مهذب الأحكام - ج16

- السيد عبد الأعلى السبزواري المزيد...
386 /
7

الجزء السادس عشر

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[كتاب المكاسب و المتاجر]

كتاب المكاسب و المتاجر الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين.

[في المكاسب و المتاجر]

في المكاسب و المتاجر (1).

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و صلى اللّه على أشرف خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين

(1) الكسب: عبارة عن مطلق طلب الرزق، و التجارة أخص منه عرفا، و هما يشملان جميع أنواع المعاملات، بل مورد استعمالات الكسب يدل على استعماله في الأعم من طلب الرزق، قال اللّه تعالى لَهٰا مٰا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهٰا مَا اكْتَسَبَتْ (1)، و على أي تقدير فللكسب و التجارة اعتبارات ثلاثة.

الأول: المعنى الحدثي القائم بالتاجر و الكاسب من حيث الصدور منهما، أي: المعنى المصدري.

____________

(1) سورة البقرة: 286.

8

[ (مسألة 1): التكسب و تحصيل المعيشة محبوب عند اللّه تعالى]

(مسألة 1): التكسب و تحصيل المعيشة محبوب عند اللّه تعالى و قد رغّب الشرع إليه أكمل ترغيب، و حث إليه بأبلغ ما أمكنه (2) خصوصا إن

____________

الثاني: لحاظ هذا المعنى الحدثي في حد نفسه في مقابل سائر المعاني، أي: المعنى الاسم المصدري.

الثالث: ما يكون متعلقا للكسب و التجارة، و يصح اتصاف كل واحد منها بالأحكام الخمسة التكليفية و لو بالعناية، لمكان التلازم بينهما عرفا، فيسري حكم كل منهما إلى الآخر بالعناية، كما هو شأن جميع ما يكون بينهما تلازما.

هذا بحسب الانظار العرفية. و أما بحسب الدقة العقلية فلا تلازم في البين.

نعم، لا يصح ان يكون أحد المتلازمين في الوجود محكوما بحكم مخالف للملازم الآخر.

(2) قال تعالى فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ (1)، و قال تعالى وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ (2)، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في موثق إسماعيل بن مسلم: «العبادة سبعون جزء أفضلها طلب الحلال» (3)، و قال أبو جعفر في خبر أبي حمزة: «من طلب الدنيا استعفافا عن الناس، و سعيا على أهله، و تعطفا على جاره لقي اللّه عز و جل يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر» (4)، و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا هشام إن رأيت الصفين قد التقيا فلا تدع طلب الرزق في ذلك اليوم» (5)، و قال الصادق (عليه السلام): «اقرأوا من لقيتم من أصحابكم السلام، و قولوا: لهم أن فلان ابن فلان يقرأكم السلام، و قولوا لهم: عليكم بتقوى اللّه، و ما ينال به ما عند اللّه إني و اللّه ما آمركم إلا بما نأمر به‌

____________

(1) سورة الجمعة: 10.

(2) سورة المزمل: 20.

(3) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 6 و 15 و 5.

(4) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 6 و 15 و 5.

(5) الوسائل باب: 5 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 4.

9

كان للتوسعة على العيال، و فعل الخيرات و المبرات (3)، و قد يجب و قد يحرم و قد يكره (4).

____________

أنفسنا، فعليكم بالجد و الاجتهاد، و إذا صليتم الصبح فانصرفتم فبكروا في طلب الرزق و اطلبوا الحلال، فإن اللّه سيرزقكم و يعينكم عليه» (1)، و عن علي (عليه السلام): «إن اللّه يحب المحترف الأمين» (2)، و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ اللّه تبارك و تعالى ليحب الاغتراب في طلب الرزق» (3)، و عنه (عليه السلام) أيضا: «أما علم ان تارك الطلب لا يستجاب له دعوة» (4)، و عن علي بن الحسين (عليهما السلام): «ليس منا من ترك دنياه لآخرته و لا آخرته لدنياه» (5).

ثمَّ أن الكسب أعم من التجارة- كما تقدم- لأن الكسب عبارة عن مطلق طلب الرزق و لو بحيازة المباحات، و التجارة عبارة عن أخذ مال بعوض على نحو التراضي.

(3) لخبر ابن أبي يعفور قال: «قال رجل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «و اللّه إنا لنطلب الدنيا و نحب أن نؤتاها، فقال: تحب أن تصنع بها ما ذا؟ قال: أعود بها على نفسي و عيالي، و أصل بها رحمي، و أتصدق بها و أحج و اعتمر، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة» (6).

و على هذا فالكسب بكل ما فيه مصلحة من المصالح الدينية يكون من طلب الآخرة، و لا يختص بما ذكر في الحديث فإنه إنما ذكر فيه ذلك من باب المثال لما تعارف في تلك الأزمنة من الأمور الخيرية لا أن يكون ما ذكر في الحديث لأجل الخصوصية فيه.

(4) فتعرضه الأحكام الخمسة التكليفية بحسب العوارض الخارجية‌

____________

(1) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 8 و 14.

(2) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 8 و 14.

(3) الوسائل باب: 29 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 5 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 7.

(5) الوسائل باب: 28 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 1.

(6) الوسائل باب: 7 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 3.

10

[ (مسألة 2): أفضل المكاسب التجارة]

(مسألة 2): أفضل المكاسب التجارة (5) بلا فرق في التجارة الممدوحة بين ان يكون بالاشتراك مع مسلم أو غيره أو الانفراد

____________

المنطبقة عليه، كما أن سائر الأمور المرغوبة إليها أيضا كذلك- كطلب العلم، و قضاء حوائج الأخوان- و المستحب من كل منها لا يزاحم الواجب من الآخر، كما أن الواجب العيني من كل منها لا يزاحم الكفائي، و في الواجبين العينيين يعوّل على الترجيح و مع عدمه فالتخيير، و كذا في المندوبين مع التزاحم، و المرجحات الخارجية غير مضبوطة تختلف باختلاف الحالات و الأشخاص و الأزمنة.

و أصل المسألة بفروعها من صغريات التزاحم.

ثمَّ إن الشريعة المقدسة الإسلامية اهتم بتنظيم معايش العباد و بين فيها موارد الصحة و الفساد اهتماما عظيما من أول حيازة المباحات- التي كانت هي الأصل الأولي في معيشة البشر- إلى آخر أصناف المعاوضات، و التجارات، و بين فيها جميع مصالحهم الفردية و النوعية، و أتمّ الحجة عليهم في فروعها الكلية و الجزئية، كما سيأتي التعرض لجميع ذلك إن شاء اللّه تعالى في محالها.

(5) للنصوص، و الإجماع، قال علي (عليه السلام) في خبر ابن مسلم: «تعرضوا للتجارة فإن فيها غنى لكم عما في أيدي الناس» (1)، و قال (عليه السلام): «اتجروا بارك اللّه لكم، فإني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: الرزق عشرة أجزاء: تسعة أجزاء في التجارة، و واحد في غيرها» (2)، و عنه (عليه السلام) أيضا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «تسعة أعشار الرزق في التجارة، و الجزء الباقي في السابيا يعني: الغنم» (3)، و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ترك التجارة مذهبة للعقل» (4)، و عنه (عليه السلام) أيضا: «ترك التجارة ينقص العقل» (5)، و المراد بهذا العقل إنما هو التدبيرات التجارية، لخبر ابن كثير‌

____________

(1) الوسائل باب: 1 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 11.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 12.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 5.

(4) الوسائل باب: 2 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 4.

(5) الوسائل باب: 2 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 13 و 1.

11

و الاستقلال- (6)، ثمَّ الزرع و الغرس (7)

____________

قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إني قد هممت أن أدع السوق و في يدي شي‌ء، فقال (عليه السلام): إذا يسقط رأيك و لا يستعان بك على شي‌ء» (1).

(6) للإطلاق الشامل للجميع، كما لا فرق في التجارة بين أن يكون متعلقها من الأشياء اليسيرة أو الخطيرة، مجلوبة من بلاد الإسلام أو الكفر، و لا فرق أيضا بين أن يكون بالإقامة في محل واحد أو بالضرب في الأرض، و كذلك لا فرق أيضا بين أنحاء البيوع و المعاملات ما دام يصدق عليه التجارة عرفا، و لم يكن محرما شرعا، كما لا فرق فيها بين أن تكون بالمباشرة أو بالتسبيب، كل ذلك لظهور الإطلاق و الاتفاق.

(7) نصوصا، و إجماعا، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في خبر سيابة: «ازرعوا و اغرسوا، فلا و اللّه ما عمل الناس عملا أحل و لا أطيب منه» (2)، و عنه (عليه السلام) أيضا:

«الكيمياء الأكبر الزراعة» (3)، و قال (عليه السلام) في خبر ابن هارون: «الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيبا أخرجه اللّه عز و جل، و هم يوم القيامة أحسن الناس مقاما، و أقربهم منزلة يدعون المباركين» (4)، و في خبر الواسطي قال: «سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن الفلاحين؟ فقال (عليه السلام): هم الزارعون كنوز اللّه في أرضه، و ما في الأعمال شي‌ء أحب إلى اللّه من الزراعة، و ما بعث اللّه نبيا إلا زارعا إلا إدريس فإنه كان خياطا» (5)، و عن أبي جعفر (عليه السلام) كان أبي (عليه السلام) يقول: «خير الأعمال الحرث يزرعه فيأكل منه البر، و الفاجر، فأما البر: فما أكل من شي‌ء استغفر لك، و أما الفاجر: فما أكل منه من شي‌ء لعنه، و يأكل منه البهائم و الطير» (6).

ثمَّ إن مقتضى الإطلاقات عدم الفرق بين كون الزراعة بملك العين أو‌

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب المزارعة و المساقاة حديث: 1 و 8 و 7.

(3) الوسائل باب: 3 من أبواب المزارعة و المساقاة حديث: 1 و 8 و 7.

(4) الوسائل باب: 3 من أبواب المزارعة و المساقاة حديث: 1 و 8 و 7.

(5) الوسائل باب: 10 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 3.

(6) الوسائل باب: 3 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 6.

12

و اتخاذ الأغنام (8)، ثمَّ اقتناء البقر (9).

____________

المنفعة أو الانتفاع، كما إذا استعار أرضا للزراعة، كما إن مقتضاها عدم الفرق بين أن تكون بالتشريك أو الاستقلال أو المباشرة أو التسبيب ما دام ينسب إليه الزراعة عرفا، و الظاهر عدم الفرق أيضا بين أن تكون بالآلات القديمة أو الاجهزة الحديثة، للإطلاق الشامل للجميع.

(8) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في خبر ابن سنان: «إذا اتخذ أهل بيت شاة آتاهم اللّه برزقها و زاد في أرزاقهم، و ارتحل الفقر عنهم الفقر مرحلة، فإن اتخذوا شاتين آتاهم اللّه برزقهما، و زاد في أرزاقهم و ارتحل الفقر عنهم مرحلتين، و إن اتخذوا ثلاثة أتاهم اللّه بأرزاقها و ارتحل عنهم الفقر رأسا» (1)، و عنه (عليه السلام) أيضا: «ما من أهل بيت تروح عليهم ثلاثون شاة إلا لم تزل الملائكة تحرسهم حتى يصبحوا» (2).

(9) لقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيه: «تغدو بخير و تروح بخير» (3)، و هذا التعبير كناية عن البركة.

و أما الإبل فقد ورد فيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «فيها: الشقاء و الجفاء و العناء و بعد الدار، تغدو مدبرة، و تروح مدبرة، لا يأتي خيرها إلا من جانبها الاشئم، أما إنها لا تعدم الأشقياء الفجرة» (4)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «تغدو مدبرة- إلخ» كناية عن عدم البركة.

و المعروف بين أرباب الأنعام أن تعب الإبل و مشقته على صاحبه أكثر من جميع الأنعام، و لعل هذا هو معنى صدر الحديث.

و الظاهر عدم الفرق فيه بين ملكية العين و ملكية المنفعة في الأنعام أيضا، لظهور الإطلاق الشامل لهما، و لكن يمكن دعوى الانصراف إلى الأولى.

____________

(1) الوسائل باب: 29 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 4 و 5.

(2) الوسائل باب: 29 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 4 و 5.

(3) الوسائل باب: 48 من أبواب أحكام الدواب حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 48 من أبواب أحكام الدواب حديث: 1.

13

[ (مسألة 3): يجب على كل من يباشر كسبا- تجارة كان أو غيرها معرفة صحيحه و فاسده]

(مسألة 3): يجب على كل من يباشر كسبا- تجارة كان أو غيرها- معرفة صحيحه و فاسده، و الأحكام المتعلقة به (10).

____________

و أما مجرد الاكتساب بالرعي بلا ملكية لأحدهما فقد يقال: إنه مندوب أيضا، لأنه من عمل الأنبياء، و قد ورد: «ما بعث اللّه نبيا إلا راعي غنم» (1)، و يشهد له إطلاق قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إن اللّه جعل أرزاق أنبيائه في الزرع و الضرع كيلا يكرهوا شيئا من قطر السماء» (2).

(10) لأصالة عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بوجه صحيح شرعي.

و هذا الوجوب طريقي إرشادي عقلي محض- كوجوب التقليد أو الاجتهاد أو الاحتياط في جميع الأحكام- فليس المدار إلا على الواقع فلو خالف الواقع يعاقب عليه تعلم أو لا إن لم يكن معفوا، و لو لم يخالفه فلا عقاب عليه سواء تعلم أو لم يتعلم، و ليس بواجب نفسي و لا مقدمي، لعدم دليل عليه من عقل أو نقل، بل مقتضى الأصل عدمه. و لذا نسب إلى المشهور استحباب التفقه من باب استحباب مطلق تعلم الأحكام، و ما ورد من الاخبار في المقام ظهورها في الطريقية و الإرشادية مما لا ينكر، كقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر أصبغ بن نباتة: «يا معشر التجار الفقه ثمَّ المتجر، الفقه ثمَّ المتجر، الفقه ثمَّ المتجر، و اللّه للربا في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا، شوبوا إيمانكم بالصدق، التاجر فاجر، و الفاجر في النار إلا من أخذ الحق و أعطى الحق» (3)، و عنه (عليه السلام) أيضا: «من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثمَّ ارتطم» (4)، و قال (عليه السلام): «لا يقعدن في السوق إلا من يعقل الشراء و البيع» (5)، و عن‌

____________

(1) سنن ابن ماجه كتاب التجارات باب: 5 حديث: 2149 و فيه أيضا: «قال له أصحابه: و أنت يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: و انا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط».

و في البحار ج: 5 صفحة: 18، و ج: 24 صفحة: 683 باب أحول الأنعام، الطبعة القديمة.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب المزارعة و المساقاة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 1 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 4.

(5) الوسائل باب: 1 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 4.

14

[ (مسألة 4): القدر اللازم من تعلم أحكام التجارة أن يطلع على حكمها]

(مسألة 4): القدر اللازم من تعلم أحكام التجارة أن يطلع على حكمها، و المعاملة التي يوقعها و لو بالتقليد الصحيح (11)، و لا فرق فيه بين كون التعلم قبل الشروع فيها أو حين إيقاعها، أو بعده بأن يوقع معاملة مشكوكة في صحتها و فسادها ثمَّ يسئل عن حكمها، فإذا تبين كونها صحيحة رتب عليها الأثر و إلا فلا (12). هذا إذا كان مورد الجهل مجرد

____________

أبي عبد اللّه (عليه السلام): «من أراد التجارة فليتفقه في دينه ليعلم بذلك ما يحل له مما يحرم عليه، و من لم يتفقه في دينه ثمَّ اتجر تورط الشبهات» (1).

و يمكن أن يجمع بين الكلمات، فمن نسب إليه الوجوب النفسي- كالأردبيلي- أراد الطريقي المحض منه لا النفسي من كل جهة، و ما نسب إلى المشهور من الاستحباب أراده مع قطع النظر عن ترتب مفسدة خلاف الواقع من باب استحباب تعلم الأحكام الدينية مطلقا، و لا منافاة بينه و بين عروض الوجوب لجهات خارجية.

(11) لظهور الإطلاق، و الاتفاق، و أصالة البراءة عن اعتبار أزيد من ذلك، إذ لا دليل على اعتبار الاجتهاد بالخصوص، و كذا الاحتياط، و يكفي كونها صحيحا شرعا بأي نحو كان، كما تقدم ذلك كله في مباحث الاجتهاد و التقليد، بل لو أوقع معاملة معتقدا بفسادها و ترتب عليها الأثر، ثمَّ ظهرت الصحة تصح و لا شي‌ء عليه، و في العكس وجب ترتيب آثار الفساد و المراضاة.

(12) لما تقدم من أن التعلم طريق محض إلى الواقع، فالمناط كله على تحقق الواقع سواء تقدمه التعلم أو قارنه أو تأخر عنه، و كذا الكلام في العبادات إلا انها متوقفة على تحقق قصد القربة مضافا إلى مطابقة الواقع، فلو تحققت و طابقت الواقع تصح مطلقا، و مع عدم تحقق أحدهما لا وجه للصحة، و طريق إحراز مطابقة الواقع في العبادات و المعاملات إحراز المطابقة لرأي من يصح الاعتماد على رأيه، مع ان في المعاملات تجري أصالة الصحة مطلقا ما لم‌

____________

(1) الوسائل باب: 1 من أبواب آداب التجارة حديث: 4.

15

الصحة و الفساد فقط (13) و أما لو كان متعلقه الحرمة التكليفية، كموارد الشك في كون المعاملة ربوية، فلا بد من الاجتناب حتى يتعلم حكمها (14).

____________

ينكشف الخلاف، و ليس فيها ارتكاب حرام إلا من حيث أكل المال بالباطل لو تبين الخلاف في المعاملات، هذا بالنسبة إلى العامي.

و أما بالنسبة إلى المجتهد فالمناط على استفادته عن الأدلة فإن طابقت يصح و إلا فلا.

(13) كالجهل بشرائط المتعاقدين، أو العوضين، أو العقد.

(14) لعدم جواز الاقتحام في الشبهات الحكمية قبل الفحص و السؤال، كما ثبت في محله هذا إذا كانت الشبهة حكمية. و أما إن كانت موضوعية، كما إذا تردد شي‌ء خاص بين كونه ربوية أو لا، فمقتضى أصالة الصحة، و ظهور إجماعهم على عدم لزوم الفحص فيها، صحة العقد الواقع عليه ما لم ينكشف الخلاف، فيكون كالقسم الأول حينئذ، و في مورد الشبهة الحكمية لو ارتكبها و لم يخالف الواقع تصح المعاملة و إن تجرى، و كذا الكلام في بيع الخمر لو قلنا بحرمة نفس المعاملة عليها أيضا مع قطع النظر عن فسادها، كما يظهر مما دل على لعن بائعها و مشتريها (1).

____________

(1) الوسائل باب: 55 من أبواب مما يكتسب به حديث: 4.

16

[فصل في ما يستحب في التجارة]

فصل في ما يستحب في التجارة و هو أمور. الأول: الإجمال في طلب الرزق (1).

الثاني: إقالة النادم في البيع و الشراء (2).

____________

فصل في ما يستحب في التجارة‌

(1) للإجماع، و الاعتبار، و النصوص كثيرة: منها ما عن أبي جعفر (عليه السلام) في خبر أبي حمزة الثمالي، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حجة الوداع: «ألا إن الروح الأمين نفث في روعي إنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا اللّه و أجملوا في الطلب، و لا يحملنكم استبطاء شي‌ء من الرزق أن تطلبوه بمعصية اللّه، فإن اللّه تبارك و تعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالا- الحديث-» (1)، و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «اتقوا اللّه، و أجملوا في الطلب خذوا ما حل، و دعوا ما حرم» (2)، و قال (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا:

«أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر لما خلق له» (3)، و عن الصادق (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمار: «إن اللّه عز و جل خلق الخلق، و خلق معهم أرزاقهم حلالا، فمن تناول شيئا منها حراما قص به من ذلك الحلال» (4)، إلى غير ذلك من الروايات.

(2) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في خبر هارون: «أيما عبد أقال مسلما في بيع أقاله اللّه عثرته يوم القيامة» (5)، و عنه (عليه السلام) أيضا: «أربعة ينظر اللّه عز و جل إليهم‌

____________

(1) الوسائل باب: 12 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 1.

(2) سنن ابي ماجه باب: 2 من أبواب التجارات حديث: 2144 و 2143.

(3) سنن ابن ماجه باب: 2 من أبواب التجارات حديث: 2144 و 2143.

(4) الوسائل باب: 12 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 6.

(5) الوسائل باب: 3 من أبواب آداب التجارة حديث: 2.

17

الثالث: التسوية بين المتبايعين في السعر (3)، بلا فرق بين المماكس و غيره بأن يقلل الثمن للأول و يزيده للثاني.

نعم، لو فرق بينهم لسبب الفضل والدين و القرابة و الصداقة، و نحو ذلك فلا بأس (4).

الرابع: أن يأخذ لنفسه ناقصا، و يعطى راجحا بحيث لا يؤدي إلى الجهالة (5).

____________

يوم القيامة: من أقال نادما، أو أغاث لهفانا، أو أعتق نسمة، أو زوج عزبا» (1)، و ذكر البيع في الخبر السابق من باب الغالب، فلا يقيد به الخبر الآخر فلا يختص استحبابها بخصوص البيع و إن كان فيه أفضل و آكد، و يأتي تمام الكلام في محله.

(3) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في خبر عامر بن جذاعة: «في رجل عنده بيع فسعره سعرا معلوما، فمن سكت عنه ممن يشتري منه باعه بذلك السعر، و من ماكسه و أبى أن يبتاع منه زاده، قال: لو كان يزيد الرجلين الثلاثة لم يكن بذلك بأس، فأما أن يفعله بمن أبى عليه و كايسه و يمنعه من لم يفعل، فلا يعجبني إلا أن يبيعه بيعا واحدا» (2)، و يدل عليه الإجماع، و الاعتبار أيضا.

(4) لسيرة المتدينين، و انصراف الخبر عنه، و لأن المتيقن من الإجماع غيره.

نعم، يكره للأخذ قبوله، و لذا كان السلف الصالحون يوكلون في الشراء من لا يعرف هربا من ذلك، و لا يبعد جريان الحكم في غير البيع و الشراء من أنواع المكاسب أيضا.

(5) للإجماع، و للتجنب عن البخس في المكيال، و لما يمكن أن يستفاد‌

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب آداب التجارة حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 11 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

18

الخامس: أن يكون سهل الشراء، و سهل القضاء، و سهل الاقتضاء (6).

السادس: المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها و ترك الاشتغال بغيرها (7).

____________

من قوله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ.

وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (1)، فيمكن أن يستفاد منه حسن الزيادة عند الإعطاء، و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في صحيح صفوان: «إن فيكم خصلتين هلك بهما من قبلكم من الأمم، قالوا: و ما هما يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قال (عليه السلام):

المكيال، و الميزان» (2)، و لا ريب في إنه لو أخذ ناقصا و أعطى زائدا نجى من ذلك، و مع التنازع فطريق الاحتياط التصالح و التراضي.

(6) نصا و إجماعا، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في موثق سدير: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): بارك اللّه على سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء» (3)، و المراد من الأخيرين الدين، و قضائه و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا: «إن اللّه تبارك و تعالى يحب العبد يكون سهل البيع، سهل الشراء- الحديث-» (4)، و في خبر السكوني، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه (عليهما السلام) قال: «أوحى اللّه تعالى إلى بعض أنبيائه (عليهم السلام) للكريم فكارم، و للسمح فسامح، عند الشكس فالتو» (5)، و الشكس أي: سي‌ء الخلق الذي لا انصاف له، و الالتواء: المطل و التأني.

(7) لقول اللّه عز و جل رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ (6)، و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في تفسير الآية: «هم التجارة الذين لا تلهيهم‌

____________

(1) سورة المطففين: 1 و 3.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب آداب التجارة حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 42 من أبواب آداب التجارة حديث: 2 و 3.

(4) الوسائل باب: 42 من أبواب آداب التجارة حديث: 2 و 3.

(5) الوسائل باب: 4 من أبواب آداب التجارة حديث: 3.

(6) سورة النور: 37.

19

.....

____________

تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه عز و جل إذا دخل مواقيت الصلاة أدوا إلى اللّه عز و جل حقه فيها» (1)، و في خبر أبي بصير قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مؤمن فقير شديد الحاجة من أهل الصفة، و كان لازما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند مواقيت الصلاة كلها لا يفقده في شي‌ء منها، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يرق له، و ينظر إلى حاجته و غربته، فيقول: يا سعد لو قد جاءني شي‌ء لأغنيتك، قال (عليه السلام): فأبطأ ذلك على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاشتد غم رسول اللّه بسعد، فعلم اللّه سبحانه ما دخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من غمه بسعد، فأهبط عليه جبرائيل (عليه السلام) و معه درهمان، فقال له: يا محمد إن اللّه قد علم ما قد دخلك من الغم بسعد، أ فتحب أن تغنيه؟ فقال له: نعم، فقال له: فهاك هذين الدرهمين فأعطهما إياه، و مره أن يتجر بهما، فأخذهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمَّ خرج إلى صلاة الظهر، و سعد قائم على باب حجرات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ينتظره، فلما رآه رسول (صلّى اللّه عليه و آله) قال: يا سعد أ تحسن التجارة؟ فقال له سعد: و اللّه ما أصبحت أملك ما اتجر به، فأعطاه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الدرهمين، فقال له: اتجر بهما و تصرف لرزق اللّه، فأخذهما سعد، و مضى مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى صلى معه الظهر و العصر، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قم فاطلب الرزق، فقد كنت بحالك مغتما يا سعد، فأقبل سعد لا يشتري بالدرهم إلا باعه بدرهمين، و لا يشتري شيئا بدرهمين إلا باعه بأربعة دراهم، و أقبلت الدنيا على سعد فكثر متاعه، و ماله، و عظمت تجارته، فاتخذ على باب المسجد موضعا جلس فيه، و جمع تجارته إليه، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أقام بلال الصلاة يخرج و سعد مشغول بالدنيا لم يتطهر، و لم يتهيأ كما كان يفعل قبل أن يتشاغل بالدنيا، فكان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: يا سعد شغلتك الدنيا عن الصلاة، فيقول: ما أصنع؟ أضيع مالي؟ هذا رجل قد بعته فأريد أن استوفى منه، و هذا رجل قد اشتريت منه فأريد أن أوفيه، فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من أمر سعد غم أشد من غمه بفقره، فهبط عليه جبرائيل (عليه السلام) فقال:

____________

(1) الوسائل باب: 14 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

20

السابع: البيع عند حصول الربح (8).

الثامن: ذكر اللّه في الأسواق خصوصا التسبيح و الشهادتان (9) إلى

____________

يا محمد إن اللّه قد علم بغمك بسعد، فأيما أحب إليك حاله الأولى أو حاله هذه؟

فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يا جبرائيل بل حاله الأولى، قد أذهبت دنياه بآخرته، فقال له جبرائيل: إن حب الدنيا و الأموال فتنة و مشغلة عن الآخرة. قال: جبرائيل قل لسعد: يرد عليك الدرهمين الذين دفعتهما إليه، فإن أمره سيصير إلى الحالة التي كان عليها أولا. فخرج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فمر بسعد فقال له: يا سعد أما تريد ان ترد عليّ الدرهمين الذين أعطيتكهما؟ فقال سعد: بلى، و مائتين، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لست أريد منك يا سعد إلا درهمين، فأعطاه سعد درهمين، و أدبرت الدنيا على سعد حتى ذهب ما كان جمع، و عاد إلى حاله التي كان عليها» (1).

(8) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في خبر هاشم: «ما من أحد يكون عنده سلعة أو بضاعة إلا اللّه عز و جل له من يربحه، فإن قبل و إلا صرفه إلى غيره، و ذلك انه رد على اللّه عز و جل» (2)، و عنه (عليه السلام) أيضا: «إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لخليط له: جزاك اللّه من خليط خيرا، فإنك لم تكن ترد ربحا و لا تمسك ضرسا» (3)، و قال (عليه السلام): «مر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على رجل معه سلعة يريد بيعها، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): عليك بأول السوق» (4).

(9) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «من ذكر اللّه عز و جل في الأسواق غفر اللّه له بعدد أهلها» (5)، و عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من قال حين يدخل السوق: «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك، و له الحمد يحيي و يميت، و هو حي لا يموت بيده الخير و هو على كل شي‌ء قدير» اعطي من الأجر بعدد ما خلق اللّه إلى يوم القيامة» (6)، و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «من قال في السوق: «أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا عبده‌

____________

(1) الوسائل باب: 14 من أبواب آداب التجارة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 13 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 2 و 3.

(3) الوسائل باب: 13 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 2 و 3.

(4) الوسائل باب: 13 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 2 و 3.

(5) الوسائل باب: 19 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 3.

(6) الوسائل باب: 19 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 3.

21

غير ذلك مما ذكروه من الآداب (10).

____________

و رسوله كتب اللّه له ألف حسنة» (1).

ثمَّ إنه وردت أدعية خاصة عند الدخول إلى السوق، و التكبير عند الشراء، و كذا الدعاء بالمأثور (2)، و قد ذكر جميع ذلك في المفصلات من شاء فليرجع إليها.

(10) و قد أنهاها بعضهم إلى ما يقرب من سبعين- كالبكور في طلب الرزق، و تبديل الصنائع حتى يوافق ما له فيه سعد الطالع، و ابتداء صاحب السلعة بالسوم، و كتمان المال، و مهارة العمال، و ملازمة ما بورك له فيه، و وضع كل شي‌ء في سوقه، و المعاملة مع من يشاء في الخير، و تفريق المال إذا أرسله في التجارة حتى لا يذهب بجملته، و الاستعانة بدعاء الاخوان إذا جار الزمان، إلى غير ذلك مما ذكره الشهيد في الدروس، و تعرض لها صاحب الجواهر (قدّس سرهما).

____________

(1) الوسائل باب: 19 من أبواب آداب التجارة حديث: 4.

(2) راجع الوسائل باب: 18 و 20 من أبواب آداب التجارة.

22

[فصل في ما يكره في التجارة]

فصل في ما يكره في التجارة و هو أمور.

الأول: مدح البائع ما يبيعه و ذم المشتري ما يشتريه (1).

فصل في ما يكره في التجارة

____________

(1) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في موثق السكوني: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من باع و اشترى فليحفظ خمس خصال، و إلا فلا يشترين و لا يبيعن: الربا، و الحلف، و كتمان العيب، و الحمد إذا باع، و الذم إذا اشترى» (1)، و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أربع من كن فيه طاب مكسبه، إذا اشترى لم يعب، و إذا باع لم يحمد و لا يدلس، و في ما بين ذلك لا يحلف» (2)، و عن أبي جعفر (عليه السلام) في موثق جابر، قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) عندكم بالكوفة يغتدي كل يوم بكرة من القصر فيطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا، و معه الدرة على عاتقه، و كان لها طرفان، و كانت تسمى السبينة، فيقف على أهل كل سوق فينادي: يا معشر التجار اتقوا اللّه، فإذا سمعوا صوته ألقوا ما بأيديهم، و أرعوا إليه بقلوبهم، و سمعوا بأذانهم، فيقول: قدموا الاستخارة، و تبركوا بالسهولة، و اقتربوا من المبتاعين، و تزينوا بالحلم، و تناهوا عن اليمين، و جانبوا الكذب، و تجافوا عن الظلم، و أنصفوا المظلومين، و لا تقربوا الربا، و أوفوا الكيل و الميزان، و لا تبخسوا الناس أشيائهم، و لا تعثوا في‌

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب آداب التجارة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب آداب التجارة حديث: 3.

23

الثاني: اليمين على البيع و الشراء إن كان صادقا (2). و إلا يكون حراما (3).

الثالث: البيع في موضع يستر فيه العيب (4).

الرابع: الربح على المؤمن، و على من وعده بالإحسان إلا مع الضرورة أو كون الشراء للتجارة (5).

____________

الأرض مفسدين، فيطوف في جميع أسواق الكوفة ثمَّ يرجع فيقعد للناس» (1).

و مقتضى إطلاق هذه الأخبار كراهة المدح من البائع، و الذم من المشتري حتى مع الصدق فيهما.

(2) لقول أبي الحسن موسى (عليه السلام): «ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم: أحدهم رجل اتخذ اللّه بضاعة لا يشتري إلا بيمين، و لا يبيع إلا بيمين» (2)، و قد تقدم ما يدل على ذلك أيضا، هذا إذا كان صادقا.

(3) لما دل على حرمته، بل من المعاصي الكبيرة هذا إذا كان المحلوف به هو اللّه تعالى، و أما إن كان غيره من المقدسات، فيمكن القول بالكراهة، لشمول إطلاق دليل الكراهة له أيضا.

4) لصحيح هشام بن الحكم قال: «كنت أبيع السابري في الظلال، فمر بي أبو الحسن الأول (عليه السلام) راكبا، فقال لي: يا هشام إن البيع في الظلال غش، و الغش لا يحل» (3)، و السابري: نوع من الثياب الرقاق يعمل بسابور و هو موضع بفارس.

(5) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في خبر ابن صالح: «ربح المؤمن على المؤمن ربا إلا أن يشتري بأكثر من مائة درهم، فاربح عليه قوت يومك، أو يشتريه‌

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 25 من أبواب آداب التجارة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 58 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

24

الخامس: السوم في ما بين الطلوعين (6).

السادس: الدخول إلى السوق أولا و الخروج منه أخيرا (7).

السابع: مبايعة الأدنين الذين لا يبالون بما قالوا و ما قيل لهم، و لا

____________

للتجارة فاربحوا عليهم، و ارفقوا بهم» (1).

و أما خبر سالم، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخبر الذي روى إن ربح المؤمن على المؤمن ربا ما هو؟ فقال (عليه السلام): ذاك إذا ظهر الحق و قام قائمنا أهل البيت، فأما اليوم فلا بأس بأن تبيع من الأخ المؤمن و تربح عليه» (2)، فمحمول على أصل الجواز، و إن ظهور الأحكام حتى الكراهة إنما هو بعد ظهور الحق، و عن الصادق (عليه السلام): «إذا قال الرجل للرجل: هلم أحسن بيعك يحرم عليه الربح» (3).

(6) لخبر ابن أسباط، قال: «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن السوم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» (4)، مع إنه وقت التعقيب الذي هو أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض، كما في الخبر (5).

(7) لكونه منافيا للإجمال في طلب الرزق الذي ورد الأمر به في نصوص كثيرة (6)، بل ينبغي أن يكون آخر داخل و أول خارج عكس المسجد، فإن السوق مأوى الشياطين، كما ان المسجد مأوى الملائكة، و في خبر سعيد عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «جاء أعرابي من بني عامر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فسأله عن شر بقاع الأرض، و خير بقاع الأرض؟ فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): شر بقاع الأرض الأسواق،

____________

(1) الوسائل باب: 10 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 4.

(2) الوسائل باب: 10 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 4.

(3) الوسائل باب: 9 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 12 من أبواب آداب التجارة حديث: 2.

(5) الوسائل باب: 18 من أبواب التعقيب حديث: 10.

(6) الوسائل باب: 13 و 16 من أبواب مقدمات التجارة.

25

يسرهم الإحسان و لا يسوءهم الإسائة، و الذين يحاسبون على الشي‌ء الدني (8).

الثامن: التعرض للكيل أو الوزن أو العد أو المساحة إذا لم يحسنه (9).

التاسع: الاستحطاط للثمن بعد العقد (10).

____________

و هي ميدان إبليس، يغدو برايته، و يضع كرسيه، و يبث ذريته، فبين مطفف في قفيز، أو سارق في ذراع، أو كاذب في سلعة- إلى أن قال (صلّى اللّه عليه و آله)- خير البقاع المساجد، و أحبهم إلى اللّه أولهم دخولا و آخرهم خروجا منها» (1)، و إطلاقه يشمل التاجر و غيره أي كل من يدخل السوق.

(8) لإطلاق قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرسل: «إياك و مخالطة السفلة، فإن السفلة لا يئول إلى خير» (2)، و السفلة ينطبق على كل من ذكرناه في المتن، كما إن المخالطة تشمل البيع و الشراء و غيرهما، مضافا إلى الإجماع على الكراهة.

(9) للتحفظ عن الزيادة و النقيصة المؤدية إلى الحرام، و في خبر الحناط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت له: رجل من نيته الوفاء، و هو إذا كال لم يحسن أن يكيل، قال (عليه السلام): فما يقول الذين حوله؟ قلت: يقولون لا يوفى، قال (عليه السلام): هذا ممن لا ينبغي له أن يكيل» (3).

(10) لقول الصادق (عليه السلام) في موثق الكرخي: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن الاستحطاط بعد الضمنة» (4)، و في خبر الشحام قال: «أتيت أبا جعفر بن محمد بن علي (عليهما السلام) بجارية أعرضها عليه، فجعل يساومني و أنا أساومه، ثمَّ بعته إياها،

____________

(1) الوسائل باب: 60 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 24 من أبواب آداب التجارة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 8 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 44 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

26

العاشر: الاستهانة بقليل الرزق (11).

الحادي عشر: الدخول في سوم المؤمن بيعا أو شراء (12).

____________

فضمن على يدي. فقلت: جعلت فداك إنما ساومتك لأنظر المساومة تبغي، قلت: قد حططت عنك عشرة دنانير، فقال (عليه السلام): هيهات إلا كان هذا قبل الضمنة، أما بلغك قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الوضيعة بعد الضمنة حرام» (1)، و ظاهره كراهة الحط فضلا عن الاستحطاط، و لكنه لا بد و إن يحمل على بعض المحامل و إلا فهو من الإحسان المحض و على أي تقدير النهي فيهما محمول على الكراهة إجماعا، و جمعا بينهما و بين نصوص أخر كخبر معلى بن خنيس، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشتري المتاع ثمَّ يستوضع، قال (عليه السلام): لا بأس، و أمرني فكلمت له رجلا في ذلك» (2).

(11) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام): في خبر إسحاق بن عمار: «من استقل قليل الرزق حرم الكثير» (3)، و عنه (عليه السلام) أيضا: «من طلب قليل الرزق كان ذلك داعية إلى اجتلاب كثير من الرزق» (4).

(12) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام): في حديث المناهي: «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يدخل في سوم أخيه المسلم» (5)، المحمول على الكراهة، للأصل و العمومات، و قصور سند الحديث عن إثبات الحرمة، مع إنه مخالف للآداب العرفية للتكسب و التجارة. و هو أن يستميل أحد المتساومين إلى نفسه.

و ذهب جمع إلى الحرمة لما مر، و لأنه كسر لقلب المؤمن، و ترك لحقه.

و الكل مخدوش: إذ الأول قاصر سندا، و لا دليل على حرمة الأخيرين مطلقا، و إن كان قد يحرمان لانطباق عنوان خارجي عليهما. و إنما يكره أو يحرم بعد تراضيهما على البيع دون قبله.

____________

(1) الوسائل باب: 44 من أبواب آداب التجارة حديث: 6 و 3.

(2) الوسائل باب: 44 من أبواب آداب التجارة حديث: 6 و 3.

(3) الوسائل باب: 50 من أبواب آداب التجارة حديث: 3 و 1.

(4) الوسائل باب: 50 من أبواب آداب التجارة حديث: 3 و 1.

(5) الوسائل باب: 49 من أبواب آداب التجارة حديث: 3.

27

الثاني عشر: أن يتوكل حاضر عارف بسعر البلد لباد غريب جاهل، بأن يصير وكيلا عنه في البيع و الشراء (13).

____________

و لو جهل الحال، فلا حرمة و لا كراهة فضلا عما إذا علم عدم الرضاء، للأصل، و ظهور الاتفاق فيهما، فليس من الدخول في السوم الزيادة فيما إذا كان المبيع في معرض الزيادة عرفا، أو كان المحل محل عرض الناس أمتعتهم للشراء.

(13) لقول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر عروة بن عبد اللّه: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

لا يبيع حاضر لباد، و المسلمون يرزق بعضهم من بعض» (1)، و في حديث جابر:

«قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق اللّه بعضهم من بعضهم» (2)، و في النبوي: «ذروا الناس في غفلاتهم» (3).

و نسب إلى جمع الحرمة، لما تقدم من الأخبار.

و فيه: إن قصور سندها يمنع عن استفادة الحرمة عنها، مضافا إلى و هن دلالتها عليها أيضا.

و الظاهر ان البادي- المذكور في الاخبار- مثال لكل من تخفى عليه خصوصيات المعاملة فيشمل القروي، و البلدي إن كان بحيث يخفى عليه ذلك، كما إنه لا موضوع لها في ما إذا كانت قيمة الأجناس محدودة معينة عند الكل.

ثمَّ إن المنساق من الأخبار إنما هو فيما إذا كان البيع لازما، و لكن لو كان الخيار للبائع بأن يفسخ البيع متى رأى المصلحة لنفسه، فالظاهر عدم شمولها لهذه الصورة.

و كذا لو كان التوكيل من البادي للبادي، فلا كراهة في البين لعدم الموضوع لها، كما إن الظاهر انصراف الأدلة عن ما إذا كان التوكيل بالتماس من‌

____________

(1) الوسائل باب: 37 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 3.

(2) الوسائل باب: 37 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 3.

(3) مستدرك الوسائل باب: 28 من أبواب آداب التجارة حديث: 3.

28

الثالث عشر: تلقي الركبان و القوافل للبيع عليهم أو الشراء منهم قبل وصولهم إلى البلد (14). و يشترط فيها أمور.

الأول: الخروج بقصد ذلك، فلو خرج بدونه فاتفق ملاقاة الركب فلا كراهة (15).

الثاني: تحقق مسمى الخروج من البلد، فلو تلقى الركب أول وصوله إلى البلد لم يثبت الحكم (16).

الثالث: أن يكون دون الأربع فراسخ، فلو تلقى في الأربعة فصاعدا

____________

البادي لأغراض صحيحة له فيه.

و الظاهر تعميم الحكم بالنسبة إلى غير البيع و الشراء- كالإجارة و نحوها- نظرا إلى عموم التعليل و لما يأتي.

(14) للنص، و الإجماع في الجملة، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في خبر عروة بن عبد اللّه: «لا يتلقى أحدكم تجارة خارجا من المصر» (1)، و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في خبر منهال القصاب: «لا تلق و لا تشتر ما تلقي، و لا تأكل منه» (2)، و مثله غيره لكن في الغنم، و عنه (عليه السلام) أيضا: «لا تلق فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن التلقي؟ قلت: و ما حد التلقي؟ قال (عليه السلام): ما دون غدوة أو روحة، قلت: و كم الغدوة، و الروحة؟

قال (عليه السلام): أربعة فراسخ. قال ابن أبي عمير: و ما فوق ذلك فليس بتلق» (3).

و نسب إلى ابني براج و إدريس الحرمة، و هو ضعيف لقصور سند الأخبار، و تصريح جمع من المجمعين بالكراهة، فلا دليل على الحرمة و إن كانت أحوط.

(15) لأنه المنساق من الأخبار، و المتيقن من الإجماع.

(16) لاشتمال النصوص على خارج المصر- كما تقدم- فلا تشمل أوله من إن مقتضى الأصل عدم الكراهة إلا فيما اتفقت عليه مفاد الأدلة.

____________

(1) الوسائل باب: 36 من أبواب آداب التجارة حديث: 5 و 3 و 1.

(2) الوسائل باب: 36 من أبواب آداب التجارة حديث: 5 و 3 و 1.

(3) الوسائل باب: 36 من أبواب آداب التجارة حديث: 5 و 3 و 1.

29

لم يثبت الحكم (17)، بل يكون سفر تجارة (18). و لا يعتبر كون الركب جاهلا بسعر البلد في ما يبيعه و يشتريه (19). و يشمل الحكم غير البيع و الشراء من سائر المعاملات (20).

[ (مسألة 1): لو تلقى و فعل مكروها لا يثبت للبائع الخيار]

(مسألة 1): لو تلقى و فعل مكروها لا يثبت للبائع الخيار (21).

نعم، لو كان الغبن فاحشا يثبت خيار الغبن (22)، و لا يكون البيع

____________

(17) إجماعا، و نصا تقدم التعرض له.

(18) لمرسل الفقيه- المعمول به: «إن حد التلقي روحة فإذا صار إلى أربع فراسخ فهو جلب» (1).

(19) لإطلاق الأدلة، و لا مكان أن تكون الحكمة في ذلك ورود أهل البدو إلى البلد ليتعلموا الآداب و الأحكام في الجملة. و أما قوله (عليه السلام): «لا يتلقى أحدكم تجارة خارجا من المصر- إلى أن قال (صلّى اللّه عليه و آله)- و المسلمون يرزق اللّه بعضهم من بعض» (2)، فلا يدل على اعتبار الجهل بالنسبة إليه، إذ لا ريب في أن ذيله أعم من ذلك.

(20) لأن الظاهر أن ذكر البيع في الأدلة من باب المثال و الغالب لا الخصوصية سيما إن كانت الحكمة التيام أهل البوادي مع أهل البلدان، و دخولهم عليهم لتعم الإحكام.

(21) لأصالة اللزوم، و عدم دليل على الخيار إلا النبوي: «لا تلقوا الإجلاب فمن تلقى منه شيئا فاشترى، فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق» (3)، و لكن قصور سنده، و إعراض المشهور عنه أسقطه عن الاعتبار.

(22) لما يأتي في الخيارات من إطلاق أدلة خيار الغبن الشامل للمقام أيضا.

____________

(1) الوسائل باب: 36 من أبواب آداب التجارة حديث: 6 و 5.

(2) الوسائل باب: 36 من أبواب آداب التجارة حديث: 6 و 5.

(3) سنن ابن ماجه باب: 16 من أبواب التجارات حديث: 2178.

30

باطلا بناء على الحرمة (23).

الرابع عشر: الاحتكار، و هو حبس الطعام انتظارا به الغلاء (24).

و تعرضه الأحكام الخمسة، فقد يحرم (25)، و قد يجب (26)، و قد يستحب (27)، و قد يكون مباحا (28)، و قد يكره (29).

____________

(23) لتعلق النهي بما هو خارج عن حقيقة المعاملة، و هذا لا يوجب البطلان كما ثبت في محله.

(24) كما و هو المشهور، و بعض أقسامه من الظلم المحرم محرم بالأدلة الأربعة- يأتي مرارا- و هو المتيقن مما استدل به على الحرمة مطلقا.

(25) كما إذا اضطر الناس إليه، و لم يكن باذل في البين.

(26) كما إنه إذا لم يحتج إليه الناس و كان الاحتكار مقدمة لواجب كأداء دين حال، أو ذهاب حج مستقر، أو للصرف في نفقة واجبة أو نحو ذلك.

(27) و ذلك فيما إذا كان مقدمة لأمر راجح كالتوسعة على العيال و الإنفاق في الخيرات و الحج و العمرة و الزيارات.

(28) كما إذا لم يكن أمر راجح أو مرجوح في البين.

(29) على ما سيأتي قريبا من طرو عنوان الكراهة عليه، و قد نسب إلى جمع- منهم المفيد، و الشيخ رحمهم اللّه- إنه لم يكن لنفس الاحتكار من حيث هو كراهة، و عن آخرين منهم الشهيدين الحرمة مطلقا. و مقتضى الأصل، و قاعدة السلطنة، و عمومات البيع و التجارة عدم الحرمة، و لا الكراهة إلا مع الدليل على أحدهما.

و استدل كل من الفريقين بالأخبار، فمن قال بالحرمة استفاد منها الحرمة، و من قال بالكراهة استفاد منها الكراهة. أما الأخبار فمنها قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في خبر السكوني: «لا يحتكر الطعام إلا خاطئ» (1)، و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في خبره أيضا:

«الحكرة في الخصب أربعون يوما، و في الشدة و البلاء ثلاثة أيام، فما زاد على‌

____________

(1) الوسائل باب: 27 من أبواب التجارة حديث: 8.

31

.....

____________

الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون. و ما زاد على ثلاثة أيام في العسرة فصاحبه ملعون» (1)، و عنه (عليه السلام) أيضا في خبر حذيفة: «نفد الطعام على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فأتاه المسلمون، فقالوا: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد نفذ الطعام و لم يبق منه شي‌ء إلا عند فلان فمره يبيعه، قال: فحمد اللّه و اثنى عليه، ثمَّ قال: يا فلان إن المسلمين ذكروا أن الطعام قد نفد إلا شي‌ء عندك فأخرجه و بعه كيف شئت و لا تحبسه» (2)، و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في خبر ابن القداح: «الجالب مرزوق، و المحتكر ملعون» (3)، و عن علي (عليه السلام): «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مر بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق، و حيث تنظر الأبصار إليها، فقيل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

لو قومت عليهم، فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى عرف الغضب في وجهه، فقال: أنا أقوم عليهم إنما السعر إلى اللّه يرفعه إذا شاء، و يخفضه إذا شاء» (4)، و في المرسل: «نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الحكرة في الأمصار» (5)، و عن أبي جعفر (عليه السلام) في خبر أبي مريم: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أيما رجل اشترى طعاما فكبسه أربعين صباحا يريد به غلاء المسلمين، ثمَّ باعه فتصدق بثمنه لم يكن كفارة لما صنع» (6)، و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، عن جبرائيل، قال: «اطلعت في النار فرأيت واديا في جهنم يغلي، فقلت: يا مالك لمن هذا؟ فقال لثلاثة: المحتكرين، و المدمنين الخمر، و القوادين» (7)، و عن أبي جعفر (عليه السلام) في خبر السكوني، قال:

«لا يحتكر الطعام إلا خاطئ» (8)، و عن علي (عليه السلام) في كتابه إلى مالك الأشتر: «فامنع من الاحتكار فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) منع منه» (9)، إلى غير ذلك من الروايات.

____________

(1) الوسائل باب: 27 من أبواب التجارة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 29 من أبواب التجارة حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 27 من أبواب التجارة حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 30 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

(5) الوسائل باب: 27 من أبواب آداب التجارة حديث: 9 و 6.

(6) الوسائل باب: 27 من أبواب آداب التجارة حديث: 9 و 6.

(7) الوسائل باب: 27 من أبواب آداب التجارة حديث: 11.

(8) الوسائل باب: 27 من أبواب آداب التجارة حديث: 12.

(9) الوسائل باب: 27 من أبواب آداب التجارة حديث: 3.

32

.....

____________

و الإنصاف عدم دلالتها على حرمة الاحتكار ذاتا مع قطع النظر عن السند، و قد ورد نظير هذا التأكيد في جملة من الآداب و السنن كالجماعة (1)، و غسل الجمعة (2)، و الأكل وحده (3)، و تفريق الشعر (4)، و التخلي في مواضع اللعن (5)، و لو بنى على استفادة الحرمة من مثل هذه التعبيرات لوجب الحكم بحرمة جملة من الأشياء التي وقع هذه التعبيرات فيها، مع انه اتفق الكل على حليتها، فلا وجه للقول بالحرمة، و في الجواهر: «يمكن دعوى حصول القطع للفقيه الممارس بذلك»، أي: بعدم الحرمة.

و أما استفادة كراهة الاحتكار منها بعنوانه الأولي، فيمكن منعها أيضا إذا لم تترتب عليه مفسدة و لو أخلاقية عرفية، و كان إخراجه إلى السوق و عدمه على حد سواء بالنسبة إلى الناس لكثرة وجوده و وفوره، لأن جميع مطلقات أخبار الاحتكار مقيدة بقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في خبر حذيفة- المتقدم- «نفد الطعام على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأتاه المسلمون، فقالوا: يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد نفد الطعام و لم يبق منه شي‌ء إلا عند فلان، فمره يبيعه، قال فحمد اللّه و اثنى عليه، ثمَّ قال: يا فلان إن المسلمين ذكروا أن الطعام قد نفذ إلا شي‌ء عندك فأخرجه و بعه كيف شئت و لا تحبسه» (6)، و خبر حمزة عن علي (عليه السلام): «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مرّ بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق، و حيث تنظر الأبصار إليها فقيل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لو قومت عليهم، فغضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى عرف الغصب في وجهه، فقال: أنا أقوم عليهم؟! إنما السعر إلى اللّه يرفعه إذا شاء و يخفضه إذا شاء» (7).

____________

(1) راجع الوسائل باب: 2 و 3 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب الأغسال المسنونة.

(3) الوسائل باب: 101 من أبواب آداب المائدة.

(4) الوسائل باب: 62 من أبواب آداب الحمام.

(5) راجع الوسائل باب: 15 و 24 من أبواب أحكام الخلوة.

(6) الوسائل باب: 29 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

(7) الوسائل باب: 30 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

33

[ (مسألة 1): يتحقق الاحتكار في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الدهن]

(مسألة 1): يتحقق الاحتكار في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الدهن (30).

____________

فالمناط نفود الطعام و عدم كونه في الأسواق، و مع عدم النفود و تحقق الشيوع في الأسواق لا موضوع للاحتكار رأسا بحسب الشرع بل العرف أيضا حتى يكره، فالكراهة أيضا لا بد و أن تكون بحسب العنوان الخارجي لا بحسب طبع الاحتكار من حيث هو مع قطع النظر عن جميع العناوين، و يدل على ما ذكرناه- مضافا إلى خبر سالم الحناط، قال: «قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) ما عملك؟

قلت: حناط، و ربما قدمت على نفاق، و ربما قدمت على كساد فحبست، قال:

فما يقول من قبلك فيه؟ قلت يقولون: محتكر، فقال (عليه السلام) يبيعه أحد غيرك؟ قلت:

ما أبيع أنا من ألف جزء جزءا، قال (عليه السلام): لا بأس إنما كان ذلك رجل من قريش يقال له: حكيم بن حزام، و كان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كله فمرّ عليه النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: يا حكيم ابن حزام إياك أن تحتكر» (1)، و في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سئل عن الحكرة، فقال: إنما الحكرة أن تشتري طعاما و ليس في المصر غيره فتحتكره فإن كان في المصر طعام أو متاع غيره فلا بأس أن تلتمس بسلعتك الفضل» (2).

ثمَّ إن ظاهر الكلمات، إن ما هو الموضوع للحرمة عند جمع هو بعينه الموضوع للكراهة عند آخرين، و هو مشكل مع تقييد موضوع الحرمة باضطرار الناس و حاجتهم إليه.

(30) إجماعا و نصا، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ليس الحكرة إلا في الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب، و السمن» (3)، و في الفقيه زيادة: «و الزيت، و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «الحكرة في ستة أشياء: في الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزيت،

____________

(1) الوسائل باب: 28 من أبواب آداب التجارة حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 28 من أبواب آداب التجارة حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 27 من أبواب آداب التجارة حديث: 7.

34

[ (مسألة 2): يجبر المحتكر على البيع (31)، و لا يعين له السعر]

(مسألة 2): يجبر المحتكر على البيع (31)، و لا يعين له السعر، بل له أن يبيع بما شاء (32)، إلا إذا أجحف فيجبر على النزول من دون تسعير عليه (33)،

____________

و السمن، و الزبيب» (1).

إنما الكلام في إن لهذه الأشياء موضوعية خاصة، أو إنها طريق إلى كل ما يحتاج إليه الناس في كل زمان و مكان. و حيث إن الحكم مطابق للقاعدة أي:

تقديم الأهم النوعي- الذي هو عبارة عن رفع الحاجة النوعية- على المهم الشخصي الذي هو مراعاة حق المالك فيجري الحكم في الجميع، و الاخبار وردت فيما ذكر فيها مطابقة للقاعدة، فقاعدة السلطنة محكمة ما لم تعارضها جهة أخرى أهم كما في جميع الموارد.

إلا أن يقال: إن الاحتكار منه شرعي و منه عرفي، و الأول يختص بما ذكر في النصوص، و الثاني لا يختص بشي‌ء مخصوص و لكنه من مجرد الدعوى.

(31) إجماعا، و نصا تقدم في خبر حذيفة بن منصور، و خبر حمزة (2).

(32) للأصل، و الإجماع، و لقاعدة السلطنة من غير ما يصلح للحكومة عليها، و موضوع الاحتكار ينتفي بمجرد العرض على البيع و إظهاره في الأسواق، مضافا إلى ما تقدم من خبر حمزة، و في خبر الفقيه: «قيل للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) لو أسعرت لنا سعرا فإن الأسعار تزيد و تنقص، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): ما كنت لألقى اللّه ببدعة لم يحدث إليّ فيها شيئا، فدعوا عباد اللّه يأكل بعضهم من بعض، و إذا استنصحتم فانصحوا» (3).

(33) لحديث: «لا ضرر و لا ضرر في الإسلام» (4)، و لأنه لو لا ذلك لانتفى‌

____________

(1) الوسائل باب: 27 من أبواب آداب التجارة حديث: 10.

(2) تقدما في صفحة: 31 و 32.

(3) الوسائل باب: 30 من أبواب آداب التجارة حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 12 من أبواب إحياء الموات.

35

و الحاكم الشرعي هو الذي يجبره على البيع (34).

[ (مسألة 3): قد حدد الاحتكار في الخصب بأربعين يوما]

(مسألة 3): قد حدد الاحتكار في الخصب بأربعين يوما، و في الشدة و الغلاء بثلاثة أيام (35).

[التسعير. تارة: يكون بنحو الحكم من الحاكم الشرعي]

(مسألة 4): التسعير. تارة: يكون بنحو الحكم من الحاكم الشرعي.

____________

فائدة الإجبار، إذ يمكن أن يطلب لماله ما لا يقدر عليه أحد عليه و يضر بحال الناس، فيقعون في ضرر أعظم من ضرر الاحتكار.

(34) من باب ولاية الحاكم الشرعي على الأمور الحسبية سواء كان ذلك لأجل مراعاة المصالح العامة، أو من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مع اجتماع الشرائط، و له أن يجيز إجبار الجائر، لأن الولاية للحاكم الشرعي في الواقع.

ثمَّ إن ظاهر الكلمات ثبوت الإجبار حتى على القول بالكراهة، و دليلهم منحصر بإطلاق معقد الإجماع عليه الشامل للقول بالكراهة أيضا و به يخصص قاعدة عدم الإجبار على الحكم الغير الإلزامي لو ثبت صحتها و عمومها.

(35) كما في خبر السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «الحكرة في الخصب أربعون يوما، و في الشدة و البلاء ثلاثة أيام» (1)، و لا بد من حمله على بعض المحامل و إلا فتختلف المدة باختلاف شدة الحاجة و عدمها.

و لا فرق في ما احتكره بين أن يكون بالاشتراء، أو بالزرع، أو الحصاد و الإحراز، أو حصوله من إرث، أو هبة، أو زيادة عن حاجته، كل ذلك لإطلاق التعليل، كما في صحيح الحلبي: «و يترك الناس و ليس لهم طعام» (2)، فإنه شامل للاحتكار بلا فرق بين مناشئ جمعه، و يشهد له الاعتبار أيضا، فالمناط كله وجود الطعام مثلا عنده و عدم إخراجه إلى السوق، و ما يظهر منه الشراء إنما هو من الغالب أو ذكر الأهم.

____________

(1) الوسائل باب: 27 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 2.

(2) الوسائل باب: 27 من أبواب آداب التجارة حديث: 1 و 2.

36

و أخرى: على نحو شرط في ضمن عقد لازم.

و ثالثة: بنحو الشرط الابتدائي، و في الأولين يجب الوفاء (36) دون الثالث (37)، و لو خالف و باع بالأكثر فلا ريب في الحرمة (38).

____________

(36) لما دل على وجوب إنفاذ حكم الحاكم الشرعي و قد تقدم مكررا (1)، و ما دل على وجوب الوفاء بالشرط في ضمن العقد اللازم كما سيأتي.

(37) على المشهور، و هو مبني على إن الشروط الابتدائية واجبة الوفاء أولا؟ و سيأتي الكلام فيه.

(38) لأنه نقض الحكم و خالف الشرط اللازم.

إنما الكلام في بطلان المعاملة فإن قلنا ان النهي تعلق بما هو خارج عن العوضين تصح و إن أثم و إن قلنا إنه تعلق بالمقدار الزائد من الثمن تبطل في المقدار الزائد، و الظاهر هو الأول و إن كان الأحوط هو الأخير.

و لا بأس بالإشارة إلى حكم التسعيرات التي تجعلها الدولة، و هي على أقسام.

أقسام.

الأول: أن يكون المال ملك الدولة و تجعله عند من يبيعه بعنوان الامانة و الوكالة عنها في البيع، و لم تأذن له إلا في سعر خاص و لا ريب في إن البيع بالأزيد أو الأنقص يكون فضوليا فيصح مع الإجازة و يبطل مع عدمها، و حيث إن الولاية الواقعية للحاكم الشرعي الجامع للشرائط. فله أن يجيز كما إن له ان لا يجيز.

الثاني: أن يسعر أموال الناس من دون ان يكون المال له، فإن أمضاه الحاكم الشرعي لمصلحة رآها فيه يكون كما إذا سعرها بنفسه و قد تقدم حكمه، و إن لم يمضها فإن كان البائع راضيا فعلا بالبيع و لو كان منشأ حصوله الخوف من الدولة يصح البيع، لعمومات الأدلة و إطلاقاتها الشاملة لهذه الصورة أيضا، و إن‌

____________

(1) راجع المجلد الأول صفحة: 101 و المجلد العاشر صفحة: 259.

37

.....

____________

لم يرض فالمسألة من صغريات بيع المكره فإن لحقه الرضا يصح و إلا فلا.

الثالث: ان يبيع أمواله إليهم و اشترط عليهم أن لا يبيعوها إلى الناس إلا بقدر معين و يصح هذا الشرط، و لو خالف المشروط عليه يكون للشارط الخيار، و يأتي فروع أخرى متعلقة بالمقام في المواضع المناسبة لها ان شاء اللّه تعالى.

ثمَّ إن المكروهات أكثر مما تعرضنا له، و قد ذكر في الدروس و تبعه في الجواهر جملة أخرى.

منها: المداقة على المعاملة في الحج، و الكفن، و الأضحية، و النسمة و نحوها.

و منها: شراء الطحين، و أدنى منه شراء الخبز، و منها بيع آلات العبادة، و العقار.

و منها: تمليك الأم دون ولدها، أو الولد دون أمه.

و منها: بيع المكيل و الموزون قبل قبضه مما يأتي التعرض لها في محالها مع أدلتها إن شاء اللّه تعالى.

38

[فصل فيما يحرم التكسب به]

فصل فيما يحرم التكسب به

[ (مسألة 1): يحرم و لا يصح التكسب بالخمر و سائر المسكرات]

(مسألة 1): يحرم و لا يصح التكسب بالخمر و سائر المسكرات (1)،

____________

فصل فيما يحرم التكسب به

(1) بالأدلة الثلاثة قال تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ (1)، و إطلاق الأمر بالاجتناب يعم الاجتناب عن بيعه و شرائه أيضا، و لو بقرينة الأخبار التي تأتي الإشارة إلى بعضها.

و الإجماع محقق عليه.

و النصوص متواترة منها قول أبي جعفر (عليه السلام) في موثق عمار: «و السحت أنواع كثيرة منها أجور الفواجر، و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر و الربا بعد البينة» (2)، و قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) في خبر السكوني: «السحت ثمن الميتة، و ثمن الكلب، و ثمن الخمر و مهر البغي» (3)، و عنه (عليه السلام) أيضا: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت» (4)، إلى غير ذلك من الأخبار.

و السحت بمعنى الاستيصال و يسمى الحرام سحتا لأنه يوجب عذاب الاستيصال.

لا يقال ان للسحت مراتب كثيرة، لا ريب في كون بعض مراتبها بمعنى‌

____________

(1) سورة المائدة: 90.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1 و 5 و 7.

(3) الوسائل باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1 و 5 و 7.

(4) الوسائل باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1 و 5 و 7.

39

.....

____________

الحرمة، و بعض المراتب بمعنى المرجوحية، و لا دليل على تعيين المرتبة الأولى فقط. فإنه يقال: إن إطلاق السحت ظاهر في الحرمة إلا إذا دلت قرينة معتبرة على الخلاف، كما إن إطلاق السحت ظاهر في الوجوب العيني النفسي التعييني إلا مع القرينة على الخلاف.

و في خبر جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الخمر عشرة: غارسها، و حارسها، و عاصرها، و شاربها، و ساقيها، و حاملها، و المحمولة إليه، و بائعها، و مشتريها، و آكل ثمنها» (1).

و قد ظهر مما مر تعميم الحكم لجميع المسكرات للتصريح به في مورد الإجماع، و ما تقدم من موثق عمار، مع إطلاق الخمر على كل مسكر لغة و شرعا، ففي خبر عطاء بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): كل مسكر حرام، و كل مسكر خمر» (2)، و في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الخمر من خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و البتع من العسل، و المرز من الشعير، و النبيذ من التمر» (3)، إلى غير ذلك من الأخبار، و اختلاف تسمية الأنواع لا ينافي الاشتراك في معنى الخمرية كما هو واضح.

و أما ما يظهر منه إنها من العنب فالمراد به الخمرة الملعونة و هي أول ما حدثت من الخمر، ففي الرضوي: «و لها خمسة أسامي، فالعصير من الكرم و هي الخمرة الملعونة- الحديث-» (4)، و يدل على الحرمة مضافا إلى ذلك النبوي: «إن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه» (5)، و خبر الدعائم: «و ما كان محرما أصله منهيا عنه لم يجز بيعه و لا شرائه» (6)، و خبر تحف العقول كما سيأتي (7).

____________

(1) الوسائل باب: 34 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 3.

(4) مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 3.

(5) مستدرك الوسائل باب: 6 من أبواب ما يكتسب به، حديث: 8.

(6) الدعائم ج: 2 حديث: 23 ط: 2 دار المعارف بمصر.

(7) الوسائل باب: 2 من أبواب ما يكتسب به.

40

و الميتة، و الكلب غير الصيود (2)، و الخنزير (3) سواء كانت فيها المنافع

____________

(2) إجماعا، و نصوصا مستفيضة، المشتملة على إن ثمن الميتة سحت منها ما تقدم من إن: «السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب» (1)، و في حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كما رواه أبو بصير عن الصادق (صلّى اللّه عليه و آله): «ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت» (2)، إلى غير ذلك من الأخبار.

ثمَّ إن قولهم (عليهم السلام): «ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت، و ثمن الميتة سحت» (3)، يدل على الحرمة التكليفية في المعاملة بها لأنه توعيد بالعذاب و هو ملازم للحرمة، كما يدل على عدم الصحة و البطلان أيضا، لظهوره في أن الشارع ألقى المالية بالنسبة إليهما.

و المعاملة على مثل هذه الأمور يتصور على وجوه.

الأول: المعاملة بقصد ترتب الأثر المحرم كسائر المعاملات المتعارفة بين البشر.

الثاني: يقصد عدم ترتب الأثر المحرم.

الثالث: الغفلة عن هذا القصد بالمرة لا بالنسبة إلى ترتب الأثر المحرم، و لا بالنسبة إلى عدمه.

و الحرمة التكليفية إنما تتعلق بالوجه الأول فقط دون الأخيرين لعدم موضوع لها في الثاني، و الشك في شمول الأدلة للأخير، فيرجع إلى الأصل هذا حكم المعاملة من حيث الحرمة. و أما حكم صحتها في نفسها فيأتي التعرض لها إن شاء اللّه.

(3) لما يظهر منهم الإجماع على الحرمة و البطلان فيه بالخصوص. و أما النص فإني لم أظفر عليه فيما تفحصت عليه عاجلا من طرقنا، فإن تمَّ إجماعهم عليهما بالخصوص فيه فهو و إلا فالخنزير كسائر الأعيان النجسة التي يأتي‌

____________

(1) الوسائل باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5، 7، 8.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5، 7، 8.

(3) الوسائل باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5، 7، 8.

41

المحللة أو لا (4)،

____________

التعرض لها.

نعم، في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «في رجل كان له على رجل دارهم فباع خمرا و خنازير و هو ينظر فقضاه، فقال (عليه السلام): لا بأس به أما للمقتضي فحلال و أما للبائع فحرام» (1)، المحمول على الذمي بقرينة غيره و في حديث جابر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إنه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول عام الفتح و هو بمكة:

«إن اللّه و رسوله حرم بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام» (2)، و لكنه من طرق العامة المضبوطة في صحاحهم.

(4) لإطلاق الأدلة الشامل لكلتا الصورتين، و لكن قد يدعى ان المتيقن من الإجماع و المنصرف من الأدلة اللفظية إنما هو غير ذي المنفعة الشائعة المحللة، و يشهد له موثق عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلا؟ قال (عليه السلام): لا بأس» (3)، و خبر جميل: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني بها خمرا، فقال (عليه السلام) خذها ثمَّ أفسدها» (4)، و إطلاقهما يشمل الأخذ بعنوان البيع أيضا.

و عن جمع منهم صاحب المستند حملهما على الأخذ بعنوان حق الاختصاص لا البيع و الشراء. و هو حمل بلا شاهد، و يأتي في خبر الصيقل، و موثق سماعة ما يدل على الجواز.

و بالجملة: إقامة الدليل على حرمة المعاملة بالنسبة إليها إذا كانت فيها منافع محللة عرفية مشكل جدا، فراجع الكلمات تجد غالبها ظاهرة بل ناصة في‌

____________

(1) الوسائل باب: 60 من أبواب ما يكتسب به حديث: 2.

(2) صحيح مسلم باب: 32 تحريم بيع الخمر و الميتة و الخنزير حديث: 1 و في سنن أبي داود باب:

ثمن الخمر و الميتة حديث: 3486.

(3) الوسائل باب: 31 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 3 و 6.

(4) الوسائل باب: 31 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 3 و 6.

42

و لا فرق بين المسكر المائع و الجامد (5)، كما لا فرق في الحرمة بين بيعها و شرائها و جعلها ثمنا في البيع أو أجرة في الإجارة، و عوضا عن العمل في الجعالة، و مهرا في النكاح، و عوضا في الخلع و نحو ذلك (6). بل لا يجوز هبتها و الصلح عنها بلا عوض أيضا (7)، بل لا يجوز إمساكها و اقتنائها إلا للضرورة الداعية إليه (8).

[ (مسألة 2): سائر الأعيان النجسة إن كانت لها منافع متعارفة محللة]

(مسألة 2): سائر الأعيان النجسة إن كانت لها منافع متعارفة محللة

____________

دوران الحرمة مدار عدم المنفعة. و المنساق من مجموع الأخبار بعد رد بعضها إلى بعض ذلك أيضا، مع إطلاق أدلة البيع الشاملة لكل ما فيه غرض صحيح عقلائي غير منهي عنه شرعا.

(5) لظهور الأدلة في إن المناط جهة الإسكار و هي موجودة في المسكر الجامد أيضا.

(6) لأن الشارع أسقط ماليتها مطلقا و من كل جهة فلا وجه لاعتبار جهة المالية فيها حتى يقع عوضا عن شي‌ء، فلا احترام فيها بوجه من الوجوه.

(7) لإطلاق خبر تحف العقول المنجبر: «لأن ذلك كله منهي عن أكله و شربه، و لبسه، و ملكه، و إمساكه و التقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام» (1)، مضافا إلى ظهور تسالمهم عليه. و لكن يمكن الخدشة في كل منهما كما لا يخفى.

(8) لما تقدم من قوله (عليه السلام): «و إمساكه» خصوصا في الخمر الذي شدّد الشارع الأمر بالنسبة إليه حتى إنه يكره الصلاة في بيت فيه خمر (2)، بل نسب إلى الصدوق القول بالبطلان، هذا إذا لم يكن غرض صحيح غير منهي عنه في الإمساك و إلا فلا ريب في الجواز، للأصل.

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب ما يكتسب به.

(2) الوسائل باب: 21 من أبواب مكان المصلي و راجع المجلد الخامس صفحة: 451.

43

يجوز بيعها و شرائها، و كذا جميع ما تقدم فيها (9) و لكن الأحوط كونها كالميتة و الخمر و الكلب في جميع ما مر (10).

[ (مسألة 3): كل عين نجس و لو كان مثل الميتة و الكلب و الخمر]

(مسألة 3): كل عين نجس و لو كان مثل الميتة و الكلب و الخمر

____________

(9) لأصالة الإباحة، و عمومات أدلة البيع و الشراء و الهبة و الصلح و التجارة.

و نسب إلى المشهور عدم الجواز، للإجماع المتكرر في الكلمات، و النبوي: «إن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه» (1)، و خبر تحف العقول: «أو شي‌ء من وجوه النجس»، و خبر الدعائم: «و ما كان محرما أصله منهيا عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه» (2)، و الرضوي: «و كل أمر يكون فيه الفساد- إلى أن قال (عليه السلام)- فحرام» (3)، و إطلاقه يشمل البيع و الشراء و سائر النواقل الاختيارية.

و الكل مخدوش لأن المتيقن من الإجماع على فرض عدم كونه اجتهاديا غير ذي المنفعة المحللة المتعارفة- خصوصا في الأزمنة القديمة التي قلت وسائل الانتفاع عن الأشياء لدى الناس حتى أن الفقهاء كانوا يمثلون بالمنفعة المحللة للدم بالصبغ، و للميتة بسد ساقية الماء، و إطعام جوارح الطير- و المنساق من الأخبار على فرض اعتبار سندها ذلك لا أقل من الشك في شمولها لذي المنفعة المحللة المعتنى بها، فلا يصح التمسك بها حينئذ، لكونه من التمسك بالدليل في الموضوع المشكوك، فيكون المرجع حينئذ أصالة الإباحة و الإطلاقات و العمومات بعد صدق البيع و عناوين سائر النواقل عليه عرفا.

(10) خروجا عن مخالفة المشهور.

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 6 من أبواب ما يكتسب به حديث: 8.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب ما يكتسب به.

(3) مستدرك الوسائل باب: 2 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

44

و الخنزير يكون لمن استولى عليها حق الاختصاص (11) سواء حصل هذا الحق من الحيازة (12)، أو من كون أصلها ملكا له، كما إذا صار غنمه مثلا ميتة، أو عنبه خمرا أو نحو ذلك (13)، و هذا الحق قابل للنقل القهري كالإرث، أو الاختياري كالهبة و الصلح بعوض أو بغير عوض، و يصح جعله عوضا في جميع المعاوضات، كالإجارة و الجعالة و نحوها إذا جعل العوض في مقابل نفس الحق من حيث هو (14)، و لكنه خلاف الاحتياط أيضا، لاحتمال دخوله تحت الاكتساب المحذور (15).

نعم، لو بذل الغير مالا ليرفع صاحب الحق يده عن العين و يعرض

____________

(11) لظهور الإجماع عليه، و لاعتبار العرف و العقلاء هذا الحق و لم يردع عنه الشارع.

(12) لما يأتي في محله من أن بالحيازة يحصل حق الاختصاص نصا (1) و إجماعا.

(13) لأن سلب الشارع الملكية أو المالية على فرض ثبوته لا يستلزم سلب أصل الحق، إذ لا ملازمة بينهما من عقل أو شرع أو عرف، و مقتضى الأصل بقاء أصل الحق- بل العرف و العقلاء يحكمون ببقائه- ما لم ينص الشرع على سقوطه و هو مفقود، و لصاحب هذا الحق مطالبة حقه عمن استولى عليه بغير حق.

(14) لأن الحق مرتبة ضعيفة من الملك و الاستيلاء، و هما بجميع مراتبها قابلان للنقل و الانتقال و المعاوضة مطلقا ما لم يدل دليل على الخلاف، و لا دليل عليه في المقام، بل مقتضى العرف و السيرة صحتهما مطلقا فتشملهما الإطلاقات و العمومات.

(15) فيشمله ما استدل به المشهور على عدم الجواز. و لكنه مردود: لأن‌

____________

(1) الوسائل باب: 1 من أبواب إحياء الموات.

45

عنها سلم عن هذا الإشكال (16).

[ (مسألة 4): يجوز بيع المملوك الكافر بجميع أقسامه (17) حتى المرتد عن فطرة]

(مسألة 4): يجوز بيع المملوك الكافر بجميع أقسامه (17) حتى المرتد عن فطرة (18)، و كذا كلب الصيد (19)، و كذا كلب الماشية و الزرع

____________

المتيقن من إجماعهم، و المنساق من أدلتهم اللفظية انما هو ما إذا جعل نفس العين مورد النقل و الانتقال لا الحق القائم به.

(16) لعدم وقوع نفس الحق مورد المعاوضة حينئذ حتى يحتمل دخوله في التكسب الممنوع و انما وقع العوض بإزاء رفع المانع لا بإزاء ذات المقتضي، كما يدفع المال لمن سبق إلى مكان من الأمكنة المشتركة التي ثبت فيها حق بالنسبة إلى شخص، و كما إذا سبق إلى حيازة زمان خاص من عيادة طبيب، و نحوه ممن جعلت لأوقات الاستفادة منهم قيم خاصة و حدود مخصوصة التي كثر الابتلاء بها في هذه الأعصار.

فتلخص: أنه يصح الاستفادة بمطلق الأعيان النجسة بناء على المشهور، و من الكلب، و الخمر، و الخنزير بناء على ما قلناه بهذا النحو فتسقط الثمرة العملية المهمة في البحث الذي أطال بعض الكلام فيه.

(17) إجماعا من المسلمين، و نصوصا كثيرة (1)، يأتي التعرض لها في أحكام العبيد و الإماء.

(18) للعمومات، و الإطلاقات من غير مخصص و مقيد، بل ظاهرهم الإجماع على الجواز، و كون المرتد الفطري في معرض القتل- بناء على عدم قبول توبته- لا يوجب زوال ماليته مع إن الحق قبول توبته كما تقدم في كتاب الطهارة.

نعم، للمشتري الخيار مع الجهل.

(19) نصوصا و إجماعا، ففي صحيح ليث قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن‌

____________

(1) الوسائل باب: 1 و 2 من أبواب بيع الحيوان.

46

و البستان (20)، و الأحوط الترك (21)، و لا بأس باقتنائها لهذه الفائدة (22)،

____________

الكلب الصيود يباع؟ قال (عليه السلام): نعم و يؤكل ثمنه» (1)، و خبر أبي بصير قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد؟ قال (عليه السلام): لا بأس به و أما الآخر فلا يحل ثمنه» (2)، و قوله (عليه السلام): في خبر محمد بن مسلم: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت» (3)، إلى غير ذلك من الأخبار.

(20) للأصل، و الإطلاقات، و العمومات، و اشتراكها مع كلب الصيد في الفائدة المحللة، و استبعاد الفرق بين فائدة الصيد و سائر الفوائد المحللة عند المتشرعة، و لأن لهاديات مقررة و هذا يكشف عن ثبوت المالية لها في الجملة، و للإجماع على صحة إجارتها و لم يفرق أحد بين الإجارة و البيع.

و عن جمع من القدماء منهم الشيخين المنع، لعموم ما دل على أن ثمن الكلب سحت، و لإجماع الخلاف، و ما تقدم من قوله (عليه السلام): «ثمَّ الكلب الذي لا يصيد سحت».

و الكل مردود، للشك في شمول العمومات و الإطلاقات للكلب الذي له فائدة شائعة محللة، فلا يصح التمسك بها من هذه الجهة، و إجماع الخلاف لا وجه له بعد ذهاب جمع كثير إلى الجواز، و ذكر الصيد في الأخبار من باب المثال للفائدة الشائعة المحللة لا الموضوعية الخاصة على ما هو المسلم في الأذهان العرفية، و يشهد له قوله (عليه السلام) في الصحيح: «لا خير في الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية» (4).

(21) خروجا عن خلاف ما نسب إلى القدماء.

(22) للأصل بعد عدم الدليل على المنع، و في الغوالي: «أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أمر‌

____________

(1) التهذيب ج: 6 حديث: 137.

(2) الوسائل باب: 14 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5 و 3.

(3) الوسائل باب: 14 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5 و 3.

(4) الوسائل باب: 43 من أبواب أحكام الدواب حديث: 2.

47

كما لا إشكال في إجارتها و إعارتها (23).

[ (مسألة 5): يجوز بيع العصير المغلي قبل ذهاب ثلثيه]

(مسألة 5): يجوز بيع العصير المغلي قبل ذهاب ثلثيه بناء على نجاسته (24).

[ (مسألة 6): يجوز بيع ما لا تحله الحياة من الميتة]

(مسألة 6): يجوز بيع ما لا تحله الحياة من الميتة من أجزائها العشرة التي تقدمت في كتاب الطهارة- كالشعر، و الصوف، و البيض، و اللبن بناء

____________

بقتل الكلاب في المدينة فهربت الكلاب حتى بلغت العوالي، فقيل يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كيف الصيد بها و قد أمرت بقتلها؟ فسكت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فجاء الوحي باقتناء الكلاب التي ينتفع بها، فاستثنى (صلّى اللّه عليه و آله) كلاب الصيد، و كلاب الماشية، و كلاب الحرث و أذن في اتخاذها» (1)، و ما تقدم في خبر التحف مما ظاهره عدم جواز الإمساك محمول على ما إذا لم يكن فيه فائدة شائعة محللة.

نعم، الظاهر الكراهة في الجملة.

(23) للأصل، و الإطلاق، و الاتفاق، و عدم دليل على المنع.

(24) على المشهور، بل ظاهرهم الإجماع عليه، و لأصالة بقاء ماليته، و أصالة الإباحة، و إطلاقات و عمومات أدلة البيع و التجارة، و هو كسائر الأموال المعيوبة التي يجوز بيعها لبقاء المالية، و لذا لو غصب عصيرا فأغلاه حتى حرم و تنجس لا يجري عليه حكم التلف، بل يجب عليه رد عينه و غرامة الثلاثين و أجرة العمل فيه حتى يذهب الثلثان.

و أما توهم المنع، لعموم مثل: «إن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه» (2)، و مرسل ابن هيثم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته أ يشربه صاحبه؟ فقال (عليه السلام): إذا تغير عن حاله و غلا فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه» (3)، و خبر أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن‌

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 12 من أبواب ما يكتسب به حديث: 6.

(2) تقدم في صفحة: 39 و 43.

(3) الوسائل باب: 2 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 7.

48

على طهارته إن كانت فيها منافع محللة (25). و كذا ميتة ما ليس له نفس سائلة مع وجود المنفعة المحللة فيها (26).

[ (مسألة 7): لا فرق في حرمة بيع الميتة بين تمامها و اجزائها]

(مسألة 7): لا فرق في حرمة بيع الميتة بين تمامها و اجزائها التي تحل فيها الحياة و لو جزء يسيرا منها (27).

____________

العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا؟ قال (عليه السلام): إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس» (1).

فمردود: لعدم شمول العموم لما هو في معرض التطهير و التغيير، إذ ليس هو إلا كسائر المتنجسات القابلة للطهارة، و المراد بالخبرين عدم الانتفاع به بعد الغليان قبل ذهاب الثلاثين فلا يشمل بيعه و اعلام المشتري بذلك ليعالجه بإذهاب ثلثيه ثمَّ ينتفع به كما في سائر المشروبات و المأكولات المتنجسة القابلة للطهارة.

(25) لوجود المقتضي للصحة و فقد المانع عنها فتشملها العمومات و الإطلاقات.

(26) لعين ما تقدم في سابقة بلا فرق، و الشك في شمول أدلة حرمة بيع الميتة لميتة ما لا نفس لها يكفي في عدم صحة التمسك بها لعدم الجواز.

(27) لإطلاق الأدلة الشامل للكل و الجزء. و أما خبر الصيقل قال: «كتبوا إلى الرجل (عليه السلام) جعلنا اللّه فداك أنا قوم نعمل السيوف و ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها، و نحن مضطرون إليها و إنما علاجنا من جلود الميتة من البغال و الحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها فيحل لنا عملها و شراؤها و بيعها و مسها بأيدينا و ثيابنا و نحن نصلي في ثيابنا، و نحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا إليها؟ فكتب (عليه السلام): اجعلوا ثوبا للصلاة» (2)، و موثق سماعة قال:

____________

(1) الوسائل باب: 59. من أبواب ما يكتسب به حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 38 من أبواب ما يكتسب به حديث: 3.

49

.....

____________

«سألته عن جلد الميتة المملوح و هو الكيمخت، فرخص فيه، و قال: ان لم تمسه فهو أفضل» (1).

فأسقطهما عن الاعتبار هجر الأصحاب عنهما و موافقتهما للعامة (2)، و معارضة الأخير بموثق آخر عنه أيضا، قال: «سألته عن أكل الجبن و تقليد السيف و فيه الكيمخت و الغرا؟ فقال (عليه السلام): لا بأس ما لم يعلم أنه ميتة» (3)، و يمكن حمله على الكراهة جمعا.

و الهجر الموجب للسقوط بالنسبة إلى خبر الصيقل مشكل، كما ان طرح كل ما كان موافقا للعامة أشكل، فليحمل سائر ما دل على عدم الانتفاع بالميتة على المنافع المحرمة، و أما بالنسبة إلى المنافع المحللة الشرعية فيحمل على الكراهة جمعا بينها و بين مثل هذا الخبر.

ثمَّ إن ميتة ماله نفس سائلة قسمان.

الأول: ما مات حتف أنفه.

الثاني: ما ذبح على غير الوجه الشرعي، و هما متحدان حكما أي: في النجاسة و الحرمة على المشهور، فيكون الثاني نجسا أيضا فتشمله أدلة حرمة بيع الميتة، و إن: «ثمن الميتة سحت» (4).

و أما بناء على إنه طاهر- لأصالة الطهارة كما عن جمع- و إن حرم أكله فشمول أدلة حرمة البيع لها حينئذ مشكل، لأن لها منافع محللة شائعة و الشك في الشمول يكفي لعدم الشمول، فمقتضى الأصل و الإطلاقات حينئذ الجواز و الصحة و لكن الأحوط تركه.

لو استحيلت الميتة بالتحليلات الكيمياوية العصرية فشمول أدلة الحرمة لها مشكل، بل ممنوع، لتحقق الاستحالة حينئذ و تقدم عدم الفرق بين الاستحالة‌

____________

(1) الوسائل باب: 34 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث: 8 و 5.

(2) الوسائل باب: 34 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث: 8 و 5.

(3) راجع المغني لابن قدامة ج: 1 صفحة: 59 ط: دار الكتب العربية بيروت.

(4) الوسائل باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 8 و 9.

50

[ (مسألة 8): يجوز بيع المني بعد تحقق المنفعة المحللة له]

(مسألة 8): يجوز بيع المني بعد تحقق المنفعة المحللة له (28)، كما يجوز بيع الدم كذلك (29)، و كذا بيع العذرة و الأرواث النجسة (30) على كراهة في الأخيرة (31)،

____________

الطبيعية و الصناعية.

كما لو فرض استعمال الخمر في التزريق- بواسطة الأبر المستحدثة في هذه الأعصار- لغرض محلل لا تشمله أدلة الحرمة، لانصرافها بل ظهورها في غيره.

(28) للأصل، و الإطلاق.

و قد يقال: بالمنع، للنجاسة، و الجهالة، و عدم القدرة على التسليم، و عدم انتفاع المشتري به لأن الولد نماء الأم في الحيوانات.

و الكل مخدوش لأن النجاسة ليست مانعة مع تحقق المنفعة المحللة مع إنها إذا دخل من الباطن إلى الباطن فالنجاسة ممنوعة، و لا وجه للجهالة بعد معلومية المقدار عادة عند أهل الخبرة، و القدرة على التسليم متحقق وجدانا بتسليم الفحل إلى المشتري، و انتفاع المشتري ثابت عرفا، فالمقتضي للصحة موجودة و المانع عنها مفقود.

و لا فرق فيه بين أن يدخل من الفحل مباشرة في رحم الإناث أو يؤخذ المني من الفحل في أنابيب زجاجية خاصة مستحدثة في هذه الأعصار، ثمَّ يلقح به الإناث.

(29) للأصل، و الإطلاق، و العموم بعد تحقق الفائدة الشائعة المحللة في هذه الأعصار. و دليل المنع لو تمَّ في نفسه لا يشمل هذا الفرض.

(30) لفرض وجود المنافع الشائعة المحللة، فتشمله ما تقدم في الدم من الأدلة.

(31) جمعا بين قولي الإمام (عليه السلام): «ثمن العذرة من السحت» (1)، أو: «حرام‌

____________

(1) الوسائل باب: 40 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

51

و لكن الأحوط في جميع ذلك الترك (32).

[ (مسألة 9): في موارد عدم جواز البيع]

(مسألة 9): في موارد عدم جواز البيع لا فرق بين كون ما لا يجوز بيعه معلوما بالتفصيل أو بالإجمال (33)، و كذا بين ما إذا كان المشتري مسلما أو كافرا مستحلا لذلك الشي‌ء أو لا (34).

[ (مسألة 10): لا بأس باقتناء الأعيان النجسة]

(مسألة 10): لا بأس باقتناء الأعيان النجسة ما عدى الكلب و الخمر- ان كان فيه غرض صحيح غير منهي عنه شرعا (35).

____________

بيع العذرة و ثمنها» (1)، و قوله (عليه السلام): «لا بأس ببيع العذرة» (2).

(32) خروجا عن خلاف ما نسب إلى المشهور من عدم الجواز، و يصح أخذ العوض بنحو ما تقدم من بذل المال لرفع اليد و حينئذ فليس فيه كراهة و لا ارتكاب خلاف الاحتياط أيضا.

(33) لما أثبتناه في الأصول من إن العلم الإجمالي- منجز- كالعلم التفصيلي في جميع الأحكام.

(34) لأن قوانين الإسلام عامة بالنسبة إلى الجميع، و قد أثبتنا قاعدة ان الكفار مكلفون بالفروع كتكليفهم بالأصول في بعض الأجزاء السابقة (3).

(35) أما الأول: فللأصل بعد عدم دليل على المنع.

و أما الثاني: فلإطلاق قول أبي جعفر (عليه السلام) في موثق محمد بن مروان: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إن جبرائيل أتاني، فقال: إنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب، و لا تمثال جسد و لا إناء يبال فيه» (4)، المحمول على الكراهة بقرينة غيره، و في موثق عمار: «لا يصلي في بيت فيه خمر أو مسكر، لأن الملائكة لا تدخله» (5).

____________

(1) الوسائل باب: 40 من أبواب ما يكتسب به حديث: 2 و 3.

(2) الوسائل باب: 40 من أبواب ما يكتسب به حديث: 2 و 3.

(3) راجع المجلد الثالث صفحة: 129.

(4) الوسائل باب: 33 من أبواب مكان المصلي، و راجع ج: 5 صفحة: 463.

(5) الوسائل باب: 21 من أبواب مكان المصلي حديث: 1.

52

[ (مسألة 11): الأعيان النجسة و ان لم يكن لها مالية و أسقطها الشارع بناء على المشهور]

(مسألة 11): الأعيان النجسة و ان لم يكن لها مالية و أسقطها الشارع بناء على المشهور، لكن لها حق الاختصاص لصاحبها (36).

[ (مسألة 12): لو تنازعا في صحة المعاملة- الواقعة على الأعيان النجسة- و عدمها]

(مسألة 12): لو تنازعا في صحة المعاملة- الواقعة على الأعيان النجسة- و عدمها يقدم قول من يقول بالصحة (37).

[ (مسألة 13): يجوز بيع الأرواث و الأبوال الطاهرة]

(مسألة 13): يجوز بيع الأرواث و الأبوال الطاهرة مع وجود المنفعة المحللة فيها (38).

[ (مسألة 14): يجوز بيع كل متنجس يقبل التطهير]

(مسألة 14): يجوز بيع كل متنجس يقبل التطهير، و كذا ما يصح الانتفاع به مع وصف النجاسة، كالوقود و الطابوق، و الطين المتنجس (39)، و أما ما لا يمكن الانتفاع به مع وصف نجاسته و لا يقبل التطهير، كالخل النجس مثلا، فلا يجوز المعاوضة عليه (40).

____________

نعم، لو اقتضت ضرورة داعية توجب الاقتناء فلا بأس به حينئذ لأن الضرورات تبيح المحظورات.

(36) باتفاق الكل- كما تقدم- و هذا الحق محترم يقابل بالمال، لأصالة احترام المال، و العرض، و الحق التي هي من الأصول العقلائية النظامية، فلو أتلفها متلف يكون ضامنا لهذا الحق، و أما بناء على ثبوت المالية فيها باعتبار منافعها المحللة فالضمان واضح لا ريب فيه.

(37) لأصالة الصحة التي هي من الأصول العقلائية الجارية في المعاملات و غيرها.

(38) للأصل، و الإطلاق، و الاتفاق.

(39) لأصالة الإباحة، و إطلاقات الأدلة، و إجماع الإمامية بل المسلمين، و الأخبار المستفيضة الواردة في الزيت و الدهن المتنجس التي تأتي الإشارة إلى بعضها.

(40) إجماعا و نصا، كقوله (عليه السلام) في خبر تحف العقول: «أو شي‌ء من وجوه‌

53

نعم، لو فرض منفعة محللة فيه مع وصف نجاسته فيجوز بيعه حينئذ (41)، كما في الدهن المتنجس للاستصباح و غيره (42).

____________

النجس- إلى أن قال- فهذا كله حرام محرم» بناء على شموله للمتنجس أيضا.

(41) لشمول الإطلاقات حينئذ و انصراف الأدلة الخاصة عنه.

(42) قد أطالوا القول في الدهن المتنجس، مع إنه لا تستحق الإطالة، إذ الكلام فيه.

تارة: بحسب العمومات و الإطلاقات.

و أخرى: بحسب الأدلة الخاصة.

أما الأولى: فمقتضاها جواز بيعه إن كان فيه غرض صحيح غير منهي عنه شرعا، أي غرض كان سواء كان هو الاستصباح أو تدهين آلات المكائن أو نحو ذلك، و ظاهرهم الإجماع على الجواز حينئذ من غير خلاف بينهم.

و أما الثانية: فمقتضى الأخبار الجواز أيضا، ففي صحيح ابن وهب- على ما في التهذيب- عن الصادق (عليه السلام): «قلت له: جرذ مات في سمن، أو زيت، أو عسل؟ قال (عليه السلام): أما السمن و العسل فيؤخذ الجرذ و ما حوله و الزيت يستصبح به يبيع ذلك الزيت، و يبينه لمن اشتراه ليستصبح به» (1)، و في صحيح الحلبي قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفارة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه، فقال (عليه السلام): إن كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنه ربما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء فانزع ما حوله و كله، و إن كان الصيف فارفعه حتى تسرج به، و إن كان بردا فاطرح الذي كان عليه، و لا نترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه» (2)، و قريب منه موثق أبي بصير مشتملا على قوله (عليه السلام): «و إن كان ذائبا فأسرج به، و أعلمهم إذا بعته» (3)، و في خبر إسماعيل بن عبد الخالق. قال: «سأله سعيد الأعرج السمان‌

____________

(1) الوسائل باب: 43 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث: 1 و 3.

(2) الوسائل باب: 43 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث: 1 و 3.

(3) الوسائل باب: 6 من أبواب ما يكتسب به حديث: 3.

54

.....

____________

و أنا حاضر عن الزيت و السمن و العسل تقع فيه الفارة فتموت كيف يصنع به؟

قال (عليه السلام): أما الزيت فلا تبعه إلا لمن تبين له فيبتاع للسراج، و أما الأكل فلا. و أما السمن فإن كان ذائبا فهو كذلك، و إن كان جامدا و الفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها و ما حولها، ثمَّ لا بأس به، و العسل كذلك إن كان جامدا» (1).

و هذه الأخبار موافقة للقاعدة من جهة طرح ما حوله و أكل البقية مع الجمود، كما إنها موافقة لها من جهة الاستصباح و الإسراج، أو البيع لهما، و ما هو مخالف للعمومات و الإطلاقات أمران.

الأول: ما يظهر منها من وجوب الإعلام.

الثاني: كون الاستصباح تحت السماء، لمرسل المبسوط: «روى أصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف» (2)، مع خلو الأخبار على كثرتها و كونها في مقام البيان عن هذا القيد.

و البحث في هذه الأخبار من جهات.

الأولى: هل صحة البيع مشروط بالأخبار بالنجاسة، فلو باع بدونه يكون باطلا.

و بعبارة أخرى: البحث بالنسبة إلى الحكم الوضعي، مقتضى الأصل و الإطلاق عدم اعتباره فيها، خصوصا مع علم المشتري بالنجاسة أو كون الاستصباح هو المنفعة الغالبة فيهما، لأن هذا كسائر العيوب، فكما إنه ليس الأخبار بالغيب شرطا لصحة البيع، فكذا في المقام، و لا يجوز التمسك بإطلاق هذه الأخبار، للشك في شمولها لهذه الصورة.

و دعوى: أن البيع مع عدم الاخبار يكون باطلا إذا كان الاستصباح المنفعة النادرة، لوقوع العوض بإزاء المتنجس و المنفعة النادرة ملقاة بالكلية.

مخدوش: لأن العوض إنما يقع بإزاء ثبوت المنفعة الواقعية علم به‌

____________

(1) الوسائل باب: 6 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5.

(2) المبسوط ج: 6 صفحة: 283.

55

.....

____________

المشتري أو لا، كما في جميع الموارد و المفروض ثبوته.

نعم، له الخيار من الجهة العيب.

الثانية: هل يعتبر قصد المنفعة المحللة في صحة البيع أو لا؟ و الأقسام أربعة.

الأول: اعتبار شرط المنفعة المحللة.

الثاني: اعتبار قصدها و لو لم يشترط.

الثالث: كفاية وجودها الواقعي و لو لم يقصد و لم يشترط.

الرابع: كون قصد المنفعة المحرمة مانعا عن الصحة لا أن يكون قصد المحللة شرطا لها.

و مقتضى الأصل و الإطلاق عدم اعتبار الأولين إلا أن يدل دليل عليه و هو مفقود، إذ ليس في البين إلا مثل هذه الأخبار، و لا ظهور لها في ذلك بل و لا إيماء إليه كما يأتي في الجهة الثالثة، لأن المقابلة و المعاوضة إنما وقعت بين المالين الواقعيين، و هما الثمن و الدهن من جهة الاستصباح شرط ذلك في العقد أولا، وقع القصد إليه أولا.

و بالجملة: المعاملة مقصودة لا محالة و هي منطبقة على الجهة المحللة شرعا، فالجهة المحللة مقصودة تبعا إجمالا و إن لم يقصد تفصيلا، و لا دليل على اعتبار أزيد من هذا القصد، و أما قصد المنفعة المحرمة فلا ريب في كونه تجريا، و لكن كونه مانعا عن الصحة يحتاج إلى إثبات تقديم هذا القصد على إمكان وقوع المعاملة بين الجهتين المحللتين واقعا، كما في بيع الغاصب لنفسه حيث يقولون بإمكان تصحيحه بإجازة المالك، و في المقام قصد أصل المعاملة حاصل بلا إشكال، و فيها جهة محللة كما هو المفروض، و قصد المنفعة المحرمة لا ينافي وقوع القصد بالنسبة إلى المحللة أيضا و لو إجمالا، و ترجيح قصد المنفعة المحرمة على قصد المحللة و الحكم بالفساد يحتاج إلى دليل و هو مفقود، بل مقتضى أصالة الصحة عند الشك الحكم بالصحة إلا إذا انطبق عليه‌

56

.....

____________

عنوان آخر يوجب الفساد.

نعم، لو كان بحيث لم يتحقق منه قصد أصل المعاملة يتجه الفساد حينئذ.

و لكن، يظهر من شيخنا الأنصاري (رحمه اللّه) البطلان مطلقا، حيث قال:

«و بالجملة فكل بيع قصد فيه منفعة محرمة بحيث قصد أكل الثمن أو بعضه بإزاء المنفعة المحرمة كان باطلا، كما يومي إلى ذلك ما ورد في تحريم شراء الجارية المغنية و بيعها».

أقول: جزمه (رحمه اللّه) بالبطلان من مجرد الدعوى و الإيماء مخدوش، لأن في مورد الجارية المغنية يكون التباني العقدي منهما بالنسبة إلى الغناء و هو غير مجرد القصد مع إنه منصوص كما سيأتي فيكون من القياس.

و الحاصل: إنه إن تمَّ إجماع على إن مجرد قصد المنفعة المحرمة يوجب البطلان، أو انطبق عنوان آخر عليه من العناوين المبطلة فهو، و إلا فإثباته بحسب الدليل فيما لو كانت في البين منفعة محللة مشكل جدا.

الثالثة: وجوب الإعلام إما تكليف نفسي أو مقدمي للتنزه عن النجاسة فيما يشترط فيه الطهارة، أو إرشادي محض من باب الإرشاد إلى عيب المبيع.

أما الأول: فلا وجه له، إذ لا حكمة له في المقام إلا إذا كان من التسبيب إلى أكل الحرام و كان ذلك حراما.

و الثاني: صحيح في ما إذا كان الدهن و السمن مما تعارف استعمالهما في الأكل، و كان ذلك تسبيبا إلى استعمال الحرام الواقعي، بل يمكن أن يكون واجبا نفسيا حينئذ لوجوب ترك التسبيب إلى القبيح لو لم نقل بأنه أيضا من مجرد الإرشاد إلى حكم العقل و ليس بوجوب مولوي.

و أما لو كانت منافعه الشائعة غير الأكل بحيث لم يتحقق تسبيب عرفي فلا وجه للوجوب النفسي و لا المقدمي لغرض عدم المقدمية عرفا، فيتعين الأخير و هو الإرشاد إلى العيب، و في وجوب الإرشاد إلى مطلق العيب كلام يأتي في خيار العيب إن شاء اللّه تعالى.

الرابعة: نسب إلى المشهور وجوب الاستصباح بالدهن النجس تحت‌