فقه الشيعة - كتاب الخمس والأنفال - ج3

- السيد محمد مهدي الخلخالي المزيد...
348 /
3

الجزء الثالث

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

4

فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.

القرآن الكريم‌

سورة التوبة (9): 122‌

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

القرآن الكريم‌

سورة الأنفال (8): 1‌

5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، خالق السماوات و الأرضين. و الصلاة و السلام على خير خلقه، المبعوث نبيّا على مشارق أرضه و مغاربه، محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، حجج اللّه على خلقه أجمعين.

جرت سيرة الفقهاء على البحث عن الأنفال بعد الخمس (1) لاشتراكهما في أنّهما للإمام (عليه السّلام) ملكا أو ولاية، أحببنا أن نجري على سيرتهم في هذا المجال، فأردفنا مباحث الخمس بالأنفال تبعا لهم.

و لمّا كان أهم أقسام الأنفال الأراضي لحاجة الناس إليها طول الزمن أضفنا إليها أحكام سائر الأراضي (2) تتميما للفائدة.

ثم إن الأنفال تكون على ثلاثة أقسام:

1- الأراضي.

2- ملحقات الأراضي.

3- الأموال المنقولة.

نتعرض لها فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) كما فى متن الشرائع و شروحه، لاحظ الجواهر ج 16 ص 115 كتاب الخمس.

(2) تعرّض الفقهاء لأحكام الأراضى فى كتب متعددة ككتاب الخمس، و كتاب الجهاد، و كتاب التجارة، و كتاب إحياء الموات، و قد عقد فى الوسائل ابوابا لهذه المسألة فى كلّ من الكتب المذكورة. و حيث انّ تكثر اقسام الأرض و اختلاف احكامها و عموم البلوى بها و دقّة مباحثها الفقهيّة تستدعى بسطا من الكلام حاولنا ان نتعرّض لها بنحو من البسط، لأنّ كتاب الخمس هو احد مواضع ذكرها، و هذه مناسبة سنحت لنا الفرصة لذلك و الحمد للّه.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدمة: 1- أقسام الأراضي.

2- تفسير العناوين الثلاثة:

الأنفال، الغنيمة، الفي‌ء.

3- النسبة بين العناوين الثلاثة.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

أقسام الأراضي: الطبيعية، السياسيّة، المملوكة.

تفسير العناوين الثلاثة: الأنفال، الغنيمة، الفي‌ء.

وجوه الاشتراك و الافتراق بينها:

بحث تفسيري حول آية الأنفال.

بحث تفسيري حول آية الفي‌ء.

بحث روائي.

خلاصة البحث.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدمة:

لا بأس بتقديم مقدمة نذكر فيها أمورا لعلها تنفعنا في الأبحاث الآتية:

(الأول) أقسام الأراضي فى الحكم الإسلامي.

(الثاني) في تفسير كل من العناوين الثلاثة «الأنفال، الغنيمة، الفي‌ء» الواردة في الكتاب و السنة، و تعريف كل منها، موضوعا و حكما، وضعا و تكليفا.

(الثالث) في بيان وجوه الاشتراك و الافتراق بين العناوين المذكورة (النسبة بينها).

أما الأمر الأول ففي أقسام الأراضي

تنقسم الأراضي إلى تقسيمات ثلاثة:

(الأول) الأقسام الطبيعية.

(الثاني) الأقسام السياسية.

(الثالث) أقسام المملوكة.

أما الأول فتقسيمها إلى العامرة و الموات، و ذلك لوضوح أن طبيعة الأرض في حد ذاتها- قبل تصرف أي إنسان فيها- لا تخلو بالذات من إحدى الحالتين لا محالة؛ لأنها إما أن تكون عامرة لتوفر شروط الحياة و الانتاج فيها من ماء و مرونة في التراب و نحو ذلك أو تكون ذات شجر و نبات بالفعل، كالغابات و نحوها و إما أن لا يكون فيها شي‌ء من ذلك فتكون من الموات في الاصطلاح الفقهي و قد أشار الكتاب العزيز إلى ذلك بقوله تعالى: وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنٰاهٰا ... (1).

ثم إن الأرض بقسميها الطبيعي تكون من الأنفال- كما سيأتي- و من هنا يصح أن يقال: إن الأرض كلها للإمام على نحو من الملكية، و قد صرّحت نصوص‌

____________

(1) يس: 33.

12

كثيرة (1) بأن الأرض كلها للإمام، أي لمنصب الإمامة (الدولة الإسلامية) و لا موجب حينئذ لحملها على الملكية المعنوية كما عن بعض الأعلام (2)، لعدم موجب لذلك بعد الاعتراف بأن الأراضي العامرة بالأصل أي طبيعيا كالغابات و نحوها، و كذا الأراضي الموات بالأصل كلها من الأنفال، إذ لم تخرج قطعات كرة الأرض في بداية الأمر عن إحدى هاتين (العامرة و الموات).

نعم، قد احتاج البشر إلى إحياء بعض قطعاتها للسكنى، أو الاستثمار بالزرع و نحوه، فبنى أكواخا، أو قصورا، للسكن، و اتخذ مزارع للإعاشة بثمرها و من هنا انفتح باب البحث عن حكم الإحياء بالعرض و الموات بالعرض و دخلت في الفقه أيضا، و سنذكر أحكامها (3) إن شاء اللّه تعالى.

و بالجملة لا محذور في الالتزام بأن جميع الأراضي العامرة طبيعيا و الموات الطبيعية كلها تكون من الأنفال في بداية الأمر، أي تكون للإمام و بتعبير آخر للدولة الإسلامية، و إن كانت في يد الكفار، و سيرجع جميعها إلى مالكها الأصلي و هو إمام العصر (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) إن شاء اللّه تعالى فتكون فيئا.

هذا كله بلحاظ التقسيم الطبيعي للأرض، و محل بحثه في الفقه الإسلامي كتاب إحياء الموات، و كتاب الخمس في بحث الأنفال.

و أما التقسيم الثاني- و هو التقسيم السياسي- و نعني به تقسيم الأراضي بلحاظ الطوارئ و الحوادث السياسية الواقعة في عصر الإسلام- الموجبة لإلحاق الأراضي إلى دار الإسلام- فأقسامه أربعة:

____________

(1) منها صحيحة الكابلي في الوسائل 17: 329، الباب 3 من إحياء الموات، الحديث 2.

(2) المحقق الأصفهاني في تعليقته على المكاسب: 241، سطر 9، ط. الحجري.

(3) الإحياء البشرى يوجب الحق في الأرض المحياة و يجب عليه الطسق (الاجرة) كما هو مقتضى الجمع بين الأخبار، كما يأتي في بحث إحياء الموات، إلّا أن المؤمنين يعفون عن

أدائها و لكن يثبت على غيرهم، ثم إنه إذا تركها المحيي حتى ماتت فإن كان قد ملكها بالإحياء فيجوز لغيره إحياؤها و إن كان قد ملكها بشراء و نحوه فيحييها الغير مع أداء الأجرة لمالكها الأول على الكلام الآتي.

13

1- الأراضي المفتوحة عنوة (أي بالقهر و الغلبة).

2- الأراضي المفتوحة سلما.

3- الأراضي المسلمة بالدعوة.

4- أراضي الصلح.

و هذا التقسيم أيضا تقسيم لطبيعة الحوادث الموجبة لإلحاق الأراضي- التي تكون بيد الكفار- إلى دار الإسلام؛ لأن الدعوة الإسلامية إما أن تقابل من طرف العدو بالمخالفة و العناد فإذا وقع الحرب و القتال، و دخل (1) الجيش الإسلامي في الأراضي الكافرة كانت تلك الأراضي من المفتوحة عنوة في الاصطلاح الفقهي و إذا دخل من دون مقاومة من العدو كانت من المفتوحة سلما.

و إما أن تقابل الدعوة الإسلامية بقبول العدو الإسلام من دون أي حرب و قتال، بل بقناعة لدعوة الحق.

و إما أن تنتهي إلى الصلح و يبقى العدو عادية عليهم، و من المعلوم أنه لا تخرج حالة المقابلة من الكفار عن إحدى هذه الحالات الأربعة عادة.

ففي الحالة الأولى تملك أراضيهم لعامة المسلمين، و تسمى الأراضي بالمفتوحة عنوة، و تكون للمسلمين.

و في الحالة الثانية تسمى الأراضي بالمفتوحة سلما و تكون الأراضي للإمام أي من الأنفال كما دل عليه آية «الفي‌ء».

و في الحالة الثالثة يبقى الأراضي على ملكية مالكيها؛ لأنهم مسلمون كغيرهم ممن دخل في الإسلام، فتبقى أموالهم و نفوسهم و أعراضهم محترمة، لأن المفروض دخولهم في الإسلام، و هذا هو مقتضى العدالة الإسلامية، و تسمى هذه الأراضي فى الاصطلاح الفقهي بالأرض المسلمة بالدعوة.

____________

(1) فإذا دخلها فتحا من دون قتال و مقاومة من قبل العدو كان الأرض من الأنفال أي للإمام، كما أشار إليه الآية الكريمة وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ. سورة الحشر: 6.

14

و في الحالة الرابعة لا بد من متابعة بنود الصلح من حيث وقوع الصلح على أن تكون الأراضي للمسلمين أو لهم، و هذا أيضا هو مقتضى الحق و العدالة، لوقوع الصلح برضى الطرفين، و الصلح أمر جائز عرفا و شرعا و تسمى هذه الأراضي بأرض الصلح.

فالمتحصل من التقسيم الثاني هو بيان كيفيّة إلحاق الأراضي الكافرة إلى دار الإسلام، و توسّع الحكومة الإسلامية من الناحية السياسة، و شمولها للأراضي التي استملكها الكفار بإحيائهم لها ابتداء، و صارت لهم بعد أن كانت من الأنفال، بناء على عدم اشتراط الإسلام في الاستملاك بالإحياء، أو لا أقل من إيجاد الحق بها للمحيي للأرض، و على أية حالة أن ملكية الكفار للأراضي المذكورة، أو ثبوت حق لهم فيها بالإحياء إنما تفرض بعد تشريع ملكية الموات الأصلية لإمام المسلمين، ففي الحالات الأربعة الطارئة تسترجع منهم هذا الملك أو الحق و تلحق بدار الإسلام على النحو المتقدم.

و قد أشار الكتاب العزيز إلى بعض أقسامها بقوله تعالى: وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ ... (1).

و هو القسم الثاني، أي الحالة الثانية، و هي الفتح سلما.

فقد تحصل من مجموع التقسيمين (الطبيعي و السياسي) أن الأراضي تكون على أربعة أقسام كما صرّح بها الفقهاء (2).

1- الأنفال: و هي للإمام.

2- المفتوحة عنوة: و هي لعامة المسلمين.

3- أرض الصلح- و هي تتبع كيفية الصلح.

4- الأرض المسلمة بالدعوة- تبقى لهم.

____________

(1) سورة الحشر: 6، و سيأتي بيانها في الأمر الثاني.

(2) الحدائق 18: 294، و قد فصل الكلام في الأنفال في 12: 470- 481 في كتاب الخمس، فراجع.

15

و لكن ينبغي التنبه على أن أراضي الأنفال ليست قسيما لبقية الأقسام المذكورة، و إنما هي قسم منها؛ لأن أرض الفتح، أو الصلح، أو المسلمة بالدعوة تشتمل على العامرة و الموات، و أراضي الموات تكون من الأنفال أينما كانت، و إنما نبحث عن هذه العناوين الثلاثة الطارئة على الأراضي، لاختلافها مع موات الأنفال في نوع الملكيّة. فإن المفتوحة عنوة إذا كانت عامرة تكون للمسلمين، و مواتها للإمام، و أما الأرض المسلمة بالدعوة فتكون عامرها لأهلها المسلمين، و مواتها للإمام أيضا و أمّا أرض الصلح فعامرها يتّبع كيفيّة الصلح هل يكون للمسلمين أو لهم و مواتها أيضا تكون من الأنفال.

و بتعبير آخر: أن تقسيم الأرض إلى العامرة و الموات و تقسيم كل منها إلى الأصلي و العرضي كما صنع الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) (1) إنما هو تقسيم طبيعي للأرض- كما ذكرنا- لأن طبيعة الأرض لا تخلو من إحدى الحالتين، و أما تقسيمها بالفتح و الصلح و التسليم فإنما هو تقسيم باعتبار الحالات الطارئة من حيث غلبة المسلمين على أرض الكافرين، أو الصلح معهم على شي‌ء، أو إسلام أهلها طوعا، و هذه كلها حوادث تستدعي اختلاف نوع ملكيتها في غير الملكية الثابتة التي تكون للإمام على أية حالة.

و أما التقسيم الثالث (فبلحاظ الملكية).

و المراد به تقسيم الأرض باعتبار ملكيّتها لمالكها الشرعي، و هي بهذا اللحاظ تكون على ثلاثة أقسام:

1- ملك الإمام (عليه السّلام) (منصب الإمامة).

2- ملك المسلمين كافة (الأمة).

3- ملك الأشخاص.

____________

(1) كتاب البيع: 161 ط حاشية الشهيدي.

16

أما الأول (الملكية العامة لمنصب الإمامة).

فهو الأرض التي تكون ملكا لمنصب الإمامة المعصومة التي من شأنها الرئاسة العامّة على الدولة الإسلامية، و هذه تنتقل من إمام إلى آخر، و هي المعبّر عنها بالأنفال، كالأراضي الموات و نحوها على ما يأتي.

و أسباب ملكيّة الإمام (عليه السّلام)- بما هو إمام- للأنفال إنّما هي من التشريعات الإسلامية عن طريق الكتاب و السنة، كآيات الأنفال، و الفي‌ء و الخمس.

و أما الثاني (الملكية العامة للمسلمين) فهو في الأرض التي يملكها المسلمون على نحو العموم على وجه الاستمرار و طول الزمن.

و سبب ملكيتهم لها أمران:

(الف): الفتح عنوة، و تسمّى بالأراضي الخراجية.

(ب): الصلح مع الكفّار على أن تكون أرضهم للمسلمين، و تسمّى بأرض الصلح في اصطلاح الفقهاء.

و أما الثالث (الملكية الخاصة للأفراد).

فهو في الأراضي الّتي يملكها آحاد الناس ملكيّة خاصّة، و أصول أسبابها ثلاثة:

(الف): إحياء الأراضي الموات و إليها تنتهي- على الأغلب- سلسلة الملكيّات الخاصّة في الأراضي بالنقل و الانتقال بالبيع و الهبة و الإرث و نحو ذلك، على طول الزمن. فإنّ المالك الأول قد ملك الأرض بالإحياء، ثمّ انتقل منه إلى غيره بأحد النواقل الشرعيّة على مرور الأيام.

(ب): إسلام أهل الأرض طوعا، فإنّ الأرض تبقى على ملكيّة أهلها، كما كانوا قبل الإسلام و يجوز شرائها.

(ج): دخول الأرض فى دار الإسلام بعقد صلح يتضمّن منح الأرض لأهلها الكفرة فتبقى على ملكية الأشخاص و يجوز شراؤها منهم و هي أرض الصلح.

هذه هي أسباب الملكية الخاصة الجزئية للأراضي.

17

تنبيه في بيان الفرق بين الملكيتين:

إنّ ملكيّة الإمام للأنفال و ملكيّة المسلمين للأراضي المفتوحة عنوة يشتركان في أنّهما تحت ولاية الإمام (عليه السّلام) أمّا ولايته على الأنفال فواضح؛ لأنّها له (عليه السّلام) و أمّا على ملك المسلمين فلأنّه من الأموال العامّة و يرجع أمرها إلى وليّ المسلمين.

و قد دلّ على ذلك النصوص (1) أيضا، و هذا ظاهر لا خلاف فيه بين الأمّة (2) إلّا أنّهما يختلفان من وجوه:

(أحدها): أنّه لا بدّ في صرف ثمرات أرض الأمّة في مصالحهم العامّة، كبناء القناطر و الطرق، و المستشفيات، و المدارس، و سدّ الثغور، و معونة الجيش، و نحو ذلك و لا يجور استثمارها لجهة أو فئة خاصة، إلّا إذا كانت تعود بنحو من الأنحاء إلى المصلحة العامّة.

و أما عوائد الأنفال فتصرف في مصالح الحكومة الإسلاميّة مهما أدّت تلك المصلحة، و لو بإعطاء المال لشخص خاصّ تعود مصلحته للدولة الإسلامية، و أمرها بيد وليّ الأمر.

(ثانيها): أنّ الإحياء توجب الملكيّة أو حقّ الاختصاص في موات الأنفال الّتي هي للإمام (عليه السّلام) و أما موات الأراضي الخراجيّة أي التي خربت بعد أن كانت عامرة حين الفتح فلا تملك بالإحياء، كما ادّعى عليه الإجماع (3). و إنّما يملك‌

____________

(1) راجع الوسائل 11: 327 و 329 كتاب الجهاد، الباب 71 و 72 و ج 12: 273 كتاب التجارة، الباب 21 من أبواب عقد البيع.

(2) الجواهر 21: 163 كتاب الجهاد.

(3) كما في بلغة الفقيه عن المسالك 1: 339، و صرّح بعدم الملك المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) في تعليقته على المكاسب: 251 في «المقام الخامس» و يأتي توضيحه في القسم الرابع من الأراضي المفتوحة عنوة و هو البائرة بعد الفتح.

18

القائم بعمارتها ببناء و غرس، أو زرع، أو نحو ذلك مجرد الانتفاع بها أو المنفعة، كما في باب الإجارة، فالأراضي الخراجيّة الّتي لحقها الخراب تظلّ خراجيّة و ملكا للمسلمين، و لا تصبح ملكا خاصّا للفرد بسبب إحيائه و إعماره لها.

هذا هو المشهور المدّعى عليه الإجماع إلّا أنّ السيد الاستاذ (دام ظلّه) ذهب إلى القول بملكيّتها بالإحياء إذا خربت، كالأنفال. قال (دام ظلّه) (1): «فإذا ماتت الأرض المفتوحة عنوة و قام فرد بإحيائها ملكها على أساس أنّ ملكيّة الأرض المزبورة للأمّة متقوّمة بالحياة فلا إطلاق لما دلّ على ملكيّتها لهم لحال ما إذا ماتت و خربت. و على تقدير الإطلاق فلا يمكن أن يعارض ما دلّ على أنّ كلّ أرض خربة للإمام (عليه السّلام) (2) حيث إنّ دلالته عليها بالإطلاق و مقدمات الحكمة، و هو لا يمكن أن يعارض ما دلّ عليها بالعموم وضعا و عليه فتدخل الأرض الّتي عرض عليها الموت في عموم ما دلّ على أنّ من أحيى أرضا مواتا فهي له (3)- انتهى-». و سيأتي البحث عن ذلك في الأراضي الخراجيّة.

(الثالث) أنّه لا يصحّ بيع رقبة الأراضي الخراجيّة (4) إلّا بتبع الآثار؛ لأنّها موقوفة على المسلمين كما حرّر في كتاب البيع (5) و هذا بخلاف الأنفال الّتي هي للإمام، فإنّه يملكها المحيي، و يجوز له بيعها.

أما الأمر الثاني ففي تفسير العناوين الثلاثة (الأنفال، الغنيمة، الفي‌ء)

1- الأنفال

1- الأنفال في القرآن

و هو الأصل فيها:

____________

(1) منهاج الصالحين 1: 382 م 46، كتاب الجهاد.

(2) الوسائل 6: 364، الباب الأول من أبواب الأنفال.

(3) الوسائل 17: 326، الباب الأول من إحياء الموات، الحديث الأول.

(4) هذا إذا قلنا بعدم ملكيتها بالإحياء بعد الخراب، كما تقدّم في الأمر الثاني، و إلّا لصحّ بيعها.

(5) عند البحث عن شرائط العوضين.

19

قال اللّه عزّ و جلّ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1).

ذكر المفسّرون (2) أنّها نزلت في وقعه بدر (3)، حيث إنّه ترك المشركون المنهزمون ورائهم أموالا طائلة، فجمعها المنتصرون من المسلمين. ثمّ اختلفوا بينهم فيمن تكون له هذه الأموال، أ تكون للّذين خرجوا في أثر العدوّ، أو تكون للّذين أحاطوا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حموه من العدوّ؟ فسألوا النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك، فنزلت الآية الكريمة، ترشدهم إلى جواب هذا السؤال و أنّ أمرها بيد اللّه و رسوله، لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء.

2- الأنفال في اللغة

الأنفال جمع «نفل» بالتحريك و السكون و عن الأزهري: «النفل ما كان زيادة على الأصل، سمّيت الغنائم بذلك؛ لأنّ المسلمين فضّلوا بها على سائر الأمم الّذين لم تحلّ لهم الغنائم».

و عن القاموس: «النفل بمعنى الغنيمة و الهبة» (4) و هذا تفسير تطبيقي، لأن «النفل» لغة بمعنى «الزائد» و قد جاء بهذا المعنى في قوله تعالى:

____________

(1) الأنفال: 1.

(2) كصاحب مجمع البيان 3 و 4: 517.

(3) إنّ أوّل صدام مسلح وقع بين المسلمين و المشركين كان يوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية من الهجرة في «بدر» و هو واد يقع بين مكة و المدينة على 28 فرسخا من الثانية، و قد انتهى هذا الصدام بالنصر المؤزّر و الفوز العظيم للنّبي (صلّى اللّه عليه و آله) و المسلمين، و لأوّل مرّة منذ البعثة يشعر المسلمون بحلاوة النصر، و يمكّنهم اللّه من أعدائهم الّذين اضطروهم طيلة خمسة عشر عامّا، و الّذين اخرجوهم من ديارهم و أموالهم بغير حقّ إلّا أن يقولوا ربّنا اللّه.

و قال في مجمع البيان في 3- 4: 544- 545 في ذيل آية الغنيمة: «و كان يوم بدر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا، و قيل كان التاسع عشر من شهر رمضان و قد روى ذلك عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)».

(4) الحدائق 12: 470.

20

وَ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ نٰافِلَةً (1) أي لإبراهيم زيادة على ما سأله من الولد، أو لكون ولد الولد زيادة على الولد و من هنا سمّيت الصلوات المستحبّة نافلة لزيادتها على الفريضة.

3- الأنفال في الاصطلاح الفقهي

تعريفها

و قد عرّفها في الشرائع (2) بأنّها «ما يستحقّه الإمام (عليه السّلام) من الأموال على جهة الخصوص كما كان للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)».

و قريب منه ما في الحدائق (3) و غيره (4) من الكتب الفقهيّة. و المتحصّل من التعاريف الفقهيّة أنّها عبارة عن الثروات الّتي حكمت الشريعة الإسلامية بملكيّة الدولة لها، المعبّر عنها في التعابير الفقهيّة بملكيّة منصب الإمامة. هذا بحسب المفهوم الاصطلاحي.

و أما بحسب المصداق فهي أموال كثيرة (5) يأتي ذكرها عند تفاصيل الأنفال إن شاء اللّه تعالى، و لا طريق لنا إلى معرفتها إلّا الأدلّة الخاصّة.

وجه التسمية

و سمّيت الأموال المذكورة بالأنفال، إمّا لكونها هبة من اللّه تعالى للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، زيادة على ما جعله له من الشركة في الخمس، إكراما له، و تفضّلا عليه بذلك على غيره، كما في الجواهر (6)؛ و إمّا لكونها أموالا زائدة على الأموال الشخصية‌

____________

(1) الأنبياء: 72.

(2) الجواهر 16: 116، كتاب الجهاد.

(3) الحدائق الناضرة 12: 471.

(4) كنهاية الشيخ الطوسي (قدّس سرّه): 199.

(5) عدّها في الشرائع خمسة- الجواهر 16: 116- و في الحدائق (12: 474- 481): عدّها تسعة و في المستند (2: 95) أنهاها إلى إحدى عشرة في كتاب الخمس الطبع الحجري. و ج 10/ 139- 164 ط جديد.

(6) جواهر الكلام 16: 116.

21

للناس؛ لأنّها لا مالك لها بالخصوص، فكأنّها زائدة، فتكون للإمام الّذي هو الوليّ على الأموال العامّة. و أمر التسمية سهل.

ملكيّة الأنفال

قد عرفت من الآية الكريمة و من تعريف الأنفال عن لسان الفقهاء أنّها للّه و لرسوله و الإمام بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

و ليعلم أنّها ملك لمنصب الإمامة، دون شخص الإمام: و من هنا جاء في بعض الرويات أنّها للقائم بأمور المسلمين.

ففي رسالة المحكم و المتشابه عن علي (عليه السّلام) بعد أن ذكر الخمس، و إنّ نصفه للإمام، قال: «إن للقائم بأمور المسلمين بعد ذلك الأنفال الّتي كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ...» (1).

و قال الشيخ (قدّس سرّه) في النهاية (2) «الأنفال كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصّة في حياته، و هي لمن قام مقامه بعده في أمور المسلمين».

حكم الأنفال

أمّا بالنسبة إلى الإمام (عليه السّلام) فهو صرفها أو صرف عوائدها فيما هو صلاح الدولة الإسلامية، الّتي على رأسها الإمام المعصوم (عليه السّلام) في زمن الحضور. فإنّ الحكومة الإسلامية لا تقلّ عن سائر الحكومات، لها مصالح يحتاج في تحصيلها إلى أموال تفي بها، كالصرف على الجيش و المرابطين و نحو ذلك.

و أمّا بالنسبة إلى آحاد الناس فمقتضى القاعدة الأوليّة فيها هو حرمة التصرّف فيها إلّا بإذن منه (عليه السّلام) لحرمة التصرّف في مال الغير إلّا بإذنه، سواء الإمام أو غيره، و هذا ما تقتضيه القاعدة الأوليّة التي يستقل بها العقل و الشرع، و جرى عليه سيرة العقلاء عند تصرّفهم في أموال الآخرين، سواء الأشخاص أو الحكومات.

هذا في زمن حضور الإمام (عليه السّلام).

____________

(1) الوسائل 9: 530، الباب الأول من الأنفال، الحديث 19.

(2) النهاية: 199.

22

عصر الغيبة

و أمّا في عصر الغيبة فقد ثبت الإذن منهم (عليهم السّلام) في التّصرف فيها، كما يأتي في البحث عن إحياء الأراضي الموات، و معه لا حاجة في إحياءها إلى الاستيذان من نائب الغيبة (الفقيه)، لحصول الإذن من نفس المنوب عنه، الإمام (عليه السّلام) إلّا أن يرى الفقيه وجود مصلحة في منع بعض، أو في مقدار إحيائه الموات و هذا عنوان طارئ.

2- الغنيمة

الغنيمة في القرآن

و هو الأصل فيها أيضا.

قال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ ... (1).

قد تقدم البحث حول دلالة هذه الآية الكريمة في بحث الخمس على وجه التفصيل، فلا نعيده.

و هذه الكريمة قد نزلت في غنائم بدر، و يوم بدر هو يوم الفرقان، و يوم التقى فيه الجمعان، جمع المسلمين، و جمع الكافرين (2)، و استولوا على غنائمهم- كما ذكرنا- فنزلت هذه الآية الكريمة و آية الأنفال في حرب بدر، و سيأتي البحث حول الجمع بينهما في البحث التفسيري.

الغنيمة في اللغة

تطلق الغنيمة في اللغة على مطلق فائدة تحصل للإنسان حتى من المكاسب و أرباح التجارات و الكنوز و المعادن و الغوص و نحو ذلك، و منها غنائم دار الحرب، فإنّها أيضا فوائد مالية يستولي عليها المسلمون بالغلبة على الكفار (3).

____________

(1) الأنفال: 41.

(2) مجمع البيان 3- 4: 544.

(3) تفسير مجمع البيان 3 و 4: 543- 544 بالمضمون.

23

الغنيمة في الاصطلاح الفقهي

و هي على قسمين:

(الأول) الغنائم الحربيّة

و هي ما يستولي عليها المسلمون المقاتلون عند الجهاد مع الكفّار.

ملكيتها

خمسها للإمام (عليه السّلام) و قبيله، و أربعة أخماسها للمقاتلين.

حكمها

أما حكمها فتابع لملكيّتها، أمّا بالنسبة إلى خمسها فنصفه سهم للإمام (عليه السّلام)، يصرفه فيما يراه صلاحا للأمّة؛ لأنّه ملك لمنصب الإمامة، و أمره بيد من له المنصب. و النصف الآخر يعطى لذوي قرابته، من السادة، يتصرّفون فيها بما يرون، و أمّا سهم المقاتلين فلهم ما يرون.

(الثاني) الفوائد

و هي ما يستفيده الأشخاص عن طريق التجارة، أو غيرها، كما تقدّم في مبحث الخمس أيضا.

ملكيتها

تكون خمسها للإمام و قبيله، و الباقي للمستفيد.

حكمها

و حكمها تابع لملكيّتها كالقسم الأول. و قد تقدّم الكلام في الخمس بما لا مزيد عليه.

3- الفي‌ء

الفي‌ء في القرآن

قال اللّه تعالى في القرآن الكريم:

وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ* مٰا أَفٰاءَ

24

اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لٰا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ ... (1).

و قد نزلت هذه الآية في أموال الكفّار من بني النضير (2) و غيرهم من اليهود، حيث إنّها صارت للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) من غير قتال، كما صرّحت به الآية الأولى بقوله تعالى: فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ و المعنى: و الّذي أرجعه اللّه إلى رسوله من أموال بني النضير و غيرها من القرى (3) خصّه به، و ملّكه وحده إيّاه دون المسلمين، فلم تسيّروا عليه فرسا و لا إبلا بالركوب، حتّى يكون لكم فيه حقّ، بل مشيتم إلى حصونهم مشاة لقربها من المدينة.

الفي‌ء في اللغة

«الفي‌ء» لغة بمعنى الرجوع من «فاء يفي‌ء فيئا» إذا رجع، قال تعالى: حَتّٰى تَفِي‌ءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ أي ترجع. و الإفاءة بمعنى الإرجاع، و منه «فاء الظلّ» أي رجع، و لا يقال إلّا للراجع منه، و قيل للغنيمة الّتي لا يلحق فيها مشقّة «في‌ء» (4)

الفي‌ء في الاصطلاح الفقهي

و المراد به في اصطلاح الفقهاء ما يقابل الغنيمة، و هو المال المأخوذ من الكفّار من دون حرب و قتال، بخلاف الغنيمة، فإنّها الأموال المأخوذة منهم بالحرب و القتال (5).

____________

(1) الحشر: 6- 7.

«الإفاءة»: الإرجاع من «الفي‌ء» بمعنى الرجوع و ضمير «منهم» لبني النضير و المراد من أموالهم، «أوجفتم»:

أسرعتم، و «الركاب»: الإبل و «من خيل و لا ركاب» مفعول «فما أوجفتم» و من زائدة للاستغراق و في مجمع البيان 9- 10: 259: «الفي‌ء ردّ ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك اللّه إيّاهم ذلك على ما شرط فيه، فيقال: فاء يفي‌ء فيئا إذا رجع و أفأته أنا عليه، أي رددته عليه».

(2) و كانت غزوة بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة و كانت قريتهم و قرية بني قريظة قرب المدينة.

(3) لاحظ تفسير الميزان 19: 239- 241 في البحث الروائي و مجمع البيان 9- 10: 260 في شأن نزول آية الفي‌ء.

(4) المنجد و مفردات الراغب بالمضمون.

(5) المبسوط 2: 64 و يأتي كلامه في ملكية الفي‌ء.

25

وجه التسمية

المال كلّه للّه تعالى، و ما كان منه بيد الكفّار «أعداء اللّه» فكأنّهم غاصبون له؛ لأنّ الكافر لا يستحقّ شيئا، فإذا رجع المال إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقد رجع إلى أهله و فاء إليه، فالفي‌ء هو المال الراجع إلى صاحبه الأصلي.

ففي صحيح الكابلي: «إنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين، قال (عليه السّلام)؛ و نحن المتّقون» (1).

ملكيّة الفي‌ء

قد عرفت دلالة الآية الكريمة على أنّ «الفي‌ء» يكون للّه و لرسوله، و هذا ممّا لا خلاف فيه، فهو من أموال الدولة الإسلامية، أي منصب الإمامة. في مقابل الغنيمة الّتي هي للمقاتلين؛ لأنّها مأخوذة من الكفّار بقتال المسلمين و جهدهم و تعب، و الفي‌ء ما يؤخذ من غير قتال، فتكون من الأنفال، فالنسبة بينهما نسبة الخاص إلى العام؛ لأنه من مصاديق الأنفال.

قال الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط: «الفي‌ء» مشتق من فاء يفي‌ء إذا رجع، و المراد به في الشرع فيما قال اللّه تعالى: مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ ما حصل و رجع عليه من غير قتال، و لا إيجاف بخيل و لا ركاب، فما هذا حكمه كان لرسوله خاصّة، و هو لمن قام مقامه من الأئمّة (عليهم السّلام) ليس لغيرهم في ذلك نصيب ...- إلى أن قال:- و الغنيمة على ضربين: أحدهما ما يؤخذ من دار الحرب بالسيف و القهر و الغلبة، و الآخر ما يحصل من غير ذلك من الكنوز و المعادن و الغوص و أرباح التجارات و غير ذلك ...» (2).

____________

(1) الوسائل 17: 329، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2. ط الاسلامية.

(2) المبسوط 2: 64.

26

و قال (قدّس سرّه) في الخلاف (1) في (المسألة 2): «الفي‌ء كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصّة، و هو لمن قام مقامه من الأئمة (عليهم السّلام) و به قال علي (عليه السّلام) ... إلى أن قال: دليلنا إجماع الفرقة». و قال في (المسألة 3): «حكم الفي‌ء بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حكمه في أيّامه في أنّه خاصّ بمن قام مقامه (صلّى اللّه عليه و آله) و للشافعي فيه قولان ...- إلى أن قال:- دليلنا إجماع الفرقة» (2).

حكم الفي‌ء

لمّا كان «الفي‌ء» لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و من الأنفال كان له التّصرف فيه بما يشاء، من إعطائه لذوي القربى، و اليتامى، و المساكين، و ابن السبيل، و للفقراء من المهاجرين و الأنصار و الّذين جاءوا من بعدهم، كما دلّت عليه الآيات المتتالية المبيّنة لموارد الصرف.

فإنّ المستفاد منها لا سيّما بملاحظة التعليل بقوله تعالى: كَيْ لٰا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ (3) هو أنّ أمر الفي‌ء بيد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فيصرفه فيما هو صالح للأمّة من إعانة المستحقّين و نحوها.

و من المعلوم الّذي لم يختلف فيه المسلمون أنّ لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يخصّص شيئا من الفي‌ء لنفسه و عياله، أو يعطي شيئا منها نحلة لأحد، فعطاؤه نافذ، و ميراثه لورثته؛ لأنّه بعد التخصيص لنفسه يكون له ملكا شخصيّا يرثه وارثه، و على هذا الأساس ادّعت فاطمة الزّهراء (عليها السّلام) فدكا (4).

____________

(1) الخلاف 2: 110.

(2) الخلاف: 111.

(3) الحشر: 7.

(4) «فدك» قرية تبعد عن المدينة مسافة يومين أو ثلاث. و كان جماعة من اليهود يسكنونها و صالحوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على أن يقدّموا نصف أرضهم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع الاحتفاظ لأنفسهم بالنصف الآخر على أن يعملوا في أرضهم و أرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و متى شاء أن يجليهم عن أرضهم فعل، شريطة أن يعوضهم عن أتعابهم

27

و أما الأمر الثالث ففي وجوه الاشتراك و الافتراق بين العناوين الثلاثة (النسبة بينها)

1- الفي‌ء و الغنيمة متباينان

و هذان يشتركان في جامع واحد و هو أنّهما من الأموال المأخوذة من الكفّار في مقابل «الصدقات» المأخوذة من أموال المسلمين، إلّا أنّهما يفترقان من وجوه، و هي اختلافهما موضوعا، و ملكية و حكما.

____________

- و أرضهم، فصارت فدك ملكا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بنصّ القرآن الكريم: وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ ... و قيل: إنّه كان ذلك في السنة السابعة من الهجرة.

راجع كتاب دلائل الصدق 3: 46 و ما بعدها للعلّامة المحقّق آية اللّه المظفر و رسالة فدك للعلّامة المحقق السيّد القزويني تجد الحقّ في أمر فدك، و الحقّ مع علي و أهل بيته و في الكافي 1: 543 كتاب الحجة باب الفي‌ء و الأنفال و تفسير الخمس و حدوده و ما يجب فيه، الحديث 5.

عن علي بن أسباط قال: لما ورد أبو الحسن موسى (عليه السّلام) على المهدي رآه يردّ المظالم، فقال: يا أمير المؤمنين ما بال مظلمتنا لا تردّ فقال له: و ما ذاك يا أبا الحسن (عليه السّلام) قال: إن اللّه تبارك و تعالى لما فتح على نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) «فدك» و ما والاها لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، فأنزل اللّه على نبيّه وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ (اسراء: 26) فلم يدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من هم فراجع في ذلك جبرئيل، و راجع جبرئيل ربّه، فأوحى اللّه إليه أن ادفع فدك إلى فاطمة (عليها السّلام) فدعاها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال لها: يا فاطمة إنّ اللّه أمرني أن أدفع فدك إليك فقالت: قد قبلت يا رسول اللّه من اللّه و منك، فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلما ولي أبو بكر أخرج عنها وكلاءها، فأتته فسألته أن يردّها عليها، فقال لها ائتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك، فجاءت بأمير المؤمنين (عليه السّلام) و أمّ أيمن، فشهدا لها فكتب لها بترك التعرّض، فخرجت و الكتاب معها فلقيها عمر، فقال: ما هذا معك يا بنت محمد (عليه السّلام) قالت: كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة قال:

أرينيه، فأبت، فانتزعه عن يدها، و نظر فيه، ثمّ تفل فيه، و محاه، و خرقه، فقال لها: هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل و لا ركاب فضعي الحبال (في بعض النسخ بالحاء المهملة) أي ضعي الحبال في رقابنا لترفعنا إلى حاكم، قاله تحقيرا و تعجيزا، و قاله تفريعا على المحال بزعمه، أي أنك إذا اعطيت ذلك وضعت الحبال على رقابنا و جعلتنا عبيدا لك، أو أنك إذا حكمت على ما لم يوجف عليها، أبوك بأنها ملكك فاحكمي على رقابنا أيضا بالملكية، و في بعض النسخ بالمعجمة، أي إن قدرت على وضع الحبال على رقابنا فضعي» مرآة العقول) (خ ل الجبال) في رقابنا فقال له المهدي يا أبا الحسن حدّها لي، فقال: حدّ منها جبل أحد، و حدّ منها عريش مصر، و حدّ منها سيف البحر و حد منها دومة الجندل، فقال له: كل هذا قال: نعم يا أمير المؤمنين هذا كله، إن هذا كله لم يوجف على أهله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بخيل و لا ركاب، فقال كثير، و أنظر فيه».

28

1- أما موضوعا، فلأنّ «الفي‌ء» هو المال المأخوذ من الكافر بغير قتال، و الغنيمة الحربية هي المال المأخوذ منه قهرا و بالقتال، فالنسبة بينهما التباين.

2- و أما ملكيتهما، فالفي‌ء ملك للإمام (عليه السّلام) و الغنيمة الحربية ملك للمقاتلين إلّا الخمس منها.

3- و أما حكمهما فيتّبع ملكيتهما- كما تقدم- فإنّ المالك يتصرّف في ملكه بما يراه، فلا بدّ من معرفة المالك، و قد عرفت.

2- نسبة الصدقات مع الفي‌ء و الغنيمة

ثمّ إنّه قد عرفت اختلافهما مع الصدقات موضوعا؛ لأنّهما من الأموال المأخوذة من الكفّار، بخلاف الصدقات، فإنّها تؤخذ من أموال المسلمين كالزكاة، فالنسبة بينهما أيضا التباين يختلفان عنها مضافا إلى ذلك في أمرين آخرين:

(أحدهما): أنّ مصرف الصدقات منصوص عليه- كما في آية الزكاة- و أمّا مصرف الفي‌ء و سهم الإمام من الغنيمة فيكون بيد الإمام، يرى فيهما رأيه مما يعود إلى المصالح العامّة.

(ثانيهما): أنّ أموال الصدقات يجوز أن ينفرد أربابها بقسمتها في أهلها، و لا يجوز لأهل الفي‌ء (أي من يكون الفي‌ء بيدهم كالأراضي و نحوها) أو من يكون بيده سهم الإمام من الغنيمة أن ينفردوا بوضعه في مستحقّه، حتّى يتولّاه الإمام أو نائبه.

3- هل الغنيمة من الأنفال؟

بحث تفسيري حول آية الأنفال

قد عرفت أن الفي‌ء من الأنفال و أما «الغنيمة الحربية» ففي الاصطلاح هي ما يؤخذ من الكفّار قهرا و عنوة، و تكون للمقاتلين إلّا الخمس منها، و هذا ممّا اتّفقوا عليه، فلا تكون من «الأنفال» لأنها عبارة عن الأموال المختصّة بالإمام، و هي كلّ ما لا مالك له معيّنا، فلا تشمل الغنائم و هي الّتي للمقاتلين خاصّة، فالنسبة بينهما التباين.

29

إلّا أنه مع ذلك ورد في بعض الروايات (1) التفسيرية أن آية الأنفال نزلت في «غنائم بدر» حيث اختلف المقاتلون مع غيرهم من الحاضرين في الغزوة في تقسيم الغنائم أشد اختلاف فنزلت الآية الكريمة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ ...

و فصّلت خصومتهم بإعطاء أمرها بيد الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و في نفس الوقت ورد أنّه نزلت آية الغنيمة في تلك الوقعة، مع اختلافهما موضوعا و حكما، فإنّ الغنيمة ما يؤخذ بالقتال، و الأنفال ما يؤخذ من غير قتال فوقع السؤال عن أنّه كيف فسّرت الأنفال في الآية الكريمة بغنائم بدر، مع أنّها ليست منها موضوعا و حكما؟

____________

(1) ففي مجمع البيان 4: 517- 518 عن ابن عباس أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال يوم بدر، «من جاء بكذا فله كذا، و من جاء بأسير فله كذا، فتسارع الشبان و بقي الشيوخ تحت الرايات، فلمّا انقضى الحرب طلب الشبان ما كان قد نفلهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) به، فقال الشيوخ: كنا ردءا لكم، و لو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم إلينا، و جرى بين أبي اليسر و سعد بن معاذ كلام فنزع اللّه تعالى الغنائم منهم، و جعلها لرسوله يفعل بها ما يشاء فقسّمها بينهم بالسوية، و قال عبادة بن الصامت اختلفا في النفل، و ساءت فيه أخلاقنا فنزعه اللّه تعالى من أيدينا فجعلها إلى رسوله فقسّمه بيننا على السواء».

و عن رسالة الإمام الصادق (عليه السّلام) المرويّة في تحف العقول: «و أمّا الغنائم فإنّه لمّا كان يوم بدر، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من قتل قتيلا فله كذا، و من أسّر أسيرا فله من غنائم القوم كذا و كذا ... إلى أن قال فلمّا هزم اللّه المشركين و جمعت غنائمهم، قام: رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللّه، إنّي قتلت قتيلين، لي بذلك البيّنة، و أسرت أسيرا فاعطنا ما أوجبت على نفسك يا رسول اللّه، ثمّ جلس، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول اللّه، ما منعنا أن نصيب مثل ما أصابوا جبن عن العدوّ، و لا زهادة في الآخرة و المغنم، و لكنّا تخوفنا أن يبعد مكاننا منك فيميل إليك من جند المشركين، أو يصيبوا منك صيغة، فيميلوا إليك فيصيبوك بمصيبة، و إنّك إن تعط هؤلاء القوم ما طلبوا يرجع سائر المسلمين ليس لهم من الغنيمة شي‌ء، فقام الأنصاري، فقال مثل مقالته الأولى، ثمّ جلس، يقول ذلك كلّ واحد منهما ثلاث مرّات، فصدّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بوجهه، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ و الأنفال اسم جامع لما أصابوا يومئذ مثل قوله: مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ و مثل قوله و ما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ ثمّ قال: قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ فاختلجها اللّه من أيديهم فجعلها للّه و لرسوله، ثمّ قال: فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فلمّا قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المدينة أنزل اللّه عليه: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ ...- إلى أن قال:- و أما ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب- إلى أن قال:- فأنزل اللّه تبارك و تعالى: مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ- يعني يهود قريظة- فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ- تحف العقول: 253- 255-.

30

و قد اختلفت كلمات المفسّرين في الجواب على هذا السؤال أشدّ اختلاف كما أشار إلى ذلك في تفسير الميزان (1).

جواب الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) (2)

التزم الشيخ (قدّس سرّه) بنسخ آية الأنفال بآية الخمس في الغنائم خاصّة، أي كانت الغنائم أوّلا من الأنفال و كانت للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خاصّة يقسّمها كيف يشاء، كسائر الأنفال، ثمّ نسخت بآية الغنيمة، فصار خمسها له خاصّة و لقبيله، و أربعة أخماسها للمقاتلين، فخرجت الغنائم الحربية عن حكم الأنفال تخصيصا.

محاولة صاحب تفسير الميزان

و قد حاول صاحب الميزان (3) (أعلى اللّه مقامه).

الجواب عن السؤال المذكور بما محصّله:

إنّ الغنائم الحربيّة أيضا تكون في الأصل للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى «غنائم بدر» فهي من الأنفال»، إلّا أنّه اختصّ المقاتلون بأربعة أخماسها تفضّلا من اللّه تعالى عليهم، و يكون خمسها لأهله. فلا تنافي بين آية الخمس و آية الأنفال، فإنّ الأولى في طول الثانية، بمعنى أنّ آية الخمس تدلّ على مصرف الأنفال في خصوص الغنائم الحربيّة بعد أن كانت له (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) تفسير الميزان 9: 4 عند تفسيره آية الأنفال.

(2) قال الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط (2: 64): «و الغنيمة كانت محرّمة في الشريعة المتقدّمة، و كانوا يجمعون الغنيمة فتنزل النار من السماء فتأكلها، ثمّ أنعم اللّه تعالى على النّبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فجعلها له خاصّة بقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ ... و روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: أحلّ لي الخمس لن يحلّ لأحد قبلي و جعلت لي الغنائم. و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقسّم الغنيمة أولا لمن يشهد الوقعة، لأنّها له خاصّة، و نسخ بقوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ ...- الآية- فأضاف المال إلى الغانمين، ثم انتزع الخمس لأهل السهمين، فبقي الباقي على ملكهم، و عليه الإجماع»- انتهى-.

(3) راجع تفسير الميزان 9: 4- 7.

31

توضيح ذلك: أنّ الآيات التي تبيّن أحكام الغنائم- في سورة الأنفال- خمس آيات، و هي حسب ترتيب آيات السورة على النهج الآتي:

1- قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ ... (1).

2- قوله تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ (2).

3- قوله تعالى: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيٰا وَ اللّٰهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْ لٰا كِتٰابٌ مِنَ اللّٰهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمّٰا غَنِمْتُمْ حَلٰالًا طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3).

هذه خمس آيات في الأنفال و الغنائم و الأسرى و سياق الآية الثانية- أي آية الخمس- تفيد أنّها نزلت بعد الآية الاولى (أي آية الأنفال) و الآيات الثلاثة الأخيرة (أعني آية الأسرى)، لقوله تعالى في ذيلها إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ فهي نازلة بعد وقعة بدر بزمان، لدلالتها على سبق نزول الحكم قبلها.

و المستفاد من مجموع هذه الآيات الخمس، و ضمّ بعضها إلى بعض: هو أنّهم سألوا النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) أوّلا أن لا يقتل الأسرى و يأخذ منهم الفدية و سعوا في أسر الأعداء، دون قتلهم، تحصيلا للفداء، فعاتبهم اللّه في ذلك، و أباح لهم الأكل من الغنيمة، و كأنّهم فهموا من ذلك أنّهم يملكون الغنائم على إبهام في أمرها، من يملكها؟ و بأيّ مقدار؟ و تخاصموا في ذلك، فسئلوا النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك،

____________

(1) الأنفال: 1.

(2) الأنفال: 41.

(3) الأنفال: 67 و 68 و 69.

32

فنزلت آية الأنفال و دلّت على أنّ الغنائم الّتي هي من الأنفال (1) و كذا سائر الأموال الزائدة كلّها تكون للّه و للرسول، لا يملكها أحد من المقاتلين و لا غيرهم، و قسّم النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) الغنائم بينهم بالسويّة، تقسيم المالك لماله على موارد الصرف.

ثم نزلت آية الخمس تدلّ على استثناء مقدار الخمس من الغنائم يبقى للّه و رسوله و قبيلهما، ثمّ يقسّم الباقي بين المقاتلين.

فالنتيجة أنّ آية الأنفال لا تكون ناسخة لآية تحليل أكل الغنائم، و إنّما تبيّن معناها بأنّ المراد من قوله تعالى: فَكُلُوا مِمّٰا غَنِمْتُمْ هو جواز التصرف و الانتفاع لها، لا الملك. و إنّما الملك للّه و للرسول.

كما ظهر أيضا أنّ آية الخمس لا تكون ناسخة لآية الأنفال- كما توهّم (2)- بدعوى دلالتها على أنّ خمس الغنيمة للّه و للرسول، و الباقي يكون للمقاتلين، و هذا ينافي كون جميع الأنفال الّتي منها الغنائم للّه و للرسول؛ لأنّ المقاتلين ليسوا بمالكين، و إنّما هم موارد الصرف للغنيمة، و لا تنافي بين كون أصل الملك للّه و الرسول، و أمّا المقاتلون فهم موارد للصرف عليهم، بعد استثناء مقدار الخمس إبقاء لملك اللّه تعالى و رسوله و قبيلهما على حاله فيه، هذا (3).

و يمكن أن يقال: إنّ إطلاق الأنفال على الغنائم في آية الأنفال إنّما هو بلحاظ أنّ أمرها بيد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لا أنّها ملكه، فله أن ينفل منها ما يشاء، و يصرف منها ما يشاء فيما يحتاج إليه. ثمّ بعد ذلك يخرج خمسها و يقسّم الباقي‌

____________

(1) لصدق المال الزائد عليها أيضا؛ لأنّها زيادات لا مالك لها من بين الناس.

(2) كما أشار إليه في الميزان 9: 7.

(3) هذا محصل ما أفاده في تفسير الميزان 9: 4- 7 و للمفسّرين أقاويل مختلفة في هذا المجال تعلم بالرجوع إلى مطولات التفاسير، راجع تفسير مجمع البيان 3- 4: 517، و التفسير الكبير 15: 115 و تفسير الآلوسي.

و قال صاحب الميزان في 9: 4: «قيل: أنّ المراد بالأنفال غنائم الحرب، و قيل: غنائم غزوة بدر خاصة، بجعل اللام في الأنفال للعهد، و قيل: الفي‌ء الذي للّه و الرسول و الإمام، و قيل: أنّ الآية منسوخة بآية الخمس، و قيل: بل محكمة ...».

33

بين المقاتلين، فهو المتولّي لأمرها. و ليس لأحد أن يعترض عليه، كما اشير إلى ذلك في بعض الروايات (1).

و الحاصل: أنّه لا مانع من صدق الأنفال على الغنائم؛ لأنّها أموال زائدة، لا مالك لها بين الناس، و صدق النفل عليها لا ينافي كونها ملكا للمقاتلين، لأن أمرها بيد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فتكون ملكا لهم، لكن أمرها بيده (صلّى اللّه عليه و آله).

و إن شئت فقل: إنّه لا مانع من صدق الأنفال على الغنائم لغة؛ لأنّ النفل هو المال الزائد يقع في أيدي المقاتلين، فإذن لا محذور في صدق الأنفال بالمعنى المذكور على «غنائم بدر» في آية الأنفال. و أمّا كونها للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فباعتبار أنّ أمرها بيده، و إن لم يكن مالكا لها إلّا بمقدار الخمس منها، فتكون اللام في الآية المذكورة لمطلق الاختصاص، أي أمر الأنفال بالمعنى الشامل للغنائم بيد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و إن كانت الغنائم ملكا للمقاتلين و غيرها ملكا له (صلّى اللّه عليه و آله).

نعم، لا يطلق الأنفال بمعناها الاصطلاحي على الغنائم الحربيّة؛ لأنّ «النفل الحربي» في الاصطلاح بمعنى «الفي‌ء» و هو ما يؤخذ بغير قتال، و هو مختصّ بالإمام (عليه السّلام) في مقابل الغنيمة و هي المأخوذة بالقتال.

هذا كلّه فيما إذا كان المراد من الأنفال في الآية الكريمة غنائم بدر، حيث أشكل عليهم تطبيقها عليها؛ لأنّ الأنفال للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الغنائم الحربية للمقاتلين، إلّا الخمس منها فكيف التطبيق؟

و هناك احتمال آخر و هو أن يكون المراد بالأنفال في الآية الكريمة هو ما شذّ عن المشركين إلى المسلمين من عبد أو جارية أو فرس أو سيف أو نحو ذلك‌

____________

(1) كصحيحة زرارة قال: الإمام يجرى و ينفل و يعطى ما يشاء قبل أن تقع السهام، و قد قاتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بقوم لم يجعل لهم في الفي‌ء نصيبا، و إن شاء قسّم ذلك بينهم»- الوسائل 9: 523، الباب الأول من أبواب الأنفال، الحديث 2. ط: م- قم.

34

من غير قتال، كذا من عطا في تفسير مجمع البيان (1) و عن ابن عبّاس في رواية أنّها ما سقط من المتاع بعد قسمة الغنائم من الفرس و الدرع و الرمح (2).

و كيف كان فالأمر سهل بعد معلوميّة الحكم في كلّ من الغنائم و الأنفال بالمعنى الاصطلاحي الفقهي.

4- نسبة الفي‌ء و النفل

قد عرفت أنّ «الفي‌ء» هو المال المأخوذ من الكفّار بغير قتال و حرب. و أمّا النفل فيطلق على معنين:

(أحدهما) النفل الحربي و هو مساوق للفي‌ء و مرادف له، فالنسبة بينهما التساوي.

و يشير إلى ذلك رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ ... قال «الفي‌ء» ما كان من أموال لم يكن فيها هراقة دم أو قتل، و الأنفال مثل ذلك، هو بمنزلته» (3).

فيطلق على هذا المال «الفي‌ء» باعتبار أنّه راجع من الكفّار إلى المسلمين، و «النفل» باعتبار أنّه مال زائد، و فضل من اللّه تعالى.

(الثاني) النفل بمعناه العام، و هو مطلق ما يختصّ بالإمام، سواء المأخوذ من دار الحرب أو غيره من الأموال العامّة المبيّنة في بحث الأنفال، كرءوس الجبال و بطون الأودية و نحو ذلك. و عليه يكون «الفي‌ء» أخصّ من «النفل» بهذا المعنى، لاعتبار سبق ملكيّة الكافر في «الفي‌ء» دون «النفل».

نعم، قد يستفاد من بعض الروايات أنّهما «الفي‌ء و النفل» بمعنى واحد، و هو كل ما كان للّه و لرسوله، ثمّ للإمام فالنسبة بينهما التساوي، لا الخاصّ و العام، لعموم «الفي‌ء» كالنفل.

____________

(1) مجمع البيان (3 و 4): 517.

(2) مجمع البيان (3 و 4): 517.

(3) الوسائل 9: 527، الباب الأول من الأنفال، الحديث 11. ط: م- قم.

35

روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: الفي‌ء و الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء، و قوم صولحوا و أعطوا بأيديهم، و ما كان من أرض خربة أو بطون أو دية فهو كلّه من «الفي‌ء»، فهذا للّه و لرسوله فما كان للّه فهو لرسوله يضعه حيث شاء و هو للإمام بعد الرسول ...» (1).

فإنّ المستفاد من هذه الرواية أنهما بمعنى واحد عام، و أنّ النسبة بينهما التساوي، و الأمر في إطلاق اللفظ سهل، بعد معلوميّة الموضوع و الحكم فيهما.

بحث تفسيري حول آية الفي‌ء

شبهة و دفع هناك شبهة طرحت حول فهم المراد من «الفي‌ء» في الآيتين الكريمتين. قال عزّ من قائل: وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ.

ثم قال تعالى:

مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لٰا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ ... (2).

و حاصل الشبهة هو أنّ «الفي‌ء» في الآيتين إن كان بمعنى واحد و هو المأخوذ من الكفّار بغير قتال كان جميع المأخوذ من مختصّات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و هذا لا يلائم ما في الآية الثانيّة من أنّها تقسم ستة أسهم؛ و إن كان «الفي‌ء» في الآية الثانية بمعنى المأخوذ بالقتال، و في الأولى بمعنى ما لا يكون فيه قتال كان ذلك منافيا لما في آية الغنيمة من أنّ الغنيمة يكون خمسها للّه و رسوله و قبيلهما، و الباقي يكون للمقاتلين خاصّة، و إن كان المراد من «الفي‌ء» في الآية الثانية غير ما ذكر فغير متّضح عندنا.

____________

(1) الوسائل 9: 527، الباب الأول من الأنفال، الحديث 12. ط: م- قم.

(2) الحشر: 6- 7.

36

أقول: حكى عن بعض الفقهاء (1) و المفسّرين (2) التصدّي لدفع هذه الشبهة بما لم يتّضح وجهه من قبيل احتمال أن يكون المراد من «الفي‌ء» في الآية الثانية فيئا خاصّا كان حكمه التقسيم أسداسا، أو احتمال أن تكون منسوخة، أو يكون تفضّلا، و نحو ذلك.

و عن سيّدنا الأستاذ (قدّس سرّه) أنّه التزم بأنّ الموضوع في الآية الأولى هو ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب، و هو راجع إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و هي ظاهرة في ذلك كما لا يخفى مؤيّدا بروايات الأنفال (3).

و أمّا الآية الثانية فموضوعها الغنائم المأخوذة بالقتال بقرينة المقابلة مع الأولى، و لم يذكر فيها أنّ ما يرجع إلى النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أيّ مقدار ممّا غنمه المسلمون، إلّا أنّ آية الغنيمة قد كشفت القناع عنه، و بيّنت أنّ ما يغنمه المسلمون فخمسه يرجع إليه (صلّى اللّه عليه و آله) كمّا، و بيّن أيضا مصرفه في كلتا الآيتين (4).

و لا يخفى بعد هذا الجواب أيضا، إذ لا تقابل بين الآيتين حتّى يوجب حمل لفظ «الفي‌ء» في الثانية على غير معناه في الأولى، بل الثانية شارحة للأولى و مبيّنة لموارد الصرف و إن كان المالك هو الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

هذا مضافا إلى أنّ دلالة الآية الثانية على تقسيم تمام الفي‌ء ستّة أسهم، و هذا ينافي ما في آية الخمس من تقسيم خمسها فقط أسداسا، لا أكثر؛ لأنّ الباقي للمقاتلين. و لا إجمال في الآية الثانية حتّى تبيّنها آية الغنيمة بل هي صريحة في تقسيم تمام الفي‌ء أسداسا، فهما متنافيتان لو اتحدتا موضوعا.

____________

(1) كالمحقّق الأردبيلي في كشف الآيات.

(2) كالشيخ في تفسير البيان بنقل تعليقة مستند العروة كتاب الخمس: 351- 352 بالمضمون.

(3) الوسائل 9: 523، الباب الأول من الأنفال.

(4) هامش مستند العروة (كتاب الخمس): 352.

37

و الصحيح أن يقال: إنّ «الفي‌ء» في الآيتين بمعنى واحد، و هو ما لا حرب في أخذه، كما هو صريح الأولى، و دلّت الأولى أيضا صريحا على أنّ السلطة على هذه الأموال للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله تعالى: وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ لأنّ المسلمين لم يهرقوا في سبيله دما.

و أما الثانية فقد بيّنت و أوضحت مصرف هذا «الفي‌ء» و أنّه يصرف في هذه الموارد الستّة؛ لأنّها أحسن موارد صرف الأموال العامّة، فيصرف سهم في سبيل اللّه و سهم للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) إلى آخر السهام المذكورة. و هذا لا ينافي أن تكون السلطة التامة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لأنّه ولي الأمر، يضع الأموال الحكوميّة حيث يجب، كما في كثير من الروايات (1)، لأنّ استحقاق الصرف لا ينافي منع الصرف لمانع أهمّ، إذ لا يجب الاستيعاب في الأسهم الستّة، كما ذكرنا في تقسيم الخمس إلى السهام الستة.

فإذا لا بدّ و أن تحمل «اللام» في قوله تعالى: فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ على الصرف- كما يقال هذا الماء للشرب- دون الملك، بقرينة ما في الآية الأولى من أنّ السلطة للرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

و يؤيّد ما ذكرناه الآية الثالثة قوله تعالى: لِلْفُقَرٰاءِ الْمُهٰاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ ... فإنّه لا كلام بينهم في أنّ «الفقراء المهاجرين» ليس لهم حصّة خاصّة من الأنفال أو الغنائم الحربيّة بما لهم من العنوان الخاصّ، أعني «الهجرة».

و ليسوا إلّا من أوضح مصاديق الفقراء، و أحسنها، إلّا أنّه خصّهم اللّه تعالى بالذكر في الآية الثالثة تكريما لهم و أنّهم فقراء أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً وَ يَنْصُرُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ هُمُ الصّٰادِقُونَ فهؤلاء أولى من غيرهم في صرف «الفي‌ء» عليهم، و إن كان المالك الأصلي و هو الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) مختارا في ذلك، لأنّ السلطة له.

____________

(1) لا حظها في الوسائل 9: 523، الباب الأول من الأنفال.

38

فتكون الآية الثانية و الثالثة من قبيل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلْ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ (1).

فإنّه لا إشكال و لا خلاف في أنّ الإنسان له أن ينفق على غير هذه الأصناف إذا أراد.

فالنتيجة: أنّ الأمر في «الفي‌ء و الأنفال» موكول إلى نظر الإمام (عليه السّلام) فيأخذ منه من غير تقدير، و يصرف الباقي في مصالح المسلمين، أهمّها ما ذكرت في الآية الثانية و الثالثة؛ لأنّ الظاهر من جمع الآيات الثلاث، و ضمّ بعضها إلى بعض هو أنّ الأولى تدلّ على الموضوع و تفسيره، أعني ما هو «الفي‌ء» و على مالكه، و أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) هو المالك الأصلي له؛ لأنّ اللّه أفاءه عليه لا على غيره.

ثمّ الثانية و الثالثة تدلّان على عرض أهمّ موارد الصرف على الرسول، مع التحفّظ على مالكيّته فيصرف المال صرفا اختياريا و له الصرف في غير هذه الموارد أيضا، لو كان هناك مصلحة تقتضي ذلك؛ لأنّ العبرة في الصرف هو أن لا يكون دولة بين الأغنياء، بل خدمة للإسلام و المسلمين، و هذا يتحصّل بالصرف في مطلق المصارف العامّة، و هو ممّا لا خلاف فيه، لما اتّفق عليه الفقهاء من أن أمر «الفي‌ء» بيد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و من بعده للأئمّة (عليهم السّلام).

و هذا هو الموافق للجمع بين الآيات الثلاث في «الفي‌ء» أيضا، لا سيّما بملاحظة التعبير ب‍ «على» في الآيتين بالنسبة إلى الرسول الدالّ على الامتنان عليه منه تعالى، حيث يقول عز من قائل وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ أي أرجعه عليه، لا على غيره، فالأمر بيده (صلّى اللّه عليه و آله). ثم كرّر التعبير في الآية الثانية الدالة على الصرف بالنسبة إلى الرسول ب‍ «اللام»، عطفا على اللّه تعالى قائلا: لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ .... و هذا ممّا يؤكد موارد الصرف و إن كان الفي‌ء بتمامه ممّا أفاءه اللّه على الرسول خاصّة.

____________

(1) البقرة: 215.

39

بحث روائي

نعم، هناك رواية لعلّها تدلّ على المغايرة بين «الفيئين» في الآيتين و هي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: «الفي‌ء ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدّماء، و قوم صولحوا و أعطوا بايديهم، و ما كان من أرض خربة أو بطون أو دية فهو كلّه من الفي‌ء، فهذا للّه و لرسوله، فما كان للّه فهو لرسوله يضعه حيث يشاء، و هو للإمام بعد الرّسول. و أما قوله: وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ قال: ألا ترى هو هذا. و أما قوله: مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ فهذا بمنزلة المغنم، كان أبي يقول ذلك، و ليس لنا فيه غير سهمين: سهم الرسول، و سهم القربى، ثمّ نحن شركاء الناس فيما بقي» (1).

فإنّه قد يقال (2): إنّ الرواية فسّرت «الفي‌ء» في الآية الثانية بالغنائم، و لا ينافيه التعبير بالمنزلة المشعر بالمغايرة، لجواز كون التغاير من أجل اختلاف المورد بعد الاشتراك في الحكم، نظرا إلى أنّ الغالب في الغنائم الاستيلاء عليها في دار الحرب، و ميدان القتال، لا من أهل القرى، فاشير إلى تنزيل إحدى الغنيمتين منزلة الأخرى.

أقول: الظاهر أن المراد تنزيل «الفي‌ء» بمنزلة «المغنم» في الصرف، لا تنزيل إحدى الغنيمتين بالاخرى فكما أن خمس الغنيمة تقسم ستة أسهم، كذلك «الفي‌ء» و كلاهما تحت رعاية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و باختياره، و بعده الإمام (عليه السّلام) و يؤيد ذلك تطبيق الآية الثانية على الأنفال التي هي للإمام (عليه السّلام) في رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن الأنفال قال: ما كان من الأرضين باد أهلها،

____________

(1) الوسائل 9: 527، الباب الأول من الأنفال، الحديث 12. ط: م- قم.

(2) كما عن سيّد الاستاذ (دام ظلّه) في هامش كتاب الخمس: 353.

40

و في غير ذلك الأنفال (1) هو لنا و قال: سورة الأنفال فيها جدع الأنف (2) و قال:

و مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ (3) فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ قال: الفي‌ء ما كان من أموال لم يكن فيها هراقة دم، أو قتل، و الأنفال مثل ذلك هو بمنزلة» (4).

و كيف كان فالفي‌ء بمعناه الاصطلاحي الفقهي- و هو في مقابل الغنيمة- يكون من مختصات النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و بعده الإمام (عليه السّلام) فهو من الأنفال.

فقد تحصل من جميع ما ذكرناه في بيان النسبة بين العناوين الثلاثة هو:

1- النسبة بين الفي‌ء و الغنيمة هي التباين؛ لأن الفي‌ء مأخوذ بغير قتال و الغنيمة مأخوذة بالقتال.

2- النسبة بين الفي‌ء و الأنفال نسبة الخاص إلى العام؛ لأن النفل هو كل ما كان للإمام سواء الأموال الحربية أو غيرها، و الفي‌ء هو خصوص المال الحربي.

3- النسبة بين الغنيمة و الأنفال التباين؛ لأن الغنيمة هي ما يؤخذ بالحرب دون النفل. تمت المقدمة.

***

____________

(1) قال في الوافي ج 2 (م 416) «بيان: و في غير ذلك، أي ما كان في غير ذلك، كما صالح أهله عليها، أو أعطوا بأيديهم ...».

(2) جدع الأنف قطعه يعني: هذه السورة قطع أنف الجاحدين لحقوقنا و إرغامهم.

(3) سورة الحشر: 7، 6.

(4) الوسائل 9: 527، الباب الأول من الأنفال، الحديث 11. ط: م- قم.

41

تفاصيل الأنفال

القسم الأول: الأراضي القسم الثاني: ملحقات الأراضي القسم الثالث: الأموال المنقولة‌

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

تفاصيل الأنفال إذا عرفت ما ذكرناه في المقدّمة فنتكلّم في تفاصيل الأنفال، «الأراضي النفليّة و غيرها» ثم نتّبعها بأحكام سائر الأراضي. (الخراجية، أرض الصلح، الأرض المسلمة بالدعوة).

فنقول: ذكر الفقهاء عدّة موارد للأنفال- و هي كلّ ما يعود إلى الإمام (عليه السّلام) من الأموال على جهة الإمامة، كما كان للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، سمّيت بذلك لأنّها هبة من اللّه تعالى له، زيادة على ما جعله له من الشركة في الخمس، إكراما له، و تفضّلا له بذلك على غيره، و توسعة عليه، لحفظ الحكومة الإسلامية، و إدارة نظمها العام؛ لأنّها أموال تصرف منافعها في المصالح العامّة للمسلمين- كما أشرنا- و حصرها في الشرائع (1) في خمسة موارد.

و قال في المدارك (2) «هذا الحصر استقرائي، مستفاد من تتبّع الأدلّة، و زاد الشيخان قسما سادسا و هو المعادن» و أنهاها النراقي في المستند (3) إلى إحدى عشرة موردا على النحو التالي:

1- الأرض المأخوذة من الكفّار من غير قتال.

2- ما يختص بالملوك.

3- رءوس الجبال و أذيالها و بطون الأودية و الآجام.

4- المال المجهول مالكه.

5- الأراضي الموات.

____________

(1) الجواهر لاحظ 16: 116، كتاب الخمس.

(2) المدارك 5: 413، كتاب الخمس. ط المؤسسة: قم.

(3) مستند الشيعة 2: 91- 95 كتاب الخمس.

و في الوسائل عدّها عشرة راجع: 9: 523- عنوان أبواب الأنفال، الباب الأول، كتاب الخمس، ط: م- قم.

و في الحدائق عدّها تسعة راجع (12: 474- 481) كتاب الخمس.

44

6- كلّ أرض لا ربّ لها، أو باد أهلها.

7- ما يصطفيه الإمام من الغنيمة.

8- الغنيمة المأخوذة بغير إذن الإمام.

9- ميراث من لا وارث له.

10- المعادن.

11- البحار.

و الاختلاف في العدد إنّما نشاء من احد أمرين: إما من تداخل بعضها في بعض، أو من عدم قبول كونه من الأنفال، كما ستعرف في تفاصيل الأنفال، و يبلغ عددها أكثر مما ذكر.

و لا بأس بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام رئيسية ثم بيان أنواع كل منها استيعابا لجميعها.

(الأول): الأراضي و هي تسعة (1).

(الثاني): ملحقات الأراضي (الثروات غير المنقولة، كالمعادن) و هي ستة (2).

(الثالث): الثروات المنقولة و هي: خمسة (3).

و يبلغ المجموع عشرين موردا.

____________

(1) لاحظ ص 47.

(2) و هي: 1- رءوس الجبال. 2- بطون الأودية. 3- الآجام. 4- سيف البحار. 5- المعادن. 6- البحار. لاحظ ص 148.

(3) و هي: 1- صفايا الملوك. 2- صفايا الغنائم. 3- الغنائم بغير إذن الإمام. 4- إرث من لا وارث له. 5- المال المجهول المالك. لاحظ ص 198.

45

الأنفال

القسم الأول الأراضي

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

القسم الأوّل: من الأنفال الأراضي، و هي على تسعة أنواع و نفصّلها على الوجه التالي:

1- الأرض المأخوذة من الكفار بغير قتال.

2- الموات بالأصل.

3- الموات بالعارض.

4- الأرض التي باد أهلها و ان كانت معمورة.

5- الأرض التي جلا عنها أهلها و ان كانت معمورة.

6- أرض سلّمها أهلها للمسلمين طوعا.

7- الأرض المغنومة بغير إذن الإمام (عليه السّلام).

8- الأرض المستجدة في دار الإسلام.

9- قطائع الملوك من الأراضي.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الأنفال:

القسم الأول- الأراضي النوع الأول: الأرض المأخوذة بغير قتال

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

الأرض المأخوذة بغير قتال، آية الفي‌ء، الروايات، الفي‌ء، و الأموال المنقولة الفي‌ء، و الأراضي العامرة، أسماء بعض الأراضي المأخوذة بغير قتال

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}