كتاب الحج - ج3

- السيد حسن الطباطبائي القمي المزيد...
563 /
5

الجزء الثالث

[تتمة كتاب الحج]

[تتمة الركن الثاني في أفعال الحج]

[القول في الوقوف بعرفات]

القول في الوقوف بعرفات (و النظر في مقدمته و كيفيّته و لواحقه)

[المقدمة]

(أما المقدمة) فيستحب للمتمتع أن يخرج الى عرفات يوم التروية (1) بعد أن يصلي الظهرين (2)

____________

(1) قال في الجواهر في شرح هذا: على معنى خروجه الى منى ثم الى عرفات يوم عرفة، بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام يستحب للحاج اتفاقا بعد الإحرام يوم التروية الخروج الى منى من مكة. انتهى.

و يدل على ذلك صحيح معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: اذا كان يوم التروية إنشاء اللّه فاغتسل ثم البس ثوبيك و ادخل المسجد حافيا و عليك السكينة و الوقار، ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس، فصل المكتوبة ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة، فأحرم بالحج و عليك السكينة و الوقار، فإذا انتهيت الرفضاء دون الردم فلبّ، فإذا انتهيت الى الردم و أشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى (1).

لكن ليس في الرواية أن يكون الإحرام بعد الظهرين، بل فيها فصلّ المكتوبة، فإنه إن لم يكن ظاهرا في خصوص الظهر فلا يكون ظاهرا في الظهر و العصر، كما عن غير واحد من الفقهاء التصريح بإيقاع الإحرام بعد صلاة الظهر، كما يمكن القول بظهور الرواية في ذلك أيضا، فلم يكن لقول المصنف (ره) دليل واضح.

(2) قال في المدارك في شرح العبارة: ما اختاره المصنف (ره) من استحباب الخروج للمتمتع الى عرفات يوم التروية بعد أن يصلي الظهرين، أحد الأقوال في المسألة،

____________

(1). الوسائل ج 9 ب 52 من أبواب الاحرام ح 1.

6

..........

____________

و هو اختيار الشيخ في النهاية و المبسوط و جمع من الاصحاب، و ذهب المفيد و المرتضى الى استحباب الخروج قبل صلاة الفرضين و إيقاعهما بمنى، و قال الشيخ في التهذيب: ان الخروج بعد الصلاة مختص بمن عدا الامام من الناس، فأما الإمام نفسه فلا يجوز له أن يصلي الظهر و العصر يوم التروية إلا بمنى. و ذكر العلامة في المنتهى أن مراد الشيخ بعدم الجواز شدة الاستحباب، و الأصح التخيير لغير الإمام بين الخروج قبل الصلاة و بعدها، و أما الامام فيستحب له التقدم و إيقاع الفرضين بمنى. انتهى.

و قد دل بعض النصوص على كون الأفضل الخروج الى منى قبل الزوال و إيقاع الظهر و العصر في منى، ففي رواية معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اذا انتهيت إلى منى فقل- و ذكر الدعاء و قال: ثم تصلي بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر، و الامام يصلي بها الظهر لا يسعه إلا ذلك، و موسع لك ان تصلي بغيرها إن لم تقدر ثم تدركهم بعرفات. الحديث (1).

و عن عمر بن يزيد عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا كان يوم التروية فأهلّ بالحج- الى أن قال- و صل الظهر إن قدرت بمنى (2).

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ثم تلبي من المسجد الحرام كما لبّيت حين أحرمت و تقول «لبيك بحجة تمامها و بلاغها عليك»، و إن قدرت أن يكون رواحك الى منى زوال الشمس و إلا فمتى ما تيسر لك من يوم التروية.

قال في المدارك: لنا على التخيير أن فيه جمعا بين ما تضمن الأمر بالخروج بعد الصلاة كصحيحة معاوية بن عمار الواردة في كيفية إحرام الحج حيث قال فيها- ثم ذكر ما تقدم من الصحيحة الأولى لابن عمار و ما تضمن الأمر بالخروج قبلها كصحيحة معاوية بن عمار‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 4 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 5.

(2). الوسائل ج 10 ب 2 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

7

..........

____________

أيضا ثم ذكر ما تقدم من صحيحته الثانية. انتهى.

لكن القاعدة تقتضي حمل الصحيحة الأولى على غير القادر على الخروج قبل الصلاة لتقييدها بالصحيحة الثانية، فيكون الأفضل الخروج قبل الصلاة. إلا أنه لا يخلو عن إشكال، فإن حمل إطلاق الصحيحة الأولى على غير القادر على الخروج قبل الصلاة حمل على الفرد النادر، فإنه لا يخلو عن إشكال.

و يمكن أن يقال: إن ما تضمن ايقاع المكتوبة في المسجد الحرام و الخروج بعد الصلاة يكون بملاحظة أفضلية المكان، و ما تضمن الأمر بالخروج قبل الصلاة و إيقاعها في منى بملاحظة أفضلية الزمان. و على أي حال لنا في أفضلية أحدهما او مساواتهما تردد و تأمل.

و يستحب الدعاء بالمأثور عند التوجه الى منى كما في رواية معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا توجهت الى منى فقل «اللهم إياك أرجو و إياك أدعو فبلغني أملي و أصلح لي عملي».

ثم إنه لا اشكال في أفضلية خروج الإمام قبل الصلاة و إيقاعها في منى من جهة النصوص، بل الظاهر منها تعيين الخروج قبل الصلاة عليه. فمضافا الى ما تقدم من صحيحة ابن عمار الثانية يدل عليه ما عن جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: على الامام أن يصلي الظهر بمنى و يبيت بها و يصبح حتى تطلع الشمس ثم يخرج الى عرفات (1).

و ما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: على الامام أن يصلي الظهر يوم التروية بمسجد الخيف و يصلي الظهر يوم النفر في المسجد الحرام (2).

و ما عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا ينبغي للإمام أن يصلي الظهر‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 4 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 6.

(2). الوسائل ج 10 ب 4 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

8

إلا المضطر كالشيخ الهمّ و من يخشى الزحام (1).

____________

يوم التروية إلا بمنى و يبيت بها الى طلوع الشمس (1).

(1) هذا استثناء ممن يستحب له الإحرام يوم التروية، و يدل عليه ما عن اسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون شيخا كبيرا أو مريضا يخاف ضغاط الناس و زحامهم يحرم بالحج و يخرج الى منى قبل يوم التروية؟ قال: نعم.

قلت: يخرج الرجل الصحيح يلتمس مكانا (أو) و يتروح بذلك المكان. قال: لا. قلت:

يعجل بيوم؟ قال: نعم. قلت: بيومين؟ قال: نعم. قلت: ثلاثة. قال: نعم. قلت: أكثر من ذلك؟ قال: لا (2).

و يؤيده ما عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن بعض اصحابه (انه) قال لأبي الحسن (عليه السلام): يتعجل الرجل قبل التروية بيوم أو يومين من أجل الزحام و ضغاط الناس؟

فقال: لا بأس (3).

و يستحب عند النزول بمنى أن يقول ما روي عن معاوية بن عمار قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): إذا انتهيت الى منى فقل «اللهم هذه منى و هذه مما مننت به علينا من المناسك، فأسألك أن تمنّ عليّ بما مننت به على أنبيائك، فانما أنا عبدك و في قبضتك» الى أن قال: و حدّ منى الى وادي محسر.

(تنبيه) خص المصنف (ره) استحباب الإحرام يوم التروية بالمتمتع، قال في المسالك في شرح العبارة: خص المتمتع بالذكر لأن استحباب إحرامه يوم التروية موضع وفاق بين المسلمين، و أما القارن و المفرد فليس فيه تصريح من الأكثر. و قد ذكر بعض الأصحاب‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 4 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(2). الوسائل ج 10 ب 4 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(3). الوسائل ج 10 ب 3 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

9

..........

____________

أنه كذلك، و هو ظاهر إطلاق بعضهم، و في التذكرة نقل الحكم في المتمتع عن الجميع ثم نقل خلاف العامة في وقت إحرام الباقي هل هو كذلك أم في أول ذي الحجة. انتهى.

أما الروايات الواردة في تكليف غير المتمتع:

«فمنها» ما عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): اني أريد الجوار بمكة فكيف أصنع؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج الى الجعرانة فأحرم منها بالحج- الى أن قال- إن سفيان فقيهكم أتاني فقال: ما يحملك على أن تأمر أصحابك يأتون الجعرانة فيحرمون منها؟ قلت له: هو وقت من مواقيت رسول اللّه (ص) فقال: أي وقت من مواقيت رسول اللّه هو؟ فقلت: أحرم منها حين قسّم غنائم حنين و مرجعه من الطائف. فقال: إنما هذا شي‌ء أخذته من عبد اللّه بن عمر، كان إذا رأى الهلال صاح بالحج. فقلت: أ ليس قد كان عندكم مرضيا. فقال: بلى و لكن أما علمت أن اصحاب رسول اللّه أحرموا من المسجد. فقلت: إن اولئك كانوا متمتعين في أعناقهم الدماء، إن هؤلاء قطنوا فصاروا كأنهم من أهل مكة و أهل مكة لا متعة لهم، فأحببت أن يخرجوا من مكة الى بعض المواقيت و أن يستغبوا به أياما، فقال لي و أنا اخبره أنها وقت من مواقيت رسول اللّه (ص): يا أبا عبد اللّه فإني أرى لك أن لا تفعل، فضحكت و قلت: و لكني أرى لهم أن يفعلوا. الحديث (1).

و ما عن ابي الفضل قال: كنت مجاورا بمكة فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): من أين أحرم بالحج؟ فقال: من حيث أحرم رسول اللّه (ص) من الجعرانة، أتاه في ذلك المكان فتوح: فتح الطائف و فتح خيبر و الفتح. فقلت: متى أخرج؟ قال: إذا كنت صرورة فإذا مضى من ذي الحجة يوم، فاذا كنت قد حججت قبل ذلك فإذا مضى من الشهر خمس (2).

____________

(1). الوسائل ج 8 ب 9 من أبواب اقسام الحج ح 5.

(2). الوسائل ج 8 ب 9 من أبواب اقسام الحج ح 6.

10

..........

____________

و ما عن المفيد في المقنعة قال: قال (عليه السلام): ينبغي للمجاور بمكة إذا كان صرورة و أراد الحج أن يخرج الى خارج الحرم فيحرم من أول يوم من العشر، و إن كان مجاورا و ليس بصرورة فإنه يخرج أيضا من الحرم و يحرم في خمس تمضي من العشر (1).

و ما عن عبد اللّه بن مسكان عن ابراهيم بن ميمون- و قد كان ابراهيم بن ميمون تلك السنة معنا بالمدينة- قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ان أصحابنا مجاورون بمكة و هم يسألوني لو قدمت عليهم كيف يصنعون؟ فقال: قل لهم إذا كان هلال ذي الحجة فليخرجوا الى التنعيم فليحرموا و ليطوفوا بالبيت و بين الصفا و المروة، ثم ليطوفوا فيعقدوا بالتلبية عند كل طواف. ثم قال: أما أنت فانك تمتع في أشهر الحج و أحرم يوم التروية عن المسجد الحرام.

و هذه الأخبار المعتبرة منها تدل على أن إحرام المجاور يكون من هلال ذي الحجة، و الى الآن لم أجد رواية معتبرة تدل على إحرام المجاور من الخامس من ذي الحجة الحرام، فإن الراوي لها- و هو ابو الفضل- لم يوثق في الرجال، و رواية الصدوق مرسلة و لم يذكر فيها الاسناد، بل اسندت الى الإمام (عليه السلام) بغير ذكر الوسائط، و لا فرق عندنا في الارسال بين النسبة الى الامام على الجزم أم بقوله روي، فإن جزم الثقة العدل بالصدور لا يخلو عن الاجتهاد في الأخبار، و المعتبر في حجية نقل الثقة هو الشهادة الحسية لا الاجتهادية، فإن إخبار مثل المفيد (ره) عن الامام لا بد أن يكون إما بالقطع منه بالصدور أو بظفره بالحجة المعتبرة عنده على ذلك، و كل منهما يمكن أن يكون بواسطة القرائن القطعية عنده و يمكن أن تكون تلك القرائن لا توجب لنا القطع بذلك، فلا تكون الرواية معتبرة عندنا، فلا يمكن الاعتماد عليها.

نعم في رواية ابن الحجاج ذكر خمس من ذي الحجة، لكن بالنسبة الى النسوان، ففيها:

____________

(1). الوسائل ج 8 ب 19 من أبواب المواقيت ح 2.

11

و ان يمضي الى منى و يبيت بها ليلته الى طلوع الفجر من يوم عرفة (1)، و لكن لا يجوز وادي محسر إلّا بعد طلوع الشمس (2).

____________

فسأل عبد الرحمن عمن معنا من النساء كيف يصنعن؟ فقال: لو لا أن خروج النساء شهرة لأمرت الصرورة منهن أن تخرج، و لكن مر من كان منهن الصرورة أن تهتل بالحج في هلال ذي الحجة، و أما اللواتي قد حججن فان شئن ففي خمسة من الشهر و إن شئن فيوم التروية، فخرج و أقمنا فاعتل بعض من كان معنا من النساء الصرورة منهن فقدم في خمس من ذي الحجة، فأرسلت اليه أن بعض من معنا من صرورة النساء قد اعتل فكيف تصنع؟

قال: فلينتظر ما بينها و بين التروية، فان تطهرت فلتهلّ بالحج و إلا فلا يدخل عليها يوم التروية إلا و هي محرمة، و أما الأواخر فيوم التروية. الحديث.

ففي هذه الرواية فرق الإمام (عليه السلام) بين الصرورة من النساء و من حججن قبل ذلك، بأن الصرورة منهن تحرم في خلال ذي الحجة و من حججن قبل ذلك إن شئن في خمسة منها أو يوم التروية، لكن التعدي منهن الى الرجال لا يخلو من تأمل.

(1) مقتضى رواية ابن عمار المتقدمة قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): إذا انتهيت الى منى فقل- و ذكر الدعاء و قال: تصلي بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر، وجوب المبيت في منى تمام الليل، و لكن تقيد برواية علي بن يقطين قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يريد أن يتقدم فيه الذي ليس له وقت أول منه. قال: إذا زالت الشمس، و عن الذي يريد أن يتخلف بمكة عشية التروية الى أي ساعة يسعه أن يتخلف؟ قال: ذلك موسع له حتى يصبح بمنى. فيفهم بعد التقييد بحسب الظاهر وجوب الإصباح بمنى و لا يجب المبيت في منى تمام الليل، لكن يقال بتسالم الفقهاء (ره) على عدم الوجوب، و هذه قرينة على أن الأمر فيها يكون للاستحباب، فإن هذا الأمر الذي يكون مبتلى به في كل سنة، اذا كان واجبا على الحجاج يبعد كمال البعد أن يخفى على المسلمين حتى يخفى على الفقهاء بحيث أفتوا بعدم الوجوب، مع ذلك الأولى أن لا يترك.

(2) يدل عليه ما عن هشام بن الحكم عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يجوز‌

12

و يكره الخروج قبل الفجر إلا للضرورة كالمريض و الخائف (1).

و الإمام يستحب له الإقامة فيها الى طلوع الشمس (2)، و يستحب الدعاء

____________

وادي محسر حتى تطلع الشمس، و ظاهرها حرمة المرور و التجاوز عن وادي محسر، إلا أنه لم ينقل القول بالحرمة الا من الشيخ و ابن البراج رحمهما اللّه تعالى، قال في المختلف:

مسألة: إذا أفاض من منى الى عرفات لم يجز وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس استحبابا، و يكره له تجاوزه قبل طلوعها، و هو اختيار ابن ادريس. و قال الشيخ في النهاية و المبسوط:

لا يجوز له أن يجوز وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس، و عدّ ابن البراج في التروك المفروضة: و لا يجوز الخارج منها وادي محسر إلا بعد طلوع الشمس. انتهى ما في المختلف.

و قد بيّنا أن ظاهر رواية هشام بن الحكم هو الحرمة، إلا أن تسالم أكثر الفقهاء على الاستحباب دون الوجوب مانع عن الفتوى بالوجوب، فمن المستبعد جدا اختفاء هذه المسألة المبتلى بها على المؤمنين حتى على أكثر الفقهاء (ره) بل قريب من الاتفاق. و قد تقدم عدم نقل الخلاف إلا من الشيخ و ابن البراج، فيمكن أن تكون عندهم قرينة على صرف الظاهر عن الوجوب، و مع ذلك الأحوط أن لا يترك.

(1) قال في المدارك في شرح العبارة: هذا هو المشهور بين الأصحاب، و قال ابو الصلاح و ابن البراج: لا يجوز الخروج منها اختيارا قبل طلوع الفجر، و هو ضعيف، بل يمكن المناقشة في الكراهة أيضا، لعدم الظفر بما يتضمن النهي عن ذلك. نعم لا ريب أنه خلاف الأولى. انتهى.

أقول وفاقا لما في المدارك: لم نجد دليلا على كراهة الخروج قبل الفجر، فإن استحباب إيقاع صلاة الفجر بمنى و كذا فعل النبي (ص) من إيقاع الغداة في منى يشكل استفادة كراهة غيرها. نعم يمكن أن يستفاد مما دل على النهي عن جواز وادي محسر مع ما دل على أن حد منى الى وادي محسر كما تقدم في رواية ابن عمار.

(2) يدل على ذلك ما عن محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال: لا ينبغي‌

13

بالمرسوم عند الخروج (1) و ان يغتسل للوقوف (2).

____________

للإمام أن يصلي الظهر يوم التروية إلّا بمنى و يبيت بها الى طلوع الشمس (1).

و عن جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ينبغي للإمام أن يصلي الظهر من يوم التروية بمنى و يبيت بها و يصبح حتى تطلع الشمس ثم يخرج (2).

(1) يدل على ذلك ما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا غدوت الى عرفة فقل و أنت متوجه اليها «اللهم إليك صمدت و إياك اعتمدت و وجهك أردت، فأسألك أن تبارك لي في رحلتي و أن تقضي لي حاجتي و ان تجعلني ممن تباهي به اليوم من هو أفضل مني»، ثم تلبي و أنت غاد الى عرفات. الحديث (3).

(2) قال في المدارك: استحباب الغسل للوقوف مجمع عليه بين الأصحاب. انتهى.

و استدل على ذلك بما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال:

فإذا انتهيت الى عرفات فاضرب خباك بنمرة، و نمرة هي بطن عرفة دون الموقف و دون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل و صل الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، فانما تعجّل العصر و تجمع بينهما لتفرّغ نفسك للدعاء، فإنه يوم دعاء و مسألة.

و ما عن الحلبي قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): الغسل يوم عرفة إذا زالت الشمس، و تجمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين.

و ما عن ابن يزيد عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية و اغتسل، و عليك بالتكبير و التهليل و التحميد و التسبيح و الثناء على اللّه، و صل الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين.

ثم إن الظاهر من الأخبار وجوب هذا الغسل، إلا أن ادعاء الإجماع على استحبابه مع‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 4 من أبواب الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(2). الوسائل ج 10 ب 4 من أبواب الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

(3). الوسائل ج 10 ب 8 من أبواب الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

14

[كيفية الوقوف]

و أما الكيفية فيشتمل على واجب و ندب، فالواجب النية (1)

____________

ذكر الخلاف يكون قرينة على استحبابه.

و تقدم من المدارك قوله: و استحباب الغسل للوقوف مجمع عليه بين الأصحاب.

انتهى، فانه كما تقدم في نظائره انه من المستبعد جدا بل من الممتنع عادة أن يختفي مثل هذا الحكم المبتلى به بين المسلمين و المؤمنين حتى على الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) بحيث يدعى الإجماع على عدم وجوبه و كونه مستحبا، و الظاهر من الأخبار أن وقته عند الزوال.

(1) وجوب النية للوقوف بعرفة مما لا إشكال فيه، فإن اشتراط نية العمل مع قصد القربة في العبادات من الواضحات و البديهيات، فلا إشكال و لا خلاف فيه، فلو وقف بعرفات بلا نية أصلا بطل، من غير فرق بين العمد أو سهو أو جهل بالإجماع.

أما وقت الوقوف فقال في المدارك: و اعتبر الأصحاب في النية وقوعها عند تحقق الزوال ليقع الوقوف الواجب، و هو ما بين الزوال و الغروب بأسره بعد النية، و ما وقفت عليه من الأخبار في هذه المسألة لا يعطي ذلك، بل ربما يظهر من بعضها خلافه، ثم ذكر الأخبار. انتهى.

اما نصوص الباب:

«فمنها» ما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث في صفة حج النبي (ص): حتى انتهوا الى نمرة و هي بطن عرفة بحيال الأراك، فضربت قبته و ضرب أخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول اللّه و معه قريش، و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم، ثم صلى الظهر و العصر بأذان و إقامتين، ثم مضى الى الموقف فوقف به. الحديث (1).

و عن معاوية بن عمار أيضا عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: إذا انتهيت الى‌

____________

(1). الوسائل ج 8 ب 2 من أبواب اقسام الحج ح 4.

15

..........

____________

عرفات فاضرب خباك بنمرة، و نمرة هي بطن عرفة دون الموقف و دون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل و صل الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، فانما تعجل العصر و تجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فانه يوم دعاء و مسألة (1).

و عن معاوية بن عمار أيضا عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنما تعجل الصلاة و تجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فانه يوم دعاء و مسألة، ثم تأتي الموقف و عليك السكينة و الوقار. الحديث (2).

و عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا ينبغي الوقوف تحت الأراك، فأما النزول تحته حتى تزول الشمس و ينهض الى الموقف فلا بأس (3).

و عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان ابراهيم أتاه جبرائيل عند زوال الشمس من يوم التروية فقال: يا ابراهيم ارتو من الماء لك و لأهلك، و لم يكن بين مكة و عرفات يومئذ ماء فسميت التروية لذلك، ثم ذهب به حتى أتى منى فصلى بها الظهر و العصر و العشاءين و الفجر، حتى إذا بزغت الشمس خرج الى عرفات فنزل بنمرة و هي بطن عرفة، فلما زالت الشمس خرج و قد اغتسل فصلى الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، و صلى في موضع المسجد الذي بعرفات (الى أن قال) ثم مضى به الى الموقف فقال: يا ابراهيم اعترف بذنبك و اعرف مناسكك، فلذلك سميت عرفة حتى غربت الشمس، ثم افاض به الى مشعر. الحديث (4).

و عن ابي بصير أنه سمع أبا جعفر و أبا عبد اللّه (عليهما السلام) يذكران أنه لما كان يوم التروية قال جبرئيل لإبراهيم (عليه السلام): ترو من الماء فسميت التروية، ثم أتى بمنى‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 9 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(2). الوسائل ج 10 ب 14 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(3). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 7.

(4). الوسائل ج 8 ب 2 من أبواب اقسام الحج ح 35.

16

و الكون بها الى الغروب (1)

____________

فأباته بها، ثم غدا به الى عرفات فضرب خباه بنمرة دون عرفة فبنى مسجدا بأحجار بيض و كان يعرف أثر مسجد ابراهيم حتى أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة حيث يصلي الامام يوم عرفة، فصلى بها الظهر و العصر، ثم عمد به الى عرفات فقال: هذه عرفات فاعرف بها مناسكك و اعترف بذنبك، فسمي عرفات. الحديث (1).

و المستفاد من الأخبار عدم وجوب الوقوف بعرفات من أول الظهر، بل يجوز التأخير بمقدار الغسل و اتيان صلاة الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين خلافا لما يظهر من كلمات كثير من الفقهاء، و الأولى و الأحوط العمل بذلك، فالاحتياط طريق النجاة على كل حال.

(1) قال في المدارك: هذا الحكم مجمع عليه بين العلماء. انتهى.

و يدل على الحكم ما عن معاوية بن عمار قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): إن المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس، فخالفهم رسول اللّه (ص) و أفاض بعد غروب الشمس (2).

و ما يقال: إن عمل النبي (ص) لا يدل على الوجوب بل يدل على مطلق الرجحان و لعله كان مستحبا.

و فيه: أن عمله (ص) في مقام تشريع الحكم و تعليمه للناس من دون ترخيص بترك العمل بذلك، يدل على اللزوم و عدم جواز تركه، فيظهر من ذلك و باقي الأخبار أن الواجب الوقوف في تمام ذلك الزمان.

و ما عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): متى تفيض من عرفات؟ فقال: إذا ذهبت الحمرة من هاهنا- و أشار بيده الى المشرق و الى مطلع‌

____________

(1). الوسائل ج 8 ب 2 من أبواب اقسام الحج ح 22.

(2). الوسائل ج 10 ب 22 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

17

..........

____________

الشمس (1).

و عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): متى الافاضة من عرفات؟ قال: إذا ذهبت الحمرة- يعني من الجانب الشرقي (2).

و يدل على الحكم أيضا ما ورد من أن من أفاض من عرفات قبل الغروب جاهلا لم يلزمه شي‌ء، و إن كان متعمدا لزمه بدنة:

«منها» ما عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس. قال: إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه، و إن كان متعمدا فعليه بدنة (3).

و ما عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس. قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في أهله (4).

و ما عن الحسن بن محبوب عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل افاض من عرفات قبل أن تغرب الشمس. قال: عليه بدنة، فإن لم يقدر على بدنة صام ثمانية عشر يوما (5).

و يدل على الحكم أيضا ما عن معاوية بن عمار قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): إذا غربت الشمس فأفض مع الناس و عليك السكينة و الوقار، و أفض من حيث أفاض الناس، و استغفر اللّه إن اللّه غفور رحيم، فاذا انتهيت الى الكثيب الأحمر عن يمين الطريق‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 22 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

(2). الوسائل ج 10 ب 22 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

(3). الوسائل ج 10 ب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(4). الوسائل ج 10 ب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

(5). الوسائل ج 10 ب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

18

فلو وقف بنمرة أو عرنة أو ثوية او ذي المجاز او تحت الأراك لم يجزه (1).

____________

فقل. الحديث (1).

و فيما عن أبان بن عثمان عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: ان آدم لما أمر بالتوبة قال جبرئيل: قم يا آدم، فخرج به يوم التروية فأمره أن يغتسل و يحرم، فلما كان يوم الثامن من ذي الحجة أخرجه جبرئيل الى منى فبات فيها، فلما أصبح توجه الى عرفات، و كان قد علّمه الإحرام و أمره بالتلبية، فلما زالت الشمس يوم عرفة قطع التلبية و أمره ان يغتسل، فلما صلى العصر اوقفه بعرفات- الى أن قال- فبقي آدم الى أن غابت الشمس رافعا يديه الى السماء و يتضرع و يبكي الى اللّه، فلما غابت الشمس ردّه الى المشعر (2). الحديث.

و قد مر حديث معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حج ابراهيم و فيه: ثم مضى به الى الموقف فقال: يا ابراهيم اعترف بذنبك و اعرف مناسكك فلذلك سميت عرفة حتى غربت الشمس، ثم أفاض به الى المشعر، الحديث (3).

ففي اكثر هذه الروايات صرح بأن آخر وقت الكون في عرفات للمختار غروب الشمس، و هو غيبوبة الشمس عن النظر و سترها عن الأفق. و هذا هو المعنى العرفي للغروب، و لكن في بعض الروايات المتقدمة قد صرح بأن آخر وقت الكون في عرفات ذهاب الحمرة المشرقية، فان كان المراد من غروب الشمس هو ذهاب الحمرة المشرقية فلا تعارض في البين، و إن لم يكن كذلك فتكون المعارضة في آخر وقت الكون في عرفات في أن الآخر غروب الشمس او ذهاب الحمرة، و القدر المتيقن هو الغروب، أما وجوب الكون الى ذهاب الحمرة المشرقية فينفى بالأصل.

(1) قال في المدارك: هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، قال في المنتهى: و به قال‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 1 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1.

(2). الوسائل ج 10 ب 2 من أبواب اقسام الحج ح 34.

(3). الوسائل ج 10 ب 2 من أبواب اقسام الحج ح 35.

19

..........

____________

الجمهور كافة إلا ما حكي عن مالك أنه لو وقف ببطن عرنة أجزأه و لزم الدم. انتهى ما في المدارك.

قال في الجواهر في شرح العبارة: بلا خلاف فيه، بل الاجماع بقسميه عليه. انتهى.

و يدل على الحكم ما عن سماعة بن مهران عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال:

و اتق الأراك و نمرة و هي بطن عرنة و ثوية و ذي المجاز، فانه ليس من عرفة فلا تقف فيه (1).

و ما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: و حدّ عرفة من بطن عرنة و ثوية و نمرة الى ذي المجاز و خلف الجبل موقف (2).

و عن ابي بصير- يعني ليث بن البختري- قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): حدّ عرفات من المأزمين الى أقصى الموقف (3).

و عن ابي بصير قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): إن اصحاب الأراك الذين ينزلون تحت الأراك لا حج لهم (4).

و عن اسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (ص) ارتفعوا عن وادي عرنة بعرفات (5).

و عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا ينبغي الوقوف تحت الأراك، فأما النزول تحته حتى تزول الشمس و ينهض الى الموقف فلا بأس (6).

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 6.

(2). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(3). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

(4). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

(5). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 4.

(6). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 7.

20

..........

____________

و عن عبيد اللّه بن علي الحلبي قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): إذا وقفت بعرفات فادن من الهضبات و هي الجبال، فإن رسول اللّه (ص) قال: أصحاب الأراك لا حج لهم- يعني الذين يقفون عند الأراك (1).

و عن محمد بن علي بن الحسين باسناده عن معاوية بن عمار و ابي بصير جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: و حدّ عرفات من المأزمين الى أقصى الموقف (2).

قال: و قال (عليه السلام): و حد عرفة من بطن عرنة و ثوية و نمرة و ذي المجاز و خلف الجبل موقف الى وراء الجبل، و ليست عرفات من الحرم و الحرم أفضل منها (3).

قال: و سئل الصادق (عليه السلام): ما اسم جبل عرفة الذي يقف عليه الناس؟ قال:

الدل (4).

قال في المدارك: و نمرة بفتح النون و كسر الميم و فتح الراء، و عرنة بضم العين المهملة و فتح الراء و النون، و ثوية بفتح الثاء المثلثة و كسر الواو و تشديد الياء المثناة من تحت المفتوحة، و الأراك كسحاب موضع بعرنة قرب نمرة قاله في القاموس- انتهى.

ثم لا يخفى أن المستفاد من الأخبار وجوب كونه في عرفات في تمام المدة الى الغروب، و لا بد أن يكون هذا الكون في عرفات لا فيما يعد خارجا عنها، و في المقدار المشكوك يقتصر على المقدار المتيقن. و وجوب الكون في عرفات- و إن كان في تمام المدة المذكورة- لكن التخلف عن مقدار منه لا يوجب فساد الحج، بل الركن منها هو المسمى منها لا تمام المدة.

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 11.

(2). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 8.

(3). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 9.

(4). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

21

و لو أفاض قبل الغروب جاهلا أو ناسيا فلا شي‌ء عليه (1)، و ان كان عامدا جبره ببدنة، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما (2)، و لو عاد قبل الغروب

____________

(1) قال في المدارك: هذا الحكم ثابت بإجماعنا، بل ظاهر التذكرة و المنتهى أنه موضع وفاق بين العلماء. انتهى.

أما عدم فساد الحج فإنه مضافا الى أنه الظاهر من اتفاق الأصحاب على ذلك و أولويته بعدم الفساد مع العمد، و ستعرف أنه يدل عليه ما عن مسمع بن عبد الملك عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس. قال: إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه، و ان كان متعمدا فعليه بدنة (1).

(2) قال في المدارك: أجمع الأصحاب على أن من أفاض قبل الغروب عامدا فقد فعل حراما و لا يفسد حجه لكن يجب عليه جبره بدم. انتهى.

و قال في المنتهى: و به قال عامة أهل العلم، و قال مالك لا حج له، و لا نعرف أحدا من فقهاء أهل الأمصار قال بقول مالك. انتهى.

و يدل على الحكم رواية مسمع بن عبد الملك المتقدمة، و ما عن ضريس الكناسي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس؟ قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة او في الطريق او في أهله (2).

و يؤيده ما عن الحسن بن محبوب عن رجل عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أفاض من عرفات قبل أن تغرب الشمس؟ قال: عليه بدنة، فان لم يقدر على بدنة صام ثمانية عشر يوما (3).

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(2). الوسائل ج 10 ب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

(3). الوسائل ج 10 ب 23 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

22

لم يلزمه شي‌ء (1).

____________

و الظاهر أن هذا الصوم يجوز الإتيان به في السفر كما في صريح رواية ضريس، أما لزوم كون هذه الثمانية عشر يوما متواليات أم لا فمحل خلاف، و يشهد للأول أن القاعدة في الصيام الذي يجب بعنوان الكفارة يلزم أن يكون متواليا إلا ما خرج بالدليل، و لكن ثبوت هذه القاعدة محل إشكال، فمقتضى إطلاق الدليل عدم وجوب التوالي، لكنه مع ذلك لا يترك الاحتياط بالتوالي.

ثم إنه يلزم في الكفارة بدنة و لا يجزي غيرها، فما عن الصدوقين (ره) الكفارة شاة مما لا دليل له، كما أن ما عن الشيخ أن الكفارة دم مما لا دليل له، فإنه قد صرح في النصوص أن الكفارة بدنة.

(1) قال في المدارك: لأصالة البراءة، و لأنه لو لم يقف أولا ثم أتى قبل غروب الشمس و وقف بها حتى تغرب لم يجب عليه شي‌ء، فكذا هنا. و حكى في المنتهى عن بعض العامة قولا باللزوم لحصول الإفاضة المحرمة المقتضية للزوم الدم و لا يسقط إلا بدليل. و هو غير بعيد، و إن كان الأقرب السقوط. انتهى.

أقول: الأحوط عدم السقوط، و إن كان السقوط لا يخلو من وجه وجيه، فإن ما قاله في المدارك من الدليل قريب. و كذا يمكن القول بانصراف ما دل على من أفاض قبل الغروب عمن رجع الى الموقف قبل الغروب، و لا يخلو من تأمل.

أما حدود عرفات فقد تقدمت النصوص في بيانها، ففيما عن سماعة بن مهران عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنه قال: و اتق الأراك و نمرة، و هي بطن عرنة و ثوية و ذي المجاز، فإنه ليس من عرفة فلا تقف فيه (1). و غير ذلك من الروايات التي قد تقدمت.

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

23

[أحكام الوقوف]

و أما أحكامه فمسائل خمس:

[الأولى الوقوف بعرفات ركن]

الأولى: الوقوف بعرفات ركن، من تركه عامدا فلا حج له (1)، و من تركه

____________

(1) قال في المدارك: هذا قول علماء الإسلام. انتهى.

و قال في الجواهر: بلا خلاف أجده في ذلك بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل نسبه غير واحد الى علماء الإسلام، و في النبوي العامي: الحج عرفة، بل في كشف اللثام في الأخبار بأن الحج عرفة. انتهى.

أقول: كل ما يكون واجبا في عمل و لم يدل دليل على صحته مع ترك ذاك الواجب يستفاد منه الركنية، بمعنى أن تركه عمدا مبطل لذلك العمل، فإذا علم من الشارع وجوب الوقوف في عرفة فيما بعد الزوال بساعة تقريبا الى الغروب و لم يدل على ترك الوقوف في تمام المدة عامدا فمقتضى القاعدة عدم صحة الحج و فساده، مضافا الى ما سمعته من الإجماع على الفساد مع الترك عامدا، و يؤيده المرويّ بأن الحج عرفة (1).

و يدل على ذلك صريحا ما عن الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (ص) في الموقف: ارتفعوا عن بطن عرنة، و قال: أصحاب الأراك لا حج لهم (2).

و فيما عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال في حديث: فإن النبي (ص) قال:

ان أصحاب الأراك لا حج لهم، يعني الذين يقفون عند الأراك (3).

فإذا كان الوقوف خارج الموقف موجبا لعدم الصحة فترك الوقوف عامدا رأسا أولى بعدم الصحة.

و لا يعارض ما ذكر ما عن ابن فضال عن بعض اصحابنا عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الوقوف بالمشعر فريضة، و الوقوف بعرفة سنة. لضعف السند أولا، و احتمال أن‌

____________

(1). المستدرك ج 2 غوالي اللئالي عن النبي (ص) انه قال: الحج عرفة.

(2). الوسائل ج 10 ب 19 من أبواب احرام الحج ح 10.

(3). الوسائل ج 10 ب 19 من أبواب احرام الحج ح 11.

24

ناسيا تداركه ما دام وقته باقيا، و لو فاته الوقوف بها اجتزأ بالوقوف بالمشعر (1).

____________

المراد أن وجوبه مستفاد من السنة لا من القرآن، بخلاف الوقوف بالمشعر، فإنه مستفاد من القرآن.

(1) المراد من التدارك ما دام وقته باقيا هو الوقت الاختياري و الاضطراري الذي في ليلته العاشرة إن أمكن، و الاجتزاء بالوقوف بالمشعر.

قال في المدارك: و هذان الحكمان اجماعيان عندنا. انتهى.

و قال في الجواهر: بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه في اعلى درجات الاستفاضة، بل عن الانتصار و هي زيادة اجماع المركب، فان من أوجب الوقوف بالمشعر أجمع على الاجتزاء باختياريه إذا فات الوقوف بعرفات لعذر. انتهى.

و تدل على الحكم نصوص:

«منها» ما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال في رجل أدرك الإمام و هو بجمع؟ فقال: إنه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و إن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها، و ليقم بجمع فقد تم حجه (1).

و ما عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات؟ فقال: ان كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات، و إن قدم رجل و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فان اللّه أعذر لعبده، فقد تم حجه إذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس و قبل أن يفيض الناس، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 22 من ابواب احرام الحج و الوقوف بالمشعر ح 1.

25

..........

____________

فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة و عليه الحج من قابل (1).

و عن ادريس بن عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أدرك الناس بجمع و خشي إن مضى الى عرفات أن يفيض الناس من جمع قبل أن يدركها؟ فقال: إن ظن أن يدرك الناس بجمع قبل طلوع الشمس فليأت عرفات، فإن خشي أن لا يدرك جمعا فليقف بجمع ثم ليفض مع الناس فقد تم حجه (2).

و عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه (ص) في سفر، فإذا شيخ كبير فقال: يا رسول اللّه ما تقول في رجل ادرك الامام بجمع؟ فقال له: إن ظن أنه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و إن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتيها و قد تم حجه (3).

ثم إنه يشمل هذا الحكم كل معذور من أنواع العذر، و يشمل الجاهل بالحكم أو الموضوع و الناس كذلك، بدليل قوله (عليه السلام) «فإن اللّه أعذر لعبده» و في الجاهل المقصر تأمل و إن كان غير بعيد أن يكون مشمولا للدليل، مثل إطلاق رواية ابن عمار و غيرها كما تقدم.

و الخارج من الدليل العالم العامد بما يستفاد من رواية الحلبي من قوله (عليه السلام): ان كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات، و من قوله (عليه السلام): ان أهل الأراك لا حج لهم. فمن ترك الوقوف في عرفات عمدا مع العلم لا يكون مشمولا للروايات، و كذلك ترك كل جزء من الأجزاء عمدا، إلا أن يدل دليل خاص على الإجزاء مع تركه.

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 2.

(2). الوسائل ج 10 ب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 3.

(3). الوسائل ج 10 ب 22 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 4.

26

[الثانية في وقت الاختيار و وقت الاضطرار لعرفة]

الثانية: وقت الاختيار لعرفة من زوال الشمس الى الغروب، من تركه عامدا فسد حجه، و وقت الاضطرار الى طلوع الفجر من يوم النحر (1).

[الثالثة فيمن نسي الوقوف بعرفة]

الثالثة: من نسي الوقوف بعرفة رجع فوقف بها، و لو الى طلوع الفجر من يوم النحر إذا عرف أنه يدرك المشعر قبل طلوع الشمس (2).

____________

(1) قال في المدارك: هذان الحكمان إجماعيان عندنا، و قد تقدم من الأخبار ما يدل عليهما، و الواجب في الوقوف الاضطراري مسمى الكون بعرفة ليلا، و لا يجب الاستيعاب اجماعا- قاله في التذكرة، و قال في المنتهى: لو لم يقف بعرفة نهارا و وقف بها ليلا أجزأه على ما بيّناه، و جاز له أن يدفع من عرفات أي وقت شاء بلا خلاف. انتهى ما في المدارك.

أقول: قد تقدم كل ذلك، و ما يستفاد من الأخبار أن الواجب من الوقوف الاختياري في عرفات من ساعة تقريبا بعد الزوال من يوم التاسع الى الغروب، و لكن الركن منه المسمى، فمن ترك المسمى منه عامدا فسد حجه، أما مع اتيانه المسمى و الخروج منها قبل الغروب أو ترك الإتيان بها في أول الوقت و أتى بها بقدر المسمى قبل الغروب لا يوجب الفساد و إن كان عن عمد و علم، و ان كان آثما في ترك تمام الواجب.

و أما الواجب من الوقوف الاضطراري فهو مسمى الكون بعرفة ليلا، فانه مضافا الى الاطلاق فقد صرح في رواية ابن عمار قال في رجل أدرك الامام و هو بجمع؟ فقال: إنه يأتي عرفات فيقف فيه قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها. و لا دليل على وجوب الوقوف بعرفة في ليلة النحر أكثر من المسمى. و هذا المقدار ركن أيضا، بمعنى أن من تركه عامدا عالما بلا عذر فسد حجه، فقد صرح فيما تقدم من رواية الحلبي من قوله (عليه السلام) «فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات».

(2) هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه، فقد تقدمت الروايات الدالة على ذلك، ففي رواية معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: في رجل أدرك الامام و هو بجمع، فقال: إنه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها. و كذا في‌

27

فلو غلب على ظنه الفوات اقتصر على إدراك المشعر قبل طلوع الشمس و قد تم حجه (1).

____________

رواية ابن عمار الثانية عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) و فيها: فقال يا رسول اللّه ما تقول في رجل أدرك الإمام بجمع؟ فقال له: ان ظن أنه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها.

(1) يستفاد هذا من الروايات، ففي رواية ابن عمار: ان ظن أنه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و إن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتها و قد تم حجه. فان فيها تصريحا بأنه مع ظن فوات اختياري المشعر فلا يجوز إتيان عرفات فقد تم حجه بادراك اختياري المشعر، إنما الكلام مع الشك و الترديد في أنه مع الإتيان الى عرفات هل يدرك المشعر قبل طلوع الشمس أم لا، فانه في رواية ابن عمار قد علّق وجوب الإتيان الى عرفات بالظن بادراك المشعر و عدم الجواز الى إتيانها بالظن بعدم إدراك المشعر، فيبقى الشك و الترديد في أن حكمه هل يكون وجوب الإتيان بعرفات أم لا.

يمكن أن يقال: مقتضى الأصل عدم وجوب الاتيان بعرفات مع الشك و الترديد، فإن الوجوب قد علق على الظن بادراك المشعر، و مع عدم الظن لا وجوب.

لا يقال: إن حرمة الإتيان أيضا قد علقت على الظن بعدم إدراك المشعر.

فإنه يقال: إنه مع عدم الظن لا يدل على الحرمة، فيبقى المورد لا دليل على وجوبه أو على حرمته، فالأصل يقتضي عدم الوجوب. و في رواية الحلبي قد علق الوجوب بكونه في مهل، و مع وجود المهلة و عدم إتيان عرفات لا يتم حجه.

أما مع الشك و الترديد لا دليل على عدم تمامية حجه، مضافا الى أنه يمكن أن يقال: إن مع الشك في فوات اختياري المشعر و خوفه يكون معذورا في عدم إتيان عرفات.

و يؤيده ما في رواية ادريس بن عبد اللّه من تعليق عدم وجوب اتيان عرفات بخشية‌

28

و كذا لو نسي الوقوف بعرفات و لم يذكر إلا بعد الوقوف بالمشعر قبل طلوع الشمس (1).

[الرابعة فيمن وقف بعرفات قبل الغروب و لم يدرك المشعر الى قبل الزوال]

الرابعة: إذا وقف بعرفات قبل الغروب و لم يتفق له إدراك المشعر الى قبل الزوال صح حجه (2).

____________

عدم إدراك اختياري المشعر.

(1) قد صرح الامام (عليه السلام) في رواية الحلبي بقوله: و إن قدم رجل و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فان اللّه تعالى أعذر لعبده، فقد تم حجه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس و قبل أن يفيض الناس. و كذا يستفاد ذلك من الروايات المتقدمة.

(2) قال في المنتهى: إذا أدرك أحد الموقفين اختيارا و الآخر اضطرارا صح حجه إجماعا، و لو ادرك الاضطرارين فيه تردد، أقربه إدراك الحج لرواية الحسن العطار الصحيحة عن الصادق (عليه السلام): أما لو أدرك أحد الاضطرارين خاصة، فإن كان المشعر صح حجه على قول السيد (رحمه اللّه) و بطل على قول الشيخ (رحمه اللّه)، و يؤيد قول السيد روايتا عبد اللّه بن المغيرة الصحيحة و جميل الحسنة، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام):

و لو أدرك احد الموقفين اختيارا وفاته الآخر مطلقا فان كان الفائت هو عرفات فقد صح حجه لإدراك المشعر، و إن كان هو المشعر ففيه تردد أقربه الفوات. انتهى.

و قال في الجواهر تعليقا على قول المصنف «صح حجه»: بادراك اختياري عرفة و اضطراري المشعر، بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه. انتهى.

أقول: مقتضى القاعدة هو الصحة، فإنه قد أدرك اختياري عرفات و لم يتعمد الى ترك اختياري المشعر و قد ادرك اضطراري المشعر، و قد جعل الشارع قيام الاضطراري في كل منهما مقام الاختياري في صورة عدم ادراك الاختياري عن تعمد فيصح حجه.

و استدل على ذلك بما رواه معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من أفاض من‌

29

[الخامسة فيمن لم يدرك الوقوف بعرفات نهارا فوقف ليلا ثم لم يدرك المشعر]

الخامسة: إذا لم يتفق له الوقوف بعرفات نهارا فوقف ليلا ثم لم يدرك المشعر حتى تطلع الشمس فقد فاته الحج، و قيل يدركه و لو قبل الزوال، و هو حسن (1).

____________

عرفات الى منى فليرجع و ليأت جمعا و ليقف بها، و إن كان قد و جد الناس قد أفاضوا من جمع (1).

و عن معاوية بن عمار أيضا قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل أفاض من عرفات فأتى منى؟ قال: فليرجع فيأتي جمعا فيقف بها، و إن كان الناس قد أفاضوا من جمع (2).

و ما عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل أفاض من عرفات فمر بالمشعر فلم يقف حتى انتهى الى منى فرمى الجمرة و لم يعلم حتى ارتفع النهار؟

قال: يرجع الى المشعر فيقف به ثم يرجع و يرمي الجمرة (3).

و المناقشة في الحديثين الأولين بأنهما لا يدلان على الرجوع بالمشعر بعد طلوع الشمس، و حمل الروايتين على الرجوع قبل طلوع الشمس. بعيد جدا، فإن إفاضة الناس الظاهر في افاضة جميعهم الظاهر انها بعد طلوع الشمس، و حمل ذلك على خصوص كونها قبل طلوع الشمس حمل على الفرد النادر.

بل يمكن أن يقال: ان إفاضة الناس من جمع لا خصوصية لها إلا كونها أمارة على مضي وقت جمع و يكون بعد طلوع الشمس، مضافا الى اطلاق الروايتين، و قد قلنا إن صحة الحج في الصورة المفروضة موافقة للقاعدة مع قطع النظر عن ورود رواية بالخصوص دالة على الصحة.

(1) هذا أيضا موافق للقاعدة و لا يحتاج الى دليل خاص عليه، لأنه مع عدم التعمد‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1.

(2). الوسائل ج 10 ب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 2.

(3). الوسائل ج 10 ب 21 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 3.

30

و المندوبات: الوقوف في ميسرة الجبل (1) في السفح (2)، و الدعاء المتلقى عن أهل البيت (عليهم السلام) أو غيره من الأدعية (3).

____________

في ترك اختياري عرفة و كذا في ترك اختياري المشعر فلا يوجب تركهما بطلان الحج، و الشارع جعل الاضطراري فيهما بدلا من الاختياري، فيوجب صحة الحج و عدم بطلانه، فيكون القول ببطلان الحج ضعيفا، و ما جعله الماتن (ره) حسنا هو الأقوى كما عرفت.

و يدل على الحكم أيضا ما عن الحسن العطار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر فأقبل من عرفات و لم يدرك الناس بجمع و وجدهم قد أفاضوا فليقف قليلا بالمشعر الحرام و ليلحق الناس بمنى و لا شي‌ء عليه (1).

(1) يدل على ذلك ما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قف في ميسرة الجبل، فان رسول اللّه (ص) وقف في ميسرة الجبل، فلما وقف جعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته فيقفون الى جانبه، فنحاها ففعلوا مثل ذلك، فقال: أيها الناس إنه ليس أخفاف ناقتي الموقف و لكن هذا كله موقف، و أشار بيده الى الموقف و قال: هذا كله موقف، ففعل مثل ذلك في المزدلفة. الحديث.

و عن مسمع عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: عرفات كلها موقف، و أفضل الموقف سفح الجبل- الى أن قال- و انتقل عن الهضبات و اتق الأراك. و قريب من ذلك ما في ذيل رواية سماعة عن ابي عبد اللّه (عليه السلام).

(2) أما استحباب كون الوقوف في السفح فيدل عليه ما عن اسحاق بن عمار قال:

سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحب إليك أم على الأرض؟ فقال: على الأرض.

(3) قال في المدارك: لا ريب في تأكد استحباب الدعاء في هذا اليوم، فانه يوم‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 24 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 1.

31

..........

____________

شريف كثير البركة، بل ذهب بعض علمائنا الى وجوب صرف زمان الوقوف كله بالذكر و الدعاء، و الدعوات المأثورة فيه عن النبي (ص) و أهل بيته (ع) اكثر من أن تحصى، و أحسنها الدعاء المنقول عن سيدنا و مولانا أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) و عن ولده زين العابدين (عليه السلام). انتهى.

و لا بأس بذكر بعض ما ورد من الروايات في الأدعية:

«منها» ما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا غدوت الى عرفة فقل و أنت متوجه اليها «اللهم إليك صمدت، و اياك اعتمدت، و وجهك أردت، فأسألك أن تبارك في رحلتي، و أن تقضي لي حاجتي، و أن تجعلني ممن تباهي به اليوم من هو أفضل مني» ثم تلبي و أنت غاد الى عرفات. الحديث (1).

و عن معاوية بن عمار أيضا عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: فإذا انتهيت الى عرفات فاضرب خباك بنمرة، و نمرة هي بطن عرنة دون الموقف و دون عرنة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل و صل الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، فإنما تعجل العصر و تجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فإنه يوم دعاء و مسألة (2).

و عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنما تعجل الصلاة و تجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فإنه يوم دعاء و مسألة، ثم تأتي الموقف و عليك السكينة و الوقار، فاحمد اللّه و هلّله و مجدّه و اثن عليه و كبره مائة مرة و احمده مائة مرة و سبحه مائة مرة و أقرأ قل هو اللّه أحد مائة مرة، و تخير لنفسك من الدعاء ما أحببت و اجتهد فانه يوم دعاء و مسألة، و تعوذ باللّه من الشيطان فان الشيطان لن يذهلك في موطن قط أحب اليه من أن يذهلك في ذلك الموطن، و إياك أن تشتغل بالنظر الى الناس، و اقبل قبل نفسك، و ليكن‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 8 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(2). الوسائل ج 10 ب 9 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

32

..........

____________

فيما تقول له «اللهم اني عبدك فلا تجعلني من أخيب و فدك، و ارحم سيري إليك من الفج العميق» و ليكن فيما تقول «اللهم رب المشاعر كلها فكّ رقبتي من النار و أوسع عليّ من رزقك الحلال، و ادرأ عني شرّ فسقة الجن و الإنس» و تقول «اللهم لا تمكر بي و لا تخدعني و لا تستدرجني» و تقول «اللهم اني أسألك بحولك و جودك و كرمك و فضلك و منك يا أسمع السامعين و يا أبصر الناظرين و يا أسرع الحاسبين و يا ارحم الراحمين أن تصلي على محمد و آل محمد و أن تفعل بي كذا و كذا» و ليكن فيما تقول و أنت رافع رأسك الى السماء «اللهم حاجتي إليك إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني و التي إن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك خلاص رقبتي من النار» و ليكن فيما تقول «اللهم إني عبدك و ملك يدك ناصيتي بيدك و أجلي بعلمك أسألك أن توفقني لما يرضيك عني و ان تسلم مني مناسكي التي أريتها خليلك ابراهيم و دللت عليها نبيّك محمدا» و ليكن فيما تقول «اللهم اجعلني ممن رضيت عمله و أطلت عمره و أحييته بعد الموت (الممات خ) حياة طيبة» (1).

و عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): ألا أعلّمك دعاء يوم عرفة و هو دعاء من قبلي من الأنبياء؟ فقال علي: بلى يا رسول اللّه. قال: فتقول «لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد يحيي و يميت و يميت و يحيي و هو حي لا يموت بيده الخير و هو على كل شي‌ء قدير، اللهم لك الحمد أنت كما تقول و خير ما يقول القائلون، اللهم لك صلواتي و ديني و محياي و مماتي و لك تراثي و بك حولي و منك قوتي، اللهم اني أعوذ بك من الفقر و من وسواس الصدر و من شتات الأمر و من عذاب النار و من عذاب القبر، اللهم اني اسألك من خير ما تأتي به الرياح، و اعوذ بك من شرّ ما تأتي به الرياح، و أسألك خير الليل و خير النهار» (2).

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 14 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

(2). الوسائل ج 10 ب 14 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

33

..........

____________

و عن عبد اللّه بن سنان أنه روى «اللهم اجعل في قلبي نورا، و في سمعي و بصري نورا، و لحمي و دمي و عظامي و عروقي و مقعدي و مقامي و مدخلي و مخرجي نورا، و أعظم لي نورا يا رب يوم ألقاك إنك على كل شي‌ء قدير» (1).

و عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: اذا أتيت الموقف فاستقبل البيت و سبح اللّه مائة مرة و كبر اللّه مائة مرة و تقول «ما شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه» مائة مرة، و تقول «أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد يحيي و يميت و يميت و يحيي بيده الخير و هو على كل شي‌ء قدير» مائة مرة، ثم تقرأ عشر آيات من أول سورة البقرة، ثم تقرأ قل هو اللّه أحد ثلاث مرات، و تقرأ آية الكرسي متى تفرغ منها، ثم تقرأ آية السحرة «إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اسْتَوىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهٰارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً» الى آخرها، ثم تقرأ قل أعوذ برب الفلق و قل اعوذ برب الناس حتى تفرغ منها، ثم تحمد اللّه عز و جل على كل نعمة أنعم عليك و تذكر أنعمه واحدة واحدة ما أحصيت منها، و تحمده على ما أنعم عليك من أهل و مال، و تحمد اللّه تعالى على ما أبلاك و تقول «اللهم لك الحمد على نعمائك التي لا تحصى بعدد و لا تكافا بعمل»، و تحمده بكل آية ذكر فيها الحمد لنفسه في القرآن، و تسبحه بكل تسبيح ذكر به نفسه في القرآن، و تكبره بكل تكبير كبر به نفسه في القرآن، و تهلله بكل تهليل هلّل به نفسه في القرآن، و تصلي على محمد و آل محمد و تكثر منه و تجتهد فيه، و تدعو اللّه عز و جل بكل اسم سمى به نفسه في القرآن و بكل اسم تحسنه، و تدعوه بأسمائه التي في آخر الحشر و تقول «أسألك يا اللّه يا رحمان بكل اسم هو لك بقوتك و قدرتك و عزتك و بجميع ما أحاط به علمك و بحبك و بأركانك كلها و بحق رسولك (صلوات اللّه عليه) و باسمك الأكبر، و باسمك العظيم الذي من دعاك به كان حقا عليك أن لا تخيبه (و تجيبه خ ل)، و باسمك الأعظم‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 14 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

34

و ان يدعو لنفسه و لوالديه و للمؤمنين (1)

____________

الأعظم الأعظم الذي من دعاك به كان حقا عليك أن لا ترده و أن تعطيه، فأسأل أن تغفر لي جميع ذنوبي في جميع علمك فيّ»، و تسأل اللّه حاجتك كلها من أمر الآخرة و الدنيا، و ترغب اليه في الوفادة في المستقبل في كل عام، و تسأل اللّه الجنة سبعين مرة، و تتوب اليه سبعين مرة، و ليكن من دعائك «اللهم فكّني من النار و أوسع من رزقك الحلال الطيب و ادرأ عني شر فسقة الجن و الإنس و شر فسقة العرب و العجم»، فان نفذ الدعاء و لم تغرب الشمس فأعد من أوله الى آخره، و لا تمل من الدعاء و التضرع و المسألة (1).

و ينبغي أن يدعو بالدعاء المنقول عن سيدنا و مولانا أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام)، و أن يدعو بالدعاء السابع و الأربعين من أدعية الصحيفة الشريفة لسيدنا و مولانا زين العابدين (عليه السلام)، و أيضا يدعو بدعائه (عليه السلام) المذكور في مصباح الشيخ (رضوان اللّه عليه).

(1) فعن علي بن ابراهيم عن أبيه قال: رأيت عبد اللّه بن جندب بالموقف، فلم أر موقفا كان أحسن من موقفه، ما زال مادّا يده الى السماء و دموعه تسيل على خدّيه حتى تبلغ الأرض، فلما انصرف الناس قلت: يا أبا محمد ما رأيت موقفا قط أحسن من موقفك.

قال: و اللّه ما دعوت إلّا لإخواني، و ذلك لأن أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) أخبرني أنه من دعا لأخيه المؤمن بظهر الغيب نودي من العرش: و لك مائة ألف ضعف مثله، فكرهت أن أدع مائة ألف ضعف مضمونة لواحدة لا أدري تستجاب أم لا (2).

و عن ابراهيم بن ابي العلاء او عبد اللّه بن جندب قال: كنت في الموقف، فلما أفضت لقيت ابراهيم بن شعيب فسلمت عليه و كان مصابا باحدى عينيه، و إذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم، فقلت له: قد أصبت باحدى عينيك و أنا و اللّه مشفق على عينك‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 4.

(2). الوسائل ج 10 ب 17 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

35

و أن يضرب خباءه بنمرة (1)، و أن يقف على السهل (2)، و أن يجمع رحله (3)

____________

الأخرى، فلو قصرت من البكاء قليلا. قال: لا و اللّه يا أبا محمد ما دعوت لنفسي اليوم بدعوة. فقلت: فلمن دعوت؟ قال: دعوت لإخواني، فإني سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: من دعا لأخيه بظهر الغيب و وكّل اللّه به ملكا يقول: و لك مثلاه، فأردت أن أكون أنا أدعو لإخواني و يكون الملك يدعو لي، لأني في شك من دعائي لنفسي و لست في شك من دعاء الملك لي (1) ....

ثم إنه قد ذهب بعض الى وجوب الدعاء في عرفات، و لكن الظاهر استحبابه المؤكد كما فهم أكثر الفقهاء ذلك من الأخبار، و يؤيده ما عن عبد اللّه بن جذاعة الأزدي عن ابيه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل وقف في الموقف فأصابته دهشة الناس فبقي ينظر الى الناس و لا يدعو حتى أفاض الناس. قال: يجزيه وقوفه. ثم قال: أ ليس قد صلى بعرفات الظهر و العصر و قنت و دعا؟ قال: بلى. قال: فعرفات كلها موقف، و ما قرب من الجبل فهو أفضل (2).

و الظاهر منها أن اللازم في عرفات هو وقوفه لا الدعاء فيها.

(1) يدل على ذلك ما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: اذا انتهيت الى عرفات فاضرب خباك بنمرة، و نمرة هي بطن عرنة دون الموقف و دون عرفة. الحديث (3).

(2) قال في المدارك: هو ما قابل الحزونة، و إنما استحب ذلك لاستحباب الاجتماع في الموقف و التضام كما سيأتي، و غير السهل لا تيسر فيه ذلك إلا بتكلف.

(3) قال في المدارك: أي يضم أمتعته بعضها الى بعض ليأمن عليها من الذهاب‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 17 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

(2). الوسائل ج 10 ب 16 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

(3). الوسائل ج 10 ب 9 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

36

و يسد الخلل به و بنفسه (1)، و أن يدعو قائما (2)

و يكره الوقوف في أعلى الجبل (3)

____________

و يتوجه بقلبه الى الدعاء.

(1) يدل عليه ما عن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث الوقوف بعرفات قال: إذا رأيت خلالا فسدّه بنفسك و راحلتك، فان اللّه عزّ و جل يحب أن يسد تلك الخلال. الحديث (1).

(2) قال في المدارك: لأنه أفضل أفراد الكون الواجب، لكونه أشق و أفضل الأعمال أحمزها، و ينبغي أن يكون ذلك حيث لا ينافي الخشوع شدة التعب و نحوه، و إلا سقطت وظيفة القيام.

(3) و استدل على كراهة ذلك بما عن اسحاق بن حماد قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحب إليك أم على الأرض؟ فقال: على الأرض (2). لكن استفادة الكراهة منها محل تأمل، إلا بناء على أن العمل على خلاف المستحب مكروه، لكن البناء على ذلك مشكل جدا، إلا أن يقال: البناء على ذلك في العبادات لا بأس به، لأن معنى الكراهة في العبادات بمعنى قلة الثواب، فلا إشكال فيه.

و ذهب بعض الى حرمة الوقوف على الجبل، و استدل لهم بما رواه سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إذا كثر الناس بمنى و ضاقت عليهم كيف يصنعون؟ الى أن قال:

قلت فإذا كانوا بالموقف و كثروا و ضاق عليهم كيف يصنعون؟ فقال: يرتفعون الى الجبل (3).

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 13 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

(2). الوسائل ج 10 ب 10 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 5.

(3). الوسائل ج 10 ب 11 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 4.

37

و راكبا و قاعدا (1).

____________

و قريب منها روايته الأخرى عنه (عليه السلام) (1). لكن رواية اسحاق صريحة في الجواز، فإن قوله (عليه السلام) في جواب السائل «على الأرض» يدل على الجواز فوق الجبل أيضا مع كونه مرجوحا، و مع الزحام أو ضرورة تنتفي المرجوحية، و عن التذكرة بالإجماع.

(1) عن المشهور كراهة الوقوف راكبا و قاعدا، و عن التذكرة: و عندنا الركوب و القعود مكروهان، قال في المدارك: لم أقف على رواية تتضمن النهي عن ذلك. انتهى.

أقول: بل عن محمد بن عيسى قال: رأيت أبا عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) بالموقف على بغلة رافعا يده الى السماء عن يسار و الى الموسم حتى انصرف، و كان في موقف النبي (ص) و ظاهر كفيه الى السماء و هو يلوذ ساعة بعد ساعة بسبابته.

و استدل العامة على أن الركوب أفضل بفعل النبي (ص) في الموقف، و استشكل عليه بأنه يمكن أن يكون فعله لبيان الجواز كما طاف راكبا. فتأمل.

ثم إنه لا بد لنا من بيان مسألة كثيرة الابتلاء في هذه الأزمنة، بل على الظاهر في الازمنة السابقة أيضا، و هي أن الحاكم من العامة إذا حكم بثبوت الهلال في الشهر من ذي الحجة و لم يثبت للشيعة و الخاصة فهل الوقوف في اليوم الثامن من ذي الحجة يكون مجزيا علما او استصحابا أم لا بل لا بد من العمل على علمه أو استصحابه؟

فنقول: فعن العلامة الطباطبائي (ره) و جمع من الفقهاء القول باجزاء العمل على طبق حكم حاكم أهل السنة، سواء كان مع العلم بالخلاف أو الشك فيه، و نسب الى صاحب الجواهر (ره) الميل اليه، و عن بعض التفصيل بين العلم بالخلاف او الشك فيه فمع الشك يجزي و مع العلم لا يجزي، فلا بد لنا من ملاحظة أدلة الطرفين:

أما عدم الاجزاء- سواء كان مع العلم بالخلاف او مع الشك- فموافق للأصل الثابت في‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 11 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 3.

38

..........

____________

الشرع ما لم يدل دليل بالخصوص على الإجزاء، فإن الأحكام المترتبة على الموضوعات الواقعية لا بد من احرازها في ترتبها، و لا يجوز الاكتفاء بالعمل على طبق الموضوع الذي لم يحرز أنه هو الموضوع الذي جعله الشارع موضوعا للحكم، فلا بد للقول بالإجزاء من إثبات دليل خاص يدل على قبول الشارع المقدس غير الموضوع المجعول له علما او استصحابا بدلا عن الموضوع الواقعي، فلا بد من إثبات ذلك الدليل بالخصوص أو إثبات دليل عام يشمل ما هو محل النزاع، فنقول: أما الدليل الخاص الذي يدل على الإجزاء في صورة الشك في الموافقة فهي السيرة المستمرة المتصلة الى زمان المعصومين (عليهم السلام) الكاشفة عن تقريرهم و إمضائهم لذلك بل عملهم على ذلك.

بيان ذلك: أنه لا اشكال أنه في زمان طويل أكثر من مائتي سنة في أيام الخلفاء و ولاة الجور كان الائمة المعصومون (عليهم السلام) و أصحابهم يحجون، و من المستبعد جدا بل من المقطوع يقينا أنه يتفق كثيرا الاختلاف في ثبوت الهلال، و كان ثبوت الهلال بحكم حكام الجور، و لم يثبت الهلال عندهم و لم يسمع و لم يرد رواية بأنهم (صلوات اللّه عليهم) بأنفسهم يعملون على طبق ثبوت الهلال عندهم و لا بأمرهم أصحابهم بالاحتياط في الموقف. و أيضا لم نر رواية معتبرة او ضعيفة دالة على سؤال الشيعة عن الائمة (عليهم السلام) في تكليفهم بأن عليهم الموافقة في الموقف مع العامة أو عليهم الاحتياط في العمل، و لو كان لبان قطعا، و عدم سؤال الشيعة عن ذلك كاشف عن مسلّميّة الحكم بأن عليهم الإتباع حتى لم يعرض لهم الشك في ذلك و يوجب السؤال عن تكليفهم إما من جهة حمل حيث في الآية الشريفة ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ على حيث الزمانية او من جهة أخرى، و لم يردع الائمة (عليهم السلام) عن ذلك، و هذا يكشف كشفا قطعيا بأن التكليف موافقة العامة في ذلك.

و أما احتمال ان الائمة (عليهم السلام) لعلهم عملوا على طبق الواقع و ذهبوا الى الموقف‌

39

..........

____________

مع حمل ذهابهم الى الموقف بعنوان أن ذلك مكان مقدس تستجاب الدعوات فيها.

فاحتمال ضعيف جدا، فإنه لم ترد رواية و لا خبر يدل على الترغيب في الذهاب الى الموقف في غير الموسم للدعاء و طلب الحوائج حتى يكون الذهاب في غير الموسم الى الموقف أمرا عاديا معمولا، فيحمل ذهابهم في يوم النحر ظاهرا و اليوم التاسع الواقعي على ذلك بالأخص مع لزوم تكاليف معينة في يوم النحر في منى، و ترك هذه الوظائف الواجبة و المستحبة و الذهاب الى الموقف للدعاء مع عدم خصوصية فيه، فلو كان ذلك منهم (عليهم السلام) لم يحمل إلا درك الموسم الواقعي و يستبان لنا في الروايات بل مع عدم هذا الحمل يكون أمرا مستحبا، فان منى من الحرم و الحرم أفضل من عرفة.

و في رواية الصدوق (ره) عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال في حديث: و ليست عرفات من الحرم و الحرم أفضل منها.

و الحاصل: إن الذهاب من منى الى عرفات ليس أمرا عاديا بل هو غير عادي يستلزم أن يسأل عنه لدى شي‌ء يقدم عليه، لا سيما مراقبة الشيعة لأعمال أئمتهم (عليهم السلام) ليقتدوا بهم، و لم ترد رواية تدل على سؤالهم عن ذهابهم يوم النحر بحسب الظاهر الى عرفات أو ذهابهم في ايام التشريق الى المشعر، و أيضا لم ترد رواية لنقل الرواة لعمل الائمة (عليهم السلام) في ذهابهم الى عرفات او الى المشعر في يوم النحر و أيام التشريق، و لم ترد رواية تدل على أمرهم الشيعة للعمل بالاحتياط لدرك الوقوف في عرفات او في المشعر، و لو كان ذلك لبان. و هذا يوجب القطع و الاطمئنان بأنه لم يقع ذلك، و هو يوجب الاطمئنان بإجزاء العمل على طبق عملهم، و التشكيك في ذلك تشكيك في الواضحات و البديهيات. عصمنا اللّه من العثرات و الزلات.

و أما احتمال أن عدم أمرهم للشيعة بأن يحتاطوا و لم يكتفوا بالعمل على طبق حكم حاكم أهل السنة و أن حجة الإسلام باقية على ذمتهم مع الاستطاعة، و ان عليهم أن يجدوا‌

40

..........

____________

في اثبات الهلال و لا يتسامحوا في الاستهلال، و إثبات الهلال كما أنه قد اتفق في السنة التي كنا مع سيدنا الوالد في الحج و وقع الاختلاف في الهلال، و أظن أن سيدنا الوالد (قده) لم ير الاجتزاء بالوقوف تقية في عرفة في عرفات و لا في المشعر، و من ذلك أرسل جماعة من أعيان الحجاج الى الحكومة بأنه إن تسمح الحكومة لنا الوقوف في عرفات في يوم عرفة عندنا فنذهب الى عرفات و إلا نعلن الى الحجاج أن لا يذهب أحد من الشيعة الى عرفات، فقبلت الحكومة السماح بذلك و ذهبنا الى عرفات.

ثم إن الحكومة في يوم عرفة على رأيهم أعلنت بأنه لا بد من رجوع جميع الحجاج من عرفات و إفاضتهم منها و لا يبقى أحد فيها حتى إذا كانت واحدة من الخيام قائمة قبيل الغروب نرميها بالاسلحة و نزيلها قهرا و كان ذلك مصيبة على الشيعة، و لكن سيدنا الوالد (ره) أقام في مكانه و قد حضر لديه الشهود و الذين شهدوا الهلال أول الشهر، و قد كانت عدة الشهود كثيرة بحيث لم يبق أي شك و ارتياب في أن اليوم يوم عرفة، و قد احتوشه (قده) عدة من أعاظم العلماء الذين جاءوا الى الحج و غيرهم، و قد تيقن بذلك العلماء الذين عنده (قده) حتى طلبوا منه الحكم بذلك، و هو قده كما أنه من شأنه ذو احتياط كثير و كان متوقفا عن الحكم الى أن تيقن هو بذلك أيضا، و لا انسى أنه جاء من الشهود شخص و شهد و كان الصدق مشهودا من حاله و كلامه بحيث كنا نحتمل أنه من رجال الغيب من الأوتاد و الأبدال و كانت شهادته مؤيدة لباقي الشهود و صار الأمر واضحا في كمال الوضوح، فحكم السيد الوالد (قده) بأن اليوم عرفة و قد صار ذلك موجبا للسرور العظيم للشيعة، و كان ذلك عزا لهم عزة فائقة و صار موجبا لموقعية عظيمة للسيد الوالد (قده) في قلوب اركان الحكومة، و أرسل الملك بعض خواصه اليه ترميما لما سبق منه و إظهارا للسرور على ثبوت الهلال عنده- الى آخر ما جرى في تلك السنة.

41

..........

____________

و قد يقال: بأن عدم أمر الائمة المعصومين (عليهم السلام) للشيعة بالاحتياط و بأن حجهم لم يكن تاما كان من أجل التقية و حفظا لهم لدمائهم. و هذا احتمال ضعيف جدا لا يمكن أن يصار إليه، فإنهم (عليهم السلام) في هذه المدة الطويلة لم يأمروا أحدا من خواص شيعتهم بالاحتياط و لم ينبهوهم بأن حجهم من غير العمل بالاحتياط غير تام و يبقى في ذمتهم مع الاستطاعة، مع أن حكمهم في مناسك الحج على خلاف العامة و خلاف التقية كثير.

فمن أحكامهم المشهورة التي وردت على طبقها روايات كثيرة أنه من أحرم بالحج و دخل مكة جاز أن يفسخه و يجعله عمرة و يتمتع بها. و خالف جميع الفقهاء في ذلك و قالوا: إن هذا منسوخ- قاله في الخلاف، ثم قال: دليلنا اجماع الفرقة و الأخبار التي رويناها، و أيضا إن ما قلناه هو الذي أمر به النبي (ص) و قال لهم: من لم يسق هديا فليحل و ليجعلها عمرة، روى ذلك جابر و غيره بلا خلاف في ذلك، و هذا صريح و من ادعى النسخ فعليه الدلالة، و ما يدعى في هذا الباب خبر واحد لا ينسخ بمثله المعلوم. انتهى ما في الخلاف.

أقول: بل المشهور من قول عمر أنه قال «متعتان كانتا محللتين في زمن رسول اللّه و أنا أحرمهما» و في روايات كثيرة صحيحة أن رسول اللّه (ص) بعد أن أمر الناس بأن يحلوا و يجعلوها عمرة و هو شي‌ء أمر اللّه عزّ و جلّ به فأحلّ الناس- الى أن جاء في آخر الحديث:

و إن رجلا قام فقال: يا رسول اللّه نخرج حجاجا و رءوسنا تقطر؟ فقال رسول اللّه: انك لن تؤمن بهذا ابدا. الحديث.

و من الأحكام التي وردت عن الائمة (عليهم السلام) في باب مناسك الحج أنه من فاته عرفات و أدرك المشعر و وقف بها فقد أجزأه، قال في الخلاف: من فاته عرفات و أدرك المشعر و وقف بها فقد أجزأه، و لم يوافقنا عليه أحد من الفقهاء.

42

..........

____________

و غير ذلك من الأحكام الكثيرة التي هي مخالفة للعامة و بيّنوها (صلوات اللّه عليهم) للشيعة و لم يعملوا التقية في بيان الحكم الواقعي، و احتمال التقية في خصوص هذا الحكم في الأعصار المتوالية الممتدة بهذا الامتداد الطويل حتى لم يظهر الحكم الواقعي أحد من الائمة (عليهم السلام) بالنسبة الى احد من خواص شيعتهم في الأزمنة المختلفة المتمادية احتمال ضعيف جدا لا يصار اليه بل المقطوع خلافه، و لو كان لبان.

و محصل القول: إن عدم ورود رواية تدل على عملهم (عليهم السلام) على خلاف العامة في الأزمنة المختلفة و الأعصار المتفاوتة مع كمال مراقبة الشيعة لأعمالهم حتى يقتدون بهم و عدم رواية تدل على سؤال الشيعة عن هذا الحكم و جواب الائمة (عليهم السلام) او بيانهم الابتدائي لهذا الحكم يوجب القطع بأن الحكم هو الموافقة لهم و يكون أمرا مسلما عند الشيعة بحيث لا يحتاجون الى السؤال عن هذا الحكم و كان مفروغا عنه عندهم.

و هذا دليل قاطع على الإجزاء بلا إشكال و لا ارتياب.

و هذا الذي ذكرناه- و إن يمكن تناوله مع القطع بالخلاف أيضا- لكنه مشكل و محل تأمل، فانه قد يتأمل في شمول جميع ما ذكرناه له و تؤيد ما قويناه الأخبار الواردة في باب التقية، إذ يدل بعضها على المقصود.

ففي صحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا: شرب المسكر، و مسح الخفين، و متعة الحج. قال زرارة: و لم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدا (1).

فإن سؤال زرارة منه (عليه السلام) عن الحكم الغيري و جواب الامام (عليه السلام) بعدم التقية في خصوص هذه الثلاثة مثلا- و إن كانت التقية تقتضي غسل الرجلين بدل مسحهما- فالظاهر أنه (عليه السلام) يتقي فيه و في أمثاله من أبدال ما تقتضي التقية بدلا عن الحكم‌

____________

(1). الوسائل ج 11 ب 25 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبها ح 5.

43

..........

____________

الواقعي، كما دل بعض الروايات على اجتزاء ذاك بالخصوص، فيدل على اجتزاء البدل على الحكم الواقعي. و يؤيده ما رواه الأعجمي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنه قال: لا دين لمن لا تقية له، و التقية في كل شي‌ء إلا في النية و المسح على الخفين (1).

و الحاصل: إنه يمكن أن يستفاد من بعض الروايات أنه إن كانت التقية تقتضي تبديل جزء الى جزء آخر، فمفاد أدلة التقية قبول البدل بدلا عن الواقع الذي يكون مبدلا عنه، و إن كانت تقتضي ترك جزء أو ايجاد مانع فمفادها قبول غير الجنس عوضا عن الجنس.

و من الأخبار الواردة في المقام ما عن مسعدة بن صدقة عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: إن المؤمن إذا أظهر الايمان ثم ظهر منه ما يدل على نقضه خرج مما وصف و أظهر و كان له ناقضا، إلا أن يدعى أنه انما عمل ذلك تقية و مع ذلك ينظر فيه، فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لأن للتقية مواضع من أزالها من مواضعها لم تستقم له، و تفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم و فعلهم على غير حكم الحق و فعله، فكل شي‌ء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي الى الفساد في الدين فانه جائز (2).

و ما رواه سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج الامام و قد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة. قال: إن كان اماما عدلا فليصل أخرى و ينصرف و يجعلهما تطوعا و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، و إن لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلي ركعة أخرى و يجلس قدر ما يقول «اشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله» ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإن التقية واسعة،

____________

(1). الوسائل ج 11 ب 25 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبها ح 3.

(2). الوسائل ج 11 ب 25 من باب أبواب الأمر و النهي و ما يناسبها ح 6.

44

..........

____________

و ليس من شي‌ء من التقية إلا و صاحبها مأجور عليها إن شاء اللّه (1).

و يؤيد الحكم أخبار في باب التقية:

«منها» ما عن اسماعيل الجعفي و معمر بن يحيي بن سالم و محمد بن مسلم و زرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: التقية في كل شي‌ء يضطر اليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له (2).

و غيرها من الأخبار، فلا إشكال في أنها وردت للتوسعة على الشيعة، فهل يمكن القول بالتوسعة على الشيعة في مثل الوقوف بعرفة في اليوم الثامن و باقي الأعمال على طبق حكم حاكم العامة و الموافقة لهم تقية و بقاء التكليف على ذمتهم و الذهاب الى الحج في السنة الثانية و لا يمكن إبراء الذمة إلا بمجي‌ء السنة الأخرى و الحال هذه في هذه السنة أيضا و كذلك في السنوات الأخرى و بقي التكليف الى وقت الموت.

و أما النقض بمثل غسل الثوب بالماء المضاف تقية، هل يمكن الحكم بطهارة الثوب؟

كلا.

و فيه: إنه قد استفيد من حكم الشرع في بعض الأحكام الوضعية ببقائه بعد وجوده حتى يجي‌ء الرافع، فلا يقاس غيرها عليها.

و ثانيا: لا نضايق القول بارتفاع آثارها مع التقية في مدة طويلة. مثلا: إذا توضأ او اغتسل بالماء النجس أو المضاف تقية و لم يمكن له الطهارة في سنوات عديدة تقية حتى مع التيمم، فلم يكن لنا القطع ببقاء قضاء الصلوات على الذمة في تلك السنوات. هذا مع أن ترغيبهم و حثهم (عليهم السلام) شيعتهم بمراودتهم و الصلاة معهم بلا ضرورة أدل دليل على ذلك، و إن أمكن الخدشة في بعض ما ذكر.

____________

(1). الوسائل ج 3 ب 56 من صلاة الجماعة ح 2.

(2). الوسائل ج 11 ب 25 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبها ح 2.

45

..........

____________

و الحاصل: إنه إن أمكن الخدشة في دلالة أخبار التقية فلا يكاد يمكن الخدشة في الدليل الأول، و هو السيرة المستمرة في زمن الائمة (عليهم السلام) بتفصيل قد تقدم.

ثم إنه مع تمامية الدليل الأول و القول بالإجزاء مع الوقوف في اليوم الثامن استصحابا و موافقة العامة في وقوف عرفة مع الشك، فهل العمل بالاحتياط فقط يكون مسقطا للتكليف أيضا او يكون سقوط التكليف منحصرا بمتابعة العامة، فإذا لم يتابعهم و عمل بالاحتياط فقط بقي التكليف عليه و لم يسقط؟

فنقول: إن كان الوقوف في اليوم التاسع خلافا للتقية بحيث يكون موردا للضرر المحرم على نفسه أو على الشيعة فيكون حراما، و ما يكون حراما لا يمكن أن يكون مصداقا للواجب، فيكون وقوفه فاسدا. و أما إذا لم يكن ذلك و لا يكون الوقوف في اليوم التاسع موجبا للضرر المحرم على نفسه أو على الشيعة، فنقول: ان كان المستفاد من دليل التقية الذي ارتضيناه أن الشارع جعل حكم الحاكم من السنة أمارة شرعية لثبوت الهلال فيكون المحكوم عند السنة أنه يوم عرفة هو يوم عرفة الثابت بالدليل الشرعي، فيجب الوقوف معهم لقيام الأمارة الشرعية على كون اليوم يوم عرفة، فيجب ترتيب الأثر عليه و لا أثر لاستصحاب عدم كون اليوم يوم عرفة مع وجود الدليل الشرعي، أو القول بأن الحكم الواقعي قد تبدل و قد صار الوقوف بعرفة في اليوم الذي حكم حاكم السنة بأن عرفة جزء للحج. و إن كان هو اليوم الثامن و لا يكون الوقوف في التاسع استصحابا جزء للحج، فيكون الحج فاسدا مع هذين الفرضين، لتركه ما هو جزء الحج و ركنه شرعا.

و لكن استفادة ذلك من دليل الإجزاء مشكل، فانه كما يمكن أن تكون مصلحة التقية موجبة لجعل الشارع حكم حاكم السنة أمارة شرعية لكون اليوم يوم عرفة أو تكون موجبة لتبدل الحكم الواقعي عند التقية- بمعنى أن المأمور به من الوقوف بعرفة يوم الثامن استصحابا فإذا لم يقف في يوم الثامن فقد ترك ما هو الركن من المناسك و لم يكن الوقوف‌

46

..........

____________

في التاسع استصحابا من اجزاء الحج و المناسك- فكما يمكن أن تكون مصلحة التقية موجبة لذلك يمكن أن تكون موجبة لغير ذلك، و لا ينحصر الاحتمال في ذلك، بل يحتمل أن تكون مصلحة التقية مقتضية لقبول غير الجنس بدلا عن الجنس، فالوقوف في اليوم التاسع على حاله من أنه من أجزاء المناسك، بل هو ركن لكن الشارع يقبل غير الجنس عوضا عن الجنس في حال التقية، يعني يقبل الوقوف في اليوم الثامن عوضا عن الوقوف في اليوم التاسع، فإذا وقف في اليوم التاسع فقد عمل على وظيفته الأصلية بلا نقص فيها.

و يحتمل أيضا أن يكون المجعول في حال التقية التخيير بين الوقوف في اليوم الثامن استصحابا تقية و الوقوف في اليوم التاسع استصحابا، بمعنى أنه لم يجعل في مقام الجعل الأولي الوقوف في اليوم التاسع تعينا مطلقا بل في خصوص حال عدم التقية، أما في خصوص حال التقية لم يجعل الوقوف في اليوم التاسع تعيّنا بل جعل تخييرا بينه و بين الوقوف يوم الثامن تقية.

و يحتمل أيضا أنه يرفع جزئية الوقوف في عرفة في حال التقية، بمعنى أنه جعل جزئية الوقوف في عرفة مختصا بحال غير التقية، اما في حال التقية لم يجعل الوقوف بعرفة جزء من أجزاء مناسك الحج، فاذا أتى الوقوف بعرفة في حال التقية أتى بعمل زائد.

ففي جميع هذه الاحتمالات ترك متابعة العامة تقية و عدم الوقوف في اليوم الثامن و الاكتفاء بالوقوف في اليوم التاسع استصحابا لا يوجب فساد الحج، بل على الاحتمال الأخير إذا ترك الوقوف بعرفة في التاسع أيضا لم يفسد حجه، و لكن من جهة عدم العلم بأحد الوجوه المذكورة لا بد من الاحتياط و الوقوف معهم تقية.

أما اذا لم يكن خوف على نفسه أو على الشيعة و اكتفى بالوقوف يوم التاسع لا يمكن الفتوى بفساد حجه، و مع ذلك الأحوط عدم الاكتفاء به أيضا، لاحتمال جعل الشارع حكم حاكم السنة أمارة شرعية لثبوت اليوم يوم عرفة، او احتمال تبديل الحكم الواقعي،

47

..........

____________

او القول بأن المجعول أولا كذلك- يعني أن المجعول الأولي مع التقية الوقوف معهم متابعة لهم لأجل التقية- و مع ذلك في فرض عدم الخوف لا على نفسه و لا على الشيعة أن يحمل على الاحتياط بالوقوف معهم، و الوقوف في اليوم التاسع استصحابا لا إشكال فيه لا تكليفا و لا وضعا.

و يؤيد الإجزاء بل يدل عليه دليل رفع ما اضطروا اليه عموما و ما ورد في باب التقية خصوصا، مثل ما عن اسماعيل الجعفي و معمر بن يحيى بن سالم و محمد بن مسلم و زرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: التقية في كل شي‌ء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله اللّه له. فيدل على أن كل واجب يضطر ابن آدم على تركه أو حرام يضطر الى فعله فقد أحل اللّه الترك في ترك الواجب أو الفعل في فعل الحرام، فاذا اضطر ابن آدم الى ترك جزء او شرط من أجزاء الواجب او شرائطه يكون الترك جائزا.

و الظاهر من هذا الدليل و أمثاله أن المجعول أولا لا يكون مطلقا، سواء كان في حال الاضطرار أو عدمه، فانه من المستبعد جدا أن يجعل الحكم في مقام الثبوت على المضطر و غيره ثم في مقام العمل يرفعه عن المضطر، بل الظاهر أن المجعول في مقام الثبوت يكون مختصا بغير المضطر، و لم يكن الجزء المضطر الى تركه جزء في حال الاضطرار حتى يقال:

إن الجزئية و الشرطية أمران عقليان لا تنالهما يد الجعل، لأنها أمور واقعية و لا تكون بيد الجاعل حتى يرفعها، لأنه لا يكون جزء في مقام الجعل عند الاضطرار.

و الحاصل: إن كل ما يكون مرفوعا لأجل الاضطرار أو الحرج لا يكون مجعولا في مقام الثبوت جزء للمأمور به، أعم من أن يكون لسان الدليل في مقام الإثبات بلسان عدم الجعل كما في قوله تعالى وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أو بلسان الرفع أو بلسان التحليل من غير فرق في جميع ذلك، فالجزء المضطر الى تركه لا يكون جزء للمأمور به عند الجعل في مقام الثبوت في حال الاضطرار حتى يقال: إن الجزئية أمر واقعي لا تناله يد‌

48

..........

____________

الجعل، و ان كان فيه بحث في أصله.

فتعين أن الوقوف بعرفة في اليوم التاسع الواقعي لا يكون جزء من أجزاء المناسك الواجبة عند التقية، إما بجعل حكم حاكم السنة أمارة شرعية على أنه اليوم التاسع أو بتبديل الحكم او غير ذلك على ما ذكرنا من الوجوه المحتملة و قد تقدمت. فالوقوف يوم التاسع استصحابا ليس بواجب و لا هو جزء من المناسك فضلا عن أن يكون ركنا، فإما أن يكون الشارع رفع اليد عن الحج في حال التقية و إما ان أمر بباقي المركب في حال التقية.

و لا دليل على رفع يد الشارع من وجوب الحج رأسا و حل تركه، و ليس أصل الحج مما اضطر إلى تركه، و الدليل دل على تحليل ما اضطر اليه ابن آدم في تركه، فأصل الحج واجب على المكلف و لم يسقط وجوبه في مدة عمره مع بقاء حال التقية في تمام عمره بل في أعقابه احتمالا، فلا يسقط الحج عن الشيعة في مدة طويلة على ما استدل الخصم عليه‌

و هذا الذي ذكرناه موافق للسيرة المستمرة في زمن الائمة (عليهم السلام) في المدة الطويلة على ما تقدم بيانه، مضافا الى أنه إن قلنا بعدم الإجزاء و بقي الوقوف بعرفة في اليوم التاسع استصحابا ركنا من أركان الحج و مع إمكان العمل به في حال التقية يكون أصل الحج ساقطا، يلزم أن يكون الحج ساقطا من الشيعة و أن لا يحجوا في زمن التقية و إن طال الزمان مثلا في مئات من السنين و أن يتركوا ما هو ركن من أركان الدين، و ذلك خزي و خذلان للشيعة عند أهل السنة، و ذلك مما لا يرضى به الشارع و الائمة المعصومون (عليهم السلام) قطعا. و انكار ما ذكرنا مكابرة. كل ذلك يدل على الإجزاء و بقاء وظيفة الحج و العمل على موافقة حكم حاكم السنة بلا اشكال.

مضافا الى ذلك كله أنه مع عدم الإجزاء و عدم الأمر بالحج مع عدم امكان الوقوف بعرفة على طبق الوظيفة الشرعية الاستصحابية يوجب فتح ألسنة المنتقدين للشيعة‌

49

..........

____________

و أعدائهم بأنهم يتركون وظيفة عظيمة من وظائف الإسلام التي عبر اللّه جل جلاله عن تركه بالكفر في قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ. و هذا خزي عظيم للشيعة غير مرضي لأئمتهم (عليهم السلام).

حكم حاكم الامامية:

و لما انجر البحث الى هذا الموضع فلا بأس بالإشارة الى أنه هل يثبت الهلال بحكم حاكم الإمامية أم لا؟

فنقول: اختلفت كلمات الفقهاء في أنه هل يجب الإتباع لحكم حاكم الامامية في الموضوعات في غير موارد المرافعات أم لا؟

فقد يبحث فيه مع ما هو الحق من عدم ولاية الفقيه ولاية عامة مطلقة مثل ما للرسول (ص) و الائمة المعصومين (عليهم السلام).

و استدل على هذا الفرض على لزوم اتباع حكم حاكم الإمامية في ثبوت الهلال بما رواه محمد بن قيس عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بالإفطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس، و إن شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بالإفطار ذلك اليوم، و أخّر الصلاة الى الغد فصلى بهم (1).

و فيه: إن الظاهر من الإمام هو الإمام المعصوم (عليه السلام)، و لم يدل أي دليل أن المراد منه هو الفقيه في زمن الغيبة، فلا يدل على مطلوبهم. و على فرض الذهاب الى أن المراد منه هو الفقيه العادل في زمن الغيبة لا يدل على أنه يلزم عليه أن يحكم بأن اليوم يوم العيد، بل الظاهر أن الثبوت عنده يكفي، فيأمر بالإفطار من غير أن يحكم بذلك.

و قد يستدل على خصوص ذلك أو على أن للفقيه الولاية العامة مثل ما كان للرسول‌

____________

(1). الوسائل ج 7 ب 6 من أبواب احكام شهر رمضان ح 1.

50

..........

____________

و للأئمة المعصومين (عليهم السلام) اما بالنسبة الى الفقيه تكون له ولاية عامة فقد أوضحنا في مبحثنا مفصلا و أوردنا جميع ما استدلوا على ذلك مع الإشكالات التي ترد على تلك الأدلة بحيث لا يبقى أي شك في عدم دلالة أدلتهم على مقصودهم و ذلك في رسالة مستقلة.

و أما دلالتها على خصوص المقام فلا بد من ملاحظة سند الرواية أولا ثم البحث في مقدار دلالتها:

أما سند الرواية فهو ما رواه الصدوق (رضوان اللّه عليه) في كتاب إكمال الدين و إتمام النعمة عن محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب، عن اسحاق بن يعقوب قال:

سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): أما ما سألت عنه أرشدك اللّه و ثبتك- الى أن قال- و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه (1).

و روى الشيخ هذا الحديث في كتاب الغيبة عن جماعة عن اسحاق بن يعقوب، و سند الرواية ضعيف، فإن اسحاق بن يعقوب مجهول و لم يوثق في الرجال، و أما محمد بن محمد بن عصام فمن مشايخ الصدوق (رضوان اللّه عليه) و ترضى عليه، و لكن لا يدل ذلك على توثيقه.

و أما رواية الشيخ هذا الحديث عن جماعة عن اسحاق بن يعقوب، فمن جهة أنه روى عن جماعة لا يجدي أيضا في صحة الحديث، فإنه أولا ان الجميع ينتهي الى واحد ضعيف و هو اسحاق بن يعقوب، و ثانيا أن نفس الجماعة غير معلوم الحال، فلعلهم غير ثقات كلهم، فالخبر ضعيف سندا.

____________

(1). الوسائل ج 18 ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9.

51

..........

____________

و لا يخفى أن اشتمال رواية على متن عال يظن أنها من كلام المعصوم (عليه السلام) لا يجدي في اعتبار الرواية، فانه إن كان الناقل ثقة يوجب اعتبار الرواية بجميع جملها و منها الجملة المستدل بها، و أما اذا لم يكن الناقل ثقة فيمكن أن تكون الجملة التي هي محل للاستدلال غير صادرة من المعصوم بجميع خصوصياتها من تغير بعض ألفاظها او اسقاط جزء منها أو اضافة جزء عليها مع العمد او الغفلة، فلا تكون الرواية قابلة للاعتماد، فالرواية من حيث السند ساقطة عن الحجية.

و أما من حيث الدلالة فكذلك لا تكون دالة على ما أراد المستدل بها، سواء أراد الاستدلال بها على كون الولاية العامة للفقيه مثل ما يكون للمعصومين (عليهم السلام)، أو أراد الاستدلال بها على ثبوت الهلال بحكم الحاكم الفقيه.

أما الاستدلال بها على ثبوت الولاية العامة فقد عرفت. و أما الاستدلال بها على ما نحن فيه فانه لم يعلم أن ما سأل السائل من الإمام (عليه السلام) عن أي شي‌ء، فان كان سؤاله عن حكم الحوادث فيكون الرجوع الى الروايات يدل على حجية فتواهم، او يكون السؤال عن حسم النزاع فيدل على حجية قضائهم و نفوذ قضائهم في رفع النزاع، فلا يكون مرتبطا بثبوت الهلال بحكم الرواة، بل الظاهر من الإرجاع الى رواة حديثهم يكون قرينة على أن المراد الرجوع اليهم في الفتوى، فلا يدل على مقصودهم أصلا.

ثم انه يستحب أن يكون الوقوف بعرفة مع الوضوء، لما عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يقف بعرفات على غير وضوء؟ قال: لا يصلح له إلا و هو على وضوء (1).

و يدل على عدم وجوبه ما عن معاوية بن عمار قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): لا‌

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 20 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

52

..........

____________

بأس أن يقضي المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف بالبيت و الوضوء أفضل (1).

و ما عن ابي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) أنه سأل: أ ينسك المناسك و هو على غير وضوء؟ فقال: نعم إلا الطواف بالبيت فان فيه صلاة (2).

و عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن جميل عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) مثله.

ثم إنه قد ورد النهي عن سؤال الناس يوم عرفة، فما عن محمد بن علي بن الحسين قال:

سمع علي بن الحسين (عليه السلام) يوم عرفة سائلا يسأل الناس، فقال له: ويحك أ غير اللّه تسأل في هذا اليوم، إنه ليرجى لما في بطون الحبالى (خ الجبال) في هذا اليوم أن يكون سعيدا. و قد ورد أيضا أنه لا ينبغي أن يرد سائلا يوم عرفة، و عن الصدوق (ره) قال:

و كان ابو جعفر (عليه السلام) إذا كان يوم عرفة لم يرد سائلا.

و يستحب أن يدعو بهذا الدعاء في آخر يوم عرفة، فعن عبد اللّه بن ميمون قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ان رسول اللّه (ص) وقف بعرفات، فلما همت الشمس أن تغيب قبل أن يندفع قال «اللهم اني اعوذ بك من الفقر و من تشتت الأمر و من شر ما يحدث بالليل و النهار، أمسى ظلمي مستجيرا بعفوك، و أمسى خوفي مستجيرا بأمانك، و أمسى ذلي مستجيرا بعزك، و أمسى وجهي الفاني مستجيرا بوجهك الباقي، يا خير من سئل و يا أجود من أعطى، جلّلني برحمتك و ألبسني عافيتك و اصرف عني شر جميع خلقك».

الحديث (3).

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا غربت الشمس يوم عرفة فقل‌

____________

(1). الوسائل ج 9 ب 38 من أبواب الطواف ح 1 ص 445.

(2). الوسائل ج 9 ب 38 من أبواب الطواف ح 6 ص 445.

(3). الوسائل ج 10 ب 24 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 1.

53

..........

____________

«اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف و ارزقنيه من قابل ابدا ما أبقيتني و اقلبني اليوم مفلحا منجحا مستجابا لي مرحوما مغفورا لي بأفضل ما ينقلب به اليوم أحد من و فدك و حجاج بيتك الحرام، و اجعلني اليوم من أكرم و فدك عليك، و اعطني أفضل ما اعطيت أحدا منهم من الخير و البركة و الرحمة و الرضوان و المغفرة، و بارك لي فيما أرجع اليه من أهل و مال او قليل او كثير، و بارك لهم فيّ» (1).

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 24 من أبواب احرام الحج و الوقوف بعرفة ح 2.

54

[القول في الوقوف بالمشعر]

القول في الوقوف بالمشعر (و النظر في مقدمته و كيفيّته) (1)

____________

(1) قال في المصباح المنير: المشاعر مواضع المناسك، و المشعر الحرام جبل بآخر مزدلفة. انتهى.

و قد سمي المشعر بالمزدلفة، قال في المصباح المنير: الزلفة و الزلفى القربة- الى أن قال- و منه مزدلفة لاقترابها الى عرفات، و أزلفت الشي‌ء جمعته، و قيل سميت مزدلفة من هذا لاجتماع الناس بها، و هي علم على البقعة. انتهى.

و قيل لأن فيها جمع بين حواء و آدم.

أما الحديث فعن معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: و في حديث ابراهيم (عليه السلام): إن جبرئيل انتهى الى الموقف و أقام به حتى غربت الشمس ثم أفاض به، فقال: يا ابراهيم ازدلف الى المشعر الحرام، فسميت مزدلفة (1).

و الازدلاف هو التقدم- قاله في المجمع. و قيل لأنه يتقرب فيها الى اللّه، او لمجي‌ء الناس اليها في زلف من الليل، أو من الازدلاف الاجتماع لاجتماع الناس فيها- كل ذلك ما قاله في المجمع.

و عن معاوية بن عمار أيضا عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنما سميت مزدلفة لأنهم ازدلفوا اليها من عرفات (2).

و يسمى جمعا أيضا، فعن اسماعيل بن جابر و عبد الحميد بن أبي الديلم عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سميت جمع لأن آدم جمع فيها بين الصلاتين المغرب و العشاء (3).

____________

(1). الوسائل ج 10 ب 4 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 4.

(2). الوسائل ج 10 ب 4 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 5.

(3). الوسائل ج 10 ب 6 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 7.