محاضرات في فقه الإمامية - صلاة المسافر وقاعدتي الصحة واليد

- السيد محمد هادي الميلاني المزيد...
464 /
1

الجزء الأول

«صلاة المسافر»

قال المحقق (قده): «الفصل الخامس: في صلاة المسافر.

و النظر في الشروط و التقصير و لواحقه.

أما الشروط فستة:

الأول:

اعتبار المسافة».

الشرط الأول اعتبار المسافة

أقول: ينبغي تقديم أمور:- الأول- لا ريب في أن وجوب القصر في الصلاة الرباعية على المسافر مع الشروط المعتبرة مما أجمع عليه الكل، بل هو من ضروريات المذهب. و ذلك مما من اللّه به على عباده كما يظهر من الروايات التي منها: ما رواه الصدوق في (الخصال) بسنده عن السكوني عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (ص) قال: «ان اللّه أهدى الى و الى أمتي هدية لم يهدها الى أحد من الأمم كرامة من اللّه لنا. قالوا: و ما ذاك يا رسول اللّه؟ قال:

الإفطار في السفر، و التقصير في الصلاة، فمن لم يفعل ذلك فقد رد‌

2

على اللّه عز و جل هديته» (1) كما ان إسقاط نوافل الظهرين كذلك.

و اما نوافل الصبح و المغرب و صلاة الليل فلا خلاف في بقائها في السفر أيضا. و قد وقع الخلاف في سقوط الوتيرة و عدمه، و قد سبق منا القول بعدم سقوطها في محله.

هذا، و لكن العامة خالفت الإمامية في مقامين:

أ- في وجوب القصر على المسافر تعيينا. فأكثرهم على أنه مخير بين القصر و الإتمام- على خلاف في أن أفضل العدلين هو القصر أو التمام- و ممن انفرد منهم بوجوب القصر تعيينا أبو حنيفة.

ب- في تحديد المسافة. فذهب أبو حنيفة إلى أنها ثلاث مراحل (و حيث كانت المرحلة ثمانية فراسخ فالحاصل أربعة و عشرون فرسخا)، و حددها بعضهم بمرحلتين. و لم يعتبر داود الظاهري مقدارا مخصوصا في المسافة بل اكتفى بالضرب في الأرض و على كل فتحديدها بثمانية فراسخ مما انفرد به الإمامية. (2)

الثاني: ورد التعبير عن السفر في الكتاب بالضرب في الأرض قال تعالى:

____________

(1) الوسائل ج 5 ص 540، نقلا، عن الخصال ج 1 ص 10.

(2) لاحظ في أقوال العامة بالنسبة إلى تحديد المسافة: (عمدة القارئ) ج 3 ص 531 و (المجموع للنووي) ج 4 ص 325. و قد نقلها المحقق البحراني في (الحدائق) ج 11 ص 296.

3

وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ .. (1).

أما في الحديث فقد ورد التعبير بالسير في الأرض و هو مرادف لما ورد في الكتاب، كما ورد التعبير بعنوان السفر و المسافر، و هو تعبير يلازم المعنى الأول حيث أنه مأخوذ من (أسفر الصبح) أى أضاء، بعناية أن الرجل عند ما يكون في بلده فهو في خفاء فإذا خرج رآه الناس و أضاء و ظهر.

الثالث: ما هو مقتضى الأصل عند الشك في القصر و الإتمام؟

يستفاد من الكتاب و السنة أن التشريع تعلق بالأربع ركعات في الظهرين و العشاء، و هي المأمور بها في قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً (2).

و أما ما ذكر من أن الصلاة المشروعة ركعتان، و سن رسول اللّه سبع ركعات، كما يظهر من روايات الإسراء و المعراج (3) فهو مقدم على التشريع. فالذي شرع هو مجموع ما فرضه اللّه و سنه الرسول (ص)، و الناس مكلفون بما شرع.

و يمكن الاستظهار لما قلنا من تعلق التشريع بالأربع بقوله‌

____________

(1) سورة النساء، الاية 102.

(2) سورة الإسراء، الاية 80.

(3) من ذلك ما رواه الصدوق بأسانيد عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) راجع الوسائل ج 5 ص 540.

4

تعالى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا حيث أن الأمر بالتقصير دليل على أن المأمور به أكثر من ركعتين حتى يصح قصره الى ركعتين.

فظهر مما ذكرناه ان الأصل في التمام ان كل مكلف يجب عليه التمام، ثم خص هذا العام بقوله تعالى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا فإذا شككنا في صدق السفر و الضرب في الأرض بالنسبة الى بعض الموارد كان مرجع ذلك الى المخصص الدائر بين الأقل و الأكثر، و حيث ان المتيقن من التخصيص هو الأقل يقتصر عليه و يكون الباقي داخلا تحت العام و هو (كل مكلف يتم).

لكن يرد عليه:- أولا- إذا خصص العام بمخصص منفصل صار الباقي تحت العام متعنونا بعنوان عدمي هو عدم ذلك الفرد الخاص. مثلا إذا كان العام (كل مكلف يتم) ثم خصص بمثل (المسافر) فيكون الباقي تحت العام من كان غير مسافر، و متى شككنا في صدق المسافر استصحبنا عدم المسافرية للحكم بوجوب التمام.

أما إذا كان العنوان هو أن (الحاضر يتم) و (المسافر يقصر) فكان كل منهما موضوعا مستقلا و لكل من العام و المخصص عنوان وجودي، فإذا لم يحرز عنوان الخاص، كان لا بد من إحراز عنوان العام و الا صار موردا للعلم الإجمالي، فيجب فيه الاحتياط.

ثانيا- سلمنا بأن أصالة التمام تجري في موارد الشك في‌

5

الشبهات الحكمية، و لكن هذا يتوقف على كون الآية في مقام البيان حتى ينعقد العموم و الإطلاق ثم نقول بتخصيص حكمها بما إذا حصل السفر، أما إذا كانت الآية في مقام التشريع فلا ينعقد عموم يتمسك به عند الشك.

الرابع: تمسك العامة بنفي الجناح في الآية بأنه يفيد جواز القصر لا تعينه، فيكون المكلف مخيرا بين القصر و الإتمام. و قد سئل الإمام (عليه السلام) عن ذلك فأجاب بما يدفع الريب.

فقد روى الصدوق بسند صحيح عن زرارة و محمد بن مسلم أنهما قالا: «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي؟ و كم هي؟ فقال: ان اللّه عز و جل يقول وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر. قالا: قلنا له: قال اللّه عز و جل فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ و لم يقل: افعلوا، فكيف أوجب ذلك؟ فقال:

أو ليس قد قال اللّه عز و جل في الصفا و المروة فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا أ لا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض، لان اللّه عز و جل ذكره في كتابه و صنعه نبيه، و كذلك التقصير في السفر شي‌ء صنعه النبي (ص) و ذكره اللّه في كتابه» (1).

فأجاب (عليه السلام) نقضا بوجوب السعى بين الصفا و المروة‌

____________

(1) الوسائل ج 5 ص 538.

6

مع اتحاد التعبير في ذلك و في التقصير. و حلا بفعل رسول اللّه (ص) الذي هو من خوطب بالوحي فيكون أعلم بالمراد.

و لا يخلو كلامه (عليه السلام) من إيماء إلى أنه تعالى لو قال (افعلوا) بدلا من (لا جناح) لما أفاد الوجوب، لأنه أمر في مقام توهم الحظر.

و لعل السفر في تعبيره عز و جل عن الوجوب فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ هو أحد أمرين:

1- لما كان القصر في السفر منه على العباد ناسبه التعبير بنفي الجناح.

2- حيث كان الأصل في الظهرين و العشاء صلاة أربع ركعات ربما توهم عدم جواز القصر. فجاء التعبير مبينا للحكم بصورة نفى الجناح الخامس: هل الموضوع في التقصير مطلق ما يصدق عليه السفر، أو أنه محدود بحد معين. من العامة من يقول بكفاية صدق الضرب في الأرض تمسكا بإطلاق الآية: أما الإمامية فقد حدود المسافة التي يجب القصر عند بلوغها، و ذلك بحسب منطوق الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة و الطهارة. لكن التحديد في هذه الروايات ورد على أنحاء:- أ- ثمانية فراسخ (1).

____________

(1) لاحظ في ذلك على سبيل المثال ما رواه الفضل بن شاذان عن الرضا عليه- السلام الوسائل ج 5 ص 492.

7

ب- بياض يوم (1).

ج‍- بياض يوم أو ثمانية فراسخ (2).

د- بريدان (3). و في بعضها: بريد ذاهبا و بريد جائيا.

ه‍- بريد (أربعة فراسخ) (4).

السادس: كل ما أخذ في موضوع الحكم لا بد و أن يكون دخيلا في الملاك، اما بنحو جزء المقتضي، أو بنحو الشرط، أو بنحو رفع المانع.

و في ما نحن فيه هل الملاك في السفر- الذي أخذ موضوعا للحكم- هو البعد عن الوطن، و يكون تحديد المسافة في الروايات بثمانية فراسخ أو بياض يوم بيانا لذلك الملاك، و ان قطعها بأقل من ساعة أو أكثر من عشرة أيام؟ أو أن الملاك عبارة عن السير في الأرض و تحديده بثمانية فراسخ أو بياض يوم بيان لتحديد المسافة التي ان شاء قطعها في بياض يوم؟

لا يخفى أن الملاك لو كان هو البعد عن الوطن يرد عليه موارد من النقض. كما إذا كانت حركته دائرية قطع فيها ثمانية فراسخ في حين أن لم يبتعد عن وطنه الا فرسخا أو فرسخين، فعلى‌

____________

(1) الوسائل ج 5 ص 493.

(2) الوسائل ج 5 ص 490- 491.

(3) الوسائل ج 5 ص 491 و 493.

(4) الوسائل ج 5 ص 494 و 497.

8

هذا ينبغي أن لا يصدق عنوان السفر.

أما إذا أخذ السير في الأرض ملاكا في المثال المذكور يصدق السفر و يجب التقصير.

السابع: هل التعليل المذكور في الرواية من قوله (عليه السلام) «لأنه مسيرة يوم للعامة و القوافل و الأثقال» من باب الحكمة حتى لا يلزم كونها مطردة، أو أنه لبيان اناطة الحكم بالحركة التي توجب المشتقة بالفعل؟ مثلا لو قطع المسافة المعينة في عشرة أيام أو في أقل من ساعة لكن بالوسائل الحديثة دون أن يتحمل مشقة في ذلك، فهل يوجب ذلك عدم ترتب الحكم؟

ملاحظة النصوص:

1- ما رواه الصدوق بسند معتبر عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) أنه سمعه يقول: «انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر، لأن ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة و القوافل و الأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، و لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، و ذلك لان كل يوم يكون بعد هذا اليوم فإنما هو نظير هذا اليوم. فلو لم يجب في هذا اليوم فما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثله لا فرق بينهما» (1).

____________

(1) الوسائل- باب 1 من صلاة المسافر، الحديث 1.

9

2- و ما رواه بأسانيد عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون: «و التقصير في ثمانية فراسخ و ما زاد، و إذا قصرت أفطرت» (1).

3- و ما رواه الشيخ بسنده عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: كم أدنى ما يقصر فيه الصلاة؟

قال: جرت السنة ببياض يوم. فقلت له: ان بياض يوم يختلف، يسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم و يسير الأخر أربعة فراسخ و خمسة فراسخ في يوم. قال: فقال: انه ليس الى ذلك ينظر أما رأيت سير هذه الأثقال (الأميال) بين مكة و المدينة؟ ثم أومأ بيده أربعة و عشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ» (2).

4- و ما رواه الصدوق و الشيخ بسند صحيح عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي أنه سمع الصادق (عليه السلام) يقول: «في التقصير في الصلاة بريد في بريد أربعة و عشرون ميلا» (3).

5- و ما رواه الشيخ بسند صحيح عن أبى بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «في كم يقصر الرجل؟ قال: في بياض يوم أو بريدين» (4).

____________

(1) الوسائل- الباب المتقدم، الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب المتقدم، الحديث 15.

(3) الوسائل- الباب المتقدم، الحديث 3.

(4) الوسائل- باب 1 من صلاة المسافر، الحديث 11.

10

6- و بالإسناد المذكور: «خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ذي خشب فقصر و أفطر، فقلت و كم ذي خشب؟ قال: بريدان (1) 7- و ما رواه الكليني بسند صحيح عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «التقصير في بريد، و البريد أربعة فراسخ» (2).

8- و ما رواه الصدوق بسند صحيح عن زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير فقال: بريد ذاهب و بريد جائي» (3).

عند ملاحظة هذه النصوص يظهر لنا أن العناوين المحققة لموضوع التقصير على أقسام فقد ذكرت الثمانية فراسخ، و بياض يوم، و بريد ذاهبا و بريد جائيا، و الترديد بين بياض يوم و ثمانية فراسخ فلا بد أولا من تعيين العنوان الذي يكون موضوعا للحكم. ثم تحقيق أن هذه العناوين هل أخذت بنحو الموضوعية أو أنها ضابطة لمعرفة شي‌ء آخر هو المناط.

و عند ذلك فان تمكننا من الجمع بين الروايات فهو، و الا فلا بد من الرجوع الى الأصل الذي أشرنا إليه في التمهيد.

ما هو موضوع الحكم بالتقصير؟

المستفاد من الكتاب و السنة أن الصلاة التي تعلق بها التشريع‌

____________

(1) الوسائل- الباب المتقدم، الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب 2 من صلاة المسافر، الحديث 10.

(3) الوسائل- الباب 2 من صلاة المسافر، الحديث 14.

11

هي التامة، ثم خصص هذا الحكم بالمسافر. و قد سبق أن قلنا في أبحاثنا الأصولية: ان المخصص المجمل في الشبهات الحكمية على أقسام:

1- ما إذا كان المخصص دائرا بين الأقل و الأكثر:- ففي هذه الصورة يؤخذ بالقدر المتيقن من التخصيص و هو الأقل و يبقى الزائد داخلا تحت العام.

2- ما إذا كان المخصص دائرا بين المتباينين:- و في هذه الصورة لما كنا نعلم إجمالا بخروج أحدهما من تحت العام فلا بد من الجمع بين القصر و الإتمام مراعاة للعلم الإجمالي.

3- ما إذا كان مرددا بين عنوانين كانت النسبة بينهما عموما من وجه، كما فيما نحن فيه، إذ أن عنوان المخصص في بعض الروايات ثمانية فراسخ، و في بعضها بياض يوم، فهنا مادة اجتماع و ذلك إذا قطع ثمانية فراسخ في يوم واحد، و مادتا افتراق هما: السير في يوم دون قطع ثمانية فراسخ، و قطع ثمانية فراسخ في أقل من يوم.

فان قلنا بأن كلا منهما مخصص للعام خصص العام بكليهما و الا انحصر التخصيص بمادة الاجتماع و لا بد من اجراء حكم المتباينين في مادتي الافتراق.

هذا إذا كان كل من العنوانين مأخوذا بنحو الموضوعية. اما إذا كانا مأخوذين على أن أحدهما معرف و ضابط للآخر، أو هما معرفان لأمر ثالث فيختلف الحكم.

12

توضيحه: الكر عبارة عن ألف و مائتي رطل، و لكن حيث كان الوزن غير متيسر لعامة الناس جعل التقدير بالأشبار معرفا و ضابطا له.

و كذلك الرضاع المحرم فان ملاكه إنبات اللحم و شد العظم و حيث لا يسهل تشخيص ذلك لغير الأطباء من الناس فقد عرف بخمس عشرة رضعة، أو عشر رضعات أو رضاع يوم و ليلة. و هكذا حد الترخص فإنه البعد عن المدينة بحيث لا يسمع معه أذان البلد، و حيث ليس كل وقت للخروج مصادفا لوقت الأذان جعل خفاء الجدران معرفا له.

و في ما نحن فيه ثلاثة احتمالات:

أ- كون الملاك هو مسيرة ثمانية فراسخ، و قد جعل بياض اليوم معرفا له.

ب- كون الملاك هو بياض يوم، و قد عبر عن ذلك بثمانية فراسخ (كما دل على ذلك ما رواه الصدوق بسند معتبر عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (1).

ج- كون بياض يوم و ثمانية فراسخ معرفين لأمر ثالث، هو طي مسافة معينة بين المبدأ و المنتهى تحديد المسافة:

قال المحقق (قده): «و هي مسير يوم، بريدان».

____________

(1) الوسائل- الباب 1 من صلاة المسافر، الحديث 1. و كذالك نفس الباب الحديث 15.

13

الذي يظهر من كلام المحقق (قده) أن المناط مسير يوم، و قد جعل البريدين معرفا له، و هو مطابق لكثير من الروايات التي ورد في بعضها «جرت السنة ببياض يوم» و في بعضها «يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم» و في بعضها «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه» و في بعضها «بياض يوم أو بريدان» و في الحديث الذي رواه الصدوق عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه- السلام: «و انما يجب عليه التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر، لأن ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة و القوافل و الأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم» (1).

و يظهر من عدة من الروايات أن تحمل مشقة الضرب في الأرض يوما واحدا موضوع للتقصير، منة من اللّه جل و علا على العباد. و قد جعل مسيرة يوم، و ثمانية فراسخ معرفين لذلك الموضوع. و لا- يخفى أن الملاك ليس هو المشقة الفعلية حتى ينتقض بموارد قطع الفراسخ الثمانية في أسبوع، أو بالوسائل الحديثة المريحة، بل هو المشقة النوعية.

و بعبارة أخرى: ان الملاك في صدق السفر مشقته النوعية بلحاظ الحكمة، و ليس ذلك كأدلة العسر و الحرج الحاكمة على غيرها من الأدلة الجارية في مواردهما، إذ الملحوظ العسر و الحرج الفعليان و بلحاظ العلية. و الفرق أن العلة يطرد معها الحكم و ليست‌

____________

(1) تقدمت الإشارة إلى مواضع هذه الأحاديث، فراجع.

14

الحكمة كذلك.

و الحاصل: ان الملاك في التقصير قطع مسافة تكون موجبة لتحمل المشقة عادة، و لا عبرة بقطع تلك المسافة على خلاف العادة كقطعها في عشرة أيام مثلا، أو بالوسائل الحديثة.

تحديد البريد بالأميال:

قال المحقق (قده): «أربعة و عشرون ميلا، و الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد، الذي طوله أربع و عشرون إصبعا، تعويلا على المشهور بين الناس، أو قدر مد البصر من الأرض».

أما تحديد البريد بأربعة فراسخ، و تحديد الفرسخ بثلاثة أميال فيكون حاصل البريد من أربعة و عشرين ميلا فهو مدلول الاخبار (1) و كلمات اللغويين.

و أما تحديد الميل بأربعة آلاف ذراع، و تحديد الذراع بأربع و عشرين إصبعا فلم يصرح به في كلام المعصوم (عليه السلام). قال الأزهري: «الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع‌

____________

(1) من ذلك ما في الوسائل ج 5 ص 294، نقلا عن التهذيب، الحديث 1116. و ما في الوسائل ج 5 ص 497 نقلا عن الكافي. و كذلك الوسائل ج 5 ص 498 و صحيح الكاهلي الوسائل ج 5 ص 491.

15

و عند المحدثين أربعة آلاف ذراع». (1)

و الحق- كما صرح به الفيومي من اللغويين- أن النزاع لفظي، لأن القدماء يقولون:- الذراع اثنتان و ثلاثون إصبعا، و المحدثون يقولون: انه أربعة و عشرون إصبعا. فإذا ضربت الثلاثة آلاف ذراع في اثنتين و ثلاثين إصبعا كان المرتقى ستا و تسعين ألف إصبع. هذا على طريقة القدماء من أهل الهيئة، أما على طريقة المحدثين فإذا ضربت الأربعة آلاف ذراع في أربع و عشرين إصبعا كان المرتقى ستا و تسعين ألف إصبع أيضا. (2).

فالنتيجة واحدة.

إنما يشكل الأمر بالنسبة الى ما رواه الكليني من أن الميل ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع، و ما رواه الصدوق من تحديد الميل بألف و خمسمائة ذراع، مع انهما في قضية واحدة.

فقد روى الكليني عن بعض أصحابنا عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: (بينا نحن جلوس و أبى عند وال لبني أمية على المدينة إذ جاء أبى فجلس، فقال: كنت عند هذا قبيل فسألهم عن التقصير فقال قائل منهم: في ثلاث، و قال قائل منهم: في يوم و ليلة، و قال قائل منهم: روحة. فسألني فقلت له: ان رسول اللّه‌

____________

(1) نقله عنه: الفيومي في (المصباح المنير) مادة ميل.

(2) قال الفيروزآبادي في (القاموس) عند تحديد الميل: «أو مائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع».

16

(صلّى اللّه عليه و آله) لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير، قال له النبي (ص): في كم ذاك؟ فقال: في بريد. قال: و أي شي‌ء البريد؟

فقال: ما بين ظل عير إلى في‌ء و عير قال: ثم عبرنا زمانا ثم رأى بنو أمية يعملون أعلاما على الطريق و أنهم ذكروا ما تكلم به أبو- جعفر (عليه السلام) فذرعوا ما بين ظل عير إلى في‌ء و عير ثم جزاؤه على اثنى عشر ميلا فكانت ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع كل ميل فوضعوا الاعلام. فلما ظهر بنو هاشم غيروا أمر بنى أمية غيره لأن الحديث هاشمي. فوضعوا الى جنب كل علم علما» (1).

و روى الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام): «ان رسول اللّه (ص) لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي (ص): في كم ذلك؟ فقال: في بريد، فقال: و كم البريد؟ قال: ما بين ظل عير إلى في‌ء و عير. فذرعته بنو أمية ثم جزاؤه على اثنى عشر ميلا فكان كل ميل ألفا و خمسمائة ذراع و هو أربعة فراسخ» (2).

قال الحر العاملي: هذه الرواية خلاف المشهور بين- الرواة و الفقهاء.

و قال صاحب (الوافي) بأن تحديد الميل في رواية الصدوق غلط من الناسخ.

تبقى رواية الكليني التي حدد فيها الميل بثلاثة آلاف و خمسمائة‌

____________

(1) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 13.

(2) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 16.

17

ذراع، و حيث أن الفقهاء اتفقوا على تحديد الميل بأربعة آلاف ذراع فلا يعتنى لما يخالفه.

مع الكليني في مختاره:

اختار الكليني (قده) من روايات الباب ما دل على تحديد المسافة بأربعة فراسخ، حتى أنه لم يذكر غيرها. فلا بد من استعراض هذه الروايات، ثم ملاحظة النسبة بينها و بين روايات الثمانية فراسخ، أو بياض يوم. أما الروايات فهي:- 1- ما رواه الشيخ و الكليني بسندهما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «التقصير في بريد، و البريد أربعة فراسخ» (1) و حيث ان الموضوع في الرواية معرف باللام يفيد انحصار المحمول في الموضوع.

2- ما رواه الشيخ بسنده عن أبي الجارود قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): في كم التقصير؟ قال: في بريد» (2) فجعل (عليه السلام) البريد تمام الموضوع للحكم بالتقصير.

3- ما رواه الشيخ عن إسماعيل بن الفضيل قال: «سألت أبا عبد اللّه عن التقصير قال: أربعة فراسخ» (3).

4- عن زيد الشحام قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: يقصر الرجل في مسيرة اثنى عشر ميلا» (4). و قوله (عليه السلام) (يقصر الرجل) جملة خبرية في مقام الإنشاء فتفيد الوجوب 5- عن أبي أيوب قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 6.

(3) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 5.

(4) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 3.

18

أدنى ما يقصر فيه المسافر؟ فقال: بريد» (1).

6- عن ابن بكير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القادسية أخرج إليها أتم الصلاة أم أقصر؟ قال: و كم هي؟ قلت هي التي رأيت. قال: قصر» (2) و القادسية موضع بينه و بين الكوفة خمسة فراسخ.

و إذا كان يجرى توهم كون ذكر الأربعة فراسخ في الروايات المتقدمة لبيان جزء الموضوع، و تتمته الأربعة فراسخ الأخرى، فلا مجال لهذا التوهم في هذه الرواية لمعلومية مسافة ما بين القادسية و الكوفة و قد حكم الامام (عليه السلام) بالقصر.

7- عن عمران بن محمد قال: «قلت لأبي جعفر الثاني عليه- السلام. جعلت فداك ان لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ فربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة فيها أم أقصر؟ فقال قصر في الطريق و أتم في الضيعة (3) 8- ما رواه الصدوق: «ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي (ص): في كم ذلك؟ فقال في بريد. فقال: و كم البريد؟ قال: ما بين ظل عير إلى في‌ء‌

____________

(1) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 11.

(2) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 7.

(3) الوسائل- باب 14 من صلاة المسافر، الحديث 14.

19

و عير (1) و قد نقلها الكليني عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سئل عن حد الأميال التي يجب فيها القصر، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ان رسول اللّه جعل حد الأميال من ظل غير الى ظل و عير و هما جبلان بالمدينة ..» (2)

مقارنة روايات البريد بروايات البريدين

لما كانت الروايات الدالة على ان حد المسافة ثمانية فراسخ (و هي بريدان) ظاهرة في الثمانية الامتدادية لا التلفيقية، إذ من الواضح أنه لو قيل: المسافة بين هذه البلدة و تلك ثمانية فراسخ فهم العرف من ذلك الثمانية الامتدادية، (3) فالنسبة بين هذه الروايات و الروايات الدالة على كون المسافة أربعة فراسخ (بريد) هي التعارض، بلحاظ مفهوم العدد في كليهما، حيث ان مفهوم كون المسافة في الطائفة الأولى ثمانية فراسخ هو: أن لا ينقص منها شي‌ء. و مفهوم كون المسافة في الطائفة الثانية أربعة فراسخ هو:

أن لا يزيد عليها شي‌ء، فلا محالة يقع التعارض بين هاتين الطائفتين من الروايات. (4)

____________

(1) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 16.

(2) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الحديث 12.

(3) و يؤيده اقتران (ثمانية فراسخ) به (بياض يوم) في روايات كثيرة، فكما أن مسيرة يوم تكون امتدادية كذلك الفراسخ الثمانية.

(4) و لعل الشيخ الطوسي (قده) كان ناظرا الى هذا التعارض حيث أفتى بالتخيير بين القصر و الإتمام إذا سار أربعة فراسخ. لاحظ (المبسوط) ج 1 ص 141- طهران.

20

أما لو أخذنا بمفهوم التحديد في روايات الأربعة فراسخ، و بمفهوم الشرط في روايات الثمانية فراسخ (1) فيدور الأمر بين:

أ- أن نقول: ان روايات الأربعة فراسخ تنفي الزائد حسب مفهوم العدد، و روايات الثمانية فراسخ ظاهرة في الثمانية. و حيث لا حجية لمفهوم العدد، كما حقق في الأصول، فلا معارض لظهور الثمانية فراسخ.

ب- أن نقول: ان روايات الأربعة فراسخ نص في أن موضوع القصر أربعة فراسخ. أما مفهوم الشرطية في روايات الثمانية فراسخ فيفيد من باب الظهور أن الأربعة لا يقصر فيها. فيقع التعارض بين النص و الظاهر، و لا ريب أن النص مقدم على الظاهر. و يقوى ما اختاره الكليني.

مقارنة روايات البريد بروايات مسيرة يوم:

اما بالنسبة بين روايات الأربعة فراسخ و روايات مسيرة يوم أو بياض يوم فهي العموم من وجه. مادة الاجتماع ما إذا قطع أربعة فراسخ في يوم واحد، و مادتا الافتراق ما إذا قطع أربعة فراسخ في أكثر من يوم، و ما إذا قطع يوما كاملا دون أن يسير أربعة فراسخ و لا يخفى أن المقصود من مسيرة يوم ما لوحظ فيه كونه عاديا من‌

____________

(1) في مثل: إذا بلغت ثمانية فراسخ فقصر.

21

جهة الزمان و المكان و السائر نفسه (1) و الدابة أو واسطة النقل و يدل عليه ما رواه الصدوق و الشيخ بسند صحيح عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي أنه سمع الصادق (عليه السلام) يقول: «في التقصير في الصلاة بريد في بريد أربعة و عشرون ميلا. ثم قال: كان أبى يقول: ان التقصير لم يوضع على البغلة السفواء و الدابة الناجية، إنما وضع على سير القطار» (2).

و حيث كانت النسبة بين هاتين الطائفتين عموما من وجه، و هو يرجع الى التباين الجزئي فاما أن نوافق الشيخ في التخيير بين القصر و الإتمام أو يقوى ما ذهب إليه الكليني.

تنبيه

روى الصدوق بسند صحيح عن زكريا بن آدم انه سأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن التقصير «في كم يقصر الرجل إذا كان في ضياع أهل بيته و أمره جائز فيما يسير في الضياع يومين و ليلتين و ثلاثة أيام و لياليهن. فكتب (عليه السلام): التقصير‌

____________

(1) كونه عاديا من جهة الزمان بملاحظة الفصول المختلفة و خطوط الطول و العرض، فلا عبرة بالمناطق التي يكون النهار فيها ثلاث ساعات و من جهة المكان بملاحظة وعورة الطريق و استوائها. و من جهة السائر من حيث الاختلاف بين الشاب و الهرم، و الخفيف و السمين.

(2) الوسائل- باب 1 من صلاة المسافر، الحديث 3. و الدابة السفواء:

السريعة. و الناجية: الناقة السريعة التي تنجو بمن ركبها. و القطار من الإبل: قطعة منها يلي بعضا على نسق واحد.

22

في مسير يوم و ليلة» (1).

و روى الشيخ بسند صحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (2) عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يريد السفر في كم يقصر؟ فقال: في ثلاثة برد» (3).

و روى الشيخ بسنده عن أبى بصير عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس للمسافر أن يتم الصلاة في سفره مسيرة يومين (4).

و الذي يفهم من هذه الروايات اعتبار مسيرة يوم و ليلة، أو ثلاثة برد، أو مسيرة يومين. لكنها ساقطة اما لإعراض الأصحاب عنها أو لموافقتها للعامة، أو لتعارضها مع الروايات المتواترة التي سبق الحديث عنها.

لو كانت المسافة أربعة فراسخ:

قال المحقق (قده):

«و لو كانت المسافة أربعة فراسخ و أراد العود ليومه فقد كمل مسير يوم و وجب التقصير».

استظهرنا اختيار المحقق (قده) كون المناط مسيرة يوم، من دون فرق بين أن يكون الذهاب امتداديا أو ملفقا. و لكن أهم الأقوال في المسألة خمسة:

____________

(1) الوسائل- باب 1 من صلاة المسافر، الحديث 5.

(2) المعروف بالبزنطى.

(3) الوسائل- باب 1 من صلاة المسافر، الحديث 10.

(4) الوسائل- باب 1 من صلاة المسافر، الحديث 9.

23

الأول- ما عن الشيخ في (التهذيب) و (المبسوط) و هو:

التخيير بين القصر و الإتمام. (1).

الثاني- ما اختاره الكليني من: تعين القصر (2).

الثالث- ما اختاره الصدوق و المفيد و سلار و الشيخ في (النهاية) من: القول بوجوب القصر لو كان الرجوع ليومه (3)، و و الا فالتخيير.

الرابع- ما عن جمع من القدماء و هو التفصيل بين ما لو قصد الإقامة في رأس أربعة فراسخ فيجب التمام، و ما لو أراد الرجوع قبل العشرة فيجب القصر. (4).

____________

(1) المبسوط لشيخ الطائفة ج 1 ص 141، ط طهران. و كذلك التهذيب و الاستبصار لكن حيث لم يعد الثاني منهما للفتوى لم يذكر في المتن. لاحظ (الجواهر) ج 14 ص 206- ط النجف.

(2) راجع (الكافي) تجد أن الكليني لم يذكر في باب المسافة إلى روايات البريد (و هو أربعة فراسخ).

(3) النهاية في مجرد الفقه و الفتاوى لشيخ الطائفة ص 122، ط بيروت.

(4) أفاض السيد بحر العلوم (قده) في الحديث عن هذه المسألة في رسالته القيمة التي أفردها لهذا البحث، و المطبوعة بذيل (مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة)- للسيد محمد جواد العاملي فنسب وجوب القصر على مريد الرجوع ليومه على التعيين إلى الأكثر كما في المعتبر، و المنتهى، و التنقيح، و الروضة، و الدرة و تعليق النافع، و مجمع البرهان. و الى المشهور كما في الحدائق، و الروض، و المصابيح. و الى الأشهر كما في الرياض، و قد اختاره جمع كثير من الفقهاء عدا السيد بحر العلوم حوالي خمسين من كتب الفقه الإمامي التي ذكرت هذا المختار. راجع (مفتاح الكرامة) ج 3 ص 502 ط مصر.

و نقل صاحب الحدائق (قده) سبعة أقوال في المسألة:

1- انه يجب التقصير إذا أراد الرجوع ليومه، و المنع من التقصير ان لم يرد الرجوع ليومه. و نسبه الى المشهور سيما بين المتأخرين.

2- ان كان سفره أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع من يومه فهو مخير بين القصر و التمام. و نسبه الى الصدوق و المفيد و سلار.

3- القول السابق لكن بالمنع من التقصير في الصوم. و نسبه الى الشيخ في- النهاية، كتاب الصوم.

4- التخيير في قصد الأربعة بشرط الرجوع ليومه. و نسبه الى الشيخ في التهذيب و المبسوط و ابن بابويه في كتابه الكبير.

5- القصر ان رجع قبل عشرة أيام. و نسبه الى ابن أبى عقيل، و اختاره صاحب الحدائق نفسه.

6- القول بالتخيير بمجرد قصد الأربعة، أراد الرجوع أو لم يرد. و نسبه الى صاحب المدارك.

7- وجوب التقصير مع قصد الأربعة مطلقا. و نسبه الى بعض فضلاء متأخري المتأخرين، و الكليني.

راجع (الحدائق) ج 11 ص 313 ط النجف.

و حيث كان القول الثالث راجعا الى الثاني، و القول السادس هو ما فهمه صاحب المدارك من القول الرابع فقد استغنى عنهما، و اختصرت الأقوال إلى خمسة كما ترى في المتن.

24

الخامس- ما هو المشهور المتأخرين: و هو التفصيل بين الرجوع ليومه فيجب القصر، و ما لم يكن كذلك فيجب التمام.

فلا بد من ملاحظة الروايات أولا، ثم بيان كيفية الجمع بينها و بين الاخبار التي ظاهرها كون الأربعة الامتدادية موجبة للقصر.

25

ملاحظة النصوص:

1- الشيخ بسنده عن معاوية بن وهب قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أدنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة؟ قال:

بريد ذاهبا و بريد جائيا» (1).

2- الصدوق بسنده عن زرارة بن أعين قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير فقال: بريد ذاهب و بريد جائي» (2).

3- الشيخ بسند موثق عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن التقصير قال: في بريد. قلت: بريد؟

قال: انه إذا ذهب بريد أو رجع بريدا، فقد شغل يومه» (3).

4- الشيخ بسنده عن سليمان بن حفص المروزي قال: قال‌

____________

(1) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الأحاديث 2.

(2) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الأحاديث 14.

(3) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الأحاديث 9.

26

الفقيه (1) (عليه السلام): «التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهبا و جائيا» (2).

5- الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «انما وجبت الجمعة على من يكون على رأس فرسخين لا أكثر من ذلك، لأن ما تقصر فيه الصلاة بريدان ذاهبا أو بريد ذاهبا و بريد جائيا. و البريد أربعة فراسخ، فوجبت الجمعة على من هو نصف البريد الذي يجب فيه التقصير. و ذلك لأنه يجي‌ء فرسخين و يذهب فرسخين، و ذلك أربعة فراسخ و هو نصف طريق المسافر» (3).

6- الصدوق بسنده عن زرارة بن أعين قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التقصير فقال: بريد ذاهب و بريد جائي.

و كان رسول اللّه (ص) إذا أتى ذبابا قصر، و ذباب على بريد، و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» (4).

مناقشة المشهور، ثم توجيه كلامهم:

لا ريب في عدم لزوم الاتصال في قطع الثمانية فراسخ‌

____________

(1) الظاهر ان المقصود به الامام الحسن العسكري (عليه السلام)، لكون المروزي معاصرا له.

(2) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الأحاديث 4.

(3) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الأحاديث 18.

(4) الوسائل- باب 2 من صلاة المسافر، الأحاديث 15.

27

الامتدادية الموجب للمقصر، فيجب القصر حتى لو قطع هذه المسافة في أربعة أيام أو أكثر، أما لو أراد قطع أربعة فراسخ ذهابا و أربعة إيابا فذهب المشهور الى لزوم كون ذلك في يوم واحد، أى أن يرجع ليومه.

و الاشكال الذي يرد هنا هو: عدم ورود هذا القيد في الروايات و لو اشارة. (1) و غاية ما يمكن أن يقال في توجيه كلامهم بمقتضى القواعد الأصولية: ان الاخبار التي تحدد المسافة الشرعية على ثلاث طوائف:

الاولى- الروايات التي حددت المسافة بثمانية فراسخ، و استظهرنا منها أنها الامتدادية.

الثانية- الروايات التي حددتها بأربعة فراسخ.

الثالثة- الروايات التي حددتها بأربعة فراسخ ذهابا و إيابا.

و حيث كانت الطائفتان الأوليان متباينتين بحسب المفهوم جائت الطائفة الثالثة شارحة للطائفة الثانية و مقيدة لإطلاقها. و منها نفهم أنه ليست الأربعة فراسخ موجبة للقصر مطلقا، بل إذا كانت ذهابا و إيابا. و لما لم يكن إطلاق لهذه الطائفة الأخيرة لأنها في مقام الشرح لا البيان، نشك في سعة الموضوع و ضيقه، و نقتصر على‌

____________

(1) قال المحقق البحراني بعد بيان ما ذهب اليه المشهور: «و هو جيد، لكن لا دلالة في شي‌ء من أخبار القسم الثاني على التقييد بالرجوع ليومه، فمن أين لهم هذا التقييد؟ و محل البحث معهم هنا». الحدائق ج 11 ص 321، ط النجف.

28

القدر المتيقن و هو ما إذا كان الرجوع في يومه و ليلته (لانه من قبيل المخصص الدائر بين الأقل و الأكثر)، و في الزائد نجري حكم العام و هو: كل مكلف يتم.

هذا غاية ما يقال في توجيه كلام المشهور، لكن يرد عليه:

ان هذا يتم لو كان كل من ثمانية فراسخ، و أربعة فراسخ ذهابا و أربعة إيابا سببا مستقلا للتقصير، في حين أنه ليس كذلك.

إذ للتقصير سبب واحد هو الضرب في الأرض إذا بلغ ثمانية فراسخ، سواء كانت امتدادية أو تلفيقية. و حيث لم يشترط اتصال السير في الأول لا وجه لاشتراطه في الثانية.

و يشهد لما ذكرنا من عدم لزوم هذا الشرط (و هو العود ليومه و ليلته) ما دل على لزوم التقصير لأهل مكة في عرفات و منى قبل الرجوع الى مكة، و هذا الحكم من ضروريات مذهب الإمامية.

توضيحه: ان المسافة بين عرفات و مكة أربعة فراسخ، و إذا ذهب الحاج الى عرفات فإنه لا يرجع الى مكة في يومه و ليلته بل يبقى يومين أو أكثر على بعض التقادير، و مع ذلك فإنه يجب عليه التقصير.

و أما الروايات فهي:- 1- الكليني بسند معتبر (و هو صحيح أعلائي) عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ان أهل مكة إذا خرجوا حجاجا قصروا، و إذا زاروا و رجعوا الى منزلهم أتموا» (1).

____________

(1) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 8.

29

2- الكليني بسنده عن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ان أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا، و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا» (1).

3- الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أهل مكة إذا زاروا البيت و خلوا منازلهم ثم رجعوا إلى منى أتموا الصلاة، و ان لم يدخلوا منازلهم قصروا» (2) 4- الصدوق بسنده عن معاوية بن عمار أنه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «ان أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات. فقال: ويلهم (أو ويحهم) و أى سفر أشد منه؟ لا تتم» (3).

5- الشيخ بسنده عن معاوية بن عمار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): في كم أقصر الصلاة؟ فقال: في بريد.

ألا ترى أن أهل مكة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير؟» (4).

6- الشيخ بسند موثق عن إسحاق بن عمار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): في كم التقصير؟ فقال: في بريد. ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول اللّه (ص) فقصروا» (5) 7- الكليني بسنده عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) قال «حج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فأقام بمنى ثلاثا يصلى ركعتين ثم صنع ذلك أبو بكر، و صنع ذلك عمر، ثم صنع ذلك عثمان ست‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 7.

(2) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 4.

(3) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 1.

(4) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 5.

(5) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 6.

30

سنين ثم أكملها عثمان أربعا فصلى الظهر أربعا، ثم تمارض ليسد بذلك بدعته، فقال للمؤذن: اذهب الى على (عليه السلام) فقل له: فليصل بالناس العصر، فأتى المؤذن عليا (ع) فقال له: ان أمير المؤمنين عثمان يأمرك أن تصلى بالناس العصر. فقال:

أذان لا أصلي إلا ركعتين كما صلى رسول اللّه (ص) فرجع المؤذن فأخبر عثمان بما قال على (ع) فقال: اذهب اليه و قل له: انك لست من هذا في شي‌ء، اذهب فصل كما تؤمر، فقال (عليه السلام):

لا و اللّه لا أفعل. فخرج عثمان فصلى بهم أربعا. فلما كان في خلافة معاوية و اجتمع الناس عليه، و قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) حج معاوية فصلى بالناس بمنى ركعتين الظهر، ثم سلم فنظر بنو أمية بعضهم الى بعض و ثقيف و من كان من شيعة عثمان ثم قالوا: قد قضى على صاحبكم و خالف و أشمت به عدوه، فقاموا فدخلوا عليه فقالوا: أ تدري ما صنعت؟ ما زدت على أن قضيت على صاحبنا و أشمت به عدوه و رغبت عن صنيعه و سنته، فقال: ويلكم اما تعلمون أن رسول اللّه (ص) صلى في هذا المكان ركعتين و أبو بكر و عمر و صلى صاحبكم ست سنين كذلك فتأمروني أن ادع سنة رسول اللّه (ص) و ما صنع أبو بكر و عمر و عثمان قبل أن يحدث؟

فقالوا: لا و اللّه ما نرضى عنك الا بذلك و قال: فاقبلوا فانى متبعكم (مشفعكم) و راجع الى سنة صاحبكم فصلى العصر أربعا. فلم يزل‌

31

الخلفاء و الأمراء على ذلك الى اليوم» (1).

عدم لزوم العود ليومه و ليلته:

و الذي نختاره هو عدم لزوم العود ليومه و ليلته في المسافة التلفيقية (أي التي يقطع فيها أربعة فراسخ ذهابا و أربعة إيابا) و الدليل على ذلك:- 1- الإطلاق المستفاد من الروايات المستفيضة الدالة على ان التقصير في بريد، أو أن أدنى التقصير في بريد حيث لم يقيد فيها الرجوع أصلا، و لكنا قيدنا هذا الإطلاق و حكمنا بلزوم أصل الرجوع بمقتضى الروايات الدالة على أن التقصير في بريد ذاهبا و جائيا. أما لزوم كون الرجوع في يومه و ليلته فلا، لدوران الأمر بين التقييد بالأقل (و هو الرجوع) و الأكثر (و هو الرجوع في يومه و ليلته)، فيكتفى في التقييد بالأقل و ينفى الأكثر بأصالة عدم التقييد.

2- الإطلاق المستفاد من الروايات على وجوب القصر إذا كانت المسافة بريدا ذهابا و بريدا جائيا. حيث لم يقيد فيها كون الذهاب و الإياب في يوم واحد.

3- ما تقدم من الأخبار الدالة على لزوم القصر لأهل مكة في عرفات. و ليس هذا الحكم مختصا بعرفات، بل هو مصداق‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 9.

32

لقاعدة كليه. و يشهد لذلك ما رواه الكليني و الصدوق و البرقي عن إسحاق بن عمار قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم خرجوا في سفر، فلما انتهوا الى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصروا من الصلاة، فلما صاروا على فرسخين، أو على ثلاثة فراسخ أو على أربعة تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم الا به، فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم، و هم لا يستقيم لهم السفر إلا بمجيئه إليهم، فأقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتموا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ قال: ان كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، و ان كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة قاموا أو انصرفوا، فإذا مضوا فليقصروا» (1).

مقتضى هذا الحديث وجوب القصر في الثمانية التلفيقية (المتشكلة من أربعة ذهابا و أربعة إيابا) و لو لم يرجع في يومه و ليلته، لكن بشرط عدم قصد الإقامة عند رأس الأربعة فراسخ.

نعم، لو لم يكن إطلاق لروايات البريد، و البريد ذاهبا و مثله جائيا، و خدشنا في سند رواية إسحاق بن عمار، و احتملنا كون القصر في عرفات لخصوصية لا نعرفها، فلا بد من اشتراط العود ليومه و ليلته للحكم بوجوب القصر، لأنا نشك حينئذ في ان شرط وجوب القصر‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 10.

33

هو المسافة الملفقة من أربعة ذهابا و أربعة إيابا، أم كون الرجوع في يومه و ليلته، و مرجع الشك في ان المخصص لعموم (كل مكلف يتم) هو هذا أم ذاك؟ و المتيقن من التخصيص هو ما كان الرجوع في يومه و ليلته، و الباقي يكون داخلا تحت العام فيجب التمام.

لكن عرفت ان الإطلاق في الروايات المتقدمة محكم.

ان قلت: ورد في حديث محمد بن مسلم تعليل القصر إذا ذهب بريد أو رجع بريدا بأنه قد شغل يومه (1)، و هذا من قبيل منصوص العلة، و هو يقيد إطلاق البريد، حيث انه لا يصدق أنه شغل اليوم إلا إذا عاد ليومه.

قلت: هذا الحديث بمثابة الصغرى للحكم، و أما الكبرى فهي:

و كل من شغل يومه فيجب عليه القصر. و نحن نعلم أنه لا يلزم شغل اليوم حتى في الثمانية الامتدادية، لأن المراد شأنية ذلك لا كونه بالفعل شاغلا يومه. و على هذا فلا يلزم العود ليومه في الكبرى فكيف بالصغرى؟

على أن استفادة التقييد من هذا الحديث لا يقاوم إطلاق الروايات التي تلوناها عليك.

و قد يتوهم اشتراط العود ليومه في الثمانية‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 9.

34

التلفيقية استنادا الى ما رواه الشيخ بسنده عن أبى ولاد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «انى كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء، فسرت يومي ذلك أقصر الصلاة، ثم بدا لي في الليل الرجوع الى الكوفة فلم أدر أصلي في رجوعي بتقصير أم بتمام، و كيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت أن تصلى بالتقصير، لأنك كنت مسافرا الى أن تقصير الى منزلك» (1) و اليوم هنا هو مجموع الليل و النهار، و مورد السؤال ما إذا ذهب في النهار و بدا له الرجوع في الليل فما ذا يفعل في الرجوع و حيث حكم الامام (عليه السلام) بالقصر إذا كان قد سار بريدا، يستفاد من الحديث هذه الشرطية (من بدا له الرجوع في الليل بعد ان سار في النهار بريدا فعليه القصر) و مفهوم هذه الشرطية (ان لم يرجع في الليل فلا يقصر).

لكن يندفع هذا الوهم بأن التقييد بالرجوع في الليل لم يرد في كلام الامام (عليه السلام) بل هو في كلام الراوي. إنما قيد‌

____________

(1) الوسائل- باب 5 من صلاة المسافر، الحديث

35

الامام (عليه السلام) بأصل الرجوع حيث قال: «ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا، فكان عليك حين رجعت ..» و لم يقيد بالرجوع في ليلته. و يؤيد ذلك قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «و ان كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بردا فان عليك أن تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير، بتمام ..».

هذا مضافا الى أن مورد السؤال أنه بدا له الرجوع في الليل لا ان الرجوع وقع في الليل. و حيث ان الامام لم يستفصل بين وقوعه فيه و عدمه، نفهم ان الرجوع في الليل غير دخيل في الحكم.

و قد يستدل على لزوم العود ليومه و ليلته أيضا بما نقل في (المستدرك) عن (فقه الرضا) (عليه السلام): «فان كان سفرك بريد واحد أو أردت أن ترجع من يومك قصرت لان ذهابك و مجيئك بريدان» (1) و يدل بمفهومه على وجوب التمام ان لم يرد الرجوع من يومه.

و ما يقال من أن الكتاب غير مستند الى الامام (عليه السلام) مدفوع: أولا بأن صاحب الحدائق اعتمد عليه و أصر على القول بحجيته، و قال: ان المجلسي و أباه اعتمدا عليه. و قال صاحب المستدرك في خاتمة كتابه: ان الفقه الرضوي مطابق لرسالة‌

____________

(1) مستدرك الوسائل ج 1 ص 501.

36

على بن بابويه القمي والد الصدوق. و ثانيا: ان ضعف سنده منجبر بعمل الأصحاب، لأن القدماء عملوا بمضمونه.

و يرد عليه:- أولا: ان صاحب المستدرك قطع الرواية و لم يذكرها بتمامها و يتضح ذلك من ملاحظة الأبواب المختلفة (1) ففي نفس الحديث شرطية أخرى يفهم منها وجوب القصر تخييرا حيث قال: «و ان سافرت الى موضع مقدار أربعة فراسخ و لم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار ان شئت تممت و ان شئت قصرت» و في شرطية أخرى «ان كان سفرك دون أربعة فراسخ فالتمام عليك واجب».

و على هذا لو أخذنا بظاهر القضية الدالة على ترتب جواز القصر على الشرطية الأولى أخذنا بمفهومها و هو عدم جواز القصر في غيرها، و لكنها دلت على وجوب القصر تعيينا في هذه الصورة فالمفهوم عدم الوجوب التعييني في غير هذه الصورة، و عدم الوجوب التعييني يلائم الوجوب التخييري فلا تدل الشرطية بمفهومها على جواز القصر كما يدعى الخصم.

و ثانيا: ينجبر ضعف السند بعمل الأصحاب متى علمنا بأنهم عملوا بالرواية، و ليس المقام كذلك بل فتواهم تطابق ما في‌

____________

(1) ذكر قسما من الحديث في الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

و الباقي في الباب 3، الحديث 2. و تجد الحديث مرسلا في (من لا يحضره الفقيه) ج 1 ص 436 طبعة مكتبة الصدوق 1392.

37

(الفقه الرضوي)، و استنادهم في الفتوى الى هذا الكتاب غير معلوم‌

وهم و دفع:

أما الوهم: فهو أن المشهور أعرضوا عن روايات التقصير في عرفات، و عن رواية إسحاق بن عمار اللتين استدللنا بهما على عدم لزوم العود في يومه و ليلته، و هذا الاعراض يوجب وهنها.

و أما الدفع: فهو أن الاعراض الموهن هو ما إذا حصل الاعراض عن أصل الرواية، و ما نحن فيه ليس كذلك فإنهم لم يعرضوا عنها، بل عن دلالتها لتوهم خصوصية في عرفات، و لما كانت الدلالة تابعة للاستظهار فلا يرد الوهن من هذا الإعراض.

الثمانية التلفيقية سبب مستقل للقصر:

قلنا: ان أخبار الثمانية نص أو ظاهرة في الامتدادية، و أما الاخبار التي حددت التقصير بأربعة فراسخ ذهابا و إيابا (الثمانية التلفيقية) فإنها لو كانت ناظرة إلى تفسير الثمانية بالأعم من الامتدادية سقط الظهور المذكور، و تحصل أن ذهاب أربعة و إياب أربعة محقق لمقدار الثمانية، لكن يرد على هذا أنه أى خصوصية للأربعة؟ فلا بد من القول بذلك حتى لو قطع فرسخين أربع مرات ذهابا و إيابا دون أن يمر بالوطن.

و مقتضى القاعدة كون الثمانية التلفيقية سببا مستقلا للتقصير في قبال الثمانية الامتدادية، و يكون حينئذ من مصاديق بحث‌

38

أصولي معروف و هو ما إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء، لان مفاد طائفة من الروايات: ان سرت ثمانية فراسخ فقصر، و مفاد طائفة اخرى: ان سرت أربعة فراسخ و رجعت أربعة فقصر.

و قد سبق منا في أبحاثنا الأصولية أن المحتملات في هذه المسألة ثلاثة:- 1- كون كل من الشرطين جزءا للموضوع.

2- كون الجامع بين الشرطين هو الشرط.

3- كون كل منهما شرطا مستقلا و موضوعا على نحو الاستقلال.

و فيما نحن فيه لما جعل كل من الثمانية الامتدادية و التلفيقية تمام الموضوع في الروايات و لا يمكن الجمع بينهما، كما لا يعقل الجامع بينهما (فإن الثمانية التلفيقية لا تنحصر في ذهاب أربعة و إياب أربعة) (1) انحصر الحل في الثالث و هو كون كل منهما سببا مستقلا للتقصير، الا أن ذلك لا يلائم مرسلة الصدوق حيث قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أتى ذبابا قصر. و ذباب على بريد، و انما فعل ذلك لأنه‌

____________

(1) تعرض السيد بحر العلوم (قدس سره) لتصوير الجامع و ما فيه من التكلف الشديد في رسالته التي نقلها السيد محمد جواد العاملي في (مفتاح الكرامة) ج 3 ص 512،- فراجع.

39

إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» (1).

هل يلزم كون كل من الذهاب و الإياب أربعة؟

بعد أن قيدنا روايات البريد التي نقلها الكليني بالذهاب و الإياب حتى تتم الثمانية التلفيقية، ينبغي أن نبحث في انه هل المناط في وجوب القصر هو سير ثمانية فراسخ أو شغل اليوم، و و الثمانية التلفيقية المتشكلة من ذهاب أربعة و إياب أربعة محقق لذلك الملاك و لا يضره أن يتحقق في ذهاب ستة و إياب فرسخين و بالعكس؟ أو المناط كون الذهاب أربعة فراسخ على الأقل و لا يضر كون الإياب أقل كأن يذهب خمسة فراسخ و يعود ثلاثة؟ أو أن المناط كون كل من الذهاب و الإياب أربعة فراسخ لا غير فان استفدنا من التعليل المذكور في بعض الروايات (بأنه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه) أن المناط شغل اليوم بأي نحو كان، فلا خصوصية لكون الذهاب أربعة فراسخ بل يشمل ما لو شغل يومه بذهاب ثلاثة و إياب خمسة.

و كذا لو استفدنا من قوله (عليه السلام): «.. و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ» أن المناط‌

____________

(1) الوسائل- باب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15. من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 449 طبعة مكتبة الصدوق. و احتمل المولى محمد تقي المجلسي في شرحه على (من لا يحضره الفقيه) كون الحديث تتمة لخبر زرارة، كما احتمل كونه من كلام الصدوق نفسه.

40

هو الثمانية بأي نحو اتفق.

أما إذا لاحظنا الروايات التي اختارها الكليني و حكم بمضمونها حيث ذكر فيها حد التقصير أربعة فراسخ، فلا بد من التقييد بكون الذهاب أربعة فراسخ على الأقل، إذ من المحتمل دخالة عنوان الأربعة في الموضوع و هو مقتضى ظهور هذه الاخبار فيؤخذ به، لان الظهور حجة ما لم يعارضه ظهور أقوى.

هذا بالنسبة إلى الذهاب و أما الرجوع فهل يلزم أن يكون أربعة فراسخ ايضا؟

يمكن القول بأن ظاهر قوله (عليه السلام) (إذا ذهب بريد أو رجع بريدا) كون الموضوع مركبا من جزئين أحدهما الأربعة الذهابية و الأخر الأربعة الايابية، فإذا لم يرجع أربعة فراسخ لم يتحقق الموضوع فلا يترتب عليه الحكم.

لكن يشكل ذلك إذا ذهب ستة فراسخ، لأنه تحقق أحد جزئي الملاك بذهاب أربعة فهل للفرسخين الأخيرين دخالة في الملاك أم انهما وقعا لغوا؟ و حيث لا يمكن القول بلغويتهما فإذا رجع فرسخين لا بد من القول بتحقق الملاك و الحكم بوجوب القصر.

و بعبارة أخرى: يستفاد من الاخبار عدم دخالة خصوص الأربعة في الإياب لوجهين:

1- عدم لغوية المقدار الزائد على الأربعة في الذهاب، بل‌

41

هو جزء من السفر، و من المسافة المقطوعة.

2- ظاهر الأخبار التي حددت القصر بثمانية فراسخ أو شغل اليوم عدم دخالة الرجوع في مناط الحكم، و انما قلنا بلزوم الذهاب أربعة فلظهور الروايات التي اختارها الكليني في الأربعة الامتدادية.

و عليه فالأقوال في المسألة ثلاثة:- الأول- وجوب القصر إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ من دون دخالة الأربعة في الذهاب و الإياب كما هو ظاهر السيد الطباطبائي (قده) في (العروة الوثقى).

الثاني- وجوب القصر إذا كانت المسافة أربعة في الذهاب و أربعة في الإياب.

الثالث- وجوب القصر إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ بشرط كون الذهاب أربعة فراسخ على الأقل. و هو المختار، خصوصا بقرينة رواية إسحاق بن عمار التي اشترط القصر فيها بذهاب أربعة فراسخ (1) توضيح ذلك:

ان الزمان قد يؤخذ في الحكم بنحو الموضوعية فهو دخيل في الحكم كما في الأمر بالصوم ثلاثة أيام، أو الأمر بالاعتكاف في‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 10.

42

ثلاث ليال، حيث ان اليوم الخارجي دخيل في الإمساك فيجب من أول طلوع الفجر الى دخول الليل.

و قد يؤخذ الزمان على نحو المعرفية إلى بيان كمية شي‌ء آخر، كما في اعتبار اليوم و الليلة عند التراوح في نزح ماء البئر. فهو معرف لمقدار الماء الذي يجب نزحه حتى تزول النجاسة من البئر. و منه اعتبار عشرة أيام في الإقامة و الثلاثة في بيان أقل الحيض. و منه أيضا قول الخياط مثلا: ان خياطة هذا الثوب عمل يوم، إذ لا يعنى ذلك أن يشغل نهاره من طلوع الشمس حتى غروبها، بل هو معرف لمقدار العمل.

و على هذا فأخذ اليوم في الروايات التي ذكر فيها عنوان شغل اليوم، أو بياض النهار، معرف لمقدار السير الذي يوجب التقصير، لا أنه يلزم كون السير بالفعل من أول النهار الى آخره. و الدليل على ذلك ما ورد في كثير من الروايات من تفسير شغل اليوم بثمانية فراسخ، فكما لا يلزم اتصال السير في الثمانية الامتدادية كذلك لا يلزم في الملفقة، لأن الملاك على هذا هو الضرب في الأرض بمقدار شغل اليوم و لو حصل في أيام متعددة.

أما عدم لزوم اتصال السير في الثمانية الامتدادية فلما رواه إسحاق ابن عمار قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم خرجوا في سفر، فلما انتهوا الى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصروا‌

43

من الصلاة، فلما صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على أربعة تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم الا به فأقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون- الى أن قال (عليه السلام)-: و ان كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة قاموا أو انصرفوا، فإذا مضوا فليقصروا» (1) حيث ان الامام أمر بتقصير الصلاة إذا مضوا بالرغم من فصل أيام عديدة بين سيرهم.

لا يقال: لعلهم أنشأوا سفرا جديدا من هذا الموضع، و قصدوا المسافة من هناك.

لأنه يقال: إطلاق الكلام يشمل ما إذا قصدوا ذهاب ثمانية فراسخ من هناك أو أقل من ذلك.

ثم قال (عليه السلام): «هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا قال: لأن التقصير في بريدين و لا يكون التقصير في أقل من ذلك فإذا كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، و ان كانوا ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة» (2).

و على ضوء هذا البيان اتضح لك عدم لزوم الاتصال في السير في المسافة الملفقة من الذهاب و الإياب، كما لا ضرورة لكون‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 10.

(2) الوسائل- باب 3 من صلاة المسافر، الحديث 11.

44

الإياب أربعة فراسخ. و لكن لا يخفى ابتناء هذا على كون شغل اليوم المذكور في الرواية مفيدا للعلية لا لبيان الحكمة أو رفع استغراب الراوي فتدبر.

لو تردد يوما في ثلاثة فراسخ

قال المحقق قده: و لو تردد يوما في ثلاثة فراسخ، ذاهبا و جائيا و عائدا، لم يجز التقصير و ان كان ذلك من نيته).

قد يتوهم بأن هذا من لوازم القول يكون كل من الذهاب و الإياب أربعة فراسخ في المسافة التلفيقية، أما القائل بعدم لزوم كون الرجوع أربعة فيحكم بالقصر في هذا الفرض لاشغال اليوم بالسير و تحقق الفراسخ الثمانية.

لكنه ليس كذلك لأن الوحدة شرط في السفر، و الوحدة تتقوم بالجمع بين الذهاب و الإياب لا ان كلا منهما سفر على حدة (1) و الدليل على ذلك أن المسافر في معصية يجب عليه التمام حتى في طريق العودة إلى وطنه. و في المقام حيث ان مجموع الذهاب و الإياب ستة فراسخ لم يتحقق حد التقصير.

____________

(1) قال العلامة الحلي في (تذكرة الفقهاء) ج 1 ص 188: «تذنيب: لو كانت المسافة ثلاثة فراسخ فقصد التردد ثلاثا لم يقصر، لانه بالرجوع انقطع سفره، و ان كان في رجوعه لم ينته الى سماع الأذان و مشاهدة الجدران، و الا لزم القصر لو تردد في فرسخ واحد ثماني مرات و أزيد ..».

45

لو كان لبلد طريقان:

(قال المحقق قده: و لو كان لبلد طريقان، و الأبعد منهما مسافة، فسلك الأبعد قصر و ان كان ميلا إلى الرخصة).

لو كان لبلد طريقان: أحدهما يمر بأرض مسطحة مستوية فيكون ثمانية فراسخ و أكثر، و الأخر يخترق الجبل و يمر بأرض وعرة فيكون أقل من ثمانية فراسخ، و اختار المسافر الطريق الأبعد و كان قاصدا للإقامة في ذلك البلد، فعليه التقصير في الطريق، حتى لو كان اختياره الطريق الأبعد لغرض الاستفادة من الرخصة في قصر الصلاة و إفطار الصوم.

بينما ذهب بعض القدماء من أصحابنا إلى التفصيل بين ما إذا كان سلوكه الطريق الأبعد لداع عقلائي راجح فيقصر، و ما إذا كان للترخيص فقط فيتم. (1)

تقريب ذلك: ان اختيار الطريق الأبعد ان كان ميلا إلى الرخصة فقط يكون كاللهو في السفر، و حيث كان مطلق اللهو حراما حرم السفر لأجله، و لما كان من شروط القصر في السفر كونه سائغا شرعا، فلا يقصر في مثل هذا. أو يقال: تضمنت الاخبار‌

____________

(1) الظاهر أن القائل بهذا التفصيل هو القاضي عبد العزيز بن البراج، لاحظ الحدائق ج 11 ص 309، و الذكرى للشهيد- و ربما استفيد ذلك من كلام الشيخ الطوسي في المبسوط ج 1 ص 140.

46

الكثيرة عدم القصر في السفر بالنسبة إلى اللاهي بصيده، و الملاك في ذلك عدم صدق السفر الشرعي على هذا لهوا، و لا دخالة للصيد في الموضوع. فتحكم بعدم جواز القصر لو اختار الطريق الأبعد لاهيا.

و يرد عليه:

أولا: لو سلمنا بحرمة مطلق اللهو، و قلنا بأن المستفاد من الاخبار كون الصيد اللهوي علة تامة لعدم القصر، لكن لا نسلم بكون السفر لهوا في ما نحن فيه، و غاية ما يمكن أن يقال: ان اختياره أحد الفردين يكون لهوا، و كم فرق بين هذين؟

ثانيا: لا نسلم بحرمته اللهو مطلقا. لان اللهو ان كان عبارة عما يلائم الطبع و يوافقه لزم من القول بحرمته حرمة أكثر المباحات و هو باطل، بل الدليل على خلافه حيث قال عز من قائل قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ ...

و ان كان عبارة عما يلهى عن ذكر اللّه جل و علا لزم من القول بحرمته حرمة كثير من المباحات أيضا كالتنزه و التكلم مع الغير و كتابة الرسالة إلى صديق .. إلخ.

فاللهو المحرم ليس شيئا من هذا و ذاك، بل هو لهو القلب عن ذكر اللّه تعالى بحيث يخرج عن قابلية قبول ذكره، و بعبارة أخرى: هو مسخ القلب و سكره، و هذا المعنى هو الذي حذر منه في الآيات و الروايات. و لا ينبغي للمسلم أن يكون في هذه الحالة.

47

و ليس اختيار أبعد الطريقين من هذا القبيل.

ثالثا: المناط في اللاهي بصيده مركب من الصيد و اللهو. إذ الصيد قد يكون لأجل تحصيل ما يقتات به هو و عياله، و تارة يكون وسيلة للكسب و التجارة، و لا ضير في هذين القسمين، انما يحرم الصيد إذا لم يكن للكسب و مؤنة العيال. و على هذا فاللهو و الصيد كلاهما دخيلان في ملاك الحكم بعدم القصر في السفر للصيد اللهوي، و لا يمكن تسرية الحكم الى كل سفر لا يتعلق به غرض عقلائي.

فالمختار هو ما ذكره المحقق (قده).

هذا حاصل ما استفدناه من الاشرطة المسجلة من البحث، و إليك الان ما عثرنا عليه بخط السيد الجد (قدس سره).

مسألة: 1- لوجوب القصر سببان لا يجمعهما جامع:

أحدهما: الثمانية الامتدادية.

ثانيهما: الأربعة الملفقة من الذهاب و الإياب (1) و ذلك لظهور الروايات.

و لا يتوهم وحدة السبب و استظهار ذلك من التعبير في الأربعة الملفقة بأنها بريدان أو ثمانية أو شغل نهار، فإنه على ذلك‌

____________

(1) يعبر سيدنا الجد (قدس سره) عن الثمانية الملفقة بالأربعة الملفقة، و نظره الشريف الى أن المسافة متكونة من أربعة ذهابا فإذا عاد أربعة أخرى صارت ثمانية، فالخلاف لفظي.

48

يلزم ان لا يكون للأربعة الذهابية خصوصية مع أنها كذلك على ما سيأتي. و أنت خبير بأن لا جامع بين الامتدادية و خصوص الأربعة، و لو لا ذلك لأمكن القول بأن المدار على المسير ثمانية فراسخ، سواء كانت امتدادية أو مركبة من الذهاب و الإياب.

مسألة 2- لا بد في الأربعة الملفقة أن يكون الذهاب مقدارها فما زاد، ضرورة أن أخبار البريد و أربعة فراسخ المتواترة و المذكورة في الكافي بنحو الاقتصار عليها، ظاهرة في جهة خاصة هي الامتداد، و في جهة عامة هي الإطلاق من حيث الرجوع، و الجهة الثانية مقيدة بما دل على لزومه، فلا بد من مراعاة تلك الجهة الخاصة، مضافا الى تضمن روايات الأربعة الملفقة لتلك الجهة أيضا، فلا يكفى الذهاب فرسخين مثلا و الرجوع ستة فراسخ، فإنه حينئذ لا يكون قد سافر بريدا. اللهم الا أن يمنع عن ظهوره في الامتداد في بدء السفر، و يقال بأن من يسير في فرسخين قاصدا للعود فرسخين يكون مسافرا بريدا هكذا.

لكنك خبير بأن ظهور الروايات في الامتداد غير قابل للإنكار، نعم يحتمل ان التغرب و البعد بمقدار البريد له الملاكية و ذلك يصدق في المثال فإنه في رجوعه يحصل له ذلك، لكن ليس ذلك مقطوعا به.

ثم انه لما استفيد من الروايات لحاظ الأربعة في الرجوع انما هو لتكميل البريد بالبريدين و الأربعة فراسخ بالثمانية حيث ان‌

49

الرجوع جزء من السفر، فلهذا لا يلزم أن يكون الرجوع أيضا أربعا و يكتفى بما إذا سار ستة فراسخ و رجع فرسخين و أقام هناك.

مسألة 3- إذا خرج من البلد الى فرسخين مثلا قاصد للسير بالاستدارة في قرى حافة بذلك البلد يشكل أن يقصر، فان من المحتمل في روايات البريد و الأربع فراسخ- الظاهرة في الامتدادية- ان يكون التغرب و البعد عن البلد بهذا المقدار له المدخلية، و لا دافع لها.

مسألة 4- ظاهر الروايات أن المناط هو وحدة السفر، سواء كان ذهابا فقط كما في الثمانية، أو ذهابا و إيابا كما في الأربعة الملفقة، فإن الرجوع على ما أشرنا إليه آنفا جزء من السفر، فلا ينفع تكرار الذهاب و الإياب في فرسخ أو فرسخين مثلا، ضرورة انه بعد الرجوع يكون العود إنشاء للسفر الثاني.

مسألة 5- ليست الثمانية فراسخ و الأربعة الملفقة بخارجيتها سببا لوجوب القصر، و الا لم يكن يجوز التقصير قبل تحققها، و انما السبب هو التلبس بالسير كذلك، فالمسافر المتلبس به في نفس الأمر مع انحفاظ وحدة السفر هو الموضوع للحكم، و حينئذ لا بد من إحراز هذا العنوان، و ذلك اما بالعلم لو حصل اتفاقا، أو بالقصد الى المسير كذلك بحيث يرى نفسه متلبسا به، فليس اعتبار القصد الا طريقيا كالعلم لا انه جزء من السبب أو شرط له كما هو المعروف المشهور.

50

و الدليل على ذلك ان الروايات المصرحة بأن القصر في بريدين و ثمانية فراسخ و الأربعة ذهابا و رجوعا و نحو ذلك مفادها ان ذلك بواقعيتها و كونها في نفس الأمر كذلك هو الموضوع للحكم، و على ذلك فمن لا يقصد الثمانية و الأربعة الملفقة و لا يدرى إلى أين ينتهي سفره الذي شرع فيه ليس له أن يقصر بمقتضى استصحاب العدم المقتضى لوجوب التمام (1) و عدم وجوب القصر، فإذا أتم في طريقه ثم بلغ إلى الثمانية فراسخ أو الى الأربعة التي يرجع عنها فحينئذ يرى نفسه انه مسافر كذلك فيقصر، (2) و عليه أن يعيد ما صلاه بالتمام فان ذلك قد كان لأجل الحكم الظاهري، و هو لا يقتضي الاجزاء و انما كان في نفس الأمر مكلفا بالقصر. لكن المشهور يقولون بأن الحكم الواقعي في حقه هو التمام لأنهم يرون القصد جزءا من الموضوع و شرطا للسبب.

و أنت خبير بأن الروايات المتواترة ليس في شي‌ء منها ما يدل على ذلك فإنها بأسرها ظاهرة في السببية النفس الأمرية، و يدل‌

____________

(1) فان التمام يجب على المكلف غير المتصف بالسير ثمانية فراسخ فيحرز ذلك بالاستصحاب و كذلك القصر انما يجب على المتصف بذلك فينفيه بالاستصحاب.

(2) و يظهر ذلك من العلامة في (المنتهى) حيث حكى عنه انه قال: «لو خرج من بلده ان وجد رفقة سافر، و الا رجع، أتم ما لم يسر ثمانية فراسخ» و تأويله بأن مراده ما لم يقصد المسير ثمانية فراسخ خلاف ظاهر الكلام.