مهذب الأحكام - ج19

- السيد عبد الأعلى السبزواري المزيد...
375 /
5

الجزء التاسع عشر

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[كتاب الإجارة]

كتاب الإجارة و هي تمليك عمل أو منفعة بعوض، و يمكن أن يقال ان حقيقتها التسليط على عين للانتفاع بها بعوض (1). و فيه فصول:

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين.

كتاب الإجارة

(1) ينبغي الإشارة إلى أمور:

الأول: يقوم نظام بقاء الإنسان على حيازة المباحات و المعاوضات من أنحاء البيوع و الإجارات، و كذا الزراعة، و الحرف، و الصناعات، و يأتي في كتاب النكاح أنه أيضا كذلك، بل هو أهمها و ليس هذه كلها من الأمور التشريعية بل هي فطرية جبلية تنشأ من حب البقاء، و جلب المنفعة، و دفع المضرة إذا لا اختصاص لمثل الإجارة بملة دون أخرى و لا بقوم دون آخرين، بل هي معاملة نظامية بين الناس، لأن أصالة احترام العمل و المال من أهم أصولها و عليهما تدور جملة من الأحكام التي ضبطوها في الكتب الفقهية بالنسبة إلى المعاملات و ليس للشريعة اصطلاح خاص فيها و جعل مخصوص.

6

.....

____________

نعم، لها تحديدها بحدود و قيود ترجع تلك القيود الى المصالح النوعية أيضا، و على هذا فمعنى الإجارة من المعاني المرتكزة عند الناس في جميع الازمان و الأديان و لا يحتاج إلى إتعاب الفقيه نفسه في بيان هذا المعنى العام الابتلائي.

الثاني: قد أسلفنا مرارا أن شرح موضوعات الأحكام من أول الفقه الى آخره شروح لفظية اسمية، كشروح اللغويين لمعاني الألفاظ التي ضبطوها في كتبهم و قد اتفق الكل على أنه لا يعتبر في الشروح اللفظية أن تكون جامعة و مانعة فلا وجه لتزييفها و الإشكال عليها.

الثالث: لا ريب في ان عناوين المعاوضات و العقود لها اعتبارات.

الأول: لحاظها في حد نفسها أي: بمعنى اسم المصدر.

الثاني: لحاظها من حيث الصدور عن المسبب لها، أي: من حيث المصدر.

الثالث: لحاظها بآثارها الخاصة و لوازمها المخصوصة بها، و قد خلط القوم بين الجميع في تعريفاتهم فالإجارة بالاعتبار الأول: «اضافة مخصوصة و اعتبار خاص بين المستأجر و الأجير»، ملازم لآثار مخصوصة، و بالاعتبار الثاني:

«تمليك عمل أو منفعة بالعوض أو تسليط على العين للانتفاع بها».

و أشكل على الأول. تارة: بأن الإجارة تتعلق عرفا بالعين، فيقال: آجرتك الدار مثلا و لا تتعلق بالمنفعة، فلا يقال آجرتك منفعة الدار.

و أخرى: أن المنفعة معدومة و المعدوم لا يقبل التمليك و التملك مع انها قائمة بالأجير لا مالك الدار.

و ثالثا: بأن الإجارة قد لا تقتضي تمليك المنفعة كإجارة مخل لأن يحرز فيه الأعيان الزكوية، أو نماء الوقف فإن منفعة المحل حينئذ لا تصير مملوكة لشخص خاص، كما أشكل على الأخير بأنه لا بد من تخصيصه بالأعيان المملوكة و لا يعم عمل الحر، إذ الحر لا يسلط عليه بوجه.

7

.....

____________

و الكل مخدوش .. أما الأول: فلا ريب في أن الاستفادة من المنفعة و تمليكها و تملكها متوقفة على الاستيلاء على العين، فقول: «آجرتك الدار» يتضمن أمرين بالظهور المحاوري العرفي.

الأول: الاستيلاء على العين.

الثاني: تمليك المنفعة و الاستيلاء على العين مأخوذ بنحو الطريقية إلى تمليك المنفعة لا بنحو الموضوعية، كالبيع فإنه فيه أخذ بنحو الموضوعية عرفا و يتبعها الاستيلاء على المنفعة قهرا.

و بعبارة أخرى: المفاد المطابقي في الإجارة أولا و بالذات تمليك المنفعة و من لوازمه الاستيلاء على العين، و في البيع يكون بعكس ذلك.

و أما الثاني: فلأن المنفعة و إن كانت معدومة في الخارج و متدرجة الحصول، لكن يكفي في اعتبارها و تعلق الغرض العقلائي المعاملي بها تحقق منشأ اعتبارها عرفا، و لا ريب في تحققه و مقتضى العموم و الإطلاق و السيرة عدم اعتبار أزيد من ذلك، مع ان الاعتباريات خفيفة المؤنة جدا، مضافا إلى أن عدم المنفعة ليس من العدم المطلق حتى لا يصلح لكل شي‌ء، بل من عدم الملكة الذي له نحو حظ من الوجود فيصلح لاعتبار شي‌ء له كما ثبت في محله.

و أما الثالث: فلا ريب في أن الملكية أما شخصية، أو نوعية، أو جهتية، و الزكاة و ما يتعلق بها من الثاني، و الوقف و ما يتعلق به من الأخير، بل في نماء الوقف الخاص تتصور الملكية الخاصة أيضا، و أما أن المنفعة قائمة بالأجير فلا يضر بالمقصود لأن لمنفعة المال إضافات، الإضافة إلى المالك الأول لكونها منفعة ماله، و الإضافة إلى نفس المال إضافة العارض بالنسبة إلى معروضه، و الإضافة إلى الأجير إضافة الاستيفاء الصرف، و جميع هذه الإضافات صحيحة معتبرة لها آثار خاصة فهذا التعريف صحيح لا إشكال فيه من هذه الجهات.

و أما الأخير: فلا ريب في أن السلطة الملكية بحيث يصير مملوكا كالعبيد لا تكون لشخص على الحر عقلا، و شرعا، و عرفا و أما سلطة استيفاء الحق لمن‌

8

.....

____________

له حق عليه، فلا ريب في ثبوتها عليه و السلطنة في المقام من هذا القبيل لا من السلطنة الملكية كما في العبيد، فهذا التعريف أيضا صحيح لا إشكال فيه.

و أما توهم أن السلطنة من الأحكام المترتبة على الأموال و الحقوق، فليست هي نفس حقيقة الإجارة (لا وجه له) إذ يكفي في التعاريف اللفظية كون المعرف (بالكسر) من اللوازم العرفية للمعرف (بالفتح)، و إن لم يكن ذاتيا له.

و لنكتف بهذا المقدار في المقام حتى لا يرد علينا ما أوردناه على الأعلام من ان الشروح الاسمية لا وجه للإشكال عليها.

و أما ما عن بعض مشايخنا (1) من: «انها جعل العين في الكرى» فهو صحيح، و لكن لو بدل: «جعل ما يصح أن ينتفع به في الكرى» لكان أولى ليشمل الاستيجار على الذمة مع عدم اعتبار المباشرة.

الرابع: عناوين العقود- كالإجارة و البيع و نحوهما- مفاهيم لها معان واقعية غير متقومة بالإنشاء، و لا الاخبار، و لا الوجود، و لا العدم كمفاهيم سائر الألفاظ.

نعم، تتصف عناوين العقود لكل ذلك بحسب اللحاظ الخارج عن مرتبة المفهومية، فقد يكون مفهوم البيع و الإجارة إنشائيا كما قد يتصف بالاخبارية و بالوجود و العدم و هكذا.

و منه يظهر أن العهد و جعل القرار الإجاري بين الطرفين شي‌ء، و اللفظ و الفعل المنشأ بهما تلك المعاهدة شي‌ء آخر، و لا ربط لأصلهما بذلك العهد و القرار فضلا عن خصوصية كون اللفظ حقيقة أو مجاز، أو ماضيا أو غيره.

نعم، للّفظ و الفعل جهة الإبراز عن ذلك العهد و القرار فقط، و يصح الإبراز و الإظهار بكلما تكون فيه هذه الحيثية و الجهة ما لم يدل دليل على الخلاف.

____________

(1) هو آية اللّه العظمى المحقق الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني (رحمه اللّه).

9

[فصل في أركانها، و هي ثلاثة]

فصل في أركانها، و هي ثلاثة:

الأول: الإيجاب و القبول (1)، و يكفي فيهما كل لفظ دال على المعنى المذكور (2) و الصريح منه آجرتك، أو أكريتك الدار- مثلا- فيقول قبلت، أو استأجرت، أو استكريت، و تجري فيها المعاطاة كسائر العقود (3)، و يجوز أن

____________

(1) بضرورة المذهب إن لم يكن من الدين لفرض انه عقد.

(2) للإطلاقات و العمومات، قال في الجواهر و ما أحسن ما قال: «ظاهر ما وصل إلينا من الأدلة في المقام و غيره كالبيع و النكاح و نحوهما، التوسعة فيما يعقد به العقد و الاكتفاء بكل لفظ يدل على إنشاء المراد حقيقة، أو مجازا غير مستنكر في أمثاله، و كفى بذلك قاطعا لأصالة عدم النقل و غيرها، و لعل شهرة عدم عقد العقود اللازمة بالمجازات محمولة على المستنكرة في ذلك، كاستعمال النكاح في البيع و بالعكس لا مطلقا، كما لا يخفى على من تصفح كلماتهم».

أقول: و يدل عليه انه لو كان شي‌ء معتبرا في ذلك لأشير إليه في خبر من الأخبار، لأن الموضوع من الأمور الابتلائية لجميع المكلفين في جميع الأزمان.

(3) لعموم أدلتها و إطلاقها الشامل للإجارة أيضا، و قد أثبتنا في البيع موافقتها للقاعدة فتجري في جميع العقود إلا ما خرج بالدليل.

و ما يقال: من انها صحيحة في إجارة الأموال حيث يتصور فيها التعاطي، و أما إجارة الحر لعمله فلا تصح لأن الحر لا يملك و عمله معدوم بعد، فكيف يتصور فيه التعاطي من الطرفين.

مردود .. أولا: بأن تسليم مورد العمل و الفراغ منه تسليم و إعطاء للعمل عرفا، بل البناء على الإتيان به لأجل القرار المعاملي يعتبر فيه الإعطاء عرفا.

10

يكون الإيجاب بالقول و القبول بالفعل، و لا يصح أن يقول في الإيجاب بعتك الدار- مثلا- و إن قصد الإجارة (4).

نعم، لو قال بعتك منفعة الدار، أو سكنى الدار مثلا بكذا لا يبعد صحته إذا قصد الإجارة (5).

الثاني: المتعاقدان (6)، و يشترط فيهما البلوغ (7)،

____________

و ثانيا: بما تقدم من انه لا يعتبر فيها التعاطي من الطرفين، و يكفي من أحدهما، بل تصلح و إن لم يكن إعطاء في البين إن وصل كل عوض إلى صاحبه، إذ المراد بالمعاطاة في كلامهم وصول العوضين الى الطرفين في عقد جامع للشرائط إلا الإيجاب و القبول اللفظيين.

(4) ان كان ذلك من المجاز المستنكر في المحاورات و لكنه ممنوع فمقتضى الإطلاقات الصحة.

و ما يتوهم من أنه لا يصح التمسك بها للعلم الإجمالي بورود تقييدات و تخصيصات عليها.

مدفوع: بأن التمسك بها إن كان قبل الفحص عن المقيدات و المخصصات فلم يقل أحد بصحة التمسك حينئذ.

و أما إن كان ذلك بعده و اليأس عن الظفر عليه، فلا ريب في الجواز حينئذ و قد ثبت ذلك في الأصول فراجع.

(5) لما مر في سابقة من غير فرق. و ما عن بعض مشايخنا «من ان اللفظ آلة لإنشاء معناه الحقيقي دون المجازي» مجرد دعوى بلا دليل عليه لأنه آلة لإفهام المقصود بالطرق المحاورية بأي نحو كان، و من الطرق الشائعة المحاورية المجازات غير المستنكرة في العرف.

(6) لأنّها عقد بالضرورة الفقهية بل الدينية.

(7) قد تكرر في العقود ذكر اشتراط البلوغ في المتعاقدين، و نسب إلى‌

11

و العقل (8)، و الاختيار (9)، و عدم الحجر لفلس، أو سفه، أو رقية (10).

الثالث: العوضان، و يشترط فيهما أمور:

____________

المشهور سلب عبارة الصبي مطلقا، و لا دليل لهم عليه من عقل أو نقل إلا أصالة عدم ترتب الأثر، و حديث رفع القلم (1)، و قوله (عليه السلام): «عمد الصبي خطأ» (2)، و دعوى الإجماع.

و الكل مخدوش: أما الأصل فلأنه محكوم بإطلاقات الأدلة و عموماتها بعد صدق العقد بالنسبة إلى عقد الصبي أيضا كالبالغ.

و أما حديث رفع القلم فالمنساق منه قلم الإلزام و العقاب لا أصل الصحة، و أما حديث «ان عمده خطأ» فالمنساق منه بقرينة غيره خصوص الجنايات لا مطلق أفعاله، و أما الإجماع فاعتباره مشكل لحصوله من مثل هذه الأدلة، و قد تقدم بعض الكلام في البيع فراجع.

(8) باتفاق العقلاء فضلا عن الفقهاء إن كان مطبقا و في دور جنونه ان كان أدواريا، و يدل عليه بعض الاخبار أيضا (3)، و تقدم في البيع بعض الكلام و يأتي بعضه الآخر في كتاب الحجر ان شاء اللّه تعالى.

(9) للإجماع، و حديث رفع ما أكرهوا عليه (4)، و لكن لو لحقه طيب النفس صح و لزم على ما تقدم تفصيله في كتاب البيع، كما ان ذلك في الإكراه بغير حق، و أما الإكراه بحق فيصح و لا إشكال فيه.

(10) لأن الإجارة تصرف مالي، و هؤلاء محجورون عن التصرف في أموالهم فلا يجوز لهم ذلك، و لكن لا يبطل أصل عقدهم، بل يتوقف صحته‌

____________

(1) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 11.

(2) الوسائل باب: 36 من أبواب القصاص.

(3) الوسائل باب: 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 11.

(4) الوسائل باب: 56 من أبواب جهاد النفس حديث: 1.

12

الأول: المعلومية (11)، و هي في كل شي‌ء بحسبه (12) بحيث لا يكون هناك غرر، فلو آجره دارا أو حمارا من غير مشاهدة و لا وصف رافع

____________

على إجازة الغرماء، و الولي، و المولى، و مع إجازتهم تصح و تلزم، و مع عدمها تبطل و يأتي التفصيل في محله إنشاء اللّه تعالى.

(11) عد هذا الشرط في المعاوضات من الواضحات العرفية عند المتعاملين مطلقا أولى من أن يستدل عليها بالإجماع و نحوه، لأن الناس يهتمون بأموالهم نحو اهتمامهم بأنفسهم، و لا يقدمون على المعاوضة بالنسبة إلى المجهول مطلقا، مضافا الى قاعدة نفي الغرر التي هي من أهم القواعد النظامية العقلائية، سواء كان في النبوي (صلّى اللّه عليه و آله): «نهى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن الغرر»، أو «عن بيع الغرر» (1)، كما مر في شرائط العوضين (2)، لأن ذكر البيع من باب أنه أهم المعاوضات لا لخصوصية فيه فكأنه (صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن الغرر في المعاوضات كلها، لأن الأغراض المعاملية تدور مدار إحراز مالية العوضين نوعا بحسب الكم و الكيف.

(12) لأن المعلومية من الأمور الإضافية العرفية، و هي تختلف بحسب الأشياء و ليست من الأمور التعبدية و لا الموضوعات الصرفة الخارجية، و لإحراز خصوصيات الأشياء طرق شتى غير مضبوطة، و لم يعين له طريق واحد مخصوص لا شرعا، و لا عقلا، و لا عرفا فلا بد من ملاحظة كل شي‌ء بما تعارف فيه.

ثمَّ إنه لا تعتبر المعلومية من كل جهة لعدم الدليل عليها، بل ظاهر السيرة و الدليل خلافه، فقد جرت السيرة على إجارة الأرض بثلث ما يخرج منها مثلا، و قد ورد صحة قبالة الأرض بخراجها قل أو كثر (3)، و كذا إجارتها بالنصف، أو‌

____________

(1) الوسائل باب: 10 و 12 من أبواب التجارة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 40 من أبواب التجارة.

(3) راجع الوسائل باب: 17 من أبواب المزارعة حديث: 2.

13

للجهالة بطل (13)، و كذا لو جعل العوض شيئا مجهولا.

الثاني: أن يكونا مقدوري التسليم (14) فلا تصح إجارة العبد الآبق، و في كفاية ضم الضميمة هنا كما في البيع إشكال (15).

____________

الثلث، أو نحو ذلك (1).

و أما قوله (عليه السلام): «يتقبل الأرض من أربابها بشي‌ء معلوم إلى سنين مسماة» (2)، هو محمول على الثلث، أو الربع بقرينة غيره من الأخبار كما سيأتي، لا أن يكون المراد المعلومية من كل جهة.

(13) لقاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و أصالة عدم ترتب الأثر بعد عدم شمول الأدلة.

(14) لأن الغرض الاوّلي من القرار المعاملي، و التعهد المعاوضي انما هو التسليم، و التسلم، و التحفظ على وصول عوض ما يتبادل عليه المال، فهو من المقومات العرفية في المعاوضات بحسب المتعارف، و لا يقدمون على المعاوضة مع عدم القدرة على التسليم و يرونها كالعدم، و على هذا الأمر المعهود بين الناس تنزل الأدلة الشرعية أيضا.

(15) إن كان صحة بيع الآبق مع الضميمة مطابقة للقاعدة تجري في جميع المعاوضات، و إن كانت مخالفة لها تختص بخصوص البيع، لورود النص فيه فقط (3). و الظاهر كونها مطابقة للقاعدة لأن العقد يقع في الواقع على الضميمة و هي معلومة، و الآبق يكون تبعا لما هو المعلوم، و لا دليل على اعتبار المعلومية في توابع العوضين، بل مقتضى الإطلاقات عدمه، و كذا لو قلنا بأنه مع تعذر الوصول الى الآبق تصير معاوضة قهرية مع الضميمة، و يمكن أن يستفاد كل‌

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب الإجارة حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 18 من أبواب المزارعة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 11 من أبواب عقد البيع و شروطه: 2.

14

الثالث: أن يكونا مملوكين (16)، فلا تصح إجارة مال الغير و لا الإجارة بمال الغير إلا مع الإجازة من المالك (17).

الرابع: أن تكون عين المستأجرة مما يمكن الانتفاع بها مع بقائها، فلا تصح إجارة الخبز للأكل مثلا، و لا الحطب للإشعال، و هكذا (18).

الخامس: أن تكون المنفعة مباحة (19)، فلا تصح إجارة المساكن

____________

منهما من قوله (عليه السلام) في موثق سماعة: «فإن لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه» (1)، و احتمال انه (عليه السلام) في مقام بيان الحكم التعبدي لصورة تعذر الآبق ساقط، لظهور قوله (عليه السلام) في أنه للإرشاد إلى أنه قد وصل عوض ماله إليه فلا موضوع لتوهم البطلان.

(16) بضرورة المذهب بل الدين، و يمكن أن يستدل على البطلان بالأدلة الأربعة كما مر مكررا.

(17) لما أثبتناه في كتاب البيع: ان صحة الفضولي مع الإجازة اللاحقة موافقة للقاعدة، فتجري في جميع العقود إلا ما دل دليل على الخلاف، و لا دليل كذلك في المقام.

(18) لخروج ذلك عن مورد الإجارة تخصصا، لأن استيفاء المنفعة مع بقاء العين شي‌ء، و الانتفاع بالإتلاف شي‌ء آخر، و الأول هو مورد الإجارة لغة، و عرفا، و شرعا بخلاف الأخير، و الخبز و الحطب و نحوهما من الأخير دون الأول، و يمكن جعل هذا من مقومات الإجارة لا من شروطها الخارجة عن حقيقتها.

(19) بإجماع المسلمين، بل بضرورة الدين، و ما عن بعض مشايخنا (قدّس سره) من أن اشتراط مملوكية المنفعة يغني عن هذا الشرط فإن المنفعة المحرمة غير مملوكة.

____________

(1) الوسائل باب: 11 من أبواب عقد البيع و شروطه: 2.

15

لإحراز المحرمات، أو الدكاكين لبيعها، أو الدواب لحملها، أو الجارية للغناء، أو العبد لكتابة الكفر، و نحو ذلك، و تحرم الأجرة عليها (20).

السادس: أن تكون العين مما يمكن استيفاء المنفعة المقصودة بها (21)، فلا تصح إجارة أرض للزراعة إذا لم يمكن إيصال الماء إليها مع عدم إمكان الزراعة بماء السماء أو عدم كفايته.

السابع: أن يتمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المستأجرة (22)، فلا تصح إجارة الحائض لكنس المسجد مثلا (23).

____________

مخدوش: لأن المملوكية قسمان عرفية و شرعية، و المقصود بالشرط الثالث المملوكية العرفية، و بالشرط الخامس المملوكية الشرعية فلا تكرار و لا إشكال في البين.

(20) للإجماع، و لأنه «إن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه» (1)، و تدل عليه أيضا جملات من خبر تحف العقول (2).

(21) لأنه بدون ذلك يكون من الأكل بالباطل المحرم كتابا، و سنة، و إجماعا كما تقدم مكررا.

(22) ما يعتبر في صحة الإجارة انما هو وجود غرض عقلائي غير منهي عنه شرعا، سواء كان ذلك هو انتفاع المستأجر، أو شخص آخر، أو أي غرض صحيح.

(23) إذا استلزم المكث و إلا فلا يحرم، كما تقدم في أحكام الحائض، هذا إذا كانت الإجارة بالمباشرة، و أما إن كانت بالأعم منها و من التسبيب فلا إشكال في الجواز.

و أشكل بعض مشايخنا (3)، هنا أيضا بأنه خرج باشتراط مملوكية المنفعة‌

____________

(1) راجع المجلد السادس عشر صفحة: 39.

(2) راجع المجلد السادس عشر صفحة: 42.

(3) هو آية اللّه العظمى المحقق الشيخ محمد حسين النائيني (قدّس سره).

16

[ (مسألة 1): لا تصح الإجارة إذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها عليها]

(مسألة 1): لا تصح الإجارة إذا كان المؤجر أو المستأجر مكرها عليها (24) إلا مع الإجازة اللاحقة (25)، و الأحوط عدم الاكتفاء بها بل تجديد العقد إذا رضيا (26).

نعم، تصح مع الاضطرار كما إذا طلب منه ظالم مالا فاضطر إلى إجارة دار سكناه لذلك فإنها تصح حينئذ كما أنه إذا اضطر إلى بيعها صح (27).

____________

فيكون ذكر هذا الشرط مستدركا.

و فيه: إن اختلاف الجهة يوجب التعدد و هذا الشرط من قبيل القدرة على التسليم، و هي: إما عرفية و قد تقدم في الشرط الثاني: أو شرعية و هي مذكورة في هذا الشرط.

(24) للإجماع، و حديث رفع ما أكرهوا عليه (1).

(25) للإطلاقات و العمومات بعد ثبوت المقتضى و فقد المانع، و حديث رفع الإكراه امتناني لا يشمل رفع الأثر بعد لحوق الإجازة، لأنه خلاف الامتنان حينئذ.

(26) خروجا عن خلاف من ذهب إلى بطلان أصل عقد المكره، فلا موضوع أصلا للحوق اجازته، و قد تعرضنا للأدلة التي استدلوا بها على البطلان و أجبنا عنها في كتاب البيع عند ذكر اعتبار الاختيار في البيع، فراجع و تأمل.

(27) لوجود طيب النفس في موارد الاضطرار دون الإكراه لأن إرادة المضطر و اختياره صادرة عن نفسه، و ليست مقهورة تحت إرادة الغير.

نعم، حدثت حادثة ضرورية أوجبت حدوث الإرادة لنفس المضطر عن نفسه بنفسه و بطيب نفسه به، و لكن إرادة المكره مقهورة تحت إرادة الغير، و من‌

____________

(1) الوسائل باب: 56 من أبواب جهاد النفس حديث: 1.

17

[ (مسألة 2): لا تصح إجارة المفلس- بعد الحجر عليه- داره أو عقاره]

(مسألة 2): لا تصح إجارة المفلس- بعد الحجر عليه- داره أو عقاره (28).

نعم تصح إجارته نفسه لعمل أو خدمة (29)، و أما السفيه فهل هو كذلك- أي: تصح إجارة نفسه للاكتساب مع كونه محجورا عن إجارة داره مثلا- أو لا؟ وجهان: من كونه من التصرف المالي و هو محجور، و من أنه ليس تصرفا في ماله الموجود بل هو تحصيل للمال و لا تعدّ منافعه من أمواله (30) خصوصا إذا لم يكن كسوبا، و من هنا يظهر النظر فيما ذكره بعضهم من حجر السفيهة من تزويج نفسها، بدعوى أن منفعة البضع مال، فإنه أيضا محل

____________

طبع البشر أنه لا تطيب نفسه بقهر الغير عليه مطلقا، فما هو المشهور من وجود طيب النفس في المضطر دون المكره مطابق للوجدان، و إذا كان طيب النفس موجودا في المضطر كما قلنا تصح عقوده و إيقاعاته لوجود المقتضى، و فقد المانع فتشملها العمومات و الإطلاقات بلا مدافع، و لا ريب في وجود عقود و إيقاعات اضطرارية بين الناس يرتب المتشرعة عليها آثار الصحة، فكم من مضطر اضطر لبيع داره و إجارة محله للاحتياج إلى مال لمداواة مريضه و نحوه، و كم مضطر اضطر الى طلاق زوجته إلى غير ذلك.

(28) لأنه تصرف مالي و هو ممنوع عنه.

(29) لعدم كون إعماله موردا لحق الغرماء، فلا يتعلق بها الحجر و انما يتعلق حقهم بأموالهم الموجودة حين الحجر عليه.

نعم، يجوز الحجر على أمواله الموجودة حين الحجر عليه.

نعم، يجوز الحجر على أمواله المتجددة أيضا.

(30) لأن المنساق من الأموال التي يقع الحجر عليها الأموال الموجودة في الخارج حين الحجر، لا مثل العمل الذي له منشأية تحصيل المال.

نعم، تحقق السفه منشأ للحجر عليه، سواء كان في أمواله الموجودة أو فيما يحصل من المال، لفرض انه سفيه في حفظ ماله، و في كيفية تحصيله‌

18

إشكال (31).

[ (مسألة 3): لا يجوز للعبد أن يؤجر نفسه أو ماله أو مال مولاه إلا بإذنه]

(مسألة 3): لا يجوز للعبد أن يؤجر نفسه أو ماله أو مال مولاه إلا بإذنه أو إجازته (32).

[ (مسألة 4): لا بد من تعيين العين المستأجرة]

(مسألة 4): لا بد من تعيين العين المستأجرة (33)، فلو آجره أحد هذين العبدين أو إحدى هاتين الدارين لم يصح (34)، و لا بد أيضا من تعيين

____________

أيضا، فالعلة الموجبة في الحجر عليه في ماله الموجود ثابتة في تحصيله للمال أيضا، فلا وجه للتفكيك بينهما بعد الاشتراك في العلة.

(31) ظهر مما ذكرناه أنه لا إشكال فيه لوجود السفه فيه أيضا، و هو العلة التامة للحجر عليه أينما وجدت.

و يظهر منهم الاتفاق على اعتبار الرشد في صحة تزويج المرأة، و في صحيح الفضلاء: «المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة، و لا المولى عليها، تزويجها بغير ولي جائز» (1)، و في موثق زرارة: «إذا كانت المرأة مالكة أمرها- تبيع و تشتري و تعتق و تشهد و تعطي من مالها ما شائت- فإن أمرها جائز، تزوج إن شائت بغير إذن وليها، و إن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلا بأمر وليها» (2)، و يظهر منه وحدة المناط في التزويج و في التصرف في المال، و يأتي التفصيل في كتاب الحجر ان شاء اللّه تعالى.

(32) كتابا، و سنة (3)، و إجماعا، قال تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ (4)، و مر التفصيل.

(33) اتفاقا من الفقهاء، بل العقلاء.

(34) لأن المردد من حيث الترديد لا وجود له عقلا و لا اعتبار به عرفا‌

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب عقد النكاح حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب عقد النكاح حديث: 6.

(3) راجع المجلد الثامن عشر صفحة: 105- 109.

(4) سورة النحل: 75.

19

نوع المنفعة (35)، إذا كانت للعين منافع متعددة (36).

نعم، تصح إجارتها بجميع منافعها مع التعدد (37)، فيكون المستأجر مخيرا بينها (38).

[ (مسألة 5): معلومية المنفعة إما بتقدير المدة كسكنى الدار شهرا]

(مسألة 5): معلومية المنفعة إما بتقدير المدة كسكنى الدار شهرا و الخياطة يوما أو منفعة ركوب الدابة إلى زمان كذا (39)، و إما بتقدير العمل كخياطة الثوب- المعلوم طوله و عرضه و رقّته و غلظته- فارسية أو رومية (40)، من غير تعرض للزمان (41).

____________

و شرعا، فلا موضوع لتعلق العقد به.

نعم، لو وقعت الإجارة من حيث الطبيعي الموجود فيهما، أو الكلي في المعين تصح، و لا محذور مع تساوي الافراد بحسب المتعارف.

(35) الكلام فيه عين الكلام في تعين العين المستأجرة فيما تقدم من الدليل، مضافا إلى قاعدة نفي الغرر فيهما.

(36) لأنه مع انحصار المنفعة بالتعين الخارجي يغني عن التعيين و كذا لو كان في البين انصراف معتبر فيما إذا تعددت المنافع.

(37) لوجود المقتضي للصحة، و فقد المانع عنها حينئذ فتشمله الأدلة لا محالة.

(38) إن لم يتمكن من الجمع بينها في الاستيفاء و إلا فيجمع بينها لفرض ان جميع المنافع له بواسطة الإجارة، و يأتي في مسألة الأجير الخاص بعض الكلام في المنافع المتضادة و تحقيق القول فيه.

(39) للإجماع، و لسيرة المتشرعة خلفا عن سلف، و قاعدة نفي الغرر.

(40) لأن تعين المنفعة في هذا النحو من العمل يكون بذلك في العرف و الإطلاقات و العمومات منزلة عليه، و لم يرد تحديد شرعي على خلافه فلا بد فيها من الأخذ بما هو المتعارف.

(41) لأنه ليس للزمان دخلا في خصوصية مثل هذه الأعمال، فيكون ذكره‌

20

نعم، يلزم تعيين الزمان الواقع فيه هذا العمل (42)، كأن يقول الى يوم الجمعة مثلا، و إن أطلق اقتضى التعجيل (43)، على الوجه العرفي (44)، و في مثل استئجار الفحل للضراب يعين بالمرة و المرتين (45)، و لو قدّر المدة و العمل على وجه التطبيق فإن علم سعة الزمان له صح (46)، و إن علم عدمها بطل (47)، و إن احتمل الأمران ففيه قولان (48).

____________

لغوا من هذه الجهة بعد حصول التعيين بغيره.

(42) لجريان السيرة على ذكر زمان العمل في مثل هذه الأعمال و اختلاف الأغراض المعاملية باختلاف طول المدة و قصرها، فلا بد من التعيين حينئذ.

(43) لأن مقتضى الملكية المطلقة و السلطة الفعلية بل و الشرط البنائي في المعاوضات، انما هو دفع العوض عند مطالبة مالكه له في البيع و الإجارة، و غيرهما من المعاوضات إلا مع القرينة على الخلاف و هي مفقودة.

(44) لأنه المتعارف في التعجيل في الأداء في المعاوضات و غيرها، إلا مع دليل معتبر على تحديد خاص و هو مفقود.

(45) المرجع فيه أهل خبرة هذه الأمور، و ربما يكون التحديد بغير ذلك عندهم.

(46) لشمول إطلاقات أدلة الإجارة، و ما يتوهم منه البطلان إما الغرر أو تعذر الإتيان إن أريد التطبيق الحقيقي، و كلاهما مردودان:

أما الغرر فالعرف أصدق شاهد بخلافه.

و أما التعذر فهو كذلك أيضا، إذ ليس المراد به التطبيق الدقي العقلي، بل بحسب المتعارف و المسامحات العرفية فيما جرت به السيرة.

(47) لعدم القدرة على التسليم حينئذ.

(48) مبنيان على ان إحراز العجز مانع أو ان إحراز القدرة شرط، فعلى الأول تصح الإجارة، لفرض عدم إحراز العجز، و على الثاني تبطل لفرض عدم‌

21

[ (مسألة 6): إذا استأجر دابة للحمل عليها لا بد من تعيين ما يحمل عليها]

(مسألة 6): إذا استأجر دابة للحمل عليها لا بد من تعيين ما يحمل عليها بحسب الجنس إن كان يختلف الأغراض باختلافه، و بحسب الوزن و لو بالمشاهدة و التخمين إن ارتفع به الغرر، و كذا بالنسبة إلى الركوب لا بد من مشاهدة الراكب أو وصفه، كما لا بد من مشاهدة الدابة أو وصفها حتى الذكورية و الأنوثية إن اختلفت الأغراض بحسبهما.

و الحاصل أنه يعتبر تعيين الحمل و المحمول عليه و الراكب و المركوب عليه من كل جهة يختلف غرض العقلاء باختلافها (49).

[ (مسألة 7): إذا استأجر الدابة لحرث جريب معلوم]

(مسألة 7): إذا استأجر الدابة لحرث جريب معلوم، فلا بد من مشاهدة الأرض أو وصفها على وجه يرتفع الغرر (50).

[ (مسألة 8): إذا استأجر دابة للسفر مسافة لا بد من بيان زمان السير]

(مسألة 8): إذا استأجر دابة للسفر مسافة لا بد من بيان زمان السير من

____________

إحراز الشرط، و حيث إن المنساق من القدرة على التسليم في المعاوضات هو إحراز القدرة بحسب أنظارهم، فتبطل في مورد الشك إلا مع قرينة معتبرة في البين على الإحراز، هذا إذا كان بعنوان التقييد، و أما ان كان بعنوان الشرط الخارجي فيصح و للطرف خيار تخلف الشرط مع تبين الخلاف.

(49) لأن اختلاف قيم الأشياء و أعواضها يدور مدار الأغراض العقلائية التي يقوم أساس المعاوضات عليها عند الناس، و تدور الإطلاقات، و العمومات على طبقها كما لا يخفى، و حديث رفع الغرر (1) ورد أيضا مقررا لهذه الطريقة المتعارفة.

(50) و كذا كل ما له دخل في حرث الأرض، من قربها إلى الماء أو بعدها عنه، و سائر الجهات التي يعرفها أهل خبرة هذه الأمور، لأن كل ذلك مما تختلف‌

____________

(1) الوسائل باب: 40 من أبواب آداب التجارة حديث: 3 و قد سبق في ج: 17 صفحة: 8 بعض مصادر أخرى.

22

ليل أو نهار (51)، إلا إذا كان هناك عادة متبعة (52).

[ (مسألة 9): إذا كانت الأجرة مما يكال أو يوزن لا بد من تعيين كيلها]

(مسألة 9): إذا كانت الأجرة مما يكال أو يوزن لا بد من تعيين كيلها أو وزنها و لا تكفي المشاهدة، و ان كانت مما يعدّ لا بد من تعيين عددها، و تكفي المشاهدة فيما يكون اعتباره بها (53).

[ (مسألة 10): ما كان معلوميته بتقدير المدة]

(مسألة 10): ما كان معلوميته بتقدير المدة لا بد من تعيينها شهرا أو سنة أو نحو ذلك (54)، و لو قال آجرتك الى شهر أو شهرين بطل (55)، و لو قال

____________

الأغراض المعاملية بها، و تختلف الرغبات و الأغراض بحسبها.

(51) لاختلاف الأغراض المعاملية بذلك، فلا بد من التعيين فرارا من الجهالة و الغرر.

(52) لأنها حينئذ تعيّن خارجي يغني عن التعيين الذكري.

(53) اما اعتبار تعين الكيل و الوزن و العد فيما يعتبر فيه ذلك، فللإجماع و السيرة خلفا عن السلف، و عدم الغرر بناء على ما أسلفنا من أنه قاعدة نظامية عقلائية في المعاوضات كلها، و ليست تعبدية حتى نحتاج إلى دليل عليها، بل يكفي عدم ثبوت الردع.

و أما عدم كفاية المشاهدة في المكيل و الموزون و المعدود، فلعدم رفع الجهالة و الغرر بها، و لو فرض رفع الجهل و الغرر بها فيصح الاكتفاء حينئذ، إذ ليس للكيل و الوزن و العد موضوعية خاصة، بل كل ذلك طريق لإحراز مقدار مالية المال، و يمكن أن تكون مشاهدة أهل الخبرة مثل الكيل و الوزن و العد، كما يمكن ان يحمل على ذلك ما عن المحقق (رحمه اللّه) من الاكتفاء بالمشاهدة و منه يعلم صحة الاكتفاء بالمشاهدات فيما جرت فيه الاكتفاء بها في التعيين.

(54) لما تقدم في المسألة السابقة من غير فرق في ذلك بينهما.

(55) للترديد المنافي للتعيين إن كان المقصود هو المردد.

و أما إن كان المراد شهرا واحدا أو شهرين كذلك، فلجهالة أول وقت‌

23

آجرتك كل شهر بدرهم مثلا ففي صحته مطلقا، أو بطلانه مطلقا، أو صحته في شهر و بطلانه في الزيادة فإن سكن فأجرة المثل بالنسبة إلى الزيادة، أو الفرق بين التعبير المذكور و بين أن يقول آجرتك شهرا بدرهم فإن زدت فبحسابه بالبطلان في الأول و الصحة في شهر في الثاني أقوال (56): أقواها الثاني (57). و ذلك لعدم تعيين المدة الموجب لجهالة الأجرة بل جهالة

____________

استيفاء المنفعة فتبطل الإجارة من هذه الجهة، إلا إذا كانت في البين قرينة معتبرة دالة على الاتصال بزمان حدوث الإجارة فتصح حينئذ.

(56) نسب الأول إلى الشيخ، و ابني جنيد، و زهرة، و الثاني إلى المشهور بين المتأخرين، و الثالث إلى المقنعة، و النهاية، و اختاره في الشرائع، و الأخير إلى القواعد.

(57) البحث في هذه المسألة:

تارة: بحسب الأذهان العرفية.

و أخرى: بحسب الإطلاقات و العمومات.

و ثالثة: بحسب الأدلة الخاصة.

و رابعة: بحسب الدقيات العقلية.

أما الأول: فمقتضى المرتكزات بينهم أنهم لا يرون في ذلك كله جهالة و غررا، بل السيرة استقرت على ذلك في مثل الفنادق و جملة من المساكن و المحال التي أعدت للأجرة، بحيث يكتبون ذلك و يجعلونه علامة عامة حتى يعلم به الواردون إليها، و لو كان جهل و غرر في البين لا يقدمون عليه هذا الإقدام الشائع في جميع البلاد في هذا الأمر العام البلوى لهم.

و بعبارة أخرى: الترديد في مشية المستفيد و إرادته لا في كيفية الاستفادة و قدر العوضين و شي‌ء من ماليتهما، و لا دليل على لزوم معلومية مشية المستفيد بعد معلومية العوضين عرفا.

24

المنفعة أيضا (58)، من غير فرق بين أن يعين المبدأ أو لا (59) بل على فرض

____________

و أما الثاني: فمقتضى الإطلاقات و العمومات الصحة بعد صدق الإجارة على ذلك كله عرفا.

و أما الثالث: فليس في البين إلا حديث نفي الغرر، و قد مر عدم صدقه عرفا و لو فرض الشك في صدقه لا يصح التمسك به في المقام، لأنه من التمسك بالدليل في الموضوع المشكوك بلا كلام.

و الأخبار: فمنها خبر أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكتري الدابة فيقول: اكثريتها منك إلى مكان كذا و كذا، فإن جاوزته فلك كذا و كذا زيادة، و يسمى ذلك؟ قال: لا بأس به كله» (1)، و منه يستفاد التوسعة، و عدم اعتبار الدقة في الخصوصيات، و كذا خبر الصيقل قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل اكترى دابة إلى مكان معلوم فجاوزه، قال (عليه السلام):

يحسب له الأجر بقدر ما جاوزه» (2).

و أما الأخير: فقد فصل بعض مشايخنا (المحقق الغروي (رحمه اللّه) الكلام في المقام كما في عادته (قدّس سره) بأنه لا موضوع للتمليك و التملك و الملكية في المقام، و خلاصة تفصيله أنه لا وجود للمردد من حيث هو، فلا يعقل أن تتعلق به الملكية التي هي من عوارض الموجود هذا، و لكنه خلط بين الدقيات العقلية و الاعتباريات العرفية، و المقام و نظائره من الأخير دون الأولى، و كم من شي‌ء لا يصح بحسب الدقيات العقلية و لكنه صحيح و واقع بنظر العرف، و كم شي‌ء يكون بالعكس فالأقوى هو القول الأول.

(58) تقدم عدم الجهالة فيهما و انما الجهل في مشية المستفيد، و لا دليل على اعتبار العلم بعد معلومية العوضين عرفا.

(59) و لكن المعلومية مع تعيين المبدأ و لو انصرافا تكون أبين‌

____________

(1) الوسائل باب: 8 من أبواب أحكام الإجارة: 1.

(2) الوسائل باب: 16 من أبواب أحكام الإجارة: 2.

25

عدم تعيين المبدأ يلزم جهالة أخرى (60)، الا أن يقال إنه حينئذ ينصرف إلى المتصل بالعقد، هذا إذا كان بعنوان الإجارة، و أما إذا كان بعنوان الجعالة فلا مانع منه، لأنه يغتفر فيها مثل هذه الجهالة (61)، و كذا إذا كان بعنوان الإباحة بالعوض (62).

____________

و أجلى كما لا يخفى.

(60) لا تضر تلك الجهالة بعد الانصراف الذي سيقول به (رحمه اللّه)، و هذا كله إذا وقع أصل الإجارة هكذا و أما لو وقع على شهر معين و كانت الزيادة من الشرط في ضمن عقد الإجارة فالصحة أولى، لأن الشرط يتحمل من الجهالة ما لا يتحملها غيره.

(61) لما هو المعروف بين الفقهاء، و تقتضيه سيرة المتشرعة، بل و سيرة العقلاء أيضا في اغتفار الجهالة في الجملة في الجعالة.

و قد أشكل على كون المقام من الجعالة بوجهين.

الأول: إن الجعالة انما تكون بإزاء عمل محترم دون منافع الأموال.

الثاني: إن الجعل و الالتزام فيها ممن يبذل المال دون الطرف.

و كلاهما مردودان .. أما الأول: فلأنها بإزاء كل ما فيه غرض عقلائي- عملا محترما كان أو غيره- فكأن صاحب المحل يقول من أعطاني كل شهر كذا أعطيته المنفعة الخاصة من داري، و لا ريب في شمول أدلة الجعالة لذلك.

و أما الثاني: فلأن في الجعالة البذل يكون من كل من الجاعل و العامل، من أحدهما المال، و من الآخر كل ما فيه غرض صحيح عقلائي لأنها من المعاوضات، و إن لم يكن من العقود بحيث يتوقف على القبول اللفظي من العامل بل يكون ما يصدر منه قبولا.

(62) لأنها أيضا صحيحة، و تكفي في صحتها الإطلاقات و العمومات و قاعدة السلطنة، و يكفينا ذلك ما لم يثبت الردع و هو غير ثابت.

26

[ (مسألة 11): إذا قال ان خطت هذا الثوب فارسيا- أي بدرز- فلك درهم]

(مسألة 11): إذا قال ان خطت هذا الثوب فارسيا- أي بدرز- فلك درهم و إن خطته روميا- أي بدرزين- فلك درهمان، فإن كان بعنوان الإجارة بطل، لما مر من الجهالة (63). و إن كان بعنوان الجعالة كما هو ظاهر العبارة

____________

و أشكل عليه .. أولا: بأن العقود محصورة فيما هو المعروف فيها، و الإباحة بالعوض ليست من أحدها.

و ثانيا: انها تحتاج إلى إنشاء خاص، فلا تقع بلفظ الإجارة.

و ثالثا: بأنها قصدية لا انطباقية قهرية.

و الكل مردود .. أما الأول: فلا دليل على الحصر من عقل أو نقل، بعد شمول العمومات و الإطلاقات لكل ما لم يكن داخلا في المحصور أيضا.

و أما الثاني: فلما مر من عدم دليل على اعتبار لفظ خاص في عناوين العقود.

نعم، لا تقع بالمجاز لمستنكر في المحاورات، و المفروض ان المقام ليس من المستنكرات.

و أما الثالث: فلأن قصد الإباحة بالعوض موجود وجدانا في ضمن قصد الإجارة و لا دليل على اعتبار أزيد من ذلك، بل مقتضى الإطلاقات عدمه.

(63) هكذا علل كل من قال بالبطلان في هذه المسألة، و لكنه مردود بأن المرجع في الجهالة إلى العرف و أهل الخبرة، و المتعارف من الناس لا يرون الجهالة فيها لا في العمل و لا في الأجرة، بل و لا يرون إبهاما فيما يستحق من الأجرة و يحكمون بفطرتهم بالتخيير فيه، فلا منشأ للبطلان حينئذ في المسألة و نظائرها، و لذا ذهب جمع إلى الصحة منهم المحقق في الشرائع و العلامة في جملة من كتبه و الحق معهم، و للإطلاقات و العمومات بعد الصدق العرفي.

و توهم: انه لا وجه للتمسك بها لأن مقام الإثبات فرع إمكان مقام الثبوت، و إذا كان في مقام الثبوت غير ممكن فلا وجه لمقام الإثبات.

27

صح (64)، و كذا الحال إذا قال إن عملت العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان و إن عملته في الغد فلك درهم (65)، و القول بالصحة إجارة في الفرضين ضعيف (66)، و أضعف منه القول بالفرق بينهما بالصحة في

____________

مدفوع: بأن مقام الثبوت صحيح و ممكن بحسب الانظار العرفية، و إن أمكن بيان امتناعه بحسب بعض الاصطلاحات الحكمية، و لكنه خارجة عن المباني الفقهية رأسا، و لا فرق في الصحة بين أن يكون الترديد بين المختلفين أو بين الأقل و الأكثر.

كما لا فرق في الصحة بين أن يكون نفس التخيير مورد الإجارة، أو كان موردها أحد الفردين معينا و شرط على أنه لو فعل الفرد الآخر لكان أجرته كذا.

نعم، القسم الثاني أولى بالصحة كما لا يخفى.

ما يقال: من ان المردد بما هو مردد لا وجود له، فلا يقبل التمليك و التملك.

مردود: بأن المراد بالمردد الذي لا يقبلهما المردد من كل جهة ظاهرا و واقعا، لا مثل موارد التخيير الذي يكون الموضوع فيها معينا و مبينا عرفا، فالمسألة خارجة عن مورد الترديد موضوعا لكثرة وقوع التخييرات في المحاورات وضعا و تكليفا.

و أما الاستدلال للصحة بما يأتي في المسألة التالية من صحيح محمد الحلبي فهو مخدوش لما يأتي بيانه في تلك المسألة.

(64) لما تقدم في المسألة السابقة.

(65) القول فيه عين القول في سابقة جوازا، و تقدم أن دليل المنع باطل، فلا وجه للتكرار.

(66) ظهر مما تقدم انه لا وجه للقول بالمنع- و إن نسب إلى جمع منهم المحقق و الشهيد الثانيين، و بعض مشايخنا (قدّس سره) اختار ذلك أيضا- إلا الجمود على‌

28

الثاني دون الأول (67)، و على ما ذكرناه من البطلان فعلى تقدير العمل يستحق أجرة المثل (68). و كذا في المسألة السابقة إذا سكن الدار شهرا أو أقل أو أكثر.

[ (مسألة 12): إذا استأجره أو دابته ليحمله أو يحمل متاعه]

(مسألة 12): إذا استأجره أو دابته (69) ليحمله أو يحمل متاعه إلى

____________

ظاهر الترديد مع انه في الواقع معلوم و شائع في العرف، و منشأه الخلط بين الترديد في التكوينيات- التي أثبتوا امتناع تعلق الوجود به- و الترديد في الاعتباريات التي تدور مدار صحة الاعتبارات العرفية بحسب أنظار العرف، و هذه المغالطة صارت منشأ لتغير جملة من المسائل عن مجاريها العرفية، التي يجب أن يبتني عليها في الشريعة السمحة السهلة.

(67) لعل وجهه ان الثاني أقرب الى مفاد ما يأتي من صحيح محمد الحلبي، و لكن لم نظفر على قائل هذا القول، لأن المسألتين متحدتان منعا و جوازا و دليلا بحسب القواعد العامة، و أما بحسب الدليل الخاص بالمقام فلم يدعيه أحد.

(68) لأصالة احترام الأموال و الأعمال التي هي من أهم الأصول النظامية العقلائية، و لكن قد مر صحة الإجارة فلا تصل النوبة إلى أجرة المثل، و إن كان الاحتياط في التراضي خروجا عن خلاف من خالف، و إن لم يكن له دليل يصح الاعتماد عليه كما مر.

و أما احتمال استحقاق الأقل من أجرة المثل و الأجرة المسماة لإقدامه عليه، فلا وجه له لعدم الأثر لإقدامه بعد بطلان الإجارة، لأنه كان مقيدا بصحتها، و كذا الكلام في جميع موارد بطلان العقود المعاوضية.

(69) الكلام في هذه المسألة من جهات:

الأولى: الأغراض المعاملية تختلف حسب اختلاف الخصوصيات و الجهات المحفوفة بالمعاوضة من الزمان و المكان، و قلة المنفعة و كثرتها،

29

.....

____________

و السير في الليل أو النهار، و الوقت الخاص، و غير ذلك مما لا تعد و لا تحصى، و جميع تلك الجهات تقع مورد القرار المعاملي و التعهد المعاوضي، فيقع جميعها مورد الجعل و الإنشاء إما بالذات أو بالعرض، و في الوجدان غنى عن إقامة البرهان و إثبات ذلك كله إما بالتصريح أو بالانصراف الصحيح، أو بالقرائن المعتبرة و جميع ما ذكر قيود و حدود للبناء المعاوضي و القرار المعاملي، و قد يعبر عن القيد المقوم بالعنوان أيضا كما إذا استأجر دابته بعنوان الفرسية فبان بغلا مثلا.

نعم، قد يطلق العنوان على نوع المعاملة كالإجارة و البيع و نحوهما، و لكنه ليس مرادا في المقام.

الثانية: دواعي المعاملات غير الأغراض المعاملية موضوعا و أثرا، أما الموضوع فلأن الدواعي من قبيل العلل الخارجية لحصول إرادة المعاملة، و الأغراض من قبيل العلل الداخلية للمعاملة.

و أما الأثر فلأن تخلف الداعي لا يضر و لا يوجب الخيار بخلاف تخلف الأغراض المعاملية التي يبذل بإزائها المال فإن تخلفها قد يوجب بطلان المعاملة، و قد يوجب الخيار على تفصيل يأتي ان شاء اللّه تعالى.

الثالثة: الأغراض المعاملية.

تارة: من القيود المقومة لذات المعاملة.

و أخرى: من الشروط الخارجية عنها، و الشرط.

تارة: بنحو وحدة المطلوب.

و أخرى: بنحو تعدد المطلوب، و مرجع وحدة المطلوب إلى القيد المقوم أيضا فهما متحدان حكما و إن اختلفا موضوعا و اعتبارا.

و ثالثا: يشك في أنها قيد مقوم أو شرط خارجي.

و حكم الأول انه مع تختلف القيد تبطل أصل المعاملة مطلقا، لفرض دوران إنشاء أصل المعاملة مداره فيكون كما لو استأجر فرسا فأعطاه حمارا، أو‌

30

مكان معين في وقت معين بأجرة معينة كأن استأجر منه دابة لإيصاله إلى كربلاء قبل ليلة النصف من شعبان و لم يوصله، فإن كان ذلك لعدم سعة الوقت و عدم إمكان الإيصال فالإجارة باطلة (70)، و إن كان الزمان واسعا و مع هذا

____________

استأجره للخياطة فعمل عملا آخر، و كذا إن كان بنحو الشرطية و كان بنحو وحدة المطلوب لرجوعه في حاق الواقع إلى القيدية أيضا.

و أما إن كان بنحو تعدد المطلوب فتخلفه يوجب الخيار على ما تقدم في الخيارات، و إن كان من مجرد الداعي فتخلفه لا يوجب البطلان و لا الخيار للسيرة و الإجماع.

و أما إن شك في أنه من أي من الأقسام، فمقتضى أصالتي الصحة و اللزوم صحة العقد و عدم الخيار إلا إذا كان في البين اختلاف عرفي موضوعي فيبطل العقد حينئذ.

ثمَّ إنه عند الشك في وحدة المطلوب و تعدده يمكن إجراء أصالة عدم التعدد، فيثبت وحدة المطلوب قهرا.

و من ذلك كله يظهر ان لحاظ وحدة المطلوب و تعدده في القيد المقوم لا وجه له.

نعم، يمكن ذلك في القيد الاصطلاحي الأصولي.

الرابعة: لا فرق فيما مر بين كون مورد القيد و الشرط الأعمال أو الذميات أو الخارجيات، لجريان هذه الاعتبارات في الخارجيات أيضا لأن الاعتبار خفيف المؤنة.

و ما يقال: بأنها خارجة عن هذا التقسيم لكفاية مجرد الإذن و الرضا فيها عند العقلاء فلا وجه لتعدد المطلوب فيها.

مخدوش: لصحة هذه الاعتبارات فيها وجدانا لأنها كالاعتبارات الثلاثة التي تعرض لكل ماهية جواهرا كانت أو عرضا.

(70) لعدم القدرة على التسليم فتبطل الإجارة من هذه الجهة.

31

قصر و لم يوصله، فإن كان ذلك على وجه العنوانية و التقييد (71) لم يستحق شيئا من الأجرة، لعدم العمل بمقتضى الإجارة أصلا (72)، نظير ما إذا استأجره ليصوم يوم الجمعة فاشتبه و صام يوم السبت، و إن كان ذلك على وجه ليصوم يوم الجمعة فاشتبه و صام يوم السبت، و إن كان ذلك على وجه الشرطية بأن يكون متعلق الإجارة الإيصال إلى كربلاء و لكن اشترط عليه الإيصال في ذلك الوقت فالإجارة صحيحة و الأجرة المعينة لازمة (73)، لكن له خيار الفسخ من جهة تخلف الشرط (74)، و معه يرجع

____________

(71) تقدم ان العنوانية و التقييد بنحو المقومية بمعنى واحد و يغني ذكر أحدهما على الآخر.

(72) لفرض إن الزمان الخاص كان مقوما حقيقة للأجرة، و كان من مقوماته الذاتية فمع انتفاء مثل هذا المقوم و الذاتي لا بد و أن ينتفي أصل الإجارة و إلا يلزم الخلف و هو معلوم البطلان، و كذا في مسألة الصوم الذي ذكر في المتن، و كما إذا استأجره لقراءة سورة (يس) فقرأ سورة (تبارك) مثلا إلى غير ذلك من الأمثلة في موارد التباين و التضاد الحقيقي، و كذا الاختلاف العرفي، و يظهر من الفقهاء الإجماع عليه، و يستفاد ذلك من النصوص الواردة في الأبواب المختلفة، و بذلك يدفع احتمال أن الأجير يستحق المسمى و يستحق المستأجر عليه قيمة العمل.

(73) هذا، إذا كان الاشتراط على نحو تعدد المطلوب كما هو المتعارف من الشروط في أبواب العقود و عليه المحققون في مسألة الشرط الفاسد، حيث قالوا: انه لا يفسد، و أما إذا كان بنحو وحدة المطلوب و القيد المقوم فحكمه حكم ما مر في المقومات الذاتية.

(74) لما تقدم في أقسام الخيارات من إن منها خيار تخلف الشرط، و هو جار في جميع العقود إلا ما دل دليل خاص على خلافه، و لا دليل في المقام كذلك.

32

إلى أجرة المثل (75).

و لو قال و إن لم توصلني في وقت كذا فالأجرة كذا أقل مما عين أولا فهذا أيضا قسمان (76)، قد يكون ذلك بحيث يكون كلتا الصورتين من الإيصال في ذلك الوقت و عدم الإيصال فيه موردا للإجارة، فيرجع إلى قوله آجرتك بأجرة كذا إن أوصلتك في الوقت الفلاني و بأجرة كذا إن لم أوصلك في ذلك الوقت، و هذا باطل للجهالة، نظير ما ذكر في المسألة السابقة من البطلان (77)، إن قال إن عملت في هذا اليوم فلك درهمان (إلخ)، و قد يكون مورد الإجارة هو الإيصال في ذلك الوقت و يشترط عليه

____________

(75) لأصالة احترام العمل بعد بطلان أجرة المسمى. و احتمال استحقاق أقل الأمرين من أجرة المسمى و أجرة المثل لإقدامه عليه.

مدفوع: بأن الإقدام كان مقيدا بصحة المعاوضة، و المفروض عدمها فلا وجه لجريان قاعدة الإقدام حينئذ.

نعم، لو أحرز الإقدام كان مطلقا، و غير مقيد بصحة العقد يتعين الأقل فيما إذا كان المسمى أقل من أجرة المثل لفرض اقدامه عليه مطلقا، و كأنه أهدر مقدارا من مالية ماله فلا موجب للاستحقاق حينئذ و أما إن كانت أجرة المثل أقل فيتعين ذلك أيضا لفرض ان الشارع أسقط مالية ماله بأكثر من ذلك من جهة تعيين أجرة المثل لمقدار ماله.

(76) ظاهر قوله «ره» في المقسم أقل مما عين أولا تعينه فيما يأتي من القسم الثاني، فالقسم الأول خارج عن المقسم و لا ربط له، لأن المقسم عبارة عما إذا كانت الإجارة واحدة و القسم يكون من إجارتين على تقديرين.

(77) تقدم اختيار الصحة في المسألة السابقة، فكذا في المقام، و قلنا بأن مثل هذه الجهالة لا تضر تبعا للسيرة العرفية في الجملة، و لفتوى جمع من الأعلام بالصحة في المسألة السابقة.

33

أن ينقص من الأجرة كذا على فرض عدم الإيصال (78)، و الظاهر الصحة (79)، في هذه الصورة لعموم «المؤمنون عند شروطهم» و غيره مضافا الى صحيحة محمد الحلبي (80).

____________

(78) ليس المراد جعل أجرة أخرى أنقص من الجعل الأول حتى يرجع إلى القسم الأول و يكون مكررا، و يصير قوله (رحمه اللّه) بالبطلان و الصحة هنا متهافتا لفرض كون أحدهما عين الآخر، و لا يكون المراد الإجارة في وقت خاص معين على نحو التقييد فتصير أصل الإجارة باطلا مع التخلف، كما مر، فلم يبق مورد للشرط حينئذ بل المراد الإجارة على الإيصال في ذلك الوقت بنحو الإجمال.

ثمَّ ذكر هذا الشرط بنحو شرط النتيجة، أو أن يتملك من الأجرة بنحو شرط الفعل، و لا ريب في صحته حينئذ و عدم لزوم التكرار.

(79) للإطلاقات و العمومات، و عموم أدلة الشروط، و عن جمع منهم المحقق الثاني البطلان، للتعليق و الجهالة، و لحمل الصحيح على الجعالة.

و الكل مخدوش: إذ الأولان لا بأس بهما في الشروط كما هو بناء الفقهاء، و الأخير لا وجه له بعد انسباق الإجارة منه و فهم المعظم خصوص الإجارة منه أيضا.

(80) قال: «كنت قاعدا إلى قاض و عنده أبو جعفر (عليه السلام) جالس، فجائه رجلان، فقال أحدهما: إني تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعا إلى بعض المعادن، فاشترطت عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا و كذا لأنها سوق أخاف أن يفوتني، فإن احتبست عن ذلك حططت من الكراء لكل يوم احتبسته كذا و كذا، و أنه حبسني عن ذلك اليوم كذا و كذا يوما، فقال القاضي: هذا شرط فاسد وفّه كراه، فلما قام الرجل أقبل إلي أبو جعفر (عليه السلام)، فقال: شرطه هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه» (1)، و لعل نظر القاضي في حكمه بفساد الشرط أنه غير مقدور، إذ لا‌

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب أحكام الإجارة: 2.

34

و لو قال إن لم توصلني فلا أجرة لك فإن كان على وجه الشرطية بأن يكون متعلق الإجارة هو الإيصال الكذائي فقط و اشترط عليه عدم الأجرة على تقدير المخالفة صح (81)، و يكون الشرط المذكور مؤكدا لمقتضى العقد (82).

____________

يعلم عروض الحوادث المانعة عن الوصول إلى المقاصد إلا اللّه تعالى.

و فيه: إن المناط في القدرة إنما هو الجهات الظاهرة المعلومة بحسب القرائن لا الواقعة الثابتة في علم اللّه تعالى، لأن ظهور الموانع الواقعية توجب بطلان أصل الإجارة كما يأتي.

(81) للأصل و إطلاق أدلة الشروط و عمومها الشامل للمقام.

(82) لأن مقتضى العقد المعاوضي و الأغراض المعاملية في المعاوضات مطلقا، انما هو جعل العوض بإزاء المعوض في مقام نفس الإنشاء و مرتبة التسليم، بحيث لو لم يسلم المعوض فلا عوض حينئذ من حيث القرار المعاملي الشامل لإنشائه و تسليمه، فيصير ذكر عدم الأجرة على فرض عدم الإيصال الكذائي مؤكدا للمدلول العرفي من عقد الإجارة، و مبينا للازمه من حيث الغرض المعاملي المعاوضي، و ليس ذلك شيئا خارجا عن حقيقة العقد بما هو المتعارف بين الناس، فلا محالة يكون مؤكدا له. و لكن أشكل عليه بوجوه:

الأول: ان الاقدام المعاملي انما هو على التحفظ على المال، فإذا سقط المسمى بالشرط فلا بد من ثبوت أجرة المثل.

و فيه: إنه كذلك لو لم يكن من العامل إقدام في ضمن عقد الإجارة على سقوط الأجرة مطلقا مع المخالفة، و قبوله بشرط عدم الأجرة مع المخالفة إقدام منه على ذلك.

الثاني: إن الإقدام المعاملي و الغرض المعاوضي انما هو على التحفظ‌

35

و إن كان على وجه القيدية بأن جعل كلتا الصورتين موردا للأجرة إلا أن في الصورة الثانية بلا أجرة (83).

____________

على المال بأي وجه أمكن، و شرط عدم الأجرة انما يسقط الأجرة المسماة دون أجرة المثل، فهي ثابتة بمقتضى الإقدام المعاملي الحاصل على التحفظ على المال و عدم المجانية المحضة.

و فيه: إن المتفاهم عرفا من مثل هذا الشرط في نظائر المقام عدم شي‌ء له أصلا لا أجرة المسمى و لا المثل ترغيبا له على الاهتمام بإتيان العمل المستأجر عليه، و لو فرض ثبوت أجرة المثل فهو قد يوجب التساهل و التواني لعلم الأجير بأن عمله لا يذهب هدرا و إن تواني و تساهل.

الثالث: انه مخالف لما في ذيل صحيح الحلبي من قوله (عليه السلام): «شرط هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه» إذ يستفاد من مفهومه ان شرط إسقاط جميع الأجرة غير جائز.

و فيه: ان المتيقن منه على فرض ثبوت المفهوم له انما هو ما إذا رجع إلى الفرع الآتي من قول: (آجرتك بلا أجرة) بأن ينحل العقد إلى إجارتين، إجارة على شي‌ء مع الأجرة و إجارة على شي‌ء آخر بلا أجرة و يأتي تفصيل القول فيه.

(83) عمدة الأقسام أربعة:

الأول: آجرتك بلا أجرة إن وصلتني في غير الوقت المخصوص، فإن كان المقصود منها الإجارة حدوثا و بقاء مع عدم الأجرة و الالتفات إلى أن الإجارة معاوضة خاصة، فلا ينبغي أن يصدر هذا من العاقل، لأنه تناقض واضح و بطلانه غني عن البيان.

الثاني: قصد الإجارة حدوثا فقط و قصد الهبة المجانية بقاء، و هذا ممكن ثبوتا و إثباتا إن كانت قرينة معتبرة عليه في مقام الإثبات، و تسالما عليه، و المفروض عدمها بحيث يعتمد عليها في المحاورات عرفا.

36

يكون باطلا (84)، و لعل هذه الصورة مراد المشهور القائلين بالبطلان (85)، دون الأولى حيث قالوا: «و لو شرط سقوط الأجرة إن لم يوصله لم يجز».

[ (مسألة 13): إذا استأجر منه دابة لزيارة النصف من شعبان مثلا]

(مسألة 13): إذا استأجر منه دابة لزيارة النصف من شعبان مثلا و لكن لم يشترط على المؤجر ذلك و لم يكن على وجه العنوانية أيضا و اتفق أنه لم يوصله، لم يكن له خيار الفسخ، و عليه تمام المسمى من الأجرة، و إن لم يوصله إلى كربلاء أصلا سقط من المسمى بحساب ما بقي و استحق بمقدار

____________

الثالث: قصد الإجارة حقيقة حدوثا و بقاء و شرط إسقاط الأجرة عن رضى و طيب نفس، و هذا أيضا صحيح ثبوتا و إثباتا مع وجود قرينة على استظهاره عرفا.

الرابع: الشك في أنه من أي الأقسام؟ و مقتضى أصالة الصحة، الصحة أيضا لو لم يكن ظاهرا في القسم الأول، و كذا الكلام في قول: بعتك بلا ثمن.

(84) إن انحلت الإجارة إلى إجارتين، إجارة خاصة في يوم كذا بمقدار معين، و إجارة أخرى في يوم آخر بلا أجرة، تبطل الثانية إن كان من القسم الأول مما مر من الأقسام الأربعة، و لكنه خلاف المتعارف و بعيد عن الإجارة الدائرة بين الناس و لا تبطل الإجارة الأولى للأصل بعد عدم دليل على البطلان، و إن لم تنحل إلى إجارتين عرفا بل كانت حصة خاصة من الإجارة بحيث يسري عدم الأجرة إلى ذات تلك الحصة فتصير تلك الحصة الخاصة من الذات من الإجارة بلا أجرة، فيبطل أصل الإجارة حينئذ، و على هذا تكون عبارته كعبارة جمع من الفقهاء قاصرة عن إفادة المطلوب، و ان كان مورد البطلان المردد بين ما فيه الأجرة و ما لا أجرة فيه لا بنحو إجارتين كما في القسم الأول.

(85) مقتضى بناء المشهور على اتباع النص مهما أمكنهم ذلك، انما هو الصورة الأولى تبعا منهم لظاهر ما مر من قول أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح:

«شرط هذا جائز ما لم يحط بجميع كراه» (1)، و كذا ظاهر ما نسب إليهم من‌

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب أحكام الإجارة.

37

ما يوصله إلى كربلاء أصلا سقط من المسمى بحساب ما بقي و استحق بمقدار ما مضى، و الفرق بين هذه المسألة و ما مر في المسألة السابقة أن الإيصال هنا غرض وداع، و فيما مرّ قيد أو شرط (86).

____________

قولهم (رحمه اللّه) «و لو شرط سقوط الأجرة إن لم يوصل لم يجز» ثمَّ انه مع بطلان الإجارة يصح جعالة أو صلحا أو إباحة معوضة كما مر.

(86) تقدم ان المقصود المعاملي إما قيد مقوم للمعاملة، أو شرط خارجي عنها، أو من مجرد الداعي لإيجادها، و تخلف الأول يوجب البطلان، و تخلف الثاني يوجب الخيار، و أما الثالث فتخلفه لا يوجب شيئا أبدا كل ذلك باتفاق العقلاء فضلا عن الفقهاء، و يأتي تفصيل هذه الفروع في المسائل الآتية.

38

[فصل الإجارة من العقود اللازمة]

فصل الإجارة من العقود اللازمة (1)، لا تنفسخ إلا بالتقابل (2)، أو شرط الخيار لأحدهما، أو كليهما (3). إذا اختار الفسخ، نعم الإجارة المعاطاتية جائزة (4) يجوز لكل منهما الفسخ ما لم تلزم بتصرفهما أو تصرف أحدهما

____________

(1) للأصل و الإجماع و الإطلاقات و العمومات، و نصوص خاصة منها صحيح ابن يقطين قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يتكارى من الرجل البيت أو السفينة سنة أو أكثر من ذلك أو أقل؟ قال (عليه السلام): الكراء لازم له إلى الوقت الذي تكاري إليه» (1)، و قد تعرضنا لإثبات أصالة اللزوم في كل عقد مطلقا في كتاب البيع بما لا مزيد عليه فراجع (2).

(2) للإجماع، و لما مر في بحث الإقالة من أنها من الحقوق المجاملية بين الناس في عقودهم، قررها الشارع مضافا إلى بعض الإطلاقات الواردة في مقام التسهيل و التأليف كقوله (عليه السلام): «من أقال مسلما أقال اللّه عثرته يوم القيامة» (3)، و ذكر البيع في بعض الاخبار (4)، من باب الغالب لا التخصيص، لإباء العرف عن التخصيص هذا و إن قيل بأنها عقد مستأنف فلا ينبغي الإشكال حينئذ.

(3) لعموم: «المؤمنون عند شروطهم» (5)، الشامل للمقام أيضا.

(4) بناء على جوازها مطلقا ما لم تلزم بإحدى الملزمات، و قد ناقشنا في‌

____________

(1) الوسائل باب: 7 من أبواب أحكام الإجارة.

(2) سبق في ج: 16 صفحة: 231.

(3) سنن ابن ماجه: 26 من أبواب التجارات: 2199.

(4) راجع المجلد الثامن عشر صفحة: 119.

(5) الوسائل باب: 20 من أبواب المهور: 4.

39

فيما انتقل إليه (5).

[ (مسألة 1): يجوز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدة الإجارة]

(مسألة 1): يجوز بيع العين المستأجرة قبل تمام مدة الإجارة (6)، و لا تنفسخ الإجارة به، فتنتقل إلى المشتري مسلوبة المنفعة مدة الإجارة (7).

نعم، للمشتري مع جهله بالإجازة خيار فسخ البيع (8)، لأن نقص

____________

ذلك في بيع المعاطاة و استظهرنا اللزوم لو لا الإجماع المعتبر على الجواز و هو مشكوك التحقق و إن كان منقولا.

(5) يمكن أن يقال: ان المعاطاة فيها مساوقة للّزوم غالبا، لأنها تتحقق إما بالشروع في العمل في المقدرة بنفس العمل، أو بتسليم العين في المقدرة بالزمان، و كلاهما يستلزم جزء من العوض.

(6) لقاعدة السلطنة المطلقة للمالك، فله تقطيع ماله بأي وجه شاء و أراد، و الإطلاقات و العمومات، و نصوص خاصة منها مكاتبة أبي همام: «انه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) في رجل استأجر ضيعة من رجل فباع المؤجر تلك الضيعة بحضرة المستأجر، و لم ينكر المستأجر البيع، و كان حاضرا له شاهدا، فمات المشتري و له ورثة هل يرجع ذلك الشي‌ء في ميراث الميت أو يثبت في يد المستأجر إلى أن تنقضي إجارته؟ فكتب (عليه السلام): يثبت في يد المستأجر الى أن تنقضي إجارته» (1).

(7) للأصل، و الإطلاق، و الاتفاق و نصوص خاصة تقدم بعضها.

و توهم: ان المنفعة تابعة للعين، فاذا زال عين ملك المالك لا وجه لتسلطه على المنفعة، فتكون الإجارة باطلة.

مردود: بأن المالك كان مسلطا على المنفعة تسلطا مرسلة مطلقة، و قد أخرج المنفعة عن ملكه بالإجارة بمقتضى سلطنته، و كان المقتضى لذلك موجودا و المانع عنه مفقودا حين الإجارة، فلا وجه لتوهم بطلانها.

(8) للإجماع و قاعدة نفي الضرر، لأن استيفاء المنفعة من أهم الأغراض‌

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب أحكام الإجارة: 1.

40

المنفعة عيب (9)، و لكن ليس كسائر العيوب مما يكون المشتري معه مخيرا بين الرد و الأرش فليس له أن لا يفسخ و يطالب بالأرش (10)، فإن العيب الموجب للأرش ما كان نقصا في الشي‌ء في حد نفسه مثل العمى و العرج و كونه مقطوع اليد أو نحو ذلك (11)، لا مثل المقام الذي العين في حد نفسها

____________

المعاملية النوعية بين الناس، فالحرمان عنه يوجب تزلزل العقد لفقدان هذا الغرض النوعي المعاملي.

(9) نسب إلى المشهور أن هذا الخيار خيار العيب و هو صحيح، لأن البناء الواقعي اللبي النوعي في المتعاملين على صحة المال الذي وصل إليهم و الانتفاع به، فهذا بناء واقعي لبي ذكر في اللفظ أو لم يذكر، و جميع المعاوضات تدور مدار هذا البناء الواقعي و التخلف عن ذلك عيب، سواء كان بنقص في الذات كما في العيب المعهود في البيع أو المنفعة كما في المقام.

و الإشكال عليه: بأنه لو كان من خيار العيب المعهود يلزم التخيير بين الرد و الأرش.

موهون: بما ذكر في المتن و ليس كل خيار عيب يكون ذو الخيار فيه مخيرا بين الرد و أخذ الأرش، كما مر في خيار العيب فليكن المقام مما يتعين فيه الرد دون أخذ الأرش، لظهور الإجماع عليه.

(10) لظهور الإجماع عليه، و بناء على هذا لا فرق بين أن يسمى هذا خيار العيب أو خيار تخلف الشرط اللبي البنائي، إذ لا ثمرة عملية بل و لا علمية فيه بعد عدم الأرش بالإجماع، و ان صح بتراض من الطرفين.

(11) كما هو صريح كلماتهم في العيب الموجب للأرش و يقتضيه قوله (عليه السلام): «كل ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب» (1)، و غيره من الأخبار.

____________

(1) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام العيوب.

41

لا عيب فيها (12)، و أما لو علم المشتري أنها مستأجرة و مع ذلك أقدم على الشراء فليس له الفسخ أيضا (13).

نعم، لو اعتقد كون مدة الإجارة كذا مقدارا فبان أنها أزيد له الخيار أيضا (14)، و لو فسخ المستأجر الإجارة رجعت المنفعة في بقية المدة إلى البائع لا إلى المشتري (15).

نعم، لو اعتقد البائع و المشتري بقاء مدة الإجارة و أن العين مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا و تبين أن المدة منقضية، فهل منفعة تلك المدة للبائع حيث إنه كأنه شرط كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا أو للمشتري لأنها تابعة للعين ما لم تفرز بالنقل الى الغير أو بالاستثناء و المفروض عدمها؟

وجهان، و الأقوى الثاني (16).

____________

(12) بل و لو كان فيها عيب في حد نفسها و لم يوجب ذلك نقصانا في المنفعة لا يوجب ذلك خيارا للمستأجر لفرض عدم الضرر و النقص بالنسبة إليه.

(13) لأنه مع علمه بذلك أقدم على تسلم العين مسلوبة المنفعة، و أقدم على الضرر، فلا وجه للخيار كما في خيار العيب في البيع إن أقدم المشتري على الاشتراء مع علمه بالعيب، و تقدم تفصيله في كتاب البيع.

(14) لتحقق النقص و الضرر حينئذ من دون اقدام عليه، فلا بد من تداركه بالخيار.

(15) لأن البيع وقع على العين المسلوبة المنفعة مدة خاصة، و قد استوفاها البائع في تلك المدة في ظرف إطلاق ملكيته و إرسالها فالمقتضي لذلك الاستيفاء الخاص كان موجودا و المانع عنه مفقودا فلا يبقى بعد ذلك موضوع لقاعدة تبعية النماء للملك، لأنها تجري فيما إذا لم تستوف المنفعة بوجه صحيح شرعي و إلا فلا مجرى لها كما هو معلوم.

(16) لقاعدة تبعية النماء للملك ما لم يفرز أو لم يستوف استيفاء واقعيا،

42

نعم، لو شرطا كونها مسلوبة المنفعة إلى زمان كذا بعد اعتقاد بقاء المدة كان لما ذكر وجه (17).

ثمَّ بناء على ما هو الأقوى من رجوع المنفعة في الصورة السابقة إلى المشتري فهل للبائع الخيار أو لا؟ وجهان، لا يخلو أولهما من قوة خصوصا إذا أوجب ذلك له الغبن (18). هذا إذا بيعت العين المستأجرة على غير المستأجر، أما لو بيعت عليه ففي انفساخ الإجارة وجهان، أقواهما العدم (19). و يتفرع على ذلك أمور:

____________

و المناط في الافراز و الاستيفاء الواقعي منهما لا الاعتقادي مع تبين الخلاف.

(17) بدعوى: ان هذا الشرط له موضوعية خاصة حينئذ، و لكنه باطل: لأنه لم يشترط كون المنفعة للبائع في تلك المدة إلا بعنوان الإجارة التي تبين عدمها، فبقي قاعدة تبعية النماء للملك حينئذ بلا مقيد و مخصص.

نعم، لو استثنى المدة مطلقا و لو لم تكن بعنوان الإجارة صح الاستثناء حينئذ، و ليس للمشتري شي‌ء من المنفعة في تلك المدة، و لعل مراده (قدّس سره) ذلك و ان قصرت عبارته عن افادته.

(18) لا إشكال في ثبوت الخيار في هذه الصورة لأدلة خيار الغبن الشاملة لكل معاوضة، كما لا وجه لعدم الخيار في غير هذه الصورة لأصالة اللزوم بعد عدم دليل على الخيار، لا من الإجماع و لا من الاخبار.

(19) أما أصل جواز لبيع العين المستأجرة إلى نفس المستأجر فيصح، للأصل و الإطلاق و الاتفاق، و أما صحة الإجارة و عدم انفساخها فهو المشهور بين الفقهاء.

نعم، ذكر للانفساخ وجوه كلها باطلة:

الأول: ما عن جامع المقاصد من انه كما لا يمكن نكاح المملوكة، و لا بقاء النكاح بعد الملك، فكذا ملك العين يمنع عن بقاء ملك المنافع‌

43

منها: اجتماع الثمن و الأجرة عليه (20) حينئذ.

و منها: بقاء ملكه للمنفعة في مدة تلك الإجارة لو فسخ البيع بأحد أسبابه (21) بخلاف ما لو قيل بانفساخ الإجارة.

____________

في عرض ملك العين.

و فيه: أنه قياس لا نقول به.

و ثانيا: انه مع الفارق لأن الزوجية و الملكية شرعا متقابلان لا يجتمعان- كما يأتي في كتاب النكاح- بخلاف ملكية العين و ملكية المنافع، فلا دليل على تقابلهما لا من العقل و لا من النقل و لا من الاعتبار الصحيح العقلائي.

الثاني: ما عنه أيضا ان المنفعة نماء الملك و تابعة له، و حيث ان المستأجر صار مالكا للعين فتصير الأجرة في مقابل نماء ملكه، فتكون المعاوضة على مال المالك بماله.

و فيه: ما مر من ان المنفعة كانت للبائع و قد استوفى عوضها بملكيته المطلقة المرسلة، فالأجرة وقعت من المستأجر للبائع لا من المستأجر لنفسه حتى يلزم المحذور.

الثالث: ما عن المحقق الأردبيلي من ان النماء تابع للملك، فيلزم مالكية المستأجر له من هذه الجهة، و المفروض انه مالك له من حيث الإجارة أيضا، فيلزم اجتماع ملكين على مملوك واحد و اجتماع علتين على معلول واحد.

و فيه: ان اختلاف الحيثية و الجهة يرفع هذه الغائلة كما هو واضح، و لعمري ان مثل هذه الشبهات لا ينبغي أن تصدر من الأفاضل، فكيف بالأكابر فإحتمال الانفساخ لأجل هذه الشبهات ضعيف جدا.

(20) لتعدد السبب المقتضي لتعدد المسبب لا محالة.

(21) لأنهما حينئذ موضوعان مختلفان لا ربط لأحدهما بالآخر، و يكون لكل منهما حكمه.

44

و منها: إرث الزوجة من المنفعة في تلك المدة (22) لو مات الزوج المستأجر بعد شرائه لتلك العين، و إن كانت مما لا ترث الزوجة منه بخلاف ما لو قيل بالانفساخ بمجرد البيع.

و منها: رجوع المشتري بالأجرة لو تلف العين بعد قبضها و قبل انقضاء مدة الإجارة، فإن تعذر استيفاء المنفعة يكشف عن بطلان الإجارة (23)، و يوجب الرجوع بالعوض و إن كان تلف العين عليه.

[ (مسألة 2): لو وقع البيع و الإجارة في زمان واحد]

(مسألة 2): لو وقع البيع و الإجارة في زمان واحد كما لو باع العين مالكها على شخص و آجرها وكيله على شخص آخر و اتفق وقوعهما في زمان واحد، فهل يصحان معا و يملكها المشتري مسلوبة المنفعة كما لو سبقت الإجارة، أو يبطلان معا للتزاحم في ملكية المنفعة، أو يبطلان معا بالنسبة إلى تمليك المنفعة فيصح البيع على أنها مسلوبة المنفعة تلك المدة فتبقى المنفعة على ملك البائع؟ وجوه، أقواها الأول (24)، لعدم التزاحم فإن البائع لا يملك المنفعة و إنما يملك العين و ملكية العين توجب ملكية

____________

(22) لعموم أدلة إرثها مما تركه الزوج و ليست المنفعة مما لا ترثها الزوجة، و أما بناء على الانفساخ فتكون المنفعة تابعة للعين، فحيث لا ترث من العين لا ترث منها أيضا لفرض انها غير مستوفاة بناء على الانفساخ.

(23) هذا التعليل شامل لكلتا صورتي انفساخ الإجارة و عدمه.

نعم، على تقدير الانفساخ بالبيع تعود إليه في ضمن الأجرة من زمان البيع فهذه الثمرة ساقطة على كلا التقديرين.

(24) لقاعدة السلطنة فإن المالك له ما لان العين و المنفعة، و له أن يتصرف فيهما بما شاء و أراد، سواء كان تصرفه فيهما عرضيا أم طوليا، و قد مر أن تبعية النماء للملك انما تكون فيما إذا لم يفرز، و أما مع الأفراز فلا موضوع للتعبية كما هو واضح.

45

المنفعة للتبعية و هي متأخرة عن الإجارة (25).

[ (مسألة 3): لا تبطل الإجارة بموت المؤجر و لا بموت المستأجر على الأقوى]

(مسألة 3): لا تبطل الإجارة بموت المؤجر و لا بموت المستأجر على الأقوى (26).

____________

(25) يعني: ان التبعية لا موضوع لها مع الإجارة لأنها إفراز للنماء عن التبعية، فكل تبعية للنماء انما يلحظ بالنسبة إلى العين إن لم تكن إجارة في البين، فهي متأخرة عن الإجارة اعتبارا بهذا المعنى.

و عن بعض مشايخنا الإشكال على قول الماتن.

أولا: بأن التقدم و التأخر بين تمليك العين و تمليك المنفعة طبيعي لا زماني و التقدم و التأخر الطبيعي لا ينافي التقارن الزماني.

ثانيا: بأن ملك المنفعة بمقتضى التبعية متأخر عن ملك العين بالبيع لا عن الإجارة، لأن الإجارة و إن كانت في عرض البيع المتقدم على ملك المنفعة إلا ان ما في المتقدم على شي‌ء ليس متقدما على ذلك الشي‌ء.

و ثالثا: ان الإجارة لها المعية مع البيع بالزمان لا بالطبع لأن المعية بالطبيعة إنما هي بين معلولي علة واحدة لا مثل المقام.

و الكل مخدوش: و منشأ الخدشة الخلط بين التكوينيات المتحققة الخارجية و الاعتباريات العرفية و العقلائية، و الخلط بين العرفيات المبنية عليها الفقه و الدقيات العقلية التي لا ربط لها بالفقه، و إذا راجعنا في المقام متعارف الناس يقولون وصلت العين إلى المشتري مسلوبة المنفعة لقاعدة سلطنة المالك على ماله، و منفعة ماله فأفرز كلا منهما بما شاء و أراد و استوفى عوض كل من مالية بمعاوضة مستقلة.

(26) لوقوعها جامعة للشرائط مقتضية للدوام إلى المدة المعينة من غير دليل على انفساخها بالموت من عقل أو نقل، فمقتضى الاستصحاب و أصالة اللزوم و الإطلاقات و العمومات الصحة و اللزوم. و ما استدل به على البطلان أمور‌

46

.....

____________

كلها مخدوشة:

الأول: ملك المنفعة تابع لملك العين، فإذا زال ملك العين بالموت يبطل ملك المنفعة أيضا فتبطل الإجارة.

و فيه: انه كان مالكا للمنفعة ملكية مرسلة مطلقة فاستوفى عوض ملكه في مدة معينة جامعا للشرائط حين الاستيفاء فلا وجه للبطلان.

الثاني: أن المستأجر رضي بأن يستوفي المنفعة من ملك المؤجر فقط فتنفسخ الإجارة مع فقده.

و فيه: انه حين الإجارة كانت المنفعة ملكا للمؤجر ملكية مرسلة مطلقة، فالاستيفاء يكون من ملك المؤجر و إن تبدل مالك العين.

الثالث: خبر الهمداني الذي استدل به على الصحة تارة و على البطلان أخرى، و هو على نسخة الكافي- الذي هو أضبط من غيره- هكذا: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) سألته عن امرأة آجرت ضيعتها عشر سنين على أن تعطي الإجارة [الأجرة] في كل سنة عند انقضائها لا يقدم لها شي‌ء من الإجارة [الأجرة] ما لم يمض الوقت (1)، فماتت قبل ثلاث سنين أو بعدها، هل يجب على ورثتها إنفاذ الإجارة إلى الوقت أم تكون الإجارة منقضية بموت المرأة؟

فكتب (عليه السلام): إن كان لها وقت مسمى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الإجارة، فإن لم تبلغ ذلك الوقت و بلغت ثلثه أو نصفه أو شيئا منه فتعطي ورثتها بقدر ما بلغت من ذلك الوقت إن شاء اللّه» (2)، و قول السائل: (ما لم يمض الوقت)، و قوله (عليه السلام): (إنفاذ الإجارة إلى الوقت) يحتمل معنيان:

الأول: مدة أصل الإجارة و وقتها، فيصير جواب الامام (عليه السلام) حينئذ:

«فلورثتها تلك الإجارة»، أي لهم إمضاؤها وردها لفرض انفساخها بموت المؤجر، و قوله (عليه السلام): «فتعطى ورثتها بقدر»، أي: تعطى بقدر إرثهم لانفساخ‌

____________

(1) في نسخة التهذيب: ما لم ينقص الوقت، كما عن الوافي ج: 10 باب: 66 من أبواب الإجارة.

(2) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام الإجارة: 1.

47

نعم، في إجارة العين الموقوفة إذا آجر البطن السابق تبطل بموته بعد الانتقال الى البطن اللاحق، لأن الملكية محدودة (27). و مثله ما لو كانت المنفعة موصى بها للمؤجر ما دام حيا (28)، بخلاف ما إذا كان المؤجر هو المتولي للوقف و آجر لمصلحة البطون إلى مدة، فإنها لا تبطل بموته و لا بموت البطن الموجود حال الإجارة (29)، و كذا تبطل إذا آجر نفسه للعمل بنفسه من

____________

الإجارة، فيكون الحديث على هذا دليل على انفساخ الإجارة و بطلانها.

الثاني: أن يكون المراد بالوقت في جميع موارد كلمات السائل الوقت المضروب لدفع الأجرة، لا مدة أصل الإجارة، و تكون كلمة اللام في قوله (عليه السلام):

«فلورثتها تلك الإجارة» بمعنى الاختصاص، يعني: ان الإجارة لهم لقيامهم مقام مورثهم، و ليس لهم حينئذ نقض الإجارة و ردها، كما ليس للمورّث ذلك و حينئذ يكون دليلا لصحة الإجارة و مع هذين الاحتمالين لا مجال للاستدلال بالخبر لا على البطلان و لا على الصحة، فلا بد حينئذ من الرجوع إلى الأصل و العمومات الدالة على الصحة و اللزوم.

(27) بزمان حياة البطن السابق فيكون تصرفه فيما بعد موته فضوليا فإن أمضاه البطن اللاحق يصح و إلا فلا.

و دعوى: أن ملكية كل بطن للمنافع مرسلة مطلقة كملكية نفس المالك، فكما لا تبطل الإجارة بموت نفس المالك فكذا في الموقوف عليه.

باطل: لأن تلاحق البطون و فرض الملكية للجميع يمنع عن الملكية المرسلة المطلقة كما هو واضح.

(28) فيصير تصرفه فيما بعد موته أيضا فضوليا تكون صحته دائرة مدار اجازة الورثة لانتقال المال إليهم حينئذ.

(29) لأنه حينئذ كعين المالك في أن ولايته تقتضي التصرف المطلق و المرسل غير المحدود بحد خاص.

48

خدمة أو غيرها، فإنه إذا مات لا يبقى محل للإجارة (30)، و كذا إذا مات المستأجر الذي هو محل العمل من خدمة أو عمل آخر متعلق به نفسه (31).

و لو جعل العمل في ذمته لا تبطل الإجارة بموته (32)، بل يستوفي من تركته (33)، و كذا بالنسبة إلى المستأجر إذا لم يكن محلا للعمل بل كان مالكا له على المؤجر، كما إذا آجره للخدمة من غير تقييد بكونها له، فإنه إذا مات تنتقل الى وارثه فهم يملكون عليه ذلك العمل (34)، و إذا آجر الدار و اشترط على المستأجر سكناه بنفسه لا تبطل بموته (35)، و يكون للمؤجر خيار الفسخ (36).

نعم، إذا اعتبر سكناه على وجه القيدية تبطل بموته (37).

____________

(30) إذا كان التقييد بنحو وحدة المطلوب، و أما إن كان بنحو تعدد المطلوب فلا تبطل الإجارة، و يستوفي من تركته.

(31) لأنه ظاهر حينئذ في وحدة المطلوب، و أما لو كانت في البين قرينة معتبرة على أنه من تعدد المطلوب فلا تبطل الإجارة.

(32) لأنه حينئذ في الذمة، و الذمة لا تبطل بالموت، بل تعتبر عرفا و شرعا و لو بعده.

(33) كما في كل حق تعلق بالذمة خالقيا كان أو خلقيا.

(34) لإطلاق أدلة الإرث الشامل لهذا أيضا.

(35) إذا كان الاشتراط بنحو تعدد المطلوب لا بنحو وحدة المطلوب و الا فتبطل، لأنه حينئذ من التقييد الحقيقي، فلا موضوع للصحة مع فقده كما يأتي منه (رحمه اللّه) في ذيل هذه المسألة.

(36) لأنه على هذا من تخلف الشرط و لاختلاف الأغراض المعاملية بمثل هذه الشروط، سواء كانت مذكورة في العقد أو وقع العقد مبنيا عليها.

(37) لأنه بناء على هذا من القيد المقوّم، و لا ريب في انعدام الشي‌ء‌

49

[ (مسألة 4): إذا آجر الولي أو الوصي الصبي المولّى عليه مدة]

(مسألة 4): إذا آجر الولي أو الوصي الصبي المولّى عليه مدة تزيد على زمان بلوغه و رشده، بطلت في المتيقن بلوغه فيه، بمعنى أنها موقوفة على إجازته (38)، و صحت واقعا و ظاهرا بالنسبة إلى المتيقن صغره (39)، و ظاهرا بالنسبة إلى المحتمل (40)، فإذا بلغ له أن يفسخ على الأقوى- أي لا يجيز (41)- خلافا لبعضهم (42)، فحكم بلزومها عليه لوقوعها من أهلها في محلها في وقت لم يعلم لها مناف، و هو كما ترى.

نعم، لو اقتضت المصلحة اللازمة مراعاة إجارته مدة زائدة على زمان

____________

بانعدام مقوّمة و ما له دخل في ذاته حقيقيا كان أو اعتباريا.

(38) لأنه لا ولاية لهما بالنسبة إلى بعد البلوغ، فيكون التصرف غير مأذون فيه شرعا فيتوقف على إجازة من له الحق، كما في جميع العقود الفضولية.

(39) لوجود المقتضي للصحة و هو الولاية الشرعية و فقد المانع عنها، فلا بد من الصحة و اللزوم.

(40) لأصالة عدم البلوغ و الولاية و الصحة.

(41) لقاعدة السلطنة.

(42) عن الخلاف: الجزم بذلك لوقوع الإجارة من أهلها و في محلها في وقت لم يعلم لها مناف فتستصحب.

و عن الجواهر الرد عليها بأنها: «بالنسبة إلى الحال المفروض ليس من أهلها، و لا في محلها و الجهل لا مدخلية له في تغيير حكم الموضوع».

أقول: منشأ النزاع إنه كما ان أصل ولاية الولي محدودة بكمال المولّى عليه، و تنقطع ولايته بعد كماله، هل تكون تصرفاته التي تقع في المولّى عليه- نفسا أو مالا- في ظرف فعلية ولايته جامعة للشرائط هكذا أيضا فتكون محدودة بعروض الكمال؟ مقتضى الأصل و الإطلاق عدمه، و لا ملازمة من عقل أو نقل بين تحديد أصل الولاية بحد خاص و تحديد التصرف الصحيح الواقع فيها بذلك، بل مقتضى الأصل عدمها فما اختاره الشيخ (رحمه اللّه)، و تبعه سيد‌

50

البلوغ بحيث تكون إجارته أقل من تلك المدة خلاف مصلحته، تكون لازمة ليس له فسخها بعد بلوغه (43)، و كذا الكلام في إجارة أملاكه (44).

[ (مسألة 5): إذا آجرت امرأة نفسها للخدمة مدة معينة فتزوجت قبل انقضائها لم تبطل الإجارة]

(مسألة 5): إذا آجرت امرأة نفسها للخدمة مدة معينة فتزوجت قبل انقضائها لم تبطل الإجارة و إن كانت الخدمة منافية لاستمتاع الزوج (45).

[ (مسألة 6): إذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثمَّ أعتقه لا تبطل الإجارة]

(مسألة 6): إذا آجر عبده أو أمته للخدمة ثمَّ أعتقه لا تبطل الإجارة بالعتق (46)، و ليس له الرجوع على مولاه بعوض تلك الخدمة في بقية المدة،

____________

مشايخنا (1)، في المقام هو المتّبع مضافا إلى ظهور الاتفاق على الصحة.

(43) لإطلاق دليل ولايته حينئذ.

(44) الأمر فيها أسهل لإطلاق قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الشامل لهذه الصورة أيضا.

(45) لسلب المنفعة بوجه صحيح شرعي، فلا وجه لرجوعها بعد ذلك لفرض سلطنة المرأة على نفسها في مثل هذه الإجارة سلطنة مرسلة مطلقة، و قد جعلتها لغيرها و سلبيتها عن نفسها.

ثمَّ ان الظاهر اتحاد هذه المسألة مع ما تقدم في مسألة 31 من كتاب الحج، من انه إذا نذر الزيارة قبل الاستطاعة ثمَّ استطاع من حيث الكبرى، فما بالهم اختلفوا في تلك المسألة و اتفقوا في المقام؟!! و لعل وجه الوفاق في المقام صيرورة المنفعة متعلقة لحق الغير، فيرجع بالسبق الزماني حينئذ على حق الزوج، و كذا في (مسألة 6) من فصل الحج الواجب بالنذر فاختلفوا فيها أيضا دون المقام.

ثمَّ انه لو وقعت إجارة المرأة نفسها و تزويجها في آن واحد نظير ما مر في (مسألة 2) من هذا الفصل، فالظاهر اتحاد الحكم في المسألتين فراجع و تأمل.

(46) لما يأتي من قوله: «لأنه كان مالكا»، و للأصل و العموم و الإطلاق و ظهور الاتفاق و القول بالخلاف لبعض الشافعية لا لأحد من أصحابنا الذين‌

____________

(1) الفقيه آية اللّه العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدّس سره).

51

لأنه كان مالكا لمنافعه أبدا و قد استوفاها بالنسبة إلى تلك المدة، فدعوى أنه فوّت على العبد ما كان له حال حريته، كما ترى.

نعم، يبقى الكلام في نفقته في بقية المدة إن لم يكن شرط كونها على المستأجر و في المسألة وجوه:

أحدها: كونها على المولى (47)، لأنه حيث استوفى بالإجارة منافعه فكأنه باق على ملكه (48).

الثاني: أنه في كسبه إن أمكن له الاكتساب لنفسه في غير زمان الخدمة (49)، و إن لم يمكن فمن بيت المال (50)، و إن لم يكن فعلى المسلمين (51) كفاية.

____________

أطبقوا على بطلانها بالبيع.

(47) نسب ذلك إلى القواعد و لا دليل عليه بعد زوال الملكية و مقتضى أصالة البراءة عدم الوجوب.

(48) هذا التنظير عليل و لا أثر له بعد أصالة البراءة و انقطاع الملكية حقيقيا، و لا أظنه يلتزم به في مثله، و هو ما إذا أجر داره مدة ثمَّ باعها و احتاجت الدار إلى نفقة لإصلاحها.

نعم، لا يبعد أن يقال: ان هذا من شؤون التزام عقد الإجارة، فإن جهات حفظ العين و جعلها معرضا للاستفادة على المالك المجير.

(49) لا ينبغي أن يكون هذا مورد النزاع، و الظاهر كونه من المسلمات لديهم و خارجا عن مورد البحث، فلا وجه لعده قولا في مقابل ما يأتي من القول الخامس.

(50) إن انطبق عليه عنوان المصالح العامة بأن يكون ترك الإنفاق عليه مهانة لعامة المسلمين، أو يرى ولي بيت المسلمين مصلحة في ذلك.

(51) بلا إشكال فيه إن كان بقدر حفظ النفس و سد الرمق، و أما الزائد على‌

52

الثالث: أنه إن لم يكن اكتسابه في غير زمان الخدمة ففي كسبه و إن كان منافيا للخدمة (52).

الرابع: أنه من كسبه، و يتعلق مقدار ما يفوت منه من الخدمة بذمته (53).

الخامس: أنه من بيت المال من الأول (54)، و لا يبعد قوة الوجه الأول (55).

[ (مسألة 7): إذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيبا سابقا]

(مسألة 7): إذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيبا سابقا على العقد و كان جاهلا به، فإن كان مما تنقص به المنفعة فلا إشكال في ثبوت الخيار له بين الفسخ و الإبقاء (56)،

____________

ذلك فمقتضى الأصل و الإجماع عدم الوجوب، كما هو كذلك في الإنفاق الواجب عليهم كفاية بالنسبة إلى حفظ سائر النفوس المحترمة.

(52) من باب تقديم الأهم- و هو حفظ النفس- على المهم و هو خدمة المولى.

و دعوى: ان العرف يرى التصرف في المنفعة التي هي مال المولى مقدما على التصرف في سائر أمواله لحفظ النفس، و كذا إن احتمل تقديمه على التصرف في سائر الأموال، و أما مع التقديم العرفي و لا احتماله فلا وجه لتعين ذلك.

(53) لأنه من الجمع بين الحقين إن لم يكن طريق آخر في البين.

(54) إن انطبق عليه احدى مصارف بيت المال، و إلا فلا وجه له كما مر.

(55) تبين مما مر أن الوجه الثاني أوجه.

(56) للإجماع، و لأن عهدة العين من حيث السلامة المتوقف عليها تمام الانتفاع على المؤجر حدوثا و بقاء إلا مع شرط الخلاف، و هذه عهدة نوعية معتبرة في الإجارات مطلقا و الأدلة الشرعية منزّلة على ذلك فلا بد له من الخروج عن هذه العهدة، و مع عدمه فللمستأجر الخيار، لقاعدة: «نفي الضرر و الضرار»‌

53

و الظاهر عدم جواز مطالبته الأرش (57)، فله الفسخ أو الرضا بها مجانا.

نعم، لو كان العيب مثل خراب بعض بيوت الدار فالظاهر تقسيط الأجرة، لأنه يكون حينئذ من قبيل تبعض الصفقة (58)، و لو كان العيب مما لا تنقص معه المنفعة كما إذا تبين كون الدابة مقطوعة الإذن أو الذنب فربما يستشكل في ثبوت الخيار معه، لكن الأقوى ثبوته إذا كان مما يختلف به الرغبات و تتفاوت به الأجرة (59)، و كذا له الخيار إذا حدث فيها عيب

____________

التي هي من أهم القواعد النظامية المعتبرة.

(57) لظهور اتفاقهم عليه إلى زمان الشهيد (رحمه اللّه) فتردد فيه، و عن المحقق الثاني انه الأصح، و لقولهما وجه إن كان ثبوت الأرش في النقائص المعاوضية مطابقا للقاعدة، أو كان النقص في المقام مما تقسّط عليه الأجرة، و أما إن كان مخالفا للقاعدة و انما ثبت في البيع بالدليل الخاص به أو كان النقص مما لا تسقّط عليه الأجرة، فلا وجه له كما هو واضح، و يمكن حمل كلامهما على النقص الذي تقسط عليه الأجرة، فلا مخالف حينئذ في البين، و قد تعرضنا في كتاب البيع عند بيان خيار العيب بعض الكلام فراجع.

(58) لأن مدرك الخيار حينئذ القواعد العامة غير المختصة بمورد دون آخر كقاعدة نفي الضرر، و تخلف الشرط البنائي المعاملي و القرار المعاوضي فيصير أصل العقد مورد للخيار، كما في جميع موارد خيار تبعض الصفقة لا خصوص ما قسّطت عليه الأجرة في المقام.

(59) لأن اختلاف الأغراض المعاوضية التي تتفاوت بها الرغبات و الأعواض في جميع المعاوضات من أهم القواعد العامة فيها، فيكون منشأ الخيار غير مختص بمورد دون آخر، بل يجري في الجميع مع هذه الجهة.

و أما ما لا يوجب تفاوت الأعواض و الرغبات فلا منشأ للخيار حينئذ لا من ناحية حديث نفي الضرر و لا من جهة أخرى، فالمرجع أصالة اللزوم.

54

بعد العقد و قبل القبض (60)، بل بعد القبض أيضا و إن كان استوفى بعض المنفعة و مضى بعض المدة (61). هذا إذا كانت العين شخصية و أما إذا

____________

(60) لأن البناء المعاوضي النوعي و القرار المعاملي مطلقا وقع على تسليم الصحيح و تسلّمه، و يكون ذلك من الشروط البنائية و تخلفه يوجب الخيار في كل عقد معاوضي، و لا يختص بمورد خاص، فيكون ثبوت الخيار هنا أيضا موافقا للقواعد العامة.

(61) لأن البناء المعاملي و القرار المعاوضي وقع على الصحيح حتى تنقضي المدة، و لم يتحقق ذلك، فلا بد من التدارك بالخيار، مع أن المنفعة حيث انها متدرجة الوجود فبالنسبة إلى استيفاء المنافع المستقبلة يكون من العيب قبل القبض و يجري حكمه في المقام أيضا.

و أشكل عليه. أولا: بأنه مخالف لما عليه بناؤهم من عدم الخيار لو غصب العين غاصب بعد القبض.

و ثانيا: بأنه مخالف لما بنوا عليه من الانفساخ من حين التلف، لو تلف العين المستأجرة بعد القبض كما يأتي في الفصل الآتي.

و ثالثا: بأن تسليم المنافع المتدرجة الوجود انما يتحقق بتسليم العين، فلا وجه لتصوير التلف قبل القبض.

و الكل باطل. أما الأول: فلأنه لا منافاة بين المقام و بين ما بنوا عليه، لأن في مورد غصب العين وقع الظلم و الغصب على المستأجر خصوصا لو كان ذلك لمعاندة من الغاصب معه فقط، فلا وجه لخياره على المؤجر.

نعم، لو كان غصب الغاصب لمعاندة منه مع المؤجر كان للخيار وجه، و لم يعلم منهم القول بعدمه حينئذ راجع (مسألة 11) من الفصل التالي.

و أما الثاني: فلا وجه لمنافاته للمقام أيضا، لأن زوال موضوع الانتفاع مباين عرفا و حقيقة مع بقائه و حدوث عيب فيه.