فقه الشيعة - كتاب الخمس والأنفال - ج2

- السيد محمد مهدي الخلخالي المزيد...
784 /
7

الجزء الثاني

[تتمة] فصل: 1 فيما يجب فيه الخمس

السابع أرباح المكاسب

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الدليل على وجوبه، الإجماع، الكتاب، معنى ما غنمتم في الآية الكريمة، سيرة النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، سيرة الخلفاء، سيرة أمير المؤمنين (عليه السّلام)، الروايات، استثناء المئونة، تحديد موضوع هذا الخمس، استقرار الربح في هذا الخمس، تخميس رأس المال، مبدأ سنة المئونة، تفسير المئونة، أداء الدين من المئونة، مبدأ تعلق الخمس بالأرباح، تعلق الخمس بالعين، ربح الخمس، الشراء بمال غير المخمس، اشتراط التكليف و الحرية.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

(السابع): ما يفضل عن مئونة سنته، و مئونة عياله (1)

[خمس الأرباح و الإجماع]

____________

أرباح المكاسب ما يفضل عن مئونة السنة،

(1) يقع الكلام في خمس الأرباح و الفوائد في مواضع:

(الأول): في الدليل على وجوبه. (الثاني): في استثناء المئونة. (الثالث): في تحديد موضوعه، هل هو خصوص الفوائد المكتسبة، أو مطلق الفائدة، و لو من غير اكتساب. (الرابع): في تحليله في عصر الغيبة بعد تشريعه في أصل الشريعة، و بيان كيفيته، و حدوده، و البحث في الموضع الرابع سيأتي في ذيل (مسألة 19) من مسائل (فصل قسمة الخمس) تبعا للمصنف (قدّس سرّه). و هناك فروع و تطبيقات يأتي الكلام عليها في ضمن المسائل الآتية تبعا للمتن:

أما الموضع الأول: ففي الدليل على جوب الخمس في هذا النوع.

1- الإجماع المعروف و المشهور بين أصحابنا (1) الإمامية هو الوجوب، بل عن الخلاف‌

____________

(1) و لم يوافقنا في ذلك أحد من فقهاء العامة و لكن قالوا بوجوب الزكاة في مال التجارة بمقدار (ربع العشر) بشروط مفصّلة في المذاهب- كما في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (1: 486) الطبعة الخامسة. و قال العلامة في التذكرة (5: 420): «الصنف الخامس: أرباح التجارات، و الزراعات، و سائر الصناعات، و سائر الاكتسابات بعد إخراج مئونة السنة له و لعياله على الاقتصاد من غير إسراف، و لا تقية عند علمائنا كافة، خلافا للجمهور كافة؛ لعموم وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ.

12

..........

____________

و الغنية و التذكرة و المنتهى و غيرهم دعوى الإجماع عليه (1) بل في الجواهر (2) «هو الذي استقر عليه المذهب و العمل في زماننا هذا. بل غيره من الأزمنة السابقة التي يمكن دعوى اتصالها بزمان أهل العصمة (عليه السّلام)» فكأنه يدّعي السيرة المستمرة إلى زمن أهل البيت (عليهم السّلام) و لم ينسب الخلاف إلّا إلى القديمين، و هما ابن الجنيد و ابن أبي عقيل (3) و لكن لم يثبت خلافهما في أصل الوجوب صريحا (4) و لعلهما يريدان العفو، و كيف كان فقد أورد عليهما الشهيد في البيان بانعقاد الإجماع على خلافهما سابقا على زمانهما، و اشتهار الروايات فيه (5) فلا يعبأ بخلافهما بعد تحقق الإجماع على خلافهما سابقا و لاحقا كما عن جماعة (6).

و أما المناقشة.

المتداولة في مثل هذه الإجماعات باحتمال استناد المجمعين إلى أدلة أخرى ذكرت في المقام، و لا بد من ملاحظة تلك المدارك- فيمكن دفعها في خصوص المورد بقيام السيرة العملية من الشيعة الإمامية مستمرة إلى زمن الأئمة المعصومين على عطاء هذا الخمس إلى الأئمة (عليهم السّلام) أو وكلائهم فكأنه أصبح من المسلّمات عندهم، كما تقدم عن الجواهر، و كيف كان فلا ينحصر الدليل بالإجماع، فيمكن الاستدلال عليه مضافا إلى ذلك بالكتاب و السنة.

____________

(1) الحدائق 12: 347.

(2) الجواهر 16: 45.

(3) الحدائق 12: 347، الجواهر 16: 16، المدارك 5: 378. مصباح الفقيه كتاب الخمس: 94.

(4) لاحظ كلامهما في الحدائق 12: 347 و في كتاب الخمس للشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) حيث نقل القول بالعفو عن القديمين، لا المناقشة في أصل التشريع- كتاب الخمس: 72.

و لاحظ المستمسك ج 9 ص 515. في نقل عبارتهما، و لا تدل على النفى المطلق.

(5) مصباح الفقيه كتاب الخمس: 94، و الحدائق 12: 347.

(6) المستمسك 9: 516.

13

[خمس الأرباح و آية الخمس]

..........

____________

2- الكتاب قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ ... (1).

و قد استدل الفقهاء (2) بهذه الآية الكريمة على وجوب الخمس في الأرباح تارة بإطلاق أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ في الآية الكريمة لشمولها لمطلق الفائدة و أخرى بضميمة الروايات المفسّرة لها بذلك، فهنا وجهان في الاستدلال بها (أما الأول) فالاستدلال، بإطلاق الموصول في نفس الآية الكريمة قوله تعالى أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ الشامل لمطلق الفائدة؛ لأن «الغنم» (3) في اللغة بمعنى مطلق الفائدة، و الفوز‌

____________

(1) الأنفال: 41.

(2) الجواهر 16: 46، مصباح الفقيه كتاب الخمس: 94.

(3) الغنم و الغنيمة في اللغة

لا بأس بذكر كلمات جملة من اللغويين في تفسيرهما:

1- قال الراغب في مفرداته «الغنم معروف ... و الغنم إصابته، و الظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدى، و غيرهم قال: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَكُلُوا مِمّٰا غَنِمْتُمْ حَلٰالًا طَيِّباً و المغنم ما يغنم، و جمعه مغانم قال:

فَعِنْدَ اللّٰهِ مَغٰانِمُ كَثِيرَةٌ.

أقول: المراد من المغانم في الآية الأخيرة الثواب و الأجر، راجع تمام الآية (النساء: 94) فيطلق هذه المادة على الفوائد المعنوية أيضا، فلا تختص بالغنائم الماديّة فضلا عن الغنائم الحربيّة.

2- مصباح المنير: «غنمت الشي‌ء أغنمه غنما أصبته- غنيمة و مغنما، و الجمع الغنائم و المغانم».

3- لسان العرب: جاء فيه في تفسير «غنم»: «الغنم: الفوز بالشي‌ء من غير مشقة، و الاغتنام: انتهاز المغنم، و الغنم، و الغنيمة، و المغنم: الفي‌ء، يقال: غنم القوم غنما بالضم، و في الحديث: (الرّهن لمن رهنه له غنمه، عليه غرمه) غنمه:

زيادته و نماؤه، و فاضل قيمته ... غنم الشي‌ء غنما فاز به إلى أن يقول: قال الأزهري: الغنيمة: ما أوجف عليه المسلمون بخيلهم و ركابهم من أموال المشركين، و يجب الخمس لمن قسمه اللّه له ... و أما «الفي‌ء» فهو ما أفاء اللّه من أموال المشركين على المسلمين بلا حرب، و قد تكرر في الحديث ذكر «الغنيمة» و «المغنم و الغنائم» و هو ما أصيب من أموال أهل الحرب ... و في الحديث (الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة) سمّاه غنيمة لما فيه من الأجر و الثواب» انتهى.

و لا يخفى: أن المستفاد من مجموع كلمات هذا اللغوي المعروف أن الغنيمة و الغنم لغة هو المعنى العام الكلي بمعنى «الفوز بالشي‌ء» أي مطلق الفائدة بالاكتساب أو بدونه كما صرّح بذلك بقوله «غنم الشي‌ء غنما فاز به» إلّا أنه مع ذلك حاول بيان موارد استعمالاته التطبيقية، فأطلقها تارة على «الفوز بلا مشقة» و أخرى-

- على الغنائم الحربيّة، و يطلق عليه «الفي‌ء» لغة أيضا، ثم حاول بيان تطبيق هذا في الأحاديث تارة، و في اصطلاح المتشرعة أخرى، أما الحديث فحديث الصوم، و أنه في الشتاء غنيمة باردة، و يطلق في الاصطلاح عند المتشرعة على غنائم الحرب المأخوذة بالقتال في مقابل «الفي‌ء» المأخوذ بلا قتال.

4- أقرب الموارد: «غنم الغازي غنما و غنما و غنيمة و غنمانا: أصاب فيئا، و الشي‌ء غنما، فاز به بلا مشقة، و ناله بلا بدل فهو غانم إلى أن يقول: الغنيمة ما يؤخذ من المحاربين عنوة، و الحرب قائمة، و الفي‌ء: ما نيل منهم بعد أن تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا، أي يعطاه زائدا على سهمه، و كل شي‌ء مظفور به، فإنه يسمّى غنما بالضم و مغنما، و غنيمة».

و هذا اللغوي و إن قيد «الفوز بالشي‌ء» في صدر كلامه بقيد «بلا مشقة» إلّا أنه أطلقه في ذيل كلامه، قائلا «كل شي‌ء مظفور به فإنه يسمّى غنما بالضم، و مغنما و غنيمة» فيعلم من ذلك: أن القيد المذكور لا دخل له في أصل المعنى، و إنما هو من باب أحد المصاديق، كالغنائم الحربيّة التي أشار إليها أيضا، فيطلق عليها الغنيمة في مقابل «الفي‌ء» في عرف المتشرعة.

5- و في القاموس: «غنم بالكسر غنما بالضم، و بالفتح، و بالتحريك، و غنيمة، و غنمانا بالضم: الفوز بالشي‌ء بلا مشقة».

6- و في تاج العروس «الغنم: الفوز بالشي‌ء بلا مشقة».

7- و في الرائد: «غنم، يغنم غنما و غنما و غنما و غنيمة، و غنمانا: أصاب غنيمة في الحرب أو غيرها» و يقول: أيضا «الغنيمة ج غنائم: 1- ما يؤخذ من المحاربين بالقوة. 2- كل ما ظفر به».

و هذا اللغوي أيضا يطلق في تفسير الغنيمة و أنها «كل ما ظفر به».

8- المنجد: «غنم يغنم غنما الشي‌ء فاز به و ناله بلا بدل» و يقول أيضا «الغنيمة» ج غنائم: ما يؤخذ من المحاربين عنوة، الكسب عموما».

9- المعجم الوسيط: «غنم الشي‌ء غنما فاز به، و الغازي في الحرب ظفر بمال عدوه، و في التنزيل فَكُلُوا مِمّٰا غَنِمْتُمْ حَلٰالًا طَيِّباً.

10- فرائد اللغة: «الغنيمة: ما حصل مستغنما بتعب كان، أو بغير تعب، باستحقاق كان، أو بغير استحقاق، و قبل الظفر، أو بعده» و هذا هو معنى الإطلاق المطلوب في التفسير اللغوي.

11- مجمع البحرين: «الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة، و لكن اصطلح جماعة على أن ما أخذ من الكفار إن كان من غير قتال فهو «في‌ء» و إن كان مع القتال فهو «غنيمة» و إليه ذهب الإمامية، و هو مروي عن أئمة الهدى، كذا قيل، و قيل هما بمعنى واحد».

هذا ما أردنا ذكره من تفسير اللغويين للفظ «الغنم و الغنيمة» و الغرض من نقل أقوالهم هو التأكيد على تفسيرهم له بمطلق الفائدة، و الفوز بالشي‌ء، فيكون التقييد ب‍ «بلا مشقة»، أو التفسير بالغنائم الحربية في كلماتهم من باب التطبيق على بعض الأفراد الشائعة أو كثيرة الدوران في الاستعمال، و من هنا يفسّرونه بالإطلاق أيضا، بل صرح في فرائد اللغة بالعموم حتى بالحصول مع التعب لاحظ (رقم 10).

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

..........

____________

بالشي‌ء بلا بدل، و إن جاء في تفسير جملة من اللغويين بأن «الغنم و الغنيمة» هو «الفوز بالشي‌ء بلا مشقة» (1) إلّا أن الظاهر: أنه من باب التطبيق على أظهر الأفراد، دون تقييد أصل المفهوم به، و من هنا يطلق على الغنائم الحربية، مع أن الحصول عليها لا يكون إلّا بمشقة بالغة كما أن نفس اللغوي قد يفسّره بمطلق الفوز بالشي‌ء فالأصح تقييد مفهومه بقيد «بلا بدل» كما في تعبير آخرين منهم (2) دون «بلا مشقة».

و الحاصل: أن المستفاد من كلمات اللغويين أن الغنم و الغنيمة في أصل اللغة بمعنى مطلق الفائدة، و الفوز بالشي‌ء بلا بدل مطلقا سواء أ كان من الأمور المادّية كالغنائم الحربيّة، و أرباح التجارات، و الزراعات و نحوها، و الهبات، و العطيات و نحوها، أو من الأمور المعنوية كاغتنام فرصة العمر و الشباب، و الأجر و الثواب، كما في قوله تعالى فَعِنْدَ اللّٰهِ مَغٰانِمُ كَثِيرَةٌ (3).

و من هنا قد استدل كثير من الأصحاب (4)- الذين هم أهل اللسان بإطلاق‌

____________

(1) لاحظ ما ذكرناه في التعليقة من أقوال اللغويين.

(2) كأقرب الموارد و المنجد في نفس المادّة.

(3) النساء: 94.

(4) مصباح الفقيه كتاب الخمس: 2.

الغنيمة في كلمات الفقهاء و المفسرين

لا بأس بذكر كلمات بعضهم في هذا المجال، و لا بد أن نشير إلى نكتة قبل بيان كلماتهم، و هي أنه لو فرضنا أنه فسّر بعضهم «الغنيمة» بالغنائم الحربية، سواء أ كان من الفقهاء، أو المفسرين لا يكون ذلك حجة علينا، و إنما هذا رأي يختص به، إذ الأساس هو تفسير الغنيمة في الآية الكريمة بمعناها اللغوي دون الاصطلاحي عند المفسر، أو الفقيه، نعم لا ننكر أن هذه اللفظة صارت ذات حقيقة عند المتشرعة- في الغنائم الحربية- لكن بعد نزول الآية الكريمة بكثير، لكثرة استعمالها فيها متأخرا هذا مضافا إلى أن موضوع الحكم في الآية الكريمة هو (ما غنمتم) دون (الغنيمة) و إليك نقل كلمات الفقهاء و المفسرين في تفسير «الغنيمة».

أما الفقهاء فمنهم:-

- 1- الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في المقنعة يقول: «و الخمس واجب في كل مغنم، قال اللّه عز و جل: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ ... إلى أن يقول: و الغنائم كل ما استفيد بالحرب من الأموال السلاح و الثياب و الرقيق، و ما استفيد من المعادن، و الغوص، و الكنوز، و العنبر، و كل ما فضل من أرباح التجارات و الزراعات، و الصناعات، عن المئونة، و الكفاية في طول السنة على الاقتصاد».

2- السيد المرتضى علم الهدى

قال (قدّس سرّه) في (الانتصار: 86)

«مسألة: و مما انفردت به الإمامية القول بأن الخمس واجب في جميع المغانم و المكاسب، و ما استخرج من المعادن و الغوص و الكنوز، و مما فضل من أرباح التجارات، و الزّراعات، و الصّناعات بعد المئونة، و الكفاية في طول السنة على اقتصاد، دليلنا الإجماع، و قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ.

3- الشيخ الطوسي

قال (قدّس سرّه) في (كتاب الخلاف 1: 355)

«المعادن كلها يجب فيها الخمس من الذهب و الفضة و الحديد و الصفر و النحاس و الرّصاص و نحوها مما ينطبع و مما لا ينطبع كالياقوت و الزبرجد و الفيروزج و نحوها، و كذلك القير و الموميا و الملح و الزجاج و غيره، دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم، و أيضا قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ و هذه الأشياء كلها مما غنمه الإنسان.

و قال (في المبسوط 2: 64)

«و أما الغنيمة فمشتقة من الغنم و هو ما يستفيده الإنسان بسائر وجوه الاستفادة سواء كان برأس مال أو غير رأس مال، فالغنيمة على ضربين: أحدهما ما يؤخذ من دار الحرب بالسيف و القهر و الغلبة، و الآخر ما يحصل من غير ذلك من الكنوز و المعادن و الغوص و أرباح التجارات و غير ذلك».

و قال في النهاية ص؟؟؟

«و يجب الخمس أيضا في جميع ما يغنمه الإنسان من أرباح التجارات و الزراعات و غير ذلك بعد إخراج مئونته و مئونة عياله».

4- ابن زهرة

قال (قدّس سرّه) في كتاب الغنيمة: «و اعلم أن مما يجب في الأموال الخمس و الذي يجب فيه الغنائم الحربية، و الكنوز و معادن الذهب و الفضة بلا خلاف، و معدن الصّفر و النحاس و الحديد و الرّصاص، و الزئبق على خلاف في ذلك، و الكحل و الزرنيخ و القير و النفط و الكبريت و الموميا، و الزّبرجد و الياقوت، و الفيروزج، و البلخش و العنبر و العقيق و المستخرج بالغوص، بدليل الإجماع المشار إليه، و طريقة الاحتياط و اليقين ببراءة الذمة، و ظاهر قوله تعالى:

وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ و هذه الأشياء إذا أخذها الإنسان كانت غنيمة»- بنقل عن الينابيع الفقهيّة 5: 244.-

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

____________

- 5- المحقق قال (قدّس سرّه) في (كتاب المعتبر: 623) في بحث وجوب الخمس في أرباح التجارات و الصنائع و الزراعات و جميع الاكتسابات بعد المئونة «لنا قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ و الغنيمة اسم للفائدة و كما يتناول هذا اللفظ غنيمة دار الحرب بإطلاقه يتناول غيرها من الفوائد» و قال (في الشرائع: 244 في كتاب الجهاد) «فالغنيمة هي الفائدة المكتسبة سواء اكتسبت برأس مال كأرباح التجارات أو بغيره كما يستفاد من دار الحرب».

6- العلامة

قال (قدّس سرّه) (في المختلف 2: 31) «المشهور بين علمائنا إيجاب الخمس في أرباح التجارات و الصناعات و الزراعات ...

لنا قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ و هذا من جملة الغنائم».

و قال (في التذكرة 5: 420) «الصنف الخامس: أرباح التجارات، الزراعات و سائر الصناعات و سائر الاكتسابات بعد إخراج مئونة السنة له و لعياله على الاقتصاد من غير إسراف و لا تقتير عند علمائنا كافة خلافا للجمهور كافة لعموم وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ.

و قال في كتاب الجهاد 9: 119 «الفصل الرابع في الغنائم: مسألة: الغنيمة هي الفائدة المكتسبة، سواء اكتسبت برأس مال و شبهه، كأرباح التجارات و الزراعات و الصناعات و غيرها أو اكتسبت بالقتال و المحاربة ...».

7- الشهيد

قال (قدّس سرّه) في كتاب البيان «إن هذه السبعة (الأشياء التي يجب فيها الخمس) مندرجة في الغنيمة».

8- صاحب المدارك

قال (قدّس سرّه) في بحث وجوب الخمس في المعادن 5: 363 «يندرج الجميع في اسم الغنيمة لأنها اسم للفائدة فيتناول الجميع».

9- المحقق النراقي

قال (قدّس سرّه) (في كتاب المستند 2: 71): «المسألة الاولى: أن الأصل وجوب الخمس في جميع ما يستفيده الإنسان و يكتسبه و يغنمه للآية الشريفة و الأخبار أما الآية فقوله سبحانه وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ الآية، فإن الغنيمة في أصل اللغة الفائدة المكتسبة ...».

10- صاحب الحدائق

قال (قدّس سرّه) في (12: 347) في بحث ما يفضل عن مئونة السنة و مما يدل على الوجوب (أي وجوب الخمس فيه) الآية الشريفة بمعونة الأخبار التي وردت بتفسيرها بما هو أعم من غنيمة دار الحرب ...».

11- الشيخ الأنصاري

قال (قدّس سرّه) في (كتاب الخمس: 74) «و ممن حكى عنه التصريح بعموم الغنيمة لجميع ما يستفاد: المفيد، و الشيخ، و ابن زهرة و الطبرسي في مجمع البيان ... إلى أن يقول: بل عرفت أن في الرياض دعوى الإجماع على عموم الآية ...».-

- 12- الفقيه الهمداني

قال (قدّس سرّه) في (كتاب الخمس: 94 في بحث أرباح المكاسب) «و يدل عليه أيضا عموم الآية الشريفة بالتقريب الذي عرفته في صدر المبحث».

و يقصد بذلك ما ذكره (في ص 14) من الكتاب المذكور، فراجع.

هذه كلمات جمع من الأعلام و الفقهاء العظام تراهم يستدلون بإطلاق الآية الكريمة على وجوب الخمس في مطلق الفوائد.

و أما المفسرون فمنهم:

1- الشيخ الطوسي

في تفسيره (كتاب التبيان 5: 144.

يقول في ذيل آية الخمس: «الغنيمة ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بقتال، و هي هبة من اللّه تعالى للمسلمين، و الفي‌ء ما أخذ بغير قتال ... إلى أن يقول: الخمس يجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب، و أرباح التجارات، و الكنوز و المعادن، و الغوص، و غير ذلك مما ذكرناه في كتب الفقه، و يمكن الاستدلال على ذلك بهذه الآية؛ لأن جميع ذلك يسمى غنيمة ...».

تراه في صدر كلامه أنه بصدد بيان الفرق بين قسمين مأخوذين من أموال الكفار الغنائم الحربية، و الفي‌ء و أن الأول مأخوذ بالقتال و الثاني بغير قتال، و لكن في ذيل كلامه نص بالعموم و شمول الغنيمة في الآية الكريمة لكل فائدة و إن لم تكن من أموالهم المنقولة إلى المسلمين.

2- الراوندي في كتاب فقه القرآن يقول: «و الخمس يجب فيها «اي في الغنيمة الحربية» و في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب و أرباح التجارات، و في الكنوز و المعادن و الغوص، و غير ذلك، و هي خمسة، و عشرون جنسا، و كل واحد منها غنيمة، فإذا كان كذلك فالاستدلال يمكن عليها كلها بهذه الآية «يعني آية الخمس»- بنقل عن كتاب الينابيع الفقهيّة 5: 215.

3- الشيخ الطبرسي في مجمع البيان (4: 544).

يقول في ذيل الآية الكريمة: «قال أصحابنا إن الخمس واجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب، و أرباح التجارات، و في الكنوز، و المعادن، و الغوص، و غير ذلك مما هو مذكور في الكتب، و يمكن أن يستدل على ذلك بهذه الآية، فإن في العرف يطلق على جميع ذلك اسم الغنم و الغنيمة».

4- المقدّس الأردبيلي (في كتاب زبدة البيان في تفسير القرآن: 210).

يقول: «... ثم إنه يفهم من ظاهر الآية وجوب الخمس في كل الغنيمة، و هي في اللغة بل العرف أيضا الفائدة».

5- الفخر الرازي في تفسير الكبير (10: 164) يقول في ذيل الآية الكريمة: «الغنم: الفوز بالشي‌ء، يقال: غنم يغنم غنما فهو غانم، و الغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل و الركاب».-

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

..........

____________

نفس الآية الكريمة على وجوب الخمس في مطلق الفوائد، و منها أرباح التجارات. بل عن الرياض (1) دعوى الإجماع على عموم الآية لجميع ذلك، و هذه- كما ترى- دعوى الإجماع على عموم اللفظ المستلزم لعموم الحكم.

____________

- فإنّه يعترف بأن المعنى اللغوى للغنيمة هو الفوز بالشي‌ء مطلقا، و إن اصطلح في الشرع في الغنائم الحربية، و لكن لا دليل على حمل الآية الكريمة على ذلك.

6- الآلوسي في تفسيره روح المعاني (10: 2) يقول في ذيل الآية الكريمة: «غنم في الأصل من الغنم بمعنى الربح ...».

7- و في كنز العرفان للمقداد (1: 248) يقول: «الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة، و النفل، و اصطلح جماعة على أن ما أخذ من الكفار إن كان من غير قتال فهو «في‌ء» و إن كان مع القتال فهو «غنيمة» و هو مذهب أصحابنا ...».

8- السيد الطباطبائي (قدّس سرّه) في تفسير الميزان (9: 89) يقول: «الغنم و الغنيمة إصابة الفائدة من جهة تجارة، أو عمل، أو حرب، و ينطبق بحسب مورد نزول الآية على غنيمة دار الحرب ...».

قد تحصل من كلمات هؤلاء الفقهاء و المفسرين: أن الغنيمة و الغنم في الأصل هو الفوز بالشي‌ء مطلقا، سواء الغنائم الحربية أو غيرها.

فترى هؤلاء الفقهاء، و غيرهم يستندون في تخميس أرباح المكاسب- في ضمن كلامهم- بصدق عنوان الغنيمة عليها قاصدين الإشارة إلى آية الغنيمة، أو مصرحين بالاستدلال بها، فلاحظ.

الغنيمة في الاصطلاح

نعم للفقهاء اصطلاح خاص في خصوص كتاب الجهاد للفظ «الغنيمة» في مقابل «الفي‌ء» للفرق بينهما موضوعا و حكما، أما الغنيمة في الاصطلاح المذكور فهي عبارة عن المال المأخوذ من العدو قهرا، و حكمه أن يكون خمسه للإمام و قبيله، و الباقى أربعة أخماسها يكون للمقاتلين يقسّم بينهم على الوجه المقرر في كتاب الجهاد، و دلت عليه آية الغنيمة، و أما «الفي‌ء» فهو عبارة عن المال المأخوذ من العدو بغير قتال إما بالصلح أو بتركهم له، و حكمه أن يكون كله للإمام دل عليه قوله تعالى وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ. فلا خمس في «الفي‌ء» و لعل هذا هو المراد من.

صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول «ليس الخمس إلّا في الغنائم خاصة» [الوسائل 9: 485، باب وجوب الخمس في غنائم دار الحرب الحديث الأول].

أي في مقابل «الفي‌ء» فإن جميعه للإمام، لا خمسه فقط، و هذا هو الفارق بينهما موضوعا و حكما، فليس الحصر في الصحيحة حقيقيا بالنسبة إلى جميع ما فيه الخمس، بل إضافي بالنسبة إلى «الفي‌ء».

(1) الرياض 5: 237- 238 بنقل عن كتاب خمس شيخنا الأعظم الأنصاري: 26 و 72.

20

..........

____________

و لم ينسب المناقشة في العموم إلّا إلى شاذ من متأخر المتأخرين (1) كما أشار إليه شيخنا الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الخمس حيث إنه زعم أن المراد من الآية الكريمة خصوص الغنائم الحربيّة و إن كان في النسبة نظر (2).

و لكن الصحيح ما ذكرناه و هو ما عليه الأكثرية الساحقة من شمولها لمطلق الفوائد، و إن وردت في مورد خاص (وقعة بدر الكبرى) و لكنها أعلنت حكما عامّا- و هو وجوب أداء الخمس من أي شي‌ء غنموا، أي فازوا به لأهل الخمس، و لو كانت الآية الكريمة تقصد وجوب أداء الخمس مما غنموا في الحرب خاصة لكان ينبغي أن يقول عزّ و جلّ و اعملوا أنما غنمتم في الحرب أو «ما غنمتم من العدى» و ليس يقول «ما غنمتم من شي‌ء» فالنتيجة: أنه لا ينبغي التأمل في دلالة الآية الكريمة على وجوب الخمس في مطلق الفوائد.

هذا كله حول لفظ «الغنم و الغنيمة».

مضافا إلى أن المذكور في الآية الكريمة لفظ أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ بصيغة الفعل الماضي المشتق من «الغنم» و لم يذكر فيها لفظ «الغنيمة» كي يدعى انصرافها إلى الغنائم الحربيّة، فلا مجال لهذه المناقشة فيما تضمنته الآية الكريمة من‌

____________

(1) و هو المحقق الأردبيلى المتوفى سنة 993 ه‍ ق في مجمع الفائدة 4: 311 و هو شرح كتاب إرشاد الأذهان للعلامة الحلي (قدّس سرّه)- المتوفى سنه 726 ه‍ ق و تبعه تلميذه السيد العاملي المتوفى سنة 1009 في المدارك (شرح المختصر النافع) 5: 381- 382.

و المحقق السبزواري المتوفى سنه 1090 ه‍ ق- في ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد للعلامة الحلي: 480. بنقل الحدائق 12: 347، و كتاب الخمس للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه): 70.

هذا و لكن قال المحقق الأردبيلي في كتابه الآخر (زبدة البيان في براهين أحكام القرآن و تفسير آيات أحكام القرآن) بعد المناقشة مع صاحب مجمع البيان في تفسير «الغنيمة» بغنائم

دار الحرب «ثم إنه يفهم من ظاهر الآية وجوب الخمس في كل الغنيمة، و هي في اللغة، بل العرف أيضا الفائدة»- زبدة البيان: 210- فلا ينبغي أن يعدّ هذا المحقق ممن ناقش في عموم الآية.

(2) راجع كلام المحقق الأردبيلي في (زبدة البيان: 209- 211).

21

..........

____________

التعبير ب‍ «ما غنمتم» كما أشار إليه شيخنا الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) (1) أيضا و قد يؤيد (2) العموم التعبير بكلمة «من شي‌ء» في الآية الكريمة الدالة على سعة الموصول.

إلّا أنه يمكن المناقشة فيه بأن عموم الموصول تابع لعموم الصلة فلو كان المراد من «الغنيمة» خصوص الغنائم الحربية كان المراد عموم الغنائم و لو كان كالخيط و المخيط (3) دون مطلق الفوائد و لو كان أرباح المكاسب و كيف كان فأصل العموم مما لا ينبغي التشكيك فيه إلّا أن هناك أسئلة تدور حول شمول هذه الآية لغير الغنائم الحربيّة لا بأس بذكرها و الجواب عنها.

ما هو المراد من أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ في الآية الكريمة

(السؤال الأول): عن معنى ما غَنِمْتُمْ في الآية الكريمة من حيث العموم و الخصوص، فإن الملحوظ في كتب اللغة أنهم يفسرون هذه الكلمة بتفاسير مختلفة على النحو التالي:

1- ما يؤخذ من العدو بالقهر و الغلبة (الغنائم الحربية).

2- الفوز بالشي‌ء بلا مشقة و هذا يختص بما يحصل عليها الإنسان مجانا، و بلا جهد، و مشقة، كالكنز، و الهبات، و الهدايا، و المال المطروح في الصحراء و نحو ذلك، و لا يشمل أرباح المكاسب، و نحوها مما فيه جهد، و نوع تعب في تحصيله.

____________

(1) كتاب الخمس: 703.

(2) مستند العروة كتاب الخمس: 194.

(3) في حديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): مخاطبا للمقاتلين أدوا الخيط و المخيط فما فوق ذلك، فما دون ذلك، فإن الغلول عار على أهله يوم القيمة و شنار و عار».

- عن سنن الدارمي (2: 30) (باب ما جاء من أدوا الخيط و المخيط) من كتاب السير بنقل عن مقدمة مرآة العقول: 87.

- عن ابن الأثير: الغلول: الخيانة في المغنم، و السرقة من الغنيمة قبل القسمة، و الشنار أقبح العيب- نفس المصدر.

22

..........

____________

3- الفائدة، و الفوز بالشي‌ء مطلقا، و هذا أعم من الأولين، فيشمل أرباح المكاسب، و الفوائد المستحصلة بالطرق المتعارفة أيضا.

فيكون نتيجة هذه التفاسير إجمال المفهوم، لتردده بين المعاني الثلاثة- و يكون أكثر استعمالا في الأولين لا سيما الثاني إذ أكثر اللغويين يفسرونها به، أي ب‍ «الفوز بلا مشتقة» فيكون اللفظ حينئذ مجملا، لا يمكن التمسك بإطلاقه، أو يكون القدر المتيقن منه الغنائم الحربيّة، لعدم ثبوت كون المعنى الثالث هو المعنى الحقيقي دون الأولين.

الجواب أولا: أن المعنى هو الجامع المشترك المعنوي، لا المشترك اللفظي فلا إجمال. بيانه: أن النسبة بين المعنى الأول و الثاني هي التباين (1) لا العموم‌

____________

(1)- تحقيق حول معنى «ما غنمتم» في الآية الكريمة

المذكور في كلمات اللغويين- كما مر عليك في التعليقة من الصفحة السابقة- معاني ثلاثة للفظ «الغنم و الغنيمة».

(أحدها) ما يؤخذ من العدو بالقهر و الغلبة (الغنائم الحربية).

(الثاني): الفوز بالشي‌ء بلا مشقة.

فلا تشمل الفوائد المكتسبة التي تحصل بجهد، و عمل، كأجرة الحمّال و الصانع، و الزارع و نحو ذلك، بل لا تشمل أرباح التجارات، لعدم خلوها من تعب في تحصيلها، فيختص لا محالة بالفوائد غير المترقبة، كالكنز، و الغوص و الإرث و ما يحصله الإنسان مجانا، و هذا يباين المعنى الأول و لا يكون أعم منه لعدم شموله للغنائم الحربيّة، فإنها لا تحصل إلّا بالقتال، و المشقة البالغة.

و دعوى: أن الحروب الإسلامية لم تكن إلّا لغاية إعلاء كلمة الإسلام فالغنائم لم تكن مقصودة بالقتال، و إنما حصلت عفوا فكأنها بلا مشقة.

مندفعة بأن اللغة لا تختص بالحروب الإسلامية، بل يمكن دعوى أن كثيرا من المقاتلين المسلمين كانوا يقصدون الغنيمة أيضا، كما يشهد بذلك ملاحظة تواريخ الحروب الإسلامية، منها.

نفس غزوة بدر التي هي مورد نزول آية الغنيمة الواردة في سورة الأنفال، حيث إنه ورد في شأن نزول أول آياتها قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- (أنفال: 1)-: إن المسلمين لما خاضوا هذه المعركة- و هي أول معركة كانت بقيادة الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) في السنة الثانية من الهجرة، و انتهت المعركة بغلبة المسلمين على قريش- اختلفوا في الغنائم-

23

____________

- التي ظفروا بها من جهة العدو، و رجعوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ذلك، فنزلت الآيات الكريمة من أول سورة الأنفال، و جعلت أمرها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حسما للنزاع، و أطلق عليها «النفل»- الذي هو بمعنى «الزيادة»- باعتبار أنها زيادة على الظفر بالعدو- و قد حكي تفصيل النزاع في كل من سيرة ابن هشام، و تاريخ الطبري و سنن أبي داود و غيرها: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر- في غزوة بدر- بما في العسكر مما جمع الناس، فجمع، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، و قال الذين كانوا يقاتلون العدوّ، و يطلبونه: و اللّه لو لا نحن ما اجتمعتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم، و قال الذين كانوا يحرسون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مخافة أن يخالف إليه العدوّ: و اللّه ما أنتم بأحق به منّا.

و روي عن عبادة بن الصامت: أنه قال عن سورة الأنفال: «فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل و ساءت فيه أخلاقنا، فنزعه اللّه من أيدينا، فجعله إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقسّمه رسول اللّه بين المسلمين على السواء- بنقل عن مقدمة مرآة العقول: 79- 80، بتلخيص.

فالمتحصل:

إن الغنائم كانت مقصودة لهم أيضا، و كان الحصول عليها مع المشقة، فلا مجال لحذف القيد عنها، فهذه الدعوى غير صحيحة.

كما أن دعوى [مقدمة مرآت العقول ص 90]: أن إطلاق «الغنيمة» على السهم المظفور به إنما يكون باعتبار أنه كان مأخوذا من يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ليس من الغزو رأسا، و صح بهذا الاعتبار أن نحسب المظفور به من نوع «الغنم و الغنيمة» بلا مشقة.

غير مسموعة لإطلاق «ما غنمتم» في الآية الكريمة على المال المأخوذ من العدو فإنّه الذي فيه الخمس، كما دلت عليه الآية الكريمة، و أما المأخوذ من يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلا خمس فيه؛ لأنه سهم للمقاتل بعد استثناء الخمس من أصل الغنائم فتحصل: أن المعنى الثاني يباين الأول و لا يكون أعم منه.

(الثالث): مطلق الفائدة سواء أ كانت حاصلة بلا مشقة، أو معها، أخذت من العدو أو غيره، كما فسّرها جملة من اللغويين بذلك أيضا [لاحظ ما تقدم في التعليقة. من كلمات اللغويّين]. و هذا أعم من الأولين، و هو المقصود بالإثبات في المقام، و النسبة بينه و بين الأولين نسبة الجنس إلى نوعين منه متباينين كالحيوان يطلق على الإنسان و البقر و قد يقال بتطور معنى لفظة «الغنيمة و الغنم» في المعاني الثلاثة في طول الزمن بدعوى: أنها كانت في زمن الجاهلية و صدر الإسلام- قبل نزول آية الغنيمة- بمعنى «الفوز بالشي‌ء بلا مشقة» كما في كلمات جملة من اللغويين، و ليس من ضمنه المظفور به من جهة العدى؛ لأنها مع مشقة الحرب، بل كان له تسميات أخرى- و هي السلب و الحرب و النهب- ثم جاء عصر الإسلام و نزلت آية الغنيمة شاملة للغنائم الحربيّة، لورودها في هذا المورد، فحصل لها معنى شرعي، و هو «ما ظفر به من جهة العدى و غيره»- كما فسّرها الراغب- و هو أعم من المعنى اللغوي؛ لأن الإسلام جعل أسلاب الحرب من مصاديق «المغنم» بعد أن لم تكن من مصاديقه، و هكذا استعمل لفظ-

24

..........

____________

و الخصوص- كما قد يتوهم- لأن الغنائم الحربية لا تحصل إلّا بجهد و مشقة بالغة، و يباينه الفوز بشي‌ء بلا مشقة، و ليس أعم منه، و لا يكون إطلاق لفظ «الغنم أو الغنيمة» على هذين (1) من باب الاشتراك اللفظي جزما، فيتعين أن يكون هناك‌

____________

- «الغنيمة و المغنم» في المعنيين اللغوي و الشرعي إلى عصر الفتوحات الإسلاميّة فاستعملت في «الغنائم الحربية» خاصة، لكثرة الغزوات، فصارت حقيقة عند المتشرعة في تلك، ثم جاء عصر تدوين اللغات فوجدها اللغويون تستعمل في هذه المعاني الثلاثة، فدوّنوها في كتبهم على حسب ما وجدوها تستعمل في المعاني الثلاثة 1- الفوز بالشي‌ء بلا مشقة، و هو المعنى اللغوي عصر الجاهلية و صدر الإسلام.

2- الظفر بالشي‌ء من جهة العدى و غيرهم بعد نزول آية الخمس؛ لأنه، المراد من الآية الكريمة بقرينة ورودها في مورد الغنائم الحربية فيكون أعم من الأول.

3- ما ظفر به من جهة العدى خاصة، و هو المصطلح عند المتشرعة متأخرا، و على هذا لا مجال للتشكيك في عموم الآية لوجود القرينة على المعنى الشرعي، و هي ورودها في الحرب.

أقول: الظاهر أن التقييد بقيد «بلا مشقة» في المعنى اللغوي يكون من باب التطبيق على أظهر الأفراد- كما ذكرنا في الشرح- لا تحديد أصل المعنى به و من هنا يفسرونها ب‍ «الفوز بالشي‌ء بلا بدل» أيضا، و هو أعم من الأول، بل المعنى اللغوي لهذه الكلمة هو الجامع الكلي الشامل لكل فوز بلا بدل و لو كان معنويّا، إذ ورد في الحديث «الرّهن لمن رهنه، له غنمه و عليه غرمه»، غنمه: زيادته و نماؤه، و فاضل قيمته- كما عن لسان العرب و نهاية اللغة- في نفس المادّة- فاطلق «الغنم» في الحديث على مطلق الزيادة و النماء، و ورد في الدعاء حين إخراج الزكاة «اللهم اجعلها مغنما، و لا تجعلها مغرما»- عن سنن ابن ماجه-.

و في الحديث «غنيمة مجالس الذكر الجنّة» و في وصف شهر رمضان «هو غنم للمؤمن» و «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة»- بنقل عن مقدمة مرآة العقول: 85 باختصار.

و في نهج البلاغة (خطبة 76): «اغتنم المهل» (و في خطبة 120): «من أخذها لحق غنم» و في عهده (عليه السّلام) لمالك الأشتر: «و لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم»، و في كلماته (عليه السّلام) القصار (331) «إن اللّه جعل الطاعة غنيمة الأكياس» و في كتابه (عليه السّلام) (45) لعثمان بن حنيف «فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادخرت من غنائمها وفرا» و اشتهر أو ورد: أنه اغتنموا الفرص، فإنها تمر مرّ السحاب و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال لأبي ذر: «اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، صحتك قبل سقمك ...»- الوسائل 1: 86.

و عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): «اغتنموا الدعاء عند أربع، عند قراءة القرآن، و عند الأذان ...»- الوسائل 4: 1114.

و الغرض من نقل هذا كله هو التنبيه على عموم معنى «الغنم و الغنيمة» لكل فائدة حتى المعنوية فضلا عن الماديّة.

(1) الغنائم الحربيّة و الفوز بالشي‌ء بلا مشقة.

25

..........

____________

جامع بينهما، و ليس هو إلّا المعنى الثالث الكلي و هو «الفوز بالشي‌ء مطلقا» فيكون هو المعنى الحقيقي لا محالة، سواء كان مع المشقة، أو بدونها، و يكون إطلاقه على المعنى الأول و الثاني من باب إطلاق لفظ الجنس على أنواعه المتباينة، كالحيوان يطلق على الفرس و الإنسان، فيتحصل: أنه لا بد من حمل الآية الكريمة على المعنى الثالث، إذ هو المعنى الحقيقي الجامع بين أنواعه، و قد يفسّره بعض اللغويين ب‍ «الفوز بشي‌ء بلا بدل» (1) و هو أولى من «الفوز بالشي‌ء بلا مشقة» لأعمية الأول، و يكون مع القيد المذكور «بلا مشقة» من باب إطلاقه على الفرد الشائع كالحيوان يطلق على ذوات الأربع أكثريا، مع أن الإنسان يكون من أنواعه أيضا.

و الجواب ثانيا: أنه لو سلم اختصاص اللغة ب‍ «الفوز بشي‌ء بلا مشقة»- إذ لا يحتمل اختصاصه بالغنائم الحربية- فلا ينبغي التأمل في إلغاء هذا القيد بالنسبة إلى المراد من الآية الكريمة، لورودها في مورد الغنائم الحربية و هي ذات مشقة بالغة في تحصيلها فيكون المراد من ما غَنِمْتُمْ- بعد إلغاء قيد «بلا مشقة»- هو مطلق الفوز بالشي‌ء، سواء أ كانت مع المشقة، كالغنائم الحربية، أو بدونها كالكنز و العطايا و الهبات، و منه ينفتح باب دخول أرباح التجارات و نحوها في سعة المفهوم؛ لأنها أقل مشقة في تحصيلها من الغنائم الحربية.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب إطلاق الآية الكريمة تبعا لمعظم الفقهاء الذين كان أكثرهم من أهل اللسان.

و لا ينافي ذلك صيرورة لفظ «الغنيمة» حقيقة متشرعيّة في الغنائم الحربية متأخرا بعد نزول الآية الكريمة و كثرة الفتوحات الإسلامية لا سيما في عصر بعض الخلفاء ناشئا من كثرة استعمالها فيها و قد جرى عليها الفقهاء أيضا‌

____________

(1) لاحظ أقرب الموارد، و المنجد في نفس المادّة.

26

..........

____________

في كتاب الجهاد عند البحث عن الغنائم الحربيّة، و كيفية تقسيمها بين المقاتلين، وجه عدم المنافاة هو لزوم ابقاء لفظ الغنيمة في الآية الكريمة على معناه الأصلي الحقيقي اللغوي، أو الشرعي كما ذكرنا.

فإن قلت لو سلّم أن المعنى الحقيقي هو «الفوز بالشي‌ء بلا مشقة» كما قيل فيدور الأمر بين أحد المجازيين، إما الغنائم الحربية، بخصوصها أو الفوز بالشي‌ء مطلقا، و قرينة السياق تدل على المعنى الأول منهما (الغنائم الحربية).

قلت: قرينة السياق لا تدل على أكثر من شمول الآية للغنائم الحربية، دون التخصيص بها، فإذا دار الأمر بينهما كان المعنى الأول من المجازين- و هو الفوز المطلق- أقرب المجازين إلى المعنى الحقيقي لتباين الغنائم الحربيّة- التي لا تكون إلّا مع المشقة البالغة- مع الفوز بالشي‌ء بلا مشقة التي هي المعنى الحقيقي للفظ فرضا، و أما المعنى الثاني للمجاز- و هو الفوز المطلق- فهو أعم من المعنى اللغوي، و العام يشمل الخاص، و لا يباينه، فيكون أقرب إلى المعنى الحقيقي، فلاحظ و تأمل، و بالجملة الأظهر هو أن المعنى الكلي- أي «مطلق الفائدة بلا بدل» هو المعنى الحقيقي للفظ «الغنم و الغنيمة» بحيث نحتاج في استثناء فائدة منها إلى إقامة دليل خاص، كالإرث، و الهبة، و نحوهما، كما أشار إليه الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) (1) حيث يقول: «هي أي الغنيمة اسم لكل ما أستفيد، فينبغي أن يحمل عليه إطلاق الآية، إلّا أن يدل دليل من نص أو إجماع على خلافه».

قرينة السياق

(السؤال الثاني): سلّمنا ثبوت الإطلاق في الآية الكريمة، لكن لنا أن نقول إن قرينة السياق دلّت على إرادة المعنى الخاص أي (الغنائم الحربية) لاحتفاف الآية الكريمة سبقا و لحوقا بآيات القتال مع العدو، لا سيما ذيل نفس الآية،

____________

(1) مصباح الفقيه كتاب الخمس: 14.

27

..........

____________

و هو قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ إشارة إلى وقعة بدر، فالمراد الغنائم الحربية بقرينة السياق كما أصر عليه السيد العاملي (قدّس سرّه) في المدارك قائلا:

«أما الآية الشريفة فلأن المتبادر من الغنيمة الواقعة فيها غنيمة دار الحرب كما يدل عليه سوق الآيات السابقة و اللاحقة، فلا يمكن التجوز بها في غيره إلّا مع قيام الدلالة عليه» (1).

الجواب: نعم نزلت آية الغنيمة في غزوة بدر، و احتفت بآيات القتال إلّا أنه قد تناسب الفرصة لبيان حكم كلي في مورد جزئي، لعموم الملاك على سعة المفهوم، فلا يكون المورد مخصّصا و هذا أمر متعارف في المحاورات العرفية، و جار في القرآن الكريم أيضا، فلا يكون المورد قرينة على إرادة المعنى الخاص، و من هنا اشتهر: أن المورد لا يكون مخصّصا، ففرق، بين المورد، و القرينة، و الآية الكريمة من قبيل الأول لا الثاني، فإن المراد بالأول إنما هو مناسبة البيان العام في مورد خاص كما في المقام و نظيره مثل آية النبأ (2).

و السارق (3) و غيرهما من الآيات النازلة في شخص خاص، أو في وقعة خاصة، فإذا قلنا بعموم مفهوم «الغنم و الغنيمة» لكل فائدة فلا يصلح المورد لحمله على غنائم بدر، و لا غنائم مطلق الحروب؛ لأن المفهوم أعم من الكل.

و قد يقال: إن هذا إنما يتم فيما لو استعمل اللفظ في المعنى العام، و لكن ورد في مورد خاص، كالآيات المشار إليها، و أما لو كان المورد مما يستعمل فيه اللفظ‌

____________

(1) المدارك 5: 382.

(2) قوله تعالى: إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ ...- الحجرات: 49- الواردة في وليد بن عقبة المبعوث عاملا للزكوات إلى بني المصطلق، لاحظ مجمع البيان ج (9: 10): 132.

(3) قوله تعالى السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا ... المائدة: 38- 39 نزلت في امرأة سرقت- الدر المنثور 2: 281-

28

..........

____________

العام بخصوصه، و لو مجازا، كلفظ «الغنيمة» حيث إنه يستعمل في الغنائم الحربية بخصوصها حتى قيل إنه المعنى الحقيقي له كان السياق قرينة على إرادته نظير المشترك اللفظي حيث إنه يحمل على أحد معانيه بالقرينة الخاصة.

و فيه: أولا: أن المذكور في الآية الكريمة لفظ ما غَنِمْتُمْ دون لفظ «الغنيمة» و ما قيل- لو تم- فإنما هو في الثاني، دون الأول.

و ثانيا: أن العبرة في تفسير الآيات الكريمة بزمان النزول و قد ذكرنا أن آية الغنيمة نزلت في السنة الثانية من الهجرة في أول الغزوات الإسلامية (غزوة بدر) و لم يستعمل لفظ «الغنيمة» حين ذاك في «الغنائم الحربيّة» بخصوصها و لم تكن حقيقة فيها إلّا بكثرة الاستعمال فيها متأخرا، لتأخر أكثر الحروب بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بل ذهب بعض المحققين (1) في اللغة إلى أن المعنى اللغوي لهذه الكلمة (الغنيمة) كان في عصر الجاهلية، و صدر الإسلام «الفوز بالشي‌ء بلا مشقة» و لم يطلق على الغنائم المظفور بها من جهة العدى، بل كان لها تسميات أخرى و هي (السلب و النهب و الحرب) و كان مبدأ الاستعمال فيها نفس الآية الكريمة على نحو الشمول لا الخصوص.

و بالجملة لا مجال لهذه المناقشة في إطلاق الآية الكريمة فإنها تشمل الغنائم الحربية بالإطلاق كبقية الغنائم المالية من غير اختصاص بها، فهذه الآية الكريمة تكون كسائر الآيات الواردة في الموارد الخاصة مع التحفظ على إطلاقها على سعة المفهوم، فلا تختص بغنائم بدر، و لا غنائم مطلق الحروب، بل تعم مطلق الغنائم «أي الفوائد» و بعبارة أخرى: أن قرينة السياق لا تدل على أكثر من إرادة الغنائم الحربية من الآية الكريمة، و أما إنها تمام المراد، أو فرد منه فلا دلالة للسياق على ذلك، فيبقى اللفظ على عمومه و يحصل المقصود.

____________

(1) مقدمة مرآة العقول: 90- 91 السيّد العسكري.

29

..........

____________

من هم المخاطبون في الآية الكريمة

(السؤال الثالث): من هم المخاطبون بقوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ ...

هل هم كافة المؤمنين، أو خصوص المقاتلين في غزوة بدر، قد يقال بالثاني بقرينة ذيل الآية الكريمة، قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوىٰ وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ... إلى آخر الآيات التي بعدها، فإنها خطاب للمقاتلين في تلك الواقعة، فإذا كان الخطاب خاصا فالمناسب هو إرادة الغنائم الحربيّة، لا مطلق الفائدة، و هذا بقرينة الخطاب، لا السياق.

الجواب: أولا: أنه لا نجد مانعا عن القول بعموم الخطاب بقوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ ... لكافة المؤمنين كالآيات التي قبلها كقوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَخُونُوا اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ ... (1) و قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا أَمْوٰالُكُمْ وَ أَوْلٰادُكُمْ فِتْنَةٌ ... (2) و قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً (3) إلى أن يقول: تعالى خطابا لكافة أهل الإيمان وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... إلى أن يقول وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ مَوْلٰاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلىٰ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ ثم يقول تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ ....

و لا تمنع آية الأمر بقتال الكفار الشاملة لكافة المؤمنين عن إبقاء عموم الخطاب في قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ ... (4) لأن الخطابات السابقة كلها خطاب للعموم، و إن كان المأمور به في بعضها قتال الكفار، فإن قتالهم لرفع الفتنة واجب طول الزمن إن أمكن.

____________

(1) الأنفال: 27.

(2) الأنفال: 28.

(3) الأنفال: 29.

(4) الأنفال: 41

30

..........

____________

و أما قوله تعالى في ذيل آية الغنيمة إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ ... فمتعلق الإيمان بما أنزل يوم الفرقان- و هو نصرة المؤمنين بالملائكة- و إن كان خاصا إلّا أن المؤمن بذلك هم كافة المؤمنين، و لا تنافي بين عموم من يؤمن، و خصوص ما يؤمن به- كما هو واضح- و من فصاحة القرآن الكريم و بلاغته أنه قد يعمّم الخطاب لكافة المؤمنين، و أخرى يخصصه بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و ثالثة لطائفة خاصة ثمّ يعرج إلى أمر آخر يناسب المقام، و أما قوله تعالى إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوىٰ ... فلا محذور في كونه خطابا لعامة المؤمنين أيضا، و لو باعتبار بعضهم، فإن هذا أمر متعارف في المحاورات العرفية، إذ قد ينسب الفعل إلى الكل، و لو باعتبار فعل البعض فيقال مثلا: أنتم أهل هذه البلدة فعلتم كذا في حين أن المرتكب للعمل كان بعضهم.

(تبصرة): نرى أنه تعالى يقول- في نفس السورة- قبل آية الغنيمة بآيات: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ فَسَيُنْفِقُونَهٰا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ... (1) و مفاد هذه الآية هو أن الكفار يصرفون أموالهم في الصد عن سبيل اللّه- أي المنع عنه- و هذا هو شأن الكفار في طول الزمن عداء للإسلام، فيناسب ذلك الخطاب إلى عموم المسلمين و أنه لا بد أنتم أيها المسلمون أن تقابلوهم بالمثل بصرف و لو بعض أموالكم في سبيل اللّه إن كنتم مؤمنين، فقال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ ... (2) فإن التقابل بالمثل يقتضي عموم الخطاب إلى كافة المسلمين طول الزمن بأن يعلموا أن خمس ما يرزقهم اللّه تعالى من الفوائد يكون للّه‌

____________

(1) الأنفال: 36.

(2) الأنفال: 41

31

..........

____________

و للرسول، كي ينفق في الفتح عن سبيل اللّه تعالى مقابلة للكفار الصادين عن سبيل اللّه بالمثل، و لا بد أن يبقى هذا الحكم مستمرا باستمرار الزمن من دون اختصاص بزمان دون زمان، و مال دون مال، مقابلة بالمثل مع الكفار في جميع الأزمنة، إذ من المقرر في مذهب الإمامية: أن نصف الخمس يكون سهما للإمام (عليه السّلام) لإمامته، لا شخصه، و معنى ذلك هو صرف هذا المال في المصالح العامة للمسلمين، و ترويج الدين، و كلما ازداد المبلغ الذي يكون تحت اختيار الإمام القائد بالحق كان أقدر على دفع الكفر، و إعلاء كلمة الإسلام و إن بلغ ما بلغ، و أما النصف الآخر فهو للسادة من أولاد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بشرط الحاجة، أيتامهم و مساكينهم و أبناء سبيلهم تعظيما للرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) فإن تعظيمه- بأي وجه كان- فهو تعظيم لرسالته، و تكريم لنبوته، و ترويج لدينه، فإن المرء يكرم في ولده و هذا من حق النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على أمته، و مع ذلك لو زاد على قدر حاجتهم يردّ إلى الإمام (عليه السّلام) أيضا و يعود إلى بيت المال- كما ستعرف- فليس هناك تفريط في تشريع هذا الخمس، و إن بلغ ما بلغ من الكثرة، فإن غلبة الإسلام، و انتشاره في الكرة الأرضية تحتاج إلى صرف مال كثير، مقابلة للعدو الكافر الصاد عن سبيل اللّه بصرف ماله، و جميع إمكاناته- كما نرى اليوم و ما سبق- فيا ليت أدرك المسلمون هذه الحقيقة، و بذلوا ما وجب عليهم من الحق الإلهي ليتمكن زعماؤهم الدينيون من مقابلة العدو الكافر، فإنك تراهم كيف يصرفون طاقتهم المالية و السياسية في ترويج الكفر، و تبليغه فليكن المسلمون كذلك، و من هنا نرى أن ما يصل إلى الحوزات العلمية الشيعية من المال ما لا يفي بما نريده من البذل في سبيل ترويج الإسلام، و تبليغ الدين، مع أن العلماء يبذلون ما لديهم من الطاقة، في سبيل إحياء الدين و يكتفون بأقل ما يمكن من المعيشة، هذا شأن تشريع الخمس و أما الزكاة فمهما بلغت لا تكفي لهذا الغرض المهم فإن،

32

..........

____________

أغلب مصرفها يكون في داخل الأمة الإسلامية، فقرائهم، و مساكينهم، و أيتامهم، و أبناء سبيلهم، و فك رقابهم و نحو ذلك، فتكون الزكاة للصرف الداخلي، و أما الخمس فأمره بيد الإمام (عليه السّلام) و يكون تحت اختيار القيادة الإسلاميّة التي عيّنها الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) يصرف في طريق إعلاء كلمة الإسلام، و ترويج المذهب، كما جرت عليه سيرة علماء الشيعة (قدّس اللّه تعالى أسرارهم) خلفا عن سلف من زمن الغيبة إلى زماننا الحاضر، و سيبقى كذلك إن شاء اللّه تعالى إلى زمان ظهور الحجة القائم بالأمر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).

فيتضح بذلك أن تخصيص الغنيمة بالغنائم الحربية التي قد تكون، و قد لا تكون لا يناسب المقابلة بالمثل، إذ لا بد و أن يكون تحت اختيار القيادة الإسلامية من المال ما يكفي لغرض هذه المقابلة مع الكفر في جميع الأزمنة، و هذا يستدعي مالا كثيرا، فتحصل من جميع ما ذكرنا: أن قرينة السياق السابق على آية الغنيمة تقتضي تعميم الغنيمة لكل فائدة تحصّل عليها المسلمون، فهي تؤكد العموم لا الخصوص، و أما السياق اللاحق فلا يصلح للتخصيص بالغنائم الحربية، إذ ليست الآيات الكريمة إلّا مبيّنة لكيفية وقعة بدر، و نصرة اللّه للمسلمين امتنانا عليهم، و أن النصرة كانت من قبل اللّه تعالى في تلك الواقعة، فإن النصر بيد اللّه تعالى في كل مقابلة مع العدو الكافر، و منها وقعة بدر، و هذا مما يستدعي الإيمان به- كما أشار إليه تعالى في ذيل الآية- لا تخصيص الحكم العام به، أو بكل واقعة حربية مثلها، كما ذكرنا، فلاحظ، هذا أولا.

و ثانيا: لو سلّمنا اختصاص الخطاب بمقاتلي بدر، فلا يقتضي ذلك تخصيص الحكم بغنائم الحرب، فإن الحكم عام لموضوع عام و إن كان المخاطب خاصا، فيجب الخمس عليهم في مطلق فوائدهم، و منها غنائمهم في تلك الوقعة، و من الضروري اشتراك المسلمين في كافة الأحكام إذا شملتهم موضوعاتها،

33

[سيرة النبي الأعظم في خمس الأرباح]

..........

____________

فمن استفاد يجب عليه التخميس؛ لأن الموضوع مطلق المستفيد، و حكمه تعلق الخمس بفائدته، فكأنه قال تعالى أيها الغانمون في بدر فاعلموا أن خمس الغنيمة للّه و لرسوله.

سيرة النبي الأعظم في خمس الأرباح

(السؤال الرابع): أنه لو كان المراد من الآية الكريمة عامة الفوائد حتى أرباح التجارات فلما ذا لم يعمل بها في الصدر الأول، أى من حين نزول الآية الكريمة على النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و لما ذا لم ينصب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) له عمّالا؟ كما نصب لأخذ الزكوات، بل يطرح السؤال حتى بالنّسبة إلى الخلفاء الأسبقين، لا سيما وصيّه بالحق أمير المؤمنين (عليه صلوات المصلين) لأن أخذ هذا الخمس من الأرباح كان يجمع مبلغا عظيما يفيد المجتمع الإسلامي، و يكون بصالح حكام الوقت، و لكن لا نرى منه عينا و لا أثرا حتى في سيرة الخلفاء المتأخرين من بني أمية، أو بني العباس، بل استمر السكوت عنه إلى زمن الصادقين (عليه السّلام) و من بعدهما من الأئمة الأطهار المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) حيث إنهم أظهروا هذا الحكم و أخذوا خمس الأرباح من الشيعة، و نصبوا و كلاء على ذلك، كما يأتي في الروايات، و هذا دون سائر فقهاء المذاهب الأربعة و غيرهم المعاصرين لهم و لم يذكر شي‌ء من خبر هذا الخمس في كتب الحديث، و لا التأريخ قبل ذلك، كما لم يسبقهم أحد من الصحابة، أو التابعين في ذلك، و هذا سؤال دار على الألسن، أثاره بعض المشككين متأخرا.

الجواب أولا- كما عن سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) (1)- أنه لا مانع من تأخير البيان بناء على ما هو التحقيق من جواز تدريجية تبليغ الأحكام، و جواز تأخير إبلاغ بعضها‌

____________

(1) مستند العروة (كتاب الخمس): 196.

34

..........

____________

من عصر التشريع بإيداع بيانه من النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الإمام، ليظهره في ظرفه المناسب، حسب المصالح الوقتية، بل قد يظهر من بعض النصوص أن جملة من الأحكام لم تنشر لحد الآن، و أنها مودّعة عند ولي العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و هو المأمور بتبليغها متى ما ظهر، و ملأ الأرض قسطا و عدلا، فعلى هذا لا واقع لهذا الإشكال رأسا.

و لكن يمكن المناقشة في هذا الجواب بأن الكلام في دعوى إطلاق الآية الكريمة، و ردّ المناقشة عن الاستدلال بها، كما هو المبحوث عنه، و معه لا معنى لدعوى تأخير الإبلاغ حينئذ فإن ظواهر الآيات الكريمة من أظهر أنحاء التبليغ، و هذا الجواب إنما يتم في تأخير أصل الحكم من دون دعوى تبليغه في الكتاب العزيز، كما هو محل البحث فعلا.

و ثانيا: أن الكلام إنما هو في مرحلة تشريع خمس الأرباح، و أما إجرائه و تطبيقه فقد يؤخر إما لعدم تحقق موضوعه في بداية التشريع، أو لمعارضته بمصالح دينية كانت أهم في نظر الشارع المقدّس من استيفائه، هذا مع أنه ورد أخبار و عهود من النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) يستفاد منها أنه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يأخذ الخمس من غير الغنائم الحربية أيضا، كما يأتي بيانها.

توضيح المقال.

أما بالنسبة إلى سيرة النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) فيمكن ملاحظتها فيما يلي:

1- عدم الموضوع لا إشكال في أن إجراء أي حكم من الأحكام المالية أو غيرها لا بد فيها من تحقق موضوعها في الخارج، و من المحتمل أن يكون منشأ إبهام سيرته (صلّى اللّه عليه و آله) لدينا من ناحية أخذه خمس الأرباح هو عدم وجود ربح زائد‌

35

..........

____________

على المئونة عند المؤمنين في بداية الأمر؛ لأن المهاجرين قد تركوا أموالهم في مكة المكرمة، و نزلوا كضيوف على الأنصار في المدينة و أما الأنصار (1) و هم المؤمنون من أهل المدينة فلم يعهد منهم أرباح تجارية يمكن دعوى الجزم بتعلق الخمس بها بشرائطه، و ربما يستوضح ذلك بما يلي:

أما بالنسبة إلى أهل المدينة فلانصراف أهلها إلى الحروب مع قريش، و اليهود، و سائر القبائل العربية، و التي بلغ عددها إلى ثمانين بين غزوة و سريّة في مدة عشر سنوات مدة إقامة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالمدينة أي معدّل ثماني معارك حربيّة في كل سنة، فأدّى ذلك إلى جعل الطرق التجارية في الحجاز مجالا للإغارة، و الغزو، و السلب بين الأطراف المتحاربة، و انقطاع التجارة في تلك السنوات و من أجل ذلك ندر وجود مورد ربح تجاري فيها، بل كان أكثر بل عامة ثروة القبائل حينذاك من الأنعام و قليلا من الغرس و الزرع و كل ذلك كانت من موارد الزكوات و الصدقات، و لم تكن من موارد الخمس إلّا إذا زادت عن مئونة السنة، و لم يثبت الزيادة.

لا سيما لو جعلنا ما ينتفع بثمراتها منها في الإعاشة من المئونة، و لو مع بقاء أعيانها، و كانت المدينة عاصمة الإسلام أيضا بلدا زراعيا، و كانت عامة ثروة أهلها الزرع و الضرع، كما قيل.

و أما بالنسبة إلى أهل مكة المكرمة فإن التجارة و إن كانت رائجة عندهم، و في بعض قبائل أهل الكتاب فيها إلّا أنه كان فتحها بيد المسلمين في أواخر‌

____________

(1) قيل: إن أبا أيوب الأنصاري الذي نزل الرسول الأعظم ضيفا عليه لم يكن في داره سوى غرفتين، أسكن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في إحداهما، و كان هو يسكن في الأخرى، و كان هذا شأنه في الفقر.

و قيل أيضا في شأن أصحابه (صلّى اللّه عليه و آله) انه لما خرج الرسول الأعظم إلى غزوة بدر الكبرى من المدينة مع الغزاة الذين كان عددهم 113 نفرا دعا لهم قائلا «اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فاشبعهم»- المغازي للواقدي 1: 26 و سنن الكبرى للبيهقي- كان هذا حالهم في الفقر.

36

..........

____________

عمره الشريف أي في السنة الثامنة من الهجرة، و لم تصلنا أخبار من ناحية مراجعة تجارها إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أرباحها لو كان لها ربح في الباقي من تلك المدة من حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يمكن أن يكون هذا هو السبب في تأخير بعث العمال لجمع الزكوات إلى السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة أي في أواخر عمره الشريف، حين نزلت الآية الكريمة خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً ... (1) مع أن آيات أصل الزكاة كانت نازلة في مكة المكرمة قبل الهجرة، و لعل السرّ في هذا التأخير هو عدم تحقق الأموال الزكوية عند المسلمين إلّا متأخرا، لاستمرار فقرهم إلى حين ذاك، فليكن خمس الأرباح من هذا القبيل مع أن الأموال الزكوية من الغلّات و الأنعام هي التي كانت تشكّل عمدة الثروات في تلك العصور، كما أنه لم ينقل أيضا أنه نصب عاملا لزكاة مال التجارة على قول العامة وجوبا و على قول الإمامية استحبابا و لعلّ السبب هو ما ذكر.

نعم خمس الغنائم الحربيّة قد جرى أخذه من حين نزول آية الخمس، لتحقق الحرب، و جمع الأموال التي اغتنمها المقاتلون من العدو طبعا، مضافا إلى أن الإسلام كان مسبوقا بذلك من عهد الجاهلية، و لكن كان على وجه «المرباع» (2) أي كان رئيس القبيلة، أو الجيش يأخذ ربع الغنائم لنفسه، و لكن الإسلام شرّع الخمس، و قسمه ستة أسهم، كما في الآية الكريمة، فقلل مقداره، و كثر أصحابه.

2- مزاحمة الأهم.

يعتبر في إجراء الحكم عدم مزاحمة مصلحة أهم، و إلّا فلا يجرى و عليه لو سلّمنا وجود أرباح تجارية عند المسلمين في عصر الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) سورة التوبة: 103.

(2) يقال ربع الجيش: أي أخذ ربع الغنيمة منهم.

37

..........

____________

و لو في الآونة الأخيرة من حياته (صلّى اللّه عليه و آله) فيحتمل أن يكون عدم مطالبته (صلّى اللّه عليه و آله) لخمسها لأجل تزاحم مصلحة أهم في نظره (صلّى اللّه عليه و آله) و هي دفع تهمة أخذ الأجرة على الرسالة، و جمع المال لنفسه، و ذويه من أقاربه، فإن الخمس يكون للّه و لرسوله، و ذوي قرباه، فيكون في بداية النظر أشبه بالملك الشخصي- و إن لم يكن كذلك في الحقيقة و الواقع، فإن سهم الإمام ملك للمنصب، لا الشخص كما سيأتي- و حيث إن المسلمين كانوا قريبي العهد بالإسلام كان ترفّع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عن مطالبة هذا الحق منهم أولى بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ذاك الوقت، إذ عند تزاحم المصالح لا بد من تقديم الأهم، و لعل تأخير أخذ الزكوات إلى السنة التاسعة أو العاشرة (1)- مع نزول آيات الزكاة في مكة المكرمة- كان من هذا القبيل أيضا، أي لزوم رعاية حال المسلمين لقرب عهدهم بالإسلام، مع وضوح أن الزكاة تصرف في الفقراء و قبيلهم مما يرجع إلى المصالح العامة إلّا أنه مع ذلك لم يطالبهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بالأداء إلّا متأخرا و الخمس أولى بذلك، و إن كان يصرف للمصالح العامة أيضا عند التحقيق؛ لأن نصفه سهم للإمام لإمامته، فهو ملك للمنصب- كما أشرنا- يصرف في المصالح العامة، و النصف الآخر يصرف على الفقراء السادة، و لو زاد شي‌ء منه يردّ إلى الإمام أيضا، و لكن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) اكتفى بالتبليغ، و لم يطالبهم بالأداء؛ لأنه يشبه أخذ الأجرة على الرسالة، فينافي قوله تعالى: قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ (2) و قوله تعالى مٰا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ (3) فإن مودّة ذي القربى تكون بنفع الأمة الإسلامية لهدايتهم بهم إذا أحبوهم.

____________

(1) لاحظ تفسير خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ ...، التوبة: 103.

(2) الشورى: 23.

(3) سبأ: 47.

38

..........

____________

و مما ذكرنا يظهر فرق آخر بين الزكاة و الخمس من جهة المطالبة، فإن الزكاة ملك الفقراء و تصرف في المصالح العامة، و قد أمر (صلّى اللّه عليه و آله) بأخذها في قوله خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً ... فنصب (صلّى اللّه عليه و آله) عمالا لأخذها، و أما الخمس فهو حق له و لأقربائه- كما في الآية الكريمة- و إن كان في الحقيقة لصالح المسلمين مالا- كما أشرنا- إلّا أنه مع ذلك لم يؤمر بأخذه من الناس حتى في الآونة الأخيرة، بل دلت الآية الكريمة على المشاركة مع المغتنمين، كما هو مدلول (اللام) في قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ ... (1) و من وظيفة الشريك الذي بيده كل المال أن يؤدي بنفسه حصة شريكه، و لو لم يطالبه الشريك، لا سيما إذا كانت المطالبة منافية لشأنه، و عظمته، كالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فالنتيجة أن من وظيفة المسلمين أنفسهم أن يؤدوا خمس اللّه تعالى و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و إن لم يطالبهم به، هذا بالنسبة إلى أرباح المكاسب، و نجد نفس الحالة في خمس (الكنز و المعادن) أيضا حيث اتفقت مذاهب العامة على وجوب الخمس فيهما، و مع ذلك لم يعهد منه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا من غيره من الخلفاء نصب عامل لأخذ خمسهما، فتحصل: أن عدم المطالبة لا يدل على عدم تشريع الحق.

3- نظرة إلى المستقبل و هناك نكتة أخرى، و مصلحة ذات أهمية بالغة- تقرع السمع- لعلّها كانت تقتضي إعراض النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) عن مطالبة هذا الخمس من المسلمين في عصره، و هي بعد نظره (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ما كان يراه من سلطة الحكومات الجائرة من خلفاء بني أمية و بني العباس على المسلمين في المستقبل، و كان أخذه هذا الخمس سببا لفتح باب ظلم آخر على المسلمين من قبل تلك الحكومات الجائرة‌

____________

(1) الأنفال: 41.

39

..........

____________

في مستقبل الأيام أكثر مما كانوا عليه من الظلم و الجور على الأمة الإسلامية في أخذ الأموال منهم، كما صنعوا في أخذ الزكاة من الضرب و الحبس و الزجر و التعذيب كما ورد في التاريخ، فإنهم كانوا حينئذ يحتجون بسيرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في أخذه هذه الخمس أيضا، فيشددون في أخذه و لكنهم لم يصرفوه في مصالح الإسلام و المسلمين، بل كانوا يبذلونه في العيش و الترف و إكثار الظلم، و السلطة على المسلمين، كما صنعوا ذلك في الزكاة و غيرها من أموال بيت المال، هذا، و كان في نفس الوقت تضعيفا للجبهة المعارضة من الناحية المالية، أعني بها القيادة الإسلامية الحقيقية التي لها السهم الأوفى من هذا الخمس، ولاية أو تملكا، و هم أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) أوصياء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حقا الذين كانت الشيعة الإمامية يتبعونهم، و يمدّونهم بما لديهم من الحقوق الشرعية المبيّنة لهم من قبل أئمتهم (عليه السّلام)، و لا بد أن تبقى هذه القيادة الحقة، إماما، و شيعة، و تمويلا إتماما للحجة، حتى يظهر الحق، و يرفع الظلم عن العالم كله بيد الحجة القائم بالأمر، فلو كانت القوى الحاكمة تأخذ حتى هذا الخمس من المسلمين لم يبق لديهم ما يمدّون به أئمة الحق و شيعتهم، فهذه مصلحة أخرى كانت تقتضي سكوت النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) عن تطبيق الآية الكريمة على خمس أرباح المكاسب، و نحوها إلى أن تأتي فرصة الوصول إلى أهله، و اللّه العالم.

و ما ذكرناه من هذه الوجوه هي احتمالات تبتني كلها على عدم ظهور سيرة النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) في خمس غير الغنائم الحربية و لعلّها خفيت علينا لغموض التأريخ و ضياع الكتب، و اندراس الأخبار، و السياسات الحاكمة و لكن مع ذلك كله لنا أن نقول:

4- أنه يظهر من بعض الروايات أنه (صلّى اللّه عليه و آله) أوجب الخمس في (الكنز و المعدن) بل يظهر من بعض كتبه و عهوده أنه كان يأخذ الخمس من الفوائد و الأرباح و يبعث‌

40

..........

____________

عمالا مخمّسين كما يبعثهم مزكّين، فلاحظ ما في التعليقة (1) حول هذا الموضوع.

____________

(1) الروايات و كتب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و عهوده في الخمس

هنا طائفتان من الروايات تدلان على سنة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في أخذ الخمس من غير الغنائم.

(الطائفة الأولى)

ما رويت في كتب العامة من حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الخمس في الركاز و الكنز، و السيوب، منها:

1- ما روى عن ابن عباس قال قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الركاز الخمس» [مسند أحمد (1: 314) و سنن ابن ماجه (: 839)].

2- عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه في حديث: «و في الركاز الخمس» [صحيح مسلم (5: 127)].

3- عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حديث: «و في الركاز الخمس» [مسند أحمد (3: 335)].

4- عن عبادة بن الصامت قال من قضاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن «في الركاز الخمس» [مسند أحمد (5: 326)].

5- عن أنس بن مالك قال: «خرجنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته فتناول لبنة ليستطيب بها، فانهارت عليه تبرا فأخذها، فأتى بها النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فأخبره بذلك، قال: «زنها» فوزنها فإذا مائتا درهم، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) «هذا ركاز فيه الخمس» [مسند أحمد (3: 182)].

6- رجل من مزينة سأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مسائل جاء فيها «فالكنز نجده في الخرب و الآرام، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «فيه، و في الركاز الخمس» [مسند أحمد (2: 186)].

7- و عن كتابه (صلّى اللّه عليه و آله) لوائل بن حجر «و في السيوب الخمس» [عن نهاية الارب: 221 و غيره- بنقل مقدمة مرآة العقول للسيد العسكري: 98- و كتاب مكاتيب الرسول 2: 397، رقم 113].

شرح ألفاظ الأحاديث 1- الركاز عن أبي يوسف في كتاب الخراج: 26، في حديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «فقيل له: ما الركاز يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)» فقال الذهب و الفضة الذي خلقه اللّه في الأرض يوم خلقت».

فسر (صلّى اللّه عليه و آله) «الركاز» بمعدن الذهب و الفضة و يظهر من (الحديث 5) إطلاقه على الكنز أيضا.

و عن لسان العرب «قال ركزه يركزه إذا دفنه، و الركاز قطع ذهب و فضة تخرج من الأرض أو المعدن واحده الركزة كأنه ركز في الأرض».

2- الآرام: الأعلام و هي حجارة تجمع و تنصب في المفازة يهتدى بها، واحدها ارم كعنب و كان من عادة الجاهلية أنهم إذا وجدوا شيئا في طريقهم لا يمكنهم استصحابه تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه.

3- السيوب: عروق الذهب و الفضة تسيب في المعدن، أي تتكون فيه، و تظهر، و يظهر من بعضهم أنه أعم من الكنز و المعدن، بل عن بعضهم أنه أخذ من السيب بمعنى العطاء، و عن الزمخشري السيوب جمع سيب يريد به المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن، لأنه من فضل اللّه و عطائه لمن أصابه- لاحظ كتاب مكاتيب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) 2: 399 في شرح الكتاب رقم 113-

- المستفاد من مجموع هذه الروايات عدم اختصاص الخمس بالغنائم الحربية لقضاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وجوب الخمس في «الكنز و المعدن» أيضا و هذا مما يدل على عدم اختصاص ما غَنِمْتُمْ في الآية الكريمة بالغنائم الحربيّة، و يكون مصرف خمسهما مصرف خمس الغنائم الحربية، لا الزكاة- كما صرح بذلك فقهاء المذاهب الأربعة- لتقابلهما (الزكاة و الخمس) شرعا. مفهوما و مصرفا.

1- الحنفية: قالوا «المعدن و الركاز بمعنى واحد، و هو شرعا مال وجد تحت الأرض، سواء كان معدنا خلقيّا خلقه اللّه تعالى، أو كنزا دفنه الكفار، و لا يسمى ما يخرج من المعدن و الركاز زكاة على الحقيقة؛ لأنه لا يشترط فيهما ما يشترط في الزكاة، ثم قسموا المعادن إلى ثلاثة أقسام: 1- المنطبعة، كالذهب و الفضة و النحاس و الرصاص و الحديد. 2- غير المنطبعة كالجواهر و الياقوت. 3- ما يكون مائعا، كالنفط و القير، و قالوا يجب الخمس في القسم الأول فقط، و لا شي‌ء في الآخرين، و صرحوا بأن مصرفه مصرف خمس الغنيمة المذكور في قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ.

المالكية: فصّلوا بين المعدن، و قالوا تجب الزكاة فيه بشروطها إلّا ما كان قطعة خالصة من الذهب و الفضة التي يسهل تصفيتها من التراب، فيجب فيها الخمس، و يصرف في مصارف الغنائم، و هو مصالح المسلمين، و أما الركاز- و هو الكنز- فيجب فيه الخمس مطلقا، سواء كان ذهبا أو فضة، أو غيرهما، و مصرفه مصرف خمس الغنائم.

(الحنابلة): فقالوا بالتفصيل بين المعدن ففيه الزكاة مطلقا (ربع العشر) بشرائطه، و بين الكنز (الركاز) فقالوا فيه بوجوب الخمس، و قالوا يصرف في مصارف خمس الغنائم الحربية، فيصرفه الإمام، أو نائبه في المصالح العامة.

(الشافعية): ففصّلوا أيضا بين المعادن مطلقا، ففيها الزكاة بشروطها، و بين الركاز ففيه الخمس، فاتفقت المذاهب الأربعة على وجوب الخمس في الكنز بمعناه الخاص في مقابل الزكاة مقدارا و مصرفا و إن اختلفوا في المعدن، كما عرفت.

- بتلخيص من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة 1: 492- 494 كتاب الزكاة زكاة المعادن و الركاز.

و قد صرح بما ذكرناه.

القاضي أبو يوسف [هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ولد بالكوفة سنة (113 ه‍ ق) و تلمّذ على أبي حنيفة، و هو أول من وضع الكتب على رأي أبي حنيفة، و ولى القضاء ببغداد أيام المهدي، و الهادي و الرشيد، و توفى سنه (182 ه‍) و وضع كتابه الخراج لخليفة عصره الرشيد] قد صرح في كتاب خراجه [ص 25- 27] بما ذكرناه من تقابل هذا الخمس مع الزكاة و صرح أيضا في كتاب [الخراج: 83] بوجوب الخمس في الغوص أي ما يخرج من البحر من حلية و عنبر.

هذه هي الروايات المروية عنه (صلّى اللّه عليه و آله) في شأن خمس (الكنز و المعدن) و مذاهب فقهاء العامة في ذلك.

و (أما الطائفة الثانية)- و هي الروايات التي تروى كتب الرسول و عهوده (صلّى اللّه عليه و آله) إلى القبائل، و الوفود، فهي عدة روايات تتضمن أمره (صلّى اللّه عليه و آله) القبائل بإعطاء الخمس، أو أنه أمر مبعوثه بأخذ الخمس منهم.-

- 1- روي: أن وفد عبد القيس لما قالوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن بيننا و بينك المشركين من مضر، و إنّا لا نصل إليك إلّا في أشهر حرم، فمرنا بجمل الأمر إن عملنا به دخلنا الجنة، و ندعو إليه من وراءنا» قال (صلّى اللّه عليه و آله): آمركم بأربع، و أنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان باللّه و هل تدرون ما الإيمان باللّه، شهادة أن لا إله إلّا اللّه و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و تعطوا الخمس من المغنم ... الحديث» [صحيح البخاري (4: 205) و صحيح مسلم (1: 35 و 36) و مسند أحمد (3:

318 و ج 5: 136).

عبد القيس قبيلة من ربيعة كان موطنهم بتهامة، ثم انتقلوا إلى البحرين، و قدم وفدهم على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في السنة التاسعة من الهجرة].

و عن كتاب الأموال لأبي عبيده (ص 12) لفظ الحديث «و أن تؤدوا خمس ما غنمتم».

أمرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعطوا الخمس من المغنم، و الظاهر من «المغنم أو ما غنمتم» في هذا العهد هو مطلق الفائدة، لا الغنائم الحربيّة.

و يوضح ذلك أمران:

(الأول): أنه لا معنى لطلبه خمس الغنائم الحربية من هذا الوفد الخائف من عدوه المشركين من مضر، حيث إنهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم خوفا منهم، فكيف باشتباك الحرب معهم، و تحصيل المغانم منهم، فإنّه خروج عن فرض السائلين، و بيان لحكم ما هو خارج عن طاقتهم، فلا بد و أن يراد الخمس من الفوائد التي في أيديهم، كالزكاة من الأموال الزكوية التي كانت عندهم، و لذا أمرهم بالزكاة و الخمس معا، كل فيما يتعلق به، فإن هذا هو المناسب للسؤال.

(الأمر الثاني): إن عطاء الخمس من الغنائم الحربيّة ليس من قبل المقاتلين، بل الإمام، أو قائد الجيش هو الذي يستثني الخمس من الغنائم و يقسّم الباقي بين المقاتلين، فالعطاء كله في الغنائم الحربية يكون من قبل قائد الجيش، سواء الخمس لأهله، أو الأربعة الأخماس الباقية للمقاتلين، و ذلك لبناء الحروب الإسلامية على أن تكون قيادة الحرب مع الإمام، أو نائبه بإذنه، و ليس للقبائل التهاجم على الآخرين، كما كان في الجاهليّة، ثم لا بد و أن تجتمع الغنائم عند قائد الحرب كما ورد عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص كان رسول اللّه إذا أصاب غنيمة أمر بلالا، فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم، فيخمّسه، و يقسّمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول اللّه هذا ما كنّا أصبنا من الغنيمة، فقال: أسمعت بلالا نادى ثلاثا، فقال: نعم، قال: ما منعك أن تجي‌ء به، فاعتذر، فقال: كن أنت تجي‌ء به يوم القيمة، فلن أقبله منك»- سنن أبي داود (2: 13)] فهو الذي يقسّم الخمس على أهله، و الباقي على المقاتلين، و هذا بخلاف خمس الفوائد، فإن المال كله يكون بيد المالك، هو الذي يعطي الخمس للإمام، أو نائبه، و في هذا العهد قد أمرهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بأن يعطوا الخمس من المغنم، لا يتحقق ذلك إلّا في خمس الفوائد.

2- و نحوها كتابه (صلّى اللّه عليه و آله) لجنادة:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول اللّه لجنادة و قومه، و من اتبعه، بإقام الصلاة و إيتاء الزكاة، و من أطاع اللّه و رسوله، و أعطى الخمس من المغانم، خمس اللّه، و فارق المشركين- فإن له ذمة اللّه و ذمة محمد».-

41

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

____________

- أسد الغابة 1: 300، و الإصابة في ترجمة جنادة رقم 1029، و كنز العمال 5: 320 و غيرها.

- بنقل عن كتاب مكاتيب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) 2: 361، رقم 94.

3- و في كتابه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ملوك حمير: «و إن اللّه قد هداكم بهدايته إن أصلحتم و أطعتم اللّه و رسوله، و أقمتم الصلاة، و آتيتم الزكاة، و أعطيتم من المغانم خمس اللّه، و سهم نبيّه و صفيّه».

- نفس المصدر 1: 187 رقم 31.

4- و نحوها كتابه (صلّى اللّه عليه و آله) لبني جوين نفس المصدر: 339، رقم 71.

5- و كتابه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى مالك بن أحمر الجذامي- نفس المصدر: 349، رقم 83.

6- و كتابه (صلّى اللّه عليه و آله) لصيفي بن عامر المصدر: 374، رقم 103 فإن في جميع هذه الكتب أمر (صلّى اللّه عليه و آله) بإعطاء الخمس من المغنم.

- و في بعضها وصول هذا الخمس إليه (صلّى اللّه عليه و آله) بواسطة مبعوثه إليهم كما:

7- في كتابه (صلّى اللّه عليه و آله) مع عمرو بن حزم إلى قبائل من العرب: «فقد رجع رسولكم و أعطيتم من المغانم خمس اللّه عز و جل، و ما كتب على المؤمنين من العشر في العقار ...».

- مكاتيب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) 1: 208 رقم 33.

نجد هذا الكتاب دالا على عطائهم الخمس من المغنم، و العطاء من قبل المسلمين ظاهر في خمس غير الغنائم الحربية، كما ذكرنا.

هذا، و لكن جاء في بعض كتبه (صلّى اللّه عليه و آله) التقييد بالسهم حتى يخمّس، و هو:

8- كتابه (صلّى اللّه عليه و آله) لمجهول «من محمد رسول اللّه «لا تبيعوا الثمرة حتى تينع [أي: تدرك] و لا السهم حتى يخمّس، و لا تطئوا الحبالى حتى يضعن».

- نفس المصدر: 526، رقم 169.

و الظاهر أن المراد بيع السهم من المغنم حتى يخمس، إلّا أنه يمكن فرضه في سهم لا يمكن تخميسه إلّا ببيعه و تقسيم ثمنه بين المقاتل، و أهل الخمس، و هذا لا ينافي ما تقدم من الكتب المحمولة على الغنائم في غير الحرب.

و في بعض عهوده لمبعوثه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يأخذ الخمس.

9- و هو ما روي من عهده (صلّى اللّه عليه و آله) لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن من قبله: «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*. هذا بيان من اللّه و رسوله، يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، عهد من محمد النبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كله، و أن يأخذ من المغانم خمس اللّه، و ما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقى البعل، و سقت السماء، و نصف العشر مما سقى الغرب» [فتوح البلدان (1: 84) و سيرة ابن هشام (4: 242) و الطبري (1: 1727- 1729) و الخراج لأبي يوسف (ص 85)- عمر بن حزم الأنصاري الخزرجي توفى بين سنة 51 إلى 54 ه‍ بالمدينة- بنقل مقدمة مرآة العقول: 102- البعل: ما سقى بعروقه. و الغرب الدلو العظيم].-

44

..........

____________

هذا و لو سلم خفاء سيرته (صلّى اللّه عليه و آله) علينا في خمس الأرباح، لأي سبب من الأسباب يكفينا دلالة الآية الكريمة على الحكم بعمومها، و الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (صلوات اللّه عليهم أجمعين) تفسّرها بذلك أيضا، كما ستعرف، مضافا إلى الروايات الدالة على أصل الحكم عن طريق أهل البيت (عليهم السّلام)- كما سيأتي- و هم عدل الكتاب و أحد الثقلين، هذا كله حول سيرته (صلّى اللّه عليه و آله) في خمس الأرباح.

____________

- نرى في هذا الكتاب الذي عهد (صلّى اللّه عليه و آله) به عمر بن حزم: أنه أمره- بعد تقوى اللّه- «أن يأخذ من المغانم خمس اللّه» كما يأخذ الصدقات (الزكاة) و لم يأمره بقتال مع الكفار ثم يفرض غلبته عليهم، و استيلائه على غنائمهم، ثم يستثني الخمس، لا يكون شي‌ء من هذا في مفروض كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) فيكون المراد أن الخمس كالزكاة يؤخذ من أموال المسلمين، بطبيعة الحال، لا الخمس من الغنائم المأخوذة من الكفار، فليس المراد من المغانم إلّا الفوائد المستحصلة عند المسلمين.

و الحاصل: أن الظاهر أن أمره (صلّى اللّه عليه و آله) لمبعوثه (عمر بن حزم) في هذا العهد بأخذ الخمس من الغنائم، و أمره للمسلمين بإعطائهم هذا الخمس- كما في كتبه (صلّى اللّه عليه و آله) المتقدمة- أنه لا يتصور إلّا في الفوائد التي تكون بيد المسلمين، لا الغنائم الحربية التي تكون بيد قائد الجيش، و يؤيد بل يؤكد ذلك كتاب آخر له (صلّى اللّه عليه و آله):

10- روى: أنه كتب لجهينة بن زيد: «أن لكم بطون الأرض و سهولها، و تلاع الأودية، و ظهورها على أن ترعوا نباتها و تشربوا ماءها على أن تؤدوا الخمس ...» [عن جمع الجوامع للسيوطي- بنقل عن مجموعة الوثائق السياسية لمحمد بن حميد بنقل عن مقدمة مرآة العقول للسيد العسكري: 105- «و جهينة بن زيد» من قضاعة من القحطانية وفد إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ثم رجع إلى قومه فدعاهم فأسلموا- نفس المصدر-].

نرى في هذا الكتاب أنه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل دفع الخمس شرطا للانتفاع من مرافق الأرض، أي علّمهم الحكم الإسلامي فيما يكتسبون، و ليس في كلامه شي‌ء مما يوهم خمس الغنائم الحربيّة.

هذه بعض الكتب و العهود المروية عنه (صلّى اللّه عليه و آله) و نحوها غيرها مما جاء فيها إما أمره (صلّى اللّه عليه و آله) بمبعوثه أن يأخذ الخمس من المغنم، أو أمره المسلمين بأن يعطوا الخمس، و النتيجة واحدة، و الدلالة واضحة، كما ذكرنا، و الأسناد- عند الخصم- معتبرة، و قد جمع بعض هذه الكتب السيد العسكري في مقدمة مرآة العقول (101- 108) و لعلها تبلغ خمسة عشر كتابا و عهدا إن شئت فراجع، و لا حظها و غيرها في كتاب مكاتيب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) [تأليف الأحمدي جمع فيه 185 كتابا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الملوك، و القبائل، و الأشخاص، ط قم سنة 1379 ه‍ ق و 1339 ه‍ ش و هو كتاب جامع لكتب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و عهوده].

45

[سيرة الخلفاء في الخمس]

..........

____________

سيرة الخلفاء في الخمس و أما سيرة الخلفاء الأسبقين فترتكز على اجتهادهم في الخمس، و في تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فإن أخذهم (فدك) من فاطمة الزهراء (عليها السّلام) و استيلاء أبي بكر و عمر على تركة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و خبر شكوى فاطمة الزهراء (عليها السّلام) و خصومتها معهما في منحة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و منعهما أهل البيت عن الخمس- فمما لا يخفى على من راجع التأريخ.

ثم تابعهم خلفاء بني أمية و بني العباس في منع أهل البيت عن الخمس حتى خمس الغنائم الحربية، و من المحتمل جدا أن يكون سبب سكوت الخلفاء من البدء عن أخذ خمس الأرباح من المسلمين هو ما أشرنا إليه من اقتضاء سياستهم الباطلة ذلك، حيث إن الإعراض عنه لعلّه كان أولى في نظرهم من الأخذ، و منع أهل البيت عنه، دفعا لإثارة الاعتراض عليهم من قبل المسلمين في منعهم أهل بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) حتى من الناحية المالية، مضافا إلى منعهم عن حق القيادة و أما الغنائم الحربية فكانت تأتيهم قهرا نتائج الحروب التي اشتبكوا فيها مع الكفار، و مع ذلك كانوا يمنعون ذوي قربى الرسول و أيتامهم، و فقراءهم عن حقهم في خمسها، عداء لهم، و خوفا من تقوية الجبهة المعارضة التي كانت القيادة الإسلامية من حقها الثابت، فإن القيادة كانت من حق أئمة الهدى، و لا بد و أن يكون أمر الخمس بيدهم أخذا و عطاء، ولاية لهم عليه، فسبب سكوت المدّعين للخلافة عن هذا الخمس هو سياسية المضايقة على ذوي الحق فيه، و هم أئمة أهل البيت، و استمرت هذه السياسة الباطلة في عصر خلفاء بني أمية و بني العباس حتى نسي المسلمون هذا الحكم، كما نسوا أصل إمامة أئمة الهدى، و جهلوا كثيرا من الأحكام الإسلامية أيضا، حتى اختلفت المذاهب اختلافا‌

46

..........

____________

شديدا، مع أن الدين واحد، و السبب الوحيد في ذلك كله أنهم تركوا سلوك الطريق الذي أراه النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و هو طريق العترة الطاهرة الذين هم عدل الكتاب العزيز حيث قال (صلّى اللّه عليه و آله) «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا».

و استمرت الحالة على الضلالة إلى أن سنحت فرصة إظهار الهدى في زمن الإمام الباقر (عليه السّلام) ثم الصادق (عليه السّلام) نسبيا، فنشرا الأحكام الإسلامية، و رويت عنهما الأحاديث بما سنح المجال السياسي حين ذاك، فصرّحا بالأحكام المنسيّة في القرآن الكريم، منها هذا الحكم، حتى آل الأمر في ذلك إلى أن الإمام الصادق (عليه السّلام) حين سئل عن آية الغنيمة حلف باللّه على أن المراد منها هي «الإفادة يوما بيوم» (1) لما ذا هذا الحلف باللّه؟! و لا نظن إلّا أنه كان لأجل غفلة الناس عن مفهوم الآية الكريمة- كما هي عليه- إما لعدم العمل بها تجاهلا من الحكام، أو تعصبا منهم، أو للانصراف البدوي إلى الغنائم الحربيّة الزائل بأدنى تأمل و كان السبب في هذا، أو ذاك هو تخيّم السياسات الباطلة على أضواء القرآن الكريم من قبل حكام الجور، السياسات التي كانت تسعى أن تحرف، و تظلّل على المفاهيم القرآنية التي تعود نوعا ما إلى أئمة أهل البيت من آل الرسول الأعظم- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- الذين هم أعرف بعموم الكتاب و خصوصه، و لا يكشف هذه الغيوم المخيمة على المفاهيم القرآنية إلّا ظهور شمس الحقيقة، و لا يرفع الستار عنها إلّا يد الحق التي هي مع أهل البيت (عليهم السّلام) و من هنا أهمل رواتهم و علماؤهم ذكر هذا الخمس؛ لأنّه كان يخالف سياسة الخلفاء في أدوار الخلافة الجائرة.

____________

(1) روى حكيم مؤذن بني عيسى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت له: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ قال: هي و اللّه الإفادة يوما بيوم ...»- الوسائل 9: 546 في الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8.

47

[سيرة أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الخمس]

..........

____________

سيرة أمير المؤمنين (عليه السّلام) و أما سيرة أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الخمس فهي عدم المخالفة صريحا لما جرى عليه الخلفاء الأسبقون فإنّه (عليه السّلام) كره أن يسير على خلاف ما ساروا عليه فجرى على ما جروا عليه حفظا لمصالح الإسلام و المسلمين و تحفظا على الوحدة.

ذكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في خطبة له تأسفه (عليه السّلام) على حدوث ما حدث بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من التغييرات في الأحكام و السنة، و يتمنى إرجاعها على ما كانت و يقول فيها: «قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده مغيرين لسنته، و لو حملت الناس على تركها و حوّلتها إلى مواضعها و إلى ما كانت في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي ...» ثم أخذ (عليه السّلام) يعدد ما غيروه من سنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أكثر من ثلاثين موردا، و يتمنى تغييرها و إرجاعها إلى ما كان، منها الوضوء، و الغسل و التيمم، و صلاة التراويح، و صلاة الميت، و المتعتان و غيرها، و منها الخمس و يقول: «و أنفذت خمس الرسول كما أنزل اللّه عز و جل، و فرضه ...» و لعلّ مراده- (سلام اللّه عليه)- تنفيذه على طبق ظاهر الآية الكريمة، كما نبّه عليه الأئمة من بعده من ولده من تخميس مطلق الفائدة، و اللّه العالم (1) و يدلنا على ذلك الروايات التالية (2)

____________

(1) راجع روضة الكافي: 58 رقم 21.

(2) 1- عن ابن عباس أن الخمس كان في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على خمسة أسهم للّه، و للرسول، و لذي القربى، سهم، و لليتامى و المساكين و ابن السبيل ثلاثة أسهم، ثم قسّمه أبو بكر و عمر و عثمان على ثلاثة أسهم، و سقط سهم الرسول، و سهم ذوي القربى، و قسم على الثلاثة الباقية، ثم قسّم علي بن أبي طالب على ما قسّمه أبو بكر و عمر و عثمان» [الخراج: 21].

2- سئل أبو جعفر الباقر (عليه السّلام) ما كان رأي علي (عليه السّلام) في الخمس، قال: كان رأيه فيه رأي أهل بيته، و لكنّه كره أن يخالف أبا بكر و عمر» [الخراج: 23 و الأموال: 332، و أحكام القرآن للجصاص 3: 63].

48

[خمس الأرباح و الروايات المفسرة]

..........

____________

أيضا بالنسبة إلى خمس الأرباح و لعلّه لاحظ فيه أيضا مضافا إلى ذلك ما لاحظه الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) من المصلحة في السكوت عنه- كما ذكرنا (1) فلاحظ ما ذكرناه في سيرة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

هذا تمام الكلام في الاستدلال بالوجه الأول بآية الغنيمة على وجوب خمس الأرباح، و بحوث حول ذلك.

و (أما الوجه الثاني) في الاستدلال بآية الغنيمة فهو الاستدلال بها على التفسير الروائي لها بمطلق الفائدة.

لا يخفى: أن الروايات الدالة على وجوب الخمس في الأرباح تكون على ثلاث طوائف:

(الأولى): الروايات المفسّرة لآية الغنيمة.

(الثانية): الروايات الدالة على أصل وجوب الخمس في مطلق الفائدة من دون تعرض فيها للآية الكريمة.

(الثالثة): الروايات الدالة على تحليل الخمس المتوقف على أصل تشريعه لا محالة و الظاهر بلوغ المجموع حد التواتر كما افيد (2) و سنتكلم عن الطائفة الثالثة في مسألة (9) من فصل قسمة الخمس.

____________

- 3- عن محمد بن إسحاق قال سألت أبا جعفر محمد بن علي (عليه السّلام) فقلت علي بن أبي طالب (عليه السّلام) حيث ولي من أمر الناس ما ولي كيف صنع في سهم ذي القربى؟ قال: سلك به سبيل أبي بكر و عمر، قلت: كيف و أنتم تقولون ما تقولون، فقال: ما كان أهله يصدرون إلّا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره- و اللّه- أن يدعى عليه خلاف أبي بكر و عمر» [المصدر السابق] و في رواية أخرى «و لكن كره أن يتعلق عليه خلاف أبي بكر و عمر» [سنن البيهقي 6: 343].

(1) ص.

(2) مستند العروة (كتاب الخمس): 199.

49

..........

____________

(أما الطائفة الأولى) فهي عدة روايات منها:

1- صحيحة علي بن مهزيار- و هي مكاتبة طويلة. عن أبي جعفر الإمام الجواد (عليه السّلام) إلى علي بن مهزيار (1)- و موضع الاستشهاد قوله (عليه السّلام) فيها «و أما الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال اللّه تعالى. وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ ... إلى آخر الآية الكريمة. و الغنائم و الفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء، و الفائدة يفيدها، و الجائزة من الإنسان للإنسان، التي لها خطر (2)، و الميراث الذي لا يحتسب (3) من غير أب، و لا ابن، و مثل عدو يصطلم (4) فيؤخذ ماله، و مثل مال يؤخذ لا يعرف له صاحب، و ما صار إلى موالي من أموال الخرميّة (5) الفسقة، فقد علمت أن أموالا عظاما‌

____________

(1) الوسائل 9: 501، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5 و رواها في الوسائل عن الشيخ في التهذيب 4: 398 و الاستبصار 2: 198 باسناده عن محمد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمد و عبد اللّه بن محمد جميعا، عن علي بن مهزيار، قال: كتب إليه أبو جعفر (عليه السّلام) و قرأت أنا كتابه في طريق مكّة قال: إن الذي أوجبت في سنتي هذه ... إلى آخر الرواية».

قال في الوافي 6: 343 في بيان الحديث: «قال» يعني أحمد، أو عبد اللّه بن محمد «كتب إليه» يعني إلى علي بن مهزيار «أبو جعفر» يعني الجواد (عليه السّلام) و هو أبو جعفر الثاني- أي أحمد بن محمد و عبد اللّه بن محمد، عن علي بن مهزيار: أنه كتب إليه أبو جعفر الجواد (عليه السّلام) و قرأ أحمد أو عبد اللّه كتاب الإمام الجواد (عليه السّلام) إلى علي بن مهزيار.

لا يخفى: أن علي بن مهزيار قد أدرك ثلاثا من الأئمة الأطهار (عليهم السّلام) و هم أبو الحسن الثاني الإمام الرضا (عليه السّلام) و أبو جعفر الثاني الإمام الجواد (عليه السّلام) و اختص به و توكل له و عظم محلّه منه، و كذلك أبو الحسن الثالث الإمام الهادي (عليه السّلام) (لاحظ معجم رجال الحديث 12: 92 رقم 8539، و قد روى خمسة أحاديث في خمس الفوائد رواها عنه في الوسائل 9: 499- 502، الباب 8 مما يجب فيه الخمس، الحديث الأول، 2، 3، 4، 5 و هذه أطولها.

(2) خطر: قدر.

(3) لا يحتسب: لا يخطر بباله.

(4) يصطلم: يستأصل.

(5) الخرّميّة- بالخاء المعجمة، و الراء المهملة- هم أصحاب التناسخ و الإباحة (الوافي 6: 343) و يقولون: إن الناس كلهم شركاء في الأموال و الحرم.-

50

..........

____________

صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شي‌ء من ذلك فليوصل (فليوصله) إلى وكيلي، و من كان نائيا بعيد الشقة (1) فليعتمد لإيصاله و لو بعد حين فإن نية المؤمن خير من عمله» و تقريب الاستدلال بها على تعلق الخمس بمطلق الفوائد و أنه المراد من الآية الكريمة هو ظهور العطف في التفسير بمعنى أن عطف الفائدة على الغنيمة في قوله (عليه السّلام) فأما الغنائم و الفوائد» عطف تفسيري لا عطف العام على الخاص، و ذلك بقرينة الاستشهاد بالآية الكريمة على ثبوت الخمس فيهما فيكون المراد من الغنيمة هي الفائدة فيتحدان مفهوما أو مرادا لا سيما بملاحظة الأمثلة التي ذكرها (عليه السّلام) لها ثم إنه لا بد أن يراد من الفائدة مطلقها و لو كانت بسعي و طلب فتشمل أرباح المكاسب أيضا، لشمول الآية الكريمة للغنائم الحربية جزما، فإذا أريد منها الفائدة فلا بد و أن يراد منها. مطلق الفائدة، و لو كانت بالسعي و الاكتساب؛ لأن الغنائم الحربيّة لا تحصل إلّا بجهد بالغ، فإذا أريد من الآية الكريمة ما يعم الفوائد غير الاكتسابيّة كالأمثلة المذكورة في الرواية، من الجائزة، و الميراث، و نحو ذلك مما لا اكتساب في تحصيله- فلا بد أن يراد بها الجامع؛ لأن النسبة بين هذين النوعين (الغنائم الحربيّة، و الفوائد غير المكتسبة) التباين و الجامع بينهما ليس إلّا مطلق الفائدة، أي سواء أ كانت بالجهد و الاكتساب، كالغنائم الحربية، و أرباح التجارات، أو كانت بدون ذلك، كالهبة و الميراث،

____________

- و ينسبون إلى «بابك خرّم دين» المزدكي و هو رجل إيراني خرج من آذربايجان سنه 201 و حاربه المأمون و لم يتمكن منه، و استمر أمره إلى زمن المعتصم و تسلط على بلاد آذربايجان، و ارمنستان و غيرهما، و اجتمع حوله عدد كبير من الجيش حتى بعث إليه المعتصم رجلا يسمى «افشين» و كان من قادة الترك فغلب عليه و أسّره و جاء به إلى المعتصم فقتله، و كان قد استمر خروجه على المسلمين كما قيل- أكثر من مدّة عشرين سنة، و قتل منهم ما يقرب من (255000) نفرا، و كان يدعى النبوّة و يقول بالتناسخ و الحلول و الرجعة، و كان من الأشرار، و قيل إن قتله كان في سامراء بعد انتقاله إليه أسيرا سنة 220 أو 223- اقتباس و تلخيص من (لغت‌نامه دهخدا) 9: 101- 122.

(1) نائيا: أي بعيدا و الشقة بالضم و الكسر: الناحية.

51

..........

____________

و نحوهما من الأمثلة المذكورة في الرواية إذ الجامع بين المتباينين لا يكون إلّا بإلغاء خصوصية الطرفين، كالحيوان يعم الإنسان و البقر، فإذا كان المراد من الغنيمة في الآية المباركة الفائدة- كما هو المستفاد من العطف- كان المراد مطلق الفائدة لا محالة لا الفائدة المطلقة.

فإن قلت: إن هذا ينافي ما في صدر الرواية من عدم إيجابه (عليه السّلام) الخمس في ربح التجارة و الضيعة فإنّه (عليه السّلام) قال «و لم أوجب ذلك (أي الخمس) عليهم في كل عام، و لا أوجب عليهم إلّا الزكاة التي فرضها اللّه عليهم، و إنما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب و الفضة التي قد حال عليهما الحول، و لم اوجب ذلك عليهم في متاع و لا آنية و لا دواب و لا خدم و لا ربح ربحه في تجارة و لا ضيعة إلّا ضيعة سأفسر لك أمرها تخفيفا مني عن مواليّ ... إلى أن قال (عليه السّلام) فأما الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام ...» فإن هذا التقسيم بين ما اسقط عنه تخفيفا و بين ما لا يسقط عنه الخمس مستشهدا بالآية الكريمة في الثاني ظاهر في عدم اندراج أرباح التجارات و الزراعات في الغنائم و الفوائد التي أوجب اللّه تعالى الخمس في كل عام لعدّه (عليه السّلام) أرباح التجارات و الضيعة في القسم الأول في مقابل القسم الثاني، و الحاصل: أن ظاهر الرواية هو التفصيل بين الفوائد المكتسبة و الفوائد المجانية فعفى عن الأول و لم يعف عن الثاني مستشهدا بالآية الكريمة على عدم العفو في الثاني‌

و من هنا قد يستشعر- كما قيل (1)- اختصاص خمس الأرباح بالإمام (عليه السّلام) و أنه هو السبب في تصرفه فيه رفعا و تخفيفا، أي يكون خمس الأرباح تشريعي ولائي، لا أصلي.

____________

(1) مصباح الفقيه 14: 102، كتاب الخمس.

52

..........

____________

قلت: أولا أن مقتضى العطف التفسيري في قوله (عليه السّلام) «و أما الغنائم و الفوائد ...»‌

هو شمول الغنيمة لمطلق الفوائد المكتسبة و غيرها- كما ذكرنا- فتشمل أرباح التجارات و الزراعات لا محالة (1) فلا بد من الالتزام بالتخصيص بمعنى أن العفو عن الخمس في القسم الأول من الفوائد كما في صدر الرواية يكون تخصيصا للآية الكريمة في مدّة معيّنة تخفيفا عن مواليه (عليه السّلام) فإنّه المناسب للعفو لحاجته إلى السعي و الطلب و نوع من الصعوبة و ثانيا لو سلمنا ذلك في لفظ الغنيمة فلا نسلمه في لفظ «الفوائد» فإنّه لا إشكال في شمولها لمطلق الفائدة المجانية و المكتسبة كما افيد (2) فلا بد أيضا من الالتزام بالتخصيص في القسم الأول لا التقابل بين القسمين في كيفية التشريع.

و من هنا جاء في بعض الأخبار تفسير الغنيمة بالفائدة صريحا و كيف كان فلا ينبغي التأمل في صحة الاستدلال بهذه الصحيحة على تعميم الحكم للفوائد حتى المكتسبة كأرباح التجارات، إلّا أن يقوم دليل خاص على العفو عنها، كما ورد في صدرها حيث عفا عنها الإمام الجواد (عليه السّلام) في سنة وفاته سنة 220 ه‍ فيكون خروجها عنها من باب التخصيص لا التخصص، لشمول الفائدة لها جزما و هي مفسّرة للغنيمة فالنتيجة أن خمس الأرباح تشريع إسلامي لا ولائي.

حول مقالة صاحب المدارك و قد أورد في المدارك (3) على هذه الفقرة من الرواية قائلا: إن «مقتضاها اندراج الجائزة الخطيرة، و الميراث ممن لا يحتسب، و المال الذي لا يعرف‌

____________

(1) و يؤيد ذلك تفسير الغنيمة في رواية حكيم بالإفادة يوما بيوم- لاحظ الوسائل 9: 546، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8.

(2) مستند العروة (كتاب الخمس): 206.

(3) المدارك 5: 383.

53

..........

____________

صاحبه، و ما يحل تناوله من مال العدو في اسم الغنائم، فيكون مصرف الخمس فيها مصرف خمس الغنائم».

فكأنه (قدّس سرّه) أنكر اندراج هذه الموارد في الغنيمة، و الفائدة، مضافا إلى اشكال أورده على صدرها و ذيلها، كما يأتي في التعليقة.

و يندفع بما أجابه سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) على ما في تقرير بحثه (1) بأن الجائزة من أظهر أنواع الفوائد، هب أن لفظ «الغنيمة» لا يشملها، و لكن «الفائدة» شاملة للهدية قطعا، و كيف لا يكون العثور على مال مجانا من دار، أو عقار، و نحوهما فائدة، و لا أدري بأي وجه استشكل ذلك، بل هي غنيمة أيضا، و مع الغض ففائدة بلا إشكال، و كذلك الحال في الميراث الذي لا يحتسب، و المال المأخوذ من عدو يصطلم، فإن كون ذلك كله فائدة أمر قطعي لا ينكر، نعم قوله (عليه السّلام) «و مثل مال يؤخذ و لا يعرف له صاحب» لا يخلو من إشكال، نظرا إلى أن هذا من مجهول المالك، و المشهور و المعروف لزوم التصدق به، و ليس للآخذ تملكه ليدخل في الفائدة، كما في اللقطة و إن نسب ذلك إلى بعضهم استنادا إلى هذه الصحيحة، و لكن المشهور خلافه، كما عرفت، فكيف عدّ فيها من الفوائد و الغنائم و لكن الظاهر أن الصحيحة غير ناظرة إلى المال المجهول مالكه للفرق الواضح بين قولنا «مال لا يعرف صاحبه» و بين قولنا «مال لا يعرف له صاحب» إذ الصاحب في الأول مفروض الوجود، غايته أنه غير معروف، فيكون من مجهول المالك بخلاف الثاني،- و هو الوارد في الصحيحة- حيث لم يفرض له صاحب و مالك، و لعلّه لا صاحب له أبدا، و أنّه من المباحات الأصيلة التي هي ملك لمن استولى عليها، و هذا كما ترى أجنبي عن باب مجهول المالك. و داخل في الفوائد و الغنائم بلا إشكال كما تضمنته الصحيحة.

____________

(1) مستند العروة (كتاب الخمس): 203.

54

..........

____________

أقول: الظاهر أن غرض صاحب المدارك من هذا الإشكال هو أنه لو بنى على اندراج هذه الموارد في الغنيمة كان مصرف خمسها مصرف خمس الغنائم- كما ذكر في آخر عبارته- و حينئذ لا يختص تمامه بالإمام (عليه السّلام) فكيف أسقط الإمام (عليه السّلام) تمام الخمس في بعض السنين، كما في صدر الرواية.

و الجواب عنه: أن للإمام (عليه السّلام) ولاية التصرف في جميع أموال بيت المال، لمكان ولايته العامة التفويضيّة (1)، فإذا كان هناك مصلحة في العفو عن الخمس في سنة أو أكثر كان له العفو و لا يزيد ذلك على التحليل المستمر لو ثبت.

(تنبيه) إن هذه الصحيحة وقعت تحت السؤال.

من قبل بعض فقهائنا حتى آل أمرها عند بعضهم كصاحب المدارك (2) إلى الإعراض عنها رأسا، و لكن تصدى للجواب من تأخر عنه من الأعلام كصاحب المنتقى (3) و صاحب الحدائق (4) و غيرهما (5) (قدّس سرّهم) و السبب في الإشكال إنما هو ما تضمنته هذه الصحيحة- صدرا و ذيلا- من إعمال ولايته (عليه السّلام) في الخمس إما تشريعا في بعض الموارد- كالذهب و الفضة- بناء على وجوب تخميسهما بعنوانهما الأولي، أي الذهب و الفضة، في مدّة محدودة لا لكونهما من الأرباح، أو تخفيفا على الشيعة إما بالعفو المطلق عن بعض الموارد- في مدّة خاصّة- أو بتقليل مقداره عن مورد آخر إلى نصف السدس.

____________

(1) لاحظ رواياتها في الكافي 1: 265 و 268 حيث عقد لها بابا يذكر الأحاديث الواردة في الولاية العامة، و ذكر بعضها في الحدائق 12: 375. و قال (قدّس سرّه) و يؤيد هذه الأخبار أيضا ما في رواية أبي خالد الكابلي عنه (عليه السّلام) قال: «إن رأيت صاحب هذا الأمر يعطى كل ما في بيت المال رجلا واحدا فلا يدخلن في قلبك شي‌ء، فإنّه إنما يعمل بأمر اللّه».

- الوسائل 9: 520، الباب 2 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.

(2) المدارك 5: 383 للسيد العاملي المتوفى سنة 1009 ه‍ ق.

(3) المنتقى 2: 141 للشيخ حسن ابن الشهيد الثاني المتوفى سنة 1011 ه‍ ق.

(4) الحدائق 12: 355 للمحدث البحراني (قدّس سرّه) المتوفى سنة 1186 ه‍ ق.

(5) كالمحقق الهمداني (قدّس سرّه) في كتاب الخمس: 125- المتوفى سنة 1322 ه‍ ق.

55

..........

____________

و الجواب عن ذلك كله هو أن أمر الخمس بيد ولي الأمر أي الإمام المعصوم (عليه السّلام) فله أن يعفو أو يقلل مقداره، أو يشرّع في مورد خاص في مدّة محدودة لمصلحة تقتضي ذلك إذ لا يزيد ذلك على تحليل الخمس لشيعتهم لابتناء ذلك كله على أصل الولاية، كما اشير إلى ذلك في أخبار التحليل و أن ذلك من حق الإمام (عليه السّلام) (1).

و أشار إلى ذلك أيضا صاحب الوسائل (قدّس سرّه) في ذيل هذه الصحيحة (2) و في ذيل مكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني (3) أيضا و كيف كان فلا يضر شي‌ء من ذلك بما أردناه من الاستدلال على وجوب الخمس في مطلق الفائدة بقطعة من هذه الصحيحة المفسرة لآية الغنيمة- كما عرفت- إذ هي معتبرة سندا و واضحة الدلالة على المقصود، و لا يصغى إلى ما قيل حولها من الإشكال، حتى يعرض عنها مثل صاحب المدارك، فإن التصرفات الولائية في الأمور المالية كالخمس- الذي أمره بيد ولي الأمر- لا يمنع عن الاستدلال بالقطعة الواردة في الحديث المتضمنة لبيان أصل الحكم الكلي، كما افيد (4).

و لا بأس بذكر ما قيل أو يمكن أن يقال حول هذه الصحيحة من الإشكال و الجواب عنه.

فقه الحديث (حديث علي بن مهزيار).

لا بد من ذكر متن هذه الصحيحة بتمامها كي يتضح الحال فيها سؤالا جوابا.

____________

(1) الوسائل 9: 537، الباب 3 من أبواب الأنفال.

(2) الوسائل 9: 503 و 501.

(3) الوسائل 9: 503 و 501.

(4) أفاده سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) في مستند العروة كتاب الخمس: 206.

56

..........

____________

و هي جواب مكاتبة علي بن مهزيار إلى الإمام أبي جعفر الجواد (عليه السّلام) رواها أحمد بن محمد، و عبد اللّه بن محمد جميعا عنه قال (1) «كتب إليه أبو جعفر (عليه السّلام) و قرأت أنا كتابه إليه في طريق مكّة».

قال (2): «إن الذي أوجبت في سنتي هذه- و هذه سنة عشرين و مائتين (3) فقط- لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كله خوفا من الانتشار (4) و سأفسّر لك بعضه إن شاء اللّه (5)».

إنّ موالي- أسأل اللّه صلاحهم- أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك، فأحببت أن أطهّرهم، و أزكّيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس (في عامي هذا)، قال اللّه تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقٰاتِ، وَ أَنَّ اللّٰهَ هُوَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ، وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلىٰ عٰالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهٰادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (6) و لم أوجب ذلك عليهم في كل عام، و لا أوجب عليهم إلّا الزكاة التي فرضها اللّه عليهم، و إنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي‌

____________

(1) أي قال أحمد أو عبد اللّه كتب أبو جعفر (عليه السّلام) إلى علي بن مهزيار و قرأت أنا كتابه.

(2) أي قال في كتابه (عليه السّلام) إلى علي بن مهزيار. حيث أشخصه (عليه السّلام) المعتصم العباس من المدينة إلى بغداد، و دخل فيه يوم 28 من المحرم سنة 220 ه‍ ق، و استشهد (عليه السّلام) في بغداد بسم من قبل المعتصم في أواخر تلك السنة في آخر شهر ذي القعدة سنة 220، و دفن (عليه السّلام) بجنب الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) و عمره الشريف يوم ذاك 25 سنة، و كان مدة إقامته في بغداد حوالي عشرة أشهر، منتهى الآمال.

(3) و هي سنة وفاة الإمام الجواد (عليه السّلام).

(4) لعله أراد ذكر وفاته، و لم يحب انتشارها.

(5) و هو ما يذكره (عليه السّلام) بقوله «إن موالي أسأل اللّه صلاحهم ...».

(6) التوبة: 103- 105.