ذخيرة العقبى في شرح العروة الوثقى - ج6

- الشيخ علي الصافي الگلپايگاني المزيد...
458 /
7

الجزء السادس

[تتمة كتاب الطهارة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[فصل في شرائط الوضوء]

قوله (رحمه اللّه)

فصل في شرائط الوضوء الأوّل: إطلاق الماء، فلا يصح بالمضاف و لو حصلت الاضافة بعد الصب على المحل من جهة كثرة الغبار أو الوسخ عليه فاللازم كونه باقيا على الاطلاق إلى تمام الغسل.

الثاني: طهارته، و كذا طهارة مواضع الوضوء و يكفى طهارة كل عضو قبل غسله و لا يلزم أن يكون قبل الشروع تمام محالّه طاهرا فلو كانت نجسة و يغسل كل عضو بعد تطهيره كفى، و لا يكفى غسل واحد بقصد الازالة و الوضوء و إن كان برمسه في الكرّ أو الجارى، نعم لو قصد الإزالة بالغمس و الوضوء باخراجه كفى و لا يضرّ تنجس عضو بعد غسله و إن لم يتمّ الوضوء.

(1)

أقول: في الفصل يقع الكلام في شرائط الوضوء:

8

الشرط الأوّل: إطلاق الماء في الوضوء و الكلام فيه في موردين:

المورد الأوّل: اعتبار إطلاق الماء في الوضوء

في الجملة مما لا إشكال فيه فتوى و نصا، أمّا فتوى لكون الحكم مشهورا معروفا، بل حكى دعوى عدم الخلاف عن المبسوط و السرائر، و ادعى عليه الاجماع كما هو المنقول عن غير واحد و لم ينقل الخلاف إلّا ما حكي عن ظاهر ابن أبي عقيل؛ من جواز الطّهارة بالماء المضاف عند فقدان الماء، و عن الصدوق (رحمه اللّه) من جواز الوضوء بخصوص ماء الورد.

أما نصا فلقوله تعالى: (وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)* (1).

بعد مسلمية عدم كون المضاف ماء و إطلاق الماء عليه يكون مسامحة فتدل (الآتيان) على عدم رافعية المضاف للحدث و أنّه بعد فقد الماء تصل النوبة بالتيمم.

و لما رواها أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في الرجل يكون معه اللبن أ يتوضأ منها للصلاة؟ قال: إنّما هو الماء و الصعيد) (2).

فهي تدلّ على انحصار المطهّر بالماء و الصعيد، فلا يجوز الوضوء بالمضاف و لا يكتفى به.

و أمّا ما حكي عن ابن أبي عقيل من جواز الطّهارة بالمضاف مع عدم الماء فلم نجد له وجها.

و ما قيل في وجهه من التمسك بقاعدة الميسور، فمضافا إلى بعض ما استشكل على هذه القاعدة و أمضينا الكلام فيها في الأصول في بحثنا و فيما كتبنا فيها و ما هو‌

____________

(1) سورة النساء، الآية 43 و سورة المائدة، الآية 6.

(2) الرواية 1 من الباب 1 من أبواب الماء المضاف و المستعمل من الوسائل.

9

الحق فيها، فلا مجال للتمسك بها في المقام لأنّه بعد تصريح القرآن الكريم و الحديث الشريف على أنّ بعد فقد الماء يكون المطهّر هو الصعيد، فلا معنى للقول بكون بدل الماء، الماء المضاف.

و أمّا وجه قول الصدوق (رحمه اللّه) فهو ما رواها يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) (قال:

قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضأ به للصلاة، قال: لا بأس بذلك) (1).

قال في الوسائل (و رواها الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب ثم قال: هذا خبر شاذ أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره قال: و يحتمل أن يكون المراد بماء الورد الماء الذي وقع فيه الورد فإن ذلك يسمّى ماء ورد و إن لم يكن معتصرا منه) (2).

أقول: أما الرواية باعتبار السند فاعلم أنّه مضافا إلى الكلام في بعض رواتها من حيث الوثاقة و عدمها مثل سهل بن زياد و محمد بن عيسى، فقد بينّا ما هو المذكور من الشيخ (رحمه اللّه) من إجماع العصابة على ترك العمل بظاهرها، فهذا هو المتيقن من الاعراض، لأنّ الاعراض تارة يقال بحصوله بمجرد مخالفة فتوى المشهور مع مضمون الرواية، و تارة باظهار الاعراض عنها، و أنّهم معرضون عما هو مفاد الرواية، و هذا القسم هو المتيقن من الاعراض، و هو موجود في المقام لأنّ الشيخ (رحمه اللّه) يحكى ترك العصابة العمل بظاهرها، فليست الرواية بحجة.

و أمّا ما رواها الصدوق (محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام) مرسلا قال: لا بأس بالنبيذ لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد توضأ به، إنّ ذلك ماء قد نبذت فيه تمرات، و كان صافيا‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 3 من أبواب الماء المضاف و المستعمل من الوسائل.

(2) الوسائل ج 1، ص 148.

10

فوقها فتوضأ به) (1).

فلا يصح الاستناد بها لضعفها سندا من جهة ارسالها و اعراض الاصحاب عنها، للاشكال فيها دلالة لعدم كون الظاهر فيها جواز الوضوء بالنبيذ المعروف.

الدالّ على نجاسته و حرمته بعض الأخبار المذكور في الاشربة المحرمة، بل المراد هو القسم الحلال منه كما يظهر من بعض الأخبار مثل الرواية 2 من الباب المذكور فيها هذه المرسلة.

فتلخص من كل ذلك اشتراط كون ماء الوضوء مطلقا في الجملة و قد مضى الكلام فيه في طى الفصل الأوّل في المياه.

المورد الثاني: بقاء الماء على الاطلاق إلى تمام الغسل و المسح

أعنى: حصول مسمّاهما.

و وجه اعتبار ذلك واضح، لأنّه بعد اشتراط إطلاق الماء في الوضوء و هو عبارة عن الغسلتين و المسحتين فلا بدّ من بقاء الماء على الاطلاق الى حصول مسمّى الغسل و المسح، فلو حصلت الإضافة بعد صب الماء على المحل بسبب وسخ في محل الوضوء أو الغبار أو غيرهما قبل تمام الوضوء الحاصل تماميته بتحقق مسمى الغسل و المسح لم يتحقق الوضوء بالماء المطلق.

و ما في عبارة المؤلف (رحمه اللّه) من كفاية بقاء الماء على الاطلاق إلى تمام الغسل إن كان نظره ما قلنا من كفاية بقاء الماء على الاطلاق إلى تمام حصول مسمى الغسلتين و المسحتين فتم كلامه، و الظاهر كون نظره الشريف إلى ذلك و إن عبّر (الى تمام الغسل).

____________

(1) الرواية 3 من الباب 2 من أبواب الماء المضاف و المستعمل من الوسائل.

11

و إن كان نظره إلى كفاية بقاء إطلاق الماء إلى حصول مسمى الغسل و إن لم يبق اطلاقه إلى حصول مسمّى المسح فغير صحيح، لأنّه لا بدّ من كون المسح بنداوة الماء من الوضوء و مع اضافته حال المسح قبل حصول مسماه لم يحصل المسح بنداوة الماء من الوضوء، فلم يتحقق الوضوء بالماء المطلق فلا يكتفى بهذا الوضوء.

الشرط الثاني: طهارة ماء الوضوء و طهارة مواضع الوضوء،

فالكلام في الموردين:

الأوّل: اشتراط طهارة ماء الوضوء،

و يدلّ على هذا الشرط روايات واردة في موارد مختلفة يستفاد منها شرطية طهارة ماء الوضوء مثل الرواية 1 و 3 و 4 و 7 من الباب 3 و الرواية 1 و 2 و 5 من الباب 8 و الرواية 4 من الباب 9 و الرواية 4 و 5 و 8 و 11 و غيرها من الباب 11 من أبواب الماء المطلق من الوسائل، نذكر واحدة منها تيمنا و هي ما رواها حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (أنّه قال: كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب، فاذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب) (1).

الثاني: اشتراط طهارة مواضع الوضوء، و الكلام فيه يقع في موردين:

المورد الأوّل: فيما يدل على اشتراطها،

اعلم أن المراجع في الفقه لا يرى تعرضا لهذا الشرط في كلمات القوم إلى الاواخر، فلا مجال لدعوى الشهرة أو الاجماع على اشتراطها فيها، نعم ما يرى هو التعرض في الغسل و بيان اشتراط طهارة محل الغسل فيه.

و على كل حال ما يمكن أن يستدلّ به على اشتراط طهارة محال الوضوء فيه‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 3 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

12

بعض ما يستدلّ به من الروايات على اشتراط طهارة محل الغسل و موضعه في الغسل، فيقال بعد ثبوت اشتراطها فيه نقول باشتراطه في الوضوء أيضا، للعلم بكون الوضوء مثل الغسل في هذه الجهة.

مثل ما رواها حكم بن حكيم (قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غسل الجنابة فقال: افض على كفّك اليمنى من الماء فاغسلها، ثم اغسل ما أصاب جسدك من أذى، ثم اغسل فرجك و افض علي رأسك و جسدك فاغتسل فإن كنت في مكان نظيف فلا يضرّك أن لا تغسل رجليك، و إن كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك، قلت: إن الناس يقولون: يتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل، فضحك و قال:

و أيّ وضوء أنقى من الغسل و أبلغ) (1).

بدعوى دلالة قوله (عليه السلام) (افض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها ثم اغسل ما أصاب جسدك من أذى ثم اغسل فرجك الخ) على أن الأمر بغسل اليمنى و غسل ما أصاب على الجسد من اذى و غسل الفرج يكون لاجل رفع النجاسة الواقعة عليها و تطهيرها بالماء لاشتراط طهارة محل الغسل في صحة الغسل.

و مثل ما رواها محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام) (قال: سألته عن غسل الجنابة فقال: تبدأ بكفيك (فتغسلهما) ثم تغسل فرجك، ثم تصبّ (الماء) على رأسك ثلاثا، ثم تصبّ (الماء) على سائر جسدك مرتين فما جرى عليه الماء فقد طهر). (2)

و غير ذلك، راجع الباب 2 من أبواب الغسل و أحكامه من جامع أحاديث‌

____________

(1) الرواية 11 من الباب 2 من أبواب الغسل و احكامه من جامع احاديث الشيعة، و الرواية 7 من الباب 25 و الرواية 1 من الباب 26 من أبواب الجنابة من الوسائل فالرواية رواية واحدة تقطعها صاحب الوسائل (رحمه اللّه).

(2) الرواية 2 من الباب 2 من ابواب الغسل و احكامه من جامع احاديث الشيعة.

13

الشيعة.

أقول: إن سلّم دلالة الروايتين و نظيرهما على اشتراط طهارة مواضع الغسل في الغسل و عدم حملها على الاستحباب، فلا يكفى ثبوت الحكم في الغسل لثبوته في الوضوء، إلّا أن يدعى العلم أو الاطمينان بكون الوضوء مثل الغسل في هذا الحكم.

و إن تم ذلك يكون دليلا على اشتراط طهارة مواضع الوضوء في الوضوء و لو لم يتم ذلك فلا وجه لاعتبار طهارة مواضع الوضوء، و حيث إنّه لا يرى تعرض عن هذه المسألة في كلمات القدماء، فلا وجه لدعوى الشهرة أو الاجماع في المسألة، نعم مع التسلم عند المتأخرين يقال: بأن الأحوط وجوبا هو طهارة مواضع الوضوء، هذا ما يأتي بالنظر عاجلا في المقام.

المورد الثاني: بعد فرض كون طهارة مواضع الوضوء شرطا في الوضوء

يقع الكلام في أنه:

هل يجب كون تمام أعضاء الوضوء طاهرا قبل الشروع في الوضوء، فكما يجب طهارة الوجه، و هو اوّل موضع من مواضع الوضوء، قبل الشروع فيه يجب طهارة الرجل اليسرى، و هي آخر مواضع الوضوء.

أو تجب طهارة كل عضو قبل الشروع في غسله أو مسحه، فيجب طهارة الوجه قبل الشروع فيه و يجب طهارة اليد اليمنى قبل الشروع فيها، و هكذا، فلو شرع في غسل الوجه و يكون اليد اليمنى أو ما بقى من الاعضاء نجسا لا يضر بالوضوء إذا طهّر كل عضو حين غسله أو مسحه.

أو لا يجب ذلك أيضا، بل يجب كون الفراغ من غسل كل عضو مقارنا لطهارة هذا العضو بحيث لم تبق نجاسة كل عضو بعد غسله، و بعبارة اخرى يكفى في حصول‌

14

الشرط عدم بقاء نجاسة كل عضو بعد غسل هذا العضو، و أثره الاكتفاء بغسل واحد لرفع الخبث و الحدث، فلو كانت اليد نجسة و أصابها الماء بقصد إزالة الخبث و الحدث يكفى، بل يكفى إصابة الماء على اليد النجسة بقصد رفع الحدث فقط، لأنّ ازالة الخبث لا يحتاج إلى القصد و مجرد إصابة الماء بها يرفع الخبث و لو لم يقصد رفعه بل يقصد أمرا آخر.

أو يفصل بين ما يكون الغسل في الماء الكثير أو كانت النجاسة في آخر العضو و إن كان الماء الماء القليل فيكتفى بغسل واحد لرفع الحدث و ازالة الخبث، و بين ما كان الغسل في الماء القليل و لا يكون المتنجس آخر العضو من أعضاء الوضوء، فيقال بعدم الاكتفاء بغسل واحد لازالة الخبث و رفع الحدث.

وجه الاحتمال الأوّل، ظهور بعض الروايات الوارد في الجنابة في وجوب تطهير محل الغسل قبل الشروع في الغسل مثل الروايتين المتقدمتين و هي رواية حكم بن حكيم و محمد بن مسلم.

وجه الاحتمال الثاني، لسان بعض الأخبار الوارد في الغسل بعد كون المراد من الغسل غسل كل عضو قبله لشدة اقتضاء المناسبة ذلك خصوصا رواية حكم بن الحكيم المتقدمة.

و أنّ الاصل عدم التداخل لأنّ كل سبب يقتضي مسببا مستقلا، فلا وجه لتداخل ما هو مسبب من الخبث فيما هو مسبب من الحدث.

و للزوم وقوع الغسل على المحل الطاهر و إلّا لأجزأ الغسل و لو مع بقاء عين النجاسة، و بأن الماء ينفصل بمجرد الملاقات فلا يمكن الغسل.

وجه الاحتمال الثالث، هو أنّه بعد كون المطلوب في ازالة النجاسة الخبثية‌

15

ليس إلّا ازالة النجاسة بالغسل كيف ما اتفق و لو مع عدم القصد، بل و إن كان مع قصد الخلاف، و المطلوب في ازالة الحدث هو إتيان الوضوء و حصوله مع قصد التقرب، فاجتمع مطلوب مطلق مع مطلوب مقيد، و لا إشكال في تحقق المطلق في ضمن المقيّد فيحصلان بفعل واحد أعنى: غسلا واحدا، و مما مرّ يظهر فساد التمسك بأنّ الاصل عدم التداخل.

وجه الاحتمال الرابع، و هو التفصيل، و أن الماء إن كان كثيرا لا تكون الغسالة نجسة، و كذا لو كانت النجاسة في آخر العضو فتنفصل الغسالة فلا يصير المحل نجسا، و لهذا يمكن تحقق الطّهارة الخبثية و الحدثية بغسل واحد.

و أمّا إن كان الماء قليلا و كانت النجاسة في غير آخر العضو، مثلا كان في أعلى العضو أو وسطه ينجس المحل بنجاسة الغسالة.

إذا عرفت ذلك نقول بعونه تعالى: بعد ما لا دليل في البين يدلّ على شرطية طهارة مواضع الوضوء (إلّا ما ذكر و ذكرنا من أنّه بعد اشتراط طهارة مواضع الغسل يشترط طهارة مواضع الوضوء لكونه مثل الغسل في هذا الحكم)، فنقول: إنّ مواضع الوضوء إن كانت نجسة ينجس ماء الوضوء بملاقاتها إن توضأ بالماء القليل، فلا يتمكن معه من الوضوء لأنّ المفروض اشتراط طهارة مائه.

إن قلت: إنّه كما قلتم بأنّه لا يضرّ نجاسة الماء بعد الاستعمال في بقائه على طهارته حال مطهريته و إلّا فلا يطهر متنجس بالماء القليل أصلا، لأنّ الماء ينجس بملاقات النجس فيصير نجسا، فتكون نتيجة ذلك عدم مطهرية الماء القليل و لا يمكن الالتزام به.

قلت: إنّ ما قلنا في طريق تطهير المتنجسات من عدم نجاسة الماء المطهّر بملاقاته للمتنجّس الّذي يطهّره كان من باب ما نرى من مطهرية الماء القليل مسلّما‌

16

كما هو مورد كل الأخبار الواردة في الباب، فلا بدّ لنا بعد هذا التسلم من التصرف في بعض العمومات.

و ليس في المقام هذه الضرورة إذ يمكن تطهير الموضع من الوضوء إن كان نجسا قبلا ثم غسله بالماء الطاهر للوضوء.

ثم بعد ذلك نقول: إنّه بعد فرض اشتراط طهارة محل الوضوء لما ورد في باب الغسل، فما ينبغى أن يقال من بين الاحتمالات الاربعة المتقدمة، فنقول بعونه تعالى:

إنّ ظاهر ما قد منا من الروايتين الواردتين في الغسل هو الاحتمال الأوّل، و هو اعتبار طهارة مواضع الوضوء قبل الشروع في الوضوء.

لكن ربّما يقال بكفاية طهارة كل عضو قبل الشروع في غسله أو مسحه، و هو الاحتمال الثاني.

إمّا لبعد دخل طهارة عضو في العضو الآخر، مثلا دخل طهارة اليد في غسل الوجه.

و إمّا بأنّ المناسبة تقتضى كون الطّهارة المشترطة شرطا و دخيلة في غسل نفس الموضع النجس، مثلا إذا كانت اليد اليمنى نجسة و أراد غسلها للوضوء فالمناسبة تقتضي طهارتها لغسل نفس اليد لا لغسل عضو آخر.

و إمّا لخصوص ما في رواية حكم بن الحكيم المتقدمة (فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك أن لا تغسل رجليك و إن كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك الخ) بدعوى أنّ الظاهر منها وجوب غسل الرجل و تطهيره من النجاسة قبل غسله.

و ما يأتي بالنظر هو أنّ كل هذه الوجوه قابلة للخدشة (و يأتي الكلام في‌

17

المسألة إن شاء اللّه في غسل الجنابة في المسألة 5 من المسائل المتعلقة بكيفية غسل الجنابة و متعلقاتها).

أمّا دعوى بعد دخل طهارة عضو في غسل العضو الآخر فمجرد الاستبعاد لا يكون دليلا، خصوصا مع ما نرى من عدم اطلاعنا على الملاكات الشرعية و مصالحها و مفاسدها، فلا وجه للاستبعاد.

و أمّا شدة المناسبة فهي تقتضى دخل طهارة كل عضو في غسله، و لا تقتضى عدم دخل طهارة هذا العضو في غسل عضو آخر.

و أمّا رواية حكم فهذه الفقرة منها ليست إلّا في مقام بيان وجوب غسل الرجل على فرض نجاستها، و أمّا كون التطهير في أيّ وقت فلا تعرض لها.

بل الظاهر منها كون الحكم بالتطهير كما يستفاد من بعض الروايات المذكورة في بابها غير مربوط بالغسل أصلا، بل مربوط ببعد الفراغ من الغسل، و أنّه إن صارت رجليه نجسه يطهّره، فلا وجه للاستشهاد بالرواية على الاحتمال الثاني.

و مما مرّ من كون لأقوى الاحتمال الأوّل، و هو طهارة مواضع الوضوء قبل الشروع في الوضوء،

يظهر لك امور:

الأمر الأوّل: أنّه لا يكتفى بغسل واحد لازالة الخبث و رفع الحدث

و إن كان الغسل بالماء العاصم أو كانت النجاسة في آخر موضع من الغسل يوجب انفصال الغسالة عن المحل، لأنّ مقتضى الدليل تقديم تطهير موضع الغسل قبل الغسل و قبل الشروع في الوضوء بناء على كونه مثل الغسل في هذا الحكم.

الأمر الثاني: فيما يزيل الشخص النجاسة بالغمس في الماء العاصم،

فلا يمكن قصد الوضوء بالاخراج عن الماء و لا يتحقق الغسل الوضوئي إلّا فيما كانت النجاسة‌

18

في خصوص الوجه، لأنّه بعد فرض ما قوّينا من اشتراط طهارة الأعضاء قبل الشروع في الوضوء، فالنجاسة إن كانت في الوجه فيطهر الوجه بالغمس في الماء و يقصد غسل الوجه للوضوء بالاخراج عن الماء.

و أمّا إن كانت النجاسة في ساير الأعضاء فلا يحصل الغسل الوضوئي بالاخراج، لأنّه وقع الغسل للجزء السابق على الجزء المتنجّس بلا شرط، لاشتراط طهارة مواضع الوضوء قبل الشروع، مثلا إن كانت النجاسة في اليد فتطهيرها، و إن كان يحصل بالغمس لكن لا يصح الوضوء لوقوع غسل الوجه و هو من أجزاء الوضوء قبل تطهير اليد عن النجاسة، و على الفرض يشترط في الوضوء طهارة تمام أعضاء الوضوء قبل الشروع و من جملة الأعضاء الوجه، فلا يصح الوضوء.

نعم بناء على الاحتمال الثانى و هو اشتراط طهارة كل عضو قبل غسله إن كان العضو نجسا، يحصل تطهيره بالغمس في الماء العاصم و يصح قصد غسل الوضوء بالاخراج سواء كان هذا العضو وجها أو اليدين.

الامر الثالث: أنه فيما قلنا من أنه إذا كانت النجاسة في الوجه

و يريد المتوضى إزالة النجاسة عن الوجه بالغمس في الماء العاصم و الوضوء بالاخراج، فلا يحتاج إزالة الخبث و النجاسة بالغمس إلى القصد بذلك، لأنّ إزالة الخبث غير محتاج إلى القصد بل لو غمس وجهه في الماء و لو بلا قصد أو لقصد التبريد و غيره حصلت الطهارة عن الخبث، فلو أراد الوضوء يمكن أن يقصد غسل الوجه بالاخراج للوضوء، و في هذا يحتاج إلى القصد، لأنّه لا تحصل الطّهارة عن الحدث إلا بقصد التقرب.

كما أنّه على الاحتمال الثاني لو كان بعض أعضاء الوضوء نجسا و لو غير الوجه لا يحتاج في ازالة النجاسة الخبثية القصد، بل للازم للطّهارة الحدثية، فالفرق‌

19

بين الاحتمال الأوّل و ما اخترنا و بين الاحتمال الثاني ليس إلّا أن النجاسة الخبثية إن كانت في الوجه فقط إذا حصلت ازالة الخبث بالغمس و لو بلا قصد يصح الوضوء و غسل الوجه له بالاخراج إذا قصد به التقرب على الاحتمال الأوّل.

و أمّا على الاحتمال الثاني فاذا كانت النجاسة في الوجه أو في غيره إذا حصلت الطّهارة بالغمس و لو بلا قصد يصح أن يقصد الغسل للوضوء بالاخراج عن الماء.

فما يظهر من ظاهر عبارة المؤلف (رحمه اللّه) من قوله (نعم لو قصد الإزالة بالغمس و الوضوء باخراجه كفى) من دخل قصد إزالة النجاسة في تحقق ازالة النجاسة بالغمس في الماء غير تمام، إلّا أن يقال بانه فرض صورة القصد لا أنّه إذا كان الغمس في الماء العاصم بلا قصد لا يتحقق إزالة النجاسة بالغمس في الماء.

تتمة: لا يضرّ تنجس عضو بعد غسله

و إن لم يتم الوضوء لعدم دليل على اشتراطه، و مع الشك في اعتباره يكون مجرى البراءة، لأنّ في الشك في جزئية شي‌ء أو شرطيته تجرى البراءة.

*** [مسئلة 1: التوضى بماء القليان]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 1: لا بأس بالتوضؤ بماء القليان ما لم يصر مضافا.

(1)

أقول: واضح لأنّه بعد عدم كونه مضافا يكون ماء و لا فرق بين المياه من حيث الحكم بعدم البأس بالتوضؤ منه.

***

20

[مسئلة 2: لا يضرّ في صحة الوضوء نجاسة ساير مواضع البدن]

قوله رحمه الله

مسئلة 2: لا يضرّ في صحة الوضوء نجاسة ساير مواضع البدن بعد كون محالّه طاهرة، نعم الأحوط عدم ترك الاستنجاء قبله.

(1)

أقول: أما عدم مضرية نجاسة ساير مواضع البدن في صحة الوضوء لعدم دليل على اشتراط طهارتها للوضوء و لا مانعية نجاستها له، و مع الشك في دخلها فيه يحكم بعدمه بمقتضى أصالة البراءة.

و أمّا وجه مضرية ترك الاستنجاء قبل الوضوء، و لزوم إعادة الوضوء بترك الاستنجاء، فكما بيّنا في طى المسألة 4 من المسائل المتعلقة بفصل موجبات الوضوء بعض الروايات:

منها ما رواها أبو بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إن أهرقت الماء و نسيت أن تغسل ذكرك حتى صلّيت فعليك إعادة الوضوء و غسل ذكرك (1).

و منها ما رواها عمر و بن أبي نصر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أبول و أتوضأ و أنسى استنجائي ثم أذكر بعد ما صلّيت، قال: اغسل ذكرك و أعد صلاتك و لا تعد وضوئك (2).

و غير ذلك المذكور في الباب المذكور، و مقتضى الاولى غسل الذكر و إعادة الوضوء، و مقتضى الثانية غسل الذكر و إعادة الصلاة لا إعادة الوضوء.

و ما يدلّ على عدم وجوب إعادة الوضوء مثل الرواية الثانية.

____________

(1) الرواية 8 من الباب 18 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 3 من الباب 18 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

21

هى ما رواها علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يبول و ينسى غسل ذكره، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، قال: يغسل ذكره و لا يعيد الوضوء (1).

و ما يدل على عدم وجوب إعادة الصلاة مثل الرواية الاولى.

و هي ما رواها عمر و بن أبي نصر الرواية 13 و 14 المذكورين فى باب 4 باب أنّه لا يعاد الوضوء بترك الاستنجاء و حكم إعادة الصلاة من كتاب جامع أحاديث الشيعة جلد 2 صفحه 365، كما أنّ ما يدل على إعادة الوضوء معارض مع الرواية الثالثة و الثانية المذكورتين فى هذا الباب.

و على فرض حجيتها بعد نصوصية بعض ما في الروايات على عدم وجوب اعادة الوضوء و الصلاة، لا بدّ من حمل الأمر باعادة الوضوء و الصلاة، كما في بعض الآخر من الروايات على الاستحباب فتكون النتيجة استحباب إعادة الوضوء و الصلاة مع نسيان الاستنجاء، و لازم ذلك عدم مضرّية عدم الاستنجاء و عدم مانعيته لصحة الوضوء، أو عدم اشتراط طهارته في صحة الوضوء.

و لكن حيث احتمل صدور ما دلّ على وجوب إعادة الوضوء أو الصلاة بنسيان الاستنجاء تقية يقال: إن الأحوط استحبابا عدم ترك الاستنجاء قبل الوضوء.

*** [مسئلة 3: إذا كان في بعض مواضع وضوئه جرح]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 3: إذا كان في بعض مواضع وضوئه جرح

____________

(1) الرواية 1 من الباب 18 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

22

لا يضره الماء و لا ينقطع دمه فليغمسه بالماء و ليعصره قليلا حتى ينقطع الدم آنا ما، ثم ليحرّكه بقصد الوضوء مع ملاحظة الشرائط الاخر، و المحافظة على عدم لزوم المسح بالماء الجديد إذا كان في اليد اليسرى بأن يقصد الوضوء بالاخراج من الماء.

(1)

أقول: بيّن المؤلف (رحمه اللّه) على مبناه المذكور في الفصل في كيفية شرطيّة طهارة مواضع الوضوء طريقا للوضوء لمن يبتلى بالجرح.

و على ما اخترنا- من وجوب تطهير مواضع الوضوء قبل الشروع فيه بناء على دلالة رواية حكم و محمد بن مسلم المتقدمتين على شرطية طهارة مواضع الغسل و بناء على التعدى من الغسل إلى الوضوء- يمكن فرض المسألة فيما كان الجرح في الوجه: فيغمس الوجه المجروح في الماء و يعصره قليلا حتى ينقطع الدم آنا مّا، ثم يخرجه عن الماء بقصد الوضوء و حصل الغسل الوضوئي، فلو أخرج الدم عن الجرح الواقع في الوجه بعد غسله لا يضر بالوضوء و إن كان قبل إتمام الوضوء لعدم مضرية تنجس العضو بعد غسله كما مر في ذيل الفصل.

و أمّا إن كان الجرح في غير الوجه من أعضاء الوضوء فإن أمكن غسله بالنحو المذكور قبل الشروع في الوضوء، و بقى على الطّهارة إلى أن غسل هذا العضو أو مسحه، و لم يخرج منه الدم من الشروع إلى تمام غسله أو مسحه فأيضا يصح الوضوء.

و أمّا لو لم يمكن ذلك بأن لا ينقطع الدم قبل الشروع في الوضوء إلى تمام غسل الموضع المجروح أو مسحه، فلا يتمكن من غسله قبل الشروع، أو لو تمكن لم يبق على‌

23

الطهارة إلى تمام غسله أو مسحه لا يصح الوضوء، لما قلنا من أنّ الأقوى طهارة تمام مواضع الوضوء قبل الشروع في الوضوء.

*** [الشرط الثالث: أن لا يكون على المحل حائل]

قوله (رحمه اللّه)

الثالث: أن لا يكون على المحل حائل يمنع وصول الماء إلى البشرة، و لو شك فى وجوده يجب الفحص حتى يحصل اليقين أو الظن بعدمه، و مع العلم بوجوده يجب تحصيل اليقين بزواله.

(1)

أقول: تقدم وجه الحكم المذكور في المسألة في طى المسألة 9 من غسل الوجه و نقول إجمالا:

إنّ في المسألة مسائل:

المسألة الاولى: أن لا يكون على المحلّ حائل

يمنع وصول الماء إلى البشرة، و وجهه واضح لأنّه بعد كون الواجب غسل البشرة فاللازم رفع المانع حتى يصل الماء إلى البشرة.

المسألة الثانية: لو شك في وجود الحاجب

يجب الفحص حتى يحصل اليقين أو الظن المعتبر بعدمه، و لا يكفى مطلق الظن و لو لم يكن دليل على اعتباره كما يتوهم ذلك من إطلاق كلام المؤلف (رحمه اللّه) لعدم حجية مطلق الظن، و ما في بعض شروح (1) العروة- من الاكتفاء بمطلق الظن بدعوى انّ السيرة قائمة على الاكتفاء به في مقام‌

____________

(1) المحقق الآملى، مصباح الهدى، ج 3، ص 362.

24

الفحص و يقال: بأنّ الشارع لم يردع عنه فهى حجة- ففيه أوّلا على هذا يكون الظن من الظن المعتبر لا من باب حجية مطلق الظن، و ثانيا وجود السيرة حتى مع عدم حصول الاطمينان أو الظنّ الخاص المعتبر غير مسلّم إن لم يكن مسلّم العدم.

و أمّا وجه لزوم تحصل العلم أو الظن المعتبر، فلانه بعد فرض الاشتغال اليقينى بوجوب غسل البشرة أو مسحها، فلا بدّ من تحصيل البراءة اليقينية، و هي تحصل بالعلم أو ما يقوم مقامه من الظن المعتبر.

و قد يقال بعدم وجوب الفحص تمسكا بأمور:

الامر الأوّل: دعوى الاجماع على عدم وجوب الفحص.

و فيه إن الاجماع إن كان منقولا فلا دليل على حجيته، و إن كان محصّلا فتحققه غير معلوم إن لم يكن معلوم العدم.

الامر الثاني: دعوى السيرة على عدم الفحص في صورة الشك في وجود الحائل.

و فيه إن كان النظر في دعوى السيرة، السيرة المتشرعة بما هم متشرعة فوجود هذه السيرة فعلا غير معلومة فضلا عن السيرة المتشرعة المتصلة بزمان المعصوم (عليه السلام) الكاشفة عن قوله أو فعله أو تقريره (عليه السلام).

و إن كان النظر إلى سيرة العقلاء، فسيرتهم حتى مع عدم الاطمينان بوجود الحائل و عدمه غير معلوم.

الامر الثالث: ما رواها أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه بلغه أنّ نساء كانت إحداهنّ تدعو بالمصباح في جوف الليل تنظر إلى الطهر، فكان يعيب ذلك‌

25

و يقول: متى كان النساء يضعن هذا (1).

بدعوى دلالتها على عدم وجوب الفحص في صورة الشك فى حصول الطهر فيقال: مع الشك في الطهر لا يجب الفحص بمقتضى الرواية، فكذلك فى ما نحن فيه لا يجب الفحص مع الشك فى الحائل.

و فيه أن هذه الرواية وردت في الحيض، و مثلها رواية ثعلبة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه كان ينهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن في المحيض بالليل، و يقول: إنها قد تكون الصفرة و الكدرة (2).

و المراد من الطهر مقابل الحيض، فمورده صورة الشك في بقاء الطهر أو طرو الحيض، و في هذا المورد لا يجب الفحص، لأنّه يكون الشك في التكليف فلا يحصل اشتغال يقينى به كى يجب تحصيل البراءة اليقينية بخلاف ما نحن فيه، فإنّ التكليف بالوضوء و غسل البشرة يقينى، و إنّما الشك في البراءة فيجب تحصيل البراءة اليقينية.

و إن أبيت عن ذلك نقول: بأنّ الرواية واردة في الحيض فلا وجه للتعدى بغيره.

المسألة الثالثة: و مع العلم بوجود الحائل يجب تحصيل اليقين بزواله

أو ما يقوم مقام العلم، لأنّ اشتغال اليقينى يقتضي البراءة اليقينية.

و قد مضى الكلام في الشك فى حاجبية الموجود في المسألة 9 من غسل الوجه، فراجع.

***

____________

(1) الرواية 1 من الباب 19 بن أبواب الحيض من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 19 من أبواب الحيض من الوسائل.

26

[الشرط الرابع: أن يكون الماء و ظرفه و مكان الوضوء و مصب مائه مباحا]

قوله (رحمه اللّه)

الرابع: أن يكون الماء و ظرفه و مكان الوضوء و مصب مائه مباحا، فلا يصح لو كان واحد منها غصبا من غير فرق بين صورة الانحصار و عدمه، إذ مع فرض عدم الانحصار و إن لم يكن مأمورا بالتيمم إلّا أنّ وضوئه حرام من جهة كونه تصرفا أو مستلزما للتصرف في مال الغير فيكون باطلا، نعم لو صبّ الماء المباح من الظرف الغصبى فى الظرف المباح ثمّ توضأ لا مانع منه، و إن كان تصرفه السابق على الوضوء حراما، و لا فرق في هذه الصورة بين صورة الانحصار و عدمه، اذ مع الانحصار و إن كان قبل التفريغ في الظرف المباح مأمورا بالتيمّم إلّا أنّه بعد هذا يصير واجدا للماء في الظرف المباح، و قد لا يكون التفريغ أيضا حراما كما لو كان الماء مملوكا له و كان إبقائه في ظرف الغير تصرفا فيه، فيجب تفريغه حينئذ، فيكون من الأوّل مأمورا بالوضوء و لو مع الانحصار.

(1)

أقول: أمّا شرطية الاباحة في الجملة مما لا إشكال فيها لدعوى الاجماع عليها بحد الاستفاضة، و لما بينا في الأصول في مسئلة اجتماع الأمر و النهى بعد كونها ذات قولين، قول بعدم جواز الاجتماع، و قول بجوازه.

أمّا على القول بعدم جواز الاجتماع و تغليب جانب النهى على جانب الأمر فمعلوم، لأنّه على هذا لا يكون الوضوء المجتمع مع الغصب مأمورا به، سواء كان الماء منحصرا بالمغصوب أو غير منحصر به.

نعم في صورة الانحصار لا يكون المكلف مأمورا بالوضوء أصلا و تكون‌

27

وظيفته التيمم، و في صورة عدم الانحصار يكون مأمورا بالوضوء بما عدى ماء المغصوب من المياه.

و أمّا على القول بجواز الاجتماع، فلما ادعي من الاجماع على بطلان الوضوء بالمغصوب بلا فرق بين صورة انحصار الماء بالمغصوب و عدمه، أو لأنّه بعد كون الفعل منهيا عنه لا يكون قابلا لأن يتقرب به و هذا الوجه اختاره سيدنا الاعظم (قدس سره) لا أن يكون إجماعا تعبديا في المقام فلا يجوز التوضى بالمغصوب و قال: إن الوجه في بطلان العبادة هو هذا لا أن يكون هنا اجماع تعبدى على بطلانها.

و أمّا على القول بامتناع الاجتماع و تغليب جانب الأمر، فلا يبقى وجه لبطلان العبادة إذا أتاها في ضمن الفرد المنهى عنه إلّا الاجماع على فساد العبادة على فرض تحققه، و لكن امكان الالتزام بتغليب جانب الأمر مشكل.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنّه‌

يقع الكلام في المسألة في طى مسائل:

المسألة الاولى: إذا كان ماء الوضوء غصبا لا يجوز التوضى به،

و يكون الوضوء باطلا مع العلم بالحكم و الموضوع أعنى: حكم الغصب و غصبية الماء، و أمّا فى غير هذا المورد فيأتى الكلام فيه إن شاء اللّه في المسألة 4، و وجهه ما قلنا من عدم كون الوضوء مع ماء المغصوب مع علمه بحرمته و غضبيته مقرّبا، فلا يصح أن يتقرب به مضافا إلى دعوى الاجماع على بطلانه.

المسألة الثانية: يشترط إباحة ظرف ماء الوضوء،

بيانه أنّ الوضوء عن الظرف المغصوب يتصور على نحوين:

النحو الاول: أن يكون بالرمس فى الظرف، مثل أن يتوضأ وضوء الارتماسى فى الآنية.

28

النحو الثانى: بالاخذ من مائه و التوضى به.

و فى كل منهما تارة يكون بقصد التخلص عن الحرام، و تارة لا يكون لذلك.

أمّا إذا كان بقصد التخلص

مثل ما إذا كان الماء ملكه و وقع فى ظرف الغير، إمّا منه لا بسوء اختياره، و إمّا بفعل الغير و يطلب منه مالك الظرف إفراغ ظرفه عن الماء، فيجب إفراغه و تخليصه، ففى هذه الصورة لا إشكال فى جواز التوضى من الماء و صحة الوضوء و إن كان تصرفا فى الظرف، لكن لا يكون تصرفا حراما سواء كان الوضوء بالرمس فيه، أو بالاغتراف، أو بالصب على محالّ الوضوء، أو بالصب فى الظرف الآخر المباح و التوضى منه، و سواء كان الماء منحصرا به أو لا، و سواء كان بالاغتراف الدفعى أو التدريجى، لانه بعد عدم كون هذا التصرف حراما يكون مطلق ما يصح الوضوء بلا اشكال، إنّما الكلام فى ما يعتبر فى صدق التخليص و ضابطه بنحو يوجب رفع الحرمة عن التصرف فى المغصوب، و هو أن يكون التصرف في المغصوب جائزا أو واجبا و إن كان تصرفا.

أما صورة جوازه مثل ما إذا كان الماء الواقع في الاناء المغصوب ملكا للشخص و وقع في إناء الغير بعدوان الغير، أو برضاء مالك الاناء لا غصبا و لا بسوء اختياره فيجوز لمالك الماء تخليص مائه عن الاناء.

أما صورة وجوبه مثل صورة التماس مالك الاناء تفريغ إنائه عن الماء و عدم رضائه بابقائه في إنائه.

فعلى هذا لو كان وقوع الماء بسوء اختياره قد يجوز افراغه و قد يجب و قد لا يجوز، فكلما يجوز أو يجب فهو داخل في التخلص، فلا يحتاج إلى قيد عدم كون ايقاع الماء في الآنية بسوء اختياره.

29

كما أن اعتبار كون الماء ملكا في التخلص غير لازم لأنّه ربّما يجب التخلص و إن لم يكن ملكا للمتوضى المتخلص، مثل أن يكون الماء الواقع في الاناء المغصوب من الآخر و غصب آخر و أدخله في إناء الغير فيجيز مالك الاناء افراغه أو يلزمه و مالك الماء يجوّز للمتوضى المحتاج بالماء للتوضى تخلص الماء و الوضوء به، فيجب عليه التخلص مع عدم كونه ملكه، فما قلنا من كون ضابط التخلص هو جواز التصرف في المغصوب أو وجوبه كاف عن اشتراط كونه ملكا للمخلّص.

و أيضا يعتبر فيه القصد لأنّ التخليص من العناوين القصدية، فلا بد فى حصوله من القصد.

و أمّا إذا كان بقصد العدوان، أو قصد أمر آخر، أو بلا قصد فلا يعدّ تخليصا و يأتي حكمه إن شاء اللّه.

و أما إذا لم يكن بقصد التخليص فيقع الكلام في صور:

الصورة الاولى: أن يكون الوضوء بالرمس في الماء

الواقع في الاناء المغصوب و لها فرضان:

الفرض الأوّل: أن يكون الرمس في الماء للوضوء موجبا لتحرك الماء و تموّجه في السطح الداخل من الاناء، ففي هذا الفرض لا إشكال في بطلان الوضوء لكونه تصرفا في الاناء و الظرف المغصوب.

الفرض الثاني: في المقام هو أن لا يوجب الرمس في الماء تموّجا فى السطح الداخل من الاناء حتى بتغير سطح الماء فيه.

فنقول في هذا الفرض على فرض إمكان الرمس في الماء و عدم ايجاد أثر من التحرّك و التموّج حتى الحركة الضعيفة في الظرف المغصوب لكن مع ذلك يعد عند‌

30

العرف هذا الرمس تصرفا في الاناء فيكون حراما لكون الوضوء تصرفا في المغصوب و متحدا معه.

الصورة الثانية: أن يكون الوضوء باغتراف الماء عن الظرف

و التوضى به و لها فرضان:

الأوّل: أن يكون بالاغتراف الدفعى، مثل أن يغترف الماء عن الظرف المغصوب بيده أو بوسيلة اخرى فيصبّه في ظرف و يتوضأ به.

الثاني: أن يكون الاغتراف تدريجيّا، مثل أن يغترف الماء مرة لغسل وجهه و مرة ليده اليمنى و مرة لليسرى.

و في كل منهما، مرة يكون الماء منحصرا بالماء في الظرف المغصوب، و اخرى غير منحصر به فالفروض أربعة.

الفرض الأوّل: أن يكون الاغتراف دفعيا و كان الماء منحصرا بهذا الماء فنقول بعونه تعالى:

لا وجه لأن يقال ببطلان الوضوء من باب كون الوضوء بالاغتراف عن الظرف المغصوب تصرفا في الظرف، لأنّه من الواضح عدم كون الوضوء تصرفا فى الظرف، بل هو أمر خارج يتحقق بعد الاغتراف، و ليس عند العرف الغسل و المسح الوضوئي تصرفا في الاناء المغصوب.

بل الوجه لبطلان الوضوء في الفرض هو أنّه بعد كون مقدمة الواجب منحصرة في الحرام و تكون منهيا عنها، و مع كون المقدمة منهيا عنها فلا يكون قادرا على الوضوء لأنّ الممنوع شرعا كالممنوع عقلا، فيكون التكليف التيمم لعدم كونه واجد الماء فلا يكون مأمورا بالوضوء لعدم الأمر به في فرض عدم القدرة به.

31

إن قلت: يكفى بقاء ملاك الامر لصحة الوضوء بعد الاغتراف.

قلت: قد مضى بيان هذا الاشكال من بعض شرّاح المحترم (1) و بينا جوابه، و حاصله أنّه لا طريق لاثبات الملاك إلّا الأمر و هو غير موجود على الفرض.

الفرض الثاني: أن يكون الاغتراف تدريجيا، و كان الماء منحصرا بما في الظرف المغصوب و الحكم في هذه الصورة كسابقها من حيث بطلان الوضوء لعين ما قلنا فيها.

الفرض الثالث: أن يكون الوضوء بالاغتراف الدفعى، و لكن لا يكون الماء منحصرا بما في الظرف المغصوب فهل يصح الوضوء أولا؟

وجه صحة الوضوء في الفرض هو القدرة على الوضوء، لأنّه و إن كان بعض أفراد مقدمته حراما مثل الاغتراف من هذا الماء الواقع في الاناء المغصوب، لكن حيث يتمكن من الوضوء في ضمن المقدمة الغير المحرّمة لوجود الماء الآخر و عدم انحصاره بما في هذا الاناء فيحكم العقل باتيان ذى المقدمة في ضمن المقدمة الغير المحرمة فيكون الأمر بالوضوء باقيا و كذا ملاك الأمر، فلو اغترف الماء عن الاناء المغصوب و توضأ به يكون وضوئه صحيحا و إن كان الاغتراف حراما.

وجه عدم الصحة هو دعوى كون الوضوء بالاغتراف نوع تصرف في الاناء، فيكون الوضوء متحدا مع الغصب فيبطل الوضوء.

و فيه أنّه لا إشكال في عدم كون الوضوء تصرفا في الاناء عرفا، بل التصرف فيه هو الاغتراف و هو غير الوضوء فلا وجه لفساد الوضوء، فالاقوى صحة الوضوء.

____________

(1) المستمسك، ج 2، ص 160 و ص 427.

32

الفرض الرابع: أن يكون الوضوء بالاغتراف عن الاناء تدريجا، لكن مع عدم انحصار الماء بما في هذا الظرف المغصوب فالحكم فيه حكم الفرض الثالث من حيث صحة الوضوء و إن كان اغترافه حراما.

الصورة الثالثة: أن يكون الوضوء بصب الماء من الاناء

و يتصور على نحوين:

النحو الأوّل: أن يصب الماء من الاناء المغصوب في الاناء المباح ثم يتوضأ من الاناء المباح.

و الظاهر كون حكمه حكم الصورة الثانية من فروضها الاربعة من حيث الفساد في الفرضين الاولين و صحة الوضوء في الفرضين الآخرين.

و إن كان المؤلف (رحمه اللّه) حكم بصحة الوضوء في الصور الاربعة إذا كان الصب بالنحو المذكور مع حكمه بالبطلان في صورة كون الوضوء بالاغتراف مطلقا حتى مع عدم كون الماء منحصرا بما في الظرف المغصوب.

و لا أفهم الفرق بين صورة الاغتراف بين الظرف المغصوب و الوضوء منه و صورة الصب في إناء مباح و الوضوء منه فتامل.

النحو الثاني: أن يكون الوضوء بالصب من الظرف المغصوب على محال الوضوء مثلا يأخذ الاناء المغضوب فيصب مائه على وجهه أو يديه للغسل الوضوئي، فلهذا النحو أيضا يفرض الصور الأربعة:

أن يكون الصب دفعيا، و أن يكون تدريجيا و فى كل منها، مرة يكون الماء منحصرا بما في الظرف المغصوب، اخرى لا يكون منحصرا به.

و لم أجد فرقا بين هذا النحو بصوره مع صورة الوضوء بالاغتراف بصوره،

33

فكما قلنا بعدم صحة الوضوء في الفرض الأوّل و الثاني منها نقول هنا، و كما قلنا بصحة الوضوء في الفرض الثالث و الرابع منها نقول في المقام.

نعم هنا كلام و هو أنّه في مورد صبّ الماء من الاناء المغصوب بمحل الوضوء.

يبطل الوضوء في جميع الفروض من باب اتحاد الوضوء مع الغصب لأنّ صب الماء من الاناء للوضوء تصرف في الاناء فاتحد الغصب و الوضوء فيبطل الوضوء.

و لكن الحق عدم الاتحاد و عدم كون الوضوء في الفرض تصرفا في الاناء عرفا إذ الوضوء هو الغسلتان و المسحتان و صبّ الماء على العضو يكون مقدمة للوضوء لا أن يكون هو الوضوء، فالحق صحة الوضوء في هذا النحو إذا لم يكن الماء منحصرا بما في الاناء المغصوب فافهم.

المسألة الثالثة: يشترط إباحة مكان الوضوء.

و المراد من المكان إن كان هو الموضع الذي يتمكّن فيه الشخص و يقرّ فيه للوضوء أو لفعل آخر، فلا دليل على اشتراط إباحة هذا المكان، فلا يوجب القرار و التمكين في المكان المغصوب بطلان الوضوء إذا لم يكن الفضاء الواقع فيه أفعال الوضوء غصبا لعدم اتحاد الغصب مع الوضوء بالحمل الشائع، و لا يكون الوضوء تصرفا في هذا المكان المتمكن فيه فلا وجه لمانعيته كما لا وجه لاشتراط إباحته.

و إن كان المراد من المكان هو الفضاء الواقع فيه الغسل و المسح من الوضوء، فقد يقال بعدم اشتراط إباحة الفضاء في الوضوء، بدعوى أن مجرّد حركة اليد في الفضاء ليس تصرفا في فضاء الغير، و عدم اتحاد تصرف الفضاء مع الوضوء لأنّ حقيقة الوضوء الغسل و المسح، و الغسل عبارة عن جريان الماء بالمحل و هو غير متحد مع التصرف في الفضاء، نعم في خصوص المسح إن كان الفضاء منحصرا بالمغصوب يحرم لكونه مقدمة منحصرة للمسح من باب كون حقيقة المسح إمرار‌

34

الماسح على الممسوح و هو يحتاج إلى الفضاء، فلا يكون المسح مأمورا به و لا فيه ملاك الأمر.

و أن ما قيل من عدم كون إمرار اليد على موضع الغسل تصرّفا في الفضاء المتعلق بالغير.

ففيه أنّ هذا يعدّ تصرفا عرفا في الفضاء.

و ما قيل من عدم اتحاد التصرف في الفضاء مع الوضوء.

ففيه أن غسل مواضع الوضوء عبارة عن اجراء الماء عليها و اجراء الماء على المحل متحد مع الغصب لأنّ بالامرار يتصرف في الفضاء، بل نفس الجريان يشتغل الفضاء و هو على الفرض غصب.

المسألة الرابعة: في اشتراط إباحة مصبّ ماء الوضوء.

اعلم أنّه تارة يكون المصبّ منحصرا بحيث يقع فاضل ماء الوضوء لا محالة في هذا المكان، و تارة لا يكون منحصرا.

فإن كان منحصرا و كان غسل العضو مستلزما للصبّ فيه يمكن القول ببطلان الوضوء، لأنّه يكون الوضوء مقدمة توليدية للحرام فيكون الوضوء فاسدا لكونه مقدمة توليدية للحرام، و ذلك من باب أن الحرمة تزاحم الوجوب و يغلب جانب الحرمة، إمّا لأهمية تركها على فعل الواجب مطلقا، و إمّا من باب استفادة أهمية الحرمة من جعل البدل و هو التيمم للوضوء، فنكشف كون الحرام أهمّا، فلهذا لا بد من ترك الوضوء.

و إمّا لما قلنا سابقا فى طى المباحث فى شرطية إباحة ظرف الوضوء من أنّه لا يكون الوضوء باعتبار مزاحمته مع الحرام مقدورا لممنوعيته شرعا و الممنوع شرعا‌

35

كالممنوع عقلا، فهو ممن لا يجد الماء و تكليفه التيمم، و ما يوجب القول لفساد الوضوء هو هذا الوجه، و إلّا فوجه الاول لا يوجب فساد الوضوء، لانه مع فرض أهمية الحرام لو ترك الأهم و أتى بالوضوء المهم صحّ الوضوء لوجود ملاك الوجوب فى الوضوء.

و أمّا لو لم يكن منحصرا فلا يفسد الوضوء و إن توضأ في موضع يصل فاضل مائه إلى الموضع المغصوب لعدم اتصاف هذه المقدمة بالحرمة و موجبيتها للفساد.

هذا تمام الكلام في الشرائط الأربعة المتقدمة و قد عرفت صورها و ما ينبغى أن يقال فيها.

*** [مسئلة 4: لا فرق في عدم صحة الوضوء بالماء المضاف أو النجس أو الحائل بين العلم و العمد و الجهل أو النسيان]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 4: لا فرق في عدم صحة الوضوء بالماء المضاف أو النجس أو مع الحائل بين صورة العلم و العمد و الجهل أو النسيان، و أمّا في الغصب فالبطلان مختص بصورة العلم و العمد سواء كان في الماء أو في المكان أو المصبّ، فمع الجهل بكونها مغصوبة أو النسيان لا بطلان، بل و كذا مع الجهل بالحكم أيضا إذا كان قاصرا، بل و مقصرا أيضا إذا حصل منه قصد القربة و إن كان الأحوط مع الجهل بالحكم خصوصا في المقصّر الاعادة.

(1)

أقول:

أمّا عدم الفرق بين صورة العلم و العمد و الجهل و النسيان

في عدم صحة‌

36

الوضوء بالماء المضاف أو الماء النجس أو مع الحائل، فلان إطلاق أدلتها يشمل جميع الصور.

و أمّا في الغصب فالبطلان في صورة العلم و العمد واضح

من باب أنّ الدليل إن كان الاجماع فقدر المتيقن منه هذه الصورة، كما أنّه لو كان عدم قابلية الفعل للتقرّب فالقدر المتيقن صورة العلم و العمد، لأنّه في هذه الصورة يكون النهى فعليا منجّزا و مع فعليته و تنجزه لا يمكن التقرب به.

و أمّا مع الجهل بالموضوع أعنى: الجهل بالغصبية

فلا يكون الوضوء بماء المغصوب أو ظرفه أو مكانه أو مصبه باطلا إذا كان جاهلا بالموضوع لعدم فعلية التكليف بالنسبة إليه فيصح أن يتقرب به.

و أمّا إذا كان ناسيا للموضوع فله صورتان:

لأنّ الناسى إمّا لا يكون هو الغاصب فأيضا لا إشكال في صحة الوضوء في صورة النسيان لعدم فعلية النهى بالنسبة إليه فيصح التقرب به لعدم كونه على الفرض مبغوضا للمولى.

و إمّا أن يكون الناسى هو الغاصب، فهل يقال بصحة وضوء الناسى الغاصب مثل الصورة الاولى، أو يقال بعدم صحة وضوئه لأنّ التكليف و إن لم يكن فعليا بالنسبة إليه لنسيانه، لكن باعتبار كونه الغاصب يكون الفعل مبغوض المولى فلا يصح أن يتقرب به.

و لأنّ دليل رفع التكليف عن الناسى منصرف عن الناسى الذي يكون نسيانه لتركه التحفظ و نسيان الغاصب يكون كذلك.

و بدعوى صحة توجه التكليف بالغاصب الناسى قبل طرو النسيان عليه نظير التكليف بترك التصرف في الارض المغصوبة قبل الدخول فيها، و باستصحاب‌

37

التكليف الثابت عليه قبل النسيان يحكم على الغاصب بترك الفعل.

أقول: انّ العمدة في صحة عبادة الناسى للغصبية إذا كان هو الغاصب و عدم صحته فهم ما هو الملاك في فساد العبادة المتحدة مع الغصب و ما هو سبب عدم كون هذا الملاك في صورة النسيان حتى يظهر انّه موجود فيمن يكون غاصبا و أتى بالعبادة متحدة مع الغصب نسيانا أم لا.

فنقول: إنّ منشأ بطلان العبادة في صورة اتحاده مع الغصب إن كان كاشفية تعلق النهى الفعلى بالغصب عن مبغوضية العبادة المتحققة في ضمن الغصب المنهى عنه و بعد مبغوضيته لم يكن الفعل المجامع مع النهى عنه قابلا لان يتقرب به.

و ببيان آخر تكون صحة العبادة كالوضوء و الصلاة و غيرهما المتحدة مع الغصب و فسادها من باب كون الغصبية مؤثرة فى اتصاف الفعل الخارجى الّذي قصد به الوضوء مثلا من حيث صدوره عن المكلف بالقبح و عدمه، فان اتصف بالقبح تفسد العبادة، و إلا تقع صحيحة، و كون الغصبية مؤثرة فى القبح ليست إلا بعد فعلية النهى المتعلق بها، و هذا مختص بحال العمد و مع عدم فعليته ليست مؤثرة فى القبح (و هذا البيان من العلامة الهمدانى رحمة اللّه عليه فى باب اللباس من الصلاة) (1).

فإذا كان هذا وجه بطلان العبادة، نقول: بأنّه فى صورة نسيان الموضوع أعنى: نسيان الغصبية لا يكون النهى الفعلى متعلقا بالغصب المنسى، و مع عدم النهى الفعلى حال النسيان لا يكون الفعل العبادى المجامع و المتحد مع الغصب مبغوضا للمولى و بعد عدم مبغوضية الفعلية، و الفرض كونه في حدّ ذاته مطلوب المولى‌

____________

(1) مصباح الفقيه، ج 10، ص 362.

38

و مأمورا به فيقبل لأن يتقرب به فيصير قابلا للاتصاف بالصحة.

فإذا كان ما قلنا وجه صحة العبادة في صورة نسيان الموضوع نقول: إنّه لا فرق في ذلك بين كون الناسى غير الغاصب أو كان هو الغاصب، كما لا فرق بين كون منشأ النسيان ترك التحفظ أولا، لأنّ فى كل منهما صار النسيان سببا لعدم كون النهى المتعلق بالغصب فعليا، و بعد عدم فعليّته لا يكون مبغوضا، و بعد عدم مبغوضيته و الفرض كون الأمر بالوضوء فعليا، و الفعل قابل لان يتقرب به فيقع صحيحا.

و أمّا إن كان منشأ عدم صحة العبادة في صورة النسيان هو مبغوضية الفعل عند المولى و إن لم تكن هذه المبغوضية كاشفة عن فعلية النهى، بل كانت المبغوضية حاصلة من عصيان المكلف عالما و تجاوزه عن رسم العبودية و مخالفة المولى، فهى لا تدور مدار فعلية النهى، فمن كان غير غاصب و ناس للغصب فحيث إنّ مبغوضية فعله ناشئة من فعلية النهى فقط لا عن عصيانه، و الفرض عدم فعلية النهى و عدم مبغوضية الفعل فيصير فعله مقرّبا.

و أمّا من كان غاصبا و نسى الغصبية و توضأ بالمغصوب فحيث إنّ غصبه صار سببا لعصيانه و مبغوضيته عند المولى فكل عمل يصدر منه من التصرفات الغصبية يكون مبغوض المولى، و ان لم يكن نهى فعلا متعلقا بعمله، فعلى هذا لا يصير عمله مقرّبا مع هذه المبغوضيّة.

فما قيل من كون الفعل مبغوضا إذا كان الناسى هو الغاصب عرفت عدم تماميته لأنّه مع عدم النهى الفعلى لا يكون الفعل مبغوضا للمولى.

و ما قيل من أنّ دليل رفع التكليف عن الناسى منصرف عمن يكون غاصبا و إن كان ناسيا من باب انصرافه عمن ترك التحفظ و الناسى كذلك.

39

ففيه أوّلا: إن كان الدليل تماما فلازمه القول بفساد عبادة كل ناس ترك التحفظ لا خصوص الغاصب الناسى.

و ثانيا: أنّه مع فرض نسيان الموضوع لا معنى للنهى الفعلى أعنى: البعث و الزجر عقلا، و ليس هذا الحكم قابلا للتخصيص أو الانصراف عن بعض الموارد.

و لكن العمدة ما قلنا من أن المبغوضية لا تدور مدار النهى الفعلى حتى يقال مع عدم النهى الفعلى لا يكون الفعل مبغوضا، بل الفعل مبغوض بالنسبة إلى الغاصب الناسى و إن لم يكن نهى فعلىّ متعلقا به.

كما أن ما قيل من كون الفعل بالنسبة إلى الغاصب الناسى منهيا عنه بالنهى السابق قبل النسيان غير تام لانّه:

فيه أوّلا: أن كان النهى السابق مؤثرا في فساد الوضوء بالنسبة إلى الغاصب الناسى، كذلك يكون مؤثرا بالنسبة إلى غيره، فكل من كان عالما بالحكم و الموضوع إذا نسى الموضوع لا بدّ أن تقول بفساد عبادته و لا وجه للاختصاص بالغاصب الناسى.

و ثانيا إنّ النهى ما دام يكون فعليّا يكون مؤثرا في مبغوضية الفعل و قبحه و إذا لم يكن كذلك فلا يؤثّر في مبغوضيته و قبحه، فيكون العمل صحيحا قابلا لأن يتقرب به، بل العمدة ما قلنا في وجه الفرق بين الصورتين.

فتلخص وجود الفرق في صحة العبادة في صورة نسيان الموضوع بينما كان الناسى غاصبا أو غير غاصب كما فرّق بين الصورتين جمع من الاكابر و من جملتهم سيدنا الاعظم آية اللّه البروجردي (قدس سره).

و أمّا مع نسيان الحكم

فهل يصح الوضوء مع نسيان حكم الغصبية أو لا يصح‌

40

أو يفصّل بين ما كان النسيان عن تقصير فلا يصح الوضوء، و بين ما كان من غير تقصير يصح الوضوء، و لم يتعرض المؤلف (رحمه اللّه) لصورة نسيان الحكم رأسا فنقول:

الاقوى التفصيل أمّا إذا كان النسيان من غير تقصير فلما عرفت من عدم فعلية النهى مع النسيان، فلا يكون الفعل مبغوضا للمولى و قبيحا فيصحّ أن يتقرب به.

و أمّا إذا كان النسيان عن تقصير فلما يأتي إنشاء اللّه في عدم معذورية الجاهل المقصّر، فالناسى لاجل تقصيره لا يكون معذورا و يكون بحكم العامد.

إن قلت: إن الناسى للحكم مثل الناسى للموضوع لا يكون النهى بالنسبة إليه فعليا فلا وجه لفساد وضوئه.

قلت: إنّ التكليف و إن لم يكن فعليا لكن الفعل باق على مبغوضيته و قبحه لتقصيره كالجاهل المقصّر فيكون عمله فاسدا لعدم قابليته لأن يتقرب به كما قلنا فى الناسى للموضوع إذا كان الناسى هو الغاصب.

و أمّا مع الجهل بالحكم فله صورتان الاولى في الجاهل القاصر، و الثانية الجاهل المقصر و في كل من الصورتين مورد الكلام فيما يتمشى من الجاهل قصد القربة، و إلّا إذا لم يتمش قصد القربة من الجاهل فلا إشكال فى فساد العبادة فى كل من الصورتين لاحتياج العبادة مثلا الوضوء بقصد التقرب، فالكلام فى صورة تمشى قصد القربة.

فنقول بعونه تعالى: أما الصورة الاولى فيصح وضوء الجاهل القاصر لأنّه و إن تصرّف في المغصوب إلّا انّه لا منشأ لمبغوضية عمله العبادى حتى يقال بفساده سواء كان كاشف المبغوضية النهى الفعلى المتعلق بالفعل فهو لا يكون فعليا بالنسبة إلى الجاهل القاصر.

41

أو كان الكاشف هو عصيانه للمولى حال علمه كما قلنا في الغاصب الناسى من مبغوضية عمله عند العقل و إن لم يكن نهى فعلى متعلقا بالغصب.

فهو غير موجود أيضا في الجاهل القاصر لأنّ إتيانه مبغوض المولى يكون عن قصوره لا عن تقصيره، فلا يكون وضوئه من حيث كونه تصرّفا في الغصب مبغوضا فيصحّ أن يتقرّب به فيصحّ الوضوء.

أما الصورة الثانية أعنى: صورة كون الجهل عن تقصير و كان الجاهل جاهلا بالحكم، فقد عرفت في المسألة 6 و 16 من المسائل المتعلقة بالتقليد عدم معذوريته لعدم كون جهله عذرا مع تقصيره، فيكون عمله المتحد مع الغصب مبغوضا للمولى و ليس قابلا لأن يتقرب به، فلا يصح وضوئه في المغصوب.

*** [مسئلة 5: إذا التفت إلى الغصبية في أثناء الوضوء]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 5: إذا التفت إلى الغصبية في أثناء الوضوء صحّ ما مضى من أجزائه و يجب تحصيل المباح للباقى، و إذا التفت بعد الغسلات قبل المسح هل يجوز المسح بما بقي من الرطوبة في يده و يصحّ الوضوء أو لا؟ قولان: أقواهما الأوّل، لأنّ هذه النداوة لا تعدّ مالا و ليس مما يمكن ردّه إلى مالكه، و لكن الأحوط الثاني، و كذا إذا توضأ بالماء المغصوب عمدا ثم أراد الاعادة هل يجب عليه تجفيف ما على محالّ الوضوء من رطوبة الماء المغصوب، أو الصبر حتّى تجف أو لا؟ قولان: أقواهما الثاني و أحوطهما الأوّل، و إذا قال المالك: أنا لا أرضى أن تمسح بهذه

42

الرطوبة أو تتصرف فيها لا يسمع منه بناء على ما ذكرنا، نعم لو فرض إمكان انتفاعه بها فله ذلك، و لا يجوز المسح بها حينئذ.

(1)

أقول: في المسألة مسائل:

المسألة الاولى: إذا التفت إلى الغصبية في أثناء الوضوء

صحّ ما مضى من أجزائه، لأنّ ما مضى من الوضوء مع الغصبية، إمّا كان من باب جهله بالموضوع كما لا يبعد كون نظر المؤلف (رحمه اللّه) إلى هذا الفرض، و إمّا من باب نسيان الموضوع، و فى كل منهما كان النهى عن الغصب غير فعلى، فلا يكون الوضوء مبغوضا.

نعم لو كان منشأ عدم الالتفات النسيان و كان الناسى هو الغاصب لا يصحّ الوضوء كما مرّ في المسألة السابقة و إن لم يكن النهى في حقه فعليا.

المسألة الثانية: و يجب تحصيل الماء المباح لباقى غسلات الوضوء

الواقع بعضها في المغصوب من باب عدم الالتفات بالغصب وجه، لزوم تحصيل الماء المباح لما بقى من الغسلات أنّ اتيان باقى غسلات الوضوء بعد الالتفات بالغصب بهذا الماء يوجب فساد الوضوء و لا يصح الوضوء معه.

هذا إذا التفت في ضمن غسلات الوضوء، مثلا التفت بعد غسل الوجه، أو بعد غسل اليد اليمنى قبل غسل اليسرى.

المسألة الثالثة: ما إذا التفت إلى الغصبية بعد تمام الغسلتين

قبل الشروع بالمسح، أو قبل تمام المسح.

فهل يجوز المسح بما بقى من الرطوبة في يده، و يصح وضوئه أولا يجوز ذلك؟

قال المؤلف (رحمه اللّه): يجوز ذلك و ذكر في وجهه شيئين:

43

الأوّل: أنّ النداوة الباقية على اليد لا تعدّ ما لا فلا مانع من التصرف فيه.

الثاني: أنّ هذه النداوة الباقية على اليد لا يمكن ردّها إلى مالكه.

أقول: أمّا الوجه الأوّل فما قاله من أنّ النداوة ليست مالا فيجوز التصرف فيه.

ففيه أنّها و إن لم تكن ما لا إلّا أنه لا يجوز التصرف فيها بدون رضى صاحبه لأنّ مجرد عدم كونها ما لا لا يوجب جواز التصرف فيها بدون رضى صاحبه، بل يحرم التصرف إذا كان ملكا للغير كحبة من حنطة أو كان متعلقا لحقه.

فما يمكن أن يكون وجها له هو الوجه الثاني، و هو عدم امكان ردّ النداوة الباقية إلى مالكها، فيقال: بعد عدم إمكان رد العين إلى المالك يكون بحكم التالف عرفا فينتقل الضمان من العين بالمثل أو القيمة، و مع انتقال العين بأحدهما تصير هذه النداوة ملكا للغاصب من باب عدم إمكان الجمع بين العوض و المعوّض.

و ما يمكن أن يستدلّ به على عدم صحة المسح بالنداوة المغصوبة هو انّه متى تكون عين المغصوبة باقية و إن فقد بعض خصوصياتها لا ينتقل الضمان بالمثل أو القيمة، بل يجب تدارك العين بالغرامة.

و الحق الأوّل، لأنّه إذا كانت العين موجودة:

تارة يعدّ من التالف، و العين إذا لا يمكن الانتفاع بها على أيّ وجه يكون مثل العين التالفة عرفا ينتقل الضمان إلى مثلها أو قيمتها لا كما إنّ الظاهر في النداوة الباقية على اليد بعد الغسل هو هذا، لعدم، إمكان انتفاع المالك بها، فبناء على كونها من التالف يجوز المسح بالنداوة الباقية، لأنّها بعد انتقال الضمان بمثلها أو قيمتها على عهدة الغاصب تصير ملكا للغاصب.

و تارة لا يعد من التالف مثل ما إذا يمكن الانتفاع بالعين المغصوبة للمالك، و قد‌

44

استثنى المؤلف (رحمه اللّه) هذا الفرض في ذيل المسألة، فيمكن أن يقال بعدم كون العين بحكم العين التالفة، بل يأخذ المالك العين و ينتفع بها ما شاء، و يأخذ من الغاصب الغرامة بالنسبة إلى ما نقص عنها و بناء على عدم كونها من التالف عرفا و إن لم يمكن الانتفاع به فلا يجوز الوضوء، و لا يبعد الأوّل و إن كان الأحوط الثاني، و لكن في المقام وجود هذا الفرض بعيد، بل يكون مجرّد التصور.

المسألة الرابعة: إذا توضأ بالماء المغصوب عمدا ثم أراد تجديد الوضوء بالماء المباح،

فهل يجب تجفيف مواضع الوضوء من الماء المغصوب الواقع على محل الوضوء أو الصبر إلى أن يجفّ مواضعه، أولا يجب ذلك؟

أقول: و حكمها مثل حكم المسألة الثالثة فكلّ ما قلنا فيها نقول فيها.

المسألة الخامسة: إذا نهى المالك عن المسح بالنداوة عن الماء المغصوب.

فلو كانت النداوة بحكم التلف لا أثر لنهيه، بل يجوز المسح بالنداوة الباقية عن الماء المغصوب.

و إن قلنا بعدم كونها بحكم التلف مثل ما إذا فرض إمكان انتفاع المالك بالنداوة الباقية فمجرد غصبية الماء كاف لعدم جواز المسح، و لا حاجة إلى نهى مجدد عن المالك.

نعم لو لم يكن التصرف في الماء قبل المسح محرما مثل ما إذا تصرف في الماء و غسل وجهه و يديه من باب اعتقاد المتوضى رضى المالك، فلا يكفى مجرد غصبية الماء واقعا، بل يظهر عدم رضاه من نهيه، فيحتاج عدم جواز التصرف إلى النهى، فبعد النهى لو لم نقل بكون النداوة بحكم التلف لا يجوز المسح بها مع نهى المالك.

***

45

[مسئلة 6: مع الشك في رضى المالك]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 6: مع الشك في رضى المالك لا يجوز التصرف و يجرى عليه حكم الغصب فلا بدّ فيما إذا كان ملكا للغير من الاذن في التصرف فيه صريحا أو فحوى أو شاهد حال قطعى.

(1)

أقول: أمّا عدم جواز التصرف مع الشك في رضى المالك مضافا إلى استصحاب عدم الرضا إذا كان مسبوقا بعدم الرضا من المالك هو أنّه بعد كون شرط الوضوء إباحة مائه و مكانه و مصبه بالتفصيل المتقدم ذكره فلا بدّ من تحصيل الشرط نعم إن كانت الحالة السابقة الرضا يجوز التصرف للاستصحاب.

و أمّا اعتبار إذن المالك فلانه بعد كون عدم جواز حلية مال الغير إلّا بطيب نفسه حكم واقعى فلا بد من كشف طيب النفس إما بتصريح المالك يعنى إذنه صريحا، أو الفحوى أعنى: الاولوية القطعية، و هذا يحصل بورود الاذن عن المالك ببعض الامور الّذي يعلم من الاذن به إذنه بالتصرف في مائه أو ملكه حال الوضوء بطريق الاولى.

و إمّا بالشاهد الحال القطعى، و لا يكفى مطلق الظن لعدم اعتباره، و ما ادعى من كفاية مطلق الظن من باب دعوى السيرة على الاكتفاء به، محل منع لعدم تحقق السيرة عليه، نعم يكفى الظن الخاص بشاهد الحال.

و لا يخفى عليك أن ما قلنا من أن الحكم الواقعى هو الرضى و طيب النفس و لا بدّ من كشفه بالاذن هو مقتضى الجمع بين بعض الأخبار الدالة على عدم حلّية التصرف فى مال الغير إلّا بطيب نفسه مثل (1) موثقة سماعة (لا يحلّ مال امرئ مسلم‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 3 من ابواب مكان المصلى من الوسائل.

46

إلّا بطيبة نفسه) و بين بعض الآخر الدال على أنّ التصرف منوط باذن المالك مثل التوقيع الشريف (فلا يحلّ لأحد أن يتصرف فى مال غيره بغير إذنه) (1) ففى مقام الجمع نقول: بأنّ جواز التصرف مشروط بطيب النفس كما هو مقتضى بعض الاخبار، و يكون طريق طيب النفس و كاشفه إذن المالك كما هو مقتضى التوقيع الشريف الدال على كون التصرف منوطا باذن المالك فافهم.

*** [مسئلة 7: يجوز الوضوء و الشرب من الأنهار الكبار]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 7: يجوز الوضوء و الشرب من الأنهار الكبار، سواء كانت قنوات أو منشقة من شط، و إن لم يعلم رضى المالكين بل و إن كان فيهم الصغار و المجانين، نعم مع نهيهم يشكل الجواز، و إذا غصبها غاصب أيضا يبقى جواز التصرف لغيره ما دامت جارية في مجراها الأوّل، بل يمكن بقائه مطلقا، و أمّا للغاصب فلا يجوز، و كذا لأتباعه من زوجته و أولاده و ضيوفه و كل من يتصرف فيها بتبعيته، و كذلك الأراضى الوسيعة يجوز الوضوء فيها كغيره من بعض التصرفات كالجلوس و النوم و نحوهما ما لم ينه المالك و لم يعلم كراهته، بل مع الظن أيضا الأحوط الترك و لكن فى بعض أقسامها يمكن أن يقال: ليس للمالك النهى أيضا.

____________

(1) الرواية 6 من الباب 3 من ابواب الانفال من الوسائل.

47

(1)

أقول هنا مسائل:

المسألة الاولى: في جواز الوضوء و الشرب من الأنهار الكبار

سواء كانت قنوات أو منشقة من شط و إن لم يعلم رضى المالكين و لا يعلم بوجود الصغير و المجنون بينهم و إلّا فمع العلم برضا هم فلا إشكال فيه و‌

استدلّ على الجواز بأمور:

الأوّل: أنّ الوضوء و الشرب منها حق للمسلمين فيجوز لهم استيفاء حقهم.

و فيه أنّه لا دليل على ثبوت هذا الحق لهم.

إن قلت: يستفاد ذلك من الوجوه التى تذكر بعد ذلك.

قلت: فاذا ليس ما قلت من كونه حقا لهم دليلا، بل هو المدّعى، و نتعرض لما يمكن أن يكون دليله إنشاء اللّه.

الثاني: ما رواه محمد بن سنان عن أبي الحسن (عليه السلام)

قال: سألته عن ماء الوادى، فقال: إنّ المسلمين شركاء في الماء و النار و الكلاء (1).

بدعوى دلالتها على اشتراك المسلمين في الماء و النار و الكلاء.

إن قلت: إنّ الضرورة قائمة على انتفاء اشتراك المسلمين في كثير من الموارد.

قلت: إنّ ذلك يوجب تخصيص هذا العموم في الموارد التي ادعي قيام الضرورة على عدم اشتراكهم، و أمّا في غير هذه الموارد فالعموم حجة في عمومه و منه هذا المورد.

و فيه، مضافا إلى ما في سند الرواية من الاشكال من حيث محمد بن سنان المختلف في وثاقته و ضعفه، أنّ الرواية ظاهرة في اشتراكهم في الأشياء الثلاثة في‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 5 من ابواب احياء الموات من الوسائل.

48

المباحات الأصلية منها لا مطلقا حتى مع سبق حق بعض عليها، و بعبارة اخرى بحسب الطبع الأوّلى المسلمون مشتركون في الأمور الثلاثة كما هو مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع، لأنّ ما يصلح لاشتراكهم فيه هو قبل ورود يد بعض منهم، عليه و إلّا فلو كان هذا الحكم حتى بعد تقدم يد بعضهم عليه باحياء فى الارض مثلا، فيلزم ذلك تضييع حقوق البعض بدون وجه، و التشاجر و التنازع و كل ذلك مناف مع مذاق الشرع.

و إن أبيت عن ظهور الرواية فيها فلا بدّ من حملها على هذه الصورة، لأنّه مع دلالة كثير من الروايات (1) على أنّ من أحيى أرضا فهو أحق بها، أو أنّ الماء (2) الجارى عن الوادى يكون للمقدم حق التقدم على المؤخر الأسفل.

و قابلية تمليك الأشياء و صيرورتها ملكا للأشخاص و عدم جواز (3) التصرف في ملك الغير بغير إذنه تكون دليلا على عدم الاشتراك و اختصاص هذه الأمور بمن هو أولى به، فلا بدّ من حمل الرواية على ما قلنا.

و ما قيل من أنّ عموم الرواية يقتضي اشتراك المسلمين في الأشياء الثلاثة غاية الأمر يخصّص عمومه ببعض ما قلت، مثلا بصورة إحياء الارض فإنّه للمحيي و يبقى العموم بحاله في غيره.

فيه أوّلا ما قلنا من كون الخبر ظاهرا فى المباحات الأصلية، أو محمولا على المباحات الأصلية.

و ثانيا كما قيل إن قلنا بعمومه بحيث يشمل كل الموارد و تخصيصه بالمخصصات‌

____________

(1) الكافى، ج 5، ص 279.

(2) الكافى، ج 5، ص 278.

(3) الرواية 1 من الباب 3 من ابواب مكان المصلى.

49

يوجب تخصيص الأكثر.

و إن كان الاشكال هذا الاشكال يمكن الدفع بأنّ العام له فردان المباحات الأصلية و غير المباحات و تخصيص العموم بفرد لا يوجب تخصيص الأكثر.

و ثالثا لا إشكال في تخصيص عموم الخبر على فرض عمومه بصورة كون الأرض و النار و الماء ملكا لشخص أو أشخاص خاصة بأحد الأسباب المملكة، و فرض الكلام هذه الصورة، فلا يمكن الاستدلال على كل حال بهذا الخبر.

و رابعا لو قلنا بشمول عموم الخبر لمثل هذه الموارد يلزم جواز التصرف في غير الشرب و الوضوء، و لا يمكن الالتزام به.

الثالث: شهادة الحال برضى المالك أو المالكين

و قد حكي الاستدلال بها عن العلامة و الشهيد و غيرهما (رضوان اللّه تعالى عليهم).

و فيه أنّ شاهد الحال في كل الموارد غير معلوم إن لم يكن معلوم العدم في بعضها.

الرابع: دعوى انصراف حرمة التصرف في مال الغير عن هذا القبيل

من التصرفات من الشرب و الوضوء.

و فيه انّ هذا دعوى بلا دليل.

الخامس: أصالة إباحة هذه التصرفات

فيقال: بعد معارضة ما يدلّ على حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه مع ما يدل على مطهرية الماء، و ما يدل على جواز الشرب و الوضوء بالماء ما لم يتغير، و تساقط كل من الأدلّة بسبب المعارضة، فتصل النوبة بالأصل و مقتضاه إباحة التصرف.

و فيه أوّلا لا تعارض بين ما يدلّ على حرمة التصرف في مال الغير بغير اذنه‌

50

و بين ما يدل على مطهرية الماء لعدم منافات بين كون الماء طاهرا و مع ذلك لا يجوز التصرف فيه لكونه ملك الغير.

كما أنّه لا تعارض بين ما يدلّ على حرمة التصرف و بين ما يدلّ على جواز الشرب و الوضوء عن الماء ما لم يتغير، لأنّ الظاهر من الطائفة الثانية هو اشتراط إطلاق الماء في جواز الوضوء و الشرب و ليس إلّا في مقام بيان ذلك، لا في مقام بيان جواز التصرف في الماء المطلق مطلقا حتى إذا كان ملك الغير و إلّا لو كان لها عموم من هذا الحيث كان لازمه عدم جواز التصرف إذا صار مضافا و الحال أنّه لا يمكن القول به، و بعد عدم كونها في مقام هذه الجهة فلا تعارض بينها و بين الطائفة الاولى الدالة على عدم جواز التصرف فى ملك الغير.

و ثانيا على فرض وقوع التعارض بين الطائفتين فحيث تكون النسبة بين الطائفتين عموما من وجه و تعارضهما في مادة الاجتماع فمقتضى الطائفة الاولى عدم جواز الوضوء و الشرب بالماء المطلق، و مقتضى الثانية جوازه، فحيث إنّ الاولى ظاهرة في عدم الجواز، و الثانية نص في الجواز، فيحمل الظاهر على النص، و تكون النتيجة جواز الشرب و الوضوء من الأنهار الكبار، و لا تصل النوبة بالأصل العملى حتى يقال: إنّ لأصل هو الاباحة.

و ثالثا على فرض تعارض الطائفتين و سقوطهما بالمعارضة و وصول النوبة بالاصل فاجراء أصالة الاباحة مشكل، لما يقال من أنّ الاصل في الشك فيما إذا كان في الاموال هو العدم لما يستفاد من الخبر (1) من عدم الجواز في الاموال إلّا من حيث ما أحله اللّه، و هو قوله (عليه السلام) فى ضمن رواية (لا يحلّ مال إلّا من وجه أحلّه اللّه) إلا أنّه ضعيفة السند فلا يتم الاستدلال به مضافا إلى الاشكال فى دلالته على كون‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب 3 من ابواب الانفال من الوسائل.

51

الأصل فى الأموال فى صورة الشك الحرمة لا الحلية كما يأتى إنشاء اللّه فى مسأله 8 من هذا الفصل.

السادس: انّه لو لا جواز هذا القبيل من التصرفات

مثل الشرب و الوضوء يلزم العسر و الحرج.

و فيه أنّ العسر و الحرج في كل مورد كان يوجب رفع الحكم، مثلا مع العسر و الحرج لا يجب الوضوء و لا يحرم الشرب من الماء، لا إثبات الحكم و هو حلية التصرف في مال الغير للوضوء، بل يجب مع العسر التيمم.

مضافا إلى أن العسر و الحرج في كل الموارد غير موجود.

السابع: سيرة المسلمين

من الصدر الأوّل إلى الآن على هذا القبيل من التصرفات بحيث يعلم رضى سادع الدين بذلك.

أقول: و ما يمكن الاستدلال به على المدعى هذا الوجه لوجود السيرة في الجملة على ذلك بلا إشكال من السلف و الخلف بحيث يكشف من سيرة المسلمين رضى المعصومين (عليهم السلام).

فالسيرة دليل قطعى على جواز التصرف بالشرب و الوضوء من الأنهار الكبار.

المسألة الثانية: ما قلنا من جواز التصرف في الجملة للسيرة

جوازه في صورة عدم العلم بكراهة صاحب الماء و هل يكون هذا الحكم حتى في صورة العلم بكراهة صاحب الماء أو لا؟

الحق الثاني لعدم تحقق السيرة حتى مع وجود العلم بكراهة صاحبه.

المسألة الثالثة: اعلم أنّه تارة يعلم بعدم وجود الصغير و المجنون

في جملة‌

52

مالكى الماء فلا إشكال في جواز الشرب و الوضوء مع عدم العلم بكراهة مالكيه.

و تارة لا يعلم بوجود الصغير و المجنون بين مالكى الماء كما لا يعلم بعدم وجودهما بينهم، فهل يجوز التصرف مع ذلك أو لا يجوز؟

الاقوى الجواز لوجود السيرة في المورد من حيث إنّ صورة العلم بعدم وجود الصغار و المجانين بين المالكين قليل جدا، بل الغالب أو الاغلب صورة الشك في كونهما بينهم و، عدمه فدعوى وجود السيرة في صورة الشك بوجود هما بينهم دعوى قريب، فتحقق السيرة في هذه الصورة لا ينبغى أن ينكر.

و تارة يعلم بوجود الصغير و المجنون بين مالكى الأنهار، فهل يجوز الشرب و الوضوء أيضا مثل الصورة الاولى و الثانية أو لا يجوز ذلك؟

الأقوى عدم الجواز لأنّ الدليل كما عرفت منحصر بالسيرة، و تحققها في المورد غير معلوم.

و لا فرق في عدم الجواز بين وجود الولى الاجبارى للصغير و المجنون كالأب و الجدّ و بين وجود الولى الاختياري لهما كالحاكم و المنصوب من قبله.

فالتفصيل بين صورة وجود الولى الاجبارى و بين الاختياري، لأنّ الأوّل يجوز و تنفذ ولايته حتى في صورة عدم وجود المصلحة للصغير، و بعبارة اخرى يكفى في نفوذ ولايته عدم الضرر على الصغير فلا مانع من التصرف.

و في الثاني يدور مدار نفوذ ولايته في خصوص ما كان مصلحة للصغير و المجنون و عدم ولايته في غير هذه الصورة، و عدم نفوذ ولايته حتى في صورة عدم وجود المصلحة لها، فعلى الأوّل يجوز التصرف بالشرب و الوضوء، و على الثاني‌

53

لا يجوز كما قال بعض شراح العروة (1).

لا وجه له لأنّه كما قلنا تحقق السيرة فيما علم وجود الصغير أو المجنون بين مالكى النهر غير معلوم، و على الفرض لا دليل في البين غير السيرة، فلا يجوز التصرف فيما علم وجود الصغير أو المجنون بين المالكين للنهر.

المسألة الرابعة: إذا صارت الأنهار الكبار مغصوبة بغصب غاصب

فهل يجوز التصرف فيها لغير الغاصب كما كان جائزا له قبل غصبه أولا؟ فنقول: إنّ له صورتين:

الصورة الاولى: ما إذا غصبها و لم يتغير مجراها

فهل يجوز التصرف لغير الغاصب من الشرب أو الوضوء أولا؟ الحق عدم الجواز لعدم تحقق السيرة، إذ وجود السيرة محتاج إلى وجود خارجى لأنهار مغصوبة و تحقق وضوء المتشرعة منها فى كل عصر إلى أن يصل بزمان المعصوم (عليه السلام) حتى يكشف عن الجواز، و تحقق السيرة في الأنهار المغصوبة لم يثبت.

و مع الشك فى الجواز هل يجوز التمسك بالجواز السابق بالاستصحاب لو شك فى تحقق السيرة بعد الغصب أم لا؟ يأتي الكلام فيه في الصورة الثانية.

الصورة الثانية: إذا غصبها غاصب و غيّر مجراها،

فهل يجوز التصرف لغير الغاصب مع فرض تغيير مجراها بيد الغاصب أو لا؟ فهل نقول بالجواز لوجود السيرة و لو ارتكازا أو نقول بعدم الجواز لعدم تحقق السيرة؟

أقول: القول بتحقق السيرة حتى في هذه الصورة مشكل، و مع الشك كون المحكم عموم عدم جواز التصرف في ملك الغير بغير إذنه فالأحوط عدم الجواز في‌

____________

(1) الآملى، مصباح الهدى، ج 3، ص 377.

54

الصورة الثانية أعنى: صورة تغيير المجرى بيد الغاصب.

و أمّا استصحاب الجواز السابق فيما إذا كانت الحالة السابقة الجواز، مثلا كان مأذونا سابقا من قبل المالك، ثم شك في الزمان اللاحق في بقاء إذنه.

فقال بعض شراح العروة: بأن الاستصحاب محكوم بعموم المنع عن التصرف في مال الغير بغير إذنه.

و قال بعض شراحها: بعدم كون استصحاب بقاء جواز التصرف محكوما بعموم المنع عن التصرف في مال الغير بغير إذنه، و ذلك لكون تصرفه قبل الغصب محكوما بالجواز فيستصحب.

أقول: الظاهر عدم مجال لجريان الاستصحاب أمّا أوّلا فلان منشأ جواز التصرف قبل تغيير المجرى كان هو السيرة فخصص عموم عدم جواز التصرف بالسيرة، و حيث إنّ السيرة من المخصصات اللبّية، و قلنا بأنّه كلما يكون المخصص لبيّا يكون المرجع في مورد الشك في زيادة التخصيص- سواء كان الشك من جهة الشبهة في المفهوم أو في المصداق- هو العام، فلا وجه لاستصحاب حكم المخصص.

و أمّا ثانيا حيث يكون الشك في المورد من الشك في الأقل و الأكثر، أعنى:

يكون منشأ الشك الشك في شمول التخصيص للأكثر مع تيقن شموله للأقل، لأنّ الشك يكون في أنّ السيرة القائمة على جواز التصرف في الماء بالشرب و الوضوء الشاملة لصورة عدم تصرف الغاصب في الأنهار هل تشمل لصورة تصرف الغاصب كما فى الصورة الأولى من المسألة الرابعة أو لا تشمل لها.

و كذلك لا إشكال في أنّ السيرة جارية فيما لا يتصرف فيها الغاصب و لا يغيّر مجراها مسلما و يكون الشك في أنّ السيرة قائمة على صورة تصرف الغاصب و تغيير‌

55

مجرى النهر أولا كما في الصورة الثانية في هذه المسألة.

فيكون الشك في المخصص شكا فى الأقل و الأكثر و قد عرفت فى مبحث العام و الخاص أنّ الشك إذا كان لأجل دوران المخصص بين الأقل و الأكثر يكون العام محكّما في مورد الشك سواء كان المخصص لفظيا أو كان لبيّا، فعلى هذا يكون في المقام عموم المنع عن التصرف في مال الغير بغير إذنه محكّما فلا يجوز التصرف.

المسألة الخامسة: هل يجوز التصرف بالشرب و الوضوء من الأنهار الكبار لمن يكون غاصبا

و كذا لأتباعه من زوجته و أولاده و ضيوفه و غيرهم ممن يتصرف بتبعية الغاصب أو لا؟

الحق عدم الجواز لعدم قيام السيرة على جواز تصرفهم، و فقد دليل آخر يدل على الجواز.

المسألة السادسة: هل يجوز الوضوء في الأراضى الوسيعة

و غيره من التصرفات كالجلوس و النوم و نحوهما أم لا؟

اعلم أن للمسألة صورا:

الصورة الاولى: ما إذا لا يعلم برضى مالكيها

و لا يعلم بوجود الصغير أو المجنون بين المالكين، ففي هذه الصورة يجوز هذا النحو من التصرفات لقيام السيرة المتشرعة على الجواز.

الصورة الثانية: ما إذا نهى بعض المالكين، أو كلهم،

أو علم بكراهة المالكين، أو بعضهم، فلا إشكال في عدم جواز التصرف لعموم حرمة التصرف في ملك الغير بغير إذنه، و عدم دليل على التخصيص، لأنّ ما يمكن أن يكون مخصصا لهذا العموم ليس إلّا السيرة، و هى لا تشمل هذه الصورة لعدم تحقق السيرة عليها.

56

الصورة الثالثة: ما إذا ظن كراهة المالك

فقال المؤلف (رحمه اللّه): الأحوط ترك التصرف في هذه الصورة.

أقول: الظن إن كان معتبرا فهو بحكم العلم، فلا يجوز التصرف لعدم السيرة فلا وجه لقوله: الأحوط الترك.

و إن كان الظن الغير المعتبر فيمكن أن يقال: حيث لم يتحقق السيرة بجواز التصرف لا يجوز التصرف أيضا، و لا وجه لقوله: الأحوط لأنّه مع الشك في تحقق السيرة فعموم حرمة التصرف فى مال الغير بغير إذنه محكم.

الصورة الرابعة: صورة عدم العلم بكراهة المالكين

في التصرف لكن تارة يعلم بوجود الصغير أو المجنون بينهم، فكما قلنا في الأنهار الكبار لا يجوز التصرف لعدم السيرة في جواز التصرف مع وجود واحد منهما بين المالكين.

و تارة لا يعلم بوجودهما بينهم، ففي هذه الصورة يجوز التصرف لوجود السيرة كما مر فى التصرف في الأنهار الكبار.

الصورة الخامسة: قال المؤلف (رحمه اللّه)

(لكن في بعض أقسامها يمكن أن يقال ليس للمالك النهى أيضا).

و غرضه جواز التصرف في بعض الأقسام من الأراضى المتسعة حتى مع نهى مالكيها، و هو بعض الأراضى المتسعة اتساعا عظيما كما حكي عن صاحب الجواهر (رحمه اللّه) القول به بحيث يتعذر أو يتعسر اجتناب الناس عنها مع نهى مالكيها.

فأقول: بأنه إن كان النظر في جواز التصرف حتى مع نهى مالكيها إلى قيام السيرة على جوازه فهو غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم، لعدم وجود السيرة مع نهى المالك.