دراساتنا من الفقه الجعفري - ج3

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
426 /
5

الجزء الثالث

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة على خير خلقه محمد و آله الطاهرين و بعد فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الموسوم ب‍ «دراساتنا» و هى أبحاث تلقيتها من محاضرات سماحة سيدنا الاستاذ المحقق الكبير و الفقيه البصير حاوى الفروع و الاصول جامع المعقول و المنقول حجة الإسلام و المسلمين آية اللّه العظمى «الحاج السيد تقى الطباطبائى القمى» أدام اللّه افاضاته العالية و قد جعل (دام ظله) عنوان البحث كتاب المكاسب تأليف فخر الشيعة و محى الشريعة مؤسس المبانى الاستنباطية شملته رحمة ربه البارى الشيخ مرتضى الانصارى (قدس سره).

و أسأل اللّه سبحانه و تعالى أن يوفقنى لنشر بقية مجلداته و ينفعنى بها يوم لا ينفع مال و لا بنون الا من أتى اللّه بقلب سليم.

6

المباحث المودعة في الكتاب

1- ولاية الاب و الجد في مال الطفل.

2- ولاية النّبيّ الاعظم (صلى اللّه عليه و آله) و الائمة (عليهم السّلام) التكوينية و التشريعية بأقسامها الثلاثة.

3- ولاية الفقيه.

4- ولاية عدول المؤمنين.

5- القول في شرائط العوضين و اشتراط كونهما مالا.

6- احياء الموات و بيان أقسام الارضين و احكامها.

7- كون العوضين طلقا و يتفرع عليه عدم جواز بيع الوقف.

8- ايجاب الرهن خروج الملك عن كونه طلقا.

9- اشتراط القدرة على التسليم في العوضين.

10- اشتراط العلم بقدر المثمن.

11- جواز التقدير بغير ما يتعارف به التقدير في صورة عدم الغرر.

12- تعيين المناط في المكيل و الموزون و تعيين ما اصطلح فيه مفهوم الكيل و الوزن.

7

13- جاز الاعتماد على اخبار البائع بمقدار المبيع.

14- وجوه بيع متساوى الاجزاء و أقسامه.

15- بيع صاع من صبرة.

16- كفاية مشاهدة العين في الزمان السابق على العقد عن الوصف ان لم يتغير عادة.

17- لزوم اختبار الطعم و اللون و الرائحة فيما تختلف باعتبارها القيمة.

18- جواز ابتياع ما يفسده الاختبار من دون اختبار.

19- جواز بيع المسك في الفأر.

20- عدم جواز بيع المجهول و ان ضم اليه معلوم.

21- الندار.

22- جواز بيع المظروف مع ظرفه الموزون معه.

23- التفقه في مسائل التجارات.

24- تلقى الركبان.

25- الاحتكار.

8

الكلام في ولاية الاب و الجد

هل يجوز تصرف الاب و الجد في مال الصبى؟

قوله (قدس سره): (يجوز للأب و الجد أن يتصرفا في مال الطفل بالبيع و الشراء) (1).

اقول: وقع الكلام عند الاعلام (رضوان اللّه عليهم) في جواز تصرف الاب و الجد في مال الصبى، فذهب الشيخ (قدس سره) الى جوازه مستدلا بالإجماع و الاخبار المستفيضة المصرح بعضها بالجواز، و هو اكثرها، و الدال بعضها الاخر عليه فحوى، و هى الروايات الواردة في باب النكاح الدالة على سلطنة الاب و الجد على بضع البنت، فدلالتها على جواز التصرف في الاموال فحوى.

و لكن لا يمكن المساعدة على ما استدل به (قدس سره)

(أما الاجماع)

المدعى في المقام، فيرد عليه ما نقحناه في محله من عدم قيام دليل على حجية المنقول منه، الا اذا حصل العلم باستناد المجمعين الى رأى المعصوم (عليه السّلام). و أنى لنا اثبات ذلك.

و على تقدير تسليم حجيته كبرويا، لا نسلم حجيته في المقام، لأنه من المحتمل القريب- ان لم يكن مقطوعا به- أن يكون مدرك المجمعين هى الروايات المستفيضة التى‌

____________

(1)- المكاسب ص 152- السطر (9) طبعة ايران.

9

ادعاها الشيخ (قدس سره) في المقام. و سنتعرض لها ان شاء اللّه تعالى.

و (أما الاخبار)

فهي أربع طوائف، الا أنها قابلة للمناقشة اما سندا، و اما دلالة، فلا يمكن التمسك بها لإثبات المدعى.

(أما الطائفة الاولى) فهي الروايات الواردة في باب جواز تقديم الاب جارية البنت و الابن و وطئها بالملك اذا لم يكن وطأها الابن.

(منها)- ما رواه محمد بن الحسن باسناده عن الحسن بن محبوب، قال:

«كتبت الى ابى الحسن الرضا (عليه السّلام) انى كنت و هبت لابنة لى جارية حيث زوجتها فلم تزل عندها و في بيت زوجها، حتى مات زوجها، فرجعت الى- هى و الجارية، أ فيحل لى أن أطأ الجارية؟ قال: قومها قيمة عادلة، و أشهد على ذلك، ثم ان شئت فطأها» (1).

و (منها) ما رواه أيضا محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد، عن فضالة عن أبان، عن اسحاق بن عمار، عن ابى عبد اللّه (عليه السّلام).

قال: «سألته عن الوالد يحل له من مال ولده اذا احتاج اليه؟ قال: نعم، و ان كان له جارية فأراد أن ينكحها قومها على نفسه و يعلن ذلك؟ قال: و ان كان للرجل جارية، فأبوه أملك بها أن يقع عليها ما لم يمسها الابن» (2).

تقريب الاستدلال بهاتين الروايتين أن المستفاد منهما جواز تصرف الاب في جارية الولد، بأن يقومها و يطأها، فتدلان على جواز تصرفه في أمواله بالاولوية.

و الانصاف عدم تمامية الاستدلال بهذه الطائفة، لأنها ناظرة الى جواز تصرفه‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (79) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1).

(2)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (79) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (2).

10

بمقدار حاجته، كما يظهر ذلك من بعض الروايات (1) الآتية التى سنذكرها ان شاء اللّه تعالى في مقام الجواب عن الطائفة الثانية، و عليه فالدليل أخص من المدعى، و لا يمكن الاستدلال بالاخص لإثبات الاعم. هذا أولا.

و (ثانيا)- ان الروايتين المذكورتين واردتان في باب تزويج الامة، و لا يجوز التعدى عنه الى غيره مع امكان خصوصية فيه، كما سنلتزم بذلك في مقام الجواب عن الاخبار الواردة في باب النكاح.

و (ثالثا) أن مفاد الروايتين أعم من المدعى، لدلالتها على ولاية الاب على الولد، و ان كان كبيرا، فكيف يمكن الالتزام به؟.

و (أما الطائفة الثانية) فهي الروايات الدالة على كون الولد و مملوكه ملكا للأب،

كقوله: (أنت و مالك لأبيك) و هذه الطائفة ذكرت في ابواب متعددة:

(منها) ما رواه محمد بن الحسن باسناده عن موسى بن القاسم، عن صفوان، عن سعيد بن يسار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الرجل يحج من مال ابنه و هو صغير؟ قال نعم، يحج منه حجة الإسلام.

قلت: و ينفق منه؟ قال: نعم، ثم قال: ان مال الولد لوالده، ان رجلا. اختصم هو و والده الى النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فقضى أن المال و الولد للوالد» (2)

و (منها) ما رواه محمد بن الحسن باسناده عن الحسن بن محبوب، عن العلاء ابن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه؟ قال: يأكل منه ما شاء من غير سرف، و قال. في كتاب على (عليه السّلام) ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا الا باذنه، و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، و له أن يقع‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (78) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (2).

(2)- وسائل الشيعة: الجزء (8) الباب (36) من أبواب وجوب الحج و شرائط الحديث (1).

11

على جارية ابنه اذا لم يكن الابن وقع عليها، و ذكر أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال لرجل أنت و مالك لأبيك» (1)

و (منها) أيضا ما رواه محمد بن الحسن باسناده عن ابى حمزة الثمالى.

عن أبى جعفر (عليه السّلام) «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال لرجل: أنت و مالك لأبيك ...» (2)

و (منها) ما رواه محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبى نصر عن أبى المغراء، عن عبيد بن زرارة، عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال: انى لذات يوم عند زياد بن عبد اللّه اذ جاء رجل يستعدى على أبيه، فقال: اصلح اللّه الأمير إن ابى زوج ابنتى بغير اذنى، فقال زياد لجلسائه الذين عنده:

ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟

فقالوا: نكاحه باطل، قال: ثم أقبل على، فقال: ما تقول يا أبا عبد اللّه فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه، فقلت لهم: أ ليس فيما تروون أنتم عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ان رجلا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)»: أنت و مالك لأبيك؟ قالوا: بلى ...» (3)

و يمكن أن يقرب الاستدلال بها، بوجهين:

(الاول)- أن يقال: ان مال الولد يكون مالا لأبيه بمقتضى هذه الطائفة من‌

____________

(1)- وسائل الشيعة. الجزء (12) الباب (78) من أبواب ما يكتسب به و شرائطه الحديث (1).

(2)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (78) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (2).

(3)- وسائل الشيعة: الجزء (14) الباب (11) من ابواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث (5).

12

الروايات، فاذا ثبتت الصغرى، اعنى كون مال الولد مالا لأبيه انطبق عليها الكبرى المسلمة، أعنى جواز تصرف الناس في أموالهم، فينتج ان الاب مسلط شرعا على أموال ولده، فيجوز له أن يتصرف فيها كيفما شاء، كجواز تصرفه في مال نفسه.

(الثانى)- أن الروايات الدالة على كون مال الولد مالا لأبيه حاكمة على أدلة المالكية، بمعنى جعل التوسعة في موضوع دليلها.

توضيحه: أن الدليل الحاكم. لا بد أن يكون ناظرا الى الدليل المحكوم، اما برفع موضوعه تعبدا، كحكومة قوله: (لا شك لكثير الشك) على قوله: (اذا شككت بين الثلاث و الاربع فابن على الاربع) و اما بتوسعة موضوعه كحكومة قوله: (الفقاع خمر استصغره الناس) على قوله: (الخمر حرام) فانه يجعل موضوع الخمر اوسع منه و من الفقاع، فيكون للخمر فردان، فرد حقيقى (أعنى به الخمر، و فرد ادعائى و هو الفقاع، و اما بتضييق موضوعه، كحكومة قوله: (لأرباب بين الوالد و ولده) على قوله: (حرم الربا) فانه يضيق موضوع حرمة الربا، فلا يشمل الربا الواقع بين الوالد و ولده.

اذا عرفت ذلك فنقول ان حكومة دليل جعل مال الولد لأبيه من قبيل القسم الثانى من الحكومة بمعنى جعل التوسعة في موضوع الدليل المحكوم، أعنى المالكية، فيكون للمالك فردان، فرد حقيقى أعنى الولد، و فرد ادعائى أعنى الوالد، فكما أن المالك الحقيقى- أعنى الولد- يجوز له التصرف في ملك نفسه، فكذلك المالك الادعائى- أعنى به الوالد- فان له أيضا أن يتصرف في مال ولده، و هو مالك لمال ولده بالتعبد الشرعى.

و لكنه لا يمكن الالتزام بمضمون هذه الطائفة من الروايات لا بالتقريب الاول و لا بالتقريب الثانى، (أما التقريب الاول) فيلزم منه جواز تصرف الوالد في مال ولده كيفما شاء، و هو ممنوع، لما عرفت سابقا من عدم جواز تصرفه في مال ولده الا بمقدار حاجته، كما يظهر ذلك من بعض الروايات و هو ما رواه ابو حمزة الثمالى،

13

عن أبى جعفر (عليه السّلام).

«ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال لرجل: أنت و مالك لأبيك، ثم قال ابو جعفر (عليه السّلام) ما أحب أن يأخذ من مال ابنه الا ما احتاج اليه مما لا بد منه ان اللّه لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ» (1).

و عليه- فالروايات- الدالة، على جواز تصرف الوالد في مال ولده كيفما شاء معارضة بالروايات الدالة على عدم جواز تصرفه في مال ولده الا بقدر احتياجه، و هى كثيرة.

(منها) رواية ابى حمزة الثمالى المذكورة آنفا (2).

و (منها)- ما رواه محمد بن الحسن باسناده عن الحسن بن محبوب، عن العلاء ابن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه؟ قال: يأكل منه ما شاء من غير سرف ...» (3).

و (منها)- ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمد، عن على بن الحكم، عن الحسين ابن أبى العلاء قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال: قوته بغير سرف اذا اضطر اليه ...) (4)

و (منها)- ما رواه محمد بن يعقوب، عن عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (78) من أبواب ما يكتسب به، الحديث (2).

(2)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (78) من أبواب ما يكتسب به، الحديث (2).

(3)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (78) من أبواب ما يكتسب به، الحديث (1).

(4)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (78) من أبواب ما يكتسب به، الحديث (8).

14

عن على بن اسباط، عن على بن جعفر، عن ابى ابراهيم (عليه السّلام) قال: «سألته عن الرجل يأكل من مال ولده؟ قال: لا الا أن يضطر اليه فيأكل منه بالمعروف و لا يصلح للولد أن يأخذ من مال والده شيئا الا باذن والده» (1) هذا أولا.

و (ثانيا)- أنه لو كان الوالد أيضا مالكا مستقلا في مال ولده، بحيث يجوز له التصرف المطلق فيه، لزم تعدد المالكين المستقلين في ملك واحد، و هو على تقدير عدم استحالته- غير معهود عند العرف و المتشرعة.

أضعف الى ما ذكرنا ما يوجب و هن الرواية، و هو دلالتها على كون الولد أيضا مملوكا لوالده، و هو باطل بضرورة الفقه، فان الحر لا يكون مملوكا شرعا و مما ذكرنا في التقريب الاول يظهر عدم تمامية التقريب الثانى أيضا، فانه لا يمكن الالتزام بكون الوالد مالكا للولد و لماله على الاطلاق، لاستلزامه جواز تصرفه في الولد و ما بيده كيفما أراد، كجواز تصرفه في العبد و ما بيده، و هو باطل قطعا.

أضف الى ذلك أن مورد الروايات أعم مما نحن فيه، لدلالتها على الولاية المطلقة للأب، و ان كان الولد كبيرا، و لم يلتزم به أحد، اذا يدور الامر بين طرح الروايات و بين حملها على الحكم الخلقى، و لا مجال لطرحها، مع كثرتها في الابواب المختلفة، فلا بد من الحمل على الحكم الاخلاقى.

(الطائفة الثالثة)- الروايات الواردة في باب النكاح الدالة على نفوذ ولاية الاب.

(منها)- ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن محمد بن اسماعيل بن بزيع، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن الصبية يزوجها أبوها، ثم يموت و هى صغيرة فتكبر قبل أن يدخل بها زوجها، يجوز عليها التزويج‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (78) من أبواب ما يكتسب به، الحديث (6).

15

أو الامر اليها؟ قال: يجوز عليها تزويج أبيها». (1).

و (منها)- ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمد، عن على بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن الفضل بن عبد الملك، عن ابى عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: اذا زوج الرجل ابنه فذاك الى ابنه، و اذا زوج الا بنته جاز» (2).

و (منها)- ما رواه محمد بن على بن الحسين باسناده عن العلاء، عن ابن أبى يعفور، عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لا تنكح ذوات الآباء من الابكار الا باذن آبائهن» (3).

فان هذه الروايات و ان وردت في باب النكاح، الا انها تدل على المقصود بالاولوية، توضيح الاستدلال- ان الزواج من الامور التى اهتم بها الشارع، فاذا اجاز تولية الاب في تزويج ابنه، او ابنته، و نفوذ أمره فيه، أجاز توليته في الاموال، بطريق أولى.

و الجواب عن ذلك- انا نسلم أن أمر الزواج أهم من الاموال عند الشارع، و لكن نحتمل أن من شدة اهتمامه به تساهل في جملة من مسائله، لتقليل الفحشاء و المنكر، كما أنه امضى نكاح غير المسلمين بقوله «لكل قوم نكاح» (4) لذلك‌

اذن- فالتسهيل ناشئ من شدة الاهتمام به و مثل هذا التسهيل يعطى‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: الجزء: (14) الباب (6) من أبواب عقد النكاح و اولياء العقد، الحديث (1).

(2)- وسائل الشيعة: الجزء: (14) الباب (6) من ابواب عقد النكاح و اولياء العقد الحديث (4).

(3)- وسائل الشيعة: الجزء: (14) الباب (6) من ابواب عقد النكاح و اولياء العقد الحديث (4، 5).

(4)- اصول الكافى: الجزء: (2) الصفحة (324).

16

خصوصية للمورد، و هذه الخصوصية تمنعنا من تعدية الحكم الى غيره من الموارد- و من الممكن القريب- أن يكون نفوذ أمر الاب في باب النكاح لأجل التسهيل، فعندئذ لا يمكن التعدى بما لا يعلم وجود هذه الخصوصية فيه، و الاهتمام به من قبل الشارع.

(الطائفة الرابعة) الاخبار الواردة، في باب الوصية،

الدالة على أن من اذن لوصيه في المضاربة بمال ولده الصغار من غير ضمان جاز له ذلك و لم يضمن.

(منها) ما رواه محمد بن يعقوب عن احمد بن محمد، عن على بن الحسن، عن الحسن بن على بن يونس «يوسف خ ل» عن مثنى بن الوليد، عن محمد بن مسلم عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) انه سئل رجل أوصى الى رجل بولده و بمال لهم و أذن له عند الوصية أن يعمل بالمال، و أن يكون الربح بينه و بينهم، فقال: لا بأس به من أجل أن أباه قد اذن له في ذلك و هو حى» (1).

و (منها) ما رواه محمد بن يعقوب، باسناده عن محمد بن أبى عمير، عن عبد الرحمن ابن الحجاج، عن خالد «ابن بكير خ» الطويل قال: دعانى أبى حين حضرته الوفاة فقال: يا بنى اقبض مال اخوتك الصغار و اعمل به، و خذ نصف الربح و اعطهم النصف و ليس عليك ضمان، فقدمتنى أم ولد أبى بعد وفاة أبى الى ابن أبى ليلى، فقالت ان هذا يأكل أموال ولدى، قال فاقتصصت عليه ما أمرنى به ابى، فقال لى ابن ابى ليلى ان كان أبوك أمرك بالباطل لم أجزه، ثم أشهد على ابن ابى ليلى ان أنا حركته فأنا له ضامن، فدخلت على أبى عبد اللّه (عليه السّلام) فقصصت عليه قصتى، ثم قلت له: ما ترى؟

فقال: أما قول ابن أبى ليلا فلا استطيع رده، و اما فيما بينك و بين اللّه عز و جل فليس‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: الجزء (13) الباب (92) من ابواب احكام الوصايا، الحديث (1).

17

عليك ضمان) (1)

أقول ان في هذا الباب روايتين، و هما رواية محمد بن مسلم، و رواية خالد ابن بكير، و لا يعتمد عليهما، لضعفهما بحسن بن على بن يوسف او يونس في الرواية الاولى و بخالد الطويل في الثانية، هذا كله من حيث السند، و أما من حيث الدلالة فالظاهر انهما تفيدان المقصود، و لا مجال لان يقال: ان المستفاد منهما أنه متصرف في مال نفسه لا في مال ولده، لعدم انتقال المال الى الوارث حين الوصية و مما يؤيد ذلك ورود الروايتين في باب نفوذ الوصية.

فانه يقال: (اولا) ان الوصية تكون لما بعد الموت و من الواضح ان المال ينتقل الى ورثته بموته فالتصرف في مال الولد و هو المدعى، و مجرد كون الروايات في باب نفوذ وصية الاب لا يدل على أن نفوذ امره يكون من باب الوصية و الا يلزم عدم نفوذ تصرفاته اذا كانت اكثر من ثلثه، كما هو كذلك في باب الوصية و هذا على خلاف مدلول الروايتين، فانهما تدلان على نفوذ أمره في مطلق الاموال.

و (ثانيا) لو أغمضنا عن الاشكال المذكور و قلنا بعدم انتقال الاموال الى الوارث فان تصرفه في مال ولده انما يكون تصرفا في مال نفسه اذا كان جميع أموال الولد من أبيه، و أما اذا كان له مال لم يرثه من ابيه، بل ورثه من امه مثلا، فلا يكون تصرف الاب فيه حين حياته تصرفا في مال نفسه، و المستفاد من الروايتين نفوذ امره في مال الولد مطلقا، سواء ورثه من ابيه او من غيره، فاذن لا وجه للمناقشة في الروايتين من جهة الدلالة كما لا يخفى.

و المتحصل من جميع ما ذكرنا أن الروايات المستفيضة التى ادعى الشيخ (قدس سره) دلالتها على جواز تصرف الاب في مال الطفل، لا يمكن المساعدة عليه‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: الجزء (13) الباب (92) من ابواب احكام الوصايا، الحديث (2).

18

لأنها مخدوشة اما سندا و اما دلالة.

و لكن الذى يسهل الخطب ان ولاية الاب و الجد في اموال الطفل من ضروريات الفقه، و من مرتكزات المتشرعة بما هم كذلك، و لا يعتريها الريب اصلا، و لذا ارسلها الفقهاء كصاحبى الجواهر و الحدائق و غيرهما ارسال المسلمات. «و قد وقع الكلام في شرائطها».

هل يشترط العدالة في نفوذ تصرف الجد، و الاب.

قوله: «و المشهور عدم اعتبار العدالة للأصل و الاطلاقات» (1).

أقول: بعد الفراغ عن ثبوت ولاية الاب، و الجد، في أموال الصبى،

يقع الكلام في شرائط جواز التصرف.

(الاول) العدالة،

و في اعتبارها وجهان، بل قولان‌

فما قيل أو يمكن أن يقال في وجه اشتراط العدالة امور.

(1) الاصل، عدم جعل الشارع للفاسق ولاية على غيره،

و ان شئت فقل:

الاصل، عدم حصول النقل، و الانتقال ببيع الفاسق.

(2) أن ولاية الفاسق على الطفل ولاية على من لا يقدر ان يدفع عن نفسه و يصرفه عن ماله،

فيستحيل على الشارع الحكيم ان يجعل الفاسق امينا تقبل اقراراته و يجيز تصرفه في مال الغير.

و يمكن الجواب عنه (اولا) بانه لا محذور في جعل الفاسق امينا على مال الغير،

____________

(1)- المكاسب، الصفحة (152) السطر (9) طبعة ايران.

19

اذ لا مانع من اجتماع الفسق مع الامانة، اذ بعض الفساق مع عدم تورعه عن ارتكاب اكبر المعاصى يتورع عن اكل مال الغير و لا سيما اموال الصغار و اليتامى.

و (ثانيا) أن القول بنفوذ ولاية الفاسق لا يستلزم جعل المال تحت يده بل يمكن أن يحفظ مال الصغير عند الامين، و الاب يتصرف فيه تصرفا اعتباريا و (عليه) فلا يترتب عليه مفسدة كى يستحيل على الحكيم تجويز تصرفاته.

و (ثالثا) ما أجابه الشيخ (قدس سره)- بتوضيح منا- بأنا لا نسلم استحالة جعل الشارع الفاسق امينا، لان الحاكم متى ظهر عنده اختلاف حال أب الطفل، بقرائن الحال، او بجعل المراقب عليه عزله و منعه عن التصرف في ماله فولايته ثابتة ما لم يظهر خلاف أمانته.

و ربما (يرد عليه)- بأن نفوذ ولاية الاب اذا كان فاسقا، اما ان يتوقف على جعل مراقب له، أولا يتوقف عليه، فعلى الاول، يكون جعل الولاية لغوا لعدم ترتب اثر عليه، لان النافذ في الحقيقة عند الشارع هو امر المراقب لا الولي و لذا يقدم قوله على قولى الولي اذا اختلفا، و على الثانى- يكون جعل المراقب لغوا أيضا، لعدم الحاجة اليه مع نفوذ ولاية الفاسق عليه.

و (الجواب عنه) بأنا نختار الشق الاول و نقول: أن نفوذ تصرفات الفاسق يتوقف على جعل المراقب عليه و لا تكون ولايته لغوا بجعل الناظر و المراقب، بل امره نافذ في امور الصبى، الا أنه يشترط في ذلك كونه تحت نظارة المراقب، و هذا الشرط لا يوجب لغوية المشروط، كما هو لا يخفى فمتولى المدرسة مثلا تصرفاته نافذة، مع رقابة الناظر و جعله ليس لغوا.

و الذى يقتضيه التحقيق أن يقال: ان قول الشيخ (قدس سره) «بان الحاكم اذا ظهر عنده اختلاف حال أب الطفل عزله و منعه عن التصرف» لا يرجع الى محصل، لان الفاسق اما أن تسقط قابليته للولاية على الصبى بمجرد ظهور الخيانة، و اما ان‌

20

لا تسقط فان قلنا: بالاول عزل قهرا و منع عن التصرف في اموال الصبى بمجرد ظهور الخيانة بلا حاجة الى عزل الحاكم.

و ان قلنا: بالثانى، فلا وجه لعزله بعد كونه منصوبا من قبل اللّه تعالى فلا ينعزل بعزل الحاكم حينئذ، نعم و له أن يمنعه من التصرفات غير المشروعة بجعل المراقب عليه فتلخص أن الوجه الذى أفاده الشيخ (قدس سره) لعدم اشتراط العدالة في الولي لا يساعده التحقيق.

(الثالث) أن القرآن الكريم ينص على عدم ائتمان الفاسق،

فتشترط العدالة في نفوذ ولاية الاب.

اقول: ان المستدل لم يبين مراده من النص، و يحتمل أن يكون مراده منه قوله تعالى: (وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) (1) بتقريب أن الفاسق ظالم و الحكم بنفوذ امره ركون اليه، و احترام له، و هو منهى عنه بالآية الكريمة.

و يرد عليه (اولا) ان الظاهر من لفظة (الظالم) في الاية الكريمة ولاة الجور كبنى أمية، و بنى العباس، و غيرهم، فلا يعم المقام، و ان شئت فقل: ان مطلق الفسق ليس بظلم، فلا يصدق الظالم على مطلق الفاسق،- اذن- فالاية الكريمة اجنبية عن المقام.

(ثانيا) لو كان مطلق الفاسق ظالما، و كان الحكم بنفوذ أمره ركونا اليه لكانت جملة من المعاملات باطلة، لوقوعها مع الفاسق غالبا، و لم يلتزم به احد.

ان قلت: لا نسلم التلازم بين عدم نفوذ امره و بين عدم صحة معاملاته، لان المعاملة مع الفاسق لا تكون ركونا اليه، بخلاف الحكم بنفوذ امره و تجويز تصرفاته، فانه ركون اليه، فيكون منهيا عنه بالآية الكريمة.

قلنا- ان الحكم بنفوذ أمره لا يستلزم تجويز تصرفاته بحيث تجعل الاموال‌

____________

(1)- سورة هود: الاية (113).

21

تحت يده، ليصدق عليه الركون، اذ يمكن أن يحكم بنفوذ أمره في التصرفات الاعتبارية، مع عدم جعل الاموال تحت يده، بل يحفظ عند الامين، فما لم تجعل الاموال تحت يده لم يركن اليه.

و (ثالثا) سلمنا أن جعل الولاية للفاسق ركون اليه، الا انه لا دليل على حرمة ركون الشارع اليه، فان المستفاد من الدليل حرمة ركون المكلفين الى الظالم، و اما ركون الشارع اليه فلم يقم دليل على عدمه.

و بعبارة اخرى- ان ترتب المفسدة الموجبة لحرمة الركون الى الظالم يتحقق بركون الامة الى الظالم، و اما ركون الشارع فمفسدته غير معلومة، و لم يقم عليها دليل عقلى و لا نقلى، و الذى يدل على ذلك ما يشاهد في موارد عديدة من امر الشارع بحجية قول الفساق كحجية قول ذي اليد و الوكيل و ان كانا فاسقين كما لا يخفى على المتتبع في ابواب الفقه.

هذا تمام الكلام فيما اذا كان مراد المستدل من النص آية الركون و يحتمل ان يكون مراده من النص آية التبيين اعنى قوله تعالى: (إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (1).

(تقريب الاستدلال)، ان الاية الكريمة تدل على عدم قبول قول الفاسق في اخباره، فلو اخبر عن التصرف الصحيح في مال الصبى لا يسمع قوله، و لا يعتمد عليه شرعا، فلا تكون تصرفاته نافذة.

و (الجواب) عنه نقضا، و حلا، أما النقض فبعدة من الموارد (منها) ذو اليد مثلا، فانه يسمع قوله، و تنفذ تصرفاته و ان كان فاسقا.

و اما الحل:

(اولا) فان عدم سماع قوله شرعا و عدم الاعتماد عليه لا يستلزم عدم نفوذ‌

____________

(1)- سورة الحجرات، الاية (7)

22

معاملاته، فان ضم احدهما الى الاخر كضم الحجر في جنب الانسان فان ما ثبت من الدليل عدم سماع قول الفاسق، و أما عدم نفوذ معاملاته فالاية الكريمة اجنبية عنه.

و اما (ثانيا) فبأنه لو سلمنا دلالة الاية الكريمة على عدم نفوذ امر الفاسق فانما نسلمه بالعنوان الاولى، فلا تنافى نفوذ امره بالعنوان الثانوى كعنوان ذي اليد، او عنوان المقر، او المتجر، او غيرها من العناوين الثانوية كما يستفاد ذلك من بعض الروايات. (1)

فخلاصة ما ذكرنا ان الوجوه التى ذكروها لاشتراط العدالة لا يمكن المساعدة عليها، نعم الظاهر ان أصالة عدم الجعل لا يدفعها شي‌ء كما هو لا يخفى للمتأمل‌

و يقع الكلام فيما استدلوا به على عدم اشتراط العدالة،

و هى أيضا امور.

الامر الاول (الاصل)

أى أصالة عدم ردع الشارع عن السيرة العقلائية القائمة بنفوذ أمر الاب، و الجد، مطلقا سواء كانا عادلين أم لا و الجواب عنه. (اولا) لا نسلم عدم ثبوت الردع من الشارع، فان السيرة المذكورة على تقدير قيامها مردوعة بعموم الاية، و الرواية.

اما الاية الكريمة فهي قوله تعالى: (وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ ...* (2)

فانها باطلاقها تشمل الاب و الجد أيضا، فتكون رادعة للسيرة القائمة على نفوذ امرهما.

و اما الرواية فهي ما رواه الحسين بن زيد، عن الصادق (عليه السّلام) عن آبائه عن‌

____________

(1)- المروية في وسائل الشيعة الجزء (12) الباب (75) من ابواب ما يكتسب به.

(2)- سورة البقرة: الاية 188.

23

النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في حديث المناهى قال: و نهى عن بيع ما ليس عندك (1) و الرواية بهذا المضمون كثيرة.

فان المستفاد منها عدم جواز بيع مال الغير، و ان كان البائع هو الاب و الجد، فتكون رادعة للسيرة المذكورة، هذا اولا.

و (ثانيا) لو اغمضنا عما ذكرناه و قلنا: بعدم ردع الشارع عن السيرة الا انه نقول:

ان مجرد عدم الردع لا يكفى في حجيتها، ما لم يحرز امضاؤه لها، و اصالة عدم ردع الشارع لا تثبت امضائه الا بالاصل المثبت.

(الامر الثانى) قيام الاجماع المحقق في باب النكاح على نفوذ امر الفاسق فيه

مع أنه من الامور التى اهتم بها الشارع، فيكون امره نافذا في غيره بطريق اولى و (الجواب عنه) اولا أنا قد ناقشنا مرارا في حجية الاجماع، و لا يحتاج الى الاعادة.

و (ثانيا) لو سلمنا حجية الاجماع، و أغمضنا عن نقاشها نقول: حيث ان الاجماع دليل لبى لا بد أن يقتصر على مورده، و لا يجوز التعدى الى غيره.

و أما الاولوية المدعاة، في المقام ممنوعة، لعدم تسليم الاولوية، فان الحكم بولاية الفاسق في باب النكاح يمكن أن يكون لمصلحة التسهيل فيه، فان شدة الاهتمام بامر النكاح يقتضى نصب ولى يباشره حيثما وجد الكفو لإمكان عدم وجدانه عند التأخير بخلاف الاموال، فيمكن اهمال الامر فيها و ايجاب حفظها- و عليه- فالاولوية تكون في طرف العكس.

الامر الثالث الاطلاقات الواردة في المقام،

كقوله: (أنت و مالك لأبيك) (2) فانها تقتضى أن مال الولد مملوك للأب سواء كان عادلا او فاسقا،

____________

(1)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (12) من ابواب عقد البيع و شروطه، الحديث (12).

(2)- وسائل الشيعة: الباب (11) من ابواب عقد النكاح و اولياء العقد، الحديث (5)

24

كما يستفاد ذلك من اطلاق كلمة الاب باجراء مقدمات الحكمة.

و الجواب عنه ما قد بيناه سابقا، من عدم امكان الاخذ بمضمونها للزوم المحاذير المتقدمة و الحق أن يقال كما قلنا سابقا انها روايات أخلاقية لا تتكفل أحكاما شرعية ليتمسك باطلاقها لعدم اشتراط العدالة.

فتحصل أن الوجوه التى ذكروها لعدم اشتراط العدالة أيضا لا يمكن المساعدة عليها فالتحقيق أن يقال: ان السيرة القطعية العقلائية، قامت من زماننا هذا متصلا الى عصر المعصوم (عليه السّلام) على نفوذ أمر الاب و الجد في أموال الصغار مطلقا سواء كانا عادلين أو فاسقين، فعدم ردع هذه السيرة بمسمع منه (عليه السّلام) و مرأى، و محلا لابتداء العموم كاشف عن امضائه (عليه السّلام) ذلك كما هو كذلك في سائر السير القطعية.

فتحصل عدم اشتراط العدالة في جواز تصرف الاب و الجد في أموال الصغار‌

(الثانى) من الشرائط التى ذكروها لجواز تصرف الاب و الجد عدم لزوم الضرر من تصرفهما على الصبى.

اقول: هل يجوز للأب و الجد أن يتصرفا في مال الصبى فيما اذا كان ذلك ضررا عليه و جهان بل قولان،

فما يمكن أن يقال: او قيل: في وجه جواز التصرف في صورة الضرر على الصبى امران.

الامر الاول أن الاصل عدم اشتراط جواز تصرفهما بشى‌ء،

و بعبارة واضحة الاصل، عدم تقيد جواز التصرف بقيد، فالنتيجة هو الاطلاق، سواء لزم منه الضرر أم لا.

و فيه- ان أصالة عدم القيد لا يثبت الاطلاق الا بالاصل المثبت، توضيحه أن الاطلاق و التقييد أمران متضادان في عالم الثبوت، فان التقييد يحتاج الى لحاظ القيد و الاطلاق يحتاج الى لحاظ عدمه اى يحتاج الى لحاظ الطبيعة المرسلة، و هذان اللحاظان أمران متغايران، فاثبات الاطلاق باصالة التقييد يكون من باب اثبات‌

25

أحد الضدين بجريان الاصل في الضد الاخر و هو غير صحيح الا بحجيّة الاصل المثبت، مضافا الى أنه معارض باصالة عدم الاطلاق المثبتة للتقييد.

الامر الثانى، اطلاقات الدالة على أن الولد و ماله لأبيه

كقوله (عليه السّلام): و أنت و مالك لأبيك (1) تقريب الاستدلال أن هذه الروايات تدل على جواز تصرف الاب في مال ولده سواء كان في تصرفه ضرر عليه أم لا.

و الجواب عنه (أولا) قد بينا سابقا أن الروايات المذكورة ناظرة الى جهة الاخلاقية، فلا يمكن استفادة الحكم الشرعى منها، لاستلزامه المحاذير المتقدمة فتكون الرواية اجنبية عن المقام.

و (ثانيا) انا لو أغمضنا عما ذكرنا من المحاذير و قلنا بدلالتها على جواز التصرف مطلقا سواء كان في ذلك ضرر على الصبى أم لا، نقول ان هذه الاطلاقات مقيدة بعدة من الروايات (2) الدالة على اشتراط جواز التصرف بعدم كونه ضررا على الصبى و اسرافا في ماله.

فتلخص أنه يشترط في جواز تصرف الاب و الجد عدم كونه ضررا عليه.

الثالث من الشرائط التى ذكروها لجواز تصرف الاب و الجد في مال الصبى مراعاة مصلحتهم في ذلك.

و ما يمكن أن يستدل به على عدم اشتراط المصلحة أمور.

(الاول) أن الاصل عدم اشتراطه بالمصلحة،

و فيه أن الاصل معارض بالاصل الجارى في خلافه أعنى اصالة عدم جواز التصرف في مال الغير، و انما خرج عنه ما اذا كان فيه مصلحة الصبى.

____________

(1)- وسائل الشيعة: الجزء (14) الباب (11) من أبواب عقد النكاح و اولياء العقد الحديث (5)

(2)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (76 و 78) من ابواب ما يكتسب به

26

(الثانى) اطلاقات الروايات الدالة على ولاية الجد في النكاح،

معللا بأن (البنت و أباها للجد) (1)

تقريب الاستدلال- أن الجد اذا كانت له ولاية على الصبى في أمر النكاح كما هو المستفاد، من الرواية المذكورة، فولايته في الاموال تثبت بالفحوى سواء كان ذلك لمصلحتهم أم لا، و كذا تدل على ذلك الروايات (2) الدالة على جواز تصرفه بغير سرف سواء كان ذلك من مصالحهم أم لا، و لكن الطائفتين اجنبيتان عن المقام.

أما الروايات الواردة في باب النكاح، فقد بينا سابقا اختصاصها بموردها، و لا وجه لتعديتها الى المقام، لمنع الاولوية المدعاة، كما عرفت سابقا و قلنا: أن الاولوية في طرف العكس.

و أما الروايات الواردة في غير باب النكاح، كرواية (3) حسين بن أبى علا فانها واردة في تصرفات الاب الراجعة الى نفسه و نفقته، و لا يجب عليه في صرفه مال الولد في حاجاته رعاية مصلحة الطفل، بل يمكن أن يقال: بأن اعاشة الوالد من مال الولد مصلحة له، لأنه يحفظ به عرضه و اعتباره كما هو ظاهر.

فتحصل: أن الوجوه التى ذكروها لعدم اشتراط المصلحة في جواز تصرف الاب و الجد لا يمكن المساعدة عليها هذا تمام الكلام في الادلة التى أقاموها لاشتراط مراعاة المصلحة.

و اما دليل اشتراط المصلحة

فهو اطلاق قوله تعالى: «وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ

____________

(1)- وسائل الشيعة. الجزء (14) الباب (11) ابواب عقد النكاح و اولياء العقد، الحديث (5)

(2)- وسائل الشيعة: الجزء (12) الباب (78) من أبواب ما يكتسب به

(3)- نفس المصدر.

27

إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (1)

وجه الدلالة- ان الاية تدل على عدم جواز التصرف في مال اليتيم الا أن يكون في ذلك مصلحة له، و هى باطلاقها تشمل الجد لصدق اليتيم على من مات أبوه و بقى جده، و يتم في الاب بعدم القول بالفصل، و يظهر من كلام الشيخ‌

حيث قال «فلو سلم دلالتها» (2)

المناقشة في دلالة الاية الكريمة، و لعل نظر الشيخ في وجه عدم دلالة الاية اما الى عدم صدق اليتيم على الطفل مع وجود الجد، و اما الى أن ما ليس فيه ضرر يصدق عليه الحسن اذ المراد بالاحسن ليس معنى تفضيليا بل المراد هو المعنى الوصفي، و عليه- فالاية الكريمة تدل على عدم جواز التصرف في مال اليتيم اذا كانت فيه مفسدة و على جوازه اذا لم يكن فيه ذلك و أما وجود المصلحة فيه فالاية أجنبية عنه، و بعد الاغماض عن هذا الايراد بقوله:

(فلو سلم دلالتها) اورد عليه (ثانيا) بأنه على تقدير تسليم دلالة الاية على اشتراط المصلحة في جواز التصرف تخصص بالروايات (3) الدالة على ولاية الجد بأن له أن يتصرف في مال الصبى بغير فساد سواء كانت فيه مصلحة أم لا.

(اقول): ان كان نظره (قده) في عدم دلالة الاية الى عدم صدق اليتيم عليه مع وجود الجد فهذا واضح الفساد، لوضوح صدق اليتيم على من مات أبوه و بقى جده و ان كان نظره في ذلك الى أن الاحسن في الاية بمعنى الحسن، ففيه:

(اولا) انه خلاف الظاهر لان ظاهر كل لفظ أن يستعمل في معناه الحقيقى، ما لم تقم قرينة صارفة على خلافه.

____________

(1)- سورة الانعام، الاية (152)

(2)- المكاسب الصفحة (152)- السطر 32

(3)- الوسائل: الجزء (12) الصفحة (195) و الجزء (14) الصفحة (218)

28

و (ثانيا) أنه على فرض تسليم كونه بمعنى الحسن أيضا يدل على المطلوب، لان الحسن لا يطلق على ما ليس فيه صلاح و لا فساد، بل يطلق على ما فيه حسن و مصلحة، فتدل الاية على أن جواز التصرف مشروط بأن تكون فيه المصلحة و هو المطلوب.

و (ثالثا) أنه لا وجه لتخصيص الاية بالروايات، و تقديمها عليها، لان النسبة بينهما اعم من وجه، فان الاية تدل على عدم جواز التصرف في مال اليتيم، سواء كان المتصرف أبا أو جدا أو غيرهما الا اذا كانت فيه مصلحة له، و الروايات تدل على جواز تصرف الاب و الجد فيه سواء كانت فيه مصلحة أم لا فمادة الاجتماع تصرف الاب و الجد اذا لم تكن في تصرفهما مصلحة للصبى، فمقتضى الاية لا يجوز تصرفهما و بمقتضى الروايات يجوز تصرفهما فيتعارضان فيتساقطان.

و (رابعا) انه لا يبعد طرح الروايات الواردة في المقام و لا يبقى مجال لملاحظة النسبة بينهما لكونها مخالفة للكتاب، فتشمله الروايات الآمرة بطرح ما خالف الكتاب و بعبارة أخرى لو قلنا بان الرواية المخالفة للآية بالعموم من وجه مخالفة للكتاب في نظر العرف فلا بد من طرحها.

مسألة- هل الجد يشارك الاب في الولاية عرضا مع وجود الاب؟

قوله: (ثم لا خلاف ظاهرا كما ادعى في أن الجد و ان علا يشارك الاب في الحكم) (1)

أقول: يمكن أن يستدل او استدل به على مشاركة الجد للأب أمران.

(الاول) قوله صلى الله عليه و آله: (أنت و مالك لأبيك)

(2) تقريب الاستدلال، ان الولد و ماله يكون لأبيه أعنى الجد، و هكذا القول في الاجداد العالية فيكون مال الولد مالا لجده أيضا بالتعبد الشرعى، و له أن يتصرف فيه لجواز تصرف الناس في أموالهم.

____________

(1)- المكاسب الصفحة (153) السطر (1) طبعة ايران

(2)- قد بينا انها وردت في ابواب مختلفة فراجع

29

و يرد عليه بأنا بينا عدم دلالة الرواية المذكورة على ولاية الاب فضلا عن ولاية الجد، و الدليل الذى أقمناه على ولاية الاب قيام السيرة المستمرة الى عصر المعصوم (عليه السّلام) الكاشف عن امضائه (عليه السّلام) هذه و أما الجد فلا دليل على ولايته لعدم قيام السيرة عليها و عدم وجود دليل غيرها في المقام و أما دعوى عدم القول بالفصل بينهما على فرض ثبوته لا يجدى في المقام، لعدم قيام دليل على اعتباره، فانه سكوت و ليس بدليل، نعم ان القول بعدم الفصل دليل على فرض حجية الاجماع الا أنه لم يثبت في المقام‌

(الثانى) الروايات الواردة في باب النكاح

كقوله (عليه السّلام): (ان البنت و أباها للجد) (1) تقريب الاستدلال- ان للجد ولاية على الصبى في باب النكاح بمقتضى الرواية، مع أنه من الامور التى اهتم الشارع بها فتثبت ولايته في غيره من الاموال بطريق أولى.

و فيه- انا نمنع الاولوية المدعاة في المقام بل الاولوية تكون في عكسه فان أشدية الاهتمام بأمر النكاح يقتضى التسهيل فيه بأن ينصب وليا يباشره حيثما وجد الكفو، اذ ربما لا يوجد الكفو بعد ذلك كما بينا سابقا.

مسألة- لو فقد الاب و بقى الجد فهل يشارك الجد الاعلى، الجد الادنى في الولاية أو يختص بها، قول بالشركة،

و قول بعدمها قال الشيخ (قدس سره) في المسألة قولان:

وجه القول بالشركة ظاهر قوله:

«ان الولد و والده لجده) (2)

و وجه القول بعدم الشركة، قوله تعالى: (وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ)* (3) حيث ان مقتضى‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، الجزء (14) الصفحة (218)

(2)- وسائل الشيعة، الجزء (14) الباب (11) من ابواب عقد النكاح و اولياء العقد.

(3)- سورة الانفال، الاية (75)

30

الاية الكريمة كون القريب أولى من البعيد و هو يستلزم نفى الولاية عن البعيد. (1)

و يرد عليه- ان الشيخ (ره) لم يجعل مشاركة الجد، و ان علا للأب محل الخلاف، بل حكم بها بالجزم و القطع، و لكنه جعل مشاركة الاجداد بعضها للبعض الاخر، في صورة فقدان الاب محل الخلاف، و قال فيه: قولان و لم يظهر لنا وجه الفرق بين المقامين، فان كانت ولاية البعيد مع وجود القريب محل الخلاف، فلا بد ان يقع الخلاف في كلا المقامين و ان لم يكن محل الخلاف، فلا بد أن يكون الحال كذلك في كلا المقامين، على أن الحكم بمشاركة الجدّ و إن علا للأب يقتضى مشاركة الاجداد بعضهم لبعض في حياة الاب، و من المعلوم أن موت الاب لا يؤثر في سقوط الولاية عن الجد الاعلى.

و الحاصل ان الفرق بين الموردين، بجعل المسألة الثانية محل الخلاف، دون المسألة الاولى بلا وجه، و أما الاستدلال بآية اولى الارحام فيشكل من جهات.

(الاولى) انه ذهب المفسرون، الى أن الاية الكريمة ناظرة الى الاقربية في باب الارث، و انه مع وجود القريب، لا تصل النوبة الى البعيد، فالاية الكريمة في مقام ردع ما كان جاريا في زمن الجاهلية حيث كانوا يرثون بالمعاقدة، فنهت عن ذلك، و دلت على أن تركة الميت تكون لأولي أرحامه و أما الارث بالمعاقدة، كما كان في زمن الجاهلية فمردود.

(الثانية) انه يمكن أن تكون الاية الكريمة على نحو القضية الخارجية، بمعنى أنه مع وجود الارحام لا تصل النوبة الى الاجنبى و بعبارة اخرى يمكن أن تكون الاية ناظرة الى أن الطبع الاولى يقتضى ذلك و ليست في مقام جعل الحكم شرعا.

(الثالثة) ان الاية الكريمة في مقام بيان الكبرى، و هى أن اولى الارحام‌

____________

(1)- المكاسب، الصفحة (153) السطر (2) الطبعة ايران

31

بعضهم اولى ببعض، و أما الصغرى هل هو الجد، او الاب، فلا دلالة للآية عليها فلا بد أن تعلم من الخارج.

و بعبارة أخرى ان القدر المستفاد من الاية الكريمة، ان الاولوية ثابتة لبعض الارحام بالنسبة الى البعض، و هذه كبرى كلية، لا بد من تشخيص مصداقها بدليل آخر.

و الحق أن يقال: ان مقتضى القاعدة عدم ولاية الجد الاعلى على الطفل مع وجود الجد الادنى كما بينا تفصيله في باب عدم ولاية الجد مع وجود الاب هذا تمام الكلام في ولاية الاب و الجد و شرائطها.

32

الكلام في ولاية النّبيّ (ص) و خلفائه

قوله (قدس سره): (من جملة أولياء التصرف في مال من لا يستقل بالتصرف في أمواله الحاكم (1).

أقول: و ينبغى لنا أن نبحث في مقامين.

المقام الاول- في ولاية النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و أوصيائه الكرام (عليه السّلام).

(المقام الثانى)- في ولاية الفقيه.

(أما المقام الأول) [في ولاية النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و أوصيائه الكرام (عليه السّلام)]

فنقول: و من اللّه التوفيق- ان الولاية على قسمين- الولاية التكوينية- و الولاية التشريعية.

أما الولاية التكوينية،

فينبغى أن يبحث عنها من جهات.

الجهة الاولى- تعريفها.

الجهة الثانية التكلم في امكانها ثبوتا.

الجهة الثالثة الاستدلال عليها اثباتا.

اما الولاية التشريعية- فلا بد أن يبحث عنها أيضا من جهات.

____________

(1)- المكاسب، الصفحة (153) السطر (5) طبعة ايران.

33

(الجهة الاولى)- تعريفها و بيان أقسامها.

(الجهة الثانية)- البحث في امكانها ثبوتا.

(الجهة الثالثة)- الاستدلال عليها اثباتا.

[الجهة الأولى] تعريف الولاية

(أما الجهة الأولى فهي تعريفها) انها مأخوذة من ولى يلى، كوقى يقى، و حقيقتها عبارة عن كون زمام أمر شي‌ء، او شخص بيد احد، و اسناد الولاية الى النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و الائمة (عليهم السّلام) انما هو بلحاظ هذا المعنى، فان زمام الامور كلها بيدهم، و بعبارة واضحة أن الولاية التكوينية، هى الحكومة على الكائنات و الموجودات بالتصرف فيها.

34

[الجهة الثانية] البحث في امكان الولاية ثبوتا و عدمه

الجهة الثانية فهي امكانها الثبوتى، بأن يقال: هل هى ممكنة لهم أم لا؟

فنقول: انه لا ريب و لا شبهة في أن ولايتهم، امر ممكن، في حد ذاتها لعدم لزوم محذور منها عقلا، و لا نقلا، و لا يمتنع أن يختار اللّه سبحانه و تعالى بعض أوليائه الكرام، بان يعطيهم منصب الولاية، و السلطة بأن تكون الموجودات تحت اطاعتهم و أن يتصرفوا في عالم الكون، و في اموال الناس و أنفسهم.

لا يقال: كيف يمكن الالتزام بثبوت الولاية التكوينية لهم، بأن يعتقد ان اختيارات الكون، انما هى بيدهم، و الحال أن ذلك يستلزم اما سلب الاختيار عنه سبحانه و تعالى، و اما الشرك به، لان الملتزم بثبوت ولايتهم على الكون، اما يلتزم بولاية اللّه أيضا أم لا يلتزم بها، بل يعتقد بان هذه الامور فوضت بيدهم، و أنها تحت اختيارهم فقط، فان اعتقد بالاول فهو شرك، و ان اعتقد بالثانى، فهو معنى خروج الاختيار عن يده سبحانه و تعالى.

لأنه يقال: ان القائل بالولاية- لا يعنى بها- الولاية المستقلة، الذاتية لهم، حتى يرد ما قيل، بل مراده منها، ان ولاية النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و الائمة (عليهم السّلام) انما تكون باذنه تعالى و ارادته، مضافة اليه (سبحانه و تعالى) اضافة اشراقية، و هى‌

35

كالصور التى تنطبع في الذهن الانسانى و تنمحى عنه بمجرد غفلة الانسان عنها، فلا يبقى له وجود أصلا، فالاضافة الاشراقية، أيضا كذلك، و بمجرد انقطاع اضافة الرب عن الممكنات لا يبقى لها وجود أصلا، فان وجود النّبيّ، و الائمة (صلوات اللّه عليهم) و ولايتهم باقية ببقاء هذه الاضافة، تابعة لها حدوثا و بقاء- و أنت ترى- أن الولاية بالمعنى الذى ذكرنا لا يستلزم سلب الاختيار (عنه سبحانه و تعالى) لكونها باختياره تعالى و ارادته، و كذا لا يستلزم الشرك، لعدم الالتزام بالولاية المستقلة لهم، في قبال ولاية اللّه.

و الحاصل- أن الولاية التكوينية، أمر ممكن ثبوتها، للنبى (صلى اللّه عليه و آله) و الائمة (عليهم السّلام) و لا بد من الالتزام بها، اذا يساعدها الدليل و كيف يمكن، أن ينكر هذا الامكان الثبوتى، و الحال انك ترى أن الولاية في الجملة ثابتة للإنسان، بل لمطلق الحيوان أيضا، فان اختيار بعض الاعضاء بيد الحيوان، و له الولاية على جملة من حركاته، و ذلك كالبصر و اليد، فله أن يتصرف فيهما حسب ارادته، فاذا ثبتت الولاية بمرتبتها الدنيا، لأخس الموجودات فكيف يمتنع ثبوتها بمرتبتها العليا، لأشرف الموجودات.

36

[الجهة الثالثة] ذكر الأدلة لإثبات الولاية التكوينية

اما الجهة الثالثة و هى مقام الاستدلال عليها اثباتا، فنقول، و اللّه نستعين و اياه نستمد التوفيق، ان الولاية ثابتة بالادلة الاربعة.

اما الكتاب

فبآيات (منها) قوله تعالى: «قٰالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقٰامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ» (1).

تقريب الاستدلال بها- أن الاية تدل على أن عفريتا من الجن له ولاية على الكون، و قادر على الاتيان بعرش بلقيس قبل قيام سليمان من مقامه، مع بعد المسافة بينهما، فإذا ثبتت الولاية للعفريت، كما هو المستفاد من الاية فتثبت الولاية المطلقة للنبى بطريق أولى، لكونه أفضل منه باعتراف الخصم كيف يقاس التراب على رب الارباب، و هو العلة الغائية للممكنات كما تدل على ذلك قوله تعالى: في حديث القدسى- لولاك لما خلقت الافلاك-.

و (منها) قوله تعالى: (قٰالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتٰابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (2)

____________

(1)- سورة النمل الاية (39)

(2)- سورة النمل الاية (40)

37

تقريب الاستدلال بها- ان كلمة من في الاية للتبعيض فتدل على أن الآتي بعرش بلقيس، أعنى به آصف بن برخيا كان عنده شي‌ء من علم الكتاب، نسبته الى المجموع نسبة قطرة من الماء في البحر الاخضر، و مع ذلك كانت له سلطة في عالم التكوين، و كان متمكنا بأن يأتى بعرش قبل أن يرتد طرف سليمان و اذا كان آصف مع قلة علمه قادرا على أن يتصرف في الكون و لو في الجملة، و كانت له ولاية تكوينية، كما هو مقتضى الاية، فتثبت ولاية النّبيّ و الائمة (صلوات اللّه عليهم) بالفحوى.

و بعبارة اخرى- اذا كان من عنده مقدار قطرة من الماء في البحر الاخضر قادرا على التصرف، في التكوينيات، فكيف ينكر ولاية من عنده مجموع البحر الاخضر، و عنده علم الكتاب كله. كما يدل على ذلك قوله تعالى: «كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ» بضوء الروايات الواردة في تفسيرها و هى- متظافرة.

(منها) ما رواه السدير قال كنت أنا و أبو بصير و يحيى البزاز و داود بن كثير في مجلس أبى عبد اللّه (عليه السّلام) اذ خرج إلينا و هو مغضب فلما أخذ مجلسه قال:

يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب الا اللّه عز و جل، لقد هممت بضرب جاريتى فلانة فهربت منى فما علمت في اى بيوت الدار هي قال سدير: فلما أن قام من مجلسه و صارفى منزله دخلت أنا و أبو بصير و ميسر و قلنا له: جعلنا فداك سمعناك و أنت تقول كذا و كذا في أمر جاريتك و نحن نعلم أنك تعلم علما كثيرا و لا ننسبك الى علم الغيب.

قال: فقال: يا سدير: أ لم تقرأ القرآن؟ قلت بلى، قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب اللّه عز و جل «قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» قال: قلت: جعلت فداك قد قرأته، قال: فهل عرفت الرجل؟ و هل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال: قلت: أخبرنى به؟

38

قال: قدر قطرة من الماء في البحر الاخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب؟

قال: قلت: جعلت فداك ما أقل هذا فقال: يا سدير: ما أكثر هذا أن ينسبه اللّه عز و جل الى العلم الذى أخبرك به يا سدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب اللّه عز و جل أيضا: «قل كفى باللّه شهيدا بينى و بينكم و من عنده علم الكتاب» قال: قلت:

قد قرأته جعلت فداك.

قال: أ فمن عنده علم الكتاب كله أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه؟ قلت:

لا، بل من عنده علم الكتاب كله. قال: فأومأ بيده الى صدره و قال: علم الكتاب و اللّه كله عندنا، علم الكتاب و اللّه كله عندنا. (1)

و (منها) ما ذكره على بن ابراهيم عن أبيه و محمد بن يحيى عن محمد بن الحسن ذكره جميعا عن ابن أبى عمير عن ابن أذينة عن بريد بن معاوية قال: قلت: لأبي جعفر (عليه السّلام) «قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ (2)».

قال ايانا عنى و على أولنا و أفضلنا و خيرنا بعد النّبيّ (3).

و (منها) ما عن محمد بن على عن أبيه عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن أبان الاحمر قال: قال الصادق (عليه السّلام) يا أبان كيف تنكر الناس قول أمير المؤمنين (عليه السّلام) لما قال: «لو شئت لرفعت رجلى هذه فضربت بها صدر ابن ابى سفيان بالشام، فنكسته عن سريره» و لا ينكرون تناول آصف وصى سليمان عرش بلقيس و اتيانه سليمان به قبل أن يرتد اليه طرفه أ ليس نبينا (صلى اللّه عليه و آله) أفضل الانبياء، و وصيه أفضل الاوصياء أ فلا جعلوه كوصى سليمان حكم اللّه بيننا و بين من جحد حقنا و أنكر فضلنا (4)

____________

(1)- اصول كافى الجلد (1) الصفحة (257)

(2)- سورة الرعد الاية (43)

(3)- اصول الكافى الصفحة (229)

(4)- بحار الأنوار الجزء (14) الصفحة (115) طبع جديد

39

منها ما رواه احمد بن محمد عن على بن الحكم عن محمد بن الفضيل عن سعد أبى عمرو و الجلاب عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام).

قال: ان اسم اللّه الاعظم على ثلاثة و سبعين حرفا كان آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف الارض ما بينه و بين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الارض كما كان أسرع من طرفة عين و عندنا نحن من الاسم اثنان و سبعون حرفا و حرف عند اللّه استأثر به في علم الغيب المكتوب عنده (1).

و (منها) ما نقل عن كتاب نوادر المعجزات باسناده الى الصدوق عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن ذكريا عن أبى المعافا عن وكيع عن زادان عن سلمان في ذيل رواية طويلة تركنا ذكرها روما للاختصار قال على (عليه السّلام): يا سلمان أيما أفضل محمد (صلى اللّه عليه و آله) أم سليمان ابن داود، قلت: بل محمد فقال: يا سلمان فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من اليمن الى بيت المقدس في طرفة عين و عنده علم من الكتاب و لا أفعل ذلك و عندى علم مأئة ألف كتاب ... (2)

و الروايات بهذا المضمون بلغت حد التواتر، و لا أقل من أن تكون متظافرة، و لذا لا يحتاج الى البحث عن سندها، مضافا بأن فيها ما يكون معتبرا، من حيث السند أيضا، كما هو غير خفى للمتتبع.

و (منها) قوله تعالى، نقلا عن عيسى (على نبينا و عليه الصلاة و السلام). (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتىٰ بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمٰا تَأْكُلُونَ وَ مٰا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ... (3)

____________

(1)- بحار الأنوار الجزء (14) الصفحة (114) طبع جديد

(2)- بحار الأنوار الجزء (14) الصفحة (84) طبع قديم

(3)- سورة آل عمران، الاية (49)

40

تقريب الاستدلال بها- ان الاية تدل على أن عيسى كان يبرئ الاكمه، و الا برص، و يحيى الموتى، و هذا هو معنى الولاية التكوينية، فاذا ثبتت ولاية عيسى بمقتضى الاية، تثبت ولاية النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و خلفائه (سلام اللّه عليهم) بطريق أولى، لكونهم أفضل منه عند اهل الصواب.

و (منها) قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (1)

تقريب الاستدلال بالآية، بوجهين.

(الاول) انه فسر في جملة من الروايات، لعلها تبلغ ستين رواية، تدل على أن المراد من الملك العظيم، هى الطاعة، و المراد من قوله تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ» الائمة الاطهار (ع)- فانهم محسودون- و مدرك هذه الروايات و مصادرها، كتاب بحار الأنوار الجزء (23) و اصول الكافى، الجزء (1) باب فرض طاعة الائمة و تفسير نور الثقلين، و نحن نذكر بعض الروايات من باب التيمن، و التبرك، من أراد أن يطلع عليها تفصيلا فليرجع الى المصادر المذكورة.

(منها) ما ذكره الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الوشاء عن حماد بن عثمان عن أبى الصباح قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول اللّه عز و جل: «أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ» فقال: يا أبا الصباح نحن و اللّه الناس المحسودون (2)

و (منها) ما ذكره محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبى، عن محمد الاحول، عن حمران بن أعين قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) قول اللّه عز و جل: «فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ»؟ فقال النبوة، قلت «الحكمة»؟ قال: الفهم و القضاء، قلت «و آتيناهم ملكا عظيما»؟

____________

(1)- سورة النساء الاية (54)

(2)- اصول الكافى الجزء (1) الصفحة (206) الحديث (3)

41

فقال: الطاعة (1).

و الحاصل أن المستفاد من الاية، بضوء هاتين الروايتين أن اطاعة النّبيّ و الائمة واجبة، و مقتضى الاطلاق أن تكون الاطاعة مفروضة على جميع الموجودات بلا تقييد، و من الواضح أنه لا معنى للولاية التكوينية الا هذا.

(الثانى) أن سليمان بن داود، دعا اللّه سبحانه و تعالى، أن يعطيه ملكا، لا ينبغى لأحد بعده، فاستجاب دعاه، و أعطاه الملك و السلطة على عالم الكون، كما هو صريح عدة من الآيات.

و مع ذلك لم يتصفه القرآن بالعظمة، و لكنه وصف الملك الذى أعطاه لآل ابراهيم بالعظمة بقوله تعالى: «فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ، وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» (2)

و اذا كان ملك سليمان مع عدم اتصافه، بالعظمة في القرآن يقتضى تصرفه في الكون، فالملك المعطى لآل ابراهيم يقتضى ذلك بطريق أولى.

الا أن التأمل، في بعض الروايات الواردة، في المقام يعطى أن المقصود بالملك العظيم، اطاعة أوامرهم كما نقل ذلك في تفسير البرهان، بسند معتبر عن أبى جعفر (عليه السّلام) في ذيل الاية الشريفة، في جواب السائل، حيث سأله ما المراد من الملك العظيم،

قال (عليه السّلام): ان المراد من الملك العظيم، أن جعل فيهم أئمة من اطاعهم اطاع اللّه و من عصاهم عصى اللّه فهو الملك العظيم. (3)

و (منها) قوله تعالى «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبٰالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتىٰ ..» (4).

____________

(1)- اصول الكافى الجزء (1) الصفحة (206) الحديث (3)

(2)- سورة النساء الاية (54)

(3)- تفسير البرهان، الجزء (1) الصفحة (377).

(4)- سورة الرعد الاية (31).

42

و يمكن أن يقرب الاستدلال بالآية، بتقريبين.

(الاول) انه يظهر من شأن نزول الاية، كما في مجمع البيان و غيره، أن مشركى مكة، منهم أبو جهل بن هشام، و عبد اللّه بن امية المخزومى جلسوا خلف الكعبة، ثم أرسلوا الى النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فأتاهم فقال له عبد اللّه بن أمية، ان سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تنفسح، فانها ارض ضيقة، و اجعل لنا فيها عيونا، و أنهارا، حتى نغرس و نزرع فلست كما زعمت أهون على ربك من داود (عليه السّلام) حيث سخر لنا الريح، فنركبها الى الشام، فنقضى عليها حوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد كان سليمان سخرت له الريح.

فكما زعمت لنا، فلست على ربك من سليمان، و احى لنا جدك قصيا أو من شئت من موتانا، لنسأله أحق ما تقول أم باطل، فإن عيسى (على نبينا و (عليه السّلام) كان يحيى الموتى.

و لست بأهون على اللّه منه، فأنزل اللّه سبحانه و تعالى، هذه الاية، و النّبيّ أيضا صدقهم في ذلك و لم ينكر وقوع هذه التصرفات، عن الانبياء المذكورة، فوقوع هذه الكرامات و المعاجيز عنهم أمر لا ينكر.

فاذا ثبت هذا المنصب العظيم لانبياء السالفين، يثبت للرسول الاعظم بطريق اولى.

لكونه أفضل منه باعتراف الخصم.

(الثانى) انه يستفاد من بعض الروايات على أن المراد من (القرآن الذى سيرت به الجبال ...) هم الائمة (عليه السّلام) كما تدل على ذلك، ما رواه محمد بن يحيى، عن أحمد بن أبى زاهر أو غيره، عن محمد بن حماد. عن اخيه أحمد بن حماد، عن ابراهيم عن ابيه عن أبى الحسن الاول (عليه السّلام) قال: قالت له: جعلت فداك أخبرنى عن النّبيّ (صلى اللّه عليه و آله) ورث النبيين كلهم؟

قال: نعم، قلت من لدن آدم حتى انتهى الى نفسه؟ قال: ما بعث اللّه نبيا الا و محمد (صلى اللّه عليه و آله) أعلم منه، قال قلت: ان عيسى بن مريم كان يحيى الموتى‌

43

بأذن اللّه، قال صدفت و سليمان بن داود كان يفهم منطق الطير و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقدر على هذه المنازل.

قال: فقال ان سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده و شك في امره «فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين» حين فقده.

فغضب عليه فقال: «لأعذّبنّه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين».

و انما غضب لأنه كان يدله على الماء، فهذا- و هو طائر- قد أعطى ما لم يعط سليمان و قد كانت الريح و النمل و الانس و الجن و الشياطين و المردة له طائعين، و لم يكن يعرف الماء تحت الهواء، و كان الطير يعرفه و ان اللّه يقول في كتابه:

«و لو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى» و قد ورثنا نحن هذا القرآن الذى فيه تسير به الجبال و تقطع به البلدان و يحيى به الموتى .. (1)

و أيضا روى بطريق العامة عن على (عليه السّلام) انه قال: (نحن وارث القرآن الذى به تسير الجبال ...) (2)

و يجب أن لا يخفى عليك ان التقريب الثانى أقرب الى المقصود و أوفى بافادة المدعى عن التقريب الاول، الا أنه يمكن الاشكال من جهة عدم تمامية سند الروايات فلاحظ.

و (منها) قوله تعالى: (فَسَخَّرْنٰا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ) (3)

تقريب الاستدلال بها- ان المستفاد من الاية، كون الريح مسخرا بأمر سليمان، فانه كان له ولاية عليها و على غيرها، من الموجودات، كما تدل عليها عدة‌

____________

(1)- اصول الكافى، الجزء (1) الصفحة (226) و هذه الرواية نقلت أيضا في بصائر الدرجات.

(2)- ملحقات احقاق الحق الجزء (7) الصفحة (592).

(3)- سورة ص الاية (35)

44

من الآيات، فاذا ثبتت ولاية سليمان و جواز تصرفه في الكون، ثبتت ولاية نبينا بطريق أولى لكونه أفضل منه باعتراف الخصم.

و منها قوله: تعالى: عُلِّمْنٰا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينٰا مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ» (1).

تقريب الاستدلال بها، ان سليمان، كان عالما بمنطق الطير، و يتكلم معه و اوتى به كل شي‌ء، فمقتضى اطلاقه، يشمل الولاية التكوينية أيضا.

فانها أيضا أوتي به، فاذا ثبت ايتاء الولاية لسليمان بالآية تثبت ولاية النّبيّ و أوصيائه، بالفحوى.

مضافا بأن في المقام، رواية عن أبى الحسن موسى حيث قال (ع) أوتينا ما أوتي سليمان و ما لم يؤت أحدا من الانبياء (2) و هذه الرواية، و ان كانت ضعيفة السند، الا أنها مؤيدة للمقصود بلا كلام.

و منها قوله تعالى: «كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ» (3) بتقريب انه وردت في بعض الروايات (4) ان المراد من قوله: «إِمٰامٍ مُبِينٍ» هو الرسول الاعظم (ص) و على (ع) فتدل الاية، على ان كل شي‌ء اوتى بالنبى و الائمة حتى الولاية التكوينية، كما هو مقتضى الاطلاق، فهذه عدة من الآيات التى تدل، على ثبوت الولاية المطلقة، للنبى و أوصيائه الكرام، و ان أمكن الاستدلال على المدعى، بعدة من الآيات أيضا، الا أنه خارج عن عهدة كتابنا هذا اذا الكتاب فقهى، لا كلامى‌

و أما الروايات فهي على طائفتين.

(الطائفة الاولى) ما دلت على أن النّبيّ و الائمة كان في وسعهم، التصرف في‌

____________

(1)- سورة النمل: 16

(2)- تفسير نور الثقلين جلد 4 ص 459

(3)- سورة يس: 12

(4)- تفسير نور الثقلين، الجزء (4) الصفحة (379)

45

في الكون و نواميس الطبيعة.

(الطائفة الثانية)، ما دلت على وقوع ذلك التصرف منهم.

أما (الطائفة الاولى) [ما دلت على أن النّبيّ و الائمة كان في وسعهم، التصرف في في الكون و نواميس الطبيعة.]

فهي فوق حد التواتر، و لذا لا يحتاج الى البحث في سندها، مع أن ملاحظة بعضها يوجب الوثوق بصدورها، مضافا الى ذلك أن فيها ما تكون معتبرة من حيث السند أيضا، و ذكر جميع الروايات الواردة في الباب خارج عن موضوع كتابنا، و لا احتياج الى ذكر الجميع فنذكر جملة منها من باب التيمن و التبرك.

(منها) ما عن الصادق (ع) سبحان الذى سخر للإمام كل شي‌ء و جعل له مقاليد السماوات، و الارض لينوب عن اللّه في خلقه (1) تقريب الاستدلال بها- انه يستفاد من الرواية، كون كل شي‌ء، مسخرا للإمام، حتى مقاليد السماوات، و الارض بيده، و اختياره، لينوب عن اللّه في مخلوقاته، بان يكون امره نافذا فيها، و ليست الولاية المبحوث عنها الا هذا.

و منها ما عنهم (ع) حينما نزل جبرئيل على النّبيّ في انشقاق القمر، و قال يا رسول اللّه ان اللّه يقرئك السلام، و يقول: لك انى قد امرت كل شي‌ء بطاعتك. (2)

تقريب الاستدلال بها، ان كل ما في الوجود مأمور بطاعة اوامر النّبيّ (ص) كما يستفاد ذلك من قوله تعالى: «قد امرت كل شي‌ء بطاعتك» و لا نعنى من الولاية إلا هذا.

و منها ما رواه محمد بن يحيى العطار عن احمد بن ابى زاهر عن الحسن بن موسى عن على بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير قال: سمعت ابا عبد اللّه (ع) يقول: نحن‌

____________

(1)- مدينة المعاجز الصفحة (412)

(2)- تفسير القمى في ذيل تفسير آية شق القمر.

46

ولاة امر اللّه و خزنة علم اللّه و عيبة و حى اللّه (1) فدلالتها على المدعى اوضح من أن يخفى.

و منها ما رواه على بن محمد عن سهل بن زياد عن موسى بن القاسم بن معاوية و محمد بن يحيى عن العمر كى بن على جميعا عن على بن جعفر عن ابى الحسن موسى قال: قال ابو عبد اللّه ان اللّه عز و جل خلقنا فأحسن خلقنا و صورنا فأحسن صورنا و جعلنا خزانه في سمائه و ارضه و لنا نطقت الشجرة (2)

بتقريب انه يستفاد من الرواية، أن الشجرة، نطقت مع الائمة (ع) و ليس هذا، الا من باب الولاية على الكون مضافا الى ذلك يفهم المقصود أيضا من قوله (ع):

و جعلنا خزانه في سمائه و ارضه فتدبر ...

و (منها) ما عن الباقر (عليه السّلام) و فوض إلينا، امور عباده، فنحن نفعل باذنه ما نشاء، و نحن اذا شئنا شاء اللّه، و اذا أردنا اراد اللّه ... (3)

و (منها) باب أنهم الحجة على جميع العلائم، و جميع مخلوقات، في ضمن قصة على و سليمان. (4)

و (منها) ما عن على ان اسم اللّه أعظم على اثنين و سبعين حرفا، و كان عند آصف ابن برخيا، حرف واحد، فتكلم به فخسف اللّه عز و جل الارض ما بينه و بين عرش بلقيس الى أن قال و عندنا و اللّه اثنان و سبعون حرفا. (5)

____________

(1)- اصول الكافى المجلد 1 ص 275.

(2)- اصول الكافى المجلد 1 ص 273.

(3)- بحار الأنوار الجزء (7) الصفحة (288) طبع قديم

(4)- بحار الأنوار الجزء (7) الصفحة (366) طبع قديم

(5)- نفس المصدر

47

و (منها) ما ذكر في باب انهم يقدرون على احياء الموتى، و ابراء الاكمه و الابرص. (1)

و (منها) ما ذكر في باب انهم (عليه السّلام) سخر لهم السحاب، و يسر لهم الاسباب (2).

و (منها) ما ذكر في قصة سليمان و (منها) ما عن على (ع) و اللّه لو شئت لمددت، يدى هذه القصيرة، في أرضكم هذه الطويلة، و ضربت بها صدر معاوية بالشام (3)

و في هذه الابواب المذكورة، روايات متظافرة بل بلغت فوق حد التواتر دالة على ولايتهم (صلوات اللّه عليهم) و أعرضنا عن ذكره روما للاختصار، هذا تمام الكلام في الطائفة الاولى من الروايات.

الطائفة الثانية- و هى ما تدل على وقوع التصرف، منهم (عليه السّلام).

و هى أيضا، بلغت في الكثرة، فوق حد التواتر، كما هو ظاهر لمن تتبع الروايات الدالة على المعجزات الصادرة عنهم (ع) و لذا لا يحتاج الى البحث في سندها و نحن نذكر بعضها تيمنا، ان شئت التفصيل راجع الى الكتب، المفصلة، المدونة لذلك.

منها- ما حدث ابو الحسين احمد بن الحسين العطار قال: حدثنى ابو جعفر محمد بن يعقوب الكلينى صاحب كتاب الكافى قال: حدثنى على بن ابراهيم بن هاشم عن الحسين بن محبوب عن الحسن بن رزين القلاء عن الفضل بن يسار عن الباقر عن ابيه عن جده الحسين بن على (ع) قال لما رجع أمير المؤمنين (ع) من قتال اهل‌

____________

(1)- بحار الأنوار الجزء (7) الصفحة (364)

(2)- بحار الأنوار الجزء (7) الصفحة (360)

(3)- بحار الأنوار الجزء (14) من الصفحة (79) الى صفحة (84)

48

النهروان أخذ على النهروانات و اعمال العراق و لم يكن يومئذ قد بنيت بغداد فلما وافى ناحية براثا صلى بالناس الظهر و رحلوا و دخلوا في أرض بابل و قد وجبت صلاة العصر فصاح المسلمون يا امير المؤمنين هذا وقت العصر قد دخل.

فقال: امير المؤمنين (ع) هذه ارض مخسوف بها و قد خسف اللّه بها ثلاثا و عليه تمام الرابعة و لا تحل لوصى ان يصلى فيها و من اراد منكم ان يصلى فليصل فقال المنافقون نعم هو لا يصلى و يقتل من يصلى يعنون اهل النهروان، قال جويرية بن مسهر العبدى فتبعته في مائة فارس و قلت و اللّه لا اصلى او يصلى هو، و لأقلدنه صلاتي اليوم قال: و سار امير المؤمنين (عليه السّلام) الى قطع ارض بابل و تدلت الشمس- للغروب ثم غابت و احمر الافق قال: فالتفت الى امير المؤمنين (عليه السّلام) و قال: يا جويرية هادت الماء قال فقدمت اليه الاداوة فتوضأ ثم قال أذن يا جويرية فقلت في نفسى اذن العصر و قد غربت الشمس و لكن على الطاعة فاذنت فقال اقم ففعلت و اذا انا في الاقامة اذ تحركت شفتاه بكلام كأنه منطق الخطاطيف لم افهم ما هو فرجعت الشمس بصرير عظيم حتى وقفت في مركزها من العصر فقام (عليه السّلام) و كبر و صلى و صلينا ورائه ... الخ (1).

منها- ما يرفعه الى عمار بن ياسر قال: كنت عند أمير المؤمنين (عليه السّلام) و قد خرج من الكوفه اذ عبر بالضيعة التى يقال لها البجلة على فرسخين من الكوفه فخرج منها خمسون رجلا من اليهود، و قالوا: انت على بن ابى طالب الامام؟

فقال: انا ذا، فقالوا. لنا صخرة مذكورة في كتبنا عليها اسم ستة من الانبياء و ها نحن نطلب الصخرة، فلا نجدها فان كنت اماما فلو جدنا الصخرة، فقال (عليه السّلام) اتبعونى قال عمار: فسار القوم خلف امير المؤمنين الى ان استطبن بهم البر و اذا بجبل من رمل عظيم فقال (عليه السّلام) أيتها الريح انسفي الرمل عن الصخرة فما كان إلا ساعة نسفت‌

____________

(1)- كتاب عيون المعجزات ص 8

49

الرمل، و ظهرت الصخرة (1)

و (منها) ما ذكر في باب المحشر، عن عمرو بن مرة، قال بينا عند امير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السّلام)، اذا تحركت الارض، فجعل يضربها بيده، ثم قال مالك فلم تجبه، ثم قال مالك فلم تجبه، ثم قال أما و اللّه لو كان هيه لحدثتنى، و انى لأنا الذى تحدث الارض أخبارها أو رجل منى. و رواه الصدوق في العلل بإسناد آخر. ثم ضرب الارض بيده، ثم قال اسكنى فسكنت (2).

و (منها) ما روى في باب سائر ما جرى بينه (عليه السّلام) و بين المعاوية، حيث نزل الحسن (عليه السّلام) عن المنبر بعد خطابته، و حضر المحفل رجل من بنى أمية، و كان شابا فاغلظ للحسن (عليه السّلام) كلامه، و تجاوز الحد في السب و الشتم له، ولاية، فقال الحسن (عليه السّلام): اللهم غير ما به من النعمة، و اجعله انثى ليعبر به، فنظر الاموى في نفسه، و قد صار امرأة قد بدل اللّه له فرجه بفرج النساء و سقطت لحيته، فقال الحسن (عليه السّلام) اعزلى ما لك و محفل الرجال فانك امرأة، ثم شاع أمر الشاب الاموى و أتت زوجته الى الحسن (عليه السّلام)، فجعلت تبكى و تتضرع، فرقى له و دعا فجعله اللّه كما كان (3).

و (منها) ما في حديث الطرماح بن عدى و صعصعة بن صوحان، ان امير المؤمنين (عليه السّلام)، اختصم عليه خصمان، فحكم لأحدهما على الاخر، فقال المحكوم عليه ما حكمت بالسوية، و لا عدلت في الرعية، و لا قضيتك عند اللّه بالمرضية فقال امير المؤمنين (عليه السّلام) اخسأ يا كلب، فجعل في الحال يعوى (4)

____________

(1)- عيون المعزات، الصفحة (31)

(2)- بحار الأنوار الجزء (7) الصفحة (112)

(3)- بحار الأنوار الجزء (44) الصفحة (98) طبع جديد

(4)- بحار الأنوار الجزء (41) الصفحة (208) طبع جديد

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

52

(347) الى (362)

و معجزاته في اطاعة الارضيات من الجمادات و النباتات و تكلمها معه في الجزء (18) الباب (3) من صحيفة (363) الى (390)

و (منها) ما ظهر من اعجازه في الحيوانات بأنواعها و اخبارها بحقيته و فيه كلام الشاة المسمومة، في الجزء (17) من البحار، من صفحة (390) الى صفحة (421) الطبع الجديد.

و (منها) ما ذكر في باب ما يعاين المؤمن و الكافر عند الموت و حضور الائمة (عليهم السّلام) عند ذلك و عند الدفن، و عرض الاعمال عليهم في الجزء (6) من البحار، الصفحة (195) الطبع الجديد.

و (منها) ما ذكر في باب دلالة الامامة، و ما يفرق به بين دعوى المحق و المبطل و فيه قصة حبابة الوالبية، و بعض الغرائب، في الجزء (25) من البحار، الصفحة (176) الطبع الجديد.

و (منها) ما ذكر في دعواته و معرفته بجميع اللغات في الجزء (11) من البحار، الطبع الكمپانى الصفحة (122) الى صفحة (150) و كذا في صفحة (238) و (15) و 35.

و (منها) ما ذكر في باب معجزات امام التاسع (عليه السّلام) نقلا عن بصائر الدرجات في الجزء (12) من البحار، الصفحة (107) و كذا في الجزء (16) الصفحة 43 ما يدل على معجزاته (عليه السّلام).

و (منها) ما ظهر من معجزاته (عليه السّلام) في الجمادات و النباتات في الجزء (41) الصفحة (248) الطبع الجديد.

و (منها) ما ذكر في تفضيلهم على الانبياء، و على جميع الخلق، في الجزء (26) من البحار الصفحة (26) و (267) و غير ذلك من الروايات الواردة في المقام التى بلغت فوق حد التواتر بحيث لا يبقى ريب في ثبوت الولاية للنبى و الأئمة (صلوات اللّه عليهم) لمن كان عنده أدنى التأمل و الانصاف.

53

تنبيه و تحقيق

اذا ثبتت الولاية التكوينية، للنبى و الائمة، بالآيات و الروايات هل الولاية التشريعية، أيضا تثبت بنفس هذه الادلة، بحيث لا يحتاج الى اقامة دليل مستقل عليها، أم لا يثبت بذلك، بل لا بد من اقامة الدليل عليه؟ ..

أفاد المحقق الاصبهانى في حاشيته، أن الاستدلال بما دل على ثبوت الولاية التكوينية، لا تثبت الولاية التشريعية، بل لا بد من اقامة الدليل على جعل هذا الاعتبار لهم (ع)، لعدم الملازمة بينهما، اذ ليست إحداهما من مراتب الاخرى، حتى يكون الاستدلال بولايتهم بالمرتبة القوية على المرتبة الضعيفة من باب وجدانهم للمرتبة القوية، يحكم بوجدانهم للمرتبة الضعيفة، بل إحداهما حقيقية، و الاخرى اعتبارية، فهما متباينان، لا مندرجان تحت حقيقة واحدة، حتى يجرى فيه التشكيك، بالشدة و الضعف، و يرد عليه أن ما ذكره من تغاير الولايتين، من حيث الوعاء، و ان كان في غاية المتانة، الا أن ذلك لا يوجب، ان لا تكفى الادلة القائمة على الولاية التكوينية، عن اثبات التشريعية و السرّ فيه ان اللّه سبحانه و تعالى اعطاهم (ع) منصب الولاية التكوينية تعظيما، لهم و ترفيعا، لمقامهم، فالجهة الموجبة لإعطاء الولاية التكوينية يقتضى اعطاء التشريعية أيضا، ليرتفع بذلك شانهم (ع) و مقامهم، و على هذا،

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}