كتاب الحج - ج2

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
373 /
5

الجزء الثاني

المقصد الخامس في تروك الإحرام و هي محرمات و مكروهات

امّا المحرمات،

فهي- كما قال صاحب الشرائع- عشرون شيئا، و عن الدروس ثلاثة و عشرون، و عن بعض ثمانية عشر، و عن التبصرة و النافع أربعة عشر شيئا و يعلم التفصيل في طي البحث إنشاء اللّه‌

منها- صيد البر

، اصطيادا قتلا ذبحا رميا و أكلا و اشارة و دلالة و إغلاقا و بيعا و شراء و إمساكا، فإن كل ذلك محرم على المحرم، فلو صاده المحل و ذبحه المحرم أو ذبحه المحل و اكله المحرم حرم عليه ايضا و عن كنز العرفان، ان حرمة جميع ذلك تستفاد من الآيات الكريمة قال الأستاذ مدّ ظلّه: ان استفادة حرمة جميع ما ذكر من الآيات، و ان كانت محتملة الا انها ليست ظاهرة فيه، حتى يكون دليلا مستقلا، نعم يستفاد حرمة بعضها منها، و الباقي من النصوص الواردة في المقام، و الإجماع المدعى في كلام الأصحاب‌

6

أما الآيات (فمنها) قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّٰهُ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنٰالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمٰاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّٰهُ مَنْ يَخٰافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذٰابٌ أَلِيمٌ (1) و هي كما ترى تدل على حرمة تناول الصيد و أخذه و انه حرام على المحرم، و اما حرمة أكل لحمه إذا ذبحه بعد الأخذ، أو ذبحه المحل و اكله المحرم فلا تستفاد منها و لو فرض دلالتها عليها، لأمكن القول أيضا بان له ان يأكله بعد الإحلال، فالمتيقن من الآية حرمة التناول و أخذ الصيد حال الإحرام لا جميع ما أشير اليه على أنها بسياقها لا تشمل المحرم خاصة بخلاف الآيات التي بعدها و (منها) قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ (2) و هذه الآية تدل على حرمة قتل الصيد حال الإحرام كما ان الآية الاولى تدل على حرمة أخذه و يمكن ان يكون القيد المذكور في الآية الثانية قيد الآية الأولى أيضا فتختص حرمة الأخذ بما يؤكل لحمه و توضيح ذلك ان الآية الاولى تدل على حرمة أخذ الصيد و قتله سواء كان مأكول اللحم أو غيره، و الآية الثانية حيث ان النهى فيها مخصوص بحال الإحرام، و يرتفع بالإحلال و يحل جميع ما يتعلق بالصيد حال الإحلال يعلم ان هذا الحكم مخصوص بما يؤكل لحمه من الصيد و تتقيد الآية الاولى به ايضا و يمكن ان يقال ايضا ان المراد من الآيتين ان حرمة ما كان حلالا من الصيد قبل الإحرام من الأخذ و القتل و الإشارة بالنسبة إلى مطلق الصيد و من الأكل في صيد المأكول لحمه، جميع ذلك مختص بحال الإحرام فعلى هذا يبقى إطلاق الآية الاولى بحالها ايضا و لا يختص بما يؤكل لحمه و سيأتي التعرض لذلك إنشاء اللّه تعالى‌

____________

(1) سورة المائدة (5) الاية 94

(2) سورة المائدة (5) الاية 95

7

و اما النهي عن القتل حال الإحرام فيوجب كون المصيد ميتة فلا يجوز اكله مطلقا و لو للمحل، بناء على تمامية الدلالة كما يأتي و (منها) قوله تعالى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (1) و المراد من الصيد في هذه الآية المصيد و من الحرام حرمة أكله كما هو الظاهر فعلى هذا دلالة الآيات على حرمة قتل الصيد حال الإحرام صريحة، و أما حرمة الأكل و الاصطياد فهي ظاهرة فيها و لكن حرمة الزائد على تلك الثلاثة من إمساك الصيد و الدلالة عليه و الإشارة اليه و بيعه و شرائه فلا تستفاد من الآيات نعم يظهر من الروايات حرمة أكثر ما ذكره الفقهاء من تروك الإحرام فالمهم في المقام نقل الروايات و التأمل في مفادها إنشاء اللّه تعالى (منها) ما رواه الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تستحلن شيئا من الصيد و أنت حرام و لا و أنت حلال في الحرم، و لا تدلن عليه محلا و لا محرما فيصطاده و لا تشر اليه فيستحل من أجلك فإن فيه فداء لمن تعمده» (2) و يأتي الكلام في ثبوت الفداء في قتل الصيد على من نسي أو جهل و كذا الفرق بين الإشارات في الحرمة و عدمها و (منها) رواية معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّٰهُ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنٰالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمٰاحُكُمْ. الاية) قال: «حشرت لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عمرة الحديبية الوحوش حتى نالتها أيديهم و رماحهم» (3) و في رواية أحمد بن محمّد في قوله تعالى تَنٰالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمٰاحُكُمْ قال:

____________

(1) سورة المائدة (5) الاية 96

(2) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 1- من أبواب تروك الإحرام الحديث 1

(3) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 1- من أبواب تروك الإحرام الحديث 2

8

«ما تناله الأيدي البيض و الفراخ، و ما تناله الرماح فهو ما لا تصل إليه الأيدي» (1) و منها رواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال: «المحرم لا يدل على الصيد فان دل عليه فقتل فعليه الفداء» (2) و منها رواية عمر بن يزيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «و اجتنب في إحرامك صيد البر كله و لا تأكل ممّا صاده غيرك و لا تشر اليه فيصيده» (3) و هذه الرواية صريحة في حرمة الإشارة إلى الصيد ليصيده الصياد و حرمة أكله على المحرم و لو صاده غيره محلا كان أو محرما (و منها) رواية معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه قال: «إذا فرض على نفسه الحج ثم أتم بالتلبية فقد حرم عليه الصيد و غيره و وجب عليه في فعله ما يجب على المحرم» (4) العياشي في تفسيره عن سماعة عن أبي عبد اللّه في قوله تعالى لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّٰهُ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الصَّيْدِ قال: «ابتلاهم اللّه بالوحش فركبتهم من كل مكان» (5) و عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تأكل شيئا من الصيد و أنت محرم و ان صاده حلال» (6) هذه الطائفة من الروايات المروية في كتب الأصحاب تدل على حرمة الصيد و اكله و الإشارة اليه و الدلالة عليه على المحرم ما دام محرما و يعلم من قوله (عليه السلام) في رواية الحلبي: (و لا تشر اليه فيستحل من أجلك) أن كل ما يوجب استحلال الصيد‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 1- من أبواب تروك الإحرام الحديث 4

(2) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 1- من أبواب تروك الإحرام الحديث 3

(3) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 1- من أبواب تروك الإحرام الحديث 5

(4) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 1- من أبواب تروك الإحرام الحديث 7

(5) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 1- من أبواب تروك الإحرام الحديث 9

(6) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 2- من أبواب تروك الإحرام الحديث 2

9

الغير فهو حرام على المحرم، و يشمل ذلك الأغلال و نظائره، بل يعلم ان كل ماله تأثير جزئي في استحلال الصيد و ان لم يكن مؤثرا تاما فهو ايضا حرام، إذ الإشارة كما هو واضح ليست مؤثرا تاما في استحلال الصيد و قتله و أخذه و سببا أقوى من المباشر، كما لو أشير الى مال شخص فأخذه شخص أخر لا يكون المشير ضامنا له و لا يكون في نظر العرف سببا أقوى من المباشر، و لكن الإشارة إلى الصيد في المقام محرمة بما هي اشارة، لا بما انها سبب أقوى من المباشر، نعم لو أشار الى الصيد للتوجه اليه و النظر الى حسنه و لطفه و شدة عدوه لا لاستحلاله و أخذه لا يكون حراما و لا كفارة عليه.

و الحاصل أن المستفاد من الآيات و الروايات و إجماع العلماء حرمة الصيد على المحرم قتله و ذبحه و اكله و إمساكه و اغلاقه و الدلالة عليه و الإشارة اليه، و كل ما يؤثر في اصطياده و ان لم يكن مؤثرا تاما و سببا أقوى و لا يهمنا البحث في ذلك، و انما المهم بيان مصاديق الصيد و موارد الشبهة، و ان الصيد إذا قتله المحرم فهل هو ميتة أو بحكم الميتة لا ينتفع منه أصلا، أو ليس كذلك و نشرح كل هذا في طي أمور إنشاء اللّه.

10

الأمر الأول (اختصاص الحرمة بصيد البرّ)

ان ما تقدم من حرمة الصيد حال الإحرام و قتله و اكله و كل ما يؤثر في اصطياده انما هو يختص بصيد البر و اما الصيد البحري فهو حلال على المحرم كما تدل عليه الآية و الروايات و الإجماع و لا خلاف بين المسلمين في ذلك اما الآية الكريمة فهي قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (1) و أما الروايات فهي كثيرة نذكرها عند التعرض لبيان الضابطة في الصيد البري و البحري و تشخيص مصاديقه‌

الأمر الثاني لو صاد محرم صيدا و ذبحه حال الإحرام فالمشهور ان ذبيحته ميتة حرام على المحرم و المحل

سواء ذبحه في الحرم أم في الحل و نقل عن الصدوق أنه يحل على المحل ان لم يذبحه في الحرم و عن المفيد و ابن الجنيد و المرتضى ايضا كذلك و منشأ الخلاف الروايات الواردة في المقام و كيفية الجمع بينها فلا بد من نقلها و التأمل فيها و ما يستفاد منها فإنّ طائفة منها تدلّ على ان ما ذبحه‌

____________

(1) سورة المائدة (5) الاية «98».

11

المحرم ميتة و حرام، و قد عقد صاحب الوسائل بابا لذلك و خص به الباب العاشر من أبواب تروك الإحرام و قال: باب ان ما ذبحه المحرم من الصيد فهو ميتة حرام على المحل و المحرم و كذا ما ذبح منه في الحرم انتهى.

و تدل طائفة أخرى على جواز أكل المحل من صيد المحرم و هذه الطائفة تعارض الطائفة الاولى و هي مستند فتوى المرتضى و ابن الجنيد و الصدوق (قدس سرهم).

و نقل صاحب الوسائل هذه الطائفة من الروايات في الباب الثالث من تروك الإحرام و قال: باب جواز أكل المحل مما صاده المحرم في الحل إذا ذبحه محل فيه و يلزم الفداء المحرم انتهى و كأنه (قدس سره) لم ير تعارضا و تمانعا بين الطائفتين و حمل الطائفة الاولى من الروايات على ما ذبحه المحرم من الصيد سواء ذبحه في الحل أم في الحرم و الطائفة الثانية على ما صاده المحرم في الحل و ذبحه محل فيه فالمهم ذكر النصوص في المقامين اما الطائفة الأولى (فمنها) ما رواه خلاد السري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل ذبح حمامة من حمام الحرم، قال: عليه الفداء قلت: فيأكله؟ قال: لا، قلت: فيطرحه قال: إذا طرحه فعليه فداء آخر، قلت فما يصنع به؟ قال: يدفنه» (1) 2- محمد بن ابى عمير عمن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه أ يطعمه أو يطرحه؟ قال إذا يكون عليه فداء آخر، قلت: فما يصنع به؟ قال: يدفنه» (2) 3- عن وهب عن جعفر عن أبيه عن على (عليه السلام) قال: «إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحلال و الحرام و هو كالميتة، و إذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة، حلال‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 10 من أبواب تروك الإحرام الحديث (2)

(2) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 10 من أبواب تروك الإحرام الحديث 3

12

ذبحه أو حرام» (1) محمّد بن الحسن الصفار بإسناده عن إسحاق عن جعفر ان عليا (عليه السلام) كان يقول: «إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم و إذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم» (2) و المستفاد من هذه الطائفة صريحا ان ما ذبحه المحرم من الصيد فهو ميتة و حرام لا يجوز الانتفاع منه و لا طرحه بل يجب عليه دفنه لكي لا يأخذه غيره و أما الطائفة الثانية التي يحتمل ان تكون معارضة للطائفة الأولى.

(فمنها) ما رواه منصور بن حازم، «قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل أصاب من صيد أصابه محرم و هو حلال؟ قال: فليأكل منه الحلال و ليس عليه شي‌ء أنما الفداء على المحرم» (3) و الإصابة في الرواية يحتمل ان تكون بمعنى أخذ الصيد أو ذبحه و احتمل الشيخ كونه بمعنى اصابة الرمي، و على كل حال الرواية صريحة في ان ما اصابه المحرم من الصيد يجوز للحلال اكله، و لكن الفداء على المحرم الذي أصابه 2- (منها) رواية معاوية بن عمار قال «قال أبو عبد اللّه: إذا أصاب المحرم الصيد في الحرم و هو محرم فإنه ينبغي له أن يدفنه، و لا يأكله أحد، و إذا أصاب في الحل فان الحلال يأكله و عليه الفداء» (4) و الظاهر من الإصابة في الحرم الذبح أو ما يشمل الذبح و غيره و قوله (عليه السلام) ينبغي له أن يدفنه و ان كان يشعر بالاستحباب، الا أن الدفن حيث انه ليس مستحبا إذا كان الصيد حلالا كما هو المقطوع يعلم انه حرام و يجب دفنه‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 10 من أبواب تروك الإحرام الحديث 4

(2) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 10 من أبواب تروك الإحرام الحديث 5

(3) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 3 من أبواب تروك الإحرام الحديث 1

(4) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 3 من أبواب تروك الإحرام الحديث 2

13

و أما الإصابة في الحل المذكور في الرواية فهو ايضا ظاهر في الذبح بقرينة جواز اكله للحلال. و يمكن ان يراد منه الاصطياد، و اكله بعد الذبح و الطبخ.

3- و منها رواية منصور بن حازم قال: «قلت لأبي عبد اللّه: رجل أصاب صيدا و هو محرم آكل منه و أنا حلال؟ قال (عليه السلام): أنا كنت فاعلا، قلت له فرجل أصاب مالا حراما، فقال: ليس هذا مثل هذا يرحمك اللّه» ان ذلك عليه (1) 4- و رواية حريز قال: «قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع) عن محرم أصاب صيدا أ يأكل منه المحل؟ فقال: ليس على المحل شي‌ء، إنما الفداء على المحرم» (2) و هذه الرواية ليست صريحة في جواز الأكل للمحل و المصرح به عدم الفداء عليه [1] 5- و مثلها رواية عمار قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب صيدا و هو محرم أ يأكل منه الحلال؟ فقال: لا بأس، إنما الفداء على المحرم». (3)

____________

[1] لا يخفى ظهور الرواية بل صراحتها في جواز أكل ما اصابه المحرم من الصيد للمحل و انما وقع السؤال عنه ايضا بقوله أ يأكل المحل و لم يسئل عن الفداء و جوابه (ع) عنه بقوله ليس على المحل شي‌ء و انما الفداء على المحرم تأكيد أو تقريب لجواز اكله و انه ليس عليه شي‌ء، و ان المؤاخذ في ذلك هو المحرم فقط لا المحل

____________

(1) وسائل الشيعة (الجزء 9) الباب 3 من تروك الإحرام الحديث 3- 4

(2) وسائل الشيعة (الجزء 9) الباب 3 من تروك الإحرام الحديث 3- 4

(3) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 3 من أبواب تروك الإحرام الحديث (5)

14

و هذه الطائفة من الاخبار تدل على جواز أكل صيد المحرم للحلال و هي- كما ترى- أظهر دلالة من الطائفة الاولى، و بعضها أصح سندا، و لا يمكن الخدشة فيها من جهة السند و الدلالة و رفع اليد عنها في مقام التعارض بين الطائفتين من النصوص.

و أما الجمع بينها بحمل قوله (عليه السلام)- أصاب صيدا على مجرد الاصطياد و الأخذ دون الذبح و وقوع الذبح على يد المحل أو على اصابة رمى المحرم الى الصيد ثم يأخذه المحل و يذبحه كما احتمله الشيخ (قدس سره) خلاف الظاهر، بل قول ثالث فان الفقهاء بين قولين، أحدهما ان ما ذبحه المحرم ميتة حرام مطلقا و الثاني انه حلال للمحل مطلقا كما نقل عن الصدوقين، أو التفصيل بين التذكية بالرمي و التذكية بالذبح بأن الثاني ميتة بخلاف الأول إذا أخذه المحل و ذبحه قول ثالث.

و الذي يسهّل الخطب و الأمر، أن تلك الاخبار مع صحة سندها و ظهور دلالتها قد اعرض عنها المشهور، و لم يفت بمضمونها الا المفيد و المرتضى و ابن الجنيد (قدس سرهم) حتى ان صاحب الجواهر، مع انه قال: ما ذهب اليه المفيد و المرتضى لا يخلو من قوة، رجح القول المشهور، و وجّه و أوّل الطائفة الثانية و حملها على غير الذبح و القتل مع تصريحه بصحتها، و كذا صاحب المدارك مع ميله الى ما اختاره الصدوق و التصريح بصحة سند تلك الاخبار، و جرح رواة الطائفة الاولى و تضعيف بعضهم، قال: فكيف كان الاقتصار على اباحة غير المذبوح من الصيد كما ذكره الشيخان اولى، و الأحوط الاجتناب عن الجميع انتهى مضافا الى ان بعض تلك الاخبار غير صريح في خلاف ما اختاره المشهور كما احتمله في الجواهر ايضا لاحتمال ارادة غير القتل من الإصابة، و ان المحل‌

15

ذبح ما رماه المحرم.

و لكن المهم و المعتمد عليه في المقام و لا يمكن الغمض عنه هو أن الروايتين المرويتين عن على (عليه السلام)، الدالتين على أن ما ذبحه المحرم فهو ميتة- قد افتى المشهور بمضمونها مع ضعف السند فيهما، فان وهب الواقع في سند الرواية مشترك بين الضعيف و غيره و كذا الحسن بن موسى الخشاب غير موثق.

و مع ذلك كله فقد افتى المشهور بمضمونهما و عمل بهما الأصحاب و أعرضوا عما يدل على حليّة صيد المحرم مع قوة السند و صراحة الدلالة و هذا الأمر مما يوجب و هنا في تلك الطائفة من الروايات من جهة الصدور.

16

الأمر الثاني (في ترتب جميع الآثار على صيد المحرم)

ثم انه بناء على ان ما ذبحه المحرم من الصيد ميتة فهل يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على الميتة، من عدم جواز الانتفاع بجلده و انه لا يقبل الدبغ و عدم جواز الصلاة فيه و بيعه و شرائه، أو لا يترتب عليه الا حرمة اكله و اما غيره فلا يترتب عليه، بل هو مذكى طاهر كما هو كذلك بناء على ما ذهب اليه الصدوق و المرتضى و ابن الجنيد من جواز الأكل للمحل مما ذبحه المحرم، و كما لو صاده المحل و ذبحه فإنه حرام على المحرم اكله، و لكنه ليس ميتة و نجسا، وجهان.

و منشأهما كيفية الاستفادة من لسان التنزيل، فان استفدنا منه التنزيل في الحكم و الآثار لا ان التذكية الواقعة على الصيد غير مؤثرة، فيؤخذ بالقدر المتيقن من الحكم و الأثر الظاهر، و هو في المقام عدم جواز الأكل و اما غيره من الآثار المترتبة على الميتة كالنجاسة و عدم جواز الصلاة في جلده و غير ذلك فمشكوك فيه و الأصل عدم ترتب تلك الآثار على ذبيحة المحرم.

و اما لو قلنا ان المستفاد من لسان التنزيل في الرواية، ان تذكية المحرم‌

17

كالعدم، فالمعنى أن ذبيحة المحرم ميتة حقيقة فحينئذ يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على الميتة لكونه ميته واقعا لا تنزيلا في الحكم و الآثار و يشعر بذلك ما ورد أن الشخص لو اضطر إلى أكل الميتة أو الصيد فهل يقدم الميتة أو الصيد الذي ذبحه المحرم، انه يقدم الميتة و يترك الصيد، فيعلم ان الصيد الذي ذبحه المحرم ميتة بل أشد حكما منها، لتضمنه المخالفة للشعائر العظيمة الإسلامية أيضا.

عن عبد الغفار الجازي، قال: «سألت أبا عبد اللّه عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة فوجدها و وجد صيدا فقال: يأكل الميتة و يترك الصيد» (1).

عن إسحاق عن جعفر عن أبيه ان عليا (عليه السلام) كان يقول إذا اضطر المحرم الى الصيد و الى الميتة فليأكل الميتة التي أحل اللّه له. (2)

و يعارضهما عدة روايات تدل على ان المحرم المضطر إلى أكل الميتة لو وجد صيدا يأكل منه، و لا يجوز له أكل الميتة، فلو عملنا بها، و حكمنا بأن الميتة حرام على المحرم المضطر إذا وجد صيدا و قدمنا تلك النصوص على ما تقدم مما تدل على كون صيد المحرم ميتة، للزم القول بان صيد المحرم مذكى، و ليس بميتة، غاية الأمر يحرم اكله عند الاختيار دون الاضطرار، اعتمادا على تلك النصوص.

و لكن هذا الكلام ايضا غير تام، لان تقديم الصيد على الميتة لا يستلزم كونه مذكى و غير ميتة إذ من المحتمل ان يكون الصيد أيضا ميتة لا مذكى الا انه أقل ضرر و مفسدة و منقصة بخلاف الميتة التي ماتت حتف أنفها فيقدم الصيد عليها لوقوع فرى الأوداج عليه، و ان لم يكن مؤثرا في التذكية المعتبرة شرعا، فيدفع المضطر اضطراره و يسد جوعه بما هو أخف خطرا و أقل ضررا،

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 43 من كفارات الصيد الحديث 12

(2) وسائل الجزء 9 الباب 43 من كفارات الصيد الحديث 11

18

و يمكن ان يكون التقديم لما ذكر من التعليل فيما يأتي.

و على كل حال فالروايات الدالة على تقديم الصيد على الميتة كما يلي:

1- (منها) صحيحة الحلبي، قال: «سألت أبا عبد اللّه عن المحرم يضطر فيجد الميتة و الصيد أيهما يأكل؟ قال: يأكل من الصيد، ا ليس هو بالخيار، أما يحب ان يأكل؟ قلت: بلى، قال: انما عليه الفداء، فليأكل و ليفده». (1)

2- و رواية يونس بن يعقوب، قال: «سألت أبا عبد اللّه عن المضطر إلى الميتة و هو يجد الصيد؟ قال يأكل الصيد، قلت: ان اللّه عز و جل قد أحل له الميتة إذا اضطر إليها، و لم يحل له الصيد، قال: تأكل من مالك أحب إليك أو ميتة؟ قلت من مالي، قال: هو مالك، لان عليك فداؤه، قلت لم يكن عندي مال، قال: تقضيه إذا رجعت الى مالك». (2)

3- عن ابن بكير و زرارة جميعا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل اضطر إلى ميتة و صيد و هو محرم؟ قال: يأكل الصيد و يفدى». (3)

4- عن منصور بن حازم قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): محرم اضطر الى صيد و الى ميتة من أيهما يأكل؟ قال: يأكل من الصيد، قلت: أ ليس قد أحل اللّه الميتة لمن اضطر إليها؟ قال: بلى، و لكن يفدى، ألا ترى انه انما يأكل من ماله فيأكل الصيد، و عليه فداؤه»- (4) 5- عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: «سالته عن المحرم إذا اضطر إلى أكل صيد و ميتة؟ و قلت: ان اللّه عز و جل حرم الصيد و‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 43 من كفارات الصيد الحديث 1

(2) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 43 من كفارات الصيد، الحديث 2

(3) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 43 من كفارات الصيد الحديث 3

(4) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 43 من كفارات الصيد الحديث 7

19

أحل الميتة، قال: يأكل و يفديه فإنما يأكل ماله». (1)

و غيرها من الروايات التي نقلها صاحب الوسائل في كفارات الصيد في الباب الثالث و الأربعين من كتاب الوسائل كلها بهذا المضمون و ذلك التعليل.

و على هذا، القدر المتيقن من التنزيل و الآثار المترتبة عليه، بعد ملاحظة الأخبار المتقدمة الواردة في المحرم المضطر إلى الميتة، المتحدة مضمونا، الحكم بان ما ذبحه المحرم من الصيد انما هو بمنزلة الميتة في عدم جواز اكله فقط، لا أنه ميتة و غير مذكى، بحيث لا ينتفع بجلده و يكون نجسا و لا تصح الصلاة فيه، و لا بيعه و لا شرائه، و لكن الأحوط الوجه الثاني، و الحكم بترتب جميع آثار الميتة عليه لما تقدم عن على (عليه السلام) من تقدم الميتة على الصيد [1] و قد يؤيد ذلك بل يستدل له، بأن التذكية شرعا انما يتحقق بذكر اسم اللّه حصين الذبح، و لا معنى لذكره تعالى على ما حرّمه اللّه و يبغضه فلا يكون مؤثرا في التذكية بل يكون لغوا.

و لكن ينتقض بالحيوان المغصوب الذي يذبحه الغاصب مسمّيا لذكره تعالى عليه، مع ان فعله و التصرف في مال الغير بغير اذنه حرام و مبغوض لديه تعالى، فلا تنافي بين التسمية و ذكر اللّه تعالى الذي هر شرط في التذكية و تأثيره في المشروط من جهة، و بين كون الفعل حراما و مبغوضا من جهة أخرى، فيؤثر الذكر أثره في التذكية و يترتب على الفعل أثره الأخر من القبح و العقوبة،

____________

[1] لا وجه لهذا الاحتياط المستلزم لتضييع المال بعد تحقق التذكية بالشرائط المعتبرة، و بعد العلم بملاك الحكم الثابت على المحرم بالنسبة إلى صيده، و هو حفظ الصيد من الآفات في موسم الحج و حفظ حرمة اللّه و جواره، الذي يحصل بعدم جواز الأكل و لا يستفاد من الرواية أكثر من هذا و لا يشترط القربة في التسمية أيضا.

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 43 من كفارات الصيد، الحديث 5

20

و لا يشمله قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ وَ إِنَّ الشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ لِيُجٰادِلُوكُمْ (1) و بالجملة فإن استفدنا من دليل التزيل و سائر الروايات ان صيد المحرم في جميع الآثار كالميتة، أو في عدم جواز الأكل فقط نعمل به، و ان وقع الشك و الإجمال في الدليل فالمرجع في المقام الأصل الجاري فيه و هو عدم تحقق التذكية شرعا التي تترتب عليها جواز الأكل و طهارة الجلد و غيره من الآثار المترتبة على المذكى شرعا [1] هذا فيما إذا صاده المحرم و ذبحه في الحرم أو في الحل و اما لو ذبحه‌

____________

[1] هذا مخالف لما تقدم من الأستاد في ص 19 من ان الأصل عند الشك عدم ترتب آثار الميتة على ما ذبحه المحرم و لعلّ نظر الأستاد مدّ ظلّه هنا الى انّ التذكية أمر معنوي يتحصل من فرى الأوداج الأربعة و غيره من الشرائط فإذا شك في تحقق التذكية شرعا لاحتمال حصول هذه الأمور بيد غير المحرم، يكون الشك في المحصل و الأصل عدم تحقق المحصل بفتح الصاد) و لكنه غير تام فان المستفاد من أدلة التذكية اعتبار فرى الأوداج الأربعة مع الشرائط الأخرى و لا شك في تحقق تلك الشرائط و حصول التذكية شرعا إلا أدلة حرمة صيد المحرم و انه بمنزلة الميتة، بعد شمول دليل التذكية له، و لا يرفع اليد عن دليل التذكية و ترتيب الآثار، الا بمخصص معتبر و دليل شرعي، و بعد إجمال المخصص و تردده بين كون صيد المحرم ميتة في جميع الآثار، أو في عدم جواز الأكل فقط، نأخذ بالقدر المتيقن و هو عدم جواز الأكل فقط لاجتمع آثار الميتة، و لا دليل على رفع اليد عن عموم دليل التذكية بعد تحقق جميع ما يشترط فيها من الاستقبال و التسمية و فرى الأوداج الأربعة، إذ لو لا أدلة حرمة الصيد لحكمنا بكونه مذكى و لا نرفع اليد عنه الا بما يسعه الدليل المقرر

____________

(1) سورة الانعام الآية 120

21

المحل فيأتي حكمه‌

(الأمر الثالث)- لو ذبح المحل صيدا في الحرم

، سواء صاده في الحل أو في الحرم، فهل هو مثل ما ذبحه المحرم، في كونه ميتة في عدم جواز الأكل، أو في جميع الآثار على ما تقدم، فيحرم على المحرم و المحل أكله، أو ليس كذلك، فقد ادعى الاتفاق على حرمته و صرّح به غير واحد، و تدل عليه ايضا روايات مروية في كتب الأصحاب.

1- (منها)- صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) «في حمام ذبح في الحل، قال: لا يأكله محرم، و إذا ادخل مكة أكله المحل بمكة، و إذا ادخل الحرم حيا ثم ذبح في الحرم، فلا يأكله، لأنه ذبح بعد ما دخل مأمنه» (1) 2- عن حماد عن الحلبي قال: «سئل أبو عبد اللّه عن صيد رمى في الحل ثم ادخل الحرم و هو حي فقد حرم لحمه و إمساكه، و قال: لا تشتره في الحرم الا مذبوحا قد ذبح في الحل، ثم دخل الحرم فلا بأس به» و رواه الكليني الا انه زاد فلا بأس به للحلال (2) و رواية وهب عن جعفر عن أبيه عن على (عليه السلام) قال: «إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحلال و الحرام و هو كالميتة، و إذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة حلال ذبحه أو حرام (3) و يشمل إطلاق الرواية ما أخذ من الحرم أو خارجه، و هي و ان كانت ضعيفة السند كما تقدم، الا أنه مجبور بعمل الأصحاب و الفتوى على مضمونها، و أشير في المسئلة السابقة ايضا ان التنزيل بمنزلة الميتة يمكن ان يكون في جميع الآثار كما يحتمل ان يكون مثلها في الأثر الظاهر، و عدم جواز الأكل، و لا فرق في ذلك‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء (9) الباب (5) من تروك الإحرام- الحديث 4

(2) وسائل الشيعة الجزء (9) الباب (5) من أبواب تروك الإحرام، الحديث 1

(3) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 10 من تروك الإحرام الحديث 4

22

بين التعبير بأنه ميتة أو كالميتة، فإنه تفنن في العبارة و التعبير، و المعنى واحد.

(الأمر الرابع)- لو صاد المحل و ذبحه في الحل ثم ادخله الحرم يجوز للمحل اكله

، و ادعى عدم الخلاف و الاشكال فيه و تدل عليه الروايات السابقة كصيحة الحلبي و اما المحرم فلا يجوز له اكله.

و يستفاد من بعض الأدلة عدم جواز اكله للمحل ايضا و انه إذا أكله يجب عليه ثمنه عن صفوان عن منصور بن حازم قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): اهدى لنا طير مذبوح فأكله أهلنا؟ فقال لا يرى به أهل مكة بأسا، قلت فأي شي‌ء تقول أنت؟

قال: عليهم ثمنه (1) و يظهر من التعبير بأن أهل مكة لا يرى به بأسا حليته للمحلين و انهم لا يرون بذلك بأسا حيث انهم كانوا محلين غالبا، بخلاف المحرم، فان عدم جواز الأكل له كان ايضا معلوما عندهم، الا أن الظاهر من إيجاب الثمن عليهم عدم جواز الأخذ المرادف لحرمة الأكل للمحلين من أهل مكة أيضا.

هذا و لكن الرواية حملت على ما ذبح الصيد في الحرم و ان أهل الحرم لم يكونوا عالمين به و على أى حال فقد تقدم ما يدل صريحا على حليته، كما في صحيحة الحلبي في قوله: «لا تشتره الا مذبوحا ذبح بالحل فلا بأس به».

فتحصل من جميع ما تقدم من الروايات ان ما أخذ من الحرم و ذبح فهو حرام اكله للمحل و المحرم. و أما ما أخذ من خارج الحرم و ذبح فيه ايضا و ادخل الحرم بعده فهو حلال للمحل دون المحرم و اما لو شك في انه ذبح في الحرم أو في خارجه سيأتي حكمه في المسئلة الاتية‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 5 من أبواب تروك الإحرام- الحديث 5

23

(الأمر الخامس)- لو وجد مذبوح يباع بسوق مكة

و شك في انه أخذ من الحرم و ذبح فيه حتى يكون حراما على المحل، أو أخذ من الحل و ذبح فيه فيكون حلالا عليه، كما فصلناه في المسئلة السابقة فيه وجهان فان قلنا: ان المستفاد من الأدلة المتقدمة، من النصوص و الفتاوى الدالة على حرمة صيد المحرم و الحرم انه ميتة و غير مذكى فمع قطع النظر عن يد المسلم و سوق المسلمين، الأصل عدم تحقق التذكية شرعا إذا شك في انه ذبح في الحرم، أو خارجه، فان الشرع كما جعل فرى الأوداج الأربعة، و القبلة شرطا لحصول التذكية، فكذلك جعل في الصيد عدم ذبحه في الحرم أو ذبحه في خارجه شرطا لحلية أكل لحمه للمحل، فإذا شك في تحقق هذا الشرط، أو شرط آخر، فالأصل عدم تحقق التذكية عند الشرع، و الحكم بحرمة المشكوك ذبحه كما في سائر الموارد [1].

هذا مع قطع النظر عن يد المسلم و حمل فعله على الصحيح في البيع و غيره، و الا فيمكن أن يقال أنه إذا باعه مسلم و عامل معاملة المذكى و احتملنا إحرازه الطهارة و الحلية، فيده حجة، و قوله دليل على التذكية، و يقبل في ذلك و فعله محمول على الصحة.

و اما لو قلنا ان الصيد المذبوح في الحرم ليس ميتة و غير مذكى، بل يحرم اكله تعبدا على المحرم كما اختاره عدة و يدل عليه بعض الروايات المتقدمة، فلو شك في ان ما يباع من الطيور الوحشي في سوق مكة أو المدينة، أو أثناء الطريق، هل ذبح في الحرم أو في خارجه، أو ذبحه المحرم حتى يحرم اكله لا تكون يد المسلم امارة للحلية، و طريقا لجواز الأكل، إذ ليس الشك في التذكية‌

____________

[1] قد تقدم الإشكال في استفادة هذا الشرط بعد تحقق شرائط التذكية لو لا حرمة الصيد على المحرم بالنسبة الى غير الأكل

24

و عدمها، للعلم بوقوع التذكية عليه، و انما الشك في انّ هذا المذكى حرام على المحل؟ لاحتمال وقوع الذبح في الحرم، أو حلال عليه لوقوعه في الحلّ، و يد المسلم في هذا المورد ليست حجة و امارة على جواز الأكل و حليته، نعم يقبل قول ذي اليد في المورد، إذا أخبر بأنه لم يذبح في الحرم، أو لم يذبحه المحرم، و لكن الكلام فيما إذا لم يخبر به و لم يعترف عليه، فحينئذ هل يمكن و يصح أن يقال: ان اليد وحدها حجة و امارة على عدم وقوع الذبح في الحرم، أم لا؟ الظاهر انه مشكل، و حمل فعل المسلم على الصحة، لا يلازم ذلك ايضا، كما لو تكلم رجل بكلام لم يعلم انه كان سلاما يجب رده، أو فحشا و سبا، يحمل فعله على الصحة، و لا يصح مؤاخذته، و لكن لا ينثبت به كونه سلاما ليجب رده، و كذا بمعونة اليد و حمل فعل المسلم البالغ على الصحة يحكم بأنه لم يرتكب الحرام في بيعه و شرائه و أما إثبات أن هذا الطير المذبوح الذي يباع في السوق لم يذبح في الحرم، أو ذبح في خارجه، خارج عن دائرة قدرتها و سلطنتها، فان كان في المقام أصل موضوعي، أو حكمي، أو حكم كلى عام شامل للمورد يؤخذ به، فعلى هذا لو قيل ان هذا اللحم كان اكله حراما في حال حياة الصيد الذي وقع عليه الذبح و يشك في كيفيته، فيستصحب الحرمة و يحكم ببقائها. إذا شك في وقوع الذبح في الحرم و خارجه.

و القول بأن الحرمة الثابتة في حال الحياة نوع خاص، و هي بعد وقوع الذبح نوع آخر، لا يضر بالاستصحاب، و يمكن أن يدعى و يقال أن الحرمة السابقة الثابتة حال حياة الصيد، قد ارتفعت و زالت بوقوع الذبح و التذكية قطعا فهي مرتفعة بالوجدان، و الحرمة العارضة عليه بعد الذبح مشكوك فيها و لا يمكن استصحابها لعدم الحالة السابقة لها، كما لو علمنا بوجود انسان متحقق في ضمن وجود زيد في الدار، و قطعنا بخروجه منها و لكن يحتمل أن يدخل عمرو الدار‌

25

مقارنا لخروج زيد منها، فإن أمكن لنا الاستصحاب الكلى و الحكم بوجود انسان كلي في الدار، ففي المقام ايضا- يستصحب الحرمة الكلية المتحققة حال حياة الصيد المحتمل بقاؤها بنحو الكلي في ضمن حرمة تعبدية أخرى مقارنة لزوال الحرمة الأولى لكن الالتزام به مشكل نعم يمكن ان يتمسك بقاعدة الحلية في المقام لقوله (عليه السلام):

«كل شي‌ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه».

و أحسن من الجميع أن يحتاط المسلم في دينه، و لا يأكل مما يشك في حليته و حرمته، و يستريح من عتاب الشك و الشبهة.

بقي هنا شي‌ء لا بأس بالإشارة اليه، و هو أنه إذا قلنا ان ما ذبحه المحرم من الصيد بحكم الميتة تعبدا في عدم جواز الأكل، فالحكم ما تقدم من حجية اليد و الاستصحاب و غيره عند الشك، و أما بناء على انه ميتة في جميع الآثار، فان اخترنا أن الميتة أمر عدمي عبارة عن عدم تحقق التذكية شرعا فالأصل الجاري في المقام و هو استصحاب عدم التذكية، أو أصالة عدمها يكفي في إثبات كونه ميتة، و يترتب عليه جميع الآثار، و أما إذا اخترنا أن الميتة أمر وجودي متأصل، فيشكل إثباته بالأصل و الاستصحاب، و ان حكمنا بحرمة الأكل:

(الأمر السادس)- لو علم أنه صاد صيدا و ذبحه

، و لكن لا يعلم أنه صاده حال الإحرام و ذبحه فيه فيحرم أكله، أو صاده حلالا و ذبحه محلا فيجوز أكله، فإن علم تاريخ الذبح بان تيقن انه ذبحه يوم الجمعة مثلا، و شك في انه أحرم قبل هذا التاريخ أو بعده، فيستصحب عدم الإحرام إلى حين الذبح و يحكم بحلّيته و جواز الأكل، و ان علم تاريخ الإحرام فقط دون الصيد و الذبح، فيستصحب عدم الصيد و الذبح الى زمان الإحرام، و يحكم بعدم وقوع الذبح قبله، و يكفى دليلا لحرمة الأكل، أصالة عدم التذكية و لكن لا يثبت وقوع الذبح بعد الإحرام الا على القول بحجية الأصول المثبتة‌

26

و اما إذا جهل تاريخهما أي الإحرام و الذبح معا، فالحكم ما تقدم في الأمر الخامس، من التمسك بالاستصحاب أو قاعدة الحلية.

قد يقال ان هذا اللحم قبل الذبح كان محكوما بالحرمة، و نشك في تأثير الذبح الواقع عليه في حليّته، فتستصحب الحرمة السابقة.

و يجاب عنه بأنه يشترط ان كان يكون المتيقن و المشكوك متحدا في إجراء الاستصحاب و ان يراهما العرف شيئا واحدا و حكما فاردا، و ليس المقام كذلك، فإن الحرمة الثابتة قبل الذبح نوع خاص، و هي بعده لأجل الشك في وقوع الذبح في الحرم أو خارجه نوع أخر.

و دعوى ان هذا المقدار من الاختلاف لا يضر بإجراء الاستصحاب غير مسموعة، للعلم بارتفاع الحكم السابق المتحقق حال حياة الحيوان، و لا شك فيه و انما الشك في الحرمة المجعولة بسبب الإحرام و وقوع الذبح في الحرم و عدمه، و الحكم بها لا يعد إبقاء للحكم السابق و لا عدمه نقضا له، الا ان يلتزم بصحة الاستصحاب الكلى و جريانه في المقام، كما لو علم بوجود انسان متحقق في وجود زيد في الدار، و علم بخروج زيد منها، و لكن يحتمل دخول عمرو الدار مقارنا لخروج زيد، فيستصحب الإنسان الكلى و يحكم ببقائه، فيقال في المسئلة ببقاء الحرمة الكلّية في البين و لكنه مشكل نعم يمكن ان يتمسك بقاعدة الحلية (كل شيى فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه) و يحكم بحلية أكل ما شك في حليته و أشير إليه فيما سبق و انما أعدناه توضيحا للمسئلة.

27

(الأمر السابع)- في مفهوم الصيد

، و هو بحسب المفهوم العام عند العرف يشمل ما يؤكل لحمه و ما لا يؤكل لحمه منه. فقوله تعالى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (1) و لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ (2) يشمل السباع و الوحوش و الغزلان و الطيور مما يؤكل لحمه و ما لا يؤكل، يقال لمن صاد غزالا أو حمامة صاد، و لمن صاد أسدا أو ثعلبا أو خنزيرا صاد، إذا كان وحشيا بالذات، و ان صار أهليا بالعرض، و أما لو كان أهليا بالذات ثم صار وحشيا بالعرض فلا يصدق عليه الصيد، هذا هو المفهوم المتبادر من الصيد عند العرف، و اما الآية الكريمة المذكور فيها الصيد، فيمكن ان يقال انه منصرف الى ما يؤكل لحمه، بمناسبة الحكم و الموضوع، إذ المستفاد منها ان الإحرام مانع عن الصيد و ذبحه و اكله، بحيث أنه لو لا الإحرام لم يكن مانع من اكله و كذا التقييد في قوله تعالى (مٰا دُمْتُمْ حُرُماً) فان اختصاص الحرمة بحال الإحرام، يدل على انتهاء الحكم و ارتفاع النهي بالإحلال فيجوز الصيد و أخذه و ذبحه و اكله بعده، الذي كان محرما عليه قبله، و لا يستفاد الدوام و التأبيد، من الآية كما في قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ (3) فسياق الآية في حكم الصيد يدل على أنه لو لم يكن الإحرام موجبا لحرمته و النهى عن الاستفادة منه كان اكله حلالا، و جائزا بالحكم الاولى المجعول من الشرع، و الصيد الذي لا يؤكل لحمه في الشرع بل هو حرام بالجعل الاولى ليس كذلك إذ لو لم يأخذه المحرم حال إحرامه لكان حراما ايضا و ان صاده في الحل، فالاية الكريمة منصرفة إلى مأكول اللحم من الصيد البري، و لا تشمل‌

____________

(1) سورة المائدة- الاية 96

(2) سورة المائدة- الاية 95

(3) سورة المائدة- الاية 5

28

غير المأكول، و لو شك في الانصراف، لكان القدر المتيقن من مفادها هو الأول، فعلى هذا إثبات حرمة صيد ما لا يؤكل لحمه و أخذه و قتله، و الحكم بالكفارة على من صاده و قتله، يحتاج الى دليل أخر غير الآية، و ان كان في الاخبار غنى و كفاية، الا ان الآية مع قطع النظر عن الرواية لا يشمل عمومها له نعم قد تفسر الروايات الآية، في سعة الشمول و عدمها، الا أنه لا تنافي بينه و بين ما ذكرناه من انصراف طبع الآية و سياقها الى ما يؤكل لحمه، و يؤيد ما ادعيناه أن جميع الأسئلة الواردة في النصوص انما وقعت عن الغزال و الحمام و النعامة و غيرها مما يؤكل لحمه، فالاية اما منصرفة اليه أو هو القدر المتيقن منها بشهادة السياق و الحرمة المجعولة حال الإحرام، المرتفعة بالإحلال. [1]

(الأمر الثامن) أنه بعد ما فرغ صاحب الشرائع عن بيان حرمة الصيد أكلا و اصطيادا و اشارة و ذبحا قال: و كذا يحرم فرخه و بيضه.

لو قيل ان الامتناع و الفرار يعتبر في مفهوم الصيد فلا تشمل الآية الفرخ لعدم قدرته عليهما.

____________

[1] التحقيق في المقام ان يقال ان ما يستفاد من قوله تعالى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً حرمة ما يوكل لحمه من الصيد بالقتل و الأخذ و الرمي، اما بالانصراف اليه كما جاء في كلام الأستاد مدّ ظلّه، أو بدعوى انه المتقين من الآية، و اما قوله تبارك و تعالى لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ فلا يبعد دعوى شموله للصنفين من الصيد، المأكول لحمه و غيره بل من المحتمل القريب أن الآية الثانية أظهر في العموم من دعوى الانصراف في الاية الاولى الى ما يوكل لحمه و مثلها في الظهور في العموم قوله تعالى لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّٰهُ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنٰالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمٰاحُكُمْ.

29

يقال: ان المعتبر القدرة على الفرار و الامتناع بالذات لا بالفعل، إذ لو كسر رجل صيد، أو مرض بحيث لا يتمكن من الفرار لا يخرج عن كونه صيدا، و كذا لو لم يتمكن منه لصغر السن و ضعف القوة و العدو، فلا قصور في شمول الاية للفرخ، مضافا الى النصوص الواردة في المقام.

1- (منها) ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) «في قيمة الحمامة درهم، و في الفرخ نصف درهم و في البيض ربع درهم» (1) و يعلم من تعيين القيمة ان أخذ الفرخ و البيض حرام على المحرم.

2- و عن الحرث بن المغيرة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سئل عن رجل أكل من بيض حمام الحرم و هو محرم، قال عليه لكل بيضة دم و عليه ثمنها سدس أو ربع درهم (الوهم من صالح الراوي عن الحرث) ثم قال ان الدماء لزمته لأكله و هو محرم، و ان الجزاء لزمه لأخذه بيض حمام الحرم». (2)

3- عن حفص البختري عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «في الحمام درهم و في الفرخ نصف درهم و في البيضة ربع درهم». (3)

4- عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فرخين مسرولين ذبحتهما و انا بمكة محل، فقال لي: لم ذبحتهما؟ فقتل جائتني بهما جارية قوم من أهل مكة فسألتني أن أذبحهما فظننت أني بالكوفة و لم اذكر الحرم فذبحتهما، فقال: تصدق بثمنهما، فقلت فكم ثمنهما؟ فقال درهم خير من ثمنها» (4)

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 10 من أبواب كفارات الصيد- الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 10 من أبواب كفارات الصيد- الحديث 4.

(3) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 10 من أبواب كفارات الصيد- الحديث 5.

(4) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 10 من أبواب كفارات الصيد- الحديث 7.

30

5- عن حريز عن محمد قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اهدى إليه حمام أهلي جي‌ء به و هو في الحرم محل، قال ان أصاب منه شيئا فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه». (1)

6- عن حريز عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: المحرم إذا أصاب حمامة ففيها شاة و ان قتل فراخه ففيه حمل و ان وطئ البيض فعليه درهم». (2)

في الرواية الأولى لحريز وقع السؤال عن رجل و هو في الحرم، و الظاهر انه كان محلا أصاب شيئا من الحمام في الحرم، و اما روايته الثانية فقد وردت في حق المحرم كما في روايته الثالثة.

7- عن حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «و ان وطئ المحرم بيضة كسرها فعليه درهم و كل هذا يتصدق به بمكة و منى و هو قول اللّه تعالى تَنٰالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمٰاحُكُمْ». (3)

8- عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال «سالته عن رجل كسر بيض حمام و في البيض فراخ قد تحرك، قال: عليه أن يتصدق عن كل فرخ قد تحرك بشاة، و يتصدق بلحومها ان كان محرما و ان كان الفرخ لم يتحرك تصدق بقيمته و رقا يشترى به علفا يطرح لحمام الحرم». (4)

يستفاد من مجموع هذه الروايات ان الفرخ و البيض ايضا حرام على المحرم كما أن الصيد حرام عليه و أما ترتب الكفارة و تفصيلها و انها لأي قسم من الصيد فسيأتي إنشاء اللّه في الكفارات‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 10 من أبواب كفارات الصيد الحديث 10

(2) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 10 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1

(3) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 9 من أبواب كفارات الصيد- الحديث 7

(4) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 9 من أبواب كفارات الصيد- الحديث 8

31

الأمر التاسع في الجراد وقع الخلاف بين الاعلام من الشيعة و السنة في أن الجراد من صيد البر أو البحر، اوله صنفان صنف بري و صنف بحري

، و كان المناسب ان نتعرض لهذا البحث بعد توضيح الكلام في مفهوم صيد البحر و نقل الأقوال فيه، و لكن الأستاذ مدّ ظلّه العالي تعرض لذلك في المقام تبعا للمحقق (قدس سره).

قال المحقق في الشرائع بعد الحكم بحرمة البيض و الفرخ: «ان الجراد في معنى الصيد البري، عندنا كما في الجواهر.

و عن المنتهى و التذكرة أنه قول علمائنا و أكثر العامة، و ادعى عدم الخلاف فيه، كما عن المسالك، خلافا لأبي سعيد الخدري و الشافعي و احمد، فذهبا الى كونه بحريا زعما بأنه متولد من مدفوع السمك.

و أما علماؤنا كما أشير إليه فلا خلاف بينهم في ذلك، الا أنهم قالوا: «الجراد على صنفين، صنف منه بحري، و صنف بري» و لعل تعرض المحقق لبيان حكم الجراد في ضمن حكم الصيد البري انما هو لذلك، و لعل الروايات المتفرقة الدالة على أن الجراد كله بري، وردت في بيان حكم ما كان يبتلى به الحاج في أثناء السير، لاجتماع الجراد في الطريق الذي يكون غالبا من الصنف البري، لا البحري، فعلى هذا، الصنف البري حرام أخذه و قتله و أكله على المحرم، و أما البحري فهو حلال، يشمله قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ، فالمهم في المقام نقل النصوص الواردة في المسئلة، و التأمل في مضامينها لكي يتضح الحال و يكمل المقال، و يعلم ان الجراد كله بري، أو بحري، أو مختلف.

1- (منها) ما رواه محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: مرّ على (عليه السلام) على قوم يأكلون جرادا، فقال سبحان اللّه و أنتم محرمون؟ فقالوا انما هو من صيد البحر، فقال لهم ارمسوه في الماء إذا (1)

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 7 من أبواب تروك الإحرام الحديث 1

32

إذ المستفاد من الرواية، من قوله (عليه السلام) ارمسوه في الماء أن الجراد لو كان يعيش في الماء كان بحريا و حيث أنه لا يعيش إلا في البر فهو بري.

2- عن حريز عن زرارة عن أحدهما قال: المحرم يتنكب الجراد إذا كان على الطريق فان لم يجد بدّا فقتل فلا شي‌ء عليه. (1)

3- عن ابى بصير قال سألته عن الجراد يدخل متاع القوم فيدوسونه من غير تعمد لقتله أو يمرون به في الطريق فيطأونه قال: ان وجدت معدلا فاعدل عنه فان قتلته غير متعمد فلا بأس. (2)

4- معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال ليس للمحرم ان يأكل جرادا و لا يقتله. (3)

5- عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجراد أ يأكله المحرم، قال: لا (4).

6- عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المحرم لا يأكل الجراد (5) 7- عن معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه: الجراد من البحر، و قال كل شي‌ء أصله في البحر، و يكون في البرّ و البحر فلا ينبغي للمحرم ان يقتله فان قتله فعليه الجزاء كما قال اللّه تعالى (6) هذه الروايات تدلّ على ان الجراد على نحو العموم من صيد البر و ان كان أصله و تكوّنه من البحر، و لم تذكر فيها نوع آخر بحري من الجراد، و قد صرّح‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 7 من أبواب تروك الإحرام- الحديث 2

(2) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 7 من أبواب تروك الإحرام- الحديث 3

(3) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 7 من تروك الإحرام- الحديث 4

(4) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 7 من تروك الإحرام- الحديث 5

(5) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 7 من تروك الإحرام- الحديث 6

(6) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 6 من تروك الإحرام- الحديث 2

33

في رواية محمد بن مسلم بأنه لو كان من صيد البحر لعاش في الماء فما لم يتمكن من ان يعيش فيه فهو بري كما ان ما لا يتمكن من ان يعيش في البر فهو بحري و اما إذا تمكن من ان يعيش في البر و البحر معا فهو أيضا بري و ان كان أصله من الماء، و هذا هو المراد من كلام الشيخ (قدس سره) حيث قال: و اما لو كان في البر و البحر و ان كان أصله من الماء فهو البري كما في رواية عمار المتقدمة فمثل بعض السلحفاة التي تعيش في البر و البحر بحيث تتمكن من الحياة في البرّ من دون حاجة ملزمة الى العيش في الماء، كما في السمك فهو ايضا من الصيد البري الذي يحرم على المحرم قتله، و اما التي لا تعيش من السلحفاة إلا في الماء فهي بحرية.

و بالجملة المستفاد من الروايات ان الجراد على نحو العموم من صيد البر يحرم قتله و اكله لقوله تعالى لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ نعم لو اجتمع الجراد في طريق المحرم و تجمع فيه و سدّ الطريق بحيث لا يمكن السير بدون قتله و لا التوقف حتى ينتشر و يطير، فإن أمكن الطرد فيطرد و يبعد من الطريق، و الا فلا إشكال في إتلافه بالراكب و المركب، كما في صورة الاضطرار و اما في غير تلك الصور فلا يجوز قتل الجراد و طرده كما أشير إليه.

34

الأمر العاشر (في صيد البحر)

لا يحرم على المحرم صيد البحر مطلقا و هو كما في الشرائع ما يبيض و يفرخ في الماء.

اما أصل الحكم فلا اشكال فيه و لا خلاف، بل ادعى إجماع المسلمين عليه و يدل عليه قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ. (1)

و اما تعريف صيد البحر بأنه ما يبيض و يفرخ في الماء فلا بدّ من بسط الكلام فيه، فأقول: البيض و الفرخ، و ان كانا بحسب الظهور العرفي مختصين بما يطير، و يستعمل فيه من دون تمهل و مؤنة، و لكن قد يراد منه الأعم، كما قد يعبر عن الأولاد بالفرخ، فبناء على إرادة الأعم، كل ما يتولد و يتكون في البحر فهو بحري، و ما يتكون و يتولد في البرّ فهو برّي، سواء كان بالبيض أو بالولادة، و لعل هذا مراد المحقق ايضا و اما لو كان مراده ما هو الظاهر من البيض و الفرخ من اختصاصهما بما يطير دون الأعم، فلا مناص من التأمل في اخبار الباب في ان المستفاد منها، ان المراد مما‌

____________

(1) المائدة 96

35

يبيض و يفرخ ما هو الظاهر عند العرف، و هو المعيار و الملاك في كون الصيد بحريا أو بريا، أو المراد منه الأعم كما اخترتاه حتى يعد كلّ ما يتكون و يتولد في البحر بحريا و ما يتكون في البرّ بريا، إذ لولاه لا شكل عد الكلب البحري و الفرس البحري بحريا لعدم تكونهما من البيضة و لا يطلق عليها الفرخ، و على كل حال، المتبع في المقام الأخبار المروية عنهم (عليهم السلام)، و فقه مضامينها بالتأمل التام.

1- منها ما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (و السمك لا بأس بأكله طرية و مالحة و يتزود، قال اللّه تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ، قال: فليتخير الذين يأكلون و قال: فصل ما بينها كل طير يكون في الآجام يبيض في البر و يفرخ في البر فهو من صيد البر و ما كان من صيد البر يكون في البر و يبيض في البحر فهو من صيد البحر) (1).

المستفاد من هذه الرواية، ان كل ما يبيض في البحر فهو بحري، و ان كان يعيش في البر ايضا فالطير الذي يبيض في البحر و لكنه يعيش في البر فهو بحري، و هي نظير ما تقدم من معاوية بن عمار ايضا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام) (كل شيى أصله في البحر و يكون في البر و البحر فلا ينبغي للمحرم ان يقتله فان:

قتله فعليه الجزاء) (2) الا انها جعل الميزان فيها كون الأصل في البحر و هذه الرواية جعل الملاك فيها ان يبيض و يفرخ في البحر و يمكن حمل هذه على الطير و ما تقدم على الأعم منه و من غيره.

2- و عن حريز عمن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (لا بأس بأن يصيد المحرم السمك و يأكل مالحه و طريه و يتزود، قال اللّه: أحل لكم صيد البحر و طعامه متاعا‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 6 من أبواب تروك الإحرام الحديث 1

(2) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 6 من أبواب تروك الإحرام الحديث 2

36

لكم، قال: مالحه الذي تأكلون، و فصل ما بينهما كل طير يكون في الآجام يبيض في البر و يفرخ في البر فهو من صيد البر و ما كان من صيد البرّ يكون في البر و يبيض في البحر فهو من صيد البحر) (1).

هذه الرواية تدل على ان كل ما يبيض في البحر فهو بحري فيقيد به ما يدل على ان كل شي‌ء أصله في البحر فهو بحري هذا في الطير، و اما غيره فكل ما لا يعيش في الماء فهو بري كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) ارمسوه في الماء.

الأمر الحادي عشر لو كان حيوان يراه العرف بريا و يعده منه، و لكنه يبيض في البحر

، فهل المتبع هنا نظر العرف أو الميزان الذي استفيد من الاخبار لتشخيص صيد البحر فيحكم بجواز صيده و اكله اعتمادا على الميزان؟.

يمكن ان يقال بل يستدل بان الروايات انما وردت لتشخيص موارد الشك و الاشتباه عند العرف، دون المعلوم عنده فإذا رأى العرف حيوانا من صيد البر يلزمه حكمه و يحكم بحرمة صيده و قتله و أكله إذ الروايات ناظرة إلى الفرد المشكوك و تشخيصه بالميزان المذكور فيها، و يشهد لذلك ان قوله تعالى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ خطاب عرفي عام وجه الى المكلفين فإذا رأى العرف حيوانا برّيا يتحتم عليه التكليف و لا يبقى له شك حتى يتوسل بالميزان الشرعي المذكور و تخطئة العرف و القول بان الروايات انما وردت في مقام التخطئة للعرف في بعض مصاديق الصيد و إبطال حكمهم فيه مشكل جدا و كلام على (عليه السلام) مع قوم كانوا يأكلون الجراد و هم محرمون مستدلين بأنه من صيد البحر، لم يكن تخطئة لهم في المصداق بل كان رد استدلالهم و استنباطهم، و لذا قال (عليه السلام) ارمسوه في الماء إذا، لا انهم‌

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9 الباب 6 من أبواب تروك الإحرام الحديث 3

37

أخطأ وافى تشخيصهم، و الحاصل ان ما جعل ميزانا لتشخيص صيد البحر و امتيازه و فصله عن صيد البر انما هو فيما لا يكون مشخصا و مميزا عند العرف، و انه داخل في أي صنف من الصيد البري أو البحري، فعند ذا يقال: ان كان يبيض في البحر فهو من مصاديق صيد البحر و ان كان يبيض في البر فهو من مصاديق صيد البر، و اما إذا كان معلوما عندهم من جهة المصداق و يراه العرف مثلا داخلا في صيد البر أو البحر فلا حاجة الى إعمال الميزان المجعول للتشخيص في صورة الشك و الشبهة.

بقي هنا فرعان ينبغي الإشارة إليهما لتكميل البحث في المقام.

الأول- لو كان حيوان له صنفان، صنف يعيش في الماء، و صنف يعيش في البرّ كالسلحفاة فلكل صنف حكمه الخاص به، فما يعيش في البرّ برّي يحرم صيده و قتله و ما في البحر فبحرى يجوز صيده كالكلب البري و البحري.

الثاني لو شك في فرد من الحيوان انه من صيد البحر أو من صيد البرّ، و لم يعلم دخوله في أيّ صنف من الصيد لشبهة في المصداق لا الحكم و العنوان، كما إذا راى صيدا من بعيد و لم يعلم أنه بحري أو برّي، فإن قلنا: بجواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، يتمسك بعموم حرم عليكم صيد البر و يشمله ايضا عموم أحل لكم صيد البحر، فيتصادقان في مورد واحد و يغلب جانب الحرمة فيحكم بحرمة قتله و اكله، و لكن المتأخرين لا يجوّزون التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، كما هو الأقوى، و عليه فيحكم بعدم حرمته للأصل، لأنه شك في التكليف، و لقوله (عليه السلام) كل شي‌ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه هذا فيما إذا كان الشك من جهة المصداق و الموضوع، مع العلم بأنه إما مصداق لصيد البر، أو مصداق للصيد البحري، المعلوم حكمهما، لا انه مصداق لثالث مغاير حكمه لحكمها.

و اما لو كان الشك من جهة صدق عنوان البرّي و البحري مع صدق الصيد عليه، بمعنى انه يشمله الصيد و لكن لا يصدق و لا يطلق عليه البحري فقط، و لا البري‌

38

كذلك لوجود الآثار المختلفة و المتضادة فيه، بأنه يبيض في البحر تارة، و في البرّ أخرى، أو يتمكن من ان يعيش في الماء دائما، كما انه يتمكن من ادامة الحياة في البرّ كذلك، أو للشك في مفهوم البحر من جهة السعة و الضيق [1] فهل يتمسك في مثل المورد بعموم حرم عليكم صيد البر فيحكم بالحرمة، أو بعموم أحل لكم صيد البحر فيجوز قتله و اكله، فيه تردد.

و منشأه انه ان قيل ان العام في حرمة الصيد انما قيد بكونه غير بحري لقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ، فكان الحرام من الصيد متقيد بكونه غير بحري، و لا علم لهذا القيد الا بعد إحراز كونه بريا، فإذا شك في وجود القيد و تقيد الصيد به يشمله العموم لعدم انعقاد الظهور للعام الا فيما هو برّي قطعا، فلا يكون حراما على المحرم.

و ان قلنا ان الصيد حرام على المحرم قتله و اكله على نحو العموم الساري في جميع مصاديق الصيد، لقوله تعالى لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ، الظاهر في حرمة كل من الصنفين، و لكن المخصص المنفصل الأخر، اخرج صيد البحر عن تحت حكم العام، و حكم بحليته، و خصص الحرمة بالبري من الصيد و قد تقرر في الأصول ان المخصص إذا كان مجملا بحسب المفهوم، لا يجوز تخصيص العام الا بما هو المتيقن دخوله تحت عموم المخصص، و يبقى غيره سليما عن التخصيص و المعارض، و لا يسري الإجمال في دليل المخصص الى العام، لانفصاله عنه، و عدم اتصاله به، و انعقاد الظهور فيه، كما لو قال أكرم العلماء ثم ورود دليل أخر، لا تكرم الفساق منهم، و تردد الفسق بين مرتكب الكبيرة و الصغيرة، يؤخذ بالقدر المتيقن من المخصص و هو مرتكب الكبيرة، و يبقى مرتكب الصغيرة تحت عموم العام و يتبع ظهوره فيه، و ما نحن فيه ايضا كذلك‌

____________

[1] لا وجه للشك في مفهوم البحر و لا اثر له أصلا إذ الملاك، الحياة و العيشة في الماء سواء كان بحرا أو نهرا أو شطا أو غديرا كما قال (ع) ارمسوه في الماء.

39

فيحكم بحلية ما هو المتيقن دخوله تحت صيد البحر، عند الشك في صدق العنوان، و يبقى غيره تحت عموم قوله تعالى لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ.

هذا إذا كانت الشبهة حكمية كما أشير اليه، و اما لو كانت مصداقية بأن اشتبه عليه ان ما يراه بعيدا من الصيد، بحري أو برّي، يجوز قتله بناء على الأول و يحرم على الثاني، و لا يصح التمسك بعموم المخصص بالكسر و لا المخصص بالفتح الأبناء على جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، و اما بناء على عدم الجواز كما هو الحق، فالمرجع عند الشك، الأصل الجاري في المورد و قد مرّ انه عدم الحرمة على احتمال.

40

حرمة النساء على المحرم

الثاني مما يحرم على المحرم النساء وطيا و لمسا، و عقدا، و شهادة و تقبيلا و نظرا إذا كانا بشهوة. أما حرمة الجماع قبلا و دبرا فهو إجماعي لا خلاف فيه، و ادعى الإجماع بقسميه عليه، نعم قد وقع الخلاف في بعض الموارد من جهة إفساد الحج و عدمه و لكن أصل الحرمة في الوطي لم يخالف فيه أحد، و تدل عليه الآية و الرواية بتعابير مختلفة كحرمة الوقاع، و الجماع، و الغشيان، و إتيان الأهل، و الرفث بالصراحة و الكناية.

اما الآية، فقوله تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ وَ مٰا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّٰهُ. (1) و الرفث هو الجماع كما في قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ (2)

____________

(1) سورة البقرة- الاية 194

(2) سورة البقرة- 184

41

و من النصوص المفسرة للرفث بالجماع.

1- ما رواه معاوية بن عمار قال: قال لي أبو عبد اللّه (ع): (إذا أحرمت فعليك بتقوى اللّه و ذكر اللّه و قلة الكلام الا بالخير، فان تمام الحج و العمرة ان يحفظ المرء لسانه الا من خير، كما قال اللّه عز و جل، فان اللّه يقول فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ، فالرفث الجماع، و الفسوق الكذب و السباب، و الجدال قول الرجل: لا و اللّه و بلى و اللّه). (1)

و نفى تلك الأمور، و عدم وجوده في الحج، يدل على انها منتفية شرعا، و محرمة شديدة، لبيان الحكم بنفي ما هو الحرام في الخارج، و هو آكد في الحرمة.

2- عن على بن جعفر قال: (سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرفث و الفسوق و الجدال ما هو، و ما على من فعله، فقال: الرفث جماع النساء و الفسوق الكذب، و المفاخرة، و الجدال قول الرجل: لا و اللّه و بلى و اللّه.) الحديث. (2)

3- عن زيد الشحام، قال: (سألت أبا عبد اللّه عن الرفث و الفسوق و الجدال، قال: اما الرفث فالجماع، و اما الفسوق فهو الكذب الا تسمع لقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ، و الجدال هو قول الرجل: لا و اللّه، و بلى و اللّه، و سباب الرجل الرجل). (3)

4- عن العياشي في تفسيره عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه في تفسير الآية قال: (فالرفث الجماع، و الفسوق الكذب، و الجدال قول الرجل لا و اللّه و بلى و اللّه). (4)

____________

(1) وسائل الشيعة ج 9- الباب 32 من أبواب تروك الإحرام الحديث 1

(2) وسائل الشيعة ج 9- الباب 32 من أبواب تروك الإحرام الحديث 4

(3) وسائل الشيعة ج 9- الباب 32 من أبواب تروك الإحرام الحديث 8

(4) وسائل الشيعة ج 9- الباب 32 من أبواب تروك الإحرام الحديث 5

42

فهذه روايات وردت في تفسير الآية ذكرناها بتمامها ليعلم الاختلاف في مضامينها بالزيادة و النقيصة و يتبين ان الأمور المذكورة فيها محرمة و لا يمكن القول بكراهتها.

و اما ترتب الكفارة على من ارتكبها فتدل عليه روايات.

منها- ما عن على بن جعفر عن أخيه في حديث، قال: (فمن رفث فعليه بدنة ينحرها و ان لم يجد فشاة و كفارة الفسوق يتصدق به إذا فعله و هو محرم). (1)

يستفاد من الرواية حرمة الرفث و ترتب الكفارة عليه و سنتعرض له و لحكم الكفارة مفصلا إنشاء اللّه تعالى.

مسائل

الاولى

- انه لا فرق بين أقسام الجماع في الحرمة، و قد وردت في الروايات المفسرة للرفث المذكور في الآية تعبيرات مختلفة كالجماع، و إتيان الأهل، و الغشيان، و الوقاع، و مباشرة النساء.

اما الجماع فهو و ان كان ظاهرا في الوطي في القبل، و منصرفا عن الوطي في الدبر، الا ان الإجماع على عدم الفرق بينهما في الحرمة و ترتب الكفارة و نظر الإجماع، اما الى ان الجماع وضع بحسب الوضع الأولي للأعم من الوطي في القبل و الدبر، أو المراد منه في الروايات هو الأعم، و ان كان موضوعا للقسم الخاص منه فقط، لما ورد في الروايات ان الدبر أحد المأتيّين يجب فيه الغسل و المهر و العدة، فعلى هذا إرادة الأعم من الجماع حكم تعبدي.

و يظهر من بعض الروايات عدم الفرق بين المأتيّين و شمول الحكم لكل واحد منهما، و ترتب الكفارة عليهما كرواية معاوية بن عمار.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 9- الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 4

43

قال: (سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجل محرم وقع على اهله فيما دون الفرج، قال: عليه بدنة، و ليس عليه الحج من قابل، و ان كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه، و ان كان استكرهها فعليه بدنتان و عليه الحج من قابل). (1)

أطلق الجماع في هذه الرواية على المواقعة فيما دون الفرج، و حكم بحرمتها و ترتب الكفارة عليها.

لو فرض ان إطلاق الجماع على الوطي في الدبر غير قطعي، و شك في شموله له، فلا ينبغي ان يشك في شمول الوقاع له و إطلاقه عليه كما يطلق على الوطي في القبل. [1]

هذا تمام الكلام في الحرمة التكليفية و اما الوضعية بمعنى فساد الحج و بطلانه بالوطي في القبل و الدبر حال الإحرام و ترتب الكفارة على كل منهما فالرواية صريحة في الفساد و ترتب الكفارة على الوطي في كلّ من المأتيين أيضا نعم لو ادعى ان المتيقن من الأدلة على حرمة الجماع على المحرم و ترتب الكفارة عليه هو الوطي في القبل، و اما الدبر فمشكوك فيه، و لا نعمل بخبر الواحد و لا يعتنى بالإجماع المدعى في المقام و بفتاوى الفقهاء، لأمكن القول بان المرجع عند ذاك هو البراءة و كذا لو شك في فساد الحج بالوطي في الدبر و عدمه فالأصل عدمه.

و لكن الحكم واضح لا شبهة فيه، لفتاوى الفقهاء، و الإجماع المدعى. هذا حكم الوقاع و الجماع، و اما اللمس و النظر و التقبيل فسيأتي حكم كل منها في المسئلة الاتية ان شاء اللّه تعالى.

الثانية

افتى المحقق (قدس سره) بحرمة لمس النساء على المحرم و كذا النظر‌

____________

[1] الظاهر ان الجماع و الوقاع و غشيان النساء و إتيان الأهل كلها في الانصراف إلى الوطي في القبل أو شموله للأعم سواء في الجميع و لا خصوصية في كلمة الوقاع.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 9 الباب 7 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1

44

و التقبيل بشهوة و لكن لم يقيد اللمس بشهوة.

و نقل صاحب الجواهر كلام المحقق في اللمس و قيده بشهوة و لعله استفاد اعتبار الشهوة في حرمة اللمس من الاخبار الواردة في المقام كما سيأتي.

و اما النظر فقد اعتبر المحقق في حرمته على المحرم كونه بشهوة لا مطلقا، و اختاره صاحب الحدائق و المستند.

و حكى عن الصدوق جواز النظر إلى امرأته بشهوة، و مال إليه في كشف اللثام مستدلا بالأصل.

و منشأ الاختلاف النصوص الواردة في المقام، فالمهم نقلها و فقهها بالتأمل التام فمنها:

1- ما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (سالته عن محرم نظر الى امرأته فأمنى، أو أمذى، و هو محرم قال: لا شي‌ء عليه، و لكن ليغتسل و يستغفر ربه، و ان حملها من غير شهوة فأمنى أو أمذى و هو محرم فلا شي‌ء عليه، و ان حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو أمذى فعليه دم، و قال: في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزلها بشهوة حتى ينزل، قال عليه بدنة. (1)

قد ذكر في الرواية النظر و اللمس و الحمل و قيّد الثاني و الثالث بكونهما عن شهوة، و اما النظر فقد يستظهر من قوله (ع): نظر الى امرأته فأمنى، ان النظر انما كان عن شهوة حيث تعقب بالإنزال، و صار سببا له، و هو مشكل فلا بد من ان يحمل على النظر بغير شهوة و لو بمعونة رواية أخرى وردت في المسئلة، و بقرينة الفقرة الأخيرة في ذيل الرواية و هي قوله فان حملها من غيره شهوة فأمنى أو أمذى و هو محرم فلا شي‌ء عليه، إذ من المحتمل ان الفقرة الأولى أيضا في مقام بيان حكم من نظر الى امرأته بغير شهوة كما يقتضيه السياق و يأتي البحث في‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 9 الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1

45

النظر مفصلا إنشاء اللّه تعالى.

و اما لمس المرية فقد قيد الحرمة فيه بكونه عن شهوة كما هو المصرح به في رواية عمار المتقدمة، و بها يقيد ما تدل على حرمته مطلقا و لعلها مستند صاحب الحدائق و المستند و الجواهر ايضا حيث اشترطوا الشهوة في حرمة مس المرية و لمسها، فكل مس و لمس لا يكون بشهوة فلا شي‌ء عليه و ان أمنى أو أمذى، و تدل على ذلك روايات اخرى.

1- منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (سألته عن المحرم يضع يده من غير شهوة على امرأته قال نعم يصلح عليها خمارها و يصلح عليها ثوبها و محملها قلت: أ فيمسها و هي محرمة، قال: نعم) (1) و هذه الرواية صريحة في جواز مس المرية حال الإحرام إذا لم يكن بشهوة و تدل على بطلان القول بحرمته مطلقا كما هو ظاهر عبارة المحقق في الشرائع، و لذلك قيّدها الشارح بكونه عن شهوة.

2- و رواية أبي سيار، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): (و من مس امرأته بيده و هو محرم على شهوة فعليه دم شاة و من نظر الى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور و من مس امرأته أو لازمها عن غير شهوة فلا شي‌ء عليه). (2)

3- و رواية أخرى للحلبي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): (المحرم يضع يده على امرأته قال لا بأس، قلت: فيتنزلها من المحمل و يضمها اليه، قال: لا بأس، قلت:

فإنه ان أراد ان ينزلها من المحل فلما ضمها إليه أدركته الشهوة، قال: ليس عليه شي‌ء الا ان يكون طلب ذلك). (3)

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 2

(2) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 3

(3) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 5

46

4- و رواية حريز عن محمد قال: (سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل حمل امرأته و هو محرم فأمنى أو أمذى، قال: ان كان حملها أو مسها بشي‌ء من الشهوة فأمنى أو لم يمن أمذى أو لم يمذ فعليه دم يهريقه، فان حملها أو مسها لغير شهوة فأمنى أو أمذى فليس عليه شي‌ء). (1)

و المستفاد من الرواية ان المحرم إذا مس امرأته أو حملها و ضمها اليه بغير شهوة ليس عليه شي‌ء سواء امنى بذلك أو لم يمن، و اما إذا مسها أو حملها بشهوة فهو حرام مطلقا سواء أمنى أو أمذى، أو لم يمن و لم يمذ، إذ الظاهر ان ملاك الحرمة و الجواز، المس بشهوة، و غير شهوة و هو الموضوع للحكم، و لا أثر للإمناء و عدمه في ذلك، و منه يعلم ان الإمناء المذكور في رواية عمار المتقدمة بقوله (ان مسها بشهوة فأمنى) ليس قيدا للحكم و شرطا فيه بل هو الأثر الطبيعي الذي قد يترتب على المس قهرا، و ما هو الشرط و القيد كون المس عن شهوة.

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 6

47

حكم التقبيل و اما التقبيل فهو ايضا حرام على المحرم كالنظر و مس المرية و لكنه وقع الخلاف في اعتبار الشهوة فيه و عدمه، و نقل عن بعض القول بالحرمة مطلقا و عدم اشتراط الشهوة فيه، و لعله ظاهر كلام المحقق (قدس سره) في الشرائع، و لكن صاحب الجواهر جعل قوله بشهوة: قيدا للنظر و التقبيل معا، و المهم في هذه المسئلة الأخبار الواردة و نقلها.

1- منها ما روى عن الحلبي عن أبي عبد اللّه في رواية قلت: (المحرم يضع يده بشهوة قال يهريق دم شاة، قلت فان قبّل، قال: هذا أشد ينحر بدنة). (1)

2- عن على بن أبي حمزة عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل قبّل امرأته و هو محرم، قال عليه بدنة و ان لم ينزل و ليس ان يأكل منها). (2)

____________

(1) وسائل الشيعة ج 9- الباب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1

(2) وسائل الشيعة ج 9- الباب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 4

48

3- عن العلاء بن فضيل قال سألت: (أبا عبد اللّه عن رجل و امرأة تمتعا جميعا فقصرت امرأته و لم يقصر فقبّلها، قال: يهريق دما و ان كانا لم يقصرا جميعا فعلى كل واحد منهما ان يهريق دما). (1)

4- عن مسمع ابى سيار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): (يا أبا سيار ان حال المحرم ضيقة فمن قبّل امرأته على غير شهوة و هو محرم فعليه دم شاة و من قبّل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور و يستغفر ربه). (2)

و المستفاد من مجموع روايات الباب ان تقبيل المحرم امرأته حرام عليه مطلقا، بشهوة كان أو بغيرها و ان كان يمكن ان يقال ان تقبيل الرجل امرأته لا ينفك غالبا عن الشهوة.

الثالثة

ان الروايات الدالة على أن النظر إلى المرأة و مسها و حملها حرام على المحرم، انما وردت في محرم نظر الى امرأته و زوجته، و في مسها و حملها، و اما النظر إلى الأجنبيّة و مسّها فلا إشارة إليها في النصوص، فهل الأجنبية، مثل الزوجة في الحرمة و ترتب الكفارة، إذا نظر إليها بشهوة أو مسها أو حملها كذلك أو يمكن ان يختلف حكمها و لا يتحد مع حكم الزوجة، وجهان.

أما الحرمة التكليفية فلا يمكن القول بالتفكيك بينهما فيها بداهة انه إذا كان النظر إلى الزوجة حراما حال الإحرام، فغيرها أولى بالحرمة و المبغوضية، و ذكر المرية و الزوجة في الروايات انما هو من جهة كثرة الابتلاء بها، لمرافقتها و ملازمتها لزوجها غالبا، لا لدخالتها في الحكم و موضوعيتها فيه.

و اما الكفارة فهي أيضا كذلك، لاستبعاد القول بان المحرم إذا نظر الى امرأته أو مسها بشهوة يجب عليه الكفارة دون الأجنبية لو نظر إليها كذلك،

____________

(1) وسائل الشيعة ج 9 الباب 18- من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 6.

(2) وسائل الشيعة ج 9 الباب 18- من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 3

49

لاستيحاش العرف منه، و إنكار الذوق السليم له، و عدم التزام الفقيه به، و لذا أفتى فقهاؤنا بتعميم الحكم، و عدم الفرق بين الزوجة و الأجنبية في حرمة النظر و المسّ بشهوة، و ترتب الكفارة على ذلك و هذا لا اشكال فيه.

و انما الكلام فيما إذا مس محرم أجنبيّة بغير شهوة و صافحها كما هو الشائع المعروف بين الغربيين و بعض المتجددين و وجه الاشكال انه إذا مس المحرم زوجته بغير شهوة لا بأس عليه و لا كفارة فيه فهل الأجنبية أيضا كذلك، في عدم البأس و الكفارة إذا مسّها بغير شهوة لعدم شمول دليل الحرمة لها، و عدم الأولوية التي أشير إليها، أو يمكن ان يقال، ان مسّ الأجنبية لأجل كونه حراما الأجنبي يوجب الكفارة إذا مسّها المحرم.

اللهم الا ان يقال ان البحث في المقام انما هو في بيان ما يحرم على المحرم بهذا العنوان حال الإحرام بحيث يصح عدّه من تروك الإحرام، و اما الحرام الذي لم يؤخذ الإحرام موضوعا له فهو خارج عن البحث و مغاير له، كالسرقة، و الغيبة حال الإحرام، فإن حرمتها و وجوب قطع يد السارق، لا يلازم كونهما من تروك الإحرام كما ان قطع اليد لم يترتب على الحرمة بهذه الجهة، نعم قد تشتد العقوبة لخصوصية في الزمان و المكان على حسب نظر الحاكم الإسلامي، كما انه قد يكون الشي‌ء المحرم على جميع المكلفين حراما على المحرم بهذا العنوان و يصير موضوعا لآثار خاصّة و يعدّ من تروك الإحرام أيضا كما في الرفث الشامل للجماع مع الأجنبية، و الفسوق و الجدال، التي أخذت موضوعات لاحكام خاصة ثابتة بعنوان المحرم لقوله تعالى فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ. (1)

و الحاصل انه لا مانع من القول بعدم ثبوت الكفارة على المحرم إذا مس‌

____________

(1) سورة البقرة الآية- 197

50

أجنبية بغير شهوة، لعدم الدليل عليه كما في مسّ امرأته لو مسّها بغير شهوة، إذ المذكور في الأدلة، ان ما يوجب الكفارة هو المس بشهوة، حلالا كان عليه أو حراما كما في الأجنبية، و لا تنافي بين الحرمة الأولية المجعولة للمس الأجنبية على المحرم و غيره، و بين ما اخترناه من عدم ثبوت الكفارة لو مسّها محرم لعدم شمول دليل الكفارة للمورد.

المسئلة الرابعة

ان مس المحارم كالأخت و الخالة و العمة كمس الزوجة فيحرم مسّهن إذا كان بشهوة و الا فلا.

اما المس بشهوة فيمكن استفادة حرمته من حكم مسّ الزوجة بالأولوية، فإنه إذا كان مسّ المحرم امرأته بشهوة حراما عليه، و موجبا للكفارة و هي زوجته و حليلته، فغيرها أولى بالحرمة و ان كانت من المحارم كما قلنا في الأجنبية.

و اما المس من غير شهوة، فلا يستفاد حكمه من الروايات الواردة في مس المحرم امرأته، لا بالفحوى و الأولوية، و لا بإلغاء الخصوصية، فلا بد من استفادة حكمه من روايات اخرى و لم نجد رواية خاصة في ذلك. [1]

و اما حمل المرية و ضمها و ملازمتها إذا كان بشهوة فقد ذكرت في الروايات و لكن لم أجد في عبارة الفقهاء فتوى منهم في ذلك، فان كان مرادهم من المس ما يشمل الضم و الحمل و الملازمة، يشكل ارادة ذلك منه لظهوره في مس الجسد و البدن، لا مس الثياب و اما الروايات فقد تقدمت الإشارة إليها منها رواية عمار و فيها و ان حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو أمذى فعليه دم. (1)

____________

[1] يمكن استفادة حكم مس المحارم من رواية الحسين بن حماد. قال سألت أبا عبد اللّه عن المحرم بقبل امه قال (ع) لا بأس به هذه قبلة رحمة إنما تكره قبلة الشهوة (الوسائل).

وجه الدلالة أن التقبيل أحد مصاديق المس فشمله الدليل.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 9 الباب 17- من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1

51

و في رواية حريز في رجل محرم حمل امرأته الى ان قال ان كان حملها أو مسها بشي‌ء من الشهوة فأمنى أو لم يمن أمذى أو لم يمذ فعليه دم. (1)

و في رواية أبي سيار المتقدمة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) من مس امرأته أو لازمها عن غير شهوة فلا شي‌ء عليه. (2)

____________

(1) وسائل الشيعة ج 9 الباب 17- من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1- 6- 3

(2) وسائل الشيعة ج 9 الباب 17- من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1- 6- 3

52

حرمة النظر و اما النظر و حرمته على المحرم فقد وعدنا ان نتعرض له تفصيلا و أشير إليه في المسئلة الثانية.

قال الأستاذ الفقيه الكبير مدّ ظلّه: قد اعتبر المحقق في حرمة نظر المحرم إلى امرأته، كونه بشهوة، و اختاره صاحب الحدائق و المستند (قدس سرهما).

و نقل عن بعض عدم الحرمة في امرأته و غيرها، الا انه يحرم النظر الى غير اهله من جهة النظر إلى الأجنبية لا بعنوان المحرم.

و نقل عن ظاهر عبارات بعض الفقهاء حرمة النظر مطلقا بشهوة كان أو بغيرها.

و عن الصدوق جواز نظر المحرم إلى امرأته، و لو بشهوة و عن كشف اللثام الميل إليه أيضا.

53

و منشأ الخلاف كما تقدم، كيفية الجمع بين النصوص الواردة في المسئلة، بالمضامين المختلفة، و مداليل متعددة، التي ينبغي ان يتأمل فيها و في الجمع بينها.

منها، رواية معاوية بن عمار المتقدمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن محرم نظر الى امرأته فأمنى أو أمذى و هو محرم قال لا شي‌ء عليه و لكن ليغتسل و يستغفر ربه يحتمل ان يكون السؤال عن حكم النظر بلا قصد للإمناء، و لكن أدركه الأمناء من دون ارادة منه، و لا طلب له، فالمعنى ان المحرم إذا نظر الى امرأته، فأمنى من دون قصد و ارادة لذلك، لا يكون عليه شي‌ء، لا حرمة و لا كفارة.

لو قيل: ان الرواية مطلقة تشمل بإطلاقها ما لو قصد الأمناء فتكون معارضة لما تدل على حرمة الأمناء و قصده و الاستمناء بالنظر، فيقال، بناء على ثبوت الإطلاق فيها، و شموله النظر بقصد الأمناء، لا بد أن يؤخذ بالقدر المتيقن من مفادها، و هو ما لم يكن النظر بذاك القصد، و طلبا له، حتى ترتفع المعارضة بينها و بين ما تدل على حرمة النظر للإمناء، و الاستمناء.

ثم انه بناء على عدم شمول الرواية بإطلاقها لمن قصد الأمناء بالنظر الى امرأته، و الاستمناء به، فهل يستفاد منها جواز النظر بشهوة، أو بغيرها، إذا لم يقصد الأمناء به أولا، فكل منهما محتمل.

اما النظر بغير شهوة فيستفاد جوازه من الرواية و ان أمنى قهرا، فان المسلم من مورد الرواية و مدلولها بعد إخراج صورة قصد الأمناء، هو هذا المورد و الحكم بجواز النظر بغير شهوة إذ لولاه لا يبقى مورد لها.

و اما النظر بشهوة فلا يستفاد منها جوازه، و يشهد له ذيل الرواية على احتمال ايضا حيث قال (عليه السلام) في المحرم ينظر إلى امرأته أو ينزّلها بشهوة حتى ينزل، قال:

عليه بدنة. (1)

____________

(1) وسائل الشيعة الجزء 9- الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 1

54

و قوله بشهوة يمكن و يحتمل ان يكون قيد الإنزال، فالمعنى أن إنزال المرية عن محملها بشهوة حتى يمني يوجب الكفارة، كما يحتمل كونه قيدا للنظر، فحينئذ، يكون مفاد الرواية ان النظر بشهوة إذا صار سببا للإنزال فيه بدنة و يحتمل كونه قيد الكل منهما.

ثم ان ثبوت الكفارة على الاحتمال الثاني، يمكن ان يكون للنظر بشهوة فقط، و يترتب عليه من دون دخل للإمناء، كما يحتمل ان تكون الكفارة مترتبة على الأمناء فقط من دون دخل للنظر، و لكن القدر المتيقن من الاحتمالين ان الكفارة إنما تترتب على النظر بشهوة مع تعقبه بالأمناء لا على مجرد النظر بشهوة، و لا على الأمناء فقط، فمعنى الرواية حرمة الأمناء و ثبوت الكفارة على من نظر الى امرأته بشهوة فأمنى إذا طلب ذلك.

منها رواية أبي سيار المتقدمة قال: قال لي أبو عبد اللّه: (يا أبا سيار: ان حال المحرم ضيقة الى ان قال: من نظر الى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور) الخبر (1).

و المتيقن من هذه الرواية و المصرح بها حرمة النظر بشهوة حتى يمني لا النظر الخالي من الشهوة، و لا النظر بشهوة من غير أمناء، فلا تكون دليلا على حرمة النظر بغير شهوة، و لا على حرمته بشهوة من دون أمناء.

و رواية على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل قال لامرأته أو لجاريته بعد ما حلق و لم يطف و لم يسع بين الصفا و المروة: اطرحي ثوبك، فنظر الى فرجها، قال لا شي‌ء عليه، إذا لم يكن غير النظر). (2)

و هذه الرواية بظاهرها تدل على جواز النظر بغير شهوة بل على جوازه بشهوة مع عدم الأمناء، فان النظر الى الفرج لا ينفك عن شهوة.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 9- الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 3

(2) وسائل الشيعة ج 9- الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث 4.