كتاب الصلاة - ج2

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
398 /
3

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[تتمة كتاب الصلاة]

[تتمة المقصد الأول]

[تتمة البحث الثالث]

القول في مكان المصلّي

و الأثر المهمّ الذي ينبغي البحث عنه في مكان المصلّي إنّما هو من حيث الإباحة و الطهارة، و حيث كان المعتبر في الطهارة هو خصوص المسجد ليس إلّا، أو هو مع سائر المواضع السبعة- كما سيأتي تحقيقه- كان البحث عن المكان من حيث الإباحة بمعنى آخر غير المعنى الذي يبحث عنه من حيث الطهارة، و من عرّف المكان من الفقهاء من أنّه الفراغ الشاغل، فإنّما يكون مراده المكان من حيث الإباحة، و لا يمكن تعريف المكان الذي يعتبر فيه الإباحة مع المكان الذي يعتبر فيه الطهارة بأمر واحد و معنى فأرد، إذ لا جامع بينهما.

و على كلّ حال فقد عرّف المكان كما عن الإيضاح: بما يستقرّ عليه المصلّي و لو بوسائط و ما يلاقي بدنه و ثيابه و ما يتخلّل بين مواضع الملاقاة من موضع الصلاة كما يلاقي مساجده و يحاذي بطنه و صدره (1). و عرّف أيضا: بأنّه الفراغ الذي يشغله بدن المصلّي أو يستقرّ عليه و لو بوسائط. و هذا هو الأولى لأنّ الظاهر أنّ المكان الذي يعتبر فيه الإباحة عند الفقهاء هو المكان الذي يكون عند الحكماء،

____________

(1) إيضاح الفوائد: ج 1 ص 86.

4

الذي هو عندهم الفراغ الشاغل،

فالبحث يقع حينئذ في مقامين:

الأول: اعتبار الإباحة في الفراغ الذي يشغله بدن المصلّي، الثاني: اعتبار الإباحة فيما يستقرّ عليه الشي‌ء و لو بوسائط:

أمّا الأول

فلا إشكال في اعتبار الإباحة في الفراغ الشاغل لبدن المصلّي في حال صلاته و إن كان ما يستقرّ عليه مباحا، فإنّ إباحة المكان لا يلازم إباحة الفضاء و الفراغ، فربّما يكون المكان الذي يستقرّ عليه الشي‌ء ملكا أو مباحا و كان الفضاء غصبا، كما لو وقف على الجناح الخارج إلى الدار المغصوبة، مع كون الجناح ملكا للمصلّي أو مباحا له، فإنّ الهواء الذي شغله الجناح مع الهواء الذي تحته إلى أرض الدار المغصوبة و الذي فوقه إلى عنان السماء أو مقدار ما يساعد عليه العرف و العادة كلّ ذلك يكون غصبا بغصب الدار، فالواقف على الجناح المملوك في الفرض المذكور يكون الهواء و الفضاء الشاغل له غصبا، و لكن ينبغي أن يعلم أنّ ما يقال: من أنّ من ملك أرضا فقد ملكها من تخوم الأرض إلى عنان السماء، فهو ممّا [لم] يقم عليه دليل، و لم يساعد عليه العرف أيضا، و إن ادّعي على ذلك الإجماع إلّا أنّ الظاهر عدم ثبوته، فالأولى إرجاع ذلك إلى العرف، و العرف لم يساعد على أنّ المالك للأرض يملكها من التخوم إلى عنان السماء، بل الذي يساعد عليه أنّ مالك الأرض يملك تبعا مقدارا من جهة التحت و الفوق الذي جرت العادة عليه، و ربّما يختلف ذلك باختلاف الأمكنة و الأشخاص، بل ربّما يقال بعدم ملكية ذلك المقدار أيضا، بل الثابت إنّما هو حقّ الأولوية و الاختصاص.

و بالجملة: في المسألة احتمالات أو أقوال ثلاثة: الأول: أنّه مالك من تخوم‌

5

الأرض إلى عنان السماء، و يتفرّع عليه بطلان الصلاة عند غصبية الفضاء و الفراغ و إن بلغ ما بلغ، كما إذا فرض أنّه وقف على جناح مملوك خارج على فضاء دار الغير المغصوبة و كان بينه و بين أرض الدار ألف ذراع أو أزيد.

الثاني: أنّه مالك تبعا مقدارا يساعد عليه العرف و جرت العادة به، فلو كان الجناح فوق ذلك المقدار صحّت الصلاة و لو كان دونه بطلت.

الثالث: عدم ملكه ذلك المقدار أيضا بل له حق أولوية، و يتفرّع عليه بناء على عدم قدح غصب الحقّ في صحّة الصلاة هو صحّة الصلاة، و لو كان دون ذلك المقدار، و حيث كان الأقوى أنّ غصب الحقّ كغصب الملك، فلا تظهر ثمرة بين القولين الأخيرين فيما نحن فيه، و إن كان الأقوى هو التبعية الملكية.

ثمّ إنّ المراد بالفضاء الذي يعتبر إباحته إنّما هو الفضاء الذي يكون بدن المصلّي شاغلا له من حيث الكون الصلاتي المختلف باختلاف أفعال الصلاة من القيام و الركوع و السجود، فالعبرة إنّما هو بكون القيام في الفضاء المغصوب، فلا بأس إذا كانت يده في الفضاء المغصوب، أو كان أطراف ثيابه مثلا فيه أو كان مقدار من رأسه الذي لا يضرّ بصدق القيام في المباح واقعا في الفضاء المغصوب، و بالجملة، العبرة إنّما هو صدق القيام في المغصوب و كذا الركوع و السجود فكلّ ما صدق هذا المعنى تبطل الصلاة و كلّ ما لا يصدق صحّت و إن وقع بعض بدنه أو ثيابه في المغصوب، و كذا لا يضرّ وقوع الأجزاء المندوبة في الفضاء المغصوب إذ غاية ما يلزم هو بطلان الأجزاء المندوبة فقط، و لا يسري بطلانها إلى بطلان الصلاة، فلو فرض أنّ خصوص جلسة الاستراحة وقعت في المغصوب لم تبطل الصلاة، بل و كذا لو وقعت الأجزاء الواجبة مع تداركها و فعلها ثانيا في المباح، هذا كلّه في الصلوات الواجبة و أمّا الصلاة المستحبّة، فربّما يقال بعدم قدح وقوعها جميعا في الفضاء و المكان المغصوب، لعدم اعتبار كون فيها بعد جواز فعلها‌

6

ماشيا موميا للركوع و السجود، هذا و لكنّ الأقوى أنّها كالصلاة الواجبة في اعتبار الإباحة في مكانها، و دعوى عدم اعتبار كون فيها واضحة الضعف، بداهة أنّه ليس الكون الصلاتي إلّا عبارة عن أفعالها من القيام و الركوع و السجود و غير ذلك و هذا ممّا يشترك فيه الصلوات الواجبة و المستحبّة غايته أنّ المكلّف مخيّر في المستحبّ منها من فعلها ماشيا أو مستقرّا، هذا كلّه في المقام الأول من إباحة الفضاء.

[الثاني]

و أمّا إباحة ما يستقرّ عليه و لو بوسائط فالظاهر أيضا أنّه ليس بهذا التعميم و إن قيل به بل العبرة إنّما هو على صدق التصرّف في المغصوب عرفا و العرف يأبى عن صدقه كذلك فلو كان بعض قوائم الأبنية مغصوبا و المصلّي واقف على البناء فالعرف لا يرى ذلك تصرّفا في المغصوب، و كذا الواقف على الساباط و الأرجوحة مع غصبية قوائمها، و كذا لو كان في السفينة لوح مغصوب و لم يكن المصلّي واقفا عليها بل واقف على اللوح المباح فإنّ الظاهر أنّ في جميع ذلك لا يعدّ تصرّفا في المغصوب، فلا مانع حينئذ من صحّة الصلاة كذلك و بالجملة حيث لا دليل في المقام سوى مسألة اتّحاد الغصب للكون الصلاتي و صدق التصرّف عليها و هذا أمر عرفي و مجرّد كون لبنة في قوائم البيت مغصوبة لا يعدّ الصلاة في البيت تصرّفا في المغصوب و على كلّ تقدير الصلاة في الأماكن كلّها جائزة لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله): جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا (1). لكن بشرط أن يكون المكان مملوكا له أو مأذونا في الكون فيه عموما أو في خصوص الكون الصلاتي من دون فرق بين‌

____________

(1) عوالي اللئالي: ج 2 ص 14 ح 27.

7

أن يكون الإذن بعوض كاجرة أو بإباحة و من دون فرق في الإباحة بين كونها صريحة كقوله صلّ أو بالفحوى كإذنه بشي‌ء تكون الصلاة أولى بالإذن بها أو بشاهد الحال على وجه يقطع برضا المالك أو قيام أمارة شرعية على ذلك، و قد أطيل الكلام في تعريف الفحوى و شاهد الحال إلّا أنّ الظاهر أنّ الشخص أبصر بمعرفة الفحوى و شاهد الحال و بالجملة: العبرة إنّما هو بالقطع بالرضا أو ما يقوم مقام القطع من الأمارات الشرعية.

نعم الظاهر قيام السيرة على الصلاة في الأراضي المتّسعة مع عدم القطع برضا المالك كقيام السيرة على الوضوء بالمياه و الأنهار الجارية و غير الوضوء من الشرب و قضاء الحوائج و التزوّد بل السيرة في المياه أقوى و أشدّ من السيرة في الأراضي فإنّ الظاهر قيام السيرة في المياه مع العلم بكراهة المالك بل لا يعتنى بمنعه صريحا و يخطّئون المالك بالمنع. و هذا بخلاف السيرة في الأراضي فإنّ الطاهر عدم قيامها مع منع المالك أو كراهته بل المتيقّن منها هو صورة عدم العلم بالكراهة و المناقشة في اعتبار هذه السيرة في غير محلّها بداهة القطع باستمرار هذه السيرة إلى زمن المعصوم (عليه السلام) بل السيرة في المقام و في المياه من أقوى السير فلا بأس بالعمل بها.

و على كلّ حال لا إشكال في بطلان الصلاة في غير الأراضي المتّسعة مع عدم إذن المالك و رضاه و علم المصلّي بذلك و أمّا في صورة الجهل حكما أو موضوعا قصورا أو تقصيرا فقد تقدّم الكلام فيه مفصّلا عند البحث عن لباس المصلّي فلا حاجة في إعادته نعم ينبغي الكلام عن حكم من توسّط أرضا مغصوبة و صحّة صلاته في حال الخروج مع ضيق الوقت.

اعلم أنّ فساد صلاته في حال الخروج مبنيّ على وقوع الخروج منه مبغوضا عليه و منهيّا عنه بالنهي السابق الساقط، فلو قلنا بوقوع الخروج منه مبغوضا عليه كان اللازم فساد صلاته و إن قلنا بعدم كونه مبغوضا عليه بل يقع منه محبوبا‌

8

كان اللازم صحّة صلاته مع ضيق الوقت و أمّا مع سعته فعلى كلّ تقدير تفسد صلاته لتمكّنه من الصلاة التامّة و وقوع الخروج محبوبا أو مبغوضا مبنيّ على أنّ الخروج عن الدار المغصوبة عند الدخول فيها اختيارا هل يكون من صغريات الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ملاكا و عقابا و إن كان ينافيه خطابا أو أنّ الخروج ليس داخلا تحت هذه الكبرى بل يكون الخروج واجبا على كلّ تقدير و إن حرمت مقدّماته من الدخول فيكون واجبا على تقدير فعل محرّم و لا غرر في أن يكون الشي‌ء واجبا على تقدير محرّم؟ فلو قلنا إنّ الخروج من صغريات الامتناع بالاختيار كان اللازم وقوع الخروج منه مبغوضا عليه فلا تصحّ الصلاة حاله، و لو قلنا إنّه واجب على تقدير محرّم كان الخروج محبوبا و تصحّ الصلاة حاله، و الأقوى أنّه واجب فلا مانع من الصلاة و تفصيل الكلام موكول إلى محلّه في مسألة اجتماع الأمر و النهي.

ثمّ إنّه قد عرفت بطلان الصلاة في المغصوب مع عدم إذن صاحبه و علم المصلّي بذلك و صحّة الصلاة مع الإذن، فهنا‌

مسائل ينبغي التنبيه عليها:

الاولى: لو شرع في الصلاة جهلا بالغصب و في الأثناء علم به

فلا ينبغي الإشكال في وجوب قطع الصلاة لعدم تمكّنه من إتمامها و الحال هذه و إن كانت قبل العلم صحيحة واقعا إلّا أنّ صحّة الأجزاء السابقة واقعا لا تنفع بعد عدم تمكّنه من إتمامها لفقدان شرطها من إذن المالك عند علم المصلّي بالغصب بداهة أنّ إذن المالك شرطا للصحّة حدوثا و بقاء و ذلك واضح.

الثانية: لو شرع في الصلاة باعتقاد الإذن فتبيّن عدمه في الأثناء

فالحكم كما سبق من وجوب قطعها بل هو من صغريات ما سبق من دون فرق بين ان حصل اعتقاده الإذن من الخارج أو من كلام صدر من المالك و تخيّل أنّه أذن و بعد ذلك انكشف الخلاف و تبيّن أنّ كلامه ذلك لم يكن إذنا.

9

الثالثة: لو أذن في الكون غير الصلاة

فالحكم كما سبق أيضا.

الرابعة: لو أذن في خصوص الكون الصلاتي أو الأعم منه و من غيره

بأن علم أنّ إذنه كان بالأعم حقيقة و واقعا فهل له الرجوع عن إذنه بعد الشروع في الصلاة أو ليس له الرجوع فيه خلاف بين الأعلام و نظير المقام ما إذا أذن في الدفن فأراد الرجوع بعد الدفن أو أذن في الرهن بل أعار ملكه للرهن و بعد الرهن أراد الرجوع أو بذل للحجّ و بعد الإحرام أراد الرجوع و الضابط في الكلّ أنّه لو أذن في شي‌ء يستتبعه حكم شرعي من تكليف أو وضع كحرمة إبطال الصلاة في مثال الصلاة و حرمة النبش في مثال الدفن و حرمة قطع الحجّ في مثال الحجّ و لزوم العقد في مثال الرهن فهل له الرجوع عن إذنه و يكون رجوعه نافذا فلا تحرم قطع الصلاة و الحجّ و لا نبش القبر و عدم لزوم الرهن أو أنّه ليس له الرجوع و لا يكون نافذا فيحرم إبطال الصلاة و قطع الحجّ و نبش القبر و يبقى عقد الرهن على لزومه؟

و تحقيق الكلام في ذلك هو أنّ في مثال الرهن الظاهر أنّه لا إشكال في أنّه ليس له الرجوع عن إذنه و لا ينفذ إذا رجع بل يبقى المرهون على رهانته بل الظاهر أنّه ممّا انعقد الإجماع عليه و ذلك لأنّه بعد فرض جواز رهن مال الغير بإذن صاحبه و لا يشترط في الرهن أن يكون من مال المديون و المفروض أنّ عقد الرهن أيضا من العقود اللازمة فإذنه في رهن مال نفسه يكون إذنا في موضوع حكمه الشرعيّ اللزوم و عدم طروّ الفسخ له إلّا بما جعله الشارع سببا له و لازم ذلك عدم نفوذ الرجوع عن إذنه بعد تحقّق عقد الرهانة إذ ليس له رفع الحكم الشرعي عن موضوعه، نعم له رفع الموضوع و المفروض أنّ الموضوع في المقام هو وقوع الرهن على مال الغير بإذن صاحبه و هذا المعنى قد تحقّق بالإذن السابق فيستتبعه حكمه من اللزوم فلا يؤثّر رجوعه عن إذنه بعد عدم انقلاب الموضوع عمّا هو عليه. و أمّا مثال الحجّ فإن قلنا إنّ من تلبّس بالإحرام يجب عليه إتمام الحجّ و لو مع فوات‌

10

الاستطاعة الشرعية و لا يعتبر بقاؤها إلى آخر الحجّ بل بمجرّد الإحرام يجب عليه الإتمام و لو متسكّعا، فيخرج المثال عمّا نحن فيه إذ على فرض رجوع الباذل عن بذله بعد تلبّسه بالإحرام لا يلزم منه شي‌ء و لا رفع حكم عن موضوعه إذ على كلّ تقدير يجب عليه إتمام الحجّ فلا ملزم لبقائه على بذله من هذه الجهة، و إن قلنا إنّه لا يجب عليه الإتمام بل يحرم عليه القطع على فرض بقاء الاستطاعة فيكون مثال الحجّ كمثال الصلاة و الدفن.

و مجمل الكلام في ذلك هو أنّه اختلفت كلمات الأعلام في جواز الرجوع عن إذنه بعد تلبّس المأذون في الصلاة بها أو بعد دفن الميّت في الأرض مع إذنه بالدفن فقيل: إنّه له الرجوع، فيجب عليه قطع الصلاة و نبش القبر و قيل: إنّه ليس له فلا يجوز نبش القبر و قطع الصلاة و الأقوى هو الثاني الذي عليه المشهور بل حكي عليه الإجماع و ذلك لأنّه لا إشكال في أنّ المالك لو أذن في استيفاء شي‌ء من ملكه أرضا كان أو دارا أو غيرهما و كان ما استوفاه المأذون له موضوعا لحكم شرعيّ لكان رجوعه عن إذنه كلا رجوع و لم يؤثّر رجوعه شيئا أصلا إذ المالك إنّما يكون له الرجوع بالنسبة إلى ما يأتي ممّا لم يستوفه المأذون له و أمّا بالنسبة إلى ما مضى ممّا استوفاه فليس له الرجوع لأنّ المفروض أنّه وقع بإذن منه و الشي‌ء عمّا وقع لا يتغيّر و في المقام حرمة قطع الصلاة أو نبش القبر إنّما هو من آثار ما مضى و مترتّب على ما سبق إذ الموضوع لحرمة الإبطال إنّما هو الصلاة التي قد شرع فيها على وجه صحيح. و كذا موضوع حرمة النبش إنّما هو الدفن على وجه صحيح و المفروض أنّ الشروع في الصلاة و الدفن إنّما وقعا على وجه صحيح بإذن من المالك و كان استيفاء المصلّي لما مضى من صلاته واقعا بإذنه و استيفاء ما مضى من الصلاة على هذا الوجه يكون موضوعا لحرمة الإبطال فليس للمالك الرجوع عن إذنه لأنّه يكون من الرجوع في شي‌ء قد استوفاه المالك قبل رجوعه،

11

و منه يعلم الفرق بين ما نحن فيه و بين ما سبق من أنّه لو شرع في الصلاة باعتقاد الإذن فبان في الأثناء عدمه حيث قلنا: بأنّ له عدم الإذن في الإتمام و يجب عليه قطع الصلاة لأنّه و إن شرع على وجه صحيح لكون الجهل في المقام عذرا إلّا أنّه حيث كان الذي استوفاه ممّا مضى من صلاته لم يكن بإذن من المالك حسب الفرض كان المالك غير ملزم بشي‌ء إذ لم يصدر منه إذن حتّى يكون ملزما به، و هذا بخلاف المقام حيث كان ما استوفاه ممّا مضى من صلاته بإذن منه فيكون ملزما بإذنه إلّا أن يكون ذلك ضررا عليه و يكون عدم نفوذ رجوعه عن إذنه موجبا لوقوعه في الضرر فلا يكون حينئذ ملزما بإذنه لحكومة أدلّة «لا ضرر» و إذنه في الصلاة ليس اقداما منه في الضرر كما لا يخفى.

12

القول في الأذان و الإقامة

و فيه فصول:

الفصل الأول في موارد ثبوتهما

اعلم أنّه لا ينبغي الإشكال في ثبوت أذان الإعلام و مشروعيّته و استحبابه و عظم أجره كما استفاضت به النصوص، و كذا لا ينبغي الإشكال أنّ أذان الإعلام غير أذان الصلاة بل هما وظيفتان لا ربط لأحدهما بالآخر كما لا يخفى على من راجع نصوص الباب، و كذا لا إشكال أيضا في ثبوت الأذان و الإقامة للصلاة الخمس اليومية عند فعلها في وقتها أداء و أمّا لقضاء الصلوات اليومية فإن كانت المقضية صلاة واحدة فلا إشكال أيضا في ثبوت الأذان و الإقامة لها و لو فرض فعلها عقيب صاحبة الوقت و قد أذّن و أقام لها لإطلاق ما دلّ على أنّه لكلّ صلاة أذان و إقامة كما سيأتي و أمّا إذا تعدّدت الصلاة المقضية بأن فاتته صلوات متعدّدة و أراد قضاءها في مجلس واحد ففي ثبوت الأذان و الإقامة لكلّ صلاة صلاة أو عدم ثبوت الأذان و الإقامة إلّا للأولى و في البقية يقيم فقط بلا أذان وجهان بل قولان: فالمحكي عن المشهور هو ثبوت الأذان و الإقامة لكلّ صلاة صلاة بل الأفضل ذلك، و إن كان له الاقتصار بالإقامة فقط فيما عدا الأولى إلّا أنّه يكون دونه في الفضل قال في الشرائع فقاضي الصلاة الخمس يؤذّن لكلّ واحدة و يقيم‌

13

و لو أذّن للأولى من ورده ثمّ أقام للبواقي كان دونه في الفضل (1) انتهى و حكي عن المجلسي- (قدّس سرّه)- أنّه لم يثبت الأذان و الإقامة إلّا للأولى و أمّا البواقي فالإقامة فقط و قد استدلّ للمشهور بوجوه:

الأول: الاستصحاب فإنّ كلّ صلاة أراد قضاءها كان الأذان ثابتا لها و مشروعا في حقّها عند فعلها أداء وجوبا أو استحبابا على ما يأتي تفصيل ذلك إن شاء اللّٰه فيستصحب مشروعيّته لتلك الصلاة عند فعلها قضاء هذا و لا يخفى عليك فساد هذا الوجه بداهة أنّ هذا الاستصحاب يكون من الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول بحجّيته.

الوجه الثاني: الإطلاقات و العمومات الواردة في مشروعية الأذان لكلّ صلاة من غير تفصيل بين الأداء و القضاء كقوله (عليه السلام) في موثّقة عمّار: لا صلاة إلّا بأذان و إقامة (2) فإنّ إطلاقه يشمل الأداء و القضاء هذا، و لكن لا بدّ من تقييد الإطلاق و تخصيص العموم بما في صحيحة محمّد بن مسلم: في الرجل يغمى عليه ثمّ يفيق يقضي ما فاته يؤذّن في الاولى و يقيم في البقية (3) و في معناها عدّة من الروايات (4) الظاهرة في ثبوت الإقامة فقط فيما عدا الاولى فيكون مقيّدا لقوله (عليه السلام): لا صلاة إلّا بأذان و إقامة. فإن قلت: إنّه لا وجه للتقييد بعد البناء على استحباب الأذان لما تقرّر في باب المطلق و المقيّد من عدم حمل المطلقات على المقيّدات في باب المستحبّات قلت: أولا: ذلك مقصور في المطلق و المقيّد و المقام‌

____________

(1) شرائع الإسلام: ج 1 ص 74 كتاب الصلاة.

(2) الوسائل: ج 4 ص 664 باب 35 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2.

(3) الوسائل: ج 5 ص 356 باب 4 من أبواب قضاء الصلوات، ح 2.

(4) الوسائل: ج 4 ص 666 باب 37 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1 و ج 5 ص 361 باب 8 من أبواب قضاء الصلوات، ح 1.

14

من العام و الخاص لا المطلق و المقيّد فإن قوله: «لا صلاة إلّا بأذان و إقامة» يكون عامّا لكلّ صلاة إذ النكرة في سياق النفي تفيد العموم فتكون صحيحة محمّد بن مسلم مخصّصة لذلك و ثانيا: أنّ عدم حمل المطلقات على المقيّدات في باب المستحبّات إنّما هو فيما إذا لم يكن دليل المقيّد نافيا للحكم عن بعض أفراد المطلق و في المقام يكون دليل المقيّد نافيا للحكم عن بعض أفراد المطلق بداهة ظهور قوله في صحيحة محمّد بن مسلم «و يقيم في البقية» هو عدم ثبوت الأذان فيها فتأمّل جيّدا.

الوجه الثالث: خصوص خبر عمّار أنّ الصادق (عليه السلام) سئل عن رجل إذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان و الإقامة؟ قال: نعم (1). بناء على حمل الإعادة على الأعم من القضاء و في هذا الوجه أيضا نظر أمّا أولا: فلمعارضته بمكاتبة موسى ابن عيسى قال: كتبت إليه: رجل يجب عليه إعادة الصلاة أ يعيدها بأذان و إقامة؟

فكتب: يعيدها بإقامة (2). و ثانيا: أنّ ظاهره وحدة الصلاة المعادة، و قد تقدّم أنّ مع وحدة الصلاة لا إشكال في ثبوت الأذان و الإقامة. و ثالثا: أنّ الخبر أجنبي عن المقام فإنّ الظاهر أن يكون جهة السؤال فيه أنّه لو صلّى بأذان و إقامة ثمّ تبيّن فساد صلاته فهل كان ذلك موجبا لفساد الإقامة و الأذان بمعنى أنّ الفصل بالصلاة الفاسدة الواقعة فيما بين أذانه و إقامته و بين إعادته الصلاة هل يوجب بطلان أذانه و إقامته أو لا يوجب بطلانهما فأجاب الإمام (عليه السلام): نعم، أي يوجب بطلانهما و أين ذلك ممّا نحن فيه من قضاء الصلوات التي لم يؤذّن و لم يقم لها أصلا و بما ذكرنا من جهة السؤال يظهر وجه الجمع بين خبر عمّار و مكاتبة‌

____________

(1) الوسائل: ج 5 ص 361 باب 8 من أبواب قضاء الصلوات، ح 2.

(2) الوسائل: ج 4 ص 666 باب 37 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2.

15

موسى بن عيسى (1) فإنّه بناء على هذا يكون طريق الجمع بينهما هو بطلان هذا الفصل للإقامة قطعا حيث اتفقت الروايتان على إعادتها و أمّا الأذان فهو لم يبطل بهذا الفصل و إن كان الأفضل أيضا إعادته فتأمّل جيّدا.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّه بعد لم يظهر لنا ما يدلّ على فتوى المشهور من ثبوت الأذان للصلوات المقضية فضلا عن أفضليّته نعم يمكن أن يقال: إن المقام يكون من صغريات الجمع بين الصلاتين التي سيأتي الكلام فيه من أنّ سقوط الأذان للصلاة الثانية هل يكون رخصة أو عزيمة و على كلّ حال لا إشكال في عدم ثبوت الأذان و الإقامة لبقية الصلوات المفروضة و المندوبة كما يدلّ عليه نصوص الباب.

الفصل الثاني في وجوب الأذان و الإقامة

اعلم أنّ للاعلام في الأذان أقوالا ثلاثة الأول: وجوبه في خصوص صلاة الجماعة دون الفرادى. الثاني: وجوبه في صلاة الصبح و المغرب و لو صلّيتا فرادى. الثالث: عدم وجوبه مطلقا في جميع الصلوات جماعة و فرادى و في الإقامة قولان قول بالوجوب مطلقا و قول بالعدم مطلقا و نسب القول بعدم الوجوب مطلقا بالنسبة إلى كلّ من الأذان و الإقامة إلى المشهور و لا بدّ من ذكر أدلّة الأقوال أولا ثمّ نعقبه بما هو المختار عندنا.

فممّا استدلّ به للقول الأول و هو وجوب الأذان في الجماعة عدّة من الروايات منها خبر أبي بصير سأل أحدهما أ يجزي أذان [1] واحد قال (عليه السلام): إن صلّيت‌

____________

[1] المراد بالأذان هو الإقامة بقرينة الذيل.

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 666 باب 37 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2.

16

جماعة لم يجز إلّا أذان و إقامة و إن كنت وحدك تبادر أمرا تخاف أن يفوتك تجزيك إقامة إلّا الفجر و المغرب فإنّه ينبغي أن يؤذّن فيهما و تقيم من أجل أنّه لا يقصّر فيهما كما يقصّر في سائر الصلوات (1). و منها موثّق عمّار: عن الرجل يؤذّن و يقيم ليصلّي وحده فيجي‌ء رجل فيقول له نصلّي جماعة هل يجوز أن يصلّيا بذلك الأذان و الإقامة فقال (عليه السلام): لا، و لكن يؤذّن و يقيم (2). و منها مفهوم صحيح الحلبي عنه (عليه السلام): أنّ أباه كان إذا صلّى وحده في البيت أقام إقامة واحدة و لم يؤذّن (3). و منها مفهوم آخر لابن سنان (4)، هذه جملة ما يمكن أن يستدلّ به لوجوب الأذان في الجماعة، و لم يعلم المراد من القائل بالوجوب هو الوجوب التعبّدي النفسي أو الوجوب الشرطي، و على تقدير أن يكون مراده الوجوب الشرطي فهل هو شرط للصحّة أو شرط لفضيلة الجماعة؟ و على جميع التقادير هل هو واجب مطلقا حتّى مع سماع أذان الغير أو أنّه مقصور بصورة عدم سماع أذان الغير و على كلّ حال، الأقوى في النظر هو عدم الوجوب مطلقا لا نفسيّا و لا شرطيّا لا للصحّة و لا للفضيلة مع سماع أذان الغير و عدمه و إن كان الأفضل عدم تركه في الجماعة، و ذلك لعدم دلالة الأخبار المتقدّمة على الوجوب بجميع فروضه.

أمّا خبر أبي بصير فلعدم دلالة قوله (عليه السلام) «لم يجز إلّا أذان و إقامة» على الوجوب إذ عدم الإجزاء أعم من الوجوب فإنّ معنى كون الشي‌ء مجزيا هو كونه مجزيا عن أمره ندبا كان أو واجبا و في مقابله عدم الإجزاء فإنّ معناه عدم الإجزاء عن أمره من دون أن يكون له دلالة على أنّ أمره كان للوجوب.

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 624 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 7.

(2) الوسائل: ج 4 ص 655 باب 27 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.

(3) الوسائل: ج 4 ص 622 باب 5 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 6.

(4) الوسائل: ج 4 ص 622 باب 5 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 4.

17

و بالجملة: لفظة الإجزاء و عدم الإجزاء في كلّ مورد وردت لا دلالة لها على الوجوب، فقوله «لم يجز إلّا أذان و إقامة» معناه أنّه لا يسقط الأمر الأذاني في باب الجماعة بالإقامة فقط بل لا بدّ من الأذان أيضا و في مقابلة الاجتزاء بالإقامة في غير الجماعة و معنى الاجتزاء بالإقامة فقط في غير الجماعة ليس سقوط الأمر الأذاني بالإقامة، و كون مصلحة الإقامة مشتملة على مصلحة الأذان فإنّ ذلك ضروري البطلان بداهة أنّ الإقامة إنّما تكون مسقطة لأمرها لا لأمر الأذان و إنّما تكون مشتملة على مصلحتها فقط مع بقاء الأذان على ما كان عليه من المصلحة في غير موارد المستثنيات على ما يأتي تفصيلها و إلّا لم يكن معنى للأمر بالأذان في كلّ صلاة صلاة، و ليست هذه الأخبار مخصّصة لقوله (عليه السلام) لا تصلّ إلّا بأذان و اقامة.

و الحاصل: أنّه ليس معنى الاجتزاء بالإقامة في غير الجماعة هو سقوط الأمر الأذاني بها كما ربّما يتخيّل في بادي النظر بل معناه أنّ الوظيفة التي شرّع الأذان و الإقامة لأجلها و هي تهيّؤ العبد للوقوف بين يدي ربّه للصلاة و تقديم هدية و تحية قبل ذلك كما ربّما يشعر بذلك بعض أخبار تشريع الأذان و الإقامة لا تتأدّى في باب الجماعة إلّا بالأذان و الإقامة و في غير باب الجماعة تتأدّى بالإقامة فقط، و إن كان يستحبّ له ذلك الأذان و مأمور به لمزيد التهيّؤ، و على كلّ حال فقد ظهر لك أنّ معنى قوله (عليه السلام) «لم يجز إلّا أذان و إقامة» معناه عدم تأدّي الوظيفة في باب الجماعة إلّا بالأذان و الإقامة و أين ذلك من الدلالة على الوجوب بجميع تقاديره.

و أمّا موثّق عمّار (1) فقوله (عليه السلام) فيه «لا و لكن يؤذّن و يقيم» ليس معناه‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 655 باب 27 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.

18

أنّه مع تركه الأذان قد فعل محرّما نفسيّا أو غيريّا بل الجواز يستعمل بمعنيين الأول:

بمعنى الرخصة مقابل الحرمة. الثاني: بمعنى المضيّ و التجاوز (أي ترتّب الأثر المقصود من الشي‌ء) مقابل الوقوف و السكون (أي عدم ترتّب الأثر) فيكون عدم الجواز أعم من الحرمة إذ يحتمل أن يكون بمعناه الثاني و يكون المراد من قوله:

«لا و لكن يؤذّن و يقيم» عدم ترتّب أثر الأذان و الإقامة بذلك الأذان و الإقامة أي لم تتأدّى الوظيفة المطلوب منهما و يتّحد حينئذ معنى عدم الجواز مع عدم الاجتزاء.

فإن قلت: هذا خلاف ظاهر لا يجوز فإنّ لا يجوز لو لم يكن معناه الحرمة فلا أقل من ظهوره الإطلاقي في ذلك و لذا لم يتوقّف أحد في ظهور قوله لا يجوز شرب الخمر و قوله لا يجوز الصلاة في الحرير في الحرمة النفسية أو الشرطية المساوقة للمانعية.

قلت: تارة يرد قوله (عليه السلام) لا يجوز لمقام تشريع الحكم و هذا ممّا لا ينكر ظهوره الإطلاقي في الحرمة و اخرى يرد بعد تشريع الحكم كما في المقام حيث إنّه بعد ما ثبت شرعية الأذان و الإقامة و الأمر بهما في الشريعة وقع السؤال عن أنّه هل يجوز الصلاة بذلك الأذان و الإقامة أي هل يكتفي بهما عن أمرهما فقال (عليه السلام) «لا» أي لا يكتفي بهما بل لا بدّ من تجديد الأذان و الإقامة بعد ما انقلبت الصلاة الفرادى إلى الجماعة، و أين هذا من الدلالة على الوجوب، ثمّ إنّه لم يظهر من الرواية كون اللاحق هو الإمام أو السابق فإن كان اللاحق مأموما و السابق إماما فقطعا لا يعتبر تجديد الأذان و الإقامة، و ممّا انعقد عليه الإجماع فلا بدّ من حملها بصورة كون اللاحق هو الامام.

و أمّا مفهوم صحيحة الحلبي (1) فعدم دلالته على الوجوب أظهر كما لا يخفى فالأقوى أنّ الجماعة كالفرادى لا يجب فيها الأذان و ان كان أفضل للأخبار المتقدمة‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 622 باب 5 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 6.

19

و أمّا وجوب الأذان في المغرب و الصبح فقد استدلّ له بعدّة من الروايات:

منها: رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أدنى ما يجزي من الأذان أن تفتتح الليل بأذان و إقامة و تفتتح النهار بأذان و إقامة و يجزيك في سائر الصلوات الإقامة بغير أذان (1).

و منها: رواية صفوان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: الأذان مثنى مثنى و الإقامة مثنى مثنى و لا بدّ في الفجر و المغرب من أذان و إقامة في الحضر و السفر لأنّه لا يقصّر فيهما في حضر و لا سفر و تجزيك إقامة بغير أذان في الظهر و العصر و العشاء الآخرة و الأذان و الإقامة في جميع الصلوات أفضل (2).

و منها: رواية سماعة قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): لا تصلّ الغداة و المغرب إلّا بأذان و إقامة و رخّص في سائر الصلوات الإقامة و الأذان أفضل (3).

و منها: رواية أبي بصير (4) المتقدّمة، و منها غير ذلك (5). إلّا أنّ ما ذكرناه أظهر دلالة على ذلك. هذا و لكنّ الإنصاف أنّ شيئا من هذه الروايات لا دلالة لها على الوجوب إذ ما من رواية إلّا و فيها قرينة على الاستحباب كقوله (عليه السلام) في رواية صفوان «و الأذان و الإقامة في جميع الصلوات أفضل» و كذا رواية سماعة، و لفظة «ينبغي» في رواية أبي بصير و لفظة [يجزي] في رواية زرارة (6) قد عرفت الكلام فيها و أنّها لا دلالة لها على الوجوب.

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 623 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.

(2) الوسائل: ج 4 ص 623 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2.

(3) الوسائل: ج 4 ص 624 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 5.

(4) الوسائل: ج 4 ص 624 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 7.

(5) الوسائل: ج 4 ص 624 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 3 و 4.

(6) الوسائل: ج 4 ص 623 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.

20

هذا كلّه مضافا إلى رواية عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّٰه عن إقامة بغير أذان في المغرب فقال: ليس به بأس و ما أحب أن يعتاد (1). فإنه صريح في عدم وجوب الأذان في المغرب و قوله (عليه السلام) و ما أحب أن يعتاد يكون شاهدا على أنّ النهي عن ترك الأذان في المغرب محمول على الكراهة.

و اما وجوب الإقامة في مطلق الصلاة اليومية فقد استدل له بطوائف من الاخبار: منها ما دل على أنّ من صلّى بأذان و إقامة فقد صلّى خلفه صفّان من الملائكة و من صلّى بإقامة فقط صلّى خلفه صفّ من الملائكة و قد ورد بهذا المضمون عدّة من الروايات و قد عقد لذلك باب (2) في الوسائل إلا أنّ دلالتها على وجوب الإقامة ضعيفة جدّا بل نفس لسان هذه الطائفة من الأخبار ينادي بالاستحباب كما لا يخفى. و منها ما دلّ على أنّه يجزي إقامة واحدة في السفر أو في الحضر أيضا و هي عدّة من الروايات أيضا، و قد عقد لها في الوسائل باب (3) على حدة إلّا أنّها لا تدلّ أيضا على الوجوب لما عرفت الكلام فيما يتعلّق بلفظة يجزي فلا نعيده. و منها ما تقدّم من الروايات الدالّة على وجوب الأذان و الإقامة في المغرب و الصبح و الإقامة فقط في سائر الصلوات و قد عرفت الجواب عنها. و منها ما دلّ على أنّ الإقامة جزء للصلاة و يبطلها كلّ ما يبطل الصلاة كقول الصادق (عليه السلام) لأبي هارون المكفوف: يا أبا هارون الإقامة من الصلاة فإذا أقمت فلا تتكلّم و لا تؤم بيدك (4)، هذا.

و لكنّ الإنصاف أنّه لا دلالة لهذه الطائفة على الوجوب أيضا، فإنّه- مضافا إلى أنّه لا بدّ من حملها على خلاف ظاهرها، لما استفاضت النصوص به، من أنّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 623 باب 6 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 6.

(2) الوسائل: ج 4 ص 619 باب 4 من أبواب الأذان و الإقامة.

(3) الوسائل: ج 4 ص 621 باب 5 من أبواب الأذان و الإقامة.

(4) الوسائل: ج 4 ص 630 باب 10 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 12.

21

أول الصلاة التكبير و آخرها التسليم (1)، فلا يمكن القول بجزئية الإقامة للصلاة- لا دلالة لها على الوجوب إذ لا ملازمة بين الجزئية و الوجوب كما لا يخفى. فالأقوى عدم وجوب الإقامة أيضا في مطلق الصلوات نعم استحبابها آكد من الأذان للنصوص المتقدّمة.

الفصل الثالث في موارد سقوط الأذان و الإقامة

و فيه أبحاث [1].

البحث الأول: في سقوط الأذان فقط اعلم أنّه قد ذكر الأعلام موارد يسقط فيه الأذان، ثمّ اختلفوا في أنّ سقوطه هل هو عزيمة أو رخصة؟ و قبل ذكر الموارد لا بدّ من بيان المراد من الرخصة و العزيمة فنقول:

إنّ المراد من العزيمة هو عدم مشروعية الأذان في هذه الموارد بمعنى أنّه لا يجوز التعبّد به و فعله بداعي الأمر كما هو الشأن في كلّ عبادة لم تكن مشروعة و أمّا معنى الرخصة فليس المراد منها الرخصة في الترك الذي هو لازم الأمر الاستحبابي فإنّ الرخصة بهذا المعنى لا يختصّ بهذه الموارد الخاصّة بل بعد البناء على استحباب الأذان و الإقامة يكون الشخص مرخصا في تركهما في جميع الموارد و إلّا خرجا عن كونهما مستحبّين، فالرخصة بمعنى جواز ترك المستحبّ قطعا ليس بمراد في المقام و كذا ليس المراد من الرخصة الإباحة بمعنى تساوي الطرفين إذ العبادة لا يمكن‌

____________

[1] ذكر المصنّف- (رحمه اللّٰه)- بحثا واحدا، و لم يتطرّق عن موارد سقوط الإقامة، فتأمّل.

____________

(1) الوسائل: ج 4 باب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام و باب 1 من أبواب التسليم.

22

تساوي طرفيها فلا بدّ من أن يكون المراد من الرخصة هو أقلّية الفضل بالنسبة إلى ما عدا هذه الموارد لا بمعنى أن يكون تركهما في موارد سقوطهما أفضل من فعلهما بأن ينطبق عنوان على الترك يكون أفضل من الفعل نظير العبادات المكروهة التي لا بدل لها فإنّ ذلك بعيد في المقام. بل الأقرب في المقام هو أن يراد من الرخصة أقلّية الفضل من سائر الموارد و إن كان فعلهما في هذه الموارد فيه الفضل من دون أن يكون تركهما أفضل، و لكن لا يخفى عليك أنّ ثبوت الرخصة بهذا المعنى يحتاج إلى قيام الدليل عليه و إلّا الأصل يقتضي أن يكون السقوط عزيمة إذ ما دلّ على السقوط في هذه الموارد يكون مخصّصا للعمومات و الإطلاقات الدالّة على مشروعية الأذان و الإقامة و استحبابهما كما سيأتي بيانه. ثمّ إنّ كلمات العلماء في موارد السقوط و كونه عزيمة أو رخصة مضطربة غاية الاضطراب و تطبيقها على الدليل في غاية الإشكال. فالأولى الاقتصار على ما أفاده شيخنا الأستاذ- دام ظلّه- في المقام فنقول:

موارد سقوط الأذان هو موارد الجمع بين الصلاتين و لكنّ الجمع بين الصلاتين تارة يكون مستحبّا و اخرى يكون عدم الجمع و التفريق مستحبّا و ثالثة يكون كلّ من الجمع و التفريق متساويان من دون أن يكون بينهما تفاوت في الفضل، و قبل بيان الأقسام و أحكامها لا بدّ من بيان معنى الجمع و التفريق فنقول:

المراد من الجمع هو الجمع بين الصلاتين بالنسبة إلى الوقت بأن يأتي بالأولى في وقت الثانية أو الثانية في وقت الاولى من دون فصل بينهما عرفا و في كون الفصل بالنافلة مخلّا بالجمع كلام يأتي بيانه و المراد من التفريق تفريق الصلاتين على أوقاتهما مع الفصل بينهما عرفا و لا يكفي مجرّد التفريق على الأوقات من دون الفصل العرفي كما إذا صلّى الظهر في آخر وقت فضلها و العصر في أول وقت فضلها فإنّ ذلك يكون من الجمع لعدم الفصل العرفي بينهما، ففي التفريق لا بدّ‌

23

من كلا القيدين التفريق على الأوقات و الفصل العرفي، ثمّ إنّ الجمع بين الصلاتين تارة يكون أفضل من التفريق كما في يوم الجمعة و عرفة بالنسبة إلى الظهرين و المزدلفة بالنسبة إلى العشاءين غايته أنّ في يوم الجمعة و يوم عرفة يستحبّ فعل الثانية في وقت الاولى و في المزدلفة يستحبّ فعل الاولى و هي المغرب في وقت الثانية و اخرى يكون التفريق أفضل كما في سائر الأيام إذ يستحبّ تفريق الصلوات على أوقاتها و ثالثة يتساوى الجمع و التفريق كقضاء الصلوات إذ لا يتفاوت فيه بين الجمع و التفريق.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الذي يقتضيه الجمع بين الروايات هو أنّه لو كان الجمع أفضل فأذان الثانية ساقط عزيمة إن لم يتنفّل بين الصلاتين و رخصة أن تنفّل و لو كان التفريق أفضل فعند الجمع مع التنفّل في البين يسقط أذان الثانية رخصة و مع عدم التنفّل يكون السقوط عزيمة إلّا أن يكون إجماع على خلافه و لو تساوى كلّ من الجمع و التفريق كان السقوط أيضا عزيمة، و ليس في هذا مظنّة الإجماع على كون السقوط رخصة كما كان مظنّته في موارد استحباب التفريق فجمع بلا تنفّل كما يشعر إليه كلام الشهيد- (رحمه اللّٰه)- في اللمعة (1).

و ينبغي حينئذ ذكر الأخبار حتّى يعلم انطباقها على ما قلناه فنقول: منها خبر غياث: الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة (2). و بهذا الخبر قد استدلّ على سقوط أذان العصر في يوم الجمعة لأنّ الأذان الأول في يوم الجمعة هو أذان الصبح و الأذان الثاني أذان الظهر فيكون الثالث أذان العصر هذا، و لكنّ الظاهر أن يكون المراد من الأذان الثالث الأذان الثاني لصلاة الجمعة الذي أبدعه عثمان أو معاوية‌

____________

(1) اللمعة: ج 1 ص 109.

(2) الوسائل: ج 5 ص 81 باب 49 من أبواب صلاة الجمعة، ح 1.

24

حيث إنّه كان يفعل لصلاة الجمعة أذانين قبل الخطبتين و بعدهما و يدلّ على ذلك لفظ البدعة.

و منها: صحيح عبد اللّٰه بن سنان: السنّة في الأذان يوم العرفة أن تؤذّن و تقيم للظهر ثمّ تصلّي ثمّ تقيم للعصر بغير أذان و كذلك المغرب و العشاء بمزدلفة (1).

و في معناه عدّة من الروايات (2)، و هو بظاهره يدلّ على أنّ الأذان للعصر في يوم عرفة و للعشاء في المزدلفة ليس من السنّة بل هو عزيمة، فيكون دليلا على سقوط الأذان عزيمة في موارد استحباب الجمع، و هو بإطلاقه و إن كان يعمّ ما إذا تنفّل بينهما فيدلّ بإطلاقه على عدم مشروعية الأذان في موارد استحباب الجمع و لو تنفّل بين الصلاتين إلّا أنّ في موثّق محمّد بن حكيم عنه (عليه السلام): الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوّع فإذا كان بينهما تطوّع فلا جمع (3). و هذا الموثّق و إن كان ظاهره نفي أصل الجمع مع التطوّع و يكون دليلا على عدم سقوط الأذان لا رخصة و لا عزيمة مع التطوّع إلّا أنّه ورد أيضا أنّ التطوّع في البين لا ينافي الجمع المسقط للأذان كما في خبر أبان بن تغلب قال: صلّيت خلف أبي عبد اللّٰه المغرب بالمزدلفة فلمّا انصرف أقام الصلاة فصلّى العشاء الآخرة لم يركع بينهما، ثمّ صلّيت معه بعد ذلك بسنة فصلّى المغرب ثمّ قام فتنفّل بأربع ركعات ثمّ أقام فصلّى العشاء الآخرة (4). فهذا الخبر يدلّ على أنّ التنفّل غير مانع عن الجمع المستحبّ في المزدلفة و عن سقوط الأذان أيضا.

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 665 باب 36 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 1.

(2) الوسائل: ج 4 ص 665 باب 36 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2 و ج 3 ص 167 باب 32 من أبواب المواقيت، ح 1 و ج 10، ص 9 باب 9 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة، ح 1.

(3) الوسائل: ج 3 ص 163 باب 33 من أبواب المواقيت، ح 3.

(4) الوسائل: ج 3 ص 163 باب 33 من أبواب المواقيت، ح 1.

25

و نحن لو خلّينا و أنفسنا لقلنا إنّ سقوط الأذان عزيمة مطلقا و لو تنفّل بينهما إلّا أنّه ورد في خبر زريق عن الصادق (عليه السلام): أنّه ربّما كان يصلّي يوم الجمعة ركعتين إذا ارتفع النهار و بعد ذلك ستّ ركعات أخر و كان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال أذّن و صلّى ركعتين فما يفرغ إلّا مع الزوال ثمّ يقيم لصلاة الظهر و يصلّي بعد الظهر أربع ركعات ثمّ يؤذّن و يصلّي ركعتين ثمّ يقيم و يصلّي العصر (1). و هذا يدلّ على عدم سقوط الأذان مع التنفّل بين الصلاتين، فيكون مقتضى الجمع بين الروايات هو أنّه في موارد استحباب الجمع كيوم الجمعة و عرفة و المزدلفة يسقط الأذان للصلاة الثانية عزيمة إن لم يتنفّل بينهما و رخصة أن تنفّل، فتأمّل جيّدا. هذا كلّه في موارد استحباب الجمع.

و أمّا في موارد استحباب التفريق كسائر الأيام فإن جمع بين الصلاتين مع التنفّل بينهما فلا يبعد دعوى كون السقوط أيضا رخصة للأولوية فإنّه لو كان التنفّل في موارد استحباب الجمع موجبا لكون السقوط رخصة ففي غير موارد استحباب الجمع يكون السقوط رخصة مع التنفّل أولى.

و أمّا مع عدم التنفّل بينهما فمقتضى القاعدة كون السقوط عزيمة لعدم دليل لفظي يدلّ على ثبوت الأذان مع ما ورد من فعل الأئمّة و النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) من ترك الأذان مع الجمع في عدّة من الروايات (2).

و دعوى أنّ مجرّد عدم فعلهم (عليهم السلام) للأذان لا يوجب تخصيص المطلقات الدالّة على استحباب الأذان لكلّ صلاة لجواز تركهم المستحبّ أو كان تركهم لبيان ذلك فاسدة فإنّ تركهم المستحبّ لم يعهد عنهم و بيانهم لجواز الترك‌

____________

(1) الوسائل: ج 5 ص 27 باب 13 من أبواب المواقيت، ح 4.

(2) الوسائل: ج 4 ص 665 باب 36 من أبواب الأذان و الإقامة، ح 2 و ج 3 ص 167 باب 32 من أبواب المواقيت، ح 1 و ج 10 ص 9 باب 9 من أبواب إحرام الحجّ و الوقوف بعرفة، ح 1.

26

لا ينحصر بالفعل إذ يمكن البيان بالقول فلا معنى لتركهم المستحبّ لمجرّد بيان جواز الترك فتأمّل جيّدا. و كذا القول فيما لا يستحبّ فيه الجمع و التفريق كقضاء الصلوات بل كون السقوط في ذلك عزيمة أولى لقيام الدليل اللفظي على السقوط كما تقدّم.

27

المقصد الثاني في أفعال الصلاة

و فيه فصول:

الفصل الأول: في النية

اعلم أنّ الكلام في النية يقع من جهتين:

الجهة الاولى: في كيفيّة اعتبارها

و أنّها كيف يمكن أخذها في متعلّق التكليف مع كونها هي الداعي إلى إرادة الفاعل نحو الفعل و تنبعث الإرادة عنها؟ فهي واقعة فوق دائرة الإرادة و ما كان فوق الإرادة لا يمكن أن يرد الإرادة عليه و يكون تحت دائرتها بحيث تتعلّق الإرادة بها نحو تعلّقها بالفعل الصادر عن الفاعل فإذا لم يكن تعلّق إرادة الفاعل بها لا يمكن تعلّق إرادة الآمر بها بحيث يطالب بها نحو طلبه بما يقع تحت إرادة الفاعل من الفعل الصادر عنه لأنّ إرادة الآمر إنّما تتعلّق بما يتعلّق به إرادة الفاعل لأنّ الإرادة الآمرية هي المحرّكة للإرادة الفاعلية فلا يمكن أن يكون متعلّق إرادة الآمر أوسع من متعلّق إرادة الفاعل. و هذا الاشكال وارد على اعتبار النية و كونها متعلّقة للطلب على جميع الوجوه و التفاسير حتّى لو قلنا: إنّ النية و القربة المعتبرة في العبادات عبارة عن إتيان الفعل للّٰه تعالى، مضافا إلى ما يرد على التفاسير الأخر من كونها عبارة عن قصد الأمر و قصد الوجه و غير ذلك من لزوم الدور، و أنّ ما لا يأتي إلّا من قبل الأمر كيف يمكن أخذه في المتعلّق، فإنّ الدور يختصّ بما إذا قلنا: إنّها عبارة عن قصد الأمر و ما يشبه ذلك و أمّا لو قلنا: إنها عبارة عن إتيان‌

28

الفعل للّٰه تعالى فلا دور، إلّا أنّه يرد عليه ما تقدّم من الإشكال فإنّ الإشكال المتقدّم وارد على كلّ حال كما لا يخفى.

الجهة الثانية: فيما يعتبر في النية و شرائطها و أركانها

، و البحث عن الجهة الأولى راجع إلى مسألة أصولية، و عن الجهة الثانية إلى مسألة فقهية، و المقصود في المقام إنّما هو البحث عن الجهة الثانية، و فيه مباحث:

البحث الأول:

حقيقة النية ليس إلّا الإرادة الباعثة على الفعل، و لكن في العبادات تتقوّم بأمرين، الأول: القصد إلى المأمور به الذي به يكون الفعل اختياريّا و صادرا عنه بالإرادة و يمتاز عن فعل النائم و الساهي و الغافل. الثاني: انبعاث هذا القصد عن الداعي المقرّب إليه تعالى دون سائر الدواعي الذي به يمتاز العبادة عن غيرها فحقيقة النية في العبادة إنّما هي متقوّمة بهذين الأمرين و كان كلّ منهما ركنا في النية و إن كان الثاني في طول الأول و ربّما يطلق النية على خصوص الثاني أي ما يمتاز به العبادة عن غيرها و على كلّ حال لا بدّ في كلّ عبادة من تحقّق هذين الركنين فلا بدّ من التكلّم في كلّ منهما على حدة.

و يعتبر في الركن الأول أي القصد إلى المأمور به أمور:

الأول: أن يتعلّق القصد بذات المأمور به و بحقيقته و هويّته

التي بها يمتاز عمّا عداه و بعبارة أخرى لا بدّ من القصد إلى واقع المأمور به بحيث يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي أنّه هو فلا يكفي القصد إلى مفهوم الصلاة و الصيام بل لا بدّ من القصد إلى العنوان الذي أمر به سواء انحصر ما في ذمّته في واحد معيّن أو لم ينحصر فإنّ الانحصار و عدم الانحصار لا دخل له بما نحن بصدده من القصد إلى المأمور به الذي قد عرفت أنّ بذلك يكون الفعل اختياريّا و يمتاز عن فعل النائم و الساهي.

29

و الحاصل أنّ الفعل الاختياري هو ما كان عن قصد و إرادة فأيّ مقدار من الفعل دخل تحت القصد و تعلّقت به الإرادة يكون الفعل بذلك المقدار اختياريّا فلو تعلّق القصد بذات الفعل و القدر المشترك بين الأنواع و الأصناف كان الاختياري هو ذلك القدر المشترك دون الخصوصيّات المنوّعة و المصنّفة و ذلك واضح غايته.

و حينئذ لو كان المأمور به نوعا خاصا من صوم الكفّارة و صلاة الظهر و أمثال ذلك فلا بدّ من القصد إلى ذلك النوع و يكون هو متعلّق الإرادة بوجه من الوجوه، و لا يكفي القصد إلى القدر المشترك من القصد إلى الصيام المطلق و الصلاة كذلك عن قصد الكفّارة و الظهر و إن لم يكن في ذمّته إلّا ذلك فإنّ انحصار ما في الذمّة في خصوص صوم الكفّارة أو صلاة الظهر لا يوجب وقوع صوم الكفّارة و صلاة الظهر من دون أن تتعلّق الإرادة بهما و القصد إليهما بل يقع باطلا حينئذ لعدم القصد إلى ما هو المأمور به حقيقة، و قد عرفت أنّ القصد إلى حقيقة المأمور به ممّا لا بدّ منه.

و بذلك يظهر أنّه لو نوى القصر (1) مقام التمام أو نوى الجمعة بدل الجنابة و العصر بدل الظهر يقع باطلا و إن اعتقد أنّ ذلك هو المأمور به، و ليس ذلك من الخطأ في التطبيق لأنّ مورد الخطأ في التطبيق إنّما هو بعد القصد إلى حقيقة المأمور به، و حقيقة الأمر على ما سيأتي في الركن الثاني، و بعبارة أخرى موقع الخطأ في التطبيق إنّما هو الخصوصيّات الخارجة عن حقيقة المأمور به و عن حقيقة الأمر من الأداء و القضاء و الوجوب و الاستحباب، و أمّا الخصوصيّات التي لها دخل في حقيقة المأمور به أو في حقيقة الأمر فلا بدّ من القصد إليها و لمعرفة أنّ أيّ خصوصية تكون داخلة في حقيقة المأمور به و أيّ خصوصية تكون خارجة عنه مقام آخر لا بدّ من استظهار ذلك من الأدلّة و الغرض في المقام مجرّد بيان الفرق بين‌

____________

(1) سيأتي أنّ نية القصر و التمام ممّا لا تعتبر و لكن نيّة الخلاف ممّا يضر. «منه».

30

الخصوصيّتين و بيان مورد الخطأ في التطبيق.

و حاصل الكلام أنّ القصد إلى واقع المأمور به ممّا لا بدّ منه و لا يكفي القصد إلى مفهوم المأمور به إذ المفهوم ليس متعلّق التكليف بل متعلّق التكليف هو ما يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي أنّه مأمور به و الحاجة إلى قصد المأمور به ممّا لا يحتاج إلى إقامة برهان عليه بل نفس تصوّره يغني عن إقامة البرهان عليه، بداهة أنّه لو لم يقصد حقيقة المأمور به لما كان الفعل اختياريّا له و لما امتاز عن فعل الساهي و القصد إلى الجنس لا يكون قصدا إلى المأمور به بعد ما كان المأمور به هو نوع خاص من الصيام مثلا أو الصلاة أو الغسل و لا يتوهّم كفاية قصد الأمر عن قصد المأمور به إذا لم يكن في ذمّته إلّا واحد فإن قصد الأمر متأخّر عن قصد المأمور به إذ لا بدّ من فعل المأمور به بقصد أمره فقصد الأمر لا يكون إلى قصد المأمور به إلّا إذا كان قصد الأمر ملازما لقصد المأمور به كما إذا نوى في الوقت المختصّ للظهر صلاة أربع ركعات بداعي أمرها الفعلي فإنّ القصد إلى ذلك قصد لما هو المأمور به حقيقة نعم لو لم يكن المأمور به إلّا الصلاة ركعتين بلا عنوان كالصلوات المبتدأة لا يحتاج إلى أزيد من القصد إلى صلاة ركعتين إذ ليس حقيقة المأمور به إلّا الصلاة ركعتين، و كذلك في صوم يوم الغدير و أيّام البيض مثلا لا يحتاج إلى أزيد من قصد صوم الغد، و أمّا قصد كونه من غدير أو أيام البيض فهو ممّا لا يحتاج إليه لأنّ الخصوصية الزمانية تدور مدار واقعها من دون أن تحتاج إلى القصد و منه يظهر عدم اعتبار قصد الأداء و القضاء لأنّ الأداء ليس إلّا عبارة عن فعل الشي‌ء في وقته و يقابله القضاء و هذا يدور مدار الواقع فإن كان الفعل واقعا في الوقت فهو أداء لا محالة و لو نوى ضدّه و هذا بخلاف القصر و التمام و الظهر و العصر و نافلة الصبح و فريضتها و أمثال ذلك من العناوين المنوّعة للمأمور به فإنّه لا بدّ من القصد و ليس شيئا منها مورد الخطأ في التطبيق كما تقدّمت الإشارة إليه‌

31

و يأتي توضيحه إن شاء اللّٰه.

الأمر الثاني: أن يكون قاصدا و ناويا للعمل المأمور به

بجملته بما له من الأجزاء و القيود فلا يكفي القصد إلى كلّ جزء مستقلّا و بنفسه إذ لم يكن كلّ جزء مستقلا مأمورا به، و قد عرفت أنّ القصد إلى المأمور به ممّا لا بدّ منه. نعم لو قصد كلّ جزء بما له من الجزئية و بوصف كونه جزء صحّ لأنّ قصده كذلك يرجع إلى قصد الجملة في الحقيقة. و الحاصل أنّه بعد ما عرفت من اعتبار قصد المأمور به بهويّته و حقيقته فلا محيص من اعتبار قصد المركّب بما له من الأجزاء نعم لا يعتبر العلم بتفاصيل الأجزاء حال النية بل يكفي القصد إليها إجمالا كما لو صلّى الجاهل بها مع علمه بتعليم من يعلمه كلا منها في موقعه و محلّه لأنّ عدم العلم بها تفصيلا لا يخلّ بالنية إليها، فلو علم إجمالا أنّ الصلاة مشتملة على عدّة من الأجزاء و الشرائط مع عدم علمه بها تفصيلا و لكن نوى الصلاة بما لها من الأجزاء و القيود صحّ مع معرفة تلك الأجزاء في محالّها.

الأمر الثالث: ممّا يعتبر في الركن الأول من النية التعيين

إذا تعدّد ما في ذمّته من نوع واحد كما إذا كان عليه صوم كفّارة رمضان و كفّارة الظهار إذ مع عدم التعيين لا يقع عن واحد منهما بعد صلاحية كلّ منهما لأن ينطبق على المنوي و بالجملة: لو تعدّد ما في الذّمة على وجه كان المأتي ممكن الانطباق على كلّ واحد ممّا في الذمّة بحسب الزمان و الخصوصيّات كان قصد التعيين ممّا لا بدّ منه لأنّ وقوع المأتيّ على أحدها ترجيح بلا مرجّح فلو لم يعيّن يبطل و لا يقع عن واحد منها، فلو كان أجيرا من شخصين لا بدّ في مقام العمل من تعيين المنوب عنه و إلّا لم يقع عن واحد منهما. نعم لو كان المتعدّد ممّا في الذّمة من صنف واحد من دون أن يكون له جهة تعيين سوى الزمان كما إذا كان عليه قضاء يومين من رمضان فلا يحتاج إلى قصد التعيين بل يكفي قصد صوم القضاء عن رمضان و لا يحتاج إلى‌

32

تعيين كونه من اليوم الأول أو الثاني فإنّ ما اشتغلت ذمّته ليس إلّا صوم يومين قضاء عن رمضان فلو صام يومين كذلك فرغت ذمّته كما إذا اشتغلت ذمّته بدرهمين على التدريج و أعطى كلّ يوم درهما فإنّه لا يحتاج إلى تعيين كون هذا الدرهم عوضا عن الدرهم الأول الذي اشتغلت ذمّتي به. و كذلك لو كان أحد ما في ذمّته يحتاج إلى القصد دون الآخر كما إذا كان عليه قضاء من نفسه و قضاء عن غيره فإنّ الذي يحتاج إلى القصد هو القضاء عن الغير و أمّا القضاء عن نفسه فلا يحتاج إلى القصد إذ صرف الفعل الذي باشره الفاعل عن نفسه و جعله عن الغير يحتاج إلى القصد و إلّا الفعل بحسب طبعه يقع للمباشر حتّى لو لم تشتغل ذمّة المباشر بالفعل يقع باطلا إلّا إذا صرفه عن نفسه و قصد الغير به فالتحمّل و النيابة هي التي يحتاج إلى القصد.

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ اشتغال الذمّة بالمتعدّد يكون على أقسام ثلاثة أحدها: احتياج كلّ من المتعدّد إلى قصده بخصوصه و إلّا لم يقع الفعل عن واحد من المتعدّد و ذلك كما إذا كان متحمّلا عن اثنين أو كان عليه صوم كفّارتين من متعدّد النوع، و السرّ في احتياج هذا القسم إلى القصد واضح لأنّ تعيين وقوع الفعل عن أحدهما يكون بلا معيّن و ينحصر المعيّن في القصد و التعيين. ثانيها: عدم احتياج كلّ من المتعدّد إلى القصد و التعيين و ذلك كما إذا كان عليه صوم يومين عن رمضان واحد بل رمضانين، و السرّ في عدم الحاجة إلى التعيين في هذا القسم أيضا واضح لأنّ ما اشتغلت به ذمّته ليس إلّا صوم يومين قضاء عن رمضان و قد عرفت أنّ الخصوصية الزمانية ممّا لا تحتاج إلى القصد. ثالثها: احتياج واحد من المتعدّد إلى القصد دون الآخر و ذلك كما إذا كان المتعدّد عن نفسه و عن غيره فإنّ الذي يحتاج إلى القصد هو كونه عن الغير دون كونه عن نفسه.

و قد ظهر أيضا ممّا ذكرنا أنّ الخصوصيّات المأخوذة في المأمور به تختلف‌

33

بحسب اعتبار قصدها و عدم اعتباره فمنها ما لا يعتبر قصدها مطلقا كالخصوصيّات الزمانية من صوم الغدير و أيام البيض و المبعث و نوافل شهر رمضان و نصف شعبان و أمثال ذلك، و من ذلك الأداء و القضاء إلّا إذا توقّف قصد النوع المأمور به أو بعينه عليه، و منها ما يعتبر القصد إليها مطلقا و هي كلّ خصوصية تكون مميّزة لنوع المأمور به و حقيقته كقصد الظهر و العصر و القصر و التمام، و منها ما يعتبر القصد إليها إذ تعدّد اشتغال الذمّة دون ما إذا انحصر و هي كلّ خصوصية توجب تعيين المأتي و تطبيقه على أحد ما اشتغلت الذمّة به. و من ذلك يظهر الفرق بين الخصوصيّات التي إذا لم تكن مقصودة يوجب عدم القصد إلى نوع المأمور به و بين ما يوجب ذلك عدم تعيين المأمور به، و حكي عن بعض إرجاع ما يرجع إلى النوع إلى التعيين و جعل اعتبار القصد إلى الخصوصية لأجل التعيين الذي قد عرفت أنّ مورده صورة تعدّد اشتغال الذمّة و ألقى اعتبار القصد إلى نوع المأمور به مع انحصار ما في الذّمة فتأمّل في المقام جيّدا. هذا كلّه فيما يعتبر في الركن الأول من النية و هو القصد إلى المأمور به.

و أمّا ما يعتبر في الركن الثاني منها و هو الداعي فأمور أيضا:

الأول: القربة بأن يكون الداعي و الباعث مقرّبا إليه تعالى

و ينحصر ذلك بقصد امتثال الأمر و ما يقوم مقامه كما ستعرف.

الثاني: أن يكون مقرّبيته إليه تعالى هي الموجبة لإرادة الفعل

، و معلوم أنّ ما يكون مقرّبا إليه تعالى ليس إلّا العبادة و الفعل بنفسه لا يكون عبادة إلّا في مثل السجود له تعالى حيث إنّه بذاته عبادة له تعالى، لما فيه من الخضوع و التذلّل. و أمّا غير السجود من سائر الأفعال فلا يكون بذاته عبادة مقرّبا لديه سبحانه بل ينحصر عبادية الفعل بإتيانه بداعي الأمر و الامتثال فلا محيص من انتهاء العبادة إلى قصد الأمر و الامتثال غايته أنّه تارة يكون الأمر بنفسه باعثا و محرّكا نحو الفعل و يكون‌

34

هو الغاية القصوى و المقصود بالأصالة من دون نظر إلى ما تستتبع فعلها من الدرجات و ما يستتبع تركها من الدركات بل كان النظر هو نفس امتثال الأمر حيث إنّه تعالى أهل لأن يمتثل أمره كما قال (عليه السلام): ما عبدتك خوفا من نارك .. إلخ. و اخرى يكون الأمر باعثا بمعونة الغايات القربية من سلسلة علل الأمر كالمصالح و المفاسد و سلسلة معلولاته كالثواب و العقاب مطلقا دنيويّا كان أو أخرويّا.

و الحاصل: أنّه بعد ما كان المقرّب هو الفعل العبادي لا ذات الفعل فلا بدّ في العبادة من قصد امتثال الأمر إذ بذلك يكون الفعل عباديّا ثمّ إنّ باعثية الأمر و محرّكيّته نحو الفعل لا بدّ و أن يكون له جهة تقع جوابا لسؤال من يسأل لم قصدت الأمر و كان باعثا لك نحو الفعل إذ لا يمكن أن يكون نفس الأمر بما هو أمر باعثا و إلّا كان ينبغي أن يكون كلّ أمر صادر من كلّ أحد باعثا فلا بدّ في باعثية الأمر من أن يعلّل بعلّة تقع جوابا لقول القائل لم صار الأمر باعثا لك نحو الفعل فهذه العلّة و الجهة تارة تكون أهليّته تعالى لأن يمتثل أمره و استحقاقه للعبودية فيكون أمر اللّٰه تعالى من حيث إنّه أمر صادر ممّن يكون أهلا لأن يمتثل أمره هو المحرّك بالأصالة و الغاية المقصودة من دون أن يكون هناك نظر إلى سلسلة علل الأمر و معلولاته بل كانت العبادة أقصى غاية أمله و هذا المعنى هو المعنيّ بقوله (عليه السلام) «بل وجدتك أهلا لذلك» بداهة أنّ الأمير (عليه السلام) إنّما كان يعبد اللّٰه تعالى لكونه أهلا للعبادة. و قد عرفت أنّ عبادة اللّٰه إنّما تكون بقصد امتثال الأمر الذي به يتحقّق العبادة و ليس مراد الأمير (عليه السلام) أنّي ما كنت قاصدا لامتثال الأمر بل كان المحرّك لي على العمل هو أهليّتك فإنّ كون الأهلية بنفسها تكون محرّكة للعمل بلا توسيط قصد الأمر إنّما يكون فيما إذا كان ذلك العمل بنفسه و بذاته مقرّبا لديه تعالى و هو منحصر بالسجود و أمّا في غيره‌

35

فلا بدّ من توسيط قصد الأمر الذي به يكون العمل عبادة و اخرى تكون العلّة و الجهة التي يكون الأمر باعثا نحو العمل غير الأهليّة من الفوز برضاه و الأمن من سخطه و أمثال ذلك ممّا كان معلولا للأمر. و بذلك ظهر فساد ما في بعض الكلمات من جعل قصد الأمر في عرض قصد التخلّص من العقاب أو نيل الثواب حتّى أنهى بعض نية التقرّب إلى عشرة و جعل كلّ واحد منها مناطا لعباديّة العمل. وجه الفساد هو أنّ التخلّص من العقاب و النيل إلى الثواب معلول لقصد الأمر و في طوله و ما كان في طول الشي‌ء لا يمكن أن يكون في عرضه بل لو قصد التخلّص من العقاب بلا توسيط قصد الأمر كان عمله باطلا إذ التخلّص من العقاب ليس من لوازم نفس العمل بل من لوازم العبادة و العبادة لا بدّ فيها من قصد الأمر بحيث يكون هو الباعث و المحرّك و سيأتي مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّٰه [1]. و على كلّ حال لا بدّ من أن يكون الباعث هو الأمر إمّا بنفسه و إمّا بأثره و معلوله. و أمّا إذا لم يكن الأمر بنفسه باعثا و لا بمعلوله كان العمل باطلا كما إذا كان الباعث هو الأجرة و المال الذي يبذله الباذل لمن صلّى صلاة الليل مثلا بداعي امتثال أمرها.

و تصحيح بعض الأعلام ذلك و جعله من باب الداعي [إلى] الداعي سخيف غايته صغرى و كبرى، أمّا الصغرى فلأنّ داعي الداعي إنّما يصحّ فيما إذا كان الداعي الأول الذي أوجب داعي الأمر من معلولات الأمر و من الآثار المترتّبة عليه شرعا كالثواب و العقاب و لو كان دنيويّا بوعد من الشارع. و أمّا إذا لم يكن الداعي واقعا في سلسلة معلولات الأمر بل كان أمرا أجنبيا عن الأمر‌

____________

[1] و سيأتي أيضا ان الأقوى ما صنعه بعض الاعلام من عدّ الجميع في عرض واحد و كفاية قصد التخلّص من العقاب و النيل إلى الثواب في صحّة العبادة و لو من دون توسيط قصد الأمر «منه».

36

كالأجرة و المال الذي يبذله الباذل فلا يصلح لأن يكون داعيا لقصد امتثال الأمر بل لا يكون هناك إلّا قصد أخذ المال و لا يمكنه قصد الأمر حقيقة و شتّان ما بين الثواب و العقاب و بين أخذ الأجرة فإنّ الثواب و العقاب حيث كان معلولا للأمر و كان من آثار قصد الأمر أمكن أن يكون التخلّص عن العقاب أو النيل إلى الثواب داعيا إلى قصد الأمر بعد العلم بأنّ التخلّص و النيل لا يحصل إلّا بفعل العبادة المتوقّفة على قصد الأمر و أمّا الأجرة فهي ليست من الآثار المترتّبة على قصد الأمر شرعا بل كان الترتّب لبذل باذل لها و كان أخذ المال هو الغاية المقصودة و هو المحرّك له نحو العمل حقيقة فكيف يمكن أن يكون داعيا إلى قصد الأمر و هل يكون قصد الأمر في مثل هذا إلّا مجرّد التصوّر و الخطرات القلبية من دون أن يكون له حقيقة.

و بالجملة: من راجع وجدانه يعلم أنّه لا يمكن أن يكون قصد أخذ المال داعيا حقيقة إلى قصد الأمر و أمّا الكبرى فعلى فرض تسليم إمكان كون أخذ الأجرة يصير داعيا إلى قصد الأمر إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يكفي في العبادة، بل يعتبر في عباديّة العبادة أن يكون قصد الأمر هو المقصود بالأصالة و الغاية القصوى و لو بأثره و لا يكفي توسيط قصد الأمر مع كون المقصود بالأصالة أخذ المال، إذ ليس لنا إطلاق يدلّ على أن مجرّد قصد الأمر يكفي في العبادة مع كون المقصود بالأصالة أخذ المال بل البحث في المقام بعد قيام الدليل على اعتبار نية القربة يكون عقليّا، و الذي يحكم به العقل هو أن يكون المقصود بالأصالة قصد الامتثال و الأمر و لا يكفي مجرّد توسيط ذلك مع كون المقصود بالأصالة أخذ المال و سيأتي أنّ قصد الثواب و العقاب و لو كان دنيويّا لا ينافي كون المقصود بالأصالة هو قصد الأمر.

و أمّا الأجرة فعلى كلّ تقدير تكون هي المقصود بالأصالة، نعم لو لم يكن لأخذ المال دخل في تأثير إرادته قصد الامتثال و كان قاصدا للأمر على كلّ حال‌

37

سواء كان هناك باذلا أو لم يكن صحّ عمله و كان عبادة و جاز له حينئذ أخذ المال إن كان بذله إباحة مجّانية و إن لم يكن مجّانيا بل على نحو المعاوضة حرم أخذ المال و فسدت المعاوضة لأنّه يعتبر في عقد المعاوضة أن يكون المعوّض ممّا يمكن حصوله للباذل فإن كان من الأعيان ينتقل إليه و يصير ملكه و إن كان من الأعمال كما فيما نحن فيه يصير عمله و يكون في الحقيقة هو العامل للعمل لا بنفسه بل بنائبه أو وكيله أو أجيره و لا يكفي في صحّة المعاوضة أن يكون الباذل ممّن ينتفع بعمل الأجير إذ مجرّد الانتفاع لا يكفي في صحّة الإجارة بل لا بدّ من أن يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر و في المقام ليس العمل ممكن الحصول للمستأجر إذ العمل الذي يعمله العامل إنّما يقع لنفسه و لا يقع للباذل، فلا تصحّ المعاوضة بالإجارة و لا بالجعالة بناء على كونها من عقود المعاوضة.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّه إن كان لأخذ الأجرة تأثير في فعل العبادة فالعبادة باطلة و يحرم أخذ تلك الأجرة و إن لم يكن له تأثير فالعبادة صحيحة، و حلّ أخذ الأجرة أيضا إن كان دفعها على وجه المجّانية و إن كان على وجه المعاوضة حرم أخذ الأجرة لأنّه يكون من أكل المال بالباطل لعدم حصول عوض الأجرة لباذلها. و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ تصحيح أخذ الأجرة على العبادات الواجبة على فاعلها أو تصحيح العبادة المستأجر عليها الواجبة على المنوب عنه بإرجاعها إلى باب داعي الداعي ضعيف جدّا، بل لا يصحّ أخذ الأجرة على ما كان واجبا على فاعله مطلقا عباديّا كان أو غيره إلّا إذا كان من الواجبات النظامية كالصناعات و تصحيح أخذ الأجرة فيما كان واجبا أو مستحبّا على المنوب عنه و صحّة وقوعه عبادة إنّما يكون بوجه آخر غير باب داعي الداعي قد أشرنا إليه في كتاب القضاء.

الأمر الثالث: ممّا يعتبر في النية الخلوص

بأن لا تكون نيّته مشوبة بالرياء‌

38

بوجه من الوجوه. فلو أدخل في النية أدنى شائبة الرياء بطلت عبادته مضافا إلى كونه من الكبائر الموبقة ثمّ الظاهر أنّه لا إشكال في بطلان العبادة إذا كان الرياء تمام الداعي بحيث لم يقصد بالعبادة وجه اللّٰه تعالى، و لو كان الرياء جزء الداعي فقد يتوهّم عدم بطلان العبادة بذلك و إن عصى نظرا إلى أنّه لا يعتبر في صحّة العبادة أزيد من قصد الأمر و لا يعتبر الخلوص بحيث يكون الأمر تمام الداعي بل يكفي توسيط قصد الأمر و لو كان على نحو الجزئية، هذا. و لكنّ الظاهر من أدلّة اعتبار الخلوص هو خلوص النية عن جميع الشوائب على وجه لا يريد بالعبادة غير وجه اللّٰه تعالى فلو أدخل في نيّته غير وجه اللّٰه تعالى و لو على وجه التبعية و الضميمة بطلت العبادة فضلا من أن يكون قصد الغير جزء الداعي بحيث لو لم يضمّ إليه قصد الأمر لاستقلّ بالداعوية كما هو الشأن في العلل المجتمعة.

و بالجملة: الذي يظهر من الأخبار هو بطلان العبادة بأدنى شائبة الرياء سواء كان في جزئها أو شرطها أو وصفها واجبا كان أو مستحبّا حتّى في مثل وصف الجماعة بل في مثل التحنّك و غير ذلك ممّا له دخل في العبادة بوجه من الوجوه.

كلّ ذلك لصدق أنّه أدخل فيه رضا أحد من الناس كما في قوله (عليه السلام) في رواية زرارة: لو أنّ عبدا عمل عملا يطلب به وجه اللّٰه و الدار الآخرة و أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا (1). و غير ذلك من الأخبار الدالّة على بطلان العبادة بأدنى شائبة الرياء، فتأمّل فيما ورد من الأخبار في المقام جيّدا. هذا كلّه في الرياء.

و أمّا غير الرياء فلو ضمّ إلى الصلاة أمر آخر فلا يخلو إمّا أن يكون ذلك الأمر من سنخ أفعال أو أقوال الصلاة و إمّا أن لا يكون من سنخ أفعال و أقوال الصلاة بل كان أمرا آخرا أجنبيا و ذلك الأمر الآخر إمّا أنّ يكون مباحا و إمّا أن يكون‌

____________

(1) الوسائل: ج 1 ص 49 باب 11 من أبواب مقدمة العبادات، ح 11.

39

راجحا، فلو ضمّ إلى الصلاة ممّا كان من سنخ أفعال الصلاة كانت الصلاة باطلة، و إن لم يقصد بذلك الفعل الجزئية لصدق أنّه زاد في صلاته، و إن كان من سنخ أقوال الصلاة من الدعاء و الذكر فإن كان ذلك محرّما كقراءة العزيمة بطلت صلاته أيضا سواء اقتصر عليها أو قرأ سورة أخرى أيضا لأنّه كلام منهيّ عنه، فهو إمّا من كلام الآدمي موضوعا و إمّا ملحق به حكما، بداهة أنّ الخارج من مطلق الكلام في الصلاة هو الدعاء و الذكر الغير المنهي عنه فيبقى الذكر المنهي عنه تحت إطلاقات مبطلية مطلق الكلام من غير تقييد بكلام الآدمي كقوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير: إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد الصلاة (1). و دعوى انصرافه إلى كلام الآدمي ممنوع. و إن لم يكن الذكر منهيّا عنه فإن لم يقصد به الجزئية فلا بأس و صحّت صلاته، و إن قصد به الجزئية بطلت، لصدق الزيادة فيدخل في قوله (عليه السلام) «من زاد في صلاته ..

إلخ» (2). و إن كانت الضميمة أجنبيا عن سنخ أفعال الصلاة و أقوالها فإن لم ينوها مع الصلاة بأن لم تكن تلك الضميمة جزء الداعي و المحرّك لفعل الصلاة فلا بأس به، و إن كانت جزء الداعي فقد حكي التفصيل بين كونها مباحة أو راجحة فإن كانت مباحة فالصلاة باطلة، لعدم استقلال الأمر الصلاتي للداعوية، و إن كانت راجحة فلا بأس، هذا. و لكنّ الظاهر عدم الفرق بين الضميمة الراجحة و المباحة و الأقوى البطلان فيهما جميعا لما ذكر من عدم استقلال الأمر الصلاتي للداعوية إلّا أن تكون الضميمة على وجه التبعية بحيث لو لم تكن لكان الأمر الصلاتي محرّكا له نحوها فتأمّل في المقام، فإنّه يحتاج إلى بسط من الكلام لا يسعنا،

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 1275 باب 25 من أبواب قواطع الصلاة، ح 1.

(2) الوسائل: ج 5 ص 332 باب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 2.

40

و لعلّه يأتي في بعض المباحث الآتية إن شاء اللّٰه.

المبحث الثاني: في تفصيل الدواعي القربية و يذكر في طيّ مسائل:

الأولى: قد تقدّم أنّ إرادة العمل إن كانت منبعثة عن الأمر و كان هو المحرّك له

، فهذا ممّا لا إشكال في صحة العبادة و كفايته في المقربيّة، سواء كان نفس الامتثال هو المقصود بالأصالة، حيث يراه جلّ شأنه أهلا للعبادة، أو يكون الوصول إلى الغايات المترتّبة عليه موجبا للانبعاث عن الأمر بحيث يكون الموجب للانبعاث عن الأمر الوصول إلى ما أوعده اللّٰه تعالى للمطيع من الثواب و العقاب، أخرويّين كانا أو دنيويين.

المسألة الثانية: حكي عن الجواهر- (قدّس سرّه)- عدم كفاية قصد الجهة من الحسن الذاتي

و الملاك في صحّة العبادة، خصوصا مع سقوط الأمر عن العبادة بواسطة مزاحمتها للأهم- كما في موارد التزاحم- مع أهمّية أحد المتزاحمين، حيث إنّ الأمر عن المهمّ يسقط فلا يكفي فعل المهمّ بداعي المحبوبية الذاتية و لا يوجب عباديّته، بل لا بدّ في وقوع الشي‌ء عبادة من قصد الأمر، و غاية ما يمكن أن يوجّه ذلك هو أن يقال: إنّ في صورة سقوط الأمر بالمزاحم الأهمّ لا سبيل لنا إلى إحراز الجهة و الملاك و الحسن الذاتي حتّى تكون هي الداعي، بداهة أنّ الكاشف عن الملاك إنّما هو الأمر، إذ لا طريق لنا لإحرازه سوى الأمر، و بعد سقوط الأمر بالمزاحمة لا يمكن القول ببقاء الملاك، لاحتمال أن تكون للقدرة دخل في الملاك، و يكون الشارع قد اكتفى عن أخذها في لسان الدليل بحكم العقل باعتبارها لقبح مطالبة العاجز.

و حاصل الكلام: أنّ سقوط الأمر عن المزاحم المهمّ إنّما هو لأجل عدم قدرة‌

41

المكلّف على فعله مع فعل مزاحمة الأهم، و عدم إمكان الجمع بينهما، و دعوى أنّ سقوط الأمر لأجل عدم القدرة على متعلّقة لا يوجب ارتفاع الملاك إلّا إذا أخذت القدرة شرطا شرعيّا، و المفروض في باب التزاحم عدم أخذها شرطا شرعيّا، بل الأمر بالنسبة إليها مطلق و التقييد بها إنّما هو لحكم العقل بقبح مطالبة العاجز بما لا يقدر عليه، و القدرة العقلية ممّا لا دخل لها بالملاك، دون إثباتها خرط القتاد، إذ لا مانع من أن يكون للقدرة العقلية دخل في الملاك كالقدرة الشرعية، فمن أين يمكن إحراز الملاك في موارد سقوط الأمر بالمزاحمة.

و دعوى انّ إطلاق الأمر و عدم تقييده بصورة القدرة يكشف عن عدم دخل القدرة في الملاك، و وجوده في كلتا صورتي القدرة و عدمها، إذ لو كانت القدرة العقلية ممّا لها دخل في الملاك لكان اللازم تقييد الأمر بها [1] فإطلاق الأمر يكشف عن وجودها، ففيها أنّ إطلاق الأمر لا يكشف عن عدم دخلها في الملاك، فإنّ إطلاق الأمر إنّما يكشف عن عدم كون شي‌ء قيدا إذا لم يكن القيد ممّا استقلّ العقل الضروري به، و مع استقلال العقل به يكون بمنزلة المخصّص و المقيّد المتّصل، و التقييد بالقدرة في المقام ممّا استقلّ العقل به لقبح مطالبة العاجز بما لا يقدر عليه، و هذا الحكم الضروري العقلي لو لم يكن قرينة على تقييد الأمر شرعا بصورة القدرة، فلا أقل من صلاحيّته للقرينية، و مع صلاحيّته لذلك لا يمكن استكشاف بقاء الملاك مع سقوط [الأمر] و لا يكون إطلاق الأمر كاشفا عنه، و حينئذ لا يمكن تصحيح العبادة بقصد الملاك عند سقوط الأمر في باب التزاحم، بل لا يمكن تصحيحها بالأمر الترتّبي أيضا لأنّ الأمر الترتّبي على القول به إنّما هو بعد إحراز الملاك و مع عدم إحرازه كما أوضحناه لا يمكن القول بالأمر‌

____________

[1] مع أنّ تقييد الأمر بها يوجب خروجها عن كونها قدرة عقليّة و تكون حينئذ شرعيّة كما لا يخفى «منه».

42

الترتّبي هذا و لا بدّ لكلّ من قال بصحّة العبادة في باب التزاحم إمّا بالملاك و إمّا بالأمر الترتّبي من دفع هذا الإشكال، هذا.

و قد أفاد شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- في دفع الإشكال بما حاصله: أنّ حكم العقل بقبح مطالبة العاجز لا يمكن أن يكون حينئذ ثبوتا ممّا له دخل في الملاك، بل هو واقع لا محالة في المرتبة المتأخّرة عن الملاك، و كذا لا يمكن أن يكون هذا الحكم العقلي إثباتا مقيّدا لإطلاق الأمر بحيث يصلح أن يمنع كاشفية إطلاق الأمر عن وجود الملاك في كلتا صورتي القدرة و عدمها، فهذا الحكم العقلي لا يصلح للقرينية فضلا عن كونه قرينة.

أمّا عدم إمكان أن تكون القدرة العقلية ممّا لها دخل في الملاك ثبوتا، فلأنّ حكم العقل بقبح مطالبة العاجز إنّما هو من شرائط حسن الخطاب، فهو واقع في مرتبة المانع، و معلوم أنّ رتبة المانع متأخّرة عن رتبة المقتضي، فلا بدّ أن يكون المقتضي في حدّ نفسه تاما بحيث يمكن أن يستتبعه الخطاب، فعند ذلك العقل يمنع عن توجّه الخطاب نحو العاجز، و يحكم بقبح مطالبته فهذا الحكم العقلي دائما يمنع عن توجّه الخطاب بعد أن تمّ مقتضيه، إذ مع عدم تمامية المقتضي يستند عدم الخطاب إلى عدم مقتضيه لا إلى عدم القدرة على متعلّقه.

و حاصل الكلام: أنّه قد مرّ منّا مرارا أنّ رتبة المانع متأخّرة عن رتبة المقتضي، و عدم الشي‌ء إنّما يستند إلى المانع بعد وجود المقتضي، و المانع دائما يزاحم المقتضي في تأثيره، و حينئذ نقول: إنّ حكم العقل باعتبار القدرة و قبح مطالبة العاجز إنّما هو واقع في رتبة المانع، و هو يتوقّف على تمامية المقتضي و ما هو ملاك الحكم، و السرّ في ذلك هو ما أشرنا إليه من أنّ حكم العقل باعتبار القدرة إنّما هو من شرائط حسن الخطاب، فلا بدّ من أن يكون المقتضي للخطاب موجود، بحيث يقتضي بنفسه استتباع الخطاب حتّى تصل النوبة إلى منع العقل عند عجز‌

43

المكلّف، لكي يستند عدم الخطاب حينئذ إلى عدم القدرة فلو لم يكن المقتضي للخطاب تاما كان عدم الخطاب مستندا إلى عدم المقتضي لا إلى عدم القدرة على متعلّقة، فحكم العقل بقبح مطالبة العاجز لا يعقل أن يكون في مرتبة الملاك و المقتضي، حتّى يمكن توهّم دخله في الملاك بل هذا الحكم العقلي دائما متوسّط بين الملاك و بين الخطاب رتبته تكون متأخّرة عن الملاك و مقدّمة عن الخطاب كما لا يخفى.

و أمّا عدم إمكان صلاحيّة حكم العقل باعتبار القدرة للقرينية في مرحلة الإثبات، و عدم منعه عن كاشفيّة إطلاق الأمر لثبوت الملاك في كلتا صورتي العجز و عدمه، فلأنّ الخطاب إمّا أن يكون مقيّدا بالقدرة و إمّا أن لا يكون، فإن كان مقيّدا بالقدرة، فهذه القدرة حينئذ تكون شرعية لا عقلية، إلّا أن يكون التقييد لتقرير حكم العقل و لا إشكال في دخل القدرة الشرعية في الملاك كسائر القيود الشرعية إلّا أنّ هذا خارج عمّا نحن فيه، و الكلام في القدرة العقلية، و إن لم يكن الخطاب مقيّدا بالقدرة فإن كان الدليل مجملا و دار الأمر بين أن يكون مشروطا بالقدرة الشرعية و أن لا يكون فالمتيقّن منه الاشتراط، كما هو الشأن في كلّ ما دار الأمر بين الإطلاق و الاشتراط، و إن لم يكن الدليل مجملا فلا يمكن أن يكون حكم العقل بقبح مطالبة العاجز مانعا عن الإطلاق الكاشف لعدم دخل شي‌ء في الملاك، لأنّ حكم العقل بقبح مطالبة العاجز إنّما هو بعد إطلاق الدليل و عدم اشتراطه بالقدرة، و إلّا لما كان حاجة إلى هذا الحكم العقلي، فهذا الحكم العقلي فرع ثبوت الإطلاق فكيف يكون مانعا عنه.

و حاصل الدعوى: إنّما هي صلاحية حكم العقل الضروري بقبح مطالبة العاجز لتقييد إطلاق الدليل و جعله على حدّ ما إذا كان مقيّدا بالقدرة صريحا في اللفظ، و كما أنّ في صورة التقييد بالقدرة لفظا لا يمكن القول ببقاء الملاك عند‌

44

سقوط الأمر بالعجز كما في باب الحجّ فكذلك ما هو بمنزلة التصريح بالتقييد بها لفظا، و هو حكم العقل بقبح مطالبة العاجز.

و حاصل دفعها: أنّ هذا الحكم العقلي لا يمكن أن يكون مقيّدا للدليل بصورة القدرة على حدّ تقييده لفظا، لأنّ العقل إنّما يحكم بقبح مطالبة العاجز، إذا كان الدليل مطلقا و شاملا لكلتا صورتي العجز و عدمه، فإنّه عند ذلك العقل يستقل بقبح مطالبة العاجز، و قصر الحكم بصورة القدرة، فإذا كان هذا الحكم العقلي متأخرا رتبة عن إطلاق الدليل، فكيف يمكن أن يمنع عنه، إذ المنع عن الإطلاق معناه، أن يجعل اللفظ مجملا صالحا لأن يكون مقيّدا بالقدرة، فيكون كما إذا كان اللفظ من أول الأمر مجملا، الذي قد عرفت أنّ المتيقّن منه هو اشتراطه بالقدرة، و قد عرفت أنّه إنّما تصل النوبة إلى حكم العقل بقبح مطالبة العاجز، إذا كان اللفظ مطلقا و لم يحتفّ به ما يصلح لتقييده بالقدرة، فكيف يمكن أن يدّعى أنّ نفس هذا الحكم العقلي ممّا هو محتفّ باللفظ و صالح للتقييد، و هل يستلزم ذلك إلّا الدور فتأمّل في المقام جيّدا.

فالإنصاف أنّ إطلاق الأمر بنفسه كاشف عن ثبوت الملاك في كلتا صورتي العجز و عدمه، و يترتّب عليه حينئذ بقاء الملاك عند سقوط الأمر بالمزاحمة.

فإنّ قلت: إنّ التمسّك بالإطلاق إنّما هو لأجل مقدّمات الحكمة، و من مقدّمات الحكمة أنّه لو لم يكن الإطلاق بمراد للزم إيقاع المكلّف على خلاف المراد و الواقع، و هذه المقدّمة فيما نحن فيه مفقودة، إذ لم يلزم من الإطلاق عند عدم إرادته محذور وقوع المكلّف على خلاف الواقع، إذ على فرض أن لا يكون الإطلاق بمراد، و كان في الواقع الأمر مقيدا بصورة القدرة، فالمكلّف لا يقع في مخالفة الواقع، إذ عند العجز هو تارك للمتعلّق لا محالة، فالإطلاق و عدمه سيّان فيما نحن فيه، و معه لا يمكن التشبّث بالإطلاق و القول بكشفه عن ثبوت الملاك مطلقا.

45

قلت: أوّلا: ليس من مقدّمات الحكمة أنّه لو لم يكن الإطلاق بمراد يلزم إيقاع المكلّف على خلاف الواقع، بل مقدّمة الحكمة إنّما هي عبارة عن أنّ الآمر حيث كان بصدد بيان ماله دخل في غرضه و مراده، فلا بدّ من أن يكون الإطلاق هو تمام المراد، سواء وقع المكلّف بخلاف الواقع أو لم يقع، و ثانيا: أنّه يلزم فيما نحن فيه وقوع المكلّف بخلاف الواقع، كما في باب التزاحم، فتأمّل جيّدا [1].

فقد ظهر لك وجود الملاك عند سقوط الأمر بالمزاحم الأهمّ و عليه يستقيم الأمر الترتّبي. إذا عرفت ذلك فلنعد إلى ما كنّا فيه، فنقول: إنّه قد حكي عن الجواهر- (قدّس سرّه)- عدم كفاية قصد الجهة و الملاك في صحّة العبادة، بل لا بدّ من قصد الأمر، و قد حكي عن الشيخ- (قدّس سرّه)- بأنّ قصد الجهة أدخل في العبادة و أقوى من قصد الأمر في صدق الإطاعة، كما يتّضح ذلك بمراجعة ديدن العقلاء في مقام إطاعة العبيد لمواليهم العرفية، فإنّه لو أمر المولى بالماء لجهة رفع عطشه، فالعبد تارة يجي‌ء بالماء لأنّ المولى أمره بذلك، و اخرى يجي‌ء به لكثرة حبّه لمولاه، و اشتياقه إليه، و تألّمه من عطشه، بحيث يكون الداعي إلى العبد هو رفع عطش المولى، حيث لا يقدر أن يرى مولاه عطشانا، و لا إشكال في أنّ رتبة مثل هذا العبد عند المولى أعلى من رتبة من كان قصده امتثال الأمر، و كان هذا العبد أقوى إطاعة من ذلك، هذا.

و قد أشكل على ذلك شيخنا الأستاذ- (مدّ ظلّه)- بما حاصله: أنّه تارة تكون‌

____________

[1] إذ إطلاق الأمر بالمهمّ و عدم تقييده بالقدرة يوجب إيقاع المكلّف على خلاف الواقع، لو كانت القدرة في الواقع شرطا و قيدا، فان المكلّف من إطلاق الأمر يستكشف إطلاق الملاك و وجوده في صورة سقوط الأمر بالمزاحمة، فيأتي به بداعي الملاك بعد عصيانه الأهمّ، و يكتفي به و لم يأت به ثانيا عند عود الأمر به، لضيق وقته أو لفوات الأهمّ و ارتفاع موضوعه، مع أنّه لو كانت القدرة شرطا لكان ما أتى به أوّلا خاليا عن الملاك و كان لغوا و كان اللازم فعله ثانيا، فإطلاق الأمر هو الذي أوقع المكلّف في خلاف الواقع، و أوجب عدم إتيان المكلّف به ثانيا، بحسبان أنّه قد أتى بما هو مشتمل على الملاك الذي استفاده من إطلاق الأمر فتأمّل. «منه».

46

الجهة و الملاك معلومة لدى العبد تفصيلا، كالعطش في المثال المتقدّم، و اخرى لا تكون كذلك، بل يعلم إجمالا أنّ هناك جهة باعثة للآمر تكون محبوبة عنده، كما هو الشأن في غالب الأوامر الشرعيّة بالنسبة إلى أغلب الناس، حيث لا يعلمون الملاك تفصيلا، و القدر المسلّم في أقوائية الإطاعة و الأدخلية في العبادة هو ما إذا كانت الجهة معلومة بالتفصيل، و يكون داعيه تحصيل تلك الجهة لكثرة الاشتياق و المحبّة، و هذا لا يتّفق إلّا للأوحدي. و أمّا لو كانت الجهة معلومة إجمالا، فكونها أدخل و أقوى في الطاعة و العبادة ممنوعا، نعم يمكن أن يقال: إنّ الفعل لا يؤمر به على وجه العبادية إلّا إذا كانت هناك جهة تقتضي العبادية، و إن لم تكن تلك الجهة معلومة لنا بالتفصيل، فالمعيار في العبادية إنّما هي تلك الجهة، و قصد الأمر إنّما يكفي في وقوع الفعل عبادة، لأنّه يكون قصد إجمالي إلى تلك الجهة التي يدور عليها العبادة، فقصد نفس تلك الجهة إجمالا يكون أولى في وقوع الفعل عبادة، و حينئذ لا ينبغي الإشكال في أنّ قصد الجهة يكفي في صحّة العبادة، ككفاية قصد الأمر فتأمّل جيّدا.

المسألة الثالثة: لو كان الداعي إلى الفعل هي الغايات المترتّبة على الامتثال

، كالفوز برضاه تعالى، أو النيل إلى الثواب، و الأمن من العقاب، و أمثال ذلك بدون توسيط قصد الأمر، ففي كفايته في الصحّة إشكال. و قد حكي عن العلامة (1)- (قدّس سرّه)- المنع عن كفايته، و تبعه غير واحد، و قد يوجّه ذلك، بأنّ الأمن من العقاب، و النيل إلى الثواب، لا يترتّب على ذات العمل، إذ ذات الصلاة بما هي هي لا يترتّب على فعلها ثواب، و لا على تركها عقاب، بل الذي يترتّب الثواب و العقاب عليه إنّما هو العبادة، و الصلاة الواقعة على وجه العبادة،

____________

(1) التذكرة: ج 1 ص 111 البحث الثاني في النية.

47

و بعبارة أخرى: الثواب إنّما يترتّب على فعل العبادة، و العقاب يترتّب على ترك العبادة فلا يمكن أنّ يكون النيل إلى الثواب، و الأمن من العقاب موجبا لعبادية الشي‌ء، بل لا بدّ من قصد الأمر الذي به يكون الشي‌ء عبادة.

و من هنا أشكل على من عدّ قصد النيل إلى الثواب و الأمن من العقاب في عرض قصد الأمر، و جعل كلّ منهما موجبا للعبادة بما حاصله: أنّ قصد الثواب و العقاب في طول قصد الأمر، لما عرفت من أنّهما مترتّبان على العبادة المتوقّفة على قصد الأمر، و معه لا يمكن أن يكونا في عرض قصد الأمر، فلا بدّ في العبادة من توسيط قصد الأمر، إلا إذا كان الشي‌ء بنفسه عبادة، كالسجود للّٰه، و قد تقدّم شطر من الكلام في ذلك في أوائل مباحث النية، هذا.

و قد اختار شيخنا الأستاذ (مدّ ظلّه) كفاية قصد ذلك في صحّة العبادة، و ذلك لأنّ الكلام في المقام بعد الفراغ عن إشكال كيفية اعتبار الداعي في العبادة، و أنّه كيف يمكن الأمر بالعبادة، مع أنّ العبادة متوقّفة على الإتيان بالدواعي القربية، و الدواعي لا يمكن أخذها في متعلّق الأمر، لأنّها لا تتعلّق بها إرادة الفاعل، و ما لا يتعلّق به إرادة الفاعل لا يمكن أن يتعلّق به إرادة الآمر، و قد عرفت أنّ الإشكال مطّرد في جميع الدواعي القربية، من دون خصوصية لقصد الأمر، مضافا إلى ما يرد من أخذ خصوص قصد الأمر في المتعلّق من المحاذير الأخر، على ما أوضحناه في باب التعبّدي و التوصّلي. و بالجملة: الكلام في المقام في تعداد الدواعي القربية، مع قطع النظر عن الإشكال الوارد في وجه اعتبارها في العبادة المأمور بها. فدعوى أنّ الأمن من العقاب و النيل إلى الثواب لا يترتّبان على ذات العمل، بل على ما هو عبادة، فلا يعقل أن يكون الشي‌ء عبادة بهما، هي بعينها ترجع إلى الإشكال في كيفيّة أخذ الدواعي في متعلّق العبادة، و ليس إشكالا آخر كما لا يخفى وجهه، على المتأمّل. و قد عرفت أنّ كلامنا في المقام‌

48

متمحّض لما يصلح أن يكون داعيا بعد دفع ذلك الاشكال بوجه على ما بيّناه في محلّه، فحينئذ نقول:

أولا: أنّه بعد العلم بتعلّق الأمر بالشي‌ء يكون قصد الأمن من العقاب، و النيل إلى الثواب، مع كونهما من الغايات المترتّبة على الامتثال قصدا للأمر إجمالا، و لا ينفكّ قصدهما عن قصده لا محالة.

و ثانيا: على فرض أنّه يمكن التفكيك بينهما و أنّ قصدهما لا يكون قصدا إلى الأمر إجمالا، نقول: إنّ قصد الأمر لم يرد في آية و لا رواية حتّى يقال بانحصار صحة العبادة فيه، بل الذي دلّت عليه الروايات هو الإتيان بالفعل للّٰه تعالى، و ابتغاء لوجهه الأعلى و لمرضاته، فكلّما كان الفعل للّٰه كان العمل صحيحا، و قصد التخلّص من عقابه تعالى، أو النيل إلى ثوابه يوجب صدق هذا المعنى العام، و هو كون الفعل للّٰه و بذلك يستقيم ما صنعه بعض من عدّ ذلك في عرض قصد الأمر.

و بالجملة: ليس فيما بأيدينا من الأدلّة ما يدلّ على انحصار صحّة العبادة بقصد الأمر أو وجه الأمر، بل الذي يدلّ عليه الأدلّة هو أن تكون العبادة للّٰه و ابتغاء وجهه الأعلى، و معنى العبادة للّٰه و ابتغاء وجهه الأعلى، و إن لم نعرفه تفصيلا إلّا أنّه يكفي في صحّة العبادة هو هذا المعنى العام، فتأمّل جيّدا.

المسألة الرابعة: لو كان الداعي إلى فعل العبادة هو التوصّل بها إلى غرض دنيوي

، فلا يخلو الأمر إمّا أن يكون ذلك الغرض الدنيوي ممّا أوعد به اللّٰه تعالى، و إمّا أن لا يكون، و الثاني إمّا يكون بوعد من غيره تعالى، و إمّا أن لا يكون بوعد، بل كان ذلك من الخواص المترتّبة على الشي‌ء، كما لو جرّب أنّ صلاة الليل موجبة للتوسعة في الرزق، فقصد من صلاة الليل مجرّد التوسعة، من دون أن يكون ذلك بوعد منه تعالى، ثمّ ما كان موعودا منه تعالى فتارة يكون الداعي هو نفس ذلك الغرض الدنيوي الموعود منه بلا توسيط قصد الأمر، و اخرى يكون ذلك من‌

49

باب داعي الداعي، بأن كان غرضه من قصد الأمر هو الوصول إلى ذلك الغرض، فهذه جملة الأقسام المتصوّرة في المقام.

فإن لم يكن الغرض موعودا منه تعالى، فلا ينبغي الإشكال في بطلان العبادة، إذا كان غرضه منها هو الوصول إلى ذلك الغرض الدنيوي، سواء كان ذلك موعودا من غيره تعالى أو كان من الخواصّ المجرّبة، إذ لم يقصد بالعبادة لا الأمر و لا جهته و لا ذلك المعنى العام الذي اخترناه في صحّة العبادة. و كذا لو كان الغرض الدنيوي موعودا منه تعالى، و لكن كان الداعي إلى فعل العبادة هو الوصول إلى ذلك الغرض، من دون نظر إلى الأمر و لا يكون قصده قصدا إليه إجمالا [1]. فإنّ هذا لم يأت بالعبادة للّٰه بل أتى بها لسعة الرزق فقط.

و أمّا لو كان داعيه ذلك بتوسيط قصد الأمر، فالأقوى فيه الصحّة، و إن حكي عن بعض الخلاف فيه، فإنّ نفس الوعد منه تعالى إيجادا للداعي إلى التقرّب بها و يكون من غايات الامتثال، و إلا لغا الوعد منه تعالى كما لا يخفى، و شتّان ما بين أن يكون الوعد منه تعالى و ما بين أن يكون من غيره، من بذل باذل، فإنّه لو كان الداعي هو الوصول إلى ما يبذله الباذل لكان الغاية القصوى و المقصد الأعلى هو غير اللّٰه تعالى، و لو أمكن توسيط قصد الأمر أيضا و الحاصل: أنّه قد تقدّم أنّه لو كان الداعي هو الأجرة و أمكن أن يكون من باب الداعي [إلى] الداعي، و إن كان ذلك ممنوعا جدّا، على ما عرفت، كان توسيط قصد الأمر ممّا لا أثر له: بعد ما كان المقصود بالأصالة هو أخذ الأجرة، و هذا بخلاف ما إذا كان الداعي هو ما أوعده اللّٰه تعالى، فإنّه بالأخرة يرجع إلى اللّٰه و يكون مقرّبا كما‌

____________

[1] و إن كان يمكن أن يقال: إنّ قصد التوصّل إلى غرض موعود منه تعالى لا ينفكّ عن قصد الأمر و لو إجمالا كما تقدّم ذلك في قصد الثواب و العقاب فتأمّل «منه».

50

لا يخفى، فتأمّل جيّدا.

البحث الثالث:

قد عرفت أنّ المعتبر في النيّة أمران: قصد هويّة المأمور به و قصد أمره الواقعي، و بعد تحقّق هذين الأمرين لا يجب القصد إلى شي‌ء من أوصاف المأمور به الخارجة عن حقيقته، و أوصاف الأمر الذي يراد امتثاله، فمثل الأداء و القضاء و الوجوب و الندب ممّا لا يعتبر القصد إليها، بل لو نوى أحدهما مكان ضدّه صحّ، إلّا إذا كان ذلك منافيا لليقين أو مغيّرا للنوع. و تفصيل ذلك هو أنّه قد تقدّم أنّ الخصوصيّات في كلا ناحية الأمر و المأمور به مختلفة، إذ منها ما تكون داخلة في هوية الأمر أو المأمور به، و منها ما تكون خارجة عنها، و الذي لا محيص عن قصده هو الخصوصيّات الداخلة في هوية المأمور به أو الأمر، سواء تعدّد ما في الذمّة أو اتّحد، و أمّا الخصوصيّات الخارجة عن الهوية فلا يعتبر القصد إليها كالوجوب و الندب و الأداء و القضاء، سواء أخذ وصفا في ناحية الأمر أو في ناحية المأمور به، فلا يعتبر قصد الصلاة الواجبة لأمرها الوجوبي، بل لو قصد أحد هذه الخصوصيّات مكان ضدّه، كأن قصد في مكان الأمر الوجوبي الندبي أو في مكان الصلاة الواجبة الصلاة المندوبة صحّ أيضا، سواء كان جهلا حتّى يكون من الخطأ في التطبيق، أو علما تشريعا إذا لم يؤخذ الوصف قيدا لكي يرجع إلى عدم قصد الأمر أو المأمور به.

نعم ربّما يكون قصد الضدّ مغيّرا للنوع المأمور به، أو يكون عدم قصد الخصوصية منافيا للتعيين.

أمّا الأول: فكالقصر و الإتمام، فإنّ الخصوصية القصرية و التمامية و إن كانت من الخصوصيّات المنوعة لحقيقة المأمور به، إلا أنّها لا يعتبر القصد إلى تلك‌

51

الخصوصية مع وحدة ما في ذمّة المكلّف، إلّا أنّ قصد أحدهما مكان الآخر يوجب البطلان، لعدم القصد إلى ما هو المأمور به، بداهة تضادّ الصلاة ركعتين مع الأربع، فيكون قصد الضدّ مغيّرا للنوع. و الظاهر انحصار المثال في خصوصية لا يعتبر القصد إليها ابتداء، إلّا أنّ قصد ضدّها يوجب تغيير النوع بمثل خصوصية القصرية و النوعية. و لعلّ السرّ في ذلك هو أنّ خصوصية القصرية و التمامية ليست إلّا عبارة عن قلّة الأجزاء و كثرتها، و قد تقدّم أنّ القصد إلى الأجزاء تفصيلا ممّا لا يعتبر بل يكفي القصد إليها إجمالا و إن لم يعرفها تفصيلا، فيكفي القصد إلى صلاة الظهر مثلا بداعي أمرها الفعلي و إن جهل بكونها قصرا أو تماما، و لكن أتى بما هو المأمور به من القصر و التمام بأن سلّم على الركعتين لو كان القصر هو المأمور به، و على الأربع لو كان التمام هو المأمور به، و لكن لو قصد القصر مكان التمام أو العكس و لو جهلا لكان موجبا لعدم القصد إلى ما هو المأمور به واقعا، و يكون قد قصد نوعا لم يكن بمأمور به واقعا.

و أمّا الثاني: و هو ما إذا كان عدم قصد الخصوصية منافيا للتعيين، فكالوجوب و الندب و الأداء و القضاء.

52

الفصل الثاني في تكبيرة الإحرام

التي هي أول أفعال الصلاة و من أجزائها، و بها يحرم كلّ ما كان يحلّ قبلها من منافيات الصلاة،

و تنقيح البحث فيها يستدعي رسم أمور:

الأول: المعروف بين الأصحاب كون تكبيرة الإحرام من أركان الصلاة

التي توجب نقصها أو زيادتها بطلان الصلاة، و لو كان ذلك عن سهو و نسيان، أمّا في صورة النقص فالظاهر أنّه لا إشكال فيه و قد حكي الإجماع مستفيضا على بطلان الصلاة بترك تكبيرة الإحرام عمدا أو سهوا. و يدلّ عليه قبل ذلك الأخبار المستفيضة كقوله (عليه السلام) «يعيد» في رواية زرارة بعد ما سئل عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح (1). و في معناها عدّة من الروايات (2) المصرّحة بإعادة الصلاة عند ترك التكبيرة سهوا.

نعم ورد في جملة من الأخبار ما ظاهره الصحّة و عدم بطلان الصلاة بذلك، كرواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل ينسى أول تكبيرة‌

____________

(1) الوسائل: ج 4 ص 715 باب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام، ح 1.

(2) الوسائل: ج 4 ص 715 باب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام.