كتاب الصلاة - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
416 /
5

الجزء الأول

آية اللّٰه الكاظمي رائد العلم و الاجتهاد

عاش هذا الرائد الفذ، و هو يتسنّم هذه المكانة المرموقة في حاضرة النجف الأشرف عاصمة العلم و الدين، و معقل الجهاد و الاجتهاد.

و ظلّت تثقل هذه الحاضرة الإسلامية ميّزتان لم تتميّز بها حاضرة علمية أخرى في العالم الإسلامي كلّه.

إحداهما: أنها مدفن الإمام علي- (عليه السلام)- و مزاره، و عتبته المقدسة، و سدّته العالية.

و أخراهما: إنها موطن العلم، و معقل الدين، و مطمح أنظار المسلمين.

أما الميزة الأولى: فلأنها مهبط الخير و البركة، و الأمان و الإيمان، و البقعة التي يستلهم منها المسلمون نهج الهداية و الحق، و السبيل الأقوم إلى الدين.

و أما الميزة الأخرى: فلأنها كعبة الرواد و المتعطشين، ممن قيض اللّٰه فيهم روح الاجتهاد في العلم، و نزعة التفقه في الدين، ليكونوا مصابيح للهداية، و نذرا للحق، حتى يرجع المسلمون إليهم في معالم دينهم، و هم حفظة التراث، و حملة الشريعة، و خزّان العلم، و الأمناء على القيادة الإسلامية.

حاضرة النجف الأشرف:

و قد اختار السلف الصالح من العلماء هذه المدينة المقدسة عاصمة للعلم، و معقلا للجهاد و الاجتهاد، إذ كان الراقد فيها باب مدينة علم الرسول- (صلّى اللّٰه عليه و آله)- و قائد جهاده، و إمام أمته، و قد سدّت الأبواب إلّا بابه، ذلك الذي يؤتى منه الوحي و الرسالة، و العلم و الحكمة.

6

و على هذا الصعيد الطيب برز علماء أفذاذ، انتهت إليهم المرجعية و القيادة الإسلامية العامة، تحولت- بجهدهم- علوم الشريعة، حتى بلغت ذروة الكمال و الإبداع، و الحركة المفتوحة الدائية، التي ظلت تواكب الحياة و تسايرها، و تعالج مشاكلها، و تستجيب الى متطلّباتها، كما ظلّت طريقها الأمثل الى الهداية و الايمان.

و كان هذا الاجتهاد المتجدد في الشريعة من شأنه أن يصلح حياة المسلمين بالمعايير الشرعية، و يقم شئونها على معرفة ما أحلّ اللّٰه و ما حرّم، و على ما يجب الاجتناب منه، و ما يلزم الأخذ به، و هو ينير معالم الطريق، و يرشد المسلمين الى صوابهم، و يجنّبهم متاهات الضلالة، لئلا يسلكوها، كما سلكها غيرهم من الأمم و الشعوب، و حتى لا يفقدوا شخصيتهم و قدسيتهم، و حياتهم الحرّة الكريمة التي خططها لهم الإسلام، و لئلا ينحرفوا عن مسيرتهم إلى السعادة الأبدية، و الى الزلفى من اللّٰه.

ميزة الدراسة الحرّة:

و لضمان هذه المسيرة الإسلامية، ذات القيادة الرائدة: عهد الى الحوزة العلمية أن تقوم برسالة التفقه في الدين، و الاجتهاد في الشريعة.

و من هذا المنطلق تميّزت أروقة هذه الحوزة بطلب العلم للعلم، و التفقه في الدين للدين، كما تميّزت بالدراسة الحرّة ذات العمق و الأصالة، و التجرّد عن الأغراض، حتى درج طلابها على أن يؤثروا الفقر على الغنى، و الهجرة عن الأوطان، تفرّغا للتحصيل و طلبا للعلم في سبيل إعلاء كلمة الإسلام.

و كانت واقعته هذه الدراسة الحرّة أن امتاز أسلوبها بالجدل و النقاش، و تقضي الحقائق و الوجوه المختلفة التي تحتملها المسائل العلمية المطروحة، ثم اختيار ما هو الأحرى بالدليل، و الألجن بالحجة، و الأصلح بالأخذ و الاعتبار.

و هكذا يمضي الطالب في تحصيل العلم، تنمو مواهبه، و تتفتح آفاقه، لا يغفل عن قول أو احتمال، يستعرض الحقائق العلمية بجهد متواصل، يسير غورها،

7

و يسكنه دقائقها، الأمر الذي كان يدفع بالحوزة العلمية- دائما- إلى الجدّة و التحوّل، و الإبداع في فهم الشريعة جديدا بجديد، وفق تطور الحياة، و مستلزماتها الزمنية.

تقييم الفقه الإسلامي:

و واضح من أن الفقه الإسلامي هو القانون الإلهي، الذي يستوعب جميع مدارج الحياة، على مستوى التعامل مع اللّٰه عبادة و طاعة، و التعامل مع المجتمع تعايشا و مسالمة و على هذا الأساس فإن الاهتمام في تحرّي الحقائق الفقهية دقة و إحاطة ممّا تدفع إليه الضرورة القصوى في متابعة العمل بها من جانب المسلمين.

إذ لا يمكن لفقيه عادل أن يفتي من جراب النورة، أو أن يستحسن حكما من دون حجة شرعية، أو مبرّر فقهي، حتى يكون ذلك منجزا في حقّ المكلّفين، و معذرا للمفتين، إن أصاب فله أجران: أجر الإصابة و أجر الاجتهاد، و ان أخطأ فله أجر واحد هو أجر الاجتهاد. يتحرّى المجتهد هذه المحاولة في رعاية الحجج و الذرائع، تلك الشي‌ء أجاز الشارع ممارستها في الوصول الى حكم اللّٰه تعالى.

و ممّا تجدر الإشارة إليه، أنه ليس معنى الاجتهاد إصابة واقع معيّن محفوظ في اللوح المحفوظ، و إلّا للزم أن يتحد المجتهدون في إصابة حكم اللّٰه الواقعي و هم يختلفون في الفتيا و القول بالتصويب أيضا يستلزم أن تكون الأحكام الإلهية تابعة لآراء المجتهدين و ظنونهم. و وظيفة المجتهد ان يلتمس الطرق و الأمارات، و يتبنى الأصول العامة الموضوعة من قبل الشارع. فإذا ما حكم ذلك فيما توصّل إليه من حكم فهو حكم اللّٰه تعالى في حقّ المكلّفين من عباده.

مقومات هذه الشخصية العملاقة:

و في هذه الحاضرة المتميزة لمع آية اللّٰه العظمى الكاظمي، و نبغ في الفقه و الأصول، حتى أصبح رائدا للعلم و الاجتهاد، و أسوة للكمال و الفضيلة.

و كان حقا أحد العلماء المتفكرين، و القادة الهداة المبدعين، بما استطاع ان يقدّم‌

8

لروّاد العلم من مقوّمات الاجتهاد، و قد خلّف وراءه آثارا فريدة، من مبان للعلم، و حملة للفقه.

قال المحقّق آقا بزرگ الطهراني- (قدّس سرّه)-: هو الشيخ محمّد علي بن الشيخ حسن بن الشيخ محمّد الجمالي القابچي الخراساني الكاظمي عالم كبير و مدرس جليل.

كان جده الشيخ محمّد ممن له شرف الخدمة في مرقد الإمامين الكاظمين و من أسره تعرف ب‍ «آل الجمالي» ظهر فيها بعض أهل الفضل و العلم منهم الشيخ عباس الذي كان مشتغلا في سامراء برهة و في الكاظمية و النجف أيضا، و كان من قدماء أصدقائنا، و هو والد الدكتور محمّد فاضل الجمالي الذي هو من رجال التربية ثم السياسة المعروفين في العراق. كان الشيخ حسن من أجلاء علماء عصره و قد تقدم ذكره في ص 435 و كان له ثلاثة أولاد الميرزا مهدي و هو كبيرهم، و المترجم له و هو الأوسط، و الحاج محمّد جواد و هو الأصغر. و كلهم من العلوية الجليلة حفيده العلامة السيد صادق الطباطبائي المعروف بالسنگلجي صاحب المقبرة المشهورة في مشهد عبد العظيم الحسني (عليه السلام) بالري، كما حدّثني به المرحوم المترجم له.

ولد كما أخبرني به نقلا عن خط والده في سامراء في سنة 1309 ه‍. و نشأ على أبيه الجليل فمال الى طلب العلم دون أخويه، فلازم خدمة والده سفرا و حضرا، و اقتبس من معارفه كثيرا، و أكمل الأوليات في مشهد الرضا (عليه السلام)، ثم حضر في سطوح الفقه و الأصول على السيد آقا حسين القمي و الميرزا محمّد ابن شيخنا الكاظم الخراساني، و بعثه والده بعد ذلك الى النجف الأشرف للتكميل فوصل كربلاء في أوائل سنة 1338 و بقي فيها شهرين لازم فيهما بحث الشيخ محمّد تقي الشيرازي، ثم هبط النجف فحضر حلقة درس كل واحد من مشاهير علمائها أياما للاختبار، فلم يرق له منها إلا ما كان رجحه له والده و أشار به عليه، و هو درس الحجة الميرزا محمّد حسين النائيني، فلازم تمام دروسه في مباحث الأصول و الفقه ليلا و نهارا، و كان يكتب تقريرات دروسه كلها، و تقدم في الفضل و سطع نجمة،

9

و كثر فضله و نما علمه، و أشير إليه بين تلامذة النائيني، و لم يكن فيهم غير أفاضل المشتغلين و أجلاء المحصلين إلا عددا يسيرا، و كان الغالب فيهم و الظاهر عليهم التأثر باستاذهم الأجل المقدّس من الجمع بين العلم و العمل، في تلك المدرسة المثلي نشأ المترجم له، و على ذلك العالم الفحل تخرّج، و بين أولئك الأعلام نبغ و تفوّق، و تفتحت مواهبه و قابلياته، و عرف بالتحقيق و عمق الفكر و دقة النظر، و حلاوة المنطق، و حسن البيان و التحرير، فأخذ يقرر تقريرات أستاذه لغيره من تلامذة الشيخ و من دونهم في الفضل، و صار مدرّسا مشهورا على عهد أستاذه، و عالما مبرزا له في الأوساط العلمية مكانه الرفيع و احترامه اللائق.

و انتقل إلى رحمة اللّٰه و رضوانه ذلك العبد الصالح و الحبر البحر، و فجع به الإسلام و خسر به العلم و الدين دعامة من أكثر و أرسخ دعائمه، فبرز المترجم له و اتجهت أنظار الطلاب و المحصّلين المجدّين اليه فاستقلّ بالتدريس و انصرف إليه بكله، و تهافت عليه المشتغلون تهافت الفراش على النور لميزاته التي أشرنا إليها سابقا، و لما كانوا يرونه من رعاية أستاذه له و عنايته به و اعتماده عليه، و كان مجلس درسه من أكبر مجالس الدرس في النجف و أميزها كمية و كيفية، و اشتغل بالتدريس ليلا و نهارا، و كان دائم المذاكرة و المحاورة أينما حلّ، فما استقرّ به المجلس في مكان ما إلّا و سارع الى تحرير مسألة و دخل مع العلماء في النقاش، و كان مواظبا على الحضور في مقبرة أستاذه النائيني في الليالي مع جمع آخر من أفاضل تلامذة الشيخ و يطرحون فيما بينهم بعض الفروع المهمّة و يستمرّون على الخوض و الكلام في أطراف الموضوع الى أن يحين وقت غلق أبواب الصحن فيتفرقون.

قضى المترجم له بعد وفاة أستاذه عشر سنين على هذا المنوال من خدمة العلم و التضحية بالنفس في سبيله مواصلا العمل دون ملل أو كلل، و دون انقطاع و استراحة حتى ابتلي بالسكتة القلبية من كثرة الاجهاد و أخذت النوبات تعاوده و قضت عليه في المرة الثالثة عصر يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الأول سنة 1365 ه‍، فكانت خسارة العلم به جسيمة و المصاب كبيرا، و غسّله تلميذه و وصيه‌

10

الفاضل السيد جعفر بن محمّد المرعشي و دفن في مقبرة أستاذه النائيني، و أرخ وفاته السيد محمّد حسن آل الطالقاني بقوله:

شريعة الحق أصيبت و الهدى * * *أركانه الراسخة اليوم هوت

قضى علي فالعلوم بعده * * *راياتها حزنا عليه نكست

(فرد) به الكل أصيب فالورى * * *بفقده أرخته قد خسرت

و في قوله «فرد .. إلخ» إشارة إلى اضافة الى مجموع أرقام التاريخ.

و آثاره قيمة فقد كتب من تقريرات أستاذه تمام دورة الأصول، و طبع منها في حياته و على عهد أستاذه في سنة 1349 مجلّدان باسم «الفوائد الأصولية» أحدهما في القطع و الظن، و الثاني في الأصول العملية كما ذكرناه في (الذريعة) ج 4 ص 380 و عليه تقريظ أستاذه و ثناؤه عليه، و طبع بعد ذلك الجزء الثالث في مباحث الألفاظ و به تمت دورة الأصول (1). و أعيد طبع بعضها، و نشرت له ترجمة في مقدّمته بقلمي (2)

ما قيل حول الكتاب:

قال المحقّق الآقا بزرگ الطهراني- (رحمه اللّٰه)-:

«قد كتب في الفقه تمام تقريرات أستاذه في (كتاب الصلاة) فقد هذّبه و نقحه و عزم على طبعه و لم يمهله الأجل، و كتب من تقريراته أيضا كثيرا من كتاب التجارة لكنه لم يتمّه و له «رسالة في الصلاة و اللباس المشكوك فيه» مستقلّة غير ما هو تقرير أستاذه، و غير ذلك (3).

أولاده:

و قد أعقب آية اللّٰه الكاظمي أولادا عديدين نخصّ بالذكر منهم حجة الإسلام و المسلمين الشيخ عباس الجمالي، و هو اليوم يقوم بالتدريس في السطوح العالية و إقامة الجماعة في طهران.

____________

(1) و قد وفّقنا لطبع الدورة الكاملة للأصول- مباحث الألفاظ و الأصول العمليّة- في 3 مجلدات و هي منقّحة

(2) نقباء البشر: ج 4 ص 1386- 1390.

(3) المصدر السابق: ص 1390.

11

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم و به نستعين

كتاب الصلاة [و فيه أربعة مقاصد:]

[المقصد الأوّل] [في أقسام الصلاة]

و قبل الدخول في المقصود ينبغي تمهيد مقال يشتمل على مقدّمتين:

الاولى

أنّه و ان قد أطالوا الأعلام في البحث في شرح لفظة الصلاة و بيان معانيها اللغوية و العرفية إلّا أنّ الظاهر أنّه لا ثمرة مهمّة في ذلك بعد معلومية المراد منها، و أنّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) استعملها في أول زمان البعثة في هذه العبادة الموظّفة المخترعة الإلهية التي هي رأس كل عبادة و ميزان كلّ عمل. فكلّما وردت هذه اللفظة في الكتاب و السنّة فالمراد منها هذا المعنى الذي نتعبّد به صباحا و مساء إلّا أن تقوم قرينة على أنّ المراد منها ليس هذا المعنى، و لا حاجة إلى إتعاب النفس و إثبات أنّ هذه العبادة كانت في الشرائع السابقة بزيادة و نقصان و أنّها كانت‌

12

تسمّى بهذه اللفظة حتّى تكون حقيقة لغوية إذ- مع أنّ إثبات ذلك لا يهمّنا- لا طريق لنا إلى إثباته، إذ تسمية تلك العبادة التي كانت في تلك الشرائع بلفظ الصلاة غير معلوم، و على تقدير العلم بذلك لم يعلم أنّ إطلاق لفظ الصلاة على ما كانوا يتعبّدون به في الشرائع السابقة بأيّ عناية كان، إذ من المحتمل أن يكون إطلاق الصلاة عليه بعناية معناها اللغوي و هو الدعاء لا من باب كونها وظيفة خاصّة إلهية و عبادة مخترعة شرعية كما هو كذلك في شرعنا، فإنّ ما وظّف في الشرائع السابقة لم يعلم ما هو، فلعلّه كان سنخ من الدعاء، فإطلاق الصلاة عليه من باب المعنى اللغوي، و هذا بخلاف الإطلاق في شرعنا، فإنّه ليس من ذلك الباب قطعا، و إنّما لفظ أطلق على موضوع خاصّ و معنى مخصوص مغاير للمعنى اللغوي.

و كيف كان فقد عرفت أنّ إطلاق لفظ الصلاة على هذه العبادة الخاصّة كان من أول الأمر و أول البعثة كما يظهر ذلك من بعض التواريخ و الأخبار، فلا بدّ من حمل لفظة الصلاة على هذا المعنى كلّما وردت في الكتاب و السنّة، و لكن بعد اشتهارها في ذلك في لسانه (صلّى اللّٰه عليه و آله) و لسان تابعيه إلّا أن يقوم دليل على خلافه.

المقدّمة الثانية

قد اختلفت كلمات الأصحاب في أعداد الصلوات المفروضة، فربّما أنهاها بعض إلى تسعة و آخر إلى سبعة و غير ذلك ممّا يظهر للمتتبّع، هذا و لكن لا بدّ أن يكون التقسيم باعتبار اختلاف القيود و الخصوصيّات المأخوذة فيها الموجبة لاختلافها في نوعها بحسب الجعل الشرعي.

13

و أمّا الخصوصية الموجبة للاختلاف في الصنف و الفرد فلا يكون ميزانا للتقسيم و إلّا لزادت الأقسام إلى ما لا يمكن إحصاؤها.

فحينئذ نقول: هكذا ينبغي تقسيمها بأن يقال: هذه العبادة المخترعة الشرعية التي تسمّى صلاة إمّا أن تكون مفروضة و إمّا أن تكون مسنونة، ثمّ المفروضة إمّا أن تكون مفروضة بحسب الجعل الأولي و إمّا أن يعرض لها وصف الفرض.

فالمفروضة بحسب الأصل و الجعل الأولي على أنواع أربع:

الأوّل، الصلاة اليومية: و منها الجمعة فإنها بدل عن الظهر في يومها و ليست هي مباينة لليومية في نوعها حتّى تعدّ قسما آخر في قبالها كما عن بعض، بل هي داخلة في اليومية حقيقة، و لا فرق في اليومية بين الأداء و القضاء من الوليّ و غيره، فإنّ القضاء هي الصلاة اليومية، غايته أنّه في خارج الوقت و ليس خصوصية الوقتية منوّعة بحيث تكون صلاة الظهر في وقتها مباينة لها في خارج الوقت في نوعها كما لا يخفى.

النوع الثاني، صلاة العيدين: فإنّها باعتبار اشتمالها على خصوصيّات و قيود تحفّها من الكيفية و الوقت تكون مباينة في نوعها لسائر الصلوات.

النوع الثالث، صلاة الآيات: أعمّ من الخسوف و الكسوف و الزلزلة و كلّ آية، فإنّها بجميع أقسامها نوع واحد مباين لسائر أنواع الصلاة، غاية الأمر يكون الاختلاف في سبب الوجوب فإنّه تارة يكون الخسوف و اخرى يكون غيره.

النوع الرابع، صلاة الطواف: فإنّها و إن كانت بحسب الصورة كصلاة الصبح إلّا أنّه باعتبار أخذ زمان و مكان خاصّ فيها تكون مباينة في نوعها لباقي الصلوات.

فهذه الأنواع الأربع مفروضة بحسب الأصل.

و أمّا المفروضة بالعارض فكالمستأجر عليها و المنذورة و ما شابهها، و لكن‌

14

ينبغي أن يعلم أنّه ليست المفروضة بالعارض مباينة بالنوع للمفروضة بالأصل أو المسنونة بل هي متّحدة بالنوع لسائر الصلاة، و إنّما الاختلاف نشأ من سبب الوجوب كما تقدّم، فلو نذر صلاة الظهر أو صلاة الليل أو استؤجر عليها لم يخرج المنذور عن حقيقته قبل النذر بل هو باق على ما كان عليه من النوع، غاية الأمر أنّه عرض له وصف الوجوب بعد ما كان فاقدا له، و يلحقه بعض أحكام الصلاة الواجبة من وجوب الاستقبال و الاستقرار، و غير ذلك على ما يأتي تفصيله فيما بعد إن شاء اللّٰه.

فعلم أنّ أنواع الصلاة المفروضة منحصرة في هذه الأربع، و صلاة الأموات لا ينبغي عدّها من هذه العبادة الخاصّة و الوظيفة المخصوصة بل هي أشبه شي‌ء بالصلاة بمعناها اللغوي. و ينبغي حينئذ أن نرتّب كتاب الصلاة على فصول أربع، يبحث في كلّ فصل عن نوع من هذه الأنواع الأربع مع ما يلحقه من الأحكام و اللواحق.

15

الفصل الأول في الصلوات اليومية

و فيه أركان، و ينبغي أولا تعداد ركعاتها و نوافلها، فنقول:

لا إشكال و لا خلاف في أنّ عدد ركعاتها سبعة عشر في الحضر و إحدى عشر في السفر بإسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيّات الثلاث، بل ربّما كاد أن يكون ذلك من ضروريّات الدين.

و أمّا النوافل فالمشهور المعروف بين الأعلام أنّها أربعة و ثلاثون ركعة، و لكن قد وردت طوائف من الأخبار أنّها ثلاثة و ثلاثون بإسقاط الوتيرة (1)، أو تسعة و عشرون (2) بإسقاط أربع من نافلة العصر أيضا أو سبعة و عشرون بإسقاط ركعتين من نافلة المغرب أيضا (3) هذا و لكن حيث كانت هذه الطوائف ممّا أعرض عنها الأصحاب و إن كان يوجد بينها من الصحاح فلا بدّ إمّا من طرحها أو تأويلها بما لا ينافي ما عليه المشهور بل كاد أن يكون من المجمع عليه بل هو كذلك في هذه‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 32 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض ح 5

(2) الوسائل: ج 3 ص 42 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 2.

(3) الوسائل: ج 3 ص 42 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1.

16

الأعصار و يمكن حملها على زيادة مزية و تأكّد استحباب في سبعة و عشرين بحيث لم تكن تلك المزية في الساقط، لا أنّ الساقط لم يكن من النوافل المرتّبة و لعلّه يشعر إلى ذلك بعض الأخبار كقوله (عليه السلام) لا تصلّ أقلّ من أربع و أربعين ركعة (1) .. إلخ.

بقي الكلام في صلاة الغفيلة و الوصية اللتين بين المغرب و العشاء و صلاة أربع ركعات بعد العشاء فهل هي من الرواتب الموظّفة في هذه الأوقات أو ليست كذلك، بل ربّما احتمل بعض عدم مشروعيّتها، و لكنّ الإنصاف أنّ صلاة الغفيلة في غاية الاعتبار، لأن الشيخ- (رحمه اللّٰه)- ذكرها في مصباحه (2) الذي هو متأخّر عن التهذيب و الاستبصار و كان عليه العمل، فهو في غاية القوّة، و لا يصغى إلى مناقشة بعض في مشروعيّتها أو عدّها من نافلة المغرب.

و أمّا الوصية فإنّها و إن لم تكن بتلك المثابة من الاعتبار على ما ذكره شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في بحثه إلّا أنّه ليس كذلك، فإنّها قد ذكرها الشيخ- (رحمه اللّٰه)- أيضا في مصباحه (3) فهي في الاعتبار كالغفيلة.

و أمّا أربع ركعات بعد العشاء فقد وردت رواية (4) أنّ الصادق (عليه السلام) كان يصلّيها بعد العشاء، و نقل عن بعض الأعلام العمل بها و مداومتها سفرا و حضرا، و لا بأس به بعد جبر ضعف الرواية لو كان بعمل بعض الأصحاب و بعد التسامح في أدلّة السنن. نعم جعلها من الرواتب الموظّفة الليلية مشكل، و الأمر في ذلك سهل.

ثمّ إنّه لا إشكال في سقوط نافلة الظهر و العصر في السفر في غير مواطن التخيير‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 43 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

(2) مصباح المتهجّد: ص 94.

(3) مصباح المتهجّد: ص 94.

(4) الوسائل: ج 3 ص 43 باب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

17

و عدم سقوط نافلة المغرب و الصبح، إنّما الكلام في سقوط نافلة العشاء فيه و سقوط نافلة الظهر و العصر في مواطن التخيير و سقوط أربع ركعات التي تزاد في نافلة الظهر يوم الجمعة في السفر.

أمّا سقوط نافلة العشاء في السفر فالمشهور على سقوطها بل ادّعي الإجماع عليه، للأخبار المستفيضة الدالّة على أنّ كلّ صلاة مقصورة في السفر تسقط نافلتها و في بعضها أنّ الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلّا المغرب (1) و لإشعار خبر أبي يحيى الحنّاط قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر، فقال: يا بنيّ لو صلحت النافلة بالنهار في السفر تمّت الفريضة (2). فإنّه يشعر بأنّ التمامية علّة لثبوت النافلة، و منه يعلم إشعاره بأنّ القصرية علّة للسقوط، فيدور الثبوت و السقوط مدار التمامية و القصرية.

و عن بعض الأعلام عدم سقوطها لرواية فضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام): إنّما صارت العشاء مقصورة و ليس تترك ركعتاها لأنّها زيادة في الخمسين تطوّعا ليتمّ بها بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتان من التطوّع (3). و في خبر ابن الضحّاك أنّه كان الرضا (عليه السلام) يصلّي الوتيرة في السفر (4) و بهذين الخبرين لأخصّيتهما و اشتمال الأول على التعليل خصوصا مع التسامح في أدلّة السنن لو كان فيهما ضعف يقوى في النظر عدم السقوط و إن ذهب شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- إلى السقوط عملا بتلك المطلقات.

و أمّا سقوط نافلة الجمعة في السفر فالأقوى سقوطها، للأخبار المستفيضة من‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 3 و فيهما اختلاف يسير.

(2) الوسائل: ج 3 ص 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4 و فيهما اختلاف يسير.

(3) الوسائل: ج 3 ص 70 باب 29 من أبواب أعداد الفرائض، ح 3.

(4) الوسائل: ج 3 ص 61 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 8 نقلا بالمعنى.

18

سقوط النافلة النهارية، و هي منها. و من هنا يعلم أنّه لو قلنا بأنّ النوافل إنّما هي للوقت لا للفريضة على أضعف الاحتمالين كان الأقوى أيضا السقوط، لأنّ الأخبار مصرّحة في سقوط النوافل النهارية في السفر، سواء كانت للوقت أو للفريضة. و أمّا سقوط النوافل في مواضع التخيير كالحرمين فهل تسقط مطلقا سواء أتمّ أو قصّر أو أنّها لا تسقط مطلقا أو يفصّل بين الإتمام فلا تسقط و بين التقصير فتسقط؟ وجوه بل أقوال.

أمّا وجه السقوط مطلقا فلأنّ الصلاة في السفر بحسب الجعل الأولي مقصورة، و أنّ الإتمام في المواطن الأربعة رخصة، فإذا كانت بحسب الجعل مقصورة فلا بدّ من أن تسقط نافلتها، لما عرفت من الأخبار من أنّ كلّ صلاة مقصورة تسقط نافلتها.

و بعبارة اخرى: أنّه لا إشكال في أنّ الصلاة في الحضر قد أخذت بالنسبة إلى الركعتين الآخرتين بشرط الانضمام، و في السفر في غير المواطن الأربعة بشرط لا، و في المواطن الأربعة لا بشرط، و معنى كونها لا بشرط أنّه للمكلّف إيقاعها تماما، و حينئذ يقع الكلام في أنّ الأخبار الدالّة على الملازمة بين القصر في الفريضة و سقوط نافلتها هل تدلّ على الملازمة فيما يجب التقصير و يتحتّم أو الأعمّ من ذلك و ممّا يجوز التقصير؟

فإن قلنا بالأول فلا تكون دالّة على سقوط النافلة في مواطن التخيير لعدم تحتّم القصر فيها، فلا بدّ من الرجوع إلى عمومات مشروعية النافلة. و إن قلنا بالثاني فلا بدّ من سقوط لجواز التقصير في المواطن الأربعة، و لا يبعد استفادة هذا المعنى من الأخبار. و حاصله: أنّ النافلة تدور مدار تمامية الصلاة، بحيث كلّما وجبت الصلاة تماما فالنافلة تشرع. و ربّما قيل بأنّ النافلة تدور مدار فعل الصلاة تماما، فإذا أتمّ في المواطن الأربعة فلا تسقط النافلة، و إن قصّر فتسقط. و ربّما‌

19

يشعر إلى ذلك خبر أبي يحيى الحنّاط (1) المتقدّم، فتأمّل.

و على أيّ حال، الركن الأول من الفصل الأول في مقدّمات الصلاة التي يجب أو يستحبّ تحصيلها قبل فعل الصلاة، و فيه أبحاث:

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 60 باب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

20

البحث الأول في المواقيت

و فيه مقامات:

المقام الأول في تعيين المواقيت من الوقت الاشتراكي و الاختصاصي للظهر و العصر

فاعلم أنّه لا إشكال في أنّ أول وقت الظهر هو الزوال بل الإجماع منعقد عليه، و ما ورد من الأخبار من القدمين (1) و المثل (2) و أمثال ذلك محمول على وقت الفضيلة للمتنفّل، و ربّما يأتي الإشارة إليه، و كذلك لا إشكال و لا خلاف في صحّة فعل العصر عقيب فعل الظهر خلافا للعامّة، و كذا في العشاءين يدخل وقت المغرب بأول ذهاب الحمرة المشرقية، و يصحّ فعل العشاء عقيبها و إن لم يذهب الشفق نعم نقل عن بعض الأعلام لزوم تأخير العشاء إلى ذهاب الشفق كما هو كذلك عند العامّة أيضا، و لكن قد تواتر الأخبار بصحّتها قبل ذلك فلا ينبغي الشكّ فيه، و كذلك لا إشكال في امتداد وقت الظهر إلى مقدار أداء العصر قبل‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 102 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 1 و 2.

(2) الوسائل: ج 3 ص 109 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 33.

21

الغروب، و صحّة فعل المغرب إلى مقدار أداء العشاء قبل الانتصاف أو قبل الفجر، على تفصيل يأتي في محلّه. إنّما الخلاف و الإشكال في أنّ ما بين الزوال و الغروب وقت لمجموع الظهرين، و كذلك ما بين المغرب و انتصاف الليل وقت لمجموع العشاءين، أو أنّه يختصّ من أول الوقت بمقدار أداء الظهر كما أنّه يختصّ من آخر الوقت بمقدار أداء العصر، و كذلك في طرف العشاءين. و الأقوال في المسألة ثلاثة على ما يظهر من الكلمات:

قول بأنّ ما بين الزوال و الغروب وقت لمجموع الفريضتين، غاية الأمر أنّه يجب فعل الظهر قبل العصر، و لازم هذا القول أنّه لو نسي الترتيب و صلّى العصر في أول الزوال صحّت صلاته بمقتضى حديث «لا تعاد» (1) و قول بأنّه يختصّ من أول الوقت بمقدار أداء الظهر كما يختصّ من آخره بمقدار أداء العصر، بحيث لا تصحّ الشريكة فيه بحال من الأحوال، حتّى أنّه لو فرض أنّه صلّى الظهر قبل الزوال على وجه صحيح، كما إذا دخل الوقت و هو بعد لم يفرغ منها- على ما يأتي تفصيله إن شاء اللّٰه- لا تصحّ فعل العصر قبل مضيّ مقدار أربع ركعات من الزوال، و كذلك لو صلّى العصر قبل فعل الظهر على وجه يصحّ- على ما يأتي أيضا- لا يصحّ فعل الظهر في الوقت الاختصاصي لها، و هذا القول هو الاختصاص المطلق.

و قول- و لعلّ أن يكون عليه المعظم- هو الاختصاص في الجملة، بمعنى أنّه لو لم يصلّ الظهر على وجه صحيح لا تصحّ فعل العصر مطلقا و لو نسيانا في الوقت الاختصاصي للظهر، و كذلك في آخر الوقت لو لم يصلّ العصر على وجه صحيح لا يصحّ فعل الظهر في الوقت الاختصاصي للعصر. و أمّا لو فرض أنّه قد صلّى‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 770 باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.

22

الظهر على وجه صحيح قبل الزوال، و كذا صلّى العصر على وجه صحيح قبل فعل الظهر تصحّ فعل العصر عقيبها و إن وقعت في الوقت المختصّ للظهر، و كذلك تصحّ الظهر في الفرض الثاني و إن وقعت في الوقت الاختصاصي للعصر، و هذا القول هو المعتمد و عليه تنطبق الأخبار بعد تقييد مطلقاتها و تحكيم نصوصها، فلا بدّ أولا من ذكر الأخبار الواردة في المقام حتّى يتّضح حقيقة الحال، و هي على طوائف أربع:

منها: ما دلّ على أنّ بمجرّد الزوال يدخل وقت الظهرين، كرواية محمّد بن علي ابن الحسين بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر، فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة (1) و قد ورد بهذا المضمون عدّة روايات بأسانيد مختلفة.

و منها: ما دلّ على هذا المعنى بزيادة قوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل هذه» كرواية محمّد بن يعقوب عن علي بن محمّد و محمّد بن الحسن جميعا عن سهل بن زياد عن إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام): ذكر أصحابنا أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر، و إذا غربت دخل وقت المغرب و العشاء الآخرة، إلّا أنّ هذه قبل هذه في السفر و الحضر، و أنّ وقت المغرب إلى ربع الليل، فكتب (عليه السلام): كذلك الوقت غير أنّ وقت المغرب ضيّق (2)، الحديث.

و منها: ذلك أيضا بزيادة قوله (عليه السلام) «ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتّى تغيب الشمس» كرواية عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 95 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 20.

23

وقت الظهر و العصر فقال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر و العصر جميعا، إلّا أنّ هذه قبل هذه، ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتّى تغيب الشمس (1).

و منها: ما دلّ على اختصاص أول الوقت بالظهر و آخر الوقت بالعصر، و كذا العشاءان، كرواية داود بن فرقد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتّى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر، حتّى يبقى من الشمس مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر حتّى تغيب الشمس (2) و بهذا التفصيل ذكر وقت العشاءين في تتمّة هذا الحديث.

فهذه جملة الأخبار الواردة في المقام، فينبغي أن يعلم ما يتحصّل من مجموعها و ما يستفاد منها فنقول:

أمّا الطائفة الأولى فهي كالصريحة في أنّ بمجرّد الزوال يدخل الوقتان، بحيث يصلح هذا الزمان لوقوع أيّ من الصلاتين فيه، فتدلّ على صحّة العصر في أول الزوال، سواء كان قد صلّى الظهر أو لم يصلّها، فدلالتها على صحّة العصر في أول الوقت في الجملة بالصراحة، و إن كان بالنسبة إلى فعل الظهر و عدمه يكون بالإطلاق و الظهور، إذ لو لم تصحّ العصر في أول الوقت بوجه من الوجوه و حال من الأحوال لم يبق مورد لقوله (عليه السلام) «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و ذلك واضح.

و أمّا الطائفة الثانية و هي المشتملة على قوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 5.

(2) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

24

هذه» فلا إشكال في أنّها ليست في مقام شرطية الترتيب من دون تصرّف في الوقت، فإنّه لا وجه لذكر خصوص الترتيب من بين الشرائط، فينبغي حينئذ أن يعدّ سائر الشرائط أيضا كالقبلة و الطهور و أمثال ذلك، مع أنّه يلزم- بناء على هذا- أن يكون الاستثناء منقطعا، إذ لو كان في مقام بيان شرطية الترتيب فقط من دون تعرّض للوقت لا تكون جملة قوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل هذه» مرتبطة بما قبلها و هو قوله (عليه السلام) «إذا زال الزوال دخل الوقتان» فإنّ عقد المستثنى منه إنّما سيق لبيان الوقت المضروب للصلاة، و المفروض أنّ عقد المستثنى- بناء على هذا- يكون لبيان شرطية الترتيب، و شرطية الترتيب لا دخل لها بالوقت المضروب للفعل، فيكون الاستثناء منقطعا، و هو خلاف الأصل كما بيّن في محلّه، فلا بدّ من أن يكون قوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل هذه» في بيان جعل مقدار من الوقت للأولى و يرتبط حينئذ بما قبله، فكأنّه أراد (عليه السلام) بهذه الجملة تقييد ما أطلقه أولا من قوله (عليه السلام): «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و بيان أنّ أول الوقت إنّما هو للصلاة الاولى، و لذا عقّبه (عليه السلام) بما في الطائفة الثالثة و هو قوله «ثمّ أنت في وقت منهما جميعا حتّى تغيب الشمس».

فالطائفة الثالثة أقوى دليل على أنّ المراد من قوله (عليه السلام): «إلّا أنّ هذه قبل هذه» لبيان تخصيص أول بالأولى، و إلّا لم يكن معنى لقوله (عليه السلام) «ثمّ أنت في وقت منهما» إذ لو لم تكن الجملة لبيان تعيين الوقت و تخصيصه، بل لبيان شرطية الترتيب فقط، فالمكلّف من أول الوقت في وقت منهما جميعا و الترتيب شرط في تمام الوقت، فلا معنى لقوله (عليه السلام) حينئذ «ثمّ أنت في وقت منهما جميعا» لأنّ التعقيب بكلمة «ثمّ» بعد بيان شرطية الترتيب لا موقع له إلّا لإفادة سقوط الترتيب و هو- كما ترى- ضروري البطلان، فالتعقيب ب‍ «ثمّ» إنما يصلح إذا كان ما قبلها و هو قوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل هذه» لبيان‌

25

تخصيص الوقت و جعله أوله للأولى، فينطبق على ما في الطائفة الرابعة، و هي رواية داود بن فرقد و أمثالها ممّا دلّ على اختصاص أول الوقت بالظهر.

و ظهر ضعف القول الأول و هو أنّ ما بين الزوال و الغروب وقت لمجموع الصلاتين، بحيث لو نسي الظهر و صلّى العصر في أول الزوال تقع صحيحة بمقتضى حديث «لا تعاد» (1) لأنّ قوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل هذه» لا تدلّ على أزيد من اشتراط الترتيب، و هو كسائر الشرائط عند النسيان يسقط، و رواية داود بن فرقد الدالة على الاختصاص ضعيف السند، لا يقاوم ما دلّ من المطلقات من أنّه إذا زال الزوال دخل الوقتان (2). وجه الضعف: ما تقدّم من أنّ قوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل هذه» يدلّ على الاختصاص بالبيان المتقدّم، و أمّا رواية داود بن فرقد فهي- مع كونها معتبرة في نفسها كما يظهر بالمراجعة- يكفي في جبرها عمل المعظم بها.

بقي الكلام فيما استفاده المعظم من أنّ الاختصاص إنّما هو فيما إذا لم يصلّ صاحبة الوقت، و أمّا إذا كان قد صلّاها بوجه صحيح تصحّ الشريكة في الوقت الاختصاصي، في مقابل من يقول بالاختصاص المطلق بحيث لم تصحّ الشريكة في الوقت المختصّ بحال من الأحوال و إن كان قد صلّى صاحب الوقت قبله بوجه صحيح، و الحقّ أنّهم قد أجادوا فيما استفادوه من الأخبار، و لا محيص عن استفادة ذلك منها.

بيانه: أنّ رواية داود بن فرقد إنّما تدلّ على الاختصاص المطلق بالإطلاق، فإنّ قوله (عليه السلام) فيها «فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتّى‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 770 باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.

(2) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، نقلا بالمضمون.

26

يبقى .. إلخ» إنّما يدلّ على عدم دخول وقت العصر حتّى يمضي مقدار أربع ركعات من أول الوقت، سواء قد صلّى الظهر قبل ذلك على وجه صحيح أو لم يصلّها، فدلالتها على عدم دخول وقت العصر عند فعل الظهر قبل الزوال على وجه صحيح، كما إذا ظنّ بدخول الوقت فشرع في الصلاة و دخل عليه الوقت و هو بعد في الصلاة و لو قبل التسليم- بناء على اعتبار الظنّ في باب الوقت- انّما يكون بالإطلاق، مع أنّ دلالة قوله (عليه السلام) «إذا زال الزوال فقد دخل الوقتان» بعد تقييده بقوله «إلّا أنّ هذه قبل هذه» على صلاحية فعل العصر في أول الوقت في الجملة إنّما يكون بالنصوصية، إذ لو لم تصحّ العصر في وقت الظهر بحال من الأحوال لم يبق مورد لقوله «دخل الوقتان» فحينئذ لا بدّ من تقييد إطلاق رواية داود بن فرقد بما إذا لم يصلّ الظهر على وجه صحيح قبل دخول الوقت، و يبقى الصورة الأخرى و هي ما إذا صلّى الظهر قبل ذلك داخلة في قوله (عليه السلام) «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و هذا بخلاف ما إذا أخذنا بإطلاق رواية داود، فإنّه لم يبق مورد حينئذ لقوله «دخل الوقتان» فمن باب تحكيم النصّ على المطلق يستفاد ما أفاده المعظم من أنّ الاختصاص إنّما هو فيما إذا لم يؤدِّ صاحبة الوقت.

و بعبارة أوضح: أنّ النسبة بين قوله (عليه السلام) «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و بين ما في رواية داود بن فرقد و إن كان هو التباين، لأنّ إطلاق قوله «إذا زال الزوال دخل الوقتان» يشمل فيما إذا لم يصلّ الظهر، فهو بإطلاقه دالّ على دخول وقت العصر و إن لم يكن قد صلّى الظهر، و كذا إطلاق رواية داود بن فرقد الدالّة على الاختصاص يدلّ على عدم دخول وقت العصر قبل مضيّ مقدار أربع ركعات من أول الزوال مطلقا سواء صلّى الظهر أو لم يصلّها، فالروايتان متعارضتان بإطلاقهما.

و لكن بعد تقييد قوله (عليه السلام) «إذا زال الزوال دخل الوقتان» بقوله‌

27

(عليه السلام) عقيب ذلك كما في بعض الروايات «إلّا أنّ هذه قبل هذه» فيخرج صورة عدم فعل الظهر عن إطلاقه، و يبقى صورة فعل الظهر قبل الزوال على وجه صحيح مشمولا لقوله «إذا زال الزوال دخل الوقتان» لعدم دخول هذه الصورة تحت المقيّد، و هو قوله «إلّا أنّ هذه قبل هذه» لأنّ هذه الجملة إنّما تصحّ فيما إذا كان الفرضان بعد باقيين في ذمّة المكلّف، إذ لو لم يبق في ذمّة المكلّف إلّا فرض واحد لم يكن معنى لقوله «هذه قبل هذه» فالمقيّد إنّما يخرج صورة عن تحت الإطلاق و هي ما إذا لم يفعل الظهر، و تبقى الصورة الأخرى و هي ما إذا فعل الظهر على الوجه الصحيح مشمولة لقوله (عليه السلام) «إذا زال الزوال دخل الوقتان».

و حينئذ تنقلب النسبة بين قوله «إذا زال الزوال دخل الوقتان» و بين ما في رواية داود بالأعمّ و الأخصّ المطلق بعد ما كانت بالتباين، فإنّ قوله (عليه السلام) «إذا زال الزوال دخل الوقتان» يختصّ بعد التقييد بصورة واحدة، و هي دخول وقت العصر في أول الزوال فيما إذا صلّى الظهر بوجه صحيح قبل الزوال، و رواية داود أعمّ من هذه، فإنّ مفادها أنّه- سواء صلّى الظهر أو لم يصلّها- وقت العصر لا يدخل، فيقيّد إطلاقها بقوله «إذا زال الزوال دخل الوقتان» الذي هو يكون بعد التقييد كالنصّ في دخول وقت العصر على تقدير صلاة الظهر، فتأمّل جيّدا، هذا كلّه في أول الوقت.

و أمّا آخر الوقت فرواية داود بن فرقد و إن كانت قد دلّت على اختصاص مقدار أربع ركعات من الغروب للعصر خاصّة، سواء كان قد صلّى الظهر قبل ذلك أو لم يصلّها، و لازم ذلك عدم صحّة الظهر في هذا الوقت لو كان قد صلّى العصر قبل ذلك على وجه صحيح، كما إذا خاف الضيق فصلّى العصر بظنّ أنّه لم يبق من الوقت إلّا مقدار أدائها فتبيّن خلافه و أنّ الوقت بعد باق، فإطلاق رواية داود بن فرقد يدلّ على خروج وقت الظهر حينئذ فلا يصحّ إيقاعها أداء،

28

إلّا أنّه مع العلم بعدم الفرق بين أول الوقت و آخره و عدم القول به يقيّد ذلك الإطلاق بما في رواية الحلبي، قال: سألته عن رجل نسي الاولى و العصر جميعا ثمّ ذكر ذلك عند غروب الشمس، فقال: إن كان في وقت لا يخاف فوت أحدهما فليصلّ الظهر ثمّ يصلّي العصر، و إن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر و لا يؤخّرها فتفوته فيكون قد فاتتاه جميعا، و لكن يصلّي العصر فيما قد بقي من وقتها ثم ليصلّ الاولى على أثرها (1).

فهذه الرواية صدرها و إن كان من أدلّة الاختصاص إلّا أن قوله (عليه السلام) في ذيلها «ثمّ ليصلّ الاولى على أثرها» بإطلاقه يشمل ما إذا تبيّن بقاء الوقت، إذ لم يفرض الإمام (عليه السلام) زائدا عن خوف الضيق و هو ممكن التخلّف، فالرواية تدلّ بإطلاقها على صحّة فعل الظهر في وقت العصر، و بعد تقييدها بما دلّ على التوسعة في القضاء تكون مختصّة بما إذا انكشف بقاء الوقت بمقدار فعل الظهر، فتكون أخصّ مطلقا من رواية داود بن فرقد و يرتفع المحذور، فتدبّر.

بقي الكلام في تحديد مقدار الوقت الاختصاصي للفريضة، مع اختلافها سفرا و حضرا و خوفا، و كذلك اختلافها باعتبار اشتمالها على المستحبّات و عدمه، و اختلاف المصلّي باعتبار واجديّته للمقدّمات من الطهارة و الستر و غير ذلك، و باعتبار خفّة لسانه و بطئه و غير ذلك من الاختلاف، و المسألة لم تكن محرّرة في كلمات الأصحاب حقّ التحرير، و قد اختلفت كلماتهم في التعبير عن الوقت الاختصاصي، فبعضهم عبّر عن ذلك ب‍ «مقدار مضيّ أربع ركعات» كما عبّر به في رواية داود بن فرقد، و بعضهم عبّر عنه ب‍- «بعد الفراغ عن صلاة الظهر» كما عبّر به أيضا في رواية الفضل عن العلل (2) أو «بعد أن صلّيت الظهر» كما في‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 94 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 8 و فيه اختلاف يسير.

(2) علل الشرائع: ج 1 ص 263 باب 182 علل الشرائع و أصول الإسلام قطعة من ح 9.

29

رواية أخرى نقل عن المستند (1)، فالمهمّ إنّما هو بيان ما يستفاد من الأخبار فنقول:

ربّما يتوهّم أنّ قوله (عليه السلام) «بعد الفراغ عن صلاة الظهر» أو «بعد أن صلّيتها» ظاهر في الفراغ الفعلي بما لها من المقدّمات فتكون المقدّمات داخلة فيها تبعا، و يعتبر حينئذ في دخول وقت العصر مضيّ زمان من أول الوقت بحيث يفي بصلاة الظهر مع ما لها من المقدّمات، فلو صلّى العصر قبل ذلك تقع في الوقت الاختصاصي للظهر، بل ربّما يدّعى أظهرية هذه الأخبار عمّا في رواية داود بن فرقد (2) من اعتبار مضيّ خصوص مقدار أربع ركعات الظاهرة في عدم دخول المقدّمات فيها، فيكون قوله (عليه السلام) «عند الفراغ من الصلاة التي قبلها» في تحديد وقت العصر كما في رواية العلل (3) قرينة على أنّ المراد من «مضيّ مقدار أربع ركعات» كما في رواية داود مضيّ الأربع بما لها من المقدّمات، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّ هذه الدعوى لا تستقيم.

أمّا أولا: فلمنع أظهرية قوله (عليه السلام) «عند الفراغ» في دخول المقدّمات تبعا عن قوله (عليه السلام) «مقدار مضيّ أربع ركعات» الظاهر في أنّ المدار على مضيّ هذا المقدار من الزمان خاصّة بلا دخل للمقدّمات فيها، بل ربّما يقال بأظهرية ما في رواية داود الظاهر في التحديد بالزمان عن قوله «عند الفراغ» الظاهر في التحديد بالفعل كما لا يخفى على المتأمّل، فدعوى الأظهرية ممنوعة جدّا.

و أمّا ثانيا: فلأن ليس كلّ أظهرية توجب التصرّف في الظاهر، بل لا بدّ في الأظهرية من أن تكون على وجه لو القي الأظهر و الظاهر إلى العرف و اتّصلا في الكلام، يفهم منه المراد بلا تأويل و من غير أن يقع المخاطب في حيرة، بل بمجرّد‌

____________

(1) مستند الشيعة: كتاب الصلاة ج 1 ص 236.

(2) الوسائل. ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

(3) علل الشرائع: ج 1 ص 263 باب 182 علل الشرائع و أصول الإسلام قطعة من ح 9

30

صدورهما عن المتكلّم يحمل الظاهر على الأظهر و يستفاد منه المراد كما إذا لم يكن هناك إلّا كلام واحد ظاهر في معنى واحد، فلو كانت الأظهرية بهذه المثابة تكون حينئذ قرينة على التصرّف في الظاهر و حمله على ما لا ينافي الأظهر، و أمّا لو كانت هناك مجرّد أظهرية من غير أن تصل إلى هذه المرتبة فلا تكون قرينة على التصرّف و الحمل و لا يخرجه عن كونه تبرّعيا، ففي المقام نقول:

إنّ مجرّد أظهرية قوله «عند الفراغ» في دخول المقدّمات تبعا- على تقدير تسليمها- ليس بتلك المثابة من الأظهرية بحيث يوجب التصرّف في قوله «حتّى يمضي مقدار أربع ركعات» و حمله على ما لا ينافي دخول المقدّمات، و الشاهد على ذلك أنّه لو جمع الفقرتين في كلام واحد، كأن يقال: لا يدخل وقت العصر حتّى يمضي مقدار أربع ركعات من أول الزوال فإذا فرغت من الصلاة يدخل وقت العصر، لا يفهم العرف أنّ المراد من المضيّ إنّما هو المضيّ بما للركعات من المقدّمات و يحكّم أظهرية «إذا فرغت» على ذلك.

و أمّا ثالثا: فلأنّ ما استدلّ به من الأخبار على دخول المقدّمات، كقوله «عند الفراغ من الصلاة التي قبلها» (1) و أمثال ذلك أجنبية عن المقام، فلأنّها ليست بصدد بيان تحديد الوقت الاختصاصي و أنّ مقدار فعل الظهر و الفراغ عنها يختصّ بها و ليس للشريكة فيه حظّ و نصيب، بل تلك الأخبار إنّما هي بصدد إفادة أمر آخر، و هو الردّ على العامّة حيث يوجبون تأخير العصر إلى ما يزيد على المثلين، فقوله (عليه السلام) «عند الفراغ من الصلاة الأولى» إنّما هو للردّ عليهم و أنّه ليس الأمر كما زعموا، بل يجوز فعل العصر عند الفراغ من الظهر و لا يجب تأخيرها إلى المثل كما في بعض الروايات، أو المثلين (2) كما في بعضها الآخر المحمولة على‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 117 باب 10 من أبواب المواقيت، ح 11.

(2) الوسائل: ج 3 ص 105 باب 8 من أبواب المواقيت، ح 13.

31

إرادة بيان الفضل للمتنفّل و أنّه المثل أو المثلان- على ما سيأتي تفصيله- و كذا لا يجب تأخيرها بما يزيد على ذلك كما يفعله العامّة.

فالروايات إنّما هي بصدد بيان جواز فعل العصر عقيب الفراغ من الظهر، من دون انتظار المثل أو المثلين أو أزيد، كما يشعر إليه قوله (عليه السلام) في رواية العلل «و لم يكن للعصر وقت معلوم مشهور مثل هذه الأوقات الأربعة، فجعل وقتها عند الفراغ من الصلاة التي قبلها» (1) الحديث، فهذه الأخبار أجنبية عمّا نحن فيه من تحديد الوقت الاختصاصي.

فتحصّل: أنّ هذه الأخبار لا تقاوم ظهور رواية داود (2) في أنّ مقدار الوقت الاختصاصي إنّما هو مقدار مضيّ أربع ركعات خاصّة من غير دخول المقدّمات من جهات. فالأقوى أنّ وقت العصر يدخل بمجرّد مضيّ ذلك المقدار مطلقا سواء كان المكلّف واجدا للمقدّمات أو فاقدا لها، هذا بالنسبة إلى دخول المقدّمات و خروجها عن تحديد الوقت الاختصاصي.

و أمّا بالنسبة إلى خفّة لسان المكلّف و بطء حركاته، و اشتمال الفريضة على المستحبّات و عدمه، فلا يبعد ملاحظة ما هو الوسط عند نوع المصلّين، فلا يقتصر على أقلّ الواجب و لا على اشتمال الفريضة بأكثر المستحبّات، و كذا بالنسبة إلى الخفّة و البطء بل يلاحظ في ذلك ما هو الوسط، فلو مضى من أول الزوال مقدار أربع ركعات متوسّطات في اشتمالها على المستحبّات و عدمه و في الخفّة و البطء فقد دخل وقت المشترك، كما هو الشأن في غالب التقديرات الشرعية، حيث إنّها محمولة على ما هو المعتاد و المتعارف عند الأواسط.

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 117 باب 10 من أبواب المواقيت، ح 11.

(2) علل الشرائع: ج 1 ص 263 باب 182 علل الشرائع و أصول الأحكام قطعة من ح 9.

32

بقي الكلام في تحديد الوقت الاختصاصي بالنسبة إلى الحاضر و المسافر، و أمثال ذلك من صلاة الخوف و المطاردة، فقد يقال: إنّ قوله (عليه السلام) في رواية داود بن فرقد «حتّى يمضي مقدار أربع ركعات» (1) محمول على المثال و لا خصوصية للأربع، بل هو كناية عن مضيّ مقدار الفريضة على اختلافها بالنسبة إلى أشخاص المكلّفين و غير ذلك، فيدخل وقت الاشتراكي بالنسبة إلى الحاضر مقدار مضيّ أربع ركعات من أول الزوال، و بالنسبة إلى المسافر مقدار مضيّ ركعتين، و هكذا بالنسبة إلى الخائف مقدار صلاته.

و لكنّ الإنصاف أنّ الحمل على ذلك ممّا لا شاهد [له] و إن كان ليس ببعيد، إذ من المحتمل قريبا أن يكون لمضيّ مقدار أربع ركعات خصوصية، بحيث لا يدخل وقت المشترك إلّا بعد مضيّ ذلك المقدار من الوقت و لو كان الشخص مسافرا أو خائفا، فالحمل على المثالية تحتاج إلى دليل، و على تقدير الشكّ في ذلك فهل الأصل يقتضي الرجوع إلى المطلقات من قوله (عليه السلام) إذا زال الزوال دخل الوقتان» (2) أو إلى استصحاب عدم دخول وقت العصر؟ وجهان، لا يخلو الأول من قوّة بعد ما كان الشكّ في المخصّص راجعا إلى الأقل و الأكثر، فتأمّل.

ثمّ إنّ الثمرة بين ما اخترناه من عدم دخول المقدّمات في الوقت الاختصاصي، و بين ما اختاره بعض الأعلام من دخولها في ذلك، إنّما تظهر فيما إذا لم يؤدّ صاحبة الوقت، و أمّا إذا أدّاها فوقت العصر يدخل مطلقا بناء على كلا القولين، لما تقدّم من أنّ أدلّة الاختصاص مختصّة بما إذا لم يؤدّ صاحبة الوقت‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

(2) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت، نقلا بالمضمون.

33

كما تقدّم تفصيله، و حينئذ نقول:

تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا صلّى العصر نسيانا قبل الظهر بعد مضيّ مقدار أربع ركعات من الوقت أو أكثر، بحيث كان من أول الوقت مشغولا بتحصيل المقدّمات إلى مضي ذلك المقدار، و بعد تحصيلها نسي عن فعل الظهر و صلّى العصر، فبناء على ما اخترناه تصحّ العصر، لأنّها وقعت في الوقت المشترك، و حديث «لا تعاد». (1) يرفع الترتيب عند النسيان، و أمّا بناء على القول الآخر فينبغي الحكم ببطلانها، لأنّها وقعت في الوقت الاختصاصي، فانّ الوقت الاختصاصي- بناء على هذا القول- إنّما هو مقدار تحصيل المقدّمات مع فعل الفريضة، و المفروض أنّ العصر وقعت قبل ذلك فتبطل.

و إنّما قيّدنا بما إذا كان المكلّف مشغولا بتحصيل المقدّمات من أول الزوال إلى مضيّ ذلك المقدار فلأنّه لو كانت المقدّمات حاصلة له قبل الزوال، أو كانت متعذّرة عليه مطلقا، فلا ثمرة أيضا بين القولين، فإنّ من يقول بدخول المقدّمات فإنّما يقول به إذا كان المكلّف فاقدا لها و مكلّفا بها، و أمّا لو كان واجدا لها أو غير مكلّف بها- إمّا لتعذّرها و إمّا لنسيانها- فوقت الاختصاصي حينئذ يكون بمقدار مضيّ أربع ركعات فقط.

نعم لو فرض أنّ نسيانه المقدّمات إنّما كان بتبع نسيان الظهر، بحيث لو لم يكن ناسيا للظهر لما كان ناسيا للمقدّمات- و إن بعد الفرض- لكان اللازم على هذا القول هو الالتزام ببطلان صلاة العصر أيضا، لو وقعت قبل مضيّ مقدار من الوقت بحيث لو كان متذكرا لكان يمكنه فعل الفريضة مع المقدّمات، فانّ نسيان المقدّمات حيث كان بتبع نسيان الظهر فالتكليف لا يسقط عنها لعدم سقوطه عن‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 770 باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 5.

34

الظهر، فيلزم وقوع العصر في الوقت الاختصاصي، فتأمّل [1].

و الحاصل: أنّ الظاهر من كلمات من يقول بدخول المقدّمات في الوقت الاختصاصي، إنّما هو في المقدّمات التي يجب تحصيلها، بحيث يكون المكلّف فاقدا لها و كان ممّا يمكنه تحصيلها بعد دخول الوقت، لا أنّه يدّعي بدخول المقدّمات في الوقت الاختصاصي مع كون المكلّف واجدا لها، أو غير مكلّف بها للتعذّر أو النسيان أو غير ذلك من أسباب العذر، حتّى يلزمه القول ببطلان العصر لمن أتى بها ناسيا للظهر بعد مضيّ مقدار أربع ركعات فقط مطلقا سواء كان المكلّف واجدا لها أو فاقدا، فانّ ذلك بعيد من كلماتهم بل المصرّح به خلاف ذلك.

فتحصّل: أنّ الثمرة بين القولين إنّما تحصل فيما إذا مضى مقدار من الوقت لا يفي بتحصيل المقدّمات مع فعل الفريضة و صلّى العصر ناسيا للظهر، فإنّه بناء على ما اخترناه تصحّ، و بناء على القول الآخر لا تصحّ، هذا كلّه فيما إذا مضى مقدار أربع ركعات من الزوال و صلّى العصر ناسيا للظهر.

____________

[1] وجهه هو أنّ الأقوى أنّ نسيان المقدّمات مطلقا سواء كان بتبع نسيان الفريضة أو لم يكن بل كان نسيانها مستقلا لا يوجب سقوطها، لأنّ العمدة في سقوط المقدّمات المنسية إنّما هو «لا تعاد الصلاة» و حديث «لا تعاد» (1) إنما يستفاد منه عدم إعادة الصلاة عند نسيان مقدّماتها أو أجزائها غير الخمسة، فمع عدم الصلاة رأسا- كما فيما نحن فيه حيث نسي الظهر- فلا وجه لسقوط مقدّماتها عند نسيانها و لو لم يكن نسيانها بتبع نسيان الفريضة.

نعم المقدّمات المنسية بالنسبة إلى صلاة العصر على تقدير صحّتها تكون ساقطة لجريان حديث «لا تعاد» بالنسبة إليها. و أمّا صلاة الظهر فحيث إنّها منسية من رأسها لا تكون مشمولة لحديث «لا تعاد» فلا تكون مقدّماتها المنسية ساقطة، و يلزم على هذا وقوع العصر في الوقت الاختصاصي للظهر بناء على دخول المقدّمات فيه، فتبطل من جهة وقوعها في غير وقتها، فتأمّل. «منه».

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 770 باب 29 من أبواب القراء في الصلاة، ح 5.

35

و أمّا إذا لم يمض مقدار ذلك، فإن وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي للظهر، بحيث لم يدخل الوقت المشترك قبل الفراغ منها فلا إشكال في بطلانها على كلا القولين، نعم لو لم نقل بالوقت الاختصاصي، و قلنا: إنّ قوله (عليه السلام) «إلّا أنّ هذه قبل هذه» (1) لبيان إفادة مجرّد شرطية الترتيب، و أعرضنا عن رواية داود بن فرقد (2)، لكانت الصلاة صحيحة، لاغتفار الترتيب عند النسيان كسائر الشرائط، و أمّا لو لم نقل بهذه المقالة- كما هو المختار و عليه المعظم- فاللازم بطلان صلاة العصر لو وقعت في الوقت الاختصاصي، و لا تحسب لا عصرا و لا ظهرا.

أمّا عدم احتسابها عصرا فواضح، لأنّه من ثمرات القول بالاختصاص، و أمّا عدم احتسابها ظهرا فلأنّ الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع عليه، فإذا لم تصحّ عصرا- مع أنّها هي المنوي- فكيف تقع ظهرا؟

نعم وردت هنا رواية صحيحة عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) مشتملة على جملة من الأحكام، و منها أنّه قال (عليه السلام): إذا نسيت الظهر حتّى صلّيت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثمّ صلّ العصر، فإنّما هي أربع مكان أربع، و إن ذكرت أنّك لم تصلّ الاولى و أنت في صلاة العصر و قد صلّيت منها ركعتين فانوها الاولى، ثمّ صلّ الركعتين الباقيتين و قم فصلّ العصر (3) الحديث.

و قد عمل بهذه الصحيحة بعض المتأخرين و أفتى بإطلاقها، و قال: إنّه لو صلّى العصر ناسيا للظهر في الوقت الاختصاصي، بحيث لم يدخل الوقت‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 5.

(2) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

(3) الوسائل: ج 3 ص 211، باب 63 من أبواب المواقيت، ح 1.

36

المشترك و هو فيها بل وقعت بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي صحّت الصلاة و وقعت ظهرا، و بعد ذلك يصلّي العصر على اختلاف في تعبيراتهم من وقوعها ظهرا قهرا عليه و إن لم ينو ذلك، أو أنّه يعتبر احتسابها ظهرا بأن يجعلها في نيّته ظهرا و يحتسبها كذلك بعد الفراغ عند التذكّر، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّ العمل بهذه الرواية و الفتوى على طبقها في غاية الوهن و السقوط.

أمّا أولا: فلأنّ الرواية و إن كانت في الدرجة العليا من الصحّة، و قد أفتى المشهور بما اشتملت عليه من الأحكام و عمل بها، إلّا في خصوص هذا الجزء، و هو صحّتها عند التذكّر بعد الفراغ و احتساب العصر ظهرا، فإنّ المشهور قد أعرض عنه و أفتى ببطلان الصلاة لو وقعت بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي، و لا تحسب لا ظهرا و لا عصرا، و لو وقعت في الوقت المشترك و لو جزء منها تصحّ عصرا، فإعراض المشهور عن خصوص هذا الجزء مع الأخذ بسائر ما اشتملت عليه من الأحكام أقوى شاهد على وهن هذا الجزء و وقوع الخلل فيه.

و أمّا ثانيا: فلعدم إطلاق في الرواية بحيث تشمل ما إذا وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت الاختصاصي، إمّا لندرة نسيان الظهر في أول وقتها بحيث يشرع في أول وقت الظهر في العصر ناسيا لها كما في الجواهر (1)، و إمّا لظهور قوله (عليه السلام) في الرواية «إذا نسيت الظهر حتّى صلّيت العصر» في امتداد النسيان و لو في الجملة، فإنّه لو شرع في العصر في أول وقت الظهر لا يقال: إنّه نسي الظهر حتّى شرع في العصر، بل يقال: نسي الظهر و صلّى العصر، فكلمة «حتّى» تدلّ على امتداد النسيان و لو في الجملة، فتقع العصر و لو جزء منها في‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 7 ص 86.

37

الوقت المشترك، و لا يمكن أن يقال: إنّ كلمة «حتّى» إنّما هي لبيان امتداد النسيان إلى الفراغ من العصر، لمنافاته لقوله (عليه السلام) عقيب ذلك «فذكرتها و أنت في الصلاة» أو «بعد فراغك» فالإنصاف أنّ الرواية لا إطلاق فيها بحيث تشمل ما نحن فيه.

و أمّا ثالثا: فلأنّه على فرض إطلاق الرواية لا بدّ من تقييدها بأدلّة الاختصاص الدالّة على عدم صحّة العصر في الوقت المختصّ و عدم صلاحيّته لذلك، فلأنّه بعد تقييد أدلّة الاختصاص بما إذا لم يؤدّ صاحبة الوقت على ما تقدّم بيانه، فتكون حينئذ نصّا في عدم صلاحية الوقت لوقوع العصر فيه عند عدم فعل الظهر، و لا مورد لها سوى هذه الصورة، فلو أخذنا بإطلاق تلك الرواية و قلنا: إنّه متى ما صلّيت العصر قبل الظهر ناسيا لها تقع ظهرا فلا يبقى للاختصاص مورد حينئذ.

لا يقال: إنّ أدلّة الاختصاص إنّما هي لبيان عدم صحّة الصلاة عصرا في الوقت المختصّ، و أما عدم وقوعها ظهرا فلا يستفاد من أدلّة الاختصاص.

فإنّه يقال: بعد فرض الأخذ بإطلاق الرواية، و قلنا: إن الصلاة متى ما وقعت فإنّما هي تقع ظهرا سواء كان ذلك في الوقت الاختصاصي أو في الوقت المشترك، فأيّ فائدة في جعل وقتين وقت اختصاصي و وقت اشتراكي؟ و هل ثمرة ذلك إلّا عدم صحّة العصر في الأول لو وقعت نسيانا الدالّة عليه أدلّة الاختصاص بالنصوصية و صحّتها في الثاني؟ فلا بدّ من تقييد إطلاق الرواية بما إذا وقعت العصر و لو جزء منها في الوقت المشترك بناء على العمل بها.

و أمّا رابعا: فلأنّ قوله (عليه السلام) في الرواية «فانوها الاولى» كالصريح في عدم وقوعها ظهرا قهرا، بل يحتاج إلى نية العدول و احتسابها ظهرا، فلو أنّ أحدا صلّى العصر نسيانا في أول وقت الظهر، و لم يتذكّر إلى أن مات فتقع العصر‌

38

باطلة، و لا بدّ من قضاء الوليّ عنه الظهر و العصر، و لا يمكن للوليّ أن ينوي ما وقع من الميّت ظهرا، فالأقوى أنّ هذا الجزء من الرواية ساقط من أصله و لا يمكن الفتوى به [1]، هذا كلّه إذا لم يتذكّر حتّى فرغ من العصر.

و امّا لو تذكّر في الأثناء، فإن كان تذكّره بعد دخول وقت المشترك فلا بدّ من نية العدول و إتمامها ظهرا، و يدلّ عليه أخبار العدول (1)، و أمّا لو تذكّر و هو‌

____________

[1] هذا إذا وقعت العصر بتمام أجزائها في الوقت المختصّ بالظهر، و أمّا إذا وقع جزء منها في الوقت المشترك، و لم يتذكّر حتّى فرغ منها فالأقوى صحّتها عصرا كما نسب إلى المشهور، لإطلاق رواية إسماعيل بن رياح عن أبي عبد اللّٰه قال: إذا صلّيت و أنت ترى أنّك في وقت و لم يدخل الوقت فدخل الوقت و أنت في الصلاة فقد أجزأت عنك (2). الشامل لدخول الوقت المشترك في أثناء صلاة العصر و لو قبل التسليم.

لا يقال: إنّ مورد الرواية إنّما هو إذا راعى الوقت و ظنّ دخوله و اتّفق مخالفة ظنّه للواقع و أنّ الوقت بعد لم يدخل و لكن دخل عليه في الأثناء، و أمّا لو فرض أنّه لم يراع الوقت و دخل في صلاة الظهر غير ملتفت إلى الوقت أصلا و اتّفق دخوله في أثناء الصلاة فلا إشكال في بطلانها، بل ربّما ادّعي الإجماع عليه، و ما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّه لا يمكن فعل العصر قبل الظهر إلّا عند غفلته من صلاة الظهر و نسيانه، و ما كان هذا شأنه لا يمكنه مراعاة دخول الوقت المشترك، إذ مراعاة ذلك لا يكون إلّا مع تذكّره بأنّه ما صلّى الظهر فيخرج الفرض عمّا نحن فيه، فلا يمكن التمسّك بإطلاق رواية إسماعيل لما نحن فيه.

فإنّه يقال: إنّ في الرواية لم يكن لفظة المراعاة، و إنّما قلنا ببطلان صلاة من لم يراع الوقت و صلّى غافلا و دخل عليه في الأثناء فلأجل أنّ المفروض في الرواية «إذا صلّيت و أنت ترى أنّك في الوقت» و الشخص لا يرى نفسه في الوقت إلّا عند المراعاة كما لا يخفى، هذا بالنسبة إلى صلاة الظهر الواقعة قبل الزوال.

و أمّا فيما نحن فيه فلا يتحقّق موضوع قوله (عليه السلام) «و أنت ترى أنّك في الوقت» بعد الالتفات بوجوب الظهر و وجوب الترتيب إلّا إذا نسي عن فعل الظهر بتخيّل أنّه قد أتى بها، فإنّ في مثل هذا يرى الشخص نفسه أنّه في وقت العصر و يكون مشمولا للرواية و لو لا دخول ما نحن فيه في إطلاق الرواية لما كان لصحّة العصر الواقعة بعضها في الوقت المشترك وجه، و أولوية ما نحن فيه عمّا إذا وقعت بعض صلاة الظهر في الوقت ممنوعة جدّا بعد ما كان الصحّة فيها لأجل المراعاة المفقود فيما نحن فيه، فتأمّل جيّدا. «منه».

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 211 باب 63 من أبواب المواقيت.

(2) الوسائل: ج 3 ص 150 باب 25 من أبواب المواقيت، ح 1.

39

بعد في الوقت الاختصاصي فالذي يظهر من بعض الأعلام، كالبيان (1) و المقاصد العلية (2) و جامع المقاصد (3) و المدارك (4) و غيرها- على ما نقل- أنّه يعدل و يتمّمها ظهرا.

و لكن يشكل ذلك بأنّ أخبار العدول لا يستفاد منها ذلك، فإنّها في مقام إحراز الترتيب بعد الفراغ عن أنّ ما وقع منه أولا كان جامعا لشرائط الصحّة سوى فوات الترتيب و بالعدول يحرز الترتيب، و أمّا لو فرض أنّ ما وقع منه أولا كان باطلا من أصله فبأخبار العدول لا يمكن تصحيحه، إذ ليست في مقام تصحيح الباطل، و حينئذ نقول: إنّه لو تذكّر و قد دخل عليه الوقت المشترك، فحيث إنّ دخول الوقت المشترك مصحّح لما وقع منه أولا في غير الوقت لكان مقتضى القاعدة المستفادة من الأخبار- مع قطع النظر عن أخبار العدول- تتميمها عصرا و اغتفار فوات الترتيب كما لو لم يتذكّر إلى الفراغ، و بعد ملاحظة أخبار العدول يجب العدول و تتميمها ظهرا، و أمّا لو تذكّر و هو بعد في الوقت الاختصاصي، فحيث إنّ ما وقع من الصلاة كان في غير وقتها و بعد لم يدخل عليه الوقت المشترك فلا بدّ من وقوعه باطلا، و قد عرفت أنّ أخبار العدول ليست بصدد تصحيح ما وقع باطلا، فتأمّل.

فروع

الأول: لو صلّى العصر ناسيا للظهر و تذكر بعد الفراغ منها

، و لكن شكّ في‌

____________

(1) البيان: باب أوقات الصلاة ص 50 س 5.

(2) لا يوجد لدينا هذا الكتاب.

(3) جامع المقاصد: ج 2 ص 33 أوقات الصلاة.

(4) المدارك: ص 49 الرابع: الفرائض اليومية ..

40

أنّه هل دخل عليه الوقت المشترك قبل فراغه منها حتّى تصحّ عصرا، أو أنّه لم يدخل و وقعت بجميع أجزائها في الوقت الاختصاصي فلا إشكال في عدم جواز التمسّك بإطلاق قوله (عليه السلام) «إذا زال الزوال دخل الوقتان» (1) لتصحيحها، لأنّ المفروض أنّه قد قيّد هذا الإطلاق بمقدار مضيّ أربع ركعات، و الشبهة في المقام مصداقية لا يجوز التمسّك فيها بالعام، و هذا ممّا لا شبهة فيه.

إنّما الإشكال في أنّ قاعدة الفراغ تجري أو لا؟ و الأقوى أنّه لا موقع لقاعدة الفراغ في المقام، بل استصحاب عدم دخول الوقت المشترك محكّم، فتكون الصلاة واقعة في غير وقتها.

بيان ذلك: أنّه سيمرّ عليك إن شاء اللّٰه في بعض المباحث الآتية أنّ مورد قاعدة الفراغ إنّما هو الشكّ في فقدان شرط أو جزء كان مراعاته بيد المكلّف و بعد الفراغ شكّ في مراعاته، إمّا على النحو الشكّ الساري بحيث يشكّ الآن بأنّه هل راعى الشرط أو الجزء في موطنه، أو أنّه غفل عن مراعاته على أحد الاحتمالين في قاعدة الفراغ، و إمّا على نحو لا يرجع الشكّ إلى الشكّ الساري، كما إذا شكّ بعد الفراغ في إتيان الجزء أو الشرط بعد العلم بأنّه كان ملتفتا إليه في موطنه، كما هو أقوى الاحتمالين في قاعدة الفراغ.

و لكن على كلا الاحتمالين يعتبر أن يكون الشي‌ء المشكوك ممّا بيد المكلّف مراعاته، و أمّا لو لم يكن من هذا القبيل، بأن كان من الأمور الخارجة عن قدرة المكلّف، بحيث لو كان الشي‌ء المشكوك واقعا في الخارج لكان وقوعه من باب المصادفة الاتّفاقية بلا دخل لمراعاته فلا مورد لقاعدة الفراغ فيه. ففيما نحن فيه الشكّ إنّما هو في دخول الوقت المشترك في أثناء الصلاة، و هذا‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت. نقلا بالمضمون.

41

- كما ترى- لا دخل لمراعاة المكلّف فيه، فإنّ دخول الوقت و عدم دخوله من المصادفات الاتّفاقية الخارجة عن قدرة المكلّف و مراعاته.

نعم ما هو بيد المكلّف إنّما هو مراعاة أنّ صلاته هذه كانت قبل الظهر أو بعدها، و هذا ممّا يقطع بعدم مراعاته، لأنّ المفروض القطع بوقوع العصر قبل الظهر، فما هو بيد المكلّف مراعاته يقطع بعدم المراعاة، و لا مجرى لقاعدة الفراغ بالنسبة إليه، و ما هو ليس بيد المكلّف مراعاته كدخول الوقت و عدم دخوله أجنبيّ عن قاعدة الفراغ، فلا محيص عن استصحاب عدم دخول الوقت و الحكم ببطلان الصلاة.

لا يقال: لو شكّ بعد الفراغ من صلاة الظهر و بعد دخول الوقت [1].

أن الظهر هل وقعت بتمام اجزائها قبل الوقت أو بعده و لو جزء منها، فلا إشكال في جريان قاعدة الفراغ و الحكم بصحّتها، مع أنّ المشكوك هو دخول الوقت و عدم دخوله، و هو خارج عن قدرة المكلّف و مراعاته، فما الفرق بين هذا و بين ما نحن فيه؟ و الحاصل: أنّه لا نجد فرقا بين الشكّ بعد الفراغ في دخول الزوال أثناء صلاة الظهر، حيث تسالموا على الحكم بصحّتها لأجل قاعدة الفراغ، و بين الشكّ بعد الفراغ في دخول الوقت المشترك في أثناء صلاة العصر، حيث قلتم بعدم جريان قاعدة الفراغ.

____________

[1] و إنّما قيّدنا ببعد دخول الوقت فإنّه لو كان بعد الفراغ شاكّا في دخول الوقت أيضا لما كان محلّ لقاعدة الفراغ، فإنّها من القواعد الممهّدة لمرحلة الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف، و ذلك فرع ثبوت التكليف و اشتغال الذمّة به، فلو كان بعد الفراغ عالما بدخول الوقت الآن و إن شكّ في وقوع الظهر خارجه، فحيث إنّه الآن عالم باشتغال ذمّته بالظهر و توجّه التكليف عليه كان موردا لقاعدة الفراغ. و أمّا لو كان بعد الفراغ الآن أيضا شاكا في دخول الوقت فهو الآن بعد شاكّ في اشتغال ذمّته بصلاة الظهر و توجّه التكليف إليه، فكيف تجري القاعدة مع كونها من الأصول المجعولة في مقام الخروج عن عهدة ما اشتغلت الذمّة به و امتثاله؟ فتأمّل جيّدا «منه».

42

فإنّه يقال: الفرق واضح، فإنّه في مسألة صلاة الظهر و إن كان دخول الوقت و عدم الدخول ليس بيد المكلّف، إلّا أنّه قبل فعل الظهر كان يمكنه مراعاة الوقت و أنّ الزوال تحقّق أو لم يتحقّق، فباعتبار أنّ مراعاة الوقت قبل فعل الظهر كان بيد المكلّف، فلو شكّ بعد فعل الظهر أنّه هل راعى الوقت أو لم يراع، على وجه لا يرجع إلى الشكّ الساري أو يرجع على الاحتمالين، فقاعدة الفراغ لا مانع منها، فجريان قاعدة الفراغ ليس لأجل الشكّ في دخول الوقت و عدمه في الأثناء، حتّى يقال: إنّه خارج عن قدرة المكلّف و مراعاته، بل جريانها إنّما لأجل الشكّ في مراعاته الوقت قبل فعل الظهر أو عدم مراعاته.

و لذا لو قطع بعدم المراعاة و علم أنّه دخل في الصلاة غافلا، و لكن شكّ بعد الفراغ في دخول الوقت في الأثناء قهرا لما كان موردا لقاعدة الفراغ، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّ الشكّ فيه متمحّض في دخول الوقت المشترك عليه قهرا في الأثناء و عدم دخوله، و ليست هناك جهة أخرى للشكّ كانت بيد المكلّف مراعاتها و شكّ في مراعاتها حتّى تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إليها.

نعم لو أمكن رجوع الشكّ في المقام إلى الشكّ في مراعاته قبل فعل العصر أنّ الوقت المشترك دخل أو لم يدخل لكان لتوهّم جريان القاعدة وجه، إلّا أنّه لا يمكن رجوع الشكّ في المقام إلى ذلك، لأنّ هذا المراعاة قبل فعل العصر لا يكون إلّا مع التفاته إلى عدم فعل الظهر، و إلّا لا يمكن منه تحقّق هذا المراعاة، و مع التفاته إلى ذلك يخرج الفرض عمّا نحن فيه، لأنّ كلامنا إنّما فيما إذا نسي فعل الظهر و صلّى العصر و بعد الفراغ تذكّر و شكّ في دخول الوقت المشترك في الأثناء، فجهة الشكّ في المقام متمحّضة إلى ما ليس بيد المكلّف مراعاته، و قد عرفت أنّه لا يكون حينئذ موردا لقاعدة الفراغ، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه إذا كان تذكّره و شكّه في دخول الوقت المشترك بعد الفراغ من الصلاة.

43

و أمّا لو تذكّر في أثناء الصلاة عدم فعل الظهر، و شكّ في دخول الوقت المشترك حتّى يكون له العدول- بناء على ما اخترناه من أنّ العدول مختصّ بما إذا تذكّر في الوقت المشترك- فعدم جريان قاعدة الفراغ حينئذ في غاية الوضوح، و لا بدّ من استصحاب عدم دخول الوقت المشترك، و يرتفع به موضوع العدول.

الفرع الثاني (1): لو خاف ضيق الوقت إلّا عن صلاة العصر فلا إشكال في وجوب تقديمها و تأخير الظهر

، كما صرّحت به رواية الحلبي (2) المتقدّمة.

ثمّ إنه لو تبيّن مطابقة خوفه للواقع، و أنّه لم يبق من الوقت بعد فعل العصر شي‌ء فلا إشكال في خروج وقت الظهر و صيرورتها قضاء، و أمّا لو تبيّن بقاء الوقت بحيث يمكن فعل الظهر فيه ففي المقام وجوه بل أقوال، قول ببطلان العصر و يجب فعلها ثانيا، و هذا القول مبنيّ على أنّ قبل الوقت الاختصاصي للعصر بمقدار فعل الظهر يختصّ بالظهر أيضا كما في أوّل الوقت، و حينئذ تكون العصر‌

____________

(1) فائدة: قد ذكر الأصحاب قاعدتين ربّما يتوهّم المنافاة بينهما، الاولى: أنّه لو خاف الضيق صلّى العصر مقدّما على الظهر. الثانية: أنّه لو شكّ في بقاء الوقت استصحب الوقت و صلّى الظهر مقدّما على العصر. و لعلّه يتوهّم أنّه لا يمكن الجمع بين القاعدتين.

و لكن يمكن الجمع بينهما أنّ مورد الخوف إنّما هو ما إذا علم مقدار الوقت كربع ساعة، و لكن شكّ في سعته لفعل الظهر و العصر، فهنا يقدّم العصر لأنّه لا استصحاب بالنسبة إلى الوقت بعد العلم به، و بالنسبة إلى سعته لفعل الصلاتين ليس له حالة سابقة حتّى تستصحب.

و مورد الاستصحاب إنّما هو فيما إذا لم يعلم المقدار الباقي من الوقت، و أنّه هل هو نصف ساعة حتّى يسع للصلاتين أو ربع ساعة حتّى لا يسع، فهنا يستصحب بقاء الوقت و يرتفع به موضوع الخوف بعد حكم الشارع بأنّ الوقت باق، و أنّه يسع للصلاتين بمقتضى التعبّد بالاستصحاب، فتأمّل «منه».

(2) الوسائل: ج 3 ص 94 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 18.

44

واقعة في الوقت المختصّ للظهر فتبطل. و قول بصحّتها ظهرا و وجوب فعل العصر بعدها، لقوله (عليه السلام) «إنّما هي أربع مكان أربع» (1) و قول بصحّتها عصرا و عدم جواز فعل الظهر فيما بقي من الوقت لا أداء و لا قضاء، لأنّ الوقت المختصّ بالعصر غير صالح لوقوع الشريكة فيه مطلقا، كعدم صلاحية وقوع غير صوم رمضان في رمضان. و ربّما قيل: عدم صحّة الظهر فيما بقي من الوقت أداء و أمّا قضاء فلا مانع منه، لأنّه لا ينقص عمّا بعد الغروب. و قول بصحّتها و وجوب فعل الظهر فيه أداء، و هذا هو المختار و عليه المشهور.

أمّا صحّة ما فعله أولا عصرا فلدلالة رواية الحلبي (2) عليه من قوله «و إن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر و لا يؤخّرها» و لا يمكن أن يقال: إنّ الخوف أخذ فيها طريقا و بعد انكشاف الخلاف لا وجه للإجزاء و صحّتها عصرا، بل مقتضى القاعدة البطلان و عدم الإجزاء كسائر موارد تخلّف الطرق، فإنّه لا معنى لأخذ الخوف طريقا، إذ ليس له جهة كاشفية و طريقية حتّى يمكن اعتباره من جهة الطريقية، بل إنّما هو حالة نفسانية للمكلّف كالشكّ إذا وجد لا يعقل انكشاف الخلاف فيه، فلا بدّ من أخذه موضوعا، و لازم ذلك الإجزاء كما في جميع الموارد التي أخذ الخوف موضوعا للحكم، كخوف الضرر في باب الصوم و الوضوء و أمثال ذلك، فإنّ في جميع هذه الموارد مقتضى القاعدة الإجزاء.

و أمّا وجوب فعل الظهر فيما بقي من الوقت أداء فلما تقدّم من أنّ الاختصاص إنّما هو فيما إذا لم يؤدّ صاحبة الوقت على وجه صحيح، و أمّا إذا أدّاها فالوقت صالح لوقوع الشريكة فيه، خصوصا بعد قوله (عليه السلام) «ثمّ أنت في وقت منهما إلى غروب الشمس» (3) و ممّا يدلّ على صحّة فعل الظهر في الوقت الاختصاصي‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 211 باب 63 من أبواب القراءة في الصلاة، ح 1.

(2) الوسائل: ج 3 ص 94 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 18.

(3) في الوسائل هكذا: متى تغيب الشمس.

45

للعصر خصوصا قوله (عليه السلام) في آخر رواية الحلبي «ثمّ صلّى الظهر على أثرها» (1) فإنّه و إن كان مطلقا بالنسبة إلى بقاء الوقت و خروجه، إلّا أنّه بعد تقييده بما دلّ على التوسعة في القضاء يكون نصّا فيما إذا بقي من الوقت مقدار فعل الظهر، و به يخصّص حينئذ إطلاق رواية داود بن فرقد (2)، الدالّة بإطلاقها على اختصاص مقدار أربع ركعات من الغروب للعصر خاصّة، سواء صلّاها قبل ذلك على وجه صحيح أو لا، و قد تقدّم تفصيل ذلك فراجع.

فتحصّل: أنّ مقتضى القواعد و الجمع بين الأدلّة هو صحّة فعل الظهر فيما بقي من الوقت أداء على تقدير فعل العصر قبل ذلك على وجه صحيح.

و بذلك يظهر ضعف سائر الأقوال، أمّا القول الأول فلأنّ دعوى اختصاص الظهر من آخر الوقت كأوله بمقدار أدائها خالية عن الشاهد.

و لعلّه توهّم ذلك من وجوب الترتيب. و فيه- مع أنّ الترتيب لا يختصّ بآخر الوقت، بل هو واجب من أوله إلى مقدار أربع ركعات إلى الغروب، فلازم ذلك الحكم ببطلان صلاة العصر لو خاف الضيق، أو نسي الظهر لو وقعت عقيب الزوال بنصف ساعة مع أنّه لم يقل به أحد- أنّ مسألة شرطية الترتيب أجنبية عن مسألة الاختصاص، و لا يمكن استفادة الاختصاص منها.

و ربّما يوجّه هذا القول بأنّ بطلان العصر ليس من جهة وقوعها في الوقت المختصّ بالظهر بل لأجل فوات الترتيب، و المتيقّن من سقوطه إنّما هو ما لو نسي عن الظهر، و أمّا لو كان ملتفتا إلى عدم فعله الظهر و لكن خاف الضيق- كما هو مفروض المسألة- فلا وجه لسقوطه، و ينبغي حينئذ بطلان العصر.

____________

(1) في الوسائل هكذا: ليصلي الأولى بعد ذلك.

(2) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

46

و فيه ما لا يخفى، بعد ورود النصّ (1) بأنّه عند خوف الضيق يقدّم العصر و يؤخر الظهر الدالّ على الإجزاء كما تقدّم.

و أمّا القول الثاني فلما تقدّم من عدم عمل المشهور بقوله (عليه السلام) «إنّما هي أربع مكان أربع» (2).

و أمّا القول الثالث مع ما يتلوه من القول، فلأنّه مبنيّ على الاختصاص المطلق و الأخذ بإطلاق رواية داود بن فرقد (3)، و قد تقدّم فساده و أنّه مناف لمقتضى الجمع بين الأدلّة. فالأقوى عند انكشاف الخلاف لزوم فعل الظهر أداء، كما هو ظاهر المشهور.

الفرع الثالث: لو بقي من الوقت مقدار خمس ركعات فلا ينبغي الإشكال في لزوم فعل الظهر ثمّ العصر

، لأنّه قد أدرك من الوقت مقدار ركعة فيجب فعل الظهر، لما ورد من أنّ «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت جميعا» (4). فمن أدرك ركعة من الظهر في الوقت المشترك يجب عليه فعلها و إن وقع الباقي منها في الوقت المختصّ بالعصر، لأنّ قاعدة «من أدرك» توسّع دائرة الوقت و تجعل ما وقع من الظهر في وقت المختصّ بالعصر وقتا للظهر، و تكون حاكمة على أدلّة الاختصاص.

لا يقال: إنّ الظاهر من قاعدة «من أدرك» إنّما هو التوسعة في الوقت، بمعنى أنّها تجعل ما ليس بوقت مضروب شرعا بعنوانه الأولي وقتا، فلسانها إنّما هو تنزيل‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 94 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 18.

(2) الوسائل: ج 3 ص 211 باب 63 من أبواب المواقيت، ح

(3) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 7.

(4) الوسائل: ج 3 ص 157 باب 30 من أبواب المواقيت، مع تفاوت في اللّفظ.

47

خارج الوقت منزلة الوقت، كما إذا أدرك من صلاة العصر ركعة، بحيث يقع الباقي منها في وقت المغرب الذي لم يضرب بعنوانه الأولي وقتا للعصر، بل إنّما هو ضرب وقتا للمغرب، و بالعنوان الثانوي ببركة قاعدة «من أدرك» يصير وقتا للعصر، و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، فإنّ الوقت الاختصاصي للعصر بالنسبة إلى صلاة الظهر ليس من قبيل خارج الوقت كالمغرب بالنسبة إلى العصر، بل هو وقت للظهر أيضا، بمعنى صلاحيّته بحسب الضرب و التشريع لوقوع الظهر فيه، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) «ثمّ أنت في وقت منهما إلى الغروب» (1) فليس ما وقع من صلاة الظهر في الوقت المختصّ بالعصر من قبيل ما وقع من صلاة العصر في وقت المغرب، فإنّ في الثاني لم يكن الوقت صالحا لها بحسب التشريع بخلاف الأوّل، و قد عرفت أنّ قاعدة «من أدرك» إنّما هي لتنزيل خارج الوقت منزلة الوقت، فلا تشمل القاعدة ما نحن فيه، و تبقى أدلّة الاختصاص على حالها من عدم صحّة الشريكة فيه إذا لم يكن مؤدّى صاحبة الوقت، و لازم ذلك عدم صحّة فعل الظهر في مفروض المسألة.

فإنّه يقال:- مع إمكان دعوى الأولوية القطعية للصحّة فيما نحن فيه عمّا إذا وقعت بقية صلاة العصر في وقت المغرب كما لا يخفى- إنّه لا فرق في شمول القاعدة بين المقامين، فإنّ القاعدة في مقام تنزيل خارج الوقت منزلة الوقت، سواء كان خروجه من جهة عدم المقتضي، كمقدار من وقت الغروب بالنسبة إلى صلاة العصر، أو كان ذلك لأجل المانع مع كون الوقت بحسب الاقتضاء صالحا، كمقدار من وقت العصر بالنسبة إلى صلاة الظهر.

و الحاصل: أنّ القاعدة كما تنزّل ما ليس فيه اقتضاء الوقتية منزلة الوقت،

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 92 باب 4 من أبواب المواقيت، ح 5، و فيه اختلاف يسير.

48

كذلك تنزّل ما كان له مانعا عن الوقتية من جهة ابتلائه بصاحبته مع وجود المقتضي فيه منزلة الوقت.

و بعبارة واضحة: أنّ القاعدة كما توجد المقتضي لخارج الوقت و تجعله وقتا، كذلك ترفع المانع عنه. فالأقوى أنّ من أدرك من الظهر مقدار ركعة يجب عليه، و إن وقع الباقي منها في الوقت المختصّ بالعصر، لعموم قاعدة «من أدرك» الحاكم على أدلّة الاختصاص. هذا تمام الكلام في وقت الظهرين من المختصّ و المشترك، و ما يتفرّع عليهما من الفروع.

نعم بقي الكلام في معرفة الزوال، الذي هو أول وقت الظهرين. و طريق معرفة ذلك إنّما هو زيادة الظلّ بعد نقصانه، فيما كان عرض البلد مخالفا لميل الشمس في المقدار إلى جهة الشمال، أو حدوث الظلّ بعد انعدامه فيما كان موافقا للميل الأعظم، أو أنقص منه إلى جهة الجنوب.

و توضيح ذلك، على وجه الإجمال: هو أنّه لا إشكال في حركة الشمس بالنسبة إلى الفصول الأربعة تختلف، من حيث كونها في الشتاء و الخريف تكون في البروج الجنوبية، و في الصيف و الربيع تكون في البروج الشمالية، و البعد بين تمام ميلها إلى البروج الجنوبية الذي هو أول الجدي، و بين منتهى ميلها إلى البروج الشمالية الذي هو في أول السرطان مقدار أربع و عشرين درجة، فالبلاد الواقعة بين هذين الميلين لا محالة الظلّ ينعدم فيها في كلّ سنة يومين، في حال صعودها إلى البرج الشمالي، و في حال نزولها إلى البرج الجنوبي، فإنّه في مثل هذه البلاد تسامت الشمس في كلّ سنة يومين على رءوس أهل البلد، و يختلف ذلك اليومان باعتبار اختلاف البلاد في قربها إلى الميل الأعظم و بعدها، فربّ بلد ينعدم الظلّ فيه يومين، يوم قبل السرطان و يوم بعد السرطان، لقربه عن الميل الأعظم، و ربّ بلد يكون الانعدام فيه بعشرة أيّام أو عشرين يوما قبل ذلك،

49

كما قيل: إنّه ينعدم الظلّ في مكّة قبل السرطان بستّة و عشرين يوما، ثمّ يحدث بعد ذلك ظلّ إلى أن ينتهي الميل الأعظم للشمس، و تأخذ في النزول، فإذا مضى من السرطان أيضا ستّة و عشرون يوما ينعدم الظلّ فيها أيضا يوما واحدا.

و الحاصل: أنّ اليومين يختلفان باعتبار قرب البلد و بعده عن خطّ الاستواء الذي يكون تحت الميل الأعظم، و أمّا البلاد الواقعة تحت خطّ الاستواء المساوي للميل الأعظم- كمدينة الرسول على ما قيل- فيعدم الظلّ فيه يوما واحدا في كلّ سنة، و هو اليوم [الذي] ينتهي ميل الشمس إلى البرج الشمالي و هو أول السرطان، لأنّ في ذلك اليوم تكون الشمس مسامتة لرءوس أهل البلد الموافق في العرض للميل الأعظم، و بعد ذلك اليوم لا محالة يحدث ظلّ، لخروج الشمس عن المسامتة، ففي هذين الطائفتين من البلاد الظلّ ينعدم لا محالة إمّا يوما أو يومين.

و أمّا إذا لم يكن البلد بين الميلين و لا كان مساويا للميل الأعظم، بل كان خارجا عنه إلى جهة الشمال كالعراق، فالظلّ لا ينعدم فيه أصلا، لعدم اتّفاق مسامتة الشمس لرءوس أهل البلد في طول السنة، نعم يختلف الظلّ الباقي عند الزوال زيادة و نقصانا بحسب اختلاف بعد البلد إلى جهة الشمال عن الميل الأعظم كما هو واضح، و أمّا الأراضي الواقعة في منتهى ميل الشمس إلى جهة الجنوب، فحيث لم تكن مسكونة لا يهمّنا التعرّض عنها.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ علامة الزوال إنّما هي حدوث ظلّ الشاخص المنصوب على سطح الأرض نصبا مستقيما بعد انعدامه، في البلاد التي ينعدم فيها الظلّ يوما أو يومين، و زيادة الظلّ بعد نقصانه في غير تلك البلاد، أو فيها في غير اليوم و اليومين، و لكنّ هذه العلامة إنّما تظهر للحسّ بعد مضيّ مقدار من الزوال ممّا يزيد على نصف ساعة، فلم تكن علامة لمعرفة أول الزوال حقيقة، فإن أردت أن تعرف أوله الحقيقي فلا بدّ من إعمال الدائرة الهندية المجعولة لذلك.

50

و طريق معرفتها هو أن تدير على أرض مسطّحة دائرة، و تنصب على مركزها مقياسا محدّد الرأس مخروطيّ الشكل يكون طوله قد ربع الدائرة، و لا بدّ من أن يكون ذلك النصب نصبا مستقيما، ثمّ إنّ الشمس لا محالة إذا طلعت يحدث للمقياس ظلّ مستطيل إلى جهة المغرب، و لا يزال ينقص كلّما ارتفعت الشمس حتّى يصل الظلّ إلى رأس الدائرة، فإذا وصل إلى ذلك اجعل له علامة، ثمّ لا يزال الظلّ أيضا ينقص حتّى ينتهي نقصانه أو ينعدم على اختلاف البلاد، و بعد ذلك يأخذ في الزيادة و ينقلب الظلّ إلى جهة المشرق، و كذلك يزيد إلى أن يتجاوز عن الدائرة، فإذا وصل رأس الظلّ إلى منتهى الدائرة و أراد الخروج عنها اجعل له أيضا علامة، ثمّ تصل ما بين العلامتين بخطّ مستقيم و تنصّف ذلك الخطّ، ثمّ تصل ما بين مركز الدائرة و منتصف ذلك الخطّ بخطّ، و ذلك خطّ نصف النهار، فإذا أردت معرفة الزوال في غير يوم العمل تنظر إلى ظلّ المقياس، فمتى وصل إلى هذا الخطّ كانت الشمس في وسط السماء، فإذا ابتدأ رأس الظلّ يخرج عنه فقد زالت.

و يعرف الزوال أيضا بميل الشمس إلى الحاجب الأيمن ممّا يلي الأنف لمن يستقبل نقطة الجنوب، سواء كانت قبلة له كالموصل و من والاها أو لم تكن قبلة له، ضرورة عدم التفاوت في ذلك، بل المدار على استقبال نقطة الجنوب، فإنّ الشمس عند الزوال تحاذي نقطة الجنوب، و تكون الشمس بين الحاجبين لمن استقبل النقطة، فإذا مالت إلى الحاجب الأيمن يعرف تحقّق الزوال، فحصر هذه العلامة بمن كانت نقطة الجنوب قبلة له- كما في بعض المتون- ممّا لا وجه له. نعم هذه العلامة أيضا لا تظهر للحسّ إلا بعد مضيّ مدّة من الزوال.

51

المقام الثاني في بيان وقت المغرب و العشاء

اعلم أنّه قد اتّفق الأصحاب على أنّ أول وقت صلاة المغرب هو غروب الشمس، و لكن وقع الخلاف في تعيين الغروب، و أنّه هل هو استتار القرص عن أفق المصلّي، أو أنّه ذهاب الحمرة المشرقية و تجاوزها عن قمّة الرأس. و منشأ الاختلاف في ذلك هو اختلاف الأخبار، و قبل ذكرها‌

ينبغي تقديم أمور:

الأول: أنّ الجمع بين الدليلين بالإطلاق و التقييد لا ينحصر فيما إذا كان المقيّد من أفراد المطلق

، كقوله (أعتق رقبة) و (أعتق رقبة مؤمنة) إذ ليس كلّ مطلق يوجب التوسعة، حتّى يكون المقيّد موجبا للتضييق و خروج بعض ما لولاه لكان داخلا في المطلق، فإنّه ربّ إطلاق يوجب التضييق، و التقييد يوجب التوسعة، كما يقال: إطلاق العقد يوجب التعجيل أو نقد البلد و غير ذلك، و كما يقال:

إطلاق الأمر يوجب النفسية و العينية و التعيينية، فإنّ مثل هذا الإطلاق يوجب التضييق، بداهة تخصيص العقد بنقد البلد أو التعجيل، و كذا تخصيص الأمر التعييني يوجب الضيق، بخلاف ما لو قيّد هذا الإطلاق بعدم لزوم نقد البلد أو التعجيل، أو قيّد الواجب بعدم التعيينية، فإنّ هذا التقييد يوجب التوسعة.

فمن هنا يعلم أنّه ليس التقييد منحصرا بما كان المقيّد من أفراد المطلق، بداهة أنّ غير نقد البلد أو الواجب التخييري لم يكن من أفراد نقد البلد أو الواجب التعييني الذي اقتضياهما الإطلاقان، ففي المثالين لو قام الدليل على إرادة الأعمّ من نقد البلد أو غير الواجب التعييني، لم يعامل ما بينه و بين ما دلّ على خصوص نقد البلد أو الواجب التعييني بالإطلاق معاملة المتعارضين بالتباين، بل يكون‌

52

هذا الدليل مقيّدا لذلك الإطلاق و بمنزلة القرينة له، و يعامل معهما معاملة المطلق و المقيّد، و إن لم يكن المقيّد من أفراد المطلق، و ذلك واضح.

الثاني: أنّه ربّما يكون الدليل بحسب ظهوره الإطلاقي لا يعمّ غير شخص ما تعلّق به

، و لكن يرد دليل آخر على دخول التوابع و الملحقات بما تعلّق به ذلك الدليل الذي لم يعمّ بحسب ظهوره الإطلاقي تلك التوابع و الملحقات، و حينئذ لا يعامل مع الدليلين معاملة المتعارضين بالتباين، بل يقدّم ما دلّ على دخول التوابع و يقيّد به ذلك الإطلاق، و إن لم تكن تلك التوابع داخلة في المطلق، لما عرفت في الأمر الأول من أنّه لا يعتبر في المقيّد من أن يكون من أفراد المطلق و داخلا فيه لو لا التقييد.

مثلا لو قال (جاء زيد) فهذا القول بحسب ظهوره يدلّ على أنّ الجائي شخص زيد، من غير شمول زيد لمواليه و توابعه، و لو قال بعد ذلك أنّ مرادي من (جاء زيد) ليس شخص زيد فقط بل هو مع توابعه، لم يكن هذا القول معارضا للقول الأول، بل يكون حاكما عليه، و مقدّما على ذلك الظهور، و مقيّدا لذلك الإطلاق، من غير استلزام المجازية، كما لا يخفى.

الثالث: أنّ التحديدات الشرعية الواردة في بيان تحديد الموضوعات العرفية

الظاهرة في خلاف ما حدّده الشارع لا يعامل معها معاملة التعارض، مثلا لو ورد أنّ المسافر حكمه كذا، و المقيم حكمه كذا، و ماء الكثير حكمه كذا، فلو لم يرد من الشارع تحديد كان ما يفهمه العرف من هذه الموضوعات هو المتّبع، فربّما لا يرى العرف صدق الماء الكثير على الكرّ، و كذا لا يرى صدق السفر و الإقامة على ثمانية فراسخ أو إقامة عشرة أيّام.

و لكن بعد تحديد الشارع الماء الكثير بالكرّ، و السفر بثمانية فراسخ، و الإقامة بعشرة أيّام، لا يعامل مع هذا التحديد معاملة المعارض، لمّا أخذ نفس الماء الكثير‌

53

و السفر و الإقامة موضوعا، و إن كان ظاهر ما يتراءى من الموضوع منافيا لهذا التحديد، فإنّ هذا الظهور إنّما يكون متّبعا إذا لم يرد تحديد للشارع لبيانه، و بعد ورود التحديد يؤخذ به و يطرح ذلك الظهور، فإنّه يكون نظير التخطئة في المصداق، و ذلك أيضا واضح.

الرابع: أنّه لو لم يكن بين المتعارضين جمع دلالي

، كالإطلاق و التقييد و النصّ و الظاهر، تصل النوبة حينئذ إلى المرجّحات السندية، و تكون مقدّمة على موافقة العامّة و مخالفتهم كما بيّن في محلّه، لكن هذا إذا لم يكن في أحد الدليلين ما يوجب الظهور في صدوره تقية، أو كان مضمون أحد الدليلين ممّا تفرّدت به العامّة، بحيث صار شعارا لهم و كانوا يعرفون بذلك، كمعرفة الخاصّة بما تضمّنه الدليل الآخر. و الحاصل: أنّ ملاحظة المرجّحات السندية إنّما يكون بعد جريان الأصول الجهتية، من أصالة الصدور لبيان الحكم الواقعي، و أصالة عدم صدوره تقية، و أمّا مع عدم جريان الأصول الجهتيّة، إمّا لاحتفاف أحد الدليلين بما يوجب القطع أو الظنّ العقلائي على كونه صادرا تقية، و إمّا لكون ما تضمّنه أحد الدليلين من المعنى كان يعدّ في زمان الصدور من شعار العامّة و كانوا يعرفون به، عكس ما تضمّنه الدليل الآخر من كونه كان شعارا للخاصّة و يعرفون به، فلا تصل النوبة إلى المرجّحات السندية.

إذا عرفت هذه الأمور فلنشرع في ذكر الأخبار، و هي و إن كانت من الجانبين كثيرة إلّا أنّا نقتصر بما هو صريح أو ظاهر الدلالة، ثمّ نعقبه بما يقتضيه النظر الصحيح في الجمع بينها، فنقول: أمّا ما دلّ على أنّ الغروب إنّما هو بذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس و لا يكفي استتار القرص فهي على طوائف أربع:

منها: ما تدلّ على أنّ وقت استتار القرص و غيبوبة الشمس إنّما هو ذهاب الحمرة المشرقية، و في بعضها تقييد الذهاب بتجاوزها عن قمّة الرأس.

54

ففي مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام): وقت سقوط القرص و وقت الإفطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة و تتفقّد الحمرة التي ترتفع من المشرق، فإذا جازت قمّة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار و سقط القرص (1).

و ما رواه الكليني عن الباقر (عليه السلام) قال: إذا غابت الحمرة من هذا الجانب- يعني من ناحية المشرق- فقد غابت الشمس من شرق الأرض و غربها (2).

و في المحكيّ عن فقه الرضا (عليه السلام): أنّ وقت المغرب سقوط القرص- إلى أن قال:- و الدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق (3) ..

إلخ.

و في رواية أخرى عن ابن أبي عمير عن القاسم بن عروة عن بريد بن معاوية العجلي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا غابت الشمس من هذا الجانب- يعني ناحية المشرق- فقد غابت الشمس في شرق الأرض و غربها (4).

و معلوم أنّ المراد من غيبوبة الشمس من ناحية المشرق غيبوبتها بتوابعها و ملحقاتها من الشعاع و الحمرة، لا أنّ المراد خصوص غيبوبة جرم الشمس، إذ لا يكون حينئذ معنى لقوله (عليه السلام) «من ناحية المشرق» فإنّ جرم الشمس إذا غاب يغيب من المشرق و المغرب لا خصوص المشرق، فيعلم من ذلك أنّ المراد منه غيبوبتها بتوابعها و لوازمها، و قد عرفت في الأمر الثاني صحّة إطلاق اللفظ و إرادة الأعمّ منه و من توابعه و ملحقاته إذا كانت هناك قرينة متّصلة أو منفصلة تدلّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 3 ص 127 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 4.

(2) الوسائل: ج 3 ص 126 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 1.

(3) المستدرك: ج 1 ص 190 باب 13 من أبواب المواقيت، ح 3.

(4) الوسائل: ج 3 ص 126 باب 16 من أبواب المواقيت، ح 1، و فيه اختلاف يسير.