ذخيرة العقبى في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الصافي الگلپايگاني المزيد...
400 /
3

الجزء الخامس

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

4

[الحمد و الثناء]

نحمدك يا ربّ على نعمائك و نشكرك على آلائك و نصلّي و نسلّم على محمّد خاتم انبيائك الّذي اعطيته دينا جامعا وافيا لهداية خلقك و سعادة عبادك صلّ اللّهم عليه و على آله افضل ما صلّيت على اوليائك لا سيّما على الامام الثاني عشر الكاشف للضرّ عن أحبّائك و المنتقم من أعدائك و اللّعن على أعدائهم الى يوم لقائك.

5

فصل: في موجبات الوضوء و نواقضه

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

قوله (رحمه اللّه)

فصل فى موجبات الوضوء و نواقضه و هي أمور: الأول و الثاني البول و الغائط من الموضع الاصلى و لو غير معتاد، أو من غيره مع انسداده أو بدونه بشرط الاعتياد، أو الخروج على حسب المتعارف، ففي غير الأصلي مع عدم الاعتياد و عدم كون الخروج على حسب المتعارف إشكال و الأحوط النقض مطلقا خصوصا إذا كان دون المعدة.

و لا فرق فيهما بين القليل و الكثير حتى مثل القطرة و مثل تلوث رأس شيشة الاحتقان بالعذرة، نعم الرطوبات الآخر غير البول و الغائط الخارجة من المخرجين ليست ناقضة، و كذا الدود أو نوى التمر و نحوهما إذا لم يكن متلطّخا بالعذرة.

(1)

أقول: و يطلق على نواقض الوضوء موجبات الوضوء، إما لوجوب الوضوء عند حدوث هذه الاشياء، و إمّا لثبوت الوضوء عندها كما أنه يطلق على الموجبات‌

8

نواقض الوضوء لنقض الوضوء بها.

و نواقض الوضوء امور:

الأول و الثاني: البول و الغائط،

و لا اشكال فى ناقضيتهما في الجملة نصا و فتوى و أمّا تفصيلها و بيان حكم بعض تفريعات المسألة موقوف على ذكر ما هو مدرك لنا قضيتهما من القرآن و الحديث و ما يستفاد منهما، فنقول بعونه تعالى:

أمّا من الكتاب الكريم:

قال اللّه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (1) تدل هذه الآية على كون الغائط من النواقض.

و أمّا الروايات:

الرواية الأولى: ما رواها عمر بن اذينة عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال:

لا يوجب الوضوء الا من الغائط او بول او ضرطة تسمع صوتها او فسوة تجد ريحها) (2).

الرواية الثانية: ما رواها زكريا بن آدم قال: (سألت الرضا (عليه السلام) عن الناصور أ ينقض الوضوء؟ قال: انما ينقض الوضوء ثلث البول و الغائط و الريح) (3).

____________

(1) سورة المائدة، الآية 6.

(2) الرواية 2 من الباب 1 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 6 من الباب 2 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

9

الرواية الثالثة: ما رواها الفضل قال: سئل المأمون الرضا (عليه السلام) عن محض الاسلام، فكتب إليه في كتاب طويل: و لا ينقض الوضوء الا غائط او بول او ريح او نوم او جنابة) (1).

الرواية الرابعة: ما رواها محمد بن سنان في جواب العلل عن الرضا (عليه السلام) (قال: و علة التخفيف في البول و الغائط لأنّه اكثر و ادوم من الجنابة، فرضى فيه بالوضوء لكثرته و مشقّته و مجيئه بغير إرادة منهم و لا شهوة، و الجنابة لا تكون إلّا بالاستلذاذ منهم و الاكراه لانفسهم) (2).

الرواية الخامسة: ما رواها حريز عن زرارة (قال: قلت لابي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام): ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الاسفلين من الذكر و الدبر من الغائط او البول او منى او ريح و النوم حتى يذهب العقل، و كل النوم يكره إلّا ان تكون تسمع الصوت) (3).

الرواية السادسة: ما رواها عمر بن اذينة و حريز عن زرارة عن احدهما (عليهما السلام) (قال: لا ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك او النوم) (4).

الرواية السابعة: ما رواها اديم بن الحر، انّه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) (يقول: ليس تنقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك الاسفلين) (5).

الرواية الثامنة: ما رواها سالم أبي الفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: ليس‌

____________

(1) الرواية 8 من الباب 2 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 10 من الباب 2 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 2 من الباب 2 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(4) الرواية 1 من الباب 2 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(5) الرواية 3 من الباب 2 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

10

ينقض الوضوء الّا ما خرج من طرفيك الاسفلين اللذين انعم اللّه عليك بهما) (1).

الرواية التاسعة: ما رواها أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: سألته عن الرعاف و الحجامة و كل دم سائل، فقال: ليس في هذا وضوء، انما الوضوء من طرفيك اللذين انعم اللّه بهما عليك) (2).

الرواية العاشرة: ما رواها عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (سئل عن الرجل يكون في صلاته فيخرج منه حب القرع كيف يصنع؟ قال: (إن كان خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شي‌ء و لم ينقض وضوئه، و إن خرج متلطخا بالعذرة فعليه أن يعيد الوضوء، و إن كان في صلاته قطع الصلاة و أعاد الوضوء و الصلاة) (3).

ثمّ التفصيل في المسألة يقع فى طى امور:

الأمر الأول: لا اشكال في ثبوت الناقضية لهما

فيما يخرجان عن الموضع الاصلى و لو لم يحصل الاعتياد مثل ما يخرجان مرة ثم ينسد الموضع الطبيعى فتوى و نصا بل هذا هو المتيقن من موارد النص.

الأمر الثاني: ما إذا كان خروجهما من غير الموضع الاصلى

سواء انسد الموضع الاصلى او لم ينسد، فهل ينقض الوضوء بهما أم لا، او يفصّل بين كون الخروج من غير الموضع الاصلى معتادا فيكونان ناقضين، و بين عدم الاعتياد، فلا يكونان ناقضين، او تفصيل آخر بين كون المخرج الغير المعتاد تحت المعدة فيكونان ناقضين،

____________

(1) الرواية 4 من الباب 2 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 5 من الباب 2 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 5 من الباب 5 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

11

و بين كونه فوق المعدة فلا يكونان ناقضين، أو تفصيل آخر بين انسداد الموضع الاصلى فيكون البول و الغائط الخارجين من الموضع الغير الطبيعى ناقضا و بين عدم انسداد الموضع الاصلى فلا يكونان ناقضين.

وجه عدم ناقضيتهما مطلقا:

أوّلا: ما توهم من أن إطلاق الأخبار ينصرف الى صورة خروجهما من السبيلين.

و ثانيا: تقييد بعض الأخبار المذكورة بكونهما خارجين عن السبيلين، فلو كان لبعض الأخبار اطلاق لا بدّ من تقييده به.

و وجه التفصيل بين الاعتياد و عدم الاعتياد، انصراف الأخبار عن غير الموضع المعتاد.

و وجه التفصيل بين وقوع المخرج الغير الطبيعي تحت المعدة و بين وقوعه فوق المعدة أيضا، انصراف الأخبار عن الصورة الثانية.

كما ان الوجه في التفصيل بين انسداد المخرج الطبيعى و بين عدم انسداده، انصراف النصوص عن الصورة الثانية.

أقول: العمدة التكلم حول القول الأول و الثاني، و هو كونهما ناقضين مطلقا او عدم ناقضيتهما إذا خرج من الموضع الغير الاصلى، و إذا فهمنا الحق بين القولين يظهر لنا عدم تمامية التفاصيل الثلاثة.

فنقول بعونه تعالى:

أمّا الآية الشريفة، فيستفاد منها كون الغائط موجبا للتيمّم إذا لم يكن الشخص واجد الماء، و اطلاقها يشمل جميع الصور.

12

كما ان الرواية 1 و 2 و 3 و 4 من الروايات المذكورة مطلقة من حيث خروجهما عن الموضع الطبيعى او غيره.

نعم قد يستشكل بهذه المطلقات بانصرافها الى صورة الخروج عن الموضع الاصلى لندرة وجود غيره، بحيث لو القى المتكلم كلامه و اطلق، و الحال ان نظره كان الى خصوص الموضع الاصلى لا يعدّ عند العرف مخالفا للحكمة و ناقضا للغرض، فمع هذا لا يمكن اخذ الاطلاق لعدم تمامية مقدماته.

و فيه، أنه قد بيّن مكرّرا أنّ ندرة الوجود لا يوجب الانصراف الى غير النادر، و كثيرا ما يوجد في المطلقات افراد نادرة و إن كان البناء على الانصراف فيلزم القول بعدم ناقضيتهما إذا كان المخرج الاصلى للشخص غير المتعارف، و كذا من سد مخرجه الاصلى و انفتح له المخرج العارضى المعتاد، و لا من له المخرجان بحسب خلقته، و الحال انهم يفتون بناقضيتهما فى هذه الصور.

و الالتزام بكون كل ذلك للاجماع مشكل، لعدم تحقق اجماع عليها، فلا وجه لانصراف المطلقات إلى صورة خروجهما عن السبيلين المتعارفين.

و قد يستشكل بأن هذه الأخبار المدعاة اطلاقها و إن كانت مطلقة لكن لا بدّ من تقييدها بما ينحصر الناقض من البول و الغائط بما يخرجان من السبيلين الاسفلين، و هي الرواية 5 و 6 و 7 و 8 و 9 من الروايات المذكورة، فيقيد بها الأخبار المطلقة، و تكون النتيجة ناقضية خصوص البول و الغائط الخارجين من السبيلين الاسفلين.

و فيه، أمّا أولا: لا يمكن الاخذ بهذه المقيدات بهذا المعنى، لان لازمه انحصار الناقض بما يخرج من السبيلين فقط، فلا يكونان ناقضين حتى إذا خرجا من المخرج الغير الاصلى، مع كونه منحصرا به و كونه معتادا له، و كان فاقدا للمخرج الاصلى،

13

و كذا إذا انسد مخرجه الاصلى و انفتح له غيره، و الحال ان ناقضيتهما في الموردين ليس محل اشكال حتى فى ما لم يكن معتادا كما حكى عن بعض، و كذا في بعض الصغريات الاخرى.

و دعوى خروج هذه الموارد بالاجماع فاسد، لعدم وجود اجماع تعبدى لاحتمال اتكاء المجمعين بالنص.

مضافا الى أنه يلزم تخصيص الاكثر لهذه المقيدات او التخصيص المستهجن، و هذا كله شاهد على عدم كون المراد من هذه الأخبار التقييد بخصوص ما يخرج من السبيلين من البول و الغائط.

و أمّا ثانيا: ان ما يحتمل فى هذه الروايات الخمسة امران:

أحدهما، ما نقلنا من كون المراد منها انحصار الناقض بخصوص الخارج عن السبيلين من البول و الغائط.

و ثانيهما، كون المراد من الحصر الواقع في هذه الأخبار فى الخارج عن السبيلين في مقابل العامة، القائلين بكون الرعاف و الحجامة و غيرها مما ذكروا ناقضا، لا كون المراد انحصار الناقض بالبول و الغائط الخارج عن السبيل الاصلى، و إذا كان المحتمل هذين الاحتمالين:

فنقول، بانه ليس الاحتمال الأول أظهر الاحتمالين مسلما، بل الروايات ذوات احتمالين، و بعد كونها كذلك لا يمكن تقييد المطلقات بها بل لا بدّ من الأخذ بإطلاقها.

بل يمكن دعوى كون الاحتمال الثاني أظهر، لأنّ الرواية التاسعة ظاهرة في كون الحصر في قبال غير النواقض المنصوصة عن اهل البيت (عليهم السلام) من الرعاف‌

14

و الحجامة و كل دم سائل، ففيها (قال سألته عن الرعاف و الحجامة و كل دم سائل فقال ليس فى هذا وضوء انما الوضوء من طرفيك الذين انعم اللّه بهما عليك) فالحصر يكون في قبال العامة القائلين بكون الرعاف و بعض الأمور الاخر ناقضا، لا كون حصر ناقضية البول و الغائط بما يخرج عن خصوص السبيل الاصلى.

و شاهد آخر على عدم كون النظر بحصر الناقض بما يخرج من السبيلين الاصليين هو انه لو كان في مقام حصر الناقض بالخارج منهما، فلازمه كون كل خارج منهما ناقضا لاطلاق بعض هذه الروايات، بل ليس الا في مقام نفى غير البول و الغائط و الريح و النوم، لا في مقام بيان جميع خصوصيات المربوطة بهذه النواقض فتأمّل.

فتلخص من ذلك كله انه إذا انفتح له مخرج آخر فما يخرج منه من البول او الغائط ناقض، و لو لم ينسد الطبيعى، و حتى مع عدم الاعتياد و حتى لا فرق بين موضع خروج الغير الطبيعى.

نعم لو كان فوق المعدة ربما يستشكل في ناقضيته، لعدم صدق البول و الغائط على الخارج و إلّا فمع الصدق لا فرق بين كون المخرج الغير الاصلى تحت المعدة او فوق المعدة.

فالأولى أن يقال بأنه لا فرق بين كون محل المخرج تحت المعدة أو فوق المعدة، نعم لا يكونان ناقضين إذا لم يصدق على الخارج اسم البول او الغائط، هذا ما يأتى بنظرى القاصر في المقام، و اللّه اعلم.

الأمر الثالث: لا فرق فيهما بين القليل و الكثير،

لاطلاق الأخبار، بل للتصريح فى الرواية العاشرة من الروايات عليه، لأنّ فى موردها إذا كان حب القرع متلطخا بالعذرة تكون قليلا.

15

الأمر الرابع: الرطوبات غير البول و الغائط الخارجة عن المخرجين ليست ناقضة

لدلالة بعض الأخبار المتقدمة على حصر الناقض من السبيلين بالبول و الغائط او هما مع الريح او هذه الامور مع الجنابة، فأفهم.

الأمر الخامس: لا ينقض الوضوء بخروج الدود او نوى التمر و نحوهما

إذا لم يكن متلطّخا بالعذرة لدلالة الرواية العاشرة من الروايات المذكورة عليه.

و الرواية الواردة فى عدم ناقضية حب القرع. (1)

و الرواية في القرع و ديدان الصغار. (2)

و الرواية المذكورة فى ما تسقط منه الدواب و هو فى الصلاة و عدم ناقضيته. (3)

*** قوله (رحمه اللّه)

الثالث: الريح الخارج من مخرج الغائط إذا كان من المعدة صاحب صوتا او لا، دون ما خرج من القبل او لم يكن من المعدة كنفخ الشيطان او إذا دخل من الخارج ثم خرج.

(1)

[الثالث: الريح الخارج من مخرج الغائط]

أقول: أمّا كونه ناقضا في الجملة، فلا اشكال فيه نصا و فتوى، اما الفتوى فلدعوى الاجماع بل عدم الخلاف فيه.

و أمّا النص فلدلالة الرواية 1 و 2 و 4 و 5 من الروايات المتقدمة ذكرها في ناقضية البول و الغائط عليه و بعض الروايات التي نتعرض لها إن شاء اللّه عند التعرض لبعض الفروع المربوطة بالمسألة.

____________

(1) الرواية 1 من الباب 5 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 5 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 3 من الباب 5 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

16

إذا عرفت ذلك نقول ان هنا فروعا:

الفرع الأول: كون خروج الريح من مخرج الغائط،

لأنّ الضرطة و الفسوة المذكورتان في الرواية الاولى من الروايات المتقدمة عبارة عن الريح الخارج من مخرج الغائط فمع الصوت ضرطة و بلا صوت فسوة.

الفرع الثاني: هل العبرة بناقضيته كون خروجه من خصوص الدبر

اعنى المخرج الاصلى من الغائط، او يعمّ ما إذا خرج من المخرج الغائط و إن لم يكن دبرا، مثل من سدّ مخرجه الاصلى و يخرج غائطه من مخرج آخر؟ لا يبعد الثاني لاطلاق بعض الأخبار و تفسير اهل اللغة الضرطة بريح مع الصوت يخرج من الدبر، و الفسوة بريح بلا صوت يخرج من الدبر، يكون من باب غلبة خروجهما من الدبر، و إلّا لو خرجا من مخرج الغائط و ان لم يكن دبرا فهو ضرطة او فسوة.

و لعل تعبير المؤلّف (رحمه اللّه) بقوله (الريح الخارج من مخرج الغائط) من باب اختياره هذا.

الفرع الثالث: كونه خارجا من المعدة

فلو لم يخرج منها لا يصدق عليه الاسم فاعتبار هذا الشرط لصدق الاسم معه و عدم صدقه مع عدمه، فما يخرج من القبل لا يكون ناقضا.

أقول: قد يقال بناقضية ما يخرج من قبل المرأة او ما يخرج من قبل كل من الرجل و المرأة.

و فيه، انه مع كون الناقض الضرطة و الفسوة و هما يخرجان من مخرج الغائط، فلا وجه لما يخرج من القبل من الريح، من الرجل و المرأة.

و ما قيل من ان لقبلها منفذا الى الجوف مضافا الى عدم صحته، يكون الناقض‌

17

خصوص ما يخرج من مخرج الغائط لا غيره.

و كذا لا بأس بما لا يكون من المعدة كنفخ الشيطان لعدم صدق الاسم، و لدلالة الرواية التي نذكرها إن شاء اللّه في الأمر الرابع (1).

و كذا لا بأس بريح دخل من الخارج ثم خرج، و إن خرج من الدبر لعدم صدق الاسم عليه.

الفرع الرابع: بعد ما يكون المراد من الضرطة هو الريح مع الصوت

و الفسوة الريح مع عدم الصوت، هل يكون المعتبر في الناقض سماع الصوت او وجدان الريح أم لا؟

قد يتوهم اعتبار أحد الأمرين لدلالة بعض الأخبار عليه:

منها ما رواها زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: لا يوجب الوضوء الا من الغائط او بول او ضرطة تسمع صوتها او فسوة تجد ريحها) (2).

منها ما رواها معاوية بن عمّار (قال: قال: أبو عبد اللّه (عليه السلام) ان الشيطان ينفخ في دبر الانسان حتى يخيل إليه قد خرج منه ريح، فلا ينقض الوضوء الا ريح يسمعها او يجد ريحها) (3).

منها ما رواها عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (أنه قال للصادق (عليه السلام): اجد الريح في بطنى حتى اظن انها قد خرجت، فقال: ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت او‌

____________

(1) الرواية 3 من الباب 1 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 1 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 3 من الباب 1 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

18

تجد الريح ثم قال: ان ابليس يجلس بين أليتي الرجل فيحدث ليشككه). (1)

و لكن الاقوى عدم اعتبار ذلك، و ما في الأخبار المذكورة من عدم وجوب الوضوء الا بعد سماع الصوت او وجدان الريح ليس إلّا من باب كون ذلك طريقا الى تحقق الريح كما يظهر ذلك من رواية معاوية بن عمّار و عبد الرحمن، حيث يكون موردهما الشك في خروج الريح، فقال لا ينقض الوضوء الا ريح يسمعها او يجد ريحها في الاولى، و ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت او تجد الريح في الثانية.

و أمّا من يعلم بخروج الريح و لو لم يسمع صوته و لم يجد ريحه فلم يكن مورد الأخبار.

و بعد عدم وجود دليل يقيد ناقضية خروج الريح بسماع الصوت او وجدان الريح، نقول بناقضيته مطلقا و لو لم يتحقق احد الشرطين لما عرفت من دلالة بعض الأخبار المذكورة في ناقضية البول و الغائط على ناقضية الريح مطلقا.

بل الرواية التى رواها فى قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليهم السلام) (قال: سالته عن رجل يتكى فى المسجد فلا يدرى نام أم لا هل عليه وضوء؟ قال اذا شك فليس عليه وضوء. قال: و سألته عن رجل يكون فى الصلاة فيعلم ان ريحا قد خرجت، فلا يجد ريحها و لا يسمع صوتها، قال: يعيد الوضوء و الصلاة و لا يعتد بشي‌ء مما صلى اذا علم ذلك يقينا) (2)، تدلّ بالخصوص على ناقضيته و لو لم تسمع صوته و لا يجد ريحه.

____________

(1) الرواية 5 من الباب 1 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 9 من الباب 1 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

19

قوله (رحمه اللّه)

الرابع: النوم مطلقا و إن كان في حال المشى إذا غلب على القلب و السمع و البصر فلا تنقض الخفقة إذا لم تصل الى الحد المذكور.

(1)

[الرابع: النوم مطلقا]

أقول: و لا اشكال في ناقضيته نصا و فتوى.

و قد ذكرنا بعض الروايات الدالة على ناقضيته في البحث عن ناقضية البول و الغائط و هي الرواية 3 و 5 و 6 من الروايات المذكورة، و روايات اخرى نذكر كلها او بعضها عند التعرض لبعض الفروع المتعلقة بالمسألة إن شاء اللّه انّ هنا فروعا:

الفرع الأول: النوم ناقض للوضوء مطلقا، سواء كان حال القيام او الجلوس

او المشى أو في حال القعود لا فرق بين ما انفرج و ما لم ينفرج و سواء تعمد النوم أم لم يتعمد، كل ذلك لاطلاق الأخبار، و خصوص الرواية التى رواها عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: سمعته يقول: من نام و هو راكع او ساجد او ماش على اى الحالات فعليه الوضوء) (1).

و الرواية التى رواها سماعة (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينام و هو ساجد؟ قال: ينصرف و يتوضأ). (2)

و ما قيل (نسب الى الصدوق (قدس سره)) من التفصيل في النوم قاعدا بين الانفراج و عدمه بالناقضية في الصورة الاولى و عدمها في الثانية، يمكن كون المستند الرواية التى رواها أبو بكر الحضرمى (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) هل ينام الرجل و هو‌

____________

(1) الرواية 3 من الباب 3 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 5 من الباب 3 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

20

جالس؟ فقال: كان أبي يقول: إذا نام الرجل و هو جالس مجتمع فليس عليه وضوء و إذا نام مضطجعا فعليه الوضوء) (1).

و مرسلة الصدوق (محمد بن علي بن الحسين) (قال: سئل موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يرقد و هو قاعد، هل عليه الوضوء؟ فقال: لا وضوء عليه ما دام قاعدا إن لم ينفرج). (2)

و لا يمكن التعويل عليهما لعدم عمل الاصحاب بهما مضافا الى ان الثانية مرسلة ضعيفة السند.

و كذلك لا وجه للقول بعدم ناقضيته إذا لم يتعمد النوم تمسكا بالرواية التى رواها عمران بن حمران (أنه سمع عبدا صالحا (عليه السلام) يقول: من نام و هو جالس لا يتعمد النوم فلا وضوء عليه) (3) لعدم كونها معمولا بها عند الاصحاب.

و كذلك لا وجه للقول بعدم ناقضيته فيما كان يوم الجمعة في المسجد، للرواية التى رواها عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في الرجل هل ينقض وضوئه إذا نام و هو جالس؟ قال: ان كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه، و ذلك انه في حال ضرورة) (4)، لعدم عامل بها، او تحمل على صورة لا يتمكن من الوضوء فقال:

لا وضوء عليه، و لا ينافى كون التيمم واجبا عليه و لكن هذا حمل ابعد من البعيد.

أقول: و حيث انه قد عرفت ان مورد توهم عدم الناقضية حال الجلوس ما لم ينفرج و ما لم يتعمد النوم و فى المسجد يوم الجمعة، كان المناسب ان يقول المؤلف (رحمه اللّه)

____________

(1) الرواية 15 من الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2)- الرواية 11 من الباب 3 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 14 من الباب 3 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(4) الرواية 16 من الباب 3 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

21

(الرابع النوم مطلقا و إن كان حال الجلوس ما لم ينفرج او فيما لم يتعمد النوم او يوم الجمعة فى المسجد) لا حال المشى، لأنّ حال المشى لا يكون مورد توهم عدم الناقضية.

الفرع الثاني: النوم الناقض عبارة عن النوم الغالب على القلب

و السمع و البصر فلا تنقض الخفقة إذا لم تصل الى حد المذكور كذا اختار المؤلّف (رحمه اللّه).

أقول: نذكر بعض الروايات الواردة فى هذه الجهة حتى يظهر لك ما هو الحق في المقام فنقول:

الاولى: ما رواها زرارة (قال: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد ينام العين و لا ينام القلب و الاذن و إذا نامت العين و الاذن، و القلب وجب الوضوء قلت: فإن حرّك الى جنبه شي‌ء و لم يعلم به؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجي‌ء من ذلك امر بيّن و إلّا فإنه على يقين من وضوئه، و لا تنقض اليقين ابدا بالشك و انّما تنقضه بيقين آخر) (1)

يستفاد من الرواية عدم ناقضية الخفقة و الخفقتين و انها ليست بالنوم الناقض، و كذلك يستفاد منها عدم ناقضية النوم الغالب على العين بل النوم الناقض هو ما غلب على القلب و السمع، و يستفاد منها الملازمة بين غلبة النوم على القلب و السمع، فاذا غلب على احدهما غلب على الآخر.

الثانية: ما رواها سعد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: اذنان و عينان، تنام العينان و لا تنام الاذنان و ذلك لا ينقض الوضوء، فاذا نامت العينان و الاذنان انتقض‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 1 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

22

الوضوء) (1).

هذه الرواية تدل على ان الناقض ما غلب على السمع لانّه اذا غلب النوم على السمع غلب على القلب أيضا.

الثالثة: ما رواها عبد اللّه بن المغيرة و محمد بن عبد اللّه (قالا: سألنا الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينام على دابته؟ فقال: إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء) (2).

الرابعة: ما رواها زرارة (قال: قلت لابى جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام): ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الاسفلين من الذكر و الدبر من الغائط او البول او منى او ريح، و النوم حتى يذهب العقل، و كل النوم يكره إلّا ان تكون تسمع الصوت) (3).

و يستفاد من الخبرين الاخيرين كون العبرة في الناقض بالنوم الغالب على العقل، و يكون التعبير بالعقل عبارة اخرى عن التعبير بالقلب و معه يغلب النوم على السمع فيكفى تحقق الغلبة على احدهما، و الشاهد قوله فى الرواية الرابعة من ان (كل النوم يكره الا ان تكون تسمع الصوت)، فيستفاد منها أنه إذا غلب النوم على نحو يسمع الصوت يعنى لا ينام السمع لا يكره النوم.

الخامسة: ما رواها ابن بكير (قال: قال لابي عبد اللّه (عليه السلام) (قوله تعالى: إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ) ما يعنى بذلك؟ قال: إذا قمتم من النوم. قلت: ينقض النوم الوضوء؟ قال:

نعم، إذا كان يغلب على السمع و لا يسمع الصوت) (4).

____________

(1) الرواية 8 من الباب 1 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 2 من الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(4) الرواية 7 من الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

23

و المستفاد من مجموع الأخبار كون الناقض نوما يوجب ذهاب العقل و تعطيل الحواس و من بلغ بحد نام قلبه ينام سمعه، و لكن مجرد نوم البصر لا يوجب نوم القلب و تعطيل الحواس، و لهذا قال إذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء، فنوم العين يحصل قبل نوم القلب و السمع اذ ربما تنام العين و لا ينامان، فالعمدة نوم القلب و ذهاب العقل، و نوم السمع أمارة عليه اذ يكون بينهما الملازمة، فلا دخل في نوم العين و لعل قول المؤلّف (رحمه اللّه) بقوله (إذا غلب على القلب و السمع و البصر) كان اقتضاء ما في الرواية الاولى.

و على كل حال يستفاد من الروايات المتعرضة لناقضية النوم كون النوم بما هو نوم من النواقض، سواء كان موجبا لحدوث الحدث أم لا.

لكن قد يتوهم عدم كون النوم بنفسه ناقضا، بل من باب حدوث الحدث بسبب النوم، لما يتراءى من الرواية التى رواها أبو الصباح الكنانى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: سألته عن الرجل يخفق و هو في الصلاة؟ فقال: ان كان لا يحفظ حدثا منه إن كان فعليه الوضوء و اعادة الصلاة، و إن كان يستيقن انه لم يحدث فليس عليه وضوء و لا اعادة) (1).

و الرواية التى رواها في العلل و عيون الأخبار بالسند الآتى عن الفضل عن الرضا (عليه السلام) (قال: انما وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة و من النوم دون ساير الاشياء، لأنّ الطرفين هما طريق النجاسة، الى ان قال: و أمّا النوم فإن النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شي‌ء منه و استرخى فكان اغلب الاشياء عليه فيما يخرج منه الريح فوجب عليه الوضوء لهذه العلة) (2).

____________

(1) الرواية 6 من الباب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 13 من الباب 3 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

24

أقول، أوّلا: فحيث ان ظاهر الروايات غير هاتين الروايتين كون النوم بنفسه ناقضا لا ان يكون أمارة على الناقض، و عليه اطباق ظاهر الفتوى بين فقهائنا (رضوان اللّه عليهم) من ذكر النوم ناقضا، نعم بعض علماء العامة يقولون بكون النوم أمارة على الناقض و ليس بنفسه ناقضا، فليست الروايتان معمولا بهما عند الاصحاب بل يحتمل قويا صدورهما تقية فليس مقتضى الحجية فيهما موجودا.

و ثانيا: ان الرواية الثانية اعنى ما رواها فى العلل، فليست الا فى مقام بيان حكمة الحكم، لا ان تكون علّة بحيث يدور الحكم وجودا و عدما مدارها كما ينادى بذلك لسان الرواية، لان لسانها معرضية النوم لذلك لا حدوث الحدث بالنوم.

و ثالثا: المستفاد من صدر الرواية الاولى و هو قوله (ان كان لا يحفظ حدثا منه ان كان فعليه الوضوء (الخ) هو ان الشخص إذا كان بحيث لا يتوجه بحدوث الحدث لو حدث منه يعنى يكون النوم غالبا عليه بحيث لا يلتفت حدوث الحدث فعليه الوضوء، فالصدر غير مناف مع الروايات الدالة على كون النوم بنفسه ناقضا.

و أمّا ذيلها و هو قوله (و إن كان يستيقن انه لم يحدث فليس عليه وضوء)، فقد يقال أن المراد منه هو انه مع اليقين بعدم حدوث الحدث ليس عليه الوضوء و اطلاقه يقتضي عدم الوضوء و إن نام بحيث يغلب على قلبه و سمعه، و لهذا تكون الرواية دالة على كون الناقضية في صورة حدوث الحدث فالنوم أمارة على الناقض، و ان تم هذا الاحتمال و كون مفاد الرواية هذا و فرض اطلاقها، نقول لا بد من تقييدها بالاخبار الدالة على انه مع طرو النوم الغالب على السمع و القلب ينتقض و لو لم يتيقن بالحدث.

ان قلت: ان النسبة بين الطائفتين تكون عموما من وجه. قلت: مع كون النسبة عموما من وجه لكن الاخبار الدالة على ناقضية النوم فى مورد الاجتماع و هو ما يستسقن بعدم الحدث و قد تحقق النوم، اظهر من هذه الرواية.

25

هذا على هذا الاحتمال و لكن يحتمل ان يكون المراد من الذيل هو أنه إذا كان بحيث من إدراك الحواس يستيقن عدم حدوث الحدث و هذا من توجهه و عدم اخذ النوم حواسه و عدم نوم قلبه فلا يجب عليه الوضوء، فلا يكون مفاد الرواية الّا مفاد ساير الروايات من كون الناقض النوم بنفسه، لكن خصوص النوم الذي يغلب على القلب و السمع، و هذا الاحتمال اوفق مع قوله (عليه السلام) في صدر الحديث (ان كان لا يحفظ حدثا منه ان كان فعليه الوضوء) لصراحة هذه الفقرة في كون المراد الفرض يعنى إذا فرض كونه بحيث لا يحفظ حدثا فعليه الوضوء، فافهم.

فتلخص من ذلك كلّه كون النوم بنفسه ناقضا.

*** [الخامس: كل ما ازال العقل]

قوله (رحمه اللّه)

الخامس: كل ما ازال العقل، مثل الاغماء و السكر و الجنون دون مثل البهت.

(1)

أقول: و العمدة فيه اطباق الفتوى عليه لدعوى الاجماع كما عن بعض، و كونه من دين الامامية كما عن بعض، و دعوى اجماع المسلمين كما عن بعض، فلا يضر توقف صاحب الوسائل (رحمه اللّه) كما يظهر من كلامه في ذيل الرواية الآتية، بل اختيار عدم ناقضيته.

و هل يدل على الحكم؛ ما رواها معمر بن خلاد (قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع و الوضوء يشتد عليه، و هو قاعد مستند بالوسائد، فربما اغفى و هو قاعد على تلك الحال، قال: يتوضأ قلت له: ان الوضوء‌

26

يشتد عليه لحال علته. فقال: إذا خفى عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء. و قال:

يؤخر الظهر و يصليها مع العصر يجمع بينهما و كذلك المغرب و العشاء). (1)

ثم قال صاحب الوسائل (أقول: استدل به الشيخ على الحكم المذكور و ليس بصريح، لكن الشيخ نقل الاجماع على ان زوال العقل مطلقا ينقض الطهارة مع موافقته للاحتياط و احاديث حصر النواقض تدل على عدم النقض).

وجه الاستدلال على وجوب الوضوء عند تحقق الاغماء.

إمّا من باب ان المراد من الاغفاء هو الاغماء، و إمّا من باب ان المراد منه و إن كان النوم الخفيف، لكن ما يقتضيه المرض الشديد هو حصول الاغماء، فيحمل قوله (فربما اغفى و هو قاعد) على الاغماء.

و فيه، كما قيل انّ المراد من الاغفاء على ما فى اللغة هو النوم، و حمله في المورد على الاغماء- بدعوى ان المريض الذي لم يقدر على الاضطجاع لا يحصل له النوم غالبا- لا وجه له، لاحتمال كون السؤال من أنه مع كونه جالسا هل يجب في نومه الوضوء أم لا، كما كان في نظره من فتوى بعض العامة من عدم ناقضية النوم إذا كان جالسا غير المنفرج، فلا دلالة لهذه الفقرة على كون الاغماء من النواقض فضلا عن كل ما ازال العقل و لو لم يكن الاغماء.

و كذلك لا وجه للتمسك بقوله فيها (اذا خفى عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء) بدعوى ان اطلاقه يقتضي وجوب الوضوء إذا خفى عليه الصوت و إن كان بسبب ما يزيل العقل، لأنّ الضمير في كلمة (عليه) في قوله (إذا خفى عليه) راجع الى رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع و اغفى، لا كلّ رجل و لو لم يغفى و لم ينم، فيكون‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 4 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

27

المراد إذا خفى على الرجل الّذي ربما اغفى اى نام انه خفى عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء، فتكون مفادها مفاد الروايات الدالة على كون الناقض النوم الغالب على السمع، فأفهم.

و كذلك لا وجه للاستدلال على ناقضية كلّ ما ازال العقل بالرواية 3 و 4 من الروايات المذكورة في المسألة السابقة الدالّتان على ناقضية النوم إذا ذهب النوم بالعقل، بدعوى ان المستفاد منهما علية ذهاب العقل لناقضية النوم، فكلما توجد العلة ينقض الوضوء لعدم استفادة العلية منهما، بل المستفاد منهما كون النوم البالغ بهذه المرتبة ناقضا.

و كذلك لا تدل عليه رواية العلل التى ذكرناها في البحث عن كون النوم ناقضا بنفسه، او كونه أمارة على الناقض، و استدل عليها بكون النوم أمارة على الناقض، و قد عرفت ضعفه لما قلنا من عدم كون المذكور فيها علة، فلا يمكن الاستدلال بها على ناقضية ما ازال العقل، بدعوى كون ما ازال العقل أمارة على الناقض، لأنّ المستفاد من هذه الرواية أنّ من زال عقله يفتح كل شي‌ء منه و استرخى فكان اغلب الاشياء فيما يخرج منه الريح، لما عرفت من عدم كون المذكور فى الرواية علة بل هو حكمة.

و أمّا المروي في كتاب دعائم الاسلام عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (ان الوضوء لا يجب الا من حدث، و إن المرء اذا توضأ صلى بوضوئه ذلك ما شاء من الصلاة ما لم يحدث او ينم او يجامع او يغم عليه او يكن منه ما يجب منه اعادة الوضوء) (1).

فهذه الرواية على فرض حجيتها، إمّا لما يقال من كون الكتاب المذكور معتمدا عليه، و إمّا لانجبار ضعفها بمطابقة مضمونها مع فتوى الاصحاب من ناقضية‌

____________

(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 101.

28

الاغماء، و إذا تم الاستدلال بها على ناقضية الاغماء نقول في غير الاغماء من الجنون و كلّ ما ازال العقل بالاولوية، بناء على ما قيل، فإن الاغماء يوجب تغطية العقل و الجنون يوجب زوال العقل.

و أمّا في السكر، فإن قلنا بأنه يزيل العقل فبالاولوية نقول بناقضيته، و إن قلنا بأنه يوجب تغطية العقل لا زواله، نقول بناقضيته بتنقيح المناط، فتامل.

و بعد ما عرفت من كون الاغماء موجبا لتغطية العقل كان المناسب ان يقول المؤلّف (رحمه اللّه) (الخامس كلّ ما ازال العقل كالجنون او كلّ ما أغطى العقل كالاغماء).

و أمّا البهت فكما في اقرب الموارد عبارة عن التحير فلا دليل على كونه ناقضا لعدم دليل من الاجماع و النص عليه.

*** [السادس: الاستحاضة]

قوله (رحمه اللّه)

السادس: الاستحاضة القليلة بل الكثيرة و المتوسطة و إن اوجبتا الغسل أيضا و أمّا الجنابة فهى تنقض الوضوء لكن توجب الغسل فقط.

(1)

أقول: يأتى الكلام في ناقضيتها في محله إن شاء اللّه، ثم أنه بعد ذكره (رحمه اللّه) ما يوجب الغسل من جملة النواقض كان المناسب ذكر ساير ما يوجب الغسل من الاحداث الكبار.

***

29

[مسئلة 1: إذا شك في طرو احد النواقض بنى على العدم]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 1: إذا شك في طرو احد النواقض بنى على العدم و كذا إذا شك في أن الخارج بول او مذى مثلا إلّا ان يكون قبل الاستبراء، فيحكم بأنه بول، فإن كان متوضأ انتقض وضوئه كما مرّ.

(1)

أقول: أمّا فيما شك في طرو احد النواقض فللاستصحاب، اى استصحاب الطهارة.

و أمّا فيما شك في الخارج انه ناقض او لا، و بعبارة اخرى فيما كان الشك في ناقضية الموجود فأيضا يستصحب الطهارة و لا فرق في اجراء الاستصحاب و كونه مورده بين الشك في وجود الناقض و بين الشك في ناقضية الموجود.

نعم لو كان الخارج قبل الاستبراء من البول يحكم بكونه بولا و ناقضا للنص، و قد عرفت في احكام الخلوة هذه الجهة عند التعرض لهذه المسألة.

*** [مسئلة 2: إذا خرج ماء الاحتقان و لم يكن معه شي‌ء من الغائط]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 2: إذا خرج ماء الاحتقان و لم يكن معه شي‌ء من الغائط لم ينتقض الوضوء و كذا لو شك فى خروج شي‌ء من الغائط معه.

(2)

أقول: أمّا فيما لم يكن معه شي‌ء من الغائط، فلعدم حدوث الناقض.

و أمّا فيما شك في خروج شي‌ء من الغائط، فلاستصحاب الطهارة و كونه من‌

30

صغريات الصورة الاولى من المسألة الاولى.

*** [مسئلة 3: القيح الخارج من مخرج البول و الغائط]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 3: القيح الخارج من مخرج البول و الغائط ليس بناقض و كذا الدم الخارج منهما إلّا إذا علم ان بوله او غائطه صار دما و كذا المذي و الوذى و الودى، و الأول هو ما يخرج بعد الملاعبة، و الثاني ما يخرج بعد خروج المنى، و الثالث ما يخرج بعد خروج البول.

(1)

أقول: قد عرفت دلالة الروايات على حصر الناقض من السبيلين بالبول و الغائط و الريح، فلا يكون القيح الخارج من المخرجين ناقضا و كذا الدم الخارج منهما.

نعم لو علم ان بوله او غائطه صار دما يكون ناقضا يشرط صدق اسم احدهما عليه.

و كذا لا ينقض الوضوء بخروج المذي و الوذى و الودى مضافا الى دلالة بعض الروايات على عدم ناقضيتها (1).

فما فى بعض الروايات من الامر بالوضوء فى بعضها، يأتى الكلام فيها فى المسألة 4 إن شاء اللّه.

و أمّا ما قاله المؤلّف (رحمه اللّه) من كون المذى ما يخرج بعد الملاعبة، فهو موافق مع تفسيره فى اللغة على ما حكى، و في الاخبار ما يدل على كون خروجه عند الشهوة‌

____________

(1) راجع الباب 14 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

31

و خروجه عند الملاعبة، و بلا شهوة، (راجع الباب المذكور).

و أمّا الوذى فهو فى مجمع البحرين ما يخرج عقيب الانزال، و فى بعض الأخبار هو ما يخرج من الادواء و هو جمع الداء و اما الودى فهو ما يخرج بعد البول كما حكى عن بعض اهل اللغة، و هكذا فى مرسلة ابن رباط و هى الرواية 6 من الباب المذكور.

*** [مسئلة 4: ذكر جماعة من العلماء استحباب الوضوء عقيب امور]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 4: ذكر جماعة من العلماء استحباب الوضوء عقيب المذي، و الودى، و الكذب، و الظلم، و الاكثار من الشعر الباطل، و القى، و الرعاف، و التقبيل بشهوة، و مسّ الكلب، و مسّ الفرج و لو فرج نفسه، و مسّ باطن الدبر،

و الاحليل و نسيان الاستنجاء قبل الوضوء،

و الضحك في الصلاة،

و التخليل إذا أدمى.

لكن الاستحباب فى هذه الموارد غير معلوم و الاولى ان يتوضأ برجاء المطلوبية.

و لو تبيّن بعد هذا الوضوء كونه محدثا باحد النواقض المعلومة كفى، و لا يجب عليه ثانيا، كما أنه لو توضأ احتياطا لاحتمال حدوث الحدث ثم تبيّن كونه محدثا كفى و لا يجب ثانيا.

(1)

أقول:

أمّا استحبابه عقيب المذى و الودى

فلحمل ما دلّ من الأخبار على‌

32

الأمر بالوضوء بخروجهما على الاستحباب بقرينة ما يدل من الأخبار على عدم الوضوء (1).

نعم فى الرواية 10 من الباب المذكور، قال- بعد سؤاله عن نقض الوضوء بالمذى- قال ان كان من شهوة نقض. و هى من حيث التعبير بالنقض لا تقبل الحمل على الاستحباب، كما نذكر فى ما بعد إن شاء اللّه، و لكن بعد الامر فى بعض الروايات و عدم ناقضيتهما فى بعض الروايات، نقول باستحباب الوضوء منهما، و لا بدّ من طرح هذه الرواية لعدم عامل بظاهرها.

و اما الوذى،

فلا نرى دليلا على استحباب الوضوء عنده و لهذا لم يذكره المؤلف (رحمه اللّه).

و أمّا استحبابه بالكذب و الظلم و الاكثار من الشعر الباطل،

يتمسك باستحبابه فيها بالرواية الّتي رواها سماعة (قال: سألته عن نشيد الشعر، هل ينقض الوضوء او ظلم الرجل صاحبه او الكذب؟ قال: نعم، إلّا ان يكون شعرا يصدق فيه او يكون يسيرا من الشعر الابيات الثلاثة و الأربعة، فأما أن يكثر من الشعر الباطل فهو ينقض الوضوء) (2).

و في خصوص انشاد الشعر، تدل الرواية على عدم النقض، و هى ما رواها معاوية بن ميسرة (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن انشاد الشعر هل ينقض الوضوء؟

قال لا) (3).

و منشأ القول بالاستحباب فيها هو حمل النقض على الاستحباب بعد الأخبار‌

____________

(1) راجع الباب 13 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 8 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 1 من الباب 8 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

33

الحاصرة الناقض بما عرفت و الاجماع على عدم كون هذه الثلاثة ناقضا.

و لكن ان كان متن الرواية الأمر بالوضوء فيها، يمكن ان يقول احد بحمل الأمر على الاستحباب بقرينة الأخبار الحاصرة و الاجماع، و لكن مفاد الرواية كونها ناقضا و النقض غير قابل للحمل على استحباب النقض، فلا دليل على استحباب الوضوء، نعم لا بأس بالوضوء رجاء و باحتمال المطلوبية.

و أمّا القي‌ء و الرعاف،

يتمسك على استحباب الوضوء بالرواية الّتي رواها سماعة (قال: سألته عما ينقض الوضوء؟ قال: الحدث تسمع صوته او تجد ريحه و القرقرة في البطن الاشياء تصبر عليه و الضحك في الصلاة و القي‌ء) (1).

و فى قبالها ما يدل على عدم ناقضيتهما (راجع الباب المذكور) و لا يمكن الجمع بين ما يدل على النقض و ما يدل على عدم النقض بحمل الأول على الاستحباب، لأنّ لفظ النقض كما قلنا غير قابل للحمل على استحباب النقض، فلا دليل على استحباب الوضوء في القي‌ء.

و كذا في الرعاف، لأنّ الرواية التي رواها أبو عبيدة الحذاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الرعاف و القي‌ء و التخليل يسيل الدم إذا استكرهت شيئا ينقض الوضوء، و إن لم تستكرهه لم ينقض الوضوء) (2) لما قلت من ان النقض غير قابل للحمل على الاستحباب مضافا الى التفصيل بين صورة الاستكراه و عدمه، فمن هذا الحيث تعارض الرواية في القي‌ء مع الرواية الاولى، نعم لا بأس بالوضوء رجاء و باحتمال المطلوبية.

____________

(1) الرواية 11 من الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 12 من الباب 6 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

34

و أمّا عند التقبيل بشهوة،

فالرواية الّتي رواها أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا قبّل الرجل المرأة من شهوة او مسّ فرجها اعاد الوضوء) (1) تحمل على الاستحباب بقرينة ما يدل على عدم الوضوء في القبلة (راجع الباب المذكور).

و لكن حيث ان ما ورد في عدم ناقضيته يدل على ناقضية التقبيل و اطلاقه يقتضي عدم كونه ناقصا سواء كان مع الشهوة او بلا شهوة.

و الرواية المذكورة تدل على اعادة الوضوء في خصوص ما كان من شهوة، فمقتضى القاعدة في حد ذاته هو حمل المطلق على المقيد و تكون النتيجة عدم الناقضية فيما لم يكن التقبيل بشهوة و الناقضية فيما كان مع الشهوة لا الحمل على الاستحباب في صورة الشهوة.

نعم بعد عدم قائل بوجوب الوضوء عنده، لا يمكن العمل بالرواية و لا وجه للحمل على الاستحباب و لكن لا بأس بالوضوء رجاء.

و أمّا مس الكلب،

فاستحباب الوضوء به مقتضى الرواية الّتي رواها أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: من مسّ كلبا فليتوضأ) (2) الآمرة بالوضوء، بعد حمل الامر فيها على الاستحباب لعدم قائل بوجوب الوضوء.

و فيه، انه لو لم تكن الرواية معمولا بها و مع اعراضهم عنها، فلم تكن بحجة، فلا يمكن صيرورتها دليلا على الاستحباب، فلا دليل على استحباب الوضوء بمس الكلب.

و أمّا مسّ الفرج،

يتمسك على استحباب الوضوء عنده بالرواية المذكورة في‌

____________

(1) الرواية 9 من الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 4 من الباب 11 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

35

التقبيل، لأنّ فيها قال (او مس فرجها) اى فرج المرأة (اعاد الوضوء) بحمل قوله (اعاد الوضوء) على استحباب الاعادة.

و فيه، انه بعد كون ظاهرها وجوب الاعادة و الرواية من هذا الحيث اعرض عنها الاصحاب، فلا دليل في البين يدلّ على الاستحباب، و لا وجه لحمل الرواية على الاستحباب لعدم عامل بالوجوب، لأنّ الرواية ظاهرة في الوجوب، و ليست بحجة لعدم العمل بها، حتى على القول باستحباب الفعل باخبار من بلغ لا يمكن القول باستحبابه لعدم وجود خبر ضعيف دال على الاستحباب.

نعم فى بعض الروايات المذكور فى هذا الباب اعنى (الباب 6 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل) ما يدل على عدم الوضوء فى مسّ الفرج كالرواية 2 و غيرها، فيقال بعد دلالة الرواية المذكورة على اعادة الوضوء فى مسّ فرج المرأة، و هذه الروايات تدل على عدم وجوب الوضوء فى مس الفرج، فيحمل قوله (اعاد) على الاستحباب، لكن هذه الروايات مطلقة، لشمولها لمسّ الرجل فرج نفسه بناء على شمول الفرج لعورة المرء و لمسّ المرأة فرج نفسها، فمقتضى القاعدة تقييدها بالرواية الدالة على اعادة الوضوء، فتكون النتيجة عدم الوضوء فى مسّ الفرج، الا ان يمسّ الرجل فرج المرأة، لا حمل قوله (اعاد) على الاستحباب. فتأمل.

و أمّا مسّ باطن الدبر و الاحليل،

فللرواية الّتي رواها عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: سال عن الرجل يتوضأ ثم يمسّ باطن دبره. قال: نقض وضوئه، و إن مس باطن احليله فعليه ان يعيد الوضوء، و إن كان في الصلاة قطع الصلاة و يتوضأ و يعيد الصلاة، و إن فتح احليله اعاد الوضوء و أعاد الصلاة) (1).

____________

(1) الرواية 9 من الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

36

لكن بعد كون ظاهرها وجوب الوضوء و الرواية من هذا الحيث غير معمول بها، فكما قلنا لا مدرك للاستحباب.

و أمّا نسيان الاستنجاء

يتمسك باستحباب الوضوء عنده بالرواية الّتي رواها أبو بصير قال: (قال: أبو عبد اللّه (عليه السلام) ان اهرقت الماء و نسيت ان تغسل ذكرك حتى صليت فعليك اعادة الوضوء و غسل ذكرك) (1).

و بالرواية الّتي رواها سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) (في الرجل يتوضأ فينسى غسل ذكره، قال: يغسل ذكره ثم يعيد الوضوء) (2) جمعا بينهما و بين ما يدل على عدم وجوب اعادة الوضوء فيمن نسى الاستنجاء المذكور فى هذا الباب، فراجع، فيحمل ما دل على الامر باعادة الوضوء فيمن نسى غسل ذكره على الاستحباب لما دل من الروايات على عدم اعادة الوضوء لمن نسى غسل ذكره.

و أمّا الضحك في الصلاة،

يتمسك بالرواية الّتي رواها سماعة (قال: سألته عما ينقض الوضوء؟ قال: الحدث تسمع صوته او تجد ريحه و القرقرة في البطن الا شيئا تصبر عليه و الضحك في الصلاة و القي‌ء) (3).

و أمّا التخليل،

يتمسك به بالرواية الّتي رواها أبو عبيدة الحذاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (قال: الرعاف و القي‌ء و التخليل يسيل الدم إذا استكرهت شيئا تنفض الوضوء و إن لم تستكرهه لم ينقض الوضوء) (4).

و لا يمكن جعل الخبرين دليلين على استحباب الوضوء بالضحك في الصلاة‌

____________

(1) الرواية 8 من الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 9 من الباب 18 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 11 من الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(4) الرواية 12 من الباب 6 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

37

و التخليل، لأنّ ظاهرهما نقض الوضوء بهما و لا يعمل بهما، فالخبران غير معمول بهما و بعد عدم حجيتهما في ما هو ظاهر هما من النقض و وجوب الوضوء فلا يمكن جعلهما وجها على الاستحباب، لما قلنا في طى كلماتنا، فافهم.

ثم ان ما قاله المؤلّف (رحمه اللّه) (من ان استحباب الوضوء فى هذه الموارد غير معلوم،

و الاولى ان يتوضأ برجاء المطلوبية) مضافا الى ما عرفت من عدم دليل على الاستحباب إلّا في مورد الوذى و الودى و نسيان غسل مخرج البول لما بينا من ان مقتضى الجمع العرفى هو استحبابه فى هذه الموارد الثلاثة، من احتمال صدور هذه الأخبار الآمرة بظاهرها بالوضوء في هذه الموارد تقية، لوجود الفتوى بين العامة على ناقضيتها، و مع هذا الاحتمال المعتنى به عند العقلاء لا يكون مقتضى الحجية في هذه الأخبار موجودا، لأنّه مع هذا الاحتمال من باب خارجية المطلب لا يكون الاصل في جهة الصدور موجودا فلا مجال للاخذ بهذه الأخبار، و بعد عدم وجود مقتضى الحجية لا مجال للجمع العرفى، لأنّ الجمع او الترجيح فرع وجود الحجة في كلا الخبرين المتعارضين، إلّا ان يقال بأن الجمع و الترجيح يأتى حتى بين الحجة و لا حجة.

أقول: و هذا الاحتمال و إن كان جاريا، لكن كونه بحيث يوجب الوهن في الاصل العقلائى في جهة الصدور غير معلوم.

نعم كما قاله المؤلّف (رحمه اللّه) الاولى ان يتوضأ في الموارد برجاء المطلوبية.

ثم أنه لو توضأ رجاء في احد هذه الموارد، و تبين بعد ذلك كونه محدثا

باحد النواقض المعلومة، فهل يكتفى بهذا الوضوء الصادر رجاء او لا يكتفى به، بل لا بدّ من وضوء آخر.

أقول: يفرض للمسألة صورتان:

38

الصورة الاولى: ما ينوى اتيان الفعل برجاء المطلوبية،

لكن لا بنحو التقييد، و معنى التقييد كون نيته اتيان الوضوء رجاء مطلوبيته عند خروج المذى مثلا، بحيث لو لم يكن هذا مطلوبا و مستحبا واقعا لما كان آتيا به.

ففي هذه الصورة لو تبين كونه محدثا باحد النواقض المعلومة، يكتفى بهذا الوضوء، لأنّ ما يعتبر في النية محقق في الفرض.

الصورة الثانية: ما كان اتيان الوضوء بقصد الرجاء بعنوان التقييد،

ففي هذه الصورة لا يكتفى بهذا الوضوء لو انكشف كونه محدثا باحد النواقض المعلومة، لأنّ ما ينويه لم يكن بشي‌ء و ما يكون مقربا لم ينوه، و هكذا الحكم فيما توضأ احتياطا لاحتمال حدوث الحدث ثم تبين كونه محدثا، بل الحكم فيه اوضح.

39

فصل: في غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

قوله (رحمه اللّه)

فصل فى غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة فان الوضوء، امّا شرط فى صحة فعل كالصلاة و الطواف، و امّا شرط فى كماله كقراءة القرآن، و امّا شرط فى جوازه كمسّ كتابة القرآن، او رافع لكراهته كالاكل، او شرط فى تحقق امر كالوضوء للكون على الطهارة، او ليس له غاية كالوضوء الواجب بالنذر، و الوضوء المستحب نفسا ان قلنا به كما لا يبعد.

اما الغايات للوضوء الواجب، فيجب للصلاة الواجبة اداء او قضاء عن النفس او عن الغير، او لاجزائها المنسية، بل و سجدتى السهو على الاحوط، و يجب أيضا للطواف الواجب، و هو ما كان جزء للحج او العمرة، و ان كانا مندوبين، فالطواف المستحب ما لم يكن جزء من احدهما لا يجب الوضوء له، نعم هو شرط في صحة صلاته.

42

و يجب أيضا بالنذر و العهد و اليمين، و يجب أيضا لمسّ كتابة القرآن وجب بالنذر او لوقوعه فى موضع يجب اخراجه منه، او لتطهيره اذا صار متنجسا و توقف الاخراج او التطهير على مسّ كتابته، و لم يكن التأخير بمقدار الوضوء موجبا لهتك حرمته، و الا وجب المبادرة من دون الوضوء.

و يلحق به اسماء اللّه و صفاته الخاصة، دون اسماء الأنبياء و الائمة (عليهم السلام)، و ان كان احوط، و وجوب الوضوء فى المذكورات ما عدا النذر و اخويه، انما هو على تقدير كونه محدثا، و الّا فلا يجب، و اما فى النذر و اخويه فتابع للنذر، فان نذر كونه على الطهارة لا يجب الا اذا كان محدثا، و ان نذر الوضوء التجديدي وجب و ان كان على وضوء.

(1)

أقول، الكلام فى الفصل يقع فى طى امور:

الأمر الاول: فى غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة،

فان الوضوء إما شرط فى صحة فعل كالصلاة، و شرطيته فى صحتها مما ادعي عليه الاجماع بل الضرورة، و تدل عليه روايات نذكر بعضها تيمّنا:

منها: ما رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: لا صلاة الا بطهور) (1).

و منها: ما رواها زرارة (قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الفرض فى الصلاة فقال:

____________

(1) الرواية 1 من الباب 1 من ابواب الوضوء من الوسائل.

43

الوقت و الطهور و القبلة و التوجه و الركوع و السجود و الدعاء) (1).

و منها: ما رواها القداح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) افتتاح الصلاة الوضوء و تحريمها التكبير و تحليلها التسليم) (2).

و كالطواف، و عليه حكى الاجماع كما قيل فى خمسة عشر موضعا، و يدل عليه بعض النصوص:

منها: ما رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: سألته عن الرجل يطوف على غير وضوء ا يعتد بذلك الطواف قال لا) (3).

منها: ما رواها على بن جعفر عن اخيه أبي الحسن (عليهم السلام) (قال سألته عن رجل طاف بالبيت و هو جنب، فذكر و هو فى الطواف. قال: يقطع الطواف و لا يعتد بشي‌ء مما طاف، و سألته عن رجل طاف ثم ذكر انه على غير وضوء. قال: يقطع طوافه و لا يعتد به) (4).

و إما يكون الوضوء شرطا فى كماله كقراءة القرآن، و يدل عليه بعض الروايات:

منها: ما رواها محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) (قال: سألته اقرأ المصحف ثم يأخذنى البول، فاقوم فابول و أستنجي و اغسل يدى و اعود الى المصحف، فأقرأ فيه. قال: لا حتى تتوضأ للصلاة) (5).

____________

(1) الرواية 3 من الباب 1 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 4 من الباب 1 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 5 من الباب 38 من ابواب الطواف من الوسائل.

(4) الرواية 4 من الباب 38 من ابواب الطواف من الوسائل.

(5) الرواية 1 من الباب 13 من ابواب قراءة القرآن و لو فى غير الصلاة من الوسائل.

44

و منها: ما رواها محمد بن على بن الحسين فى الخصال باسناده عن على (عليه السلام) فى حديث الأربعمائة (قال: لا يقرأ العبد القرآن اذا كان على غير طهور حتى يتطهر) (1).

و يحمل النهى في الخبرين على الكراهة بقرينة الرواية الدالة على استحباب قراءته بلا طهارة.

و هي الرواية الّتي رواها احمد بن فهد في عدة الداعى قال: (قال: (عليه السلام) لقارى القرآن بكل حرف يقرئه في الصلاة قائما مائة حسنة، و قاعدا خمسون، و متطهرا في غير صلاة خمس و عشرون حسنة، و غير متطهر عشر حسنات، اما انى لا اقول:

(المر) بل بالالف عشر و باللام عشر و بالميم عشر و بالراء عشر) (2)، لأنّ مفاد هذه الرواية استحباب قراءته و لو غير متطهر، لبيان الحسنة لما يقرأ على غير طهارة، فيحمل بقرينتها الروايتان على الكراهة بلا وضوء و معنى كراهيته اقلية ثوابه، كما يظهر من رواية ابن فهد (رحمه اللّه) لأنّ الثواب مع الطهارة خمس و عشرون حسنة فى قراءته و مع غير الطهارة عشر حسنات.

أقول: و قد روى في جامع احاديث الشيعة روايتان: و هى ما رواها حريز عمن اخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: (كان اسماعيل ابن أبي عبد اللّه عنده فقال: يا بنيّ اقرأ المصحف. و قال: انى لست على وضوء. فقال: لا تمسّ الكتاب و مس الورق و اقراه) (3).

و الرواية التى رواها أبو بصير (قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمن قرء في‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب 13 من ابواب قرآن القرآن و لو فى غير الصلاة من الوسائل.

(2) الرواية 3 من الباب 38 من ابواب الطواف من الوسائل.

(3) جامع احاديث الشيعة باب 1 من ابواب الوضوء- حديث 13. و أيضا الرواية 1 من الباب 12 من ابواب الوضوء من الوسائل.

45

المصحف و هو على غير وضوء؟ قال: لا بأس و لا يمس الكتاب (الكتابة) (1).

و هاتان الروايتان تدلّان على جواز قراءة المصحف من غير وضوء.

فلو اشكل فى ما رواه ابن فهد (رحمه اللّه) لارساله و اضماره، يكفى الروايتان لأن تكونا شاهدى حمل النهى في الروايتين الظاهرتين في التحريم بلا وضوء على الكراهة.

و بعد حملهما على الكراهة، فيقال ان معنى كراهته اقلية الثواب، فيبقى الجواز و الاستحباب للروايات الدالة بإطلاقها على محبوبية قراءة القرآن حتى بلا وضوء، مضافا الى ان الرواية الاولى من الروايتين المذكورتين في جامع احاديث الشيعة تدلّ على استحباب قراءته بلا وضوء للامر فيها بقراءته بلا وضوء و عدم مس الكتاب اى الكتابة، فأفهم.

و إمّا يكون الوضوء شرطا في جوازه كمس كتابة القرآن لعدم جدا مسّ كتابة القرآن بلا طهارة، و تدل عليه الروايتان المتقدمتان رواية حريز و رواية أبي بصير.

و الرواية التى رواها ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) (قال:

المصحف لا تمسّه على غير طهر و لا جنبا و لا تمسّ خطّه و لا تعلقه، ان اللّه تعالى يقول (لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (2).

و يمكن الاستدلال بقوله تعالى (لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) بناء على ارجاع الضمير في قوله (لا يمسّه) الى القرآن لأنّه تعالى يقول (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ

____________

(1) جامع احاديث الشيعة باب 1 من ابواب الوضوء حديث 14، و أيضا الرواية 1 من الباب 12 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 3 من الباب 12 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

46

لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ)، و بناء على كون المسّ هو المس بظاهر البدن لا المسّ بمعنى القرب و بناء على كون المراد من قوله (المطهرون) المطهرون من الاحداث الظاهرية.

و هل يمكن الاستدلال بالآية بعد تمسك المعصوم (عليه السلام) به كما في رواية ابراهيم بن عبد الحميد المتقدمة او لا؟ يأتى فى باب الجنابة عدم تمامية الاستدلال عليها بضم الرواية، كما انه يأتى إن شاء اللّه قرينة احتمال كون المراد من الآية ما يفيد للاستدلال به على ما نحن فيه‌

و على كل حال بعد عدم جواز مسّ كتابته بلا طهارة، يكون شرط جواز مسّه الوضوء.

و إمّا يكون الوضوء رافعا لكراهته كالاكل.

اقول، أمّا في خصوص حال الجنابة:

فللرواية التى رواها عبيد اللّه بن علي الحلبى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن ابيه (قال: إذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتى يتوضأ) (1).

و ما رواه الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن امير المؤمنين علي بن ابى طالب (عليهم السلام) في حديث المناهى (قال: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن الاكل على الجنابة و قال: انه يورث الفقر) (2).

و يحمل الروايتان على الكراهة بقرينة ما يترتب عليه من التوعيد بالفقر في الرواية الثانية.

مضافا الى دلالة الرواية التى رواها عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه في حديث‌

____________

(1) الرواية 4 من الباب 20 من ابواب الجناية من الوسائل.

(2) الرواية 5 من الباب 20 من ابواب الجنابة من الوسائل.

47

(قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أ يأكل الجنب قبل ان يتوضأ؟ قال: انا لنكسل و لكن ليغسل يده، فالوضوء افضل) (1) على جواز الاكل قبل الوضوء، فيحمل النهى على الكراهة.

و أمّا بالنسبة الى غير حال الجنابة، فما نرى من الأخبار ليس الا بعض الروايات الدالة على استحباب غسل اليد قبل الطعام و بعده، و بعض الروايات الدالة على استحباب الوضوء قبل الطعام (2).

و لكن على المحكى ان اصحابنا (رضوان اللّه عليهم) لم يفهموا من هذه الأخبار الآمرة بالوضوء قبل الطعام، الوضوء المعهود و لذا لم يذكروا هذا المورد من جملة الوضوءات المستحبة و تدل رواية من الروايات المذكورة في الباب المذكور على كون المراد بالوضوء في هذه الأخبار غسل اليدين قبل الطعام و بعده.

و هي ما رواها محمد بن الحسن في المجالس و الأخبار عن جماعة عن أبي الفضل عن جعفر بن محمد العلوى الموسوى و عن احمد بن زياد جميعا عن عبد اللّه بن احمد بن نهيك عن محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال (عليهم السلام) (قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من سره ان يكثر خير بيته فليتوضأ عند حضور طعامه، و من توضأ قبل الطعام و بعده عاش في سعة من رزقه، و عوفى من البلاء في جسده)، و زاد الموسوى في حديثه قال هشام: (قال لي الصادق (عليه السلام): الوضوء هنا غسل اليدين قبل الطعام و بعده).

و من كل ذلك يظهر لك انه ليس في البين ما يدل على كون الوضوء رافعا‌

____________

(1) الرواية 7 من الباب 20 من ابواب الجنابة من الوسائل.

(2) راجع الباب 41 من ابواب آداب المائدة من الوسائل.

48

لكراهة الاكل، فلا يتم كلام المؤلّف (رحمه اللّه) بإطلاقه و يصح في خصوص اكل الجنب فإنه يرفع بالوضوء كراهة الاكل لما مرّ.

و إمّا يكون الوضوء شرطا في تحقق امره، كالوضوء للكون على الطهارة، لأنّ الكون على الطهارة مما يترتب على الوضوء فيما يكون الشخص محدثا بالحدث الاصغر، فيكون الوضوء موجبا لتحقق هذا الأمر، اى الكون على الطهارة.

أو ليس له غاية، كالوضوء الواجب بالنذر و الوضوء المستحب نفسا ان قلنا به كما لا يبعد هذا ما قاله المؤلف (رحمه اللّه).

أقول: أمّا عدّه (رحمه اللّه) هذا القسم مما ليس له غاية فليس بتمام، لأنّ المراد بالغاية ما يترتب على الوضوء، و في هذا القسم بناء على مشروعيته، يترتب عليه ما يترتب على غيره من الاقسام من جواز الصلاة و غير ذلك.

نعم يمكن ان يقال بأنه لا يريد الشخص غاية في هذا القسم، بل يأتى به بعنوان الأمر المتعلق به وجوبا او استحبابا.

ثم انه عدّ مما ليس له غاية- اعنى لا يريد باتيانه غير امره- الوضوء الواجب بالنذر، و الوضوء المستحب نفسا.

أمّا الوضوء الواجب بالنذر، فيدور مدار رجحانه و لا اشكال فيما يكون متعلق النذر الكون على الطهارة.

و أمّا إذا نذر نفس الغسلات و المسحات بدون قصد حصول الطهارة بها، ففي تعلق النذر به اشكال لعدم كونه راجحا و يأتى الكلام فيه إن شاء اللّه.

و أمّا الوضوء المستحب نفسا، فان كان الغرض الوضوء الذي يقصد به الكون على الطهارة، فلا اشكال في استحبابه.

49

و يدل عليه من القرآن الكريم:

قوله تعالى: إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (1).

و قوله تعالى: فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (2).

و من الأخبار:

مثل الرواية التى رواها محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (الوضوء على الطهور عشر حسنات فتطهروا) (3)، ففيها الأمر بالتطهر و هو دليل على المطلوب.

و الرواية التى رواها محمد بن محمد بن النعمان المفيد باسناده عن انس في حديث قال: (قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يا انس، اكثر من الطهور يزيد اللّه في عمرك، و إن استطعت ان تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل، فإنك تكون إذا متّ على طهارة شهيدا). (4)

و الرواية التى رواها الحسن بن محمد الديلمى في الارشاد قال: (قال:

النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول اللّه تعالى: من احدث و لم يتوضأ فقد جفانى، و من احدث و توضأ و لم يصل ركعتين فقد جفانى، و من احدث و توضأ و صلى ركعتين و دعانى و لم اجبه فيما سألنى من امر دينه و دنياه فقد جفوته، و لست بربّ جاف، قال: و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

من احدث و لم يتوضأ فقد جفانى و ذكر الحديث نحوه). (5)

و إن كان الغرض من استحباب الوضوء نفسا استحباب نفس الغسلات‌

____________

(1) س 2، آية 222.

(2) س 9، آية 108.

(3) الرواية 10 من الباب 8 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(4) الرواية 3 من الباب 118 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(5) الرواية 2 من الباب 11 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

50

و المسحات و لو لم يقصد بها احد الغايات، فلم اجد دليلا على استحبابه، و لا يمكن التمسك على استحبابه بما تمسكنا على استحباب الوضوء بقصد الكون على الطهارة.

أمّا الآيتان فلانهما تدلان على أنه تعالى (يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) او (المطهّرين) و لا تدلان على انه يحب نفس الغسلات و المسحات بدون قصد حصول الطهارة.

أمّا الرواية الاولى، فلان فيها قال: (فتطهروا) فالامر فيها بالتطهر، فلا يمكن الاستدلال بصدرها من قوله (الوضوء على الطهور عشر حسنات) بدعوى ان الوضوء نفس الغسلات و المسحات و فيه الحسنات، لأنّ الأمر في الذيل يدل على كون الغرض من الوضوء حصول الطهارة.

و اما الرواية الثانية، فلان التعبير فيها بالامر باكثار الطهارة لا الوضوء، فلا تدل على استحباب الوضوء نفسا.

و اما الرواية الثالثة، ففيها و إن ترتب الجفاء على ترك الوضوء، لكن قوله (و لم يصل ركعتين فقد جفانى) يدل على ان الوضوء هو الوضوء الذي يبيح الصلاة و يرفع الحدث، فتدل الرواية على ان ترك الوضوء لاجل رفع الحدث يكون من الجفاء لا لنفس الوضوء.

و كذلك لا يدل على استحبابه نفسا ما روى من ان (الوضوء على الوضوء نور على نور) (1) فإنها تدل على ان الوضوء الثاني نور على نور و الوضوء الأول ما حصل به الطهارة، فالثانى يحصل به مرتبة ارفع من الطهارة الحاصلة من الاولى.

مضافا الى ان مفروغية استحباب الكون على الطهارة ربما يوجب انصراف كلما وقع الترغيب فيه بالوضوء الى هذا القسم من الوضوء.

____________

(1) الرّواية 8 من الباب 8، من ابواب الوضوء من الوسائل.

51

مع ان الرواية التى رواها في عيون الأخبار و في العلل بالاسناد الآتى عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (قال: انّما امر بالوضوء و بدء به لأن يكون العبد طاهرا إذا قام بين يدى الجبار عند مناجاته اياه، مطيعا له فيما امره، نقيّا من الادناس و النجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل و طرد النعاس و تزكية الفؤاد للقيام بين يدى الجبار، قال: و انما جوّزنا الصلاة على الميت بغير وضوء لأنّه ليس فيها ركوع و لا سجود، و انما يجب الوضوء في الصلاة التى فيها ركوع و سجود) (1)، يؤيد مفادها بل يدل على ان حكمته صيرورة العبد طاهرا، و هو يحصل بقصده الكون على الطهارة، فتامل.

و مع قطع النظر عن ذلك كله بعد عدم دليل مثبت لمشروعية هذا القسم من الوضوء، يكفى في عدم جوازه الشك في مشروعيته.

الأمر الثاني: أمّا الغايات للوضوء الواجب.

فيجب للصلاة الواجبة اداء و قضاء عن النفس او عن الغير، و لاجزائها المنسية بل و سجدتى السهو على الاحوط. هكذا قال المؤلف (رحمه اللّه).

أقول: أمّا في الصلاة الواجبة اداء، فلا اشكال فيه فتوى و نصا، و قد مضى بعض الكلام فيه و بعض ما يدل عليه في الأمر الأول.

و أمّا في قضاء الصلاة، سواء كان عن النفس او عن الغير، فيدل على اشتراطها به بعض الروايات التي ذكرناه في الأمر الأول، مثل قوله: (لا صلاة الا بطهور)، مضافا الى كون القضاء مثل الاداء و لا فرق بينهما إلّا كون القضاء في‌

____________

(1) الرواية 9 من الباب 1 من ابواب الوضوء من الوسائل.

52

خارج الوقت.

و أمّا الاجزاء المنسية، فلانها اجزاء للصلاة و إن كان محل اتيانها بعد الصلاة.

و قد يقال بعدم اعتبار الطهارة في الاجزاء من رأس بل المسلّم اعتبارها فى اصل الصلاة.

و فيه، انه لو كان الحدث قاطعا و لم تكن الطهارة شرطا كان لهذا الكلام مجال، و لكن الطهارة شرط كما عرفت من كون اعتبارها من الضروريات و لدلالة النصوص على شرطيتها.

و أمّا اعتبار الوضوء في سجدتى السهو و عدم اعتباره:

منشأ اعتباره إمّا انهما من متممات الصلاة و مكملاتها و لهذا يعتبر فيهما الفورية، و إمّا ان المنصرف إليه من ادلتهما و إن كانت مطلقة من هذا الحيث، هو ما كان مع الطهارة.

و فيه ان الحق كونهما واجبتين مستقلتين و إن كان سبب وجوبهما ما وقع او فات في الصلاة (قد بينّا التفصيل في بعض تقريراتنا عن بحث فقيد الاسلام آية اللّه العظمى البروجردي استادنا الاعظم (قدس سره)).

و كون وجوبهما فوريا لا يقتضي وجوب ما وجب في الصلاة فيهما.

و أمّا الانصراف فلا وجه له، فمع الشك يكون المرجع البراءة، لأنّ الشك في شرطيتها فيهما لا اصالة الاشتغال، و لكن مع ذلك نقول في مقام العمل بالاحتياط كما قاله المؤلّف (رحمه اللّه).

و يجب أيضا للطواف الواجب، و هو ما كان جزءا للحج او العمرة، و إن كانا‌