميس بضميمة تقسيم الباقي على المقاتلين به، و أما التخميس و إبقاء الباقي لعامة المسلمين- كما في الأراضي- فهذه الروايات ساكتة عنه، و لا مفهوم لها بالنسبة إليها، حتى تصلح لتخصيص الآية الكريمة.

____________

(1) المصدر السابق: 111، الحديث 3.

(2) كما في مرسلة حماد- الوسائل 15: 110، الباب 41 من أبواب كيفية قسمة الغنائم، الحديث 2.

(3) المصدر المتقدم، الحديث 3.

(4) الحدائق الناضرة 12: 324- 325.

43

..........

____________

المخصص الثاني

(الطائفة الثانية) من الروايات التي استدل بها صاحب الحدائق (قدّس سرّه) (1) على تخصيص آية الخمس بالمنقول هي الروايات الدالة على أن الأراضي الخراجية تكون ملكا للمسلمين، و تبعه غيره (2) و ظاهرها من هذه الناحية أنه ليس لأحد فيها حق، فتكون مخصصة لآية الخمس.

منها: معتبرة أبي بردة قال (عليه السّلام) فيها: «و من يبيع ذلك! هي أرض المسلمين» (3).

و هذا بعد السؤال عن حكم شرائها.

إيراد صاحب الجواهر و قد أورد عليه في الجواهر بأنها قابلة للتقييد بآية الخمس، حيث يقول: «إن الأخبار الواردة في المفتوحة عنوة، و أنها ملك للمسلمين، و كيفية خراجها لا تأبى التقييد بما هنا من كون ذلك بعد الخمس كما صرح به الشيخ في النهاية ...» (4).

و قد تبعه على ذلك المحقق الهمداني (قدّس سرّه) في مصباحه (5).

رفع الإيراد و قد أجابه سيدنا الاستاذ (دام ظله) بلزوم تقييد الآية بهذه الأخبار، لا العكس؛ لأن النسبة بين أخبار الأراضي الخراجيّة، و آية الغنيمة نسبة الخاص إلى العام، فلا مجال لتقييدها بالآية الكريمة، بل لا بد من العكس، أعني تخصيص الآية الكريمة‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 12: 325.

(2) المستمسك 9: 444.

(3) الوسائل 15: 155، الباب 71 من جهاد العدو، الحديث الأول. و نحوها صحيح الحلبي- الوسائل 17: 369، الباب 21، الحديث 4. قال فيها «هو لجميع المسلمين» أي الأراضي المفتوحة عنوة. و نحوها معتبرة أبي الربيع- نفس المصدر، الحديث 5.

(4) جواهر الكلام 16: 9- 8.

(5) مصباح الفقيه 14: 11، كتاب الزكاة و الخمس.

44

..........

____________

بالأخبار المذكورة؛ لأن إطلاق الخاص مقدم على عموم العام، فإن موضوع الآية و إن كان عموم الغنائم المنقول و غير المنقول و موضوع الروايات المذكورة خصوص الغنائم غير المنقولة، و لكن مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين خمسها و الزائد عليه، فإنها للمسلمين بتمامها، كما هو مفاد تلك الروايات، فتقدم على عموم العام، كما هو الحال في أمثال المقام (1).

مقالة المحقق العراقي (قدّس سرّه) و قد أنكر المحقق العراقي (قدّس سرّه) (2) أصل وجود المعارضة بين آية الخمس، و روايات الأراضي الخراجيّة رأسا، كي يجب تخصيص تلك بهذه كما عليه صاحب الحدائق (قدّس سرّه) أو العكس، كما عليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و التزم بعدم المنافاة بينهما رأسا، بدعوى (3) أن نسبة أدلة الأراضي الخراجيّة إلى ما دل على وجوب الخمس في مطلق الغنيمة- كالآية الكريمة- كنسبة ما تكفل لبيان الموضوع و حكمه؛ لأن الخمس إنما يكون بعد الملك لشخص أو جماعة خاصة، و روايات الأراضي تدل على أن أرض الخراج- التي هي من الغنائم غير المنقولة- ملك لعامة المسلمين، و دليل التخميس يدل على لزوم خروج الخمس من ملكهم، فلا تعارض في البين (4) فيجب تخميس الأراضي الخراجيّة.

____________

(1) كما إذا قال المولى «أكرم كل عالم» و قال أيضا «لا تكرم الفاسق منهم» فإن إطلاق الفاسق يشمل الشيخ و الشاب، فيتقدم على عموم «كل عالم».

(2) في شرحه على التبصرة 3: 173، كتاب الخمس.

(3) قال (قدّس سرّه) في شرح التبصرة 3: 172 بعد الإشارة إلى عمومات أدلة الخمس و شمولها للأراضي الخراجيّة: «و لا يعارضها إطلاق ما دل على أنها للمسلمين، إذ نسبة هذا الدليل بالإضافة إلى دليل الخمس كنسبة ما تكفل لبيان الموضوع و حكمه، و أن مثل هذا الخمس- كالزكاة و سائر الأخماس- واردة على ملك طائفة خاصة».

(4) و هذا نظير ما إذا ورد دليل على وجوب الإنفاق على الزوجة، و دل دليل آخر على أن العقد على امرأة توجب زوجيّتها للرجل.

45

..........

____________

الجواب عنه أقول لا يمكن المساعدة على مقالته (قدّس سرّه) و ذلك لعدم ورود الخمس و الزكاة على ملك الغير على وجه الاستملاك كي تكون نسبة آية الخمس إلى دليل الأرض الخراجيّة نسبة الحكم إلى موضوعه بل ظاهر أدلتهما ثبوتهما في الأموال من الأول على نحو الشركة في العين أو نحو ذلك، فتكون حصة من الأموال التي بيد المسلمين لله و رسوله و للمستحقين من دون أن تدخل في ملكهم، ثم يخرج بالاستملاك منهم، فإن خمس المال للّه و رسوله و قبيلهما من الأول أي من حين حصول الغنيمة في يد المسلمين، و عليه تقع المعارضة بين دليله، و دليل الأرض الخراجية الدالة على أنها بتمامها ملك للمسلمين بالفعل، سواء خمسها أو الزائد عليه. نعم لو كان دليل الخمس دالا على جواز استملاك خمس الغنيمة بعد أن كانت بتمامها للمسلمين لم تكن معارضة بينهما، لعدم المنافاة بين الملك الفعلي، و جواز إخراجه عن ملك مالكه، إلّا أن أدلة الخمس إنما تدل على عدم ملكية الخمس لصاحب الغنيمة من الأول، كما أنه ترتفع المعارضة أيضا فيما إذا لم يكن مفاد روايات الأراضي الخراجية ملكية تمامها للمسلمين بأن كانت دالة على كونها غنيمة لهم و فائدة في أيديهم و إن لم تكن بتمامها ملكا لهم، فإنه لا معارضة حينئذ أيضا، لدلالة أدلة الخمس على عدم ملكية خمسها للمسلمين و إن كانت غنيمة لهم، لأن مفهوم الغنيمة هي مطلق الفائدة العائدة إلى الشخص و إن لم تكن ملكا له بالفعل، كما هو الحال في سائر موارد الخمس، لصدق الغنيمة على مجموع الفائدة، و إن كان خمسها ملكا لأربابه، و أربعة أخماسها ملكا للمستفيد، فتكون الغنيمة بمعنى الاستيلاء أو الملكية الشأنية، أو الجامع بينهما و بين الفعلية، فتأمل.

46

..........

____________

المعارضة بالعموم من وجه و قد يشكل على القول بلزوم تخصيص الآية الكريمة بروايات الأراضي الخراجية- كما هو خيرة الحدائق- بأن النسبة بينهما العموم من وجه لا المطلق فلا يمكن التخصيص و ذلك بدعوى أن الآية الكريمة تعم المنقول و غيره، و تختص بالخمس، كما أن نصوص الخراج تختص بغير المنقول و تعم مقدار الخمس و الزائد عليه، لدلالتها على أن جميع الأرض ملك للمسلمين فيتعارض الدليلان في مورد الاجتماع، و هو خمس الأراضي فإن مقتضى عموم الآية أنه لأهل الخمس، و مقتضى تلك النصوص أنه ملك للمسلمين، و حيث إنه لا ترجيح في البين فيتساقط الطرفان و يرجع إلى أصالة البراءة من الخمس في الأراضي المذكورة.

و قد أورد سيدنا الاستاذ (دام ظلّه) (1) على نفسه بعد تسليم المعارضة بالعموم من وجه بأنه لو تساقط الدليلان فبما ذا نحكم بعدئذ بأن مقدار الخمس ملك للمسلمين و قد سقط دليله بالمعارضة فأجاب بأن الخمس ينتقل إلى مستحقه من المالك، فإذا كان دليله معارضا و ساقطا بها، فالمال يبقى على ملك مالكه.

و يمكن المناقشة فيه: أولا: بأنه لو سلم كون المعارضة بالعموم من وجه لزم تقديم الآية الكريمة؛ لأقوائية ظهورها في العموم لقوله تعالى «من شي‌ء» فإنه صريح في العموم، و أما دلالة روايات الأراضي الخراجية على ملكية خمسها للمسلمين تكون بالإطلاق، و من المعلوم تقدم العموم اللفظي على الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، فلاحظ:

معتبرة أبي بردة، قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): «كيف ترى في شراء أرض الخراج قال: و من يبيع ذلك! هي أرض المسلمين ...» (2).

____________

(1) مستند العروة (كتاب الخمس): 13.

(2) الوسائل 15: 155، الباب 71 من أبواب جهاد العدو، الحديث الأول.

47

..........

____________

و صحيح البزنطي (في حديث): «و ما أخذ بالسيف فذلك إلى الإمام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر ...» (1).

فإن شمول هذه الروايات و نحوها (2) لخمس الأراضي الخراجية يكون بالإطلاق، فيقدم عليه عموم آية الغنيمة و ثانيا لو سلم المعارضة و تساقط الطرفين فلا مجال للقول بأن مقدار الخمس ملك للمسلمين؛ لأن مفاد أدلة الخمس تعلقه بالمال ابتداء و من أول الأمر، لا في طول ملك الأشخاص، فإن مفادها ليس استملاك مقدار الخمس بعد كونه ملكا للمالك، و إنما هو الشركة في المال بمقدار الخمس من الأول، لتعلقه بالعين على نحو الشركة،

فلو فرضنا سقوط دليل ملكية مقدار الخمس للمسلمين بمعارضة دليل الخمس لها فلا مجال للقول ببقائه على ملك المسلمين حتى عن طريق الاستصحاب، لعدم العلم بملكيته لهم من الأول، بل مقتضى الأصل عدمها لهم، كما أن ادلة الخمس لا تشمله لنفس المعارضة، و عليه لا يمكن إجراء حكم شي‌ء من الطرفين (أحكام الخمس و أحكام أرض الخراج) فيكون أمره بيد الحاكم، و لعلّه من باب مجهول المالك، لتردده بين ملكية أهل الخمس، و ملكية المسلمين، فتدبر.

____________

(1) الوسائل 15: 158، الباب 72، الحديث 2.

(2) كصحيح الحلبي قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) «عن السواد ما منزلته فقال: هو لجميع المسلمين ...». الوسائل 17:

369، الباب 21 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث 4.

و معتبرة أبي الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «لا تشتر من أرض السواد شيئا إلّا من كانت له ذمة: فإنما هو في‌ء للمسلمين» الوسائل السابق، الحديث 5.

و رواية محمد بن شريح، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن شراء الأرض من أرض الخراج، فكرهه، و قال: إنما أرض الخراج للمسلمين ...»- الوسائل السابق: 370، الحديث 9.

و مرسلة حماد (في حديث) قال (عليه السّلام) «... و الأرضون التي اخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها و يحييها ...»

- الوسائل 15: 110، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.

48

..........

____________

تحقيق النسبة و الصحيح في المقام أن يقال: إن النسبة بين الطرفين إنما هي بالعموم و الخصوص المطلق، لا من وجه، لأخصيّة روايات الخراج عن آية الغنيمة مطلقا، و ذلك لأن العبرة في تعيين النسبة بين طرفي المعارضة إنما هي بتعيين الموضوع في كل من القضيتين، فإن جعلنا الموضوع في الآية و غيرها من أدلة الخمس نفس الخمس كانت النسبة العموم من وجه- كما توهم- كما إذا قلنا:- مثلا- «خمس الغنيمة لأهله» و قلنا في مقابل ذاك «الأرض المغنومة ملك للمسلمين» لأن النسبة حينئذ تلحظ بين الخمس و الأرض و هي العموم من وجه؛ لأن الخمس أعم من خمس الأرض و غيرها، و الأرض المغنومة أعم من مقدار الخمس و الزائد عليه، فتقع المعارضة في خمس الأرض لا محالة، و لكن ملاحظة الآية الكريمة و غيرها من أدلة الخمس تدلنا على أن الموضوع عنوان الغنيمة و الفائدة و إنما حكمها أنها تقسم بين المالك و أهل الخمس، فيكون خمسها لأهل الخمس و الباقي للمالك، إذ يقول تعالى «و اعلموا أنما غنمتم من شي‌ء فإن للّه خمسه ...»‌

فالموضوع هو الغنيمة و إنها تكون بين اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) و بينكم على نحو الشركة في الخمس من الأول، فتكون الآية الكريمة نظير قول القائل: «ما تركه الميت فثمنه لزوجته و الباقي لورثته» فإن المستفاد من هذه الجملة أن موضوع الحكم إنما هو تركه الميت لا ثمن الزوجة و حكم التركة أنها تقسم بين الزوجة و الورثة و بالجملة لا ينبغي التشكيك في أن النسبة بين الطرفين فيما نحن فيه العموم المطلق، فإن موضوع آية الغنيمة مطلق الغنائم- المنقول و غيره- و موضوع روايات الخراج خصوص الأرض المغنومة و المفروض المختار في مفاد الآية هو عموم الفائدة، و توجه الخطاب إلى عموم المسلمين، فلا يفرق في ذلك‌

49

..........

____________

بين أن نقول بأن الأراضي الخراجية غنيمة للمقاتلين، أو لعموم المسلمين، فإن الآية الكريمة- على كلا التقديرين- تشمل الأراضي الخراجيّة بالعموم، فتخصص بالروايات الدالة على أن تمامها للمسلمين، و لو بالإطلاق، كما ذكرنا، فالأقوى عدم تعلق الخمس بالأراضي الخراجية كما هو مختار صاحب الحدائق (قدّس سرّه) تخصيصا لعموم آية الخمس بإطلاق ما دل من الروايات على أن الأراضي الخراجية كلها للمسلمين بعد تحقيق أن النسبة بينهما العموم المطلق، لا من وجه.

المخصص الثالث

(الطائفة الثالثة) من الروايات التي استدل بها في الحدائق (1) على تخصيص آية الخمس بالمنقول هي الروايات الواردة في بيان أحكام الأراضي الخراجية، و منها خيبر، و لم تتعرض لذكر الخمس بالكلية مع ذكره الزكاة، و لو كان ثابتا فيها لكانت أولى بالذكر لتعلقه برقبة الأرض.

(منها) صحيحة البزنطي قال: «ذكرنا له الكوفة و ما وضع عليها من الخراج، و ما سار فيها أهل بيته، فقال: من أسلم طوعا تركت أرضه في يده، و أخذ منه العشر ... إلى أن قال: و ما أخذ بالسيف فذلك إلى الإمام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيبر، قبّل سوادها و بياضها، يعني أرضها و نخلها، و الناس يقولون: لا تصلح قبالة الأرض و النخل، و قد قبّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خيبر، قال: و على المتقبلين سوى قبالة الأرض العشر و نصف العشر في حصصهم ...» (2).

____________

(1) الحدائق الناضرة 12: 326.

(2) الوسائل 15: 157، الباب 72 من أبواب جهاد العدو، الحديث الأول، و نحوها الحديث 2 نفس المصدر.

50

..........

____________

و حاصل مقالته (قدّس سرّه) بالنسبة إلى روايات الأراضي الخراجية أنها تكون على طائفتين (إحداهما) تبيّن أحكامها من ناحية أن أمرها بيد الإمام يقبّلها بالذي يراه، فيأخذ الخراج، و يأخذ أيضا الزكاة من حاصلها، و لم تذكر الخمس رأسا، و إنما ذكرت أمرين فقط، الخراج و الزكاة، و الخراج اجرة الأرض، و الزكاة تتعلق بحاصلها فلو كان الخمس متعلقا برقبة الأرض كان أولى بالذكر من الزكاة المتعلقة بحاصلها.

إيراد صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و يظهر من صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (1) أنه أورد على هذه الطائفة نفس ما أورده على الطائفة الثانية من الروايات من أنها قابلة للتقييد بما دل على الخمس و يمكن دفعه: بأن التأمل في لسان الروايات الواردة في بيان أحكام الأراضى يرشدنا إلى أنه لا يجب على من تقبل شيئا من الأراضي الخراجيّة إلّا الخراج الذي يأخذه السلطان، و الزكاة المتعلق بحاصلها، و هذا و إن كان لا ينافي أصل تعلق الخمس بالعين، و لكن أحلّوه لشيعتهم عينا و منفعة، فليس عليهم أداء خمس الأراضي، و لا خمس حاصلها، فلو كان الخمس متعلقا بها لا يجب إخراجه إرفاقا لشيعتهم (عليهم السّلام) هذا مع الغض عما ذكرناه في الطائفة الأولى من روايات الخراج من دلالتها على أن الأرض بتمامها ملك المسلمين، و حيث إنها أخص من عمومات الخمس فتخصص بها تلك العمومات فالأظهر هو عدم ثبوت الخمس في الأراضي الخراجيّة للروايات المذكورة.

____________

(1) جواهر الكلام 16: 8- 9 حيث يقول «إن تلك الأخبار الواردة في المفتوحة عنوة و إنها ملك المسلمين، و كيفية خراجها لا تأبى التقييد بما هنا من كون ذلك بعد الخمس، كما صرح به الشيخ (قدّس سرّه) في النهاية، بل ظاهر الأصحاب».

51

..........

____________

الدليل الثالث بعد دعوى الاجماع و عموم الموصول في آية الخمس كما تقدم.

قد يستدل (1) لقول المشهور بعموم (2) أو إطلاق (3) ما دل من الروايات على تعلق الخمس بالغنائم، أو الغنيمة أو كل شي‌ء قوتل عليه على اختلاف التعابير الواردة فيها (4) كرواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «كل شي‌ء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فإن لنا خمسه، و لا يحلّ لأحد أن يشترى من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا» (5).

فإن عمومها يشمل الأراضي المغنومة و يمكن المناقشة فيه:

أولا: بأن جملة (6) منها تختص بالغنائم المنقولة، لما في ذيلها من تقسيم الأربعة أخماس الباقية بين المقاتلين، و هذا قرينة على التخصيص بالمنقول إذ لا يتم ذلك في الأراضي المغنومة؛ لأنها لجميع المسلمين، و لا تقسم بين المقاتلين.

____________

(1) كما استدل في الجواهر 16: 6- 7، و أشار إليه المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) في تعليقته الكريمة على مكاسب شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه): 247.

(2) كمرسلة حماد لقوله (عليه السّلام) فيها «يؤخذ الخمس من الغنائم، فيجعل لمن جعله اللّه له، و يقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه و ولى ذلك»- الوسائل 15: 110، الباب 41 من جهاد العدو، الحديث 2. فإن لفظ الغنائم، جمع محلّى باللام.

(3) كصحيحة عمار بن مروان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: فيما يخرج المعادن و البحر، و الغنيمة، و الحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه و الكنوز الخمس»- الوسائل 9: 494، الباب 3 مما يجب فيه الخمس، الحديث 6. و مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: الخمس على خمسة أشياء على الكنوز، و المعادن، و الغوص، و الغنيمة، و نسي ابن أبي عمير الخامس» في الباب المتقدم، الحديث 7، و هناك أيضا عدّة روايات تضمنت عدّ ما فيه الخمس و أنها أربعة أشياء أو خمسة، ذكرها في الوسائل 9: 485، الباب 2 مما يجب فيه الخمس، و في: 508، الباب الأول من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8 و 12 و 14، و نحوها غيرها.

(4) و قد أشرنا إلى بعض مصادر رواياتها في التعليقة آنفا.

(5) الوسائل 9: 487، الباب 2 مما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(6) كمرسلة حماد المتقدمة في التعليقة و نحوها غيرها، راجع الوسائل 9: 485، الباب 2 مما يجب فيه الخمس، الحديث 10 و: 517، الباب الأول من أبواب قسمة الخمس، الحديث 14.

52

..........

____________

و ثانيا: أنها في مقام بيان ما يتعلق به الخمس، و أنه أربعة أنواع، أو خمسة، دون أصناف كل نوع من تلك الأنواع.

و ثالثا: لو سلم عمومها لزم تخصيصها بروايات الأراضي الخراجية، فإنها لا تزيد على عموم الآية الكريمة و أما رواية أبي بصير المتقدمة فهي مضافا إلى ضعفها سندا لاشتماله على «علي بن حمزة البطائني» الكذاب ضعيفة الدلالة لدلالة ذيلها على اختصاصها بالمنقول أيضا لقوله (عليه السّلام) «و لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا» بناء على أن المراد «ما فيه الخمس» كما هو ظاهر الغاية، و من المعلوم أن الأرض المفتوحة عنوة ملك لجميع المسلمين، و لا يصح شراؤها حتى بعد أداء الخمس- على القول به- فما يصح شراؤه بعد أداء الخمس ليس إلّا الغنائم المنقولة.

الدليل الرابع معتبرة أبي سيار مسمع بن عبد المالك (1) و تتضمن جملتين لعله يستدل بهما على وجوب تخميس الأراضي المفتوحة عنوة، كسائر الغنائم:

(الأولى) قول أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فيها- بعد عرض أبي سيار (عليه السّلام) «ثمانين ألف درهم» خمس ما أصابه «أربعمائة ألف درهم» كأنه مستصغرا ذلك: «و ما لنا من الأرض، و ما أخرج اللّه منها إلّا الخمس! يا أبا سيار: الأرض كلها لنا فما أخرج اللّه منها شي‌ء فهو لنا» بدعوى: أنه يعلم من كلامه (عليه السّلام) هذا أن في الأرض، و فيما أخرج اللّه منها خمسا لهم، و ليس في الأراضي ما يكون فيه الخمس إلّا المفتوحة عنوة؛ لأن ما عداها إما موات، و هي بتمامها ملك للإمام رأسا، أو ليست غنيمة ليكون الخمس منها للإمام، بل هي ملك لأربابها من دون خمس، كالأرض التي أسلم عليها أهلها‌

____________

(1) الوسائل ج 9 ص 548 في الباب 4 من الأنفال، ح 12 ط المؤسسة: قم. استدل بها في الجواهر ج 16 ص 7.