ذخيرة العقبى في شرح العروة الوثقى - ج4

- الشيخ علي الصافي الگلپايگاني المزيد...
403 /
5

الجزء الرابع

[الحمد و الثناء]

نحمدك يا ربّ على نعمائك و نشكرك على آلائك و نصلّي و نسلّم على محمّد خاتم انبيائك الّذي اعطيته دينا جامعا وافيا لهداية خلقك و سعادة عبادك صلّ اللّهم عليه و على آله افضل ما صلّيت على اوليائك لا سيّما على الامام الثاني عشر الكاشف للضرّ عن أحبّائك و المنتقم من أعدائك و اللّعن على أعدائهم الى يوم لقائك.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة فصل المطهرات]

[الخامس من المطهّرات: الانقلاب]

قوله (رحمه اللّه)

الخامس من المطهّرات:

الانقلاب كالخمر ينقلب خلًّا فإنه يطهر سواء كان بنفسه أو بعلاج كإلقاء شي‌ء من الخلّ أو الملح فيه سواء استهلك أو بقى على حاله. و يشترط في طهارة الخمر بالانقلاب عدم وصول نجاسة خارجية إليه، فلو وقع فيه حال كونه خمرا نجاسة من البول أو غيره أو لاقى نجسا لم يطهر بالانقلاب.

(1)

أقول: لا اشكال في الجملة في كون الانقلاب من المطهرات، كما إنه لا ينبغي الإشكال في عدم كون مطهرية الانقلاب من باب الاستحالة. و بعبارة أخرى ليس مطهرية الانقلاب من باب كونه من صغريات الاستحالة و لا من باب إن الاستحالة تبدل حقيقة شي‌ء بشي‌ء آخر حتى يستشكل و يقال بأن حقيقة الخمر غير حقيقة الخلّ. بل من باب إنه إن كان وجه مطهريّته هو الاستحالة لا يمكن الالتزام بطهارة الخلّ المنقلب عن الخمرية، لأن الظرف الواقع فيه الخمر صار نجسا بسبب ملاقاته مع الخمر و هو لا يطهر بالاستحالة. لأنّ ما يصير طاهرا بالاستحالة على فرض كونها مطهرا في المورد ليس إلّا الخمر باستحالته خلًّا لا الظرف الذي تنجس بالخمر. و بعد بقاء نجاسة ظرف الخمر تصير نجاسة الظرف موجبة لنجاسة ما صار خلًّا بسبب‌

8

الاستحالة، فلا يمكن ان يكون وجه طهارة الخل المنقلب عن الخمر هو الاستحالة و عدم طهارة ظرف الخمر المستحيل خلًّا بسبب الاستحالة. كما إنّ الكلب إذا صار مستحيلا بالملح فنجاسة الكلب من حيث الكلبية ترفع بصيرورته ترابا ملحا لا نجاسته من حيث آخر. و لهذا لو كان في الملحيّة أعني موضع الملح نجاسة أخرى فينجس الكلب المستحيل بنجاستها مع السراية.

مضافا إلى أنّ الإشكال في كون حقيقة الخلّ غير حقيقة الخمر باق في المقام، فبعد ذلك فلا يبقى إلّا أن نقول بأن‌

الوجه في مطهرية الانقلاب هو بعض الأخبار.

فلا بد قبل الشروع في بيان حكم المسألة من ذكر أخبار الباب و مقدار دلالتها. فنقول بعونه تعالى إن ما يمكن أن يتمسّك به روايات:

الرواية الأولى: ما رواها ابن أبي عمير عن جميل بن درّاج و ابن بكير جميعا عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلًّا، قال لا بأس (1).

الرّواية الثانية: ما رواها عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل يأخذ الخمر فيجعل خلًّا قال لا بأس (2).

الرّواية الثالثة: ما رواها عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال في الرّجل إذا باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا، فقال إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس به (3).

الرّواية الرّابعة: ما رواها جميل قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يكون على الرّجل الدّراهم فيعطيني بها خمرا فقال خذها ثم افسدها قال عليّ و اجعلها خلا (4).

____________

(1) 1 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

(2) 3 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

(3) 5 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

(4) 6 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

9

الرّواية الخامسة: ما رواها في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال سألته عن الخمر أوّله يكون خمرا ثم يصير خلًّا، قال إذا ذهب سكره فلا بأس (1).

الرّواية السادسة: ما رواها أبو بصير قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر يصنع فيها الشي‌ء حتّى تحمض، قال إذا كان الّذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فلا بأس (2).

بناء على تكميل حملها على صورة انقلابه خلًّا، و إلّا لو كان المراد حموضة الخمر و استهلاك العلاج فيه بدون انقلابه خلا كان معنى عدم البأس عدم البأس بالخمر. فالرواية غير معمول بها و لهذا حكي عن الشيخ (رحمه اللّه) ان هذه الرواية شاذة نادره.

الرّواية السابعة: ما رواها أبو بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر يجعل خلا، قال لا بأس إذا لم يجعل فيها ما (3) (يغلبها)، فإن كان الصادر عنه (عليه السلام) يغلبها بالغين، يكون معناه طهارته إذا لم يجعل فيها ما يغلب عليها فيكون المراد عدم الطهارة فيما غلب العلاج على الخمر، إمّا لأنه يوجب استهلاك الخمر في العلاج لا الانقلاب و إمّا من باب عدم الطهارة مع كون العلاج غالبا على الخمر و إن حصل الانقلاب، فعلى هذا لا يدل الخبر على عدم الطهار. إذا كان صيرورته خلا بالعلاج و إما إن كان الصادر يقلبها بالقاف، يدل الخبر على طهارته إذا لم يكن سبب الانقلاب جعل شي‌ء من العلاج فيه. فعلى هذا يدل الخبر على عدم الطهارة في صورة كون حلية الخمر بالعلاج، فالرّواية ذو احتمالين، باعتبار اختلاف النسخة.

الرّواية الثامنة: ما رواها عبد العزيز بن المهتدي قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام)

____________

(1) 9 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

(2) الرواية 3 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

(3) الرّواية 4 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

10

جعلت فداك العصير يصير خمرا فيصب عليه الخلّ و شي‌ء يغيره حتى يصير خلا قال لا بأس به (1).

الرّواية التاسعة: ما رواها محمد بن إدريس في آخر السرائر نقلا عن جامع البزنطي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الخمر تعالج بالملح و غيره لتحول خلًّا، قال لا بأس بمعالجتها، قلت فانّي عالجتها و طيّنت رأسها، ثم كشفت عنها فنظرت إليها قبل الوقت فوجدتها خمرا، أ يحل لي امساكها، قال لا بأس بذلك. إنما ارادتك أن يتحول الخمر خلًّا و ليس إرادتك الفساد (2).

الرّواية العاشرة: ما رواها محمد بن مسلم و أبي بصير و علي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئل عن الخمر يجعل فيها الخل، فقال لا إلّا ما جاء من قبل نفسه (3).

هذا كله في الأخبار الواردة في المسألة، ثم بعد ذلك نقول بأنّ‌

الكلام يقع في جهات:

الجهة الأولى:

يستفاد من الروايات الواردة في الباب، طهارة الخمر إذا صار خلًّا بنفسه. و هذا هو القدر المتيقن من الأخبار.

الجهة الثانية:

هل يطهر الخمر بصيرورته خلًّا بعلاج مثل اختلاطه بالخل أو الملح أو غيرهما أو لا يطهر؟

اعلم ان المصرّح به في بعض أخبار الباب المتقدم ذكره قابلية تطهير الخمر بالعلاج مثل الرواية 8 و 9 من الروايات المتقدمة و بعض ما تقدم من الاخبار و ان كان مطلقا من هذا الحيث لكن اطلاقه كاف لشمول الحكم لما صار الخمر خلا بالعلاج.

____________

(1) 8 من الباب 21 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

(2) من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

(3) 10 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

11

بل ربما يتوهم ان مورد الروايات المطلقة هو صورة العلاج لأنه لا معنى لجعل الخمر خلًّا إلّا بالعلاج.

لكن يمكن ان يكون النظر في هذه المطلقات، وضع الخمر في مكان خاص و محلّ بارد أو حارّ حتّى ينقلب خلًّا و هذا غير العلاج بإلقاء شي‌ء فيه كالملح أو الخل أو نحوهما.

و على كل حال إطلاق بعض الاخبار و نصوصية بعضها الآخر يقتضي طهارة الخمر إذا صار خلًّا و لو كان ذلك بعلاج.

و في قبال ذلك بعض الاخبار المذكورة ما يمكن أن يقال بدلالته على عدم طهارة الخمر بانقلابه خلًّا إذا كان بعلاج ينقلب الخمر خلًّا مثل الرواية السابعة من الرّوايات المتقدمة بناء على الاحتمال الثاني و هو كون الصادر عن المعصوم (عليه السلام) يقلبها (بالقاف) لا (يغليها) فيكون على الاحتمال مفاد الرواية عدم البأس به إذا لم يقلبها يعني إذا لم يجعل فيه ما يصير سببا لانقلابه خمرا.

الرّواية العاشرة من الروايات المتقدمة ذكرها يدل على عدم طهارة الخمر بانقلابه خلا إذا كان ذلك بالعلاج. و فيه أنه على ما قيل أنّ هذه الطائفة من الاخبار تكون معرض عنها عند الاصحاب فليست بحجة. و لا تصلح للمعارضة مع الطائفة الاخرى من الاخبار الدالة على طهارة الخمر بانقلابه خلا، و ان كان ذلك بالعلاج و على فرض حجيتها فغاية ما تدلّ عليه هو النهي عن شرب خمر صار خلًّا بالعلاج و بعد دلالة بعض الروايات و نصوصيتها على الحلية و الطهارة إذا صار الخمر خلا بالعلاج و عدم البأس به في هذه الصورة، يحمل النهي في الطائفة الدالة على النهي على الكراهة بمقتضى الجمع العرفي فتكون النتيجة عدم البأس في صيرورة انقلاب الخمر خلا بالعلاج على كراهه.

الجهة الثالثة:

هل المعتبر في الصورة التي ينقلب الخمر خلًّا بالعلاج هو استهلاك العلاج فيه أو لا يعتبر ذلك؟ بل يكفي في طهارته، و انقلابه خلا حتى‌

12

الصورة التي يكون العلاج باقيا فيه.

مثلا إذا اوقع الملح في الخمر للعلاج حتى ينقلب خلا تارة يستهلك الملح فيه بحيث لم يبق الملح فيه بعد صيرورته و انقلابه خلا حتى ذرة منه.

و تارة يبقى الملح بتمامه أو بعضه فيه بعد انقلابه خلًّا فهل يطهر بانقلاب الخمر خلا بالعلاج خلا في خصوص الصورة الأولى أو يطهر مطلقا حتى في الصورة الثانية؟

قد يقال باختصاص الحكم بالصورة الأولى لأن المنصرف إليه من الدليل هو بعض الاخبار المتقدمة في هذه الصورة.

أو أن يقال بأن هذا أي القول باختصاص الحكم بالصورة الأولى يكون طريق الجمع بين الطائفة الدالة على عدم طهارة الخمر بانقلابه خلًّا إذا كان بالعلاج و بين الطائفة الدالة على طهارته بانقلابه خلا. و لو كان بالعلاج. لأنه يحمل ما دل على طهارته بالعلاج، على صورة عدم بقاء العلاج و استهلاكه في الخمر. و يحمل ما دل على عدم طهارته إذا انقلب خلا بالعلاج على صورة بقاء العلاج في الخمر و عدم استهلاكه فيه.

أو من باب إن ما يعالج به الخمر بانقلابه خلا إذا وقع في الخمر يصير نجسا فإذا انقلب خلا و بقى العلاج في الخمر و كان باقيا بعد انقلابه خلا يتنجس به الخل فلهذا لا يطهر الخمر بانقلابه خلا في صورة بقاء العلاج.

أقول: أما دعوى انصراف ما تمسك به على طهارة الخمر بالعلاج بصورة استهلاك العلاج فيه إذا صار خلا فمما لا يصغى إليه خصوصا مع كون الغالب في صورة ادخال ما يعالج به هو بقاء بعض اجزاء العلاج بعد انقلاب الخمر خلا خصوصا فيما إذا كان العلاج من الاجسام و اما كون ذلك طريق الجمع بين ما يدل على الطهارة بالعلاج و بين ما يدل على عدم الطهارة بالعلاج فغير تمام. لان الجمع بهذا النحو يكون جمعا تبرعيا، لا يساعده العرف. و قد بيّنا طريق الجمع العرفي بين‌

13

الطائفتين بحمل ما دل على النّهي على الكراهة، و بنصّ ما دلّ على الجواز و هذا على فرض وجود مقتضى الحجية فيما يدل على النهي عن العلاج و قد تقدم عدم وجود مقتضي الحجية في هذه الطائفة و أما ما يقال بأنه مع بقاء بعض أجزاء ما يعالج به فهو ينجّس الخل لصيرورته نجسا بادخاله فيه، في حال خمريته.

ففيه ان بعد دلالة الاخبار المتقدمة المصرح فيها بطهارة الخمر المنقلب خلا، و لو كان بسبب العلاج، و كون المتعارف غالبا أو في موارد كثيرة و لو لم تصل بحد الغالب بقاء العلاج بتمامه أو ببعضه حال انقلاب الخمر خلا. فالدليل على طهارته بالانقلاب يدلّ على عدم تنجس الخل بهذه الاجزاء الباقية و إلّا يلزم لغوية الحكم بمطهرية الانقلاب في صورة العلاج.

إذا عرفت ذلك يظهر لك أمران:

الامر الأوّل: ان وجه طهارة ما بقي من العلاج في صورة انقلاب الخمر خلا بالعلاج هو التبعية لما قلنا، من أنه لا معنى للحكم بطهارة الخمر المنقلب خلًّا بالعلاج، و بين الحكم بنجاسة ما بقي من العلاج فيه بعد انقلابه خلا لأنه لو لم يطهر ما بقي من العلاج، و بقي نجسا ينجس به الخل فلا معنى للحكم بطهارة الخل المنقلب عن الخمرية بالعلاج لأنه مع كون الغالب بقاء العلاج فلو لم نقل بطهارة ما بقي من العلاج لا بد من حمل بعض المطلقات الدالة على طهارة الخل المنقلب من الخمرية بالعلاج على المورد النادر، و هو الصورة التي لا يبقى من العلاج شي‌ء و جزء فيه بعد انقلابه خلا و هذا الحمل غير صحيح.

الأمر الثاني: بعد كون الميزان في طهارة ما بقي من العلاج، هو ما قلنا فلا بد من الاقتصار في طهارته بما هو المتعارف من بقاء العلاج غالبا لا أكثر من ذلك لما عرفت فلو بقي من العلاج مقدارا أزيد مما هو المتعارف لا يحكم بطهارته لعدم دليل على طهارة أزيد من المتعارف.

الجهة الرابعة:

هل يشترط في طهارة الخمر بانقلابه خلا عدم وصول نجاسة‌

14

خارجية فيه؟ فلو وقع فيه نجاسة خارجية حال كونه خمرا كالبول، أو غيره من النجاسات، لا يطهر أو لا يعتبر ذلك.

اعلم إن النجاسة الخارجية الواقعة في الخمر تارة تكون باقية فيه حتى حال انقلابه خلا. مثل ما إذا أوقع فيه عين من الأعيان النجسة و بقيت فيه إلى أن انقلب خلا فلا اشكال في تنجّس الخل المنقلب من الخمرية بملاقاته لعين النجس مثل ما إذا وقعت عين النجس في مائع غير الخل.

و تارة لا تكون النجاسة باقية في الخمر بعد انقلابه خلا مثل ما إذا استهلك فيه حال خمريته أو وقعت فيه حال خمريته ثم اخرجت منه قبل انقلابه خلا أو انقلب بالخل قبل نش الخمر.

و ما يمكن ان يكون وجها لاشتراط الشرط في طهارة الخمر بالانقلاب بيان، مضى في المسألة التاسعة، عن المسائل المنعقدة في فصل كيفية تنجس المتنجسات فراجع و نقول بنحو الاختصار إن النجاسة الواقعة في الخمر إن كانت من سنخ نجاسة الخمر مثلا إذا وقع خمر آخر في هذا الخمر فالخمر الوارد في الخمر الأولى يصير أيضا طاهرا بانقلابه خلا و لا أشكال فيه.

و إن كان من غير سنخه فتارة يقع في الخمر نجاسة، ليس لها حكما زائدا على الحكم الثابت للخمر، مثلا. إذا كان الحكم الملاقي للخمر غسله مرة واحدة لا يجب في الملاقي لهذه النجاسة إلّا الغسل مرة، مثلا كوقوع الدم في الخمر.

و تارة يوجب حكما زائدا مثلا يجب فيهما الغسل مرتان.

فعلى كلا الفرضين أما أن يقال بعدم تداخل الاسباب من باب كونه موافقا للقاعدة و كون كل سبب مقتضيا لمسبب غير ما يقتضيه السبب الآخر، و لازمه اقتضاء كل نجس لغسل مستقل. و لم نقل بتداخل المسببات مقتضى القاعدة بمقتضى كلّ من النّجسين غسلا لاقتضاء كل علة لمعلول مستقل.

نعم فيما يكون للنجس الثّاني اثرا زائدا، مثل ما إذا كان الأوّل مؤثرا للغسل‌

15

مرة و الباقي لمرتين، لا يجب إلّا الغسل مرتين و هذا ليس من باب التداخل بل من باب حصول امتثال الامر الأوّل الغير المقتضي إلّا لطبيعة الغسل بهذا و قد بينا تفصيلا في المسألة التاسعة في فصل كيفية تنجيس المتنجس.

و لكن بعد تسالم الاصحاب فيما كان إذا النجسان من سنخ واحد كما إذا أصاب ثوب الشخص الدم مرتين بالتدريج فاصابه دم مرة، ثم أصابه دم آخر أو يكونا متحدين في الأثر و إن لم يكونا من سنخ واحد لا يوجبان إلّا أثرا واحدا فإذا تنجّس الثوب بالدم ثم بالعذرة فلا يجب بعد ازالة العين إلّا الغسل مرة واحدة، و لا يجب الغسل مرتين مرة للدم و مرة للعذرة.

و لكن وجه ذهابهم إلى ما ذكرنا غير معلوم. فهل كان اختيارهم عدم تعدد الاثر في هذا المورد؟ او يكون من جهة اختيارهم القول بتداخل الاسباب في المسألة بمعنى تداخل كل من السببين فإذا جمع السببان لا يقتضيان إلّا مسبّبا واحدا فلا يوجبان إلّا مسبّبا واحدا.

أو كان مختارهم في المسألة من باب القول بتداخل المسببات. بمعنى إنه و ان كان مقتضى سببية كل سبب لمسبب واحد، و لكن يتداخل المسببات بمعنى الاكتفاء بمسبب واحد في مقام جمع السببين فإذا نقول في المقام بأن مقتضى القاعدة عدم تداخل الاسباب فلا يمكن أن يقال بأن وجه تسالمهم هو القول بتداخل الاسباب.

فلهذا نقول بأن النجس ينجس ثانيا. فالخمر مع نجاسته ينجس ثانيا، بنجاسة أخرى مثل البول، أو العذرة، أو غيرهما. فلو وقع في الخمر حال خمريته نجاسة أخرى بعد انقلاب الخمر خلا و إن كان قابلا لأن يصير طاهرا من حيث نجاسة الخمرية و لكن من حيث نجاسته بنجاسة أخرى يكون نجسا و لا يطهر بانقلابه خلًّا من حيث النجاسة الاخرى فتكون النتيجة نجاسة الخمر و ان انقلب خلا من حيث تنجّسه بالنجاسة الاخرى و لا دليل على مطهرية الخمر بالانقلاب من حيث غير النجاسة الخمرية.

16

و لكن يمكن ان يقال بعدم اشتراط عدم تنجس الخمر بنجاسة خارجية و عدم مضريتها بطهارته في انقلابه خلا لان مقتضى ترك استفصال الإمام (عليه السلام) في الجواب، مع كون السؤال مطلقا يشمل صورة وقوع نجاسة اخرى في الخمر حال خمريته دليل على اطلاق الحكم، فالأقوى عدم اعتبار هذا الشرط، نعم فيما وقع في الخمر نجاسة و تصب عليها حال انقلابه خلا لا يطهر الخمر بالانقلاب لتنجس الخل بعين النجاسة الباقية و بناء على هذا يطهر الظرف الواقع فيه الخمر و ان وقع فيه نجاسة اخرى بالتّبع لانه بعد شمول الدليل لصورة طهارة الخمر بانقلابه خلا فيما وقع فيه نجس و لم يبق حال حليّته يطهر الظرف بالتبع و إلّا يلزم لغوية الحكم بالطهارة، فما عن بعض المحشين في تقييد الطهارة بما أخرج الخمر الواقع فيه النجاسة عن ظرفه المتنجس حال خمريته، لا وجه له. لأنه كما قلنا يطهر الظرف بالتبع مضافا إلى ان تغيير الظرف لا يفيد في طهارته لان التغيير إما يكون حال خمريته، فإذا وقع في ظرف آخر فحاله كحال الظرف الأوّل، و ان كان تغيير الظرف حال خليته، فمع قوله بتنجّس الخل فلا يفيد أيضا.

*** [مسئلة 1: العنب أو التمر المتنجس إذا صار خلا]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 1: العنب أو التمر المتنجس إذا صار خلا لم يطهر و كذا إذا صار خمرا ثم انقلب خلا.

(1)

أقول: اما فيما صار العنب أو التمر المتنجس خلا بدون صيرورته خمرا قبل أن ينقلب خلا لعدم الدّليل على طهارته بانقلابه خلا في هذا الفرض لأن المفروض في هذا المورد هو الخمر المتنجس. و لا دليل على طهارة الخمر بانقلابه خلا في هذا الفرض.

17

و أما فيما صارا خمرا ثم انقلبا خلا فوجه كلامه ما قالة سابقا باشتراط مطهرية الانقلاب و عدم نجاسته بالنجاسة الخارجية. لأن النّص الدال على طهارة الخمر بانقلابه خلا لا يشمل إلّا حيث النجاسة الخمرية و قد عرفت ما قلنا من شمول النّص حتى للمورد على الاقوى. و لهذا نقول بالطهارة فيما تنجّسا و صارا خمرا ثم انقلبا خلا.

*** [مسئلة 2: إذا صب في الخمر ما يزيل سكره]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 2: إذا صب في الخمر ما يزيل سكره لم يطهر و بقي على حرمته.

(1)

أقول: لكون نجاسة الخمر و حرمته من احكام الخمر بما هو خمر لا من باب سكره كما يدل على ذلك النّص و الفتوى.

و لعل منشأ بيان ذلك دفع توهم كون الحكم بالنجاسة حال سكره مستفاد من بعض الروايات نذكر هنا الروايات حتى تظهر حقيقة الحال.

الرّواية الأولى: هي الرّواية الثانية المتقدم المتقدم ذكرها فيما استدل به على مطهرية الانقلاب بدعوى إن فيها بعد سؤال السائل عن جعل الخمر خلا؟ قال الإمام (عليه السلام): (إذا تحوّل عن اسم الخمر لا بأس فلا بأس (1) يدل على تحوله عن السكر لأن المراد من تحوله عن اسم الخمر، هو تحوله عن السكر و بعبارة أخرى عدم بقاء سكره.

و فيه ان الظاهر من هذه الجملة هو عدم صدق اسم الخمر عليه فإذا اطلق عليه الخمر فهو نجس. و إذا اطلق عليه الخل فهو طاهر بمعنى انه مع صدق الخمر عليه لم يتحقق الانقلاب و هذا غير مربوط بكون صدق الخمر و عدمه دائرا مدار السكر و‌

____________

(1) و تمام الرّواية الرّواية 3 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

18

عدمه.

الرّواية الثانية: هي ما في الرّواية الخامسة المتقدم ذكرها في طي الرّوايات المستدل بها على مطهرية الانقلاب و فيها قال: (سألته عن الخمر يكون أوّله خمرا ثمّ يصير خلا؟ قال: إذا ذهب سكره فلا بأس (1). بدعوى دلالتها على كون النجاسة و الطهارة دائرة مدار بقاء السّكر و عدمه.

و فيه أن مفروض كلام السائل هو صورة صيرورة الخمر خلا و في هذا الفرض يعني صيرورة الخمر خلًّا قال (عليه السلام): إذا ذهب سكره فلا بأس. و هذا يشهد بأن ذهاب السكر معتبر في المطهرية فنقول يحتمل في هذه الفقرة احتمالان.

الاحتمال الأوّل: انه أن يكون المراد إن ذهاب السكر دليل على انقلاب الخمر و صيرورته خلًّا لأنه إذا انقلب خلا لا يكون مسكرا.

الاحتمال الثّاني: ان يكون المراد من هذه الفقرة ان المعتبر في طهارة الخمر مضافا إلى انقلابه خلا أن يذهب سكره ففي الحقيقة يكون المعتبر في طهارة الخمر أمرين: صيرورته خلا و ذهاب سكره.

و لكن لا يمكن الأخذ بالاحتمال الثّاني. لأن لازمه هو عدم كون الخلية بنفسها موجبة للطهارة و الحال إن ظاهر الاخبار و الفتوى كون نفس الخلية مطهرة له.

و أيضا يلزم كون رفع سكر الخمر موجبا لطهارته، و مقتضى ذلك كون الخمر نجسا في حال السكر و على هذا الاحتمال تكون الرواية غير معمول بها، و تكون معارضة مع ما دل على كون الخمر طاهرا بانقلابه خلًّا مضافا إلى كون ظاهر الرّواية المذكورة هو الاحتمال الأوّل.

الرّواية الثّالثة: ما رواها علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي الجارود عن‌

____________

(1) و تمام الرّواية الرّواية 9 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

19

أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: إنما الخمر و الميسر (الآية) (1) أما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر (الخ) (2) بدعوى إن الخمر هو المسكر، فيكون حكم النجاسة دائرا مدار السكر، لأن الخمر هو المسكر على ما يستفاد من الرّواية.

و فيه مضافا إلى ضعف سند الرّواية بأبي الجارود، تدل على ان كل مسكر من الشّراب بعد تخميره فهو خمر. و هذا إما تنزيل كل مسكر منزلة الخمر بعد سكره في الحكم و إما كونه حقيقة خمرا موضوعا، و لا تدل على ان نجاسة الخمر لأجل الاسكار، فتأمل.

و مع قطع النظر عن كل ذلك لا أشكال في كون المتسالم عند الاصحاب، هو عدم كون نجاسة الخمر دائرا مدار الاسكار، فلا يمكن العمل بهذه الرّوايات على فرض دلالتها.

*** [مسئلة 3: بخار البول أو الماء المتنجس طاهر]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 3: بخار البول أو الماء المتنجس طاهر فلا بأس بما يتقاطر من سقف الحمام إلّا مع العلم بنجاسة السقف.

(1)

اقول: قد مرّ الكلام في حكم البخار المتصاعد من النّجس أو المتنجس، في طي مسئلة الاستحالة، من إن البخار المتصاعد من النّجس أو المتنجس إذا اجتمع و صار ماء فالاحوط الاجتناب عنه إذا علم إنه هو البخار المتصاعد عن النّجس أو المتنجس فعلى هذا نقول بإن الاحوط الاجتناب.

*** (2)

____________

(1) المائدة، 90 و 91.

(2) ...

20

[مسئلة 4: اذا وقعت قطرة خمر في حبّ خلّ و استهلكت فيه]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 4: اذا وقعت قطرة خمر في حبّ خلّ و استهلكت فيه لم يطهر و تنجّس الخل إلّا إذا علم انقلابه خلا بمجرد الوقوع فيه.

(1)

اقول: اعلم إن الكلام إن كان في خصوص مفروض المسألة التي عنونها المؤلّف (رحمه اللّه) من وقوع قطرة خمر في حبّ خلّ، فلا اشكال في عدم طهارته، و نجاسة الخل بها، حتى فيما علم انقلابها خلا بمجرّد الوقوع فيه، لأنه لو اغمضنا عن بعض الاشكالات فلا اقل من قصور النّصوص الواردة في الانقلاب لهذا المورد، و إن كان الكلام فيما هو معنون في كلمات بعض الفقهاء (رحمه اللّه) و يكون مفروض المسألة من جزئياته.

فنقول بعونه تعالى للمسألة صورتان:

الصّورة الأولى: إذا ما وقعت قطرة خمر أو قطرات منه في حب خلّ، و استهلكت فيه

و علم بانقلابها خلا من جهة صيرورة الخمر المتقاطرة منه هذه القطرة خلا، أو من طريق آخر و فيها قولان: وجه الطهارة وجوه:

الوجه الأوّل: إطلاق النّصوص المتقدمة الدالة على طهارة الخمر بانقلابه خلا بعلاج، أو اطلاق يشمل ما كان العلاج أكثر من الخمر، مثل مفروض كلامنا و يشمل ما كان بوقوع العلاج في الخمر أو بوقوع الخمر في العلاج مثل ما نحن فيه لاطلاقها من هذا الحيث أيضا.

الوجه الثّاني: هو ان المستفاد من النّصوص إن الملاك في الطهارة انقلاب الخمر خلا بنفسه كان أو بعلاج و هذا الملاك و المناط موجود في الفرض.

الوجه الثّالث: الرّواية الثامنة من الرّوايات المذكورة في مكاتبة عبد العزيز بن المهتدي قال: كتبت إلى الرّضا (عليه السلام)، جعلت فداك يصير خمرا فيصب عليه الخل و شي‌ء يغيّره، حتى يصير خلا، قال: لا بأس به.

21

بدعوى إن العصير بصبّ الخل في الخمر يدل على كونه كثيرا و كذلك قوله (و شي‌ء يغيّره) يكون ظاهرا في كثرته لأنه لو لم يكن كثيرا لا يغيّر الخمر عن الخمرية فيستفاد من الرّواية اغتفار كون العلاج كثيرا مثل مفروض الكلام.

أقول: قبل الورود في جواب ما توهم دلالته على طهارة الخمر في هذا الفرض و عدم تنجّس الخل بسببه لا بد من التّنبيه على امر: و هو انه لا يعقل تصوير العلم بانقلاب الخمر خلا في هذه الصورة إلّا تقديرا، لأنه مع كون المفروض استهلاك القطرة الملقاة من الخمر في الخل، و مضى استهلاكه فيه صيرورته عرفا جزء له بحيث تتبدّل صفاته بصفات الخل مثل الماء المضاف المستهلك في الماء المطلق، أو الدم المستهلك في الماء. و مع فرض الاستهلاك لم يبق خمر حتى يقال انه انقلب خلا، فمعنى فرض انقلابه خلا ليس إن الخمر الموجود فعلا انقلب خلا، لعدم وجود له مع الاستهلاك، بل معناه إنه لو فرض ان هذه القطرة من الخمر كانت موجودة انقلبت إلى الآن خلا، لأن ما اخذ منه هذه القطرة انقلب خلا أو حصل العلم بذلك من طريق آخر.

إذا عرفت عدم تعقل هذه الصورة إلّا بما بيّناه لك و بعد كون نظر الشيخ (رحمه اللّه) في قوله في (يه) (إذا وقع شي‌ء من الخمر في الخل لم يجز استعماله إلّا بعد ان يصير ذلك الخمر خلا) إلى صورة استهلاك الخمر في الخل؛ بل لعل كلامه راجع إلى الصورة الثانية التي نتعرض له إن شاء اللّه.

نقول: بأن الأقوى عدم طهارة هذه القطرة من الخمر المستهلكة في الخل. بل تنجّس الخل بها، أما أوّلا: لما تلونا عليك من انه مع استهلاك القطرة المصبوبة في الخل فيه لا وجود له حتى يقال إن خمرا انقلب خلا فهذه الصورة خارجة عن مفروض النّصوص المتقدمة، و أما ثانيا: لما يظهر من بعض الرّوايات المتقدمة الواردة في المسألة على اشتراط عدم كون ما يعالج به اكثر من الخمر، كالرّواية السادسة منها و هي ما رواها أبو بصير (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر يصنع‌

22

فيها الشي‌ء حتى تحمض، قال: إن كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فلا بأس به) (1) بناء على كون المراد من صيرورة الخمر حامضا صيرورته خلا بالانقلاب، فتدل الرّواية على أنه لا بأس إذا كان ما صنع فيه العلاج و هو الخمر غالبا على ما يصنع به العلاج، و أما على الاحتمال الآخر في الرّواية، و هو ان يكون المراد استهلاك العلاج في الخمر و صيرورته حامضا بدون الانقلاب فالرّواية غير مربوطة بما نحن فيه اصلا و غير معمول بها لدلالتها على عدم البأس بالخمر الحامض بالعلاج و لو لم ينقلب خلا.

و كالرّواية السابعة منها و هي ما رواها أبو بصير (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر تجعل خلا؟ قال: لا بأس إذا لم يجعل فيها ما يغلبها) (2) بناء على كون (يغلبها) في الرّواية (بالغين) لا إلا أن يكون (يقلبها) (بالقاف) فمع اختلاف النسخة تكون هذه الكلمة ذي احتمالين و على هذا لا يمكن الاستدلال بهذه الرّواية فالعمدة هي الوجه الأوّل.

و اما ما يتمسك به على طهارة قطرة الخمرة المصبوبة في الخل و عدم تنجّس الخل بها.

فإن كان النظر إلى دعوى اطلاق الادلة من هذا الحيث:

فيقال: بانه لو تمت دلالة الرّوايتين المتقدمتين فيقيد بهما اطلاق الأدلة على فرض اطلاق لها، و مع قطع النظر عن ذلك نقول: بانه انا لا نرى بين الاخبار المذكورة المستدلة بها لمطهرية الانقلاب خبرا يكون له اطلاق من هذا الحديث.

اعني من حيث شموله لمورد يكون العلاج اكثر من الخمر، و لما يكون الخمر مصبوبا في الخل لأنه غير الرّواية الرابعة و الثامنة منها اما يكون مورده عدم العلاج أو كون العلاج أقل أو عدم الجواز مطلقا في صورة العلاج، و قد حملنا هذه الطائفة الأخيرة‌

____________

(1) 2 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل./

(2) 4 من الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

23

على الكراهة. و هاتان الروايتان و إن كانتا تدل على صورة العلاج لكن موردهما الخمر فيعالج و ينقلب خلًّا و المنصرف إليه، بل الظاهر منهما أيضا صورة يكون الخمر أكثر من العلاج، خصوصا مع امكان دعوى عدم كون العلاج أكثر و على هذا لو كان اطلاق لا بد من تنزيله على المتعارف.

مضافا إلى انّه مع الاغماض عن ذلك كله نقول بان مورد الرّوايات على فرض اطلاقها هو الصورة التي انقلب الخمر خلا يعني يكون خمر موجودا ثم ينقلب خلا و في مفروض المسألة كما قلنا مع فرض استهلاك قطرة الخمر لا يكون خمرا موجودا حتى ينقلب خلا.

و أما الوجه الثّاني: و هو التمسك بالملاك و شموله للمورد.

فجوابه: يظهر مما مر من ان غاية ما يستفاد من الاخبار هو ان الملاك صيرورة الخمر خلا سواء كان بالعلاج أو بغيره و سواء كان بصب العلاج في الخمر، أو بعكسه و سواء كان الخمر أكثر من العلاج، أو بعكسه.

و لكنه لا بد من وجود خمر حتى ينقلب خلًّا خارجا فلا بد من كون وجود الخمر مفروغا عنه، و في مفروض المسألة لم يبق خمر حتى ينقلب خلا.

و اما الوجه الثّالث: و هو التمسك بمكاتبة عبد العزيز بن المهتدي.

ففيه ان التعبير بصب الخل على الخمر لا يدل على كونه اكثر من الخمر و كذا شي‌ء غيره لا يدل على كون هذا الشي‌ء اكثر منه فتلخص ممّا مر عدم طهارة قطرة خمر او قطرات خمر في الخل بل ينجس الخل بها فافهم.

الصورة الثّانية: الصورة التي وقعت قطرة خمر أو أزيد منها في حبّ من الخل و انقلب خلا قبل استهلاكها فيه لها موردان:

المورد الاول: إذا وقعت فيه و انقلبت خلا قبل استهلاكها فيه

فهل تطهر هذه القطرة المنقلبة خلا أو لا تطهر بل ينجس الخل بملاقاتها؟

لا يبعد كون نظر الشيخ (رحمه اللّه) في (يه) من إنه إذا وقع شي‌ء من الخمر في الخل لم‌

24

يجز استعماله إلّا بعد ان يصير ذلك الخمر خلا (الخ) إلى هذه الصورة (و ان كان المحتمل كون نظره الشريف إلى جواز استعماله في هذه الصورة إلى انه لا يعتبر ورود العلاج على الخمر في مقام طهارته بالانقلاب).

و على كل حال ما يمكن ان يكون وجها لطهارة قطرة الخمر المصبوبة و عدم تنجّس الخل بها.

ما رواه في الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) (ان صب في الخل خمر لم يحلّ اكله حتى يذهب عليه ايام و صيّر خلا).

و فيه: إنه قد بيّنا مكررا ضعف سند الفقه المنسوب إليه (عليه السلام) و لا تكون منجبرة ضعف سندها فيما نحن فيه. و لا يصحّ دعوى إن النّصوص المذكورة الدالة على طهارة الخمر بانقلابه خلا بإطلاقها أو بالمناط المنكشف من النّصوص المذكورة يشمل المورد.

و قد يقال: في الجواب عنه، بانه أوّلا: تدل الرواية 6 و 7 من النّصوص المذكورة على اشتراط غلبة الخمر على العلاج فلا يطهر فيما يكون بالعكس، و ثانيا:

قصور الادلة عن الشمول للمورد لعدم اطلاق لها حتّى يشمل المورد، أو لأن موردها ما يبقي الخمر المنقلب خلا بعد الانقلاب، و في مفروض الكلام استهلك في الخل بعد الانقلاب و بعد عدم الشمول لا وجه بالطهارة الخل بالتبع، لان التّبعية كانت من باب الاطلاق المقامي، و إنه لا معنى لطهارة الخمر و نجاسة الخل الواقع فيه بالإطلاق المقامي، حتّى نقول بطهارة الخل بالتبع، و فيه عدم شمول النّصوص للمورد لا دليل على طهارة الخمر المنقلب، حتى يقال بطهارة الخل بالتبع. و اما المناط فالقطعي منه غير معلوم و الظّني منه لا يفيد لعدم حجّيته.

أقول: اما الرّوايتان فقد عرفت انهما ذو احتمالين فلا يمكن الاستناد إليهما.

و على فرض دلالتهما على مسئلة طهارة الخمر بالانقلاب تفيدان فيما إذا كان الخل الواقع فيه الخمر اكثر من الخمر و اما لو كان متساويان بحسب المقدار او كان‌

25

الخل الواقع فيه الخمر انقص من الخمر بحسب المقدار و لو بمقدار قليل فلا يمكن التمسك بهما على الطهارة و اما ما يقال من قصور النّصوص عن شمولها لمفروض المورد فلا يبعد ذلك خصوصا مع كون المنصرف ورود العلاج على الخمر مضافا إلى عدم تعارف القاء كثير من الخل في الخمر و بالأخص فيما إذا كان الخمر قطرة أو قطرات و الخل يكون كثيرا مثل مقدار حبّ و أما المناط القطعي فغير معلوم.

مضافا إلى أن المشهور عدم طهارة الخمر بالانقلاب في هذه الصورة.

المورد الثاني: من الصورة الثانية

و هي الصورة التي وقع قطرة أو قطرات من الخمر في الخل و هو يعلم إنّها بمجرد ايقاعها في الخل انقلبت خلًّا و هذه الصورة هي الصورة التي استثناها المؤلّف (رحمه اللّه) بقوله (إلّا إذا علم بانقلابه خلًّا بمجرد الإيقاع فيه).

فنقول: بعد ما قلنا في الصورة الأوّلى من الصورتين بعدم طهارة الخمر بالانقلاب، فكذلك في هذه الصورة خصوصا إذا فيما كان الخمر المصبوب قطرة أو قطرات لقصور الادلة الواردة في طهارة الخمر بانقلابه خلًّا عن شمولها لهذا الفرض مسلما، و لما يأتي من بطلان الوجهين المحتملين في توجيه كلام المؤلف (رحمه اللّه)، هذا بالنسبة إلى حكم المسألة.

و اما وجه استثنائه، فقد يقال بأن الوجه فيه هو انه حين ملاقاته للخل حسب الفرض انقلب خلا، فهو صار طاهرا بالانقلاب و لا ينجس الخل لعدم نجاسته في هذا الحال.

ان قلت ان القطرة التي قطرت كانت قطرة الخمر على هذا الفرض فهي نجسه، ينجس ملاقيها.

قلت ان نجاستها قبل الملاقات لا يكفي للتنجيس، بل لا بد من نجاسته حال الملاقات مع الملاقي، و هي على الفرض صارت طاهرة حال ملاقاتها للخلّ الملاقي لانقلابها خلا في هذا الحال.

26

و استشكل عليه، بأن المعتبر في سراية النجاسة من النجس إلى ملاقيه هو نجاسته قبل الملاقات، فإذا كان شي‌ء نجسا قبل الملاقات، يكفي في تنجس الملاقي به، كما ان المعتبر في المطهر كالماء طهارته قبل ملاقاته لمحل المتنجس، فلا يضرّ تنجسه بالملاقات، و لهذا ترى إن الماء المستعمل في الطهارة ينجس بملاقاته لمحلّ المتنجس مع كونه مطهرا للمحل، و هذا ليس إلّا من باب كفاية طهارته قبل الاستعمال فعلى هذا يقال بانه و ان صار الخمر خلا بمجرد ملاقاته مع الخل، لكن ينجس الخل به لكفاية نجاسته قبل الملاقات في سرايته في تنجيس الخلّ ففي حال الملاقات ينجس الخمر الخل و ينقلب عن الخمرية. فالملاقات علة تامة لأمرين في عرض واحد، تنجيس الخل و انقلاب الخمر خلا.

إن قلت انه لو كان للنجاسة امد، و هو الملاقات، بحيث يكون الخمر نجسا إلى زمان الملاقات و زمان الملاقات لا يكون نجسا، فلا يكون نجسا حتى يتنجس به الخل.

قلت لو كان سبب الانقلاب امرا آخرا غير ملاقات الخمر مع الخل بحيث يكون في ظرف الملاقات هذا السبب موجودا يصحّ ما قلت. لأنه على هذا ليس حال الملاقات حتى يقال لاقى النجس مع الخل و لكن في المقام يكون على الفرض سبب الانقلاب هو الملاقات، و هو نجس إلى ان يحصل الملاقات مثل بقاء طهارة الماء إلى زمان استعماله في التطهير فكما لا يضر بمطهريته نجاسته بسبب ملاقات المحل النّجس كذلك لا يضر في نجاسته و سراية نجاسته إلى الخل انقلابه خلا بالملاقات.

أقول: و هذا الجواب يفيد فيما يكون الملاقات للخل علة لانقلاب الخمر خلا. و إما اذا كانت العلة للانقلاب امرا آخرا مثلا كانت العلة مضيّ زمان يصير بعد مضي هذا الزمان خلا و هذا الزمان يحصل في آن. و هذا الآن هو آن ملاقاته مع الخل و وروده فيه و في هذه الصورة لا بد من ان يلتزم المستشكل بعدم تنجيس الخمر الملقى في الخل. و كلام المؤلف (رحمه اللّه) مطلق من هذا الحيث بمعنى انه لم يقيّد الطهارة بخصوص صورة العلم بانقلابه حال الملاقات حتى يكون الانقلاب مستندا‌

27

بملاقاته للخلّ.

ثم انه ان كان مختار المؤلف (رحمه اللّه) هو كفاية نجاسة النجس قبل ملاقاته مع الشي‌ء، في سراية النجاسة كما يقول في طهارة المطهرات يكفي طهارة الماء قبل الاستعمال في التطهير، و لهذا لا يضر نجاسته بالاستعمال.

فلا يمكن حمل كلامه هنا إلى ما قيل في وجه الاستثناء. و لو فرض كون نظره إلى ذلك فلم يتم كلامه. لأن ما يساعده العرف في صدق ملاقات النجس هو نجاسة النجس قبل الملاقات، فإذا كان شي‌ء نجسا قبل ملاقاته مع شي‌ء يحكمون بالسراية لأن هذا هو المعيار في السراية في نظرهم و لا دليل على اعتبار بقاء النجاسة في آن الملاقات.

و قد يقال في وجه نظر المؤلف (رحمه اللّه) في الاستثناء إلى ان هذه القطرة من الخمر المصبوب في الخل بعد فرض انقلابها خلا بمجرد الوقوع قبل استهلاكها فيه يطهر بالانقلاب خلا و يطهر الخل المصبوب فيه بالتّبع. و استشكل عليه بان مورد التطهير بالتبع للخمر هو بعد انقلاب الخمر خلا. لا ما إذا استهلك في الخل مثل مفروض الكلام و فيه أولا إنه لو فرض شمول اطلاق الادلة لما يصيب الخمر في الخل كما يشمل صورة اصابة الخل الخمر للعلاج فاستهلاكه. بعد الانقلاب لا يضر بطهارته لأنه حال انقلابه خمرا انقلب خلًّا.

و ثانيا على فرض عدم شمول الأدلة لمورد يستهلك الخمر بمجرد الملاقات في الخل فهو يتم في خصوص هذه الصورة و إما فيما انقلب خلا ثم بعد مضيّ زمان استهلك فيه فلا يجري هذا الإيراد و كلام المؤلف (رحمه اللّه) مطلق من هذا الحيث لأنه قال إلّا إذا علم انقلابها خلا بمجرد الوقوع فيه، و هذا أعم من ان يستهلك بمجرد الملاقات و ان يبقى خمرا زمانا، ثم يستهلك فيما يبقى من الخل.

و ثالثا لو كان نظره إلى ما قلت لا يلزم تقييد طهارة الخمر المصبوب و عدم نجاسة الخل الواقع فيه الخمر بما إذا انقلب حال وروده في الخلّ. بل يطهر و لو كان الانقلاب بعد الوقوع بزمان، ثم انه بعد عدم وروده في الخلّ، بل يطهر و لو كان‌

28

الانقلاب بعد الوقوع بزمان، ثم إنه بعد عدم ورود ما اورد على هذا التوجيه، نقول ان كان نظر المؤلف (رحمه اللّه) إلى هذا الوجه لا يتم لما قلنا من عدم اطلاق الرّوايات حتّى يشمل المورد فلا يمكن الالتزام بطهارة الخمر و عدم نجاسة الخل.

*** [مسئلة 5: الانقلاب غير الاستحالة]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 5: الانقلاب غير الاستحالة إذ لا يتبدل فيه الحقيقة النّوعية بخلافها و لذا لا يطهر المتنجّسات به و تطهر بها.

(1)

أقول: قد تقدّم في باب الاستحالة معناها، و حكمها، اعني مطهريتها و وجه ذلك ان فيها يتبدل الموضوع بموضوع آخر عند العرف. و لهذا لا يطلق على المستحيل عنه انه المستحال.

و إما في الانقلاب فهل المنقلب (بالفتح) موضوع آخر غير الموضوع المنقلب عنه أو هو هو غير انه تبدّل وصف بوصف آخر مثلا في الخمر المنقلب خلا هل تبدل موضوع بموضوع آخر أولا؟ بل تبدل وصف الخمرية بالخلية و إلّا هو هو و لم يتبدل موضوعه.

أقول: لا اشكال في ان الحكم بالطهارة في مورد الانقلاب ليس من باب كون الانقلاب فردا من افراد الاستحالة. و الشاهد على ذلك كون الانقلاب مخصوصا ببعض احكام لا يكون في الاستحالة و هو انه في الاستحالة إذا صار الشي‌ء قبل الاستحالة متنجسا فاستحال لا يقال بطهارته حتى من حيث ما يكون نجسا.

مثلا: إذا وقع كلب في مملحة رطبة و صارت هذه المملحة بسبب ملاقاتها مع الكلب نجسه فاستحال هذا الكلب ملحا في هذه المملحة المتنجسة، فلا يطهر بالاستحالة. لأن الاستحالة تطهر الكلب من حيث النجاسة الكلبية لا من حيث لأن‌

29

حيث النجاسة المتنجس بها الكلب من جهة ملاقاته مع الرطوبة المتنجسة، و ان كان منشأ نجاسة هذه الرطوبة هو ملاقاتها لهذا الكلب.

و لكن في الانقلاب لا يضر ذلك، فظرف الخمر يتنجس داخله بملاقاته للخمر فإذا انقلب الخمر خلا يطهر الخمر بالانقلاب و لا يضر نجاسة الداخل من الظرف بنجاسته الحاصلة سابقا، على الانقلاب بطهارة الخمر الحاصل بالانقلاب، بل يطهر داخل الظرف بالتبع أيضا.

و كذلك الاستحالة مخصوصة ببعض الاحكام ليس في الانقلاب، و هو ان المتنجسات تطهر بالاستحالة و لا تطهر بالانقلاب. و هذا شاهد على كون الانقلاب عنوان غير عنوان الاستحالة و ان فرض كونه منطبقا مع الاستحالة، بدعوى كون الخل غير الخمر حقيقة في نظر العرف، لكن لا اشكال في ان طهارته من باب الانقلاب لا من باب الاستحالة، لما قلنا من الفرق في الحكم، و ان كان لدعوى عدم كون الانقلاب موضوعا من صغريات الاستحالة مجال، لكن بعد اختلافهما في الحكم لا ثمرة في البحث في كون الانقلاب هو الاستحالة أم لا.

*** [مسئلة 6: إذا تنجس العصير بالخمر ثم انقلب خمرا]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 6: إذا تنجس العصير بالخمر ثم انقلب خمرا و بعد ذلك انقلب الخمر خلا لا يبعد طهارته لان النجاسة العرضية صارت ذاتية بصيرورته خمرا لأنها هي النجاسة الخمرية بخلاف ما إذا تنجّس العصير بسائر النّجاسات فإن الانقلاب إلى الخمر لا يزيلها و لا يصيّرها ذاتية فأثرها باق بعد الانقلاب أيضا.

(1)

أقول: قد يقال في وجه الحكم بالطهارة في الفرض الأوّل المذكور في المسألة هو عدم جواز اجتماع المثلين و في المقام اجتماع النجاسة العرضية مع النجاسة الذاتية‌

30

يوجب اجتماع المثلين، لأن تنجس العصير بالخمر يوجب النجاسة العرضية، و صيرورة العصير خمرا يوجب النجاسة الذاتية فلا يمكن مع النجاسة الذاتية بقاء النجاسة العرضية فلا يمكن جمعهما، لأنه مع كون نجاستهما من سنخ واحد يلزم في اجتماعهما اجتماع المثلين و هو محال.

و قد يقال بان النجاسة لا تقبل التكرار فإذا كانت النجاسة من سنخ واحد مثلا لو تلوث المحل بفرد من الدم ثم تلوّث بفرد آخر من الدم فبعد صيرورة المحل متنجّسا بالفرد الأوّل فليس قابلا لتنجسه بالفرد الثّاني لأنهما من سنخ واحد لعدم قابلية النجاسة للتكرار، و لو لم نقل فرضا ببطلان اجتماع المثلين و لا بعدم الاجتماع مع كونهما من سنخ واحد لكن النجاسة غير قابل للتكرار إذا كانت من سنخ واحد.

و فيه: انه ان كان الوجه فيما فصّل المؤلف (رحمه اللّه) و اختار الطهارة في الفرض الأوّل لزوم اجتماع المثلين. فنقول: مع قطع النظر عن المناقشة في وجهه من استلزامه اجتماع المثلين بانّه لا يلزم اجتماع المثلين لكون موضوع الطهارة العرضية الجسم، و موضوع الطهارة الذاتية هو الخمر بما هو نوع من الانواع.

و انه يلزم اجتماع المثلين فيما تكونا نجاستين مستقلّتين، و إما إذا كانت النجاسة الثانية مؤكدة للأولى و لاشتداد ملك يوجب اجتماع المثلين.

كما إن ما قيل في الوجه الثّاني من عدم قابلية النجاسة للتكرار لا يلزم إذا كانت الثانية مؤكدة للأولى، بانه ليست الطهارة في مفروض الكلام دائرة مدار ما قاله المؤلف (رحمه اللّه) من ان النجاسة العرضية صارت ذاتية، و لهذا تتعب النفس في توجيه ذلك و بيان زوال النجاسة العرضية مع الذاتية بل يكون الحكم بالطهارة و عدمه مبنيا على شمول اطلاق النّصوص الواردة في الانقلاب للمورد و عدمه حتى فيما التزمنا بزوال النجاسة العرضية مع طروّ النجاسة الذاتية.

أما فيما بقيت النجاسة العرضية فنشك في ان الانقلاب بالخل يطهر الخمر الذي تنجس حال عصيريته أم لا. فإن كان اطلاق النّصوص يشمل ما تنجّس الخمر، او‌

31

العصير بالخمر قبل انقلابه خلا نقول بالطهارة و إلّا فلا.

كما انّه لو التزمنا بزوال النجاسة العرضية، فبعد صيرورة العصير خمرا نشك في طهارته بالانقلاب مع تنجّسه حال عصيريته بالنجاسة العرضية. يعني الخمر فإن قلنا بشمول الاطلاقات نقول بطهارته بانقلابه خلا و إلّا فلا، فالحكم بالطهارة في الصورة الأوّلى و هي الصورة التي تنجس العصير بالخمر، ثم انقلب خمرا، ثم انقلب خلا، مبنيّ على شمول اطلاق النّصوص لهذه الصورة و ليس مبنيّا على القول بزوال النجاسة العرضية بطروّ النجاسة الذاتية له و عدم القول به.

و على مختارنا في مسئلة مطهرية الانقلاب من شمول الادلة لما إذا تنجس الخمر بنجاسة غير الخمرية، يظهر لك طهارة الخمر بانقلابه خلا في هذه الصورة و ان التزمنا ببقاء النجاسة العرضية، مع طروّ النجاسة الذاتية عليها لأن اطلاق بعض النصوص الواردة يشمل حتى صورة تنجس الخمر بنجاسة غير الخمر قبل انقلابه خلا و ان كان بترك استفصال الإمام (عليه السلام) بين صورة عدم تنجس الخمر بنجاسة أخرى و بين نجاسته بنجاسة اخرى في طهارة الخمر بانقلابه خلا.

و مما قلنا يظهر لك حكم الصورة الثانية من المسألة: و هي ما إذا تنجس العصير بنجاسة غير النجاسة الخمرية، فانقلب خمرا، ثم انقلب الخمر خلا، لأنه يطهر بانقلابه خلا لشمول اطلاق بعض نصوص الوارد في الانقلاب لها أيضا.

*** [مسئلة 7: تفرق الاجزاء بالاستهلاك غير الاستحالة]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 7: تفرق الاجزاء بالاستهلاك غير الاستحالة و لذا لو وقع مقدار من الدم في الكر و استهلك فيه يحكم بطهارته لكن لو خرج الدم من الماء بآلة من الآلات المعدة لمثل ذلك عاد إلى النجاسة بخلاف الاستحالة فانه إذا صار البول بخارا ثم ماء لا يحكم بنجاسته لانه صار حقيقة اخرى نعم لو فرض صدق

32

البول عليه يحكم بنجاسته بعد ما صار ماء و من ذلك يظهر حال عرق بعض الاعيان النجسة أو المحرّمة مثل عرق لحم الخنزير أو عرق العذرة أو نحوهما فإنه إذا صدق عليه الاسم السابق و كان فيه آثار ذلك الشي‌ء و خواصه يحكم بنجاسته أو حرمته و ان لم يصدق عليه ذلك الاسم بل عدّ حقيقة اخرى ذات اثر و خاصية اخرى يكون طاهرا و حلالا و اما نجاسة عرق الخمر فمن جهة انه مسكر مائع و كل مسكر نجس.

(1)

أقول: اما ما قال من ان الاستهلاك غير الاستحالة فصحيح. لأن استهلاك شي‌ء في شي‌ء آخر عبارة عن صيرورة وجود شي‌ء مقهورا بشي‌ء آخر يوجب عدم ظهوره و عدم قابليّته لأن يصير مورد الاشارة الحسيّة و عدم ترتّب آثاره عليه عند العرف و عدة كالعدم بنظر العرف و ان لم يكن منعدما بحسب الواقع، بل هو موجود مستهلك.

و هذا بخلاف الاستحالة فإنّها كما بيّنا صيرورة موضوع، موضوعا آخر، فيكون المستحيل غير المستحيل عنه حقيقة و بحسب الواقع ففي الاستحالة في الحقيقة انعدام شي‌ء و وجود شي‌ء آخر محله. بخلاف الاستهلاك فإن فيه لا ينعدم شي‌ء بل استهلك شي‌ء في شي‌ء آخر.

إذا عرفت هذا يقع الكلام فيما قاله المؤلف (رحمه اللّه) (و لذا لو وقع مقدار من الدم في الكر و استهلك فيه يحكم بطهارته لكن لو خرج الدم من الماء بآلة من الآلات المعدّة لذلك عاد إلى النجاسة).

أقول: اما ما قاله من الحكم بطهارة الدم المستهلك في الكر ففيه: إن الدم المستهلك ليس له موضوع بنظر العرف حتى يحكم بطهارته او نجاسته، لأنه مع فرض الاستهلاك ليس له موضوع و بحكم المعدوم في نظرهم، بل لو امكن الحكم‌

33

عليه يحكمون بنجاسته.

نعم أثر وقوع الدم في الماء هو إن الماء الواقع فيه الدّم لو كان ماء غير عاصم ينجس به الماء، و ان استهلك فيه و لأجل صيرورة الماء الغير العاصم نجسا بملاقاته للدم قال المؤلف (رحمه اللّه) (لو وقع مقدار من الدم في الكر) لأنه لو وقع في الماء غير الكر يحكم بنجاسته بنظره الشريف لنجاسة الماء الغير العاصم بملاقاة النجاسة. و اما نحن نقول بأن الدم الواقع في الماء و كان عاصما إذا استهلك الدم فيه لا تحكم لا بطهارة الدم و لا بنجاسته. و اما إذا وقع في الماء القليل ينجس الماء و ان استهلك فيه.

اما ما قاله المؤلف (رحمه اللّه) (بخلاف الاستحالة فإنّه إذا صار البول بخارا ثم ماء لا يحكم بنجاسته لأنه صار حقيقة أخرى نعم. لو فرض صدق البول عليه يحكم بنجاسته).

أقول: انه لو التزمنا في البخار المتصاعد من البول بالاستحالة، فمقتضاه تبدل البول بحقيقة اخرى، فإذا صار بعد ذلك بولا بحيث يصدق عليه البول فلا يمكن ان يقال بانه البول السابق المستحيل بخارا لأنه صار شيئا آخرا. ففي الحقيقة انعدم شي‌ء و وجد شي‌ء آخر فكيف يكون هذا البول هو البول المتقدم فلا بد من الالتزام بان هذا بول وجد من البخار، لا انه البول السابق أو الالتزام بعدم الاستحالة من رأس لأن البخار ليس إلّا الاجزاء المتصاعدة من البول، أو الالتزام بعدم نجاسة هذا الماء و عدم كونه بولا.

و حيث امضينا بان البخار المتصاعد من البول لم يكن ممن صغريات الاستحالة و لذا يحكم بنجاسته حال بخاريته، و بعد صيرورته ماء، لو صدق عليه البول أو المتنجس، قلنا بأن الاحوط الاجتناب عنه نقول بأن الاحوط في المقام الاجتناب عنه. و إما عرق بعض الاعيان النجسة أو المحرمة مثل عرق لحم الخنزير أو العذرة و نحوهما فقال المؤلف (رحمه اللّه) (ان صدق عليه الاسم السابق و كان فيه آثار ذلك الشي‌ء و خصوصياته يحكم بنجاسته أو حرمته و ان لم يصدق عليه ذلك الاسم بل‌

34

عدّ حقيقة أخرى ذات اثر و خاصية أخرى عليه يكون طاهرا و حلالا).

أقول: لم يختر (رحمه اللّه) نجاسة عرق بعض النجاسات، و عدمها، بل احال إلى العرف. و هو صحيح لأنه: إذا لم يستحيل شي‌ء نجس بشي‌ء آخر عند العرف فهو نجس. و لا يلزم بعد حكم العرف ازيد من ذلك مثل بقاء صفاته أو آثاره نعم قد يتوقف حكم العرف على مثل هذه الأمور، وجودا، و عدما حتى يحكم بحصول الاستحالة و عدمه، فالميزان نظر العرف فيما لم يبين الشارع موضوع حكمه، فمن عدم بيانه نكشف كون الموضوع عنده ما هو الموضوع عند العرف.

و أما عرق الخمر فهو نجس و محرّم شربه، و ليس حرمة شربه و نجاسته من باب كونه عرق النجس حتى يقال: بأن نجاسته أو طهارته مبنيا على نجاسة عرق النّجس و عدمه، بل هو نجس و محرم شربه و لو لم نقل بنجاسة عرق الاعيان النجسة و حرمته.

بل يكون وجه نجاسته و حرمة شربه انه مسكر مائع، و كل مسكر مائع بالاصالة نجس و يحرم شربه فافهم.

*** [مسئلة 8: إذا شك في الانقلاب بقي على النجاسة]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 8: إذا شك في الانقلاب بقي على النجاسة.

(1)

أقول: الظاهر ان يكون مفروض الكلام في المسألة هو الشبهة المصداقية بعد تبين مفهوم الانقلاب، فيشك في حصول الانقلاب و عدمه، و في هذا الفرض يحكم بنجاسة المشكوك ببركة الاستصحاب.

هذا تمام الكلام في المسائل المتعلقة بمطهرية الانقلاب على الترتيب المذكور في العروة الوثقى و الحمد للّه و الصلاة و السلام على رسوله و آله الطاهرين.

35

[السادس من المطهرات: ذهاب الثلثين في العصير العنبي]

قوله (رحمه اللّه)

السادس من المطهرات:

ذهاب الثلثين في العصير العنبي على القول بنجاسته بالغليان لكن قد عرفت ان المختار عدم نجاسته و ان كان الاحوط الاجتناب عنه فعلى المختار فائدة ذهاب الثلثين تظهر بالنسبة إلى الحرمة و اما بالنسبة إلى النجاسة فتفيد عدم الاشكال لمن اراد الاحتياط و لا فرق بين ان يكون الذهاب بالنار أو بالشمس أو بالهواء كما لا فرق في الغليان الموجب للنجاسة على القول بها بين المذكورات كما ان في الحرمة بالغليان التي لا اشكال فيها و الحلية بعد الذهاب كذلك أي لا فرق بين المذكورات و تقدير الثلث و الثلثين أما بالوزن أو بالكيل أو بالمساحة و يثبت بالعلم أو بالبينة و لا يحكم بالظّن و في خبر العدل الواحد اشكال إلّا أن يكون في يده و يخبر بطهارته و حلّيته و حينئذ يقبل قوله و ان لم يكن عادلا إذا لم يكن ممن يستحله قبل ذهاب الثلثين.

(1)

أقول: مضي في المسألة الأولى من المسائل المتفرعة على نجاسة الخمر أن الأقوى كما عن المؤلف (رحمه اللّه) هو عدم نجاسة العصير بالغليان سواء كان الغليان، بالنار أو بالشمس أو بالهواء، فعلى هذا تظهر فائدة ذهاب الثلثين بالنسبة إلى الحرمة. و أما‌

36

بالنسبة إلى النجاسة فتفيد عدم الاشكال لمن أراد الاحتياط.

فما ينبغي ان يقع الكلام فيه امور:

الأمر الأوّل: يقع الكلام في أن العصير الغالي

بناء على القول بنجاسته يطهر بذهاب الثلثين أو تزيل حرمته بذهاب الثلثين فقط بناء على حرمته بالغليان، أم لا.

أعلم إن ذهاب الثلثين يكون سببا لارتفاع الحرمة الثابتة بالغليان في الجملة، كما انّه مطهّرا بناء على نجاسة العصير بالغليان، لدلالة بعض الرّوايات الواردة في المسألة و قد ذكرناها في المسألة الأولى من المسائل المتفرعة على نجاسة الخمر سابقا فراجع.

الأمر الثاني: كما مر منا في المسألة المشار إليها يكون ذهاب الثلثين مطهرا،

أو رافعا للنجاسة، على القول بها لخصوص ذهاب الحرمة إذا كان الغليان بالنار و أما، إذا كان بغير النار فلا يطهر بناء على صيرورته نجسا بسبب الغليان و لا يحلّ إلّا بانقلابه خلا خلافا لمختار المؤلف (رحمه اللّه)، لأن المتعين من كون ذهاب الثلثين مطهرا أو سببا للحلية ليس إلّا صورة غليانه بالنار بمقتضى الاخبار.

الأمر الثالث: أعلم إن ذهاب الثلثين يكون سببا لطهارة العصير

على القول بنجاسته بالغليان و سببا لحليّته، إذا كان ذهاب الثلثين لغليانه بخصوص النار خلافا لما اختاره المؤلف. لأن المتعيّن من مورد النّصوص ليس إلّا هذه الصورة فإن كان ذهاب الثلثين بغير النار و إن كان غليانه بالنار فلا يطهر و لا يحل، إلّا بما قلنا من صيرورته خلا لما قدمنا سابقا في طي المسائل المتفرعة على نجاسة الخمر أن العصير في هذه الصورة ان صار خمرا فمطهّره و محلله الانقلاب بالخلّ، و إن لم يصر خلا كما لا يبعد ذلك فنقول، بطهارته على القول بالنجاسة و نقول بحليته بعد انقلابه خلا لشمول أدلة حلية الخلّ له.

الأمر الرّابع: هل يكون التقدير في الثلث و الثلثين بخصوص الوزن

أو بخصوص الكيل، أو بخصوص المساحة، أو بكل منها على سبيل التخيير. أعلم إن في‌

37

المقام كلاما في انّ التقدير بالكيل، يرجع إلى التقدير بالمساحة لأن الظرف الذي يكون آلة للكيل له مساحة مقدرة يقدّر بها المظروف. مثلا إذا كان ظرف طوله ثلاث أشبار و عمقه ثلاثة أشبار و عرضه ثلاثة و كان ظرفا و وعاء لكيل خاص مثلا ثلاث منّا فلو وقع فيه العصير و غلى، و ذهب ثلثاه بالنار، و بقي ثلثه يصير حلالا كذلك. لو قدر بالمساحة و هي على الفرض كانت ثلاثة أشبار فأيضا بالغليان و ذهاب ثلثيه بالنار يبقى شبرا فيكون التقدير بالمساحة بعين التقدير بالكيل، و هكذا في كل مورد فالتقدير بالمساحة مساو مع التقدير بالكيل فظهر ان التقدير بالكيل و الوزن متحدان و أما الوزن فلا يتّفق معهما اذ في المثال بقي مما في الظرف يكون ثلثه بحسب الكيل و ذهب ثلثاه أي الكيلان و ذهب و لكن بحسب الوزن لا يبقى ثلثه. بل ما بقي في الظرف يكون أكثر من الثلث لأن ما نقص منه بالغليان بالنار هو بعض الأجزاء المائية من العصير الذي يكون له الخفّة، و ما بقي منه هو بعض أجزائه الثقيلة فقهرا ما ذهب منه بالغليان كان بحسب الوزن أخف مما بقي منه فيكون ما بقي منه في المثال المذكور أكثر من الثلث بحسب الكيل فما بقي في المثال يكون أزيد من الثلث بحسب الوزن مع فرض كونه بقدر الثلث بحسب الكيل و المساحة.

ثم بعد هذا يقع الكلام في أن العبرة في تقدير الثلث و الثلثين في المسألة المذكورة هل يكون في مقام التقدير بخصوص الوزن، أو بخصوص الكيل و المساحة بناء على كونهما متحدا، كما عرفت أو يكون التقدير بكل من الوزن. أو الكيل و المساحة مخيرا بينهما.

فنقول بعونه تعالى إن ما يمكن ان يستدل به على كون العبرة في مقام التقدير بالوزن روايات:

الرّواية الأوّلى: ما رواها عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أخذ عشرة أرطال من عصير العنب فصبّ عليه عشرين رطلا ماء، ثم طبخهما حتى ذهب منه عشرون رطلا و بقي عشرة أرطال أ يصلح شرب تلك العشرة أم لا؟

38

فقال: ما طبخ على الثلث فهو حلال (1).

تدل الرّواية على ان العصير إذ اذهب ثلثاه يحل ثلثه الباقي في صورة ذهاب ثلثيه بالوزن.

فأن قلت إن فرض كلام السائل و ان كان التثليث بحسب الوزن من باب ان الرطل وزن من الأوزان لكن جواب الإمام (عليه السلام) ليس إلّا عن الحلية إذا طبخ على الثلث و اما كون الثلثين بالوزن أو بغيره فسألت عنه.

قلت الظاهر كون نظره الشّريف كفاية حصول التثليث بالوزن كما هو نظر السائل في سؤاله و أما كون الاعتبار في التثليث بخصوص الوزن فلا يستفاد من الرواية لأن غاية ما دلّت عليه، هو ان التثليث بالوزن تثليث، و اما كون خصوصه تثليثا لا غير فلا تدل عليه، و هل يمكن ان يقال باستفادة الاطلاق من الرواية و ان مطلق التثليث كاف في الحلية، سواء كان بالوزن أو بالكيل أو و المساحة، و أجاب (عليه السلام) جوابا مطلقا يكون مورد السؤال أحد أفراده أم لا.

الرّواية الثانية: ما رواها ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا زاد الطّلاء (2) على الثلث أوقية، فهو حرام (3) تدل على ان ما زاد الطّلاء على الثلث بحسب الأوقية فهو يكون حراما.

الرّواية الثالثة: ما رواها عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: العصير إذا طبخ حتى يذهب منه ثلاثة دوانيق و نصف ثم يترك حتى يبرد فقد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه (4).

أقول إذا حمل الدّانق على السّدس من الشّي‌ء، ففي الرّواية احتمالان:

____________

(1) 1 من الباب 8 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

(2) الطّلاء كالكساء ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه و يبقى ثلثه.

(3) 9 من الباب 2 من أبواب الأشربة المحرمة من ل.

(4) 7 من الباب 5 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

39

الاحتمال الأوّل: أن يكون المراد من قوله ثلاثة دوانيق و نصف، ثلاثة دوانيق و ثلاثة نصف و بعبارة أخرى يكون أربع دوانيق و نصف من ستة دوانيق فعلى هذا بعد ذهاب هذا المقدار، يكون الباقي أقل من ثلث الكل بنصف دانق لأن ثلث ستة دوانيق يكون دانقين، لا دانق و نصف. فعلى هذا لا يكون مفاد هذه الرّواية التحديد الحقيقي بل يكون الفرض في الرّواية انه مع ذهاب هذا المقدار و بقاء هذا المقدار فقد تحقق ما هو موضع الحلية أو الطهارة على القول بالنجاسة) مسلما و انه بذلك وقع التثليث يقينا، و ان كان الباقي أقل من الثلث فالتحديد على هذا تقريبي و هذا الاحتمال خلاف ظاهر الرّواية لأن الظاهر من الرّواية كون ما بقي ثلث ما ذهب منه حقيقة لا انقص منه فهذا الاحتمال خلاف الظاهر من الرّواية.

الاحتمال الثاني: ان يكون المراد من ثلاثة دوانيق و نصف، هو ظاهره من ثلاثة دوانيق و نصف دانق. و على هذا يكون ما بقي أزيد من الثلث فكيف قال المعصوم (عليه السلام) (ذهب ثلثاه و بقي ثلثه) إلّا أن يقال بما حكى عن صاحب الوافي بان قوله (عليه السلام) بعد ذلك (ثم يترك حتى يبرد) بان نظره كان إلى أن البرودة تذهب ما بقي من الثلثين اللازم ان يذهبا، فلم يبق بعد البرودة إلّا ثلثه فقط. فعلى هذا لا يستفاد من الرّواية كون العبرة في ذهاب الثلثين و بقاء الثّلث بخصوص الوزن بل يكفي تحقق التثليث التقريبي في التثليث، لأنه بسبب البرودة يحصل التثليث التقريبي.

مضافا إلى ان غاية الأمر دلالة الرّواية على ان ما بقي بعد ذهاب ثلاثة دوانيق و نصف، و تركه حتى يبرد ليس إلّا الثلث و أما كون العبرة بخصوص الوزن فلا يستفاد من الرّواية. إذا عرفت ذلك نقول بان غاية ما يستفاد من الرّواية الأولى و الثالثة هو الاكتفاء في مقام التثليث بالوزن و هذا المقدار مما لا اشكال فيه و لو لم يكن نصا حاكما عليه، لانّه بعد ما يكون المسلم من ان العبرة في التّثليث اما بالوزن و أما بالكيل و المساحة، و بعد ما يرى ان كل مورد حصل التّثليث بالوزن حصل التّثليث بالكيل و المساحة لما قلنا لك من انه ربما حصل التّثليث بالكيل و المساحة مع‌

40

عدم حصوله بالوزن بعد، فعلى هذا كلما حصل التثليث بالوزن فقد حصل التّثليث بالكيل و المساحة فلا مجال للاشكال في حصول التّثليث بالوزن.

انما الإشكال و الكلام في ان العبرة في تقدير التّثليث بالوزن متعينا، و لا يستفاد التعيين من الرّواية الأولى و الثالثة.

و اما الرّواية الثانية: و هي رواية ابن أبي يعفور و هي و إن دلت على ان ما يزيد على الثلث بحسب الاوقية حرام لكن الرواية ضعيفة باعتبار ان روى عن محمد بن عبد الحميد و هو غير معلوم. هذا كله بالنسبة إلى بعض الاخبار المستدلة على كون العبرة في التثليث بالوزن.

و اما ما يمكن الاستدلال به على كون العبرة في التّثليث بالكيل و المساحة روايات:

الرواية الاولى: ما رواها عمار بن موسى الساباطي قال: وصف لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا فقال لي (عليه السلام) تأخذ ربعا من زبيب و تنقّيه ثم تصبّ عليه اثني عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة فإذا كان أيّام الصيف و خشيت ان ينشّ جعلته في تنور سخن قليلا حتى لا ينشّ ثم تنزع الماء منه كله إذا اصبحت ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره ثمّ تغليه (1)، حتى يذهب حلاوته ثم تنزع مائة الآخر فتصبه على الماء الأوّل ثم تكيله كله فتنظر كم الماء ثم تكيل ثلاثة فتطرحه في الاناء الذي تريد ان تغليه، و تقدره، و تجعل قدره قصبة أو عددا فتحدّها على قدر منتهى الماء ثم تغلى الثلث الآخر حتى يذهب الماء الباقي ثم تغلية بالنار فلا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث ثم تأخذ لكل ربع رطلا من عسل فتغليه حتى تذهب رغوة العسل و تذهب غشاوة العسل في المطبوخ، ثم تضربه بعود ضربا شديدا حتى يختلط، و ان شئت ان تطيّبه بشي‌ء من زعفران، أو شي‌ء من زنجبيل‌

____________

(1) في بعض النسخ ثقلبه.

41

فافعل، ثم اشربه، فان احببت ان يطول مكثه عندك فروقه (1).

الرّواية الثانية: ما رواها عمار أيضا (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و هي و ان لم تكن من حيث المتن موافقه مع الرّواية الأولى لكن مع ذلك لا يبعد كون الروايتين رواية واحدة لكون الاختلاف الحاصل من راويهما و هو عمار لأنه مرمى بعدم الضبط و على كل حال يستفاد من الرّواية الثانية كون التحويل على الكيل و المساحة في تقدير الثلث.

و قد عرفت عند التّكلم في عدم حرمة العصير الزبيبي، ان الرّوايتين تكونان في مقام بيان الوظيفة في كيفية تحفظ العصير من ان يصير خمرا بالبقاء، لا انّه بالغليان يصير حراما، حتّى يحتاج في تحليله إلى التثليث فلا تكونان دليلا على اعتبار الكيل و المساحة في مقام تثليثه، و لا اقل من كون الروايتين قابلة الحمل بما قلنا، فلا يمكن الاستشهاد بهما.

الرّواية الثالثة: و هي ما رواها اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (3) و هذه الرواية لا تدل على الاكتفاء في مقام تثليث العصير بالعود، لما قلنا في عدم حرمة العصير الزبيبي، من ان لسانها مثل روايتي عمار بحسب الظاهر تكون في مقام بيان علاج عدم صيرورة العصير حراما، و بعبارة أخرى تكون في مقام بيان دفع الحرمة، لا رفع الحرمة فلا يستفاد من هذه الرّوايات الثلاثة صيرورة العصير الزبيبي حراما حتى يحلّ بالتثليث. حتى يقال يكفي في تثليثه الكيل و المساحة، و لا أقل من كون الرّوايات قابلة الحمل على ما قلنا فلا يمكن الاستشهاد بها، مضافا إلى ان هذه الرواية باعتبار ان محمد بن الحسين روى عمن اخبره عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي و من اخبر عنه محمد بن الحسين مجهول فتكون ضعيفة‌

____________

(1) 2 من الباب 5 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

(2) 3 من الباب 5 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

(3) 4 من الباب 5 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

42

السند.

هذا كله فيما يمكن ان يستدل بها على كفاية التثليث بالكيل و المساحة، و قد عرفت مما مر انه لا اشكال في الاكتفاء في مقام التثليث بالوزن بحسب النّص، كما انه لا اشكال في كفاية التثليث بالوزن في رفع الحرمة، لكونه المتيقن لانه إذا قدر بالوزن و بقي الثلث بحسب الوزن و ذهب ثلثاه بحسب المساحة و الكيل مسلما لما قلنا من ان التقدير بالوزن اخصّ من التقدير بالكيل و الوزن.

انما الاشكال في انه هل يصح الاكتفاء بالكيل و المساحة كما يصح الاكتفاء بالوزن أم لا.

أقول: ان قلنا بان اطلاق قوله (عليه السلام) في الرّواية الأولى من الرّوايات الثلاثة المتمسكة بها على الاعتبار بالوزن بان (ما طبخ على الثلث فهو حلال) يشمل التثليث بالكيل و المساحة أيضا، كما هو المحتمل فيكتفي بها كما يكتفي بالوزن، و ان لم نقل بذلك فنقول، بأن غاية ما تدل عليه الرّواية الاولى من الروايات الثلاثة (بعد عدم امكان التعويل بالثانية منهما لضعف سندها) هو جواز الاكتفاء في التثليث بالوزن و اما تعينه فلا يستفاد منها، و الرّواية الثالثة على فرض الاغماض عما استشكلنا على دلالتها، فلا يكون مفادها ازيد من كفاية الاخذ بالوزن في مقام التثليث و اما تعينه فلا يستفاد منها.

ثم بعد ذلك نقول، لو جعل الشارع شيئا أو عنوانا موضوعا لحكم و لم يعين موضوع حكمه بقيوده و شرائطه، فلا بدّ من الرجوع في تشخيص موضوعه إلى العرف بمقتضى الاطلاق المقامي، لأنه بعد كونه في مقام البيان و لم يبيّن ما هو موضوع حكمه، و يرى ما هو عند العرف موضوع بنظرهم العرفي فلو كان نظره غير ما هو عند العرف موضوع كان عليه البيان و إلّا لأخلّ بفرضه و هو قبيح تعالى شأنه عنه، فنحكم بمقتضى الإطلاق المقامي ان الموضوع عنده ما هو موضوع عند العرف ففي ما نحن فيه بعد ما جعل التثليث حدا للحلية و انه إذا ذهب ثلثاه و بقي الثلث فهو حلال‌

43

و لم يعيّن ان الميزان في التثليث على الوزن أو على الكيل و المساحة، أو على كل منهما، فما يأتي بنظر العرف هو الموضوع و الميزان و لا اشكال في انه يكتفي بالتثليث بالكيل و المساحة بنظر العرف، فبالاطلاق المقامي نحكم بكفاية ذلك عند الشارع أيضا.

فأن قلت، إن الشّارع بمقتضى الرّوايات الثلاثة عيّن ما هو الضابط و الميزان في مقام التثليث و هو الوزن فلا معنى بعد ذلك من الرجوع إلى العرف في تشخيص الضّابط. قلت، كما بيّنا اما الرواية الثانية منها ضعيفة السند فلا يعوّل عليها، و اما الأولى و الثالثة، فغاية ما يدل مفادهما، هو ان الامام (عليه السلام) قرّر الاخذ بالوزن و اما كون الوزن فقط هو الضابط و انّه موضوع حكمه لا غيره فلا تدلان عليه، فنشك فيما هو الميزان و لم يعيّن الشّارع، فلا بدّ من الرّجوع إلى العرف، خصوصا مع ما نرى من كون العمل خارجا عند المتشرعة على الكيل و المساحة و صعوبة التثليث بالوزن، فعلى هذا نقول لا يبعد الاكتفاء بالكيل و المساحة كما يكتفي بالوزن و ان كان التثليث بالوزن احوط.

الامر الخامس: و يثبت ذهاب الثلثين بامور:

الأوّل: العلم لانه بنفسه طريق إلى الواقع‌

الثّاني: البينة لما قلنا من حجيّتها في طريق ثبوت نجاسة الماء، و طريق ثبوت مطلق النجاسات، و ثبوت الطهارة بها. و لا يثبت بمطلق الظّن لعدم حجّية مطلق الظّنّ. و لا يثبت بقول عدل واحد إلّا إذا حصل منه الاطمينان.

الثّالث: قول ذي اليد في الجملة فإنه يؤخذ بقوله إذا اخبر بطهارته و حلّيته. و تفصيل ذلك ان المستفاد من بعض الاخبار هو عدم حجية قوله مطلقا بل قوله حجة مع بعض الشرائط.

كالرّواية التي رواها عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرّجل يهدي إليّ البختج من غير اصحابنا، فقال: إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه و ان كان‌

44

ممن لا يتسحل فاشربه (1). يستفاد منها انه مع كونه مستحلا له يكون متهما في اخباره.

و كالرّواية التي رواها معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول قد طبخ على الثلث و أنا اعرف انه يشربه على النّصف أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النّصف؟ فقال لا تشربه، قلت فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحلّه على النّصف يخبرنا: ان عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه، يشرب منه؟ قال نعم (2) يستفاد منها عدم كونه متهما في اخباره.

و الرّواية التي رواها عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث انه سئل عن الرّجل يأتي بالشراب، فيقول: هذا مطبوخ على الثلث، قال: إن كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس ان يشرب (3).

و اعلم ان انحصار قبول القول إذا كان مسلما عارفا مؤمنا، ليس إلّا من باب عدم كونه متهما و لو ضمّ هذا الخبر و مع سائر الاخبار يستفاد كون الميزان عدم الاتهام في القول، خصوصا إذا كان متن الحديث ما حكى عن الوافي (أو ورعا مأمونا) لأنه يستفاد من الخبر اعتبار بقول المخبر اذا كان ورعا مأمونا في نقله و هذا عبارة أخرى عن عدم كونه متهما.

و الرّواية التي رواها علي بن جعفر (قال سألته عن الرّجل يصلي إلى القبلة لا يوثق، به اتى بشراب يزعم انه على الثلث فيحل شربه؟ قال: لا يصدق إلّا أن يكون مسلما عارفا) (4).

و لا يستفاد من هذه الرّواية إلّا كون الإسلام و المعرفة سببا لعدم كونه متهما.

____________

(1) 1 من الباب 7 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

(2) من الباب 7 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

(3) 6 من الباب 7 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

(4) 7 من الباب 7 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

45

و الحاصل انه لا يمكن اعتبار ازيد من عدم الاتهام في قبول قول ذي اليد، و ما في المتن من قوله من تقييد اعتبار قول ذي اليد بعدم كونه ممّن يستحل شربه قبل ذهاب الثلثين، إن كان نظره إلى كونه متهما في اخباره من باب كونه مستحلا فتمام و ان كان نظره إلى انه لا يقبل قول المستحل و ان كان لا يشرب إلّا على الثلث و لا يكون متّهما في اخباره فهو غير تمام.

و مما بينا: يظهر لك ان بعض ما يدل بإطلاقه على قبول قول ذي اليد مطلقا و ان كان متهما كالرّواية التي رواها معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البختج؟ فقال إذا كان حلوا يخضب الاناء و قال صاحبه: قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه فاشربه (1). لا بد من تقييدها بقرينة الاخبار المتقدمة بما لا يكون متهما.

كما ان الرّواية التي رواها ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا شرب الرّجل النّبيذ المخمور، فلا تجوز شهادته في شي‌ء من الاشربة، و ان كان يصف ما تصفون (2).

فهي مربوطة بباب الشهادة، و لا يستفاد منها إلّا كونه متهما في اخباره باعتبار كونه شاربا للنّبيذ المخمور.

و قد تلخّص مما مر انه يقبل قوله ذي اليد إذا لم يكن متهما في اخباره و هذا مقتضي ضمّ الاخبار المذكورة بعضها ببعض.

*** [مسئلة 1: بناء على نجاسة العصير إذا قطرت منه قطرة بعد الغليان على الثوب]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 1: بناء على نجاسة العصير إذا قطرت منه قطرة بعد الغليان على الثوب أو البدن أو غيرهما يطهر بجفافه أو

____________

(1) 3 من الباب 7 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

(2) 5 من الباب 7 من أبواب الاطعمة و الاشربة المحرمة من الوسائل.

46

بذهاب ثلثيه بناء على ما ذكرنا من عدم الفرق بين ان يكون بالنار أو بالهواء و على هذا فالآلات المستعملة في طبخه تطهر بالجفاف و ان لم يذهب الثلثان مما في القدر و لا يحتاج إلى اجراء حكم التبعية لكن لا يخلوا عن اشكال من حيث ان المحل إذا تنجّس به أوّلا لا ينفعه جفاف تلك القطرة أو ذهاب ثلثيها و القدر المتيقن من الطّهر بالتبعية المحل المعد للطّبخ مثل القدر و الآلات لا كل محل كالثوب و البدن و نحوهما.

(1)

أقول: هذا الحكم على تقدير تمامية وجهه مبني على القول بكفاية ذهاب الثلثين حتى بغير النّار في مطهريته و اما من يقول: بعدم نجاسته إذا غلى أو يقول بعد نجاسته بالغليان بانه لا ترتفع النجاسة بذهاب الثّلثين إلّا إذا كان الذهاب بخصوص النار و أما ما غلى بغير النّار أو ذهب ثلثاه بغير النار فلا يكون مطهّره على تقدير نجاسته إلّا التخليل فلا يبتلي بهذا الفرع.

إذا عرفت ذلك نقول: فيتفرع على قول من يلتزم بكفاية ذهاب الثلثين في تطهير العصير المغليّ و ان كان ذهب ثلثيه بغير النار مثل المؤلف.

فرع و هو انه إذا قطرت قطرة من العصير بعد الغليان قبل ذهاب ثلثيه على الثوب أو البدن هل يطهر الثوب أو البدن بجفاف هذه القطرة، أو بذهاب ثلثيه مع كون الجفاف أو ذهاب ثلثيه بغير النار أم لا؟ و كذلك تطهر بعض الآلات المستعملة في طبخه بالجفاف و ان لم يذهب ثلثا ما في القدر من العصير أم لا، وجه الطهارة ان كان من باب ان الحكم بطهارة ظرف العصير و الآلات المستعملة في طبخه لزوم لغوية طهارة العصير بذهاب ثلثيه، مع الالتزام ببقاء نجاسة القدر و ما هو مثله، لأنه لو لم يطهر القدر يوجب نجاسة العصير بملاقاته له فيقال ان هذا الملاك جار في البدن أو الثوب الواقع فيه قطرة من العصير و كذا في الآلات المستعملة في طبخه مع جفافها‌

47

قبل تثليث ما في القدر من العصير.

فأن قلت المتيقّن من التلازم في الطهارة من باب اللغوية هو القدر و الآلات الواقعة فيه، بعد ذهاب ثلثي العصير مما في القدر و اما القطرة الخارجية عن القدر الواقعة في موضع من الثوب أو البدن فلا تلازم بين طهارة العصير و هذا الموضع.

قلت ان القطرة المغليّة من العصير قبل ذهاب ثلثيه لا اشكال في كونها عصير مغلى. و بعد ذهاب ثلثي هذه القطرة من العصير و جفافها و لو بالهواء تطهر على الفرض فنقول لا يمكن التفكيك بين طهارة هذه القطرة و بين محلّها فكما تطهر منشأ القطرة تطهر موضعها. نعم من يقول بعدم كون هذا القطرة من العصير مشمول حكم العصير من حيث النجاسة و الحرمة قبل ذهاب ثلثيه و مشمول لحكم الحلية و الطهارة بعد ذهاب ثلثيه له ان يمنع عن طهارة الموضع الواقع فيه الفطرة لكن لا وجه لهذه الدعوى.

مضافا إلى انه لو كان هذه القطرة خارجة عن موضوع العصير المحكوم باحكام فيقال: لا دليل على نجاسة هذه القطرة، و لا حرمته على هذا فيكون موضعها طاهرا أيضا.

ان قلت إنه مع بقاء ثلث القطرة من العصير في المحل و ذهاب ثلثيه نحن نسلّم ما قلت، و لكن في صورة جفاف القطرة بالهواء و عدم بقاء شي‌ء منها فلا وجه لطهارة المحل الواقع فيه القطرة من العصير.

قلت: أوّلا: إن الحكم بطهارة ما بقي من الثلث من القطرة بعد ذهاب ثلثيها ليس متفرّعا على وجوده بل هذا الحكم ثابت له، و ان لم يكن موجودا فعلا مثل سائر الاحكام الثابتة للموضوعات، فالحكم بطهارة ما بقي لا ينفك من الحكم بالموضع للملازمة و إلّا تلزم لغوية الحكم بالطهارة للثلث الباقي من القطرة.

و ثانيا: بعد كون ذهاب ثلثي القطرة ثم جفا فها تدريجا إذا ذهب ثلثاها بالهواء مثلا و بقي ثلثها و لم يجفف بعد يحكم بطهارة ما بقي و مع الحكم بطهارته لا بد‌

48

من الحكم بطهارة الموضع و الا يلزم لغوية الحكم بطهارة الثلث الباقي من القطرة من العصير المغلي و كذلك الحال في الآلات المستعملة في طبخ العصير التي يجفّ عصير الواقع عليها قبل ان يذهب ثلثا ما في القدر لما قلنا.

و إما ان كان وجه طهارة القدر و الآلات المستعملة في طبخ العصير هو الاطلاق المقامي، بان الشارع حكم بطهارة العصير بعد ذهاب ثلثيه، و سكت عن طهارة القدر و الآلات المستعملة، و عدم طهارته و لم يفهم العرف و لم يأت بنظرهم نجاسة القدر و الآلات بعد طهارة نفس العصير بذهاب ثلثيه كما ترى و عدم بنائهم على تطهير القدر و الآلات و عدم سؤال السائلين عن حكم القدر و الآلات شاهد على انهم لا يرون نجاستها فإن كان نظر الشارع على نجاسة القدر و الآلات كان عليه البيان. فمن عدم بيانه نكشف طهارة القدر و الآلات بتبع العصير بعد ذهاب ثلثيه، فهل يمكن ان يقال بذلك في الموضع الذي وقع عليه قطرة من العصير المغليّ، أو بطهارة الآلات الجافّة بغير النّار قبل ذهاب ثلثي العصير الواقع في القدر أو لا يمكن ان يقال بذلك؟

أقول: يمكن على هذا المبنى الاشكال في الحكم بطهارة المحل الواقع عليه قطرة من العصير، أو الآلة المستعملة في طبخه مع صيرورته جافّا بالهواء أو بالشمس لعدم تسلم كون نظر العرف و السائلين إلى هذه الصورة، حتى يقال ان العرف و منهم السائلون لم يفهموا إلّا طهارة محل القطرة أو الآلة المستعملة الخارجة قبل ذهاب ثلثي العصير التي جفّت قبل ذهاب ثلثي العصير الواقع في القدر، و ان كان المحتمل عدم الفرق لكن مع هذا يكون الحكم بطهارة المحل أو الآلة محل اشكال.

و ان كان الوجه في طهارة القدر و الآلات بالتبع هو الاجماع. يمكن دعوى ان المتيقن منه هو القدر الآلات المستعملة في الطبخ الواقعة فيه إلى ان يذهب ثلثاه. لا غير ذلك فلا يمكن القول بطهارة محل القطرة و لا الآلة في الفرض الذي فرض المؤلف (رحمه اللّه) في المسألة المبحوثة عنها و على كل حال بعد عدم القول بنجاسة العصير‌

49

بالغليان يسهل الخطب و لا حاجة في اتعاب النفس في تنقيح الفرع المذكور في المسألة.

*** [مسئلة 2: إذا كان في الحصرم حبّة أو حبّتان من العنب]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 2: إذا كان في الحصرم حبّة أو حبّتان من العنب فعصر و استهلك لا ينجس و لا يحرم بالغليان، اما إذا وقعت تلك الحبة في القدر من المرق أو غيره فغلى يصير حراما و نجسا على القول بالنجاسة.

(1)

أقول: لا اشكال في انه إذا كان عصيرا موجودا و غلى يحرم مسلما. و ينجس أيضا على القول بنجاسة العصير بالغليان، و اما لو كان عصيرا و استهلك في شي‌ء بحيث لا يكون بنظر العرف عصير موجود، ثم بعد ذلك غلى ذلك الشي‌ء المستهلك فيه العصير لا يحرم ما غلى و لا ينجس، و ان قلنا: بحرمة العصير و نجاسته بالغليان لأن الحكم تابع لموضوعه و مع عدم عين و لا اثر من الموضوع و هو العصير لا معنى لعروض حكم الحرمة أو النجاسة عليه.

فعلى هذا نقول: في الفرع الأوّل، لو كان في الحصرم حبّة أو حبّتان من العنب فعصر و استهلك في الحصرم لا ينجس و لا يحرم بالغليان لعدم وجود عصير حتى يصير غليانه موجبا للحرمة أو النجاسة، و لو فرض بقاء العصير إلى ان تغلى الحصرم فغلى العصير و الحصرم يحرم و ينجس على القول بنجاسة العصير بالغليان، لأنه العصير الغالي و ان كان في الحصرم.

أما في الفرع الثّاني و هو ما لو وقعت تلك الحبّة في القدر من المرق أو في غيره فغلى مع المرق، قبل ان يستهلك في المرق يحرم و ينجس بناء على حرمة العصير‌

50

و نجاسته بالغليان لأنه عصير غلى في المرق أو في غيره، كما انه لو فرض استهلاكه في المرق قبل الغليان، ثم غلى المرق لا يحرم و لا ينجس لعدم وجود عصير يقال انه غلى، فالاختلاف في الفرعين ليس إلّا من باب فرض الاستهلاك قبل الغليان في الأوّل و عدم الاستهلاك في الثّاني و كان الممكن فرض الاستهلاك و عدم الاستهلاك في الفرع الأوّل و كذا في الفرع الثاني.

*** [مسئلة 3: إذا صبّ العصير الغالي قبل ذهاب ثلثيه في الذي ذهب ثلثاه]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 3: إذا صبّ العصير الغالي قبل ذهاب ثلثيه في الذي ذهب ثلثاه يشكل طهارته و ان ذهب ثلثا المجموع نعم لو كان ذلك قبل ذهاب ثلثيه و ان كان ذهابه قريبا فلا بأس به و الفرق ان في الصورة الأولى ورد العصير النّجس على ما صار طاهرا فيكون منجّسا له بخلاف الثانية فانه لم يصر بعد طاهرا فورد نجس على مثله هذا و لو صبّ العصير الذي لم يغل على الذي غلى فالظّاهر عدم الاشكال فيه و لعل السر فيه ان النّجاسة العرضية صارت ذاتية و ان كان الفرق بينه و بين الصورة الأوّلى لا يخلو عن اشكال و محتاج إلى التأمّل.

(1)

أقول: في المسألة ثلاث مسائل:

المسألة الاولى: إذا صبّ العصير فغلى قبل ذهاب ثلثيه

فالذي ذهب ثلثاه فبناء على نجاسة العصير بالغليان لا يطهر، و ان ذهب ثلثا المجموع من العصير الغالي و غير الغالي لأن العصير الذي ذهب ثلثاه صار نجسا بسبب ملاقاته مع العصير الغالي الذي لم يذهب ثلثاه و بعد نجاسته لا يكون مطهرا له و ذهاب الثلثين يطهر‌

51

النجاسة الذاتية، و لا يطهر النجاسة العرضية، و على الفرض العصير الذي ذهب ثلثاه و اختلط مع الذي غلى قبل ذهاب ثلثيه صار نجسا بالنجاسة العرضية، فلا يكون ذهاب الثلثين مطهّرا له. و إن كان ذهاب ثلثي المجموع منهما. فاذا بقي على النجاسة لا يفيد ذهاب الثلثين، لا له و لا للعصير الغالي المختلط، به حتى بعد ذهاب ثلثي المجموع. لأنه بعد ذهاب ثلثيه ينجس أيضا بالنجاسة العرضية الحاصلة من العصير الذي لم يذهب ثلثاه و اختلط معه قبل لم يذهب ثلثيه فالسّر في عدم الطهارة هو صيرورة العصير الذي ذهب ثلثاه نجسا بالنجاسة العرضية و القدر المتيقن من مطهرية ذهاب الثّلثين هو النّجاسة الذاتية الحاصلة بالغليان.

المسألة الثانية: ما إذا صبّ العصير الغالي قبل ذهاب ثلثيه في العصير الغالي الآخر قبل ذهاب ثلثيه

و ان كان ذهاب ثلثيه قريبا فلا بأس بهما بعد ذهاب ثلثيهما.

فما قال المؤلف (رحمه اللّه) بأنّه ورد نجس على مثله فيصير الوارد و المورود شيئا واحدا محكوما بالنجاسة قبل ذهاب ثلثيه و بالطهارة بعد ذهاب ثلثيه.

المسألة الثالثة ما إذا صبّ العصير الغير الغالي في العصير الذي غلا و لم يذهب ثلثاه.

قد يقال بعدم البأس بهما بعد ذهاب ثلثي المجموع من الوارد و المورود بان الوارد الغير الغالي بعد صبّه في العصير الغالي الذي لم يذهب ثلثاه يصير نجسا بالنجاسة العرضية و بعد اختلاطه بالمورود و غليانه يصير نجسا بالنجاسة الذاتية فتزول عن الوارد النجاسة العرضية ثم بعد ذهاب ثلثي المجموع ترتفع النجاسة الذاتية أيضا لكون ذهاب الثلثين مطهرا لنجاسة الذاتية.

و لكن كما قلنا سابقا في بعض المسائل المتفرعة على كيفية تنجيس المنجسات و في المسألة الثالثة من الانقلاب لا نفهم زوال النجاسة العرضية بطرو النجاسة الذاتية بل توجب طروّ الثانية الاشديّة فلا يلزم اجتماع المثلين فعلى هذا مع عدم‌

52

ارتفاع النجاسة العرضية الثابتة قبل الغليان، بسبب طروّ النجاسة الذاتية الحادثة بالغليان يكون ذهاب الثلثين موجبا لارتفاع النجاسة الذاتية و اما النجاسة العرضية فباقية و لأجلها يكون العصير نجسا و ان ذهب ثلثاه و لهذا يكون الاحوط ان لم يكن اقوى نجاسة العصير في الصورة الثالثة كالصورة الأولى.

*** [مسئلة 4: إذا ذهب ثلثا العصير من غير غليان]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 4: إذا ذهب ثلثا العصير من غير غليان لا ينجس إذا غلا بعد ذلك.

(1)

أقول: وجه ذلك اما دعوى أن الأدلة الدالة على نجاسة العصير بالغليان يختص بما إذا كان الغليان قبل ان يذهب ثلثاه، و لا يشمل ما إذا كان الغليان بعد ذهاب ثلثيه. لبعض الاخبار، فيقيّد بهذا بعض الاخبار الّذي يدلّ بإطلاقه على ان بعد ذهاب ثلثيه لم يكن نجسا و حراما، و إن كان ذهاب ثلثيه بغير الغليان. كالرّواية التي رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قصة معارضة ابليس مع نوح على نبيّنا و آله و (عليه السلام) و قال فيها (فقال: أبو جعفر: فإذا اخذت عصيرا فطبخته حتى يذهب الثلثان نصيب الشيطان فكل و اشرب) (1) بدعوى دلالتها على أن الميزان ذهاب الثلثين، و إن لم يكن بالغليان فمجرد ذهاب ثلثيه، كاف لجواز الأكل و الشّرب، و لو غلا بعد ذلك لأن اطلاق الخبر يقتضي ذلك.

و الرّواية التي رواها سعيد بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيها قال (ما أحرقت النار (2) فهو نصيبه و ما بقي فهو لك يا نوح حلال) (3).

____________

(1) 4 من الباب 2 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

(2) النار غير موجودة في الوسائل.

(3) 5 من الباب 1 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

53

و الرّواية التي رواها وهب بن منبه قال لما خرج نوح على نبيّنا و آله و عليه و السّلام من السفينة إلى ان قال فيها (فما كان فوق الثلث من طبخها فلإبليس و هو حظه و ما كان من الثلث فما دونه فهو لنوح (عليه السلام) و هو حظه و ذلك الحلال الطيب ليشرب منه) (4).

و الرّواية الّتي رواها أبو بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) (و سئل عن الطلاء فقال إن طبخ حتى يذهب منه اثنان و يبقى واحد فهو حلال و ما كان دون ذلك فليس فيه خير (5).

و فيه إنا لم نجد في الاخبار ما يدل على اختصاص نجاسته بالغليان بما إذا لم يذهب ثلثاه قبل الغليان حتى يقال بانه مع وجود الاخبار المقيدة نجاسته بالغليان بصورة عدم ذهاب ثلثيه قبل الغليان تقيّد بعض ما دلّ على نجاسته بالغليان مطلقا بل ليس في البين إلّا ما يدل على نجاسته بالغليان مطلقا سواء ذهب ثلثاه قبل الغليان أم لا.

و الاخبار المذكورة لم تفد كون اختصاص نجاسته و حرمته بالغليان بما إذا لم يذهب ثلثاه قبل الغليان بل الرّوايات الواردة في قصة نوح متعرضة لبيان كون الثلثين للشيطان و ثلث واحد لنوح على نبيّنا و آله و (عليه السلام). و مع ذلك صرّح فيها بكون ما طبخ و ذهب ثلثاه فيحلّ ثلثه الباقي و ليست متعرضة لكيفية الطبخ و انه في أي زمان يصير حراما حتى يستدل بإطلاقها على ان التثليث موجب لرفع النجاسة و الحرمة و ان كان ذهاب ثلثيه بغير الغليان لما قلنا من عدم كونها متعرضة لهذا الحيث.

و أما بالنسبة إلى رواية أبي بصير أيضا نقول لا يستفاد منها كون الميزان في‌

____________

(4) 11 من الباب 2 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

(5) 6 من الباب 2 من أبواب الاشربة المحرمة من ل.

54

الحلية و الطهارة التثليث على أي نحو اتفق و لو فرض له اطلاق و قيل انها تدلّ على كفاية حصور التثليث بالطبخ بالنار و لو لم يغل بعد.

فنقول أولا: لا بد من تقييدها بقرينة ما يدل على انه إذا غلا، يحرم و إذا ذهب ثلثاه بالغليان يرتفع التحريم.

و ثانيا تقول: على فرض الإطلاق لهذه الرّواية، و ساير الرّوايات المتقدمة الواردة في قصّة نوح على نبيّنا و آله و (عليه السلام)، لا يمكن الأخذ به. لأن لازم اطلاقها هو نجاسة العصير و حرمته حتى قبل الغليان. لأنّ هذه الاخبار تدل على انه إذا ذهب ثلثاه يصير طاهرا و حلالا، سواء كان ذهاب الثّلثين بالغليان بالنار، أو بغيره. فتدل هذه الاخبار على ان العصير قبل ذهاب ثلثيه نجس و حرام. لانه قال فيها (إذا اخذت عصيرا فطبخته حتى يذهب الثلثان نصيب الشيطان فكل و اشرب) أو (ما احرقت النار فهو نصيبه و ما بقي فهو لك يا نوح حلال) أو ما كان فوق الثلث من طبخها، فلإبليس هو حظه، و ما كان من الثلث فما دونه فهو لنوح) أو (اذا طبخ حتى يذهب منه اثنان و يبقى واحد فهو حلال).

فلازم ما ادعى كون العصير نجسا و حراما، قبل ذهاب ثلثيه حتى، فيما لم يغل بعد، و هذا ما لا يمكن الالتزام به فتلخص عدم امكان الاخذ بإطلاق هذه الاخبار، ان كان لها اطلاق، مع ما قلناه من ان الاطلاق ممنوع. و اما إذا كان منشأ دعوى عدم نجاسة العصير إذا غلا فيما ذهب ثلثاه من غير غليان: هو ان ذهاب ثلثيه المأخوذ موضوعا للمطهرية، و الحلية يكون مأخوذا بنحو صرف الوجود، فمجرّد الوجود كاف في ترتّب حكم الطهارة و الحلية، سواء كان بالغليان أو بغيره.

ففيه: إن الذهاب و لو أخذ على نحو صرف الوجود إما صرف الوجود بعد الغليان كما ينادى به لسان بعض خبار الباب، لا صرف الوجود و لو حصل قبل الغليان، فتلخص مما مرّ انه إذا ذهب ثلثي العصير بغير الغليان ينجس الثلث الباقي‌