رسالة في أن الوتر ثلاث ركعات

- السيد مهدي الروحاني المزيد...
117 /
3

[مقدمة الناشر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد المصطفى و آله الطيبين الطاهرين و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

لا يخفى على الناظر الى علم الأحكام الشرعيّة المصطلح عليه ب‍ «الفقه الإسلامي» إنّه علم وسيع و متشعّب، و له المكانة المتميّزة بين علوم الشريعة الإسلامية. و قد مرّ هذا العلم كغيره في أطوار تكاملية كان بدايتها عبارة عن نقل الأخبار و النصوص الشريفة التي فاضت بها شفاه المعصومين- عليهم أفضل صلوات المصلّين- و الإفتاء بها من قبل ذوي الخبرة و الدراية، ليستضيى‌ء بها الناس في حياتهم الفردية و الاجتماعية.

ثمّ مرّ هذا العلم بمراحل جديدة أكسبته سعة و دقّة، نتيجة توسّع دائرة الفهم الأصولي و تعمّقه، بالخصوص لدى فقهاء الإمامية.

و كان لفتح باب الاجتهاد و النظر عند فقهاء الخاصّة، الأثر الكبير في تطوّر الفقه و تكامله، نتيجة ما كان يثيره الفطاحل بين الفينة و الأخرى من مسائل تستجلب نظر أهل التحقيق و ذوي التدقيق فيسلّطون عليها الإضواء من جميع الجهات و يشبعونها بحثا و استدلالا.

و من تلكم المسائل التي طرحت و أشارت إليها النصوص الشريفة، مسألة كون الوتر- من صلاة الليل- ثلاث ركعات، أو واحدة، و قد تناولها‌

4

عدّة من فقهاء الخاصّة فضلا عن العامّة في طي أبحاثهم بالنظر و التحقيق.

و سيدنا سماحة المحقّق المدقّق آية اللّه السيّد مهدي الروحاني- نفع اللّه المسلمين بعلومه- أخرج هذه المسألة للعيان في رسالة تحت عنوان «الوتر ثلاث ركعات» ملمّا بجميع الأخبار الواردة فيها، و منقّحا لأبحاثها، و جامعا لأقوال العامة و الخاصة، و مبوّبا لمطالبها تبويبا رائعا، يسهّل على الباحث الوصول الى مقصوده من دون تعب و مشقّة. فجزاه اللّه خير الجزاء.

و الجدير بالذكر إنّ سماحة المحقّق آية اللّه السيّد موسى الزنجاني- دام علاه- قد وشّح هذه الرسالة بتعليقات نافعة رأى مؤلّفها- السيّد الروحاني- حسن الإتيان بها في الحاشية.

و قد رأت مؤسستنا نشر هذا السفر النافع، راجين بذلك المساهمة في خدمة المسيرة الفقهية و أهلها، و من اللّه نستمد العون و التوفيق إنّه بالرعاية و العناية حقيق.

مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة‌

5

[مقدمة التحقيق]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

و بعد:

فيقول العبد مهدي بن أبي الحسن الحسينيّ القمّيّ الروحانيّ:

هذه رسالة في (عدد الوتر من صلاة الليل و أنّه ثلاث ركعات) قد جمعت فيها- بعون اللّه تعالى- ما تيسّر لي من الأخبار الواردة فيها عن الحجج المعصومين (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، كما أوردت أكثر كلمات متقدّمي الأصحاب، و عدّة من متأخّريهم- (رضوان اللّه عليهم)- لعلّها تفيد من أراد تحقيق المسألة، و أسأله تعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنه، فإنّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

فنقول- بعون اللّه تبارك و تعالى-: قد ذهب عدّة من متقدّمي أصحابنا إلى أنّ الوتر ركعة واحدة، و اشتهر ذلك بين المتأخّرين.

و قال عدّة من المتقدّمين و المتأخّرين منهم: إنّ الوتر ثلاث ركعات، و النظر الإجماليّ يرشدنا إلى أنّ الروايات التي يستند إليها‌

6

للقول الأوّل قليل عددها بالنسبة، و ضعيف سندها (1) و دلالتها، و من غير الكتب الأربعة المشهورة، و مستند القول الثاني روايات كثيرة، أكثرها صحاح أو موثّقات، قد ذكرها أصحاب الكتب الأربعة في كتبهم.

و قبل ذكر الروايات، و أقوال فقهائنا في المسألة نورد جملة من أقوال العامّة، و الخلاف الكثير فيما بينهم، كما نورد عنهم عدّة من الروايات التي نقلوها عن علي أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام في أنّ الوتر ثلاث ركعات. و ما يدلّ ضمنا على هذا المعنى من رواياتهم عنه (2) (عليه السلام)، ممّا تطابق مع ما روي- في الأكثر المعتمد عند أصحابنا- عن ولده الطاهرين (عليهم السلام)، في حين أنّهم لم ينقلوا الخلاف عنه (3) (عليه السلام)، كما نقلوه عن الآخرين من الصحابة و التابعين.

و ربّما يظهر من ذلك كلّه أنّه مع هذا الاختلاف الكثير في الأمّة لم تكن المسألة ممّا يتّقى فيه بيان الحقّ، و إظهار واقع الأمر من قبلهم (عليهم السلام).

____________

(1) بسم اللّه الرحمن الرحيم لقد تفضّل علينا السيّد المحقّق المدقّق العلّامة آية اللّه الحاج السيد موسى الشبيري الزنجاني- دام علاه- بمطالعة هذه الرسالة، و تزيينها بالتعليق عليها، فرأيت أنّ الأحسن الإتيان بتمام ما تفضّل به، ثمّ نذيّل تعليقه عند تمام كلامه بعبارة: «منه دام علاه» و قد أدرجنا تصحيحاته في إسناد الأحاديث في المتن و قد علّق هنا على قولنا: و ضعيف سندها بقوله: سند أكثرها- المؤلّف.

(2) و ربّما نقلوا ذلك عن السجاد و الباقر (عليهما السلام) «منه دام علاه».

(3) لكن نقلوا عنه (عليه السلام) بأنّه يوتر بثلاث لا يفصل بينهنّ، و هو خلاف الثابت من أخبارنا. «منه دام علاه».

7

و نقدّم ذكر أقوال العامّة، و نؤخّر ذكر رواياتهم المشار إليها في ذيل كلّ نوع من الأنواع الثلاثة على حسب التنويع للأخبار الذي نوّعها صاحب الجواهر- (قدّس سرّه).

فنقول: اختلفت كلمة العامّة في عدد ركعات الوتر، و أنّه ركعة واحدة، أو ثلاث ركعات أو أكثر، تعيينا أو تخييرا، و بناء على كونها ثلاثا أو أكثر فهل يتعيّن لزوما، أو ندبا الفصل بالتشهّد و التسليم في كلّ شفع أو في بعضها، أو الوصل مع التشهّد بلا تسليم، أو الوصل بغير تشهّد و لا تسليم، في كلّها أقوال مذكورة عنهم، و روايات مأثورة لديهم.

و منشأ الاختلاف، اختلاف رواياتهم، خصوصا روايات أمّ المؤمنين عائشة، و عمل السّلف الّذين أقوالهم حجّة، بل سنّة عندهم.

و هنا شي‌ء آخر، يبدو للناظر في كتبهم، و يزيده تعقيدا في الاختلاف فيما بينهم: أنّ في عدّة من الروايات الصحاح عندهم أنّ الوتر واحدة، توتر ما قد صلّاه المصلّي في الليل، و فيها ما لا يخلو من الإشعار، أو الدلالة على عدم الأهمّية بالوتر، إلّا بهذا المقدار، في حين أنّ ما يظهر من عدّة من أصحاب المصنّفات الاهتمام بالوتر، بحيث يعقدون الباب لذكر موظّفة الليل بعنوان باب الوتر، و يوردون تلك الأحاديث و غيرها. و يظهر منهم: أنّ كلّ ما يصلّى في الليل من النوافل معدود من الوتر، و هذا ما أشار إليه صاحب الجواهر- (رحمه اللّه)- بقوله: (. كما ورد استعمال الوتر في روايات العامّة في الواحدة و الثلاث و الخمس، و استفادوا منها كون الوتر هي صلاة الليل المقطوعة على وتر في آخرها، و ربّما احتمله بعض أخبارنا‌

8

أيضا (1)، و الأمر في ذلك سهل) (2).

____________

(1) لم أقف على ما أشار إليه صاحب الجواهر، إلّا أنّ ذلك محتمل في رواية زرارة المعدودة برقم 70- المؤلّف.

هذا غير محتمل في رواية زرارة للتصريح فيه بأنّ من فاتته الأوتار يأتي أوّلا بصلاة الليل الحاضرة، ثمّ يأتي بقضاء الأوتار، و يأتي بصلاة الوتر الحاضرة بعد قضاء الأوتار، فيعلم منه عدم دخول الوتر في صلاة الليل.

نعم، هو محتمل في روايات إسحاق بن عمار و عقبة بن خالد و الحجّال التي تأتي برقم 46 و 59 و 60، و كذا الرواية الآتية برقم 68، فان التعابير الواردة في هذه الروايات «صلّ صلاة الليل و أوتر، صلّى صلاة الليل و أوتر، صلّى صلاته و أوتر» يحتمل أن تكون أمرا بإتيان موظّفة الليل وترا، أو حكاية عن الإتيان كذلك، كما يحتمل أن تكون أمرا بالوتر، منضمّة إلى صلاة الليل، أو حكاية عن الإتيان كذلك، فالمراد فيها مشتبه. «منه دام علاه».

(2) جواهر الكلام: ج 7 ص 61.

أقوال الصحابة و التابعين في الوتر

9

قال العينيّ: (و قد وقع الاختلاف في أعداد ركعاته (ص) بالليل من سبع و تسع و إحدى عشرة و ثلاث عشرة إلى سبع عشرة ركعة قدر عدد ركعات الفرض في اليوم و الليلة) (1).

و قال ابن حزم: (مسألة: و أفضل الوتر من آخر الليل، و تجزي ركعة واحدة، و الوتر و تهجّد الليل ينقسم على ثلاثة عشر وجها، أيّها فعل أجزأه) (2) و الظاهر أنّ قوله: (و تهجّد الليل) عطف تفسيريّ للوتر، ثمّ يذكر الوجوه الثلاثة عشر، مع ما يستدلّ له من الأحاديث، و استدلاله في كثير منها لا يخلو من الضعف، و قد استدلّ بحديث واحد لأقوال متعدّدة، و لكنّه هو يقول بالتخيير في الوجوه الثلاثة عشر و قال العلّامة- (رحمه اللّه)- في المنتهى بعد نقل القول المشهور عند الإماميّة-: (. ثمان ركعات منها صلاة الليل، و اثنتان للشفع يسلّم فيها، ثمّ يوتر بواحدة، ذهب إليه علماؤنا.

و ممّن قال: إنّ الوتر واحدة: عثمان بن عفّان و سعد بن أبي‌

____________

(1) عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري: ج 7 ص 8.

(2) المحلّى: ج 3 ص 42.

10

وقّاص و زيد بن ثابت و ابن عباس و ابن عمر [1] و ابن الزبير و أبو موسى و عائشة و سعيد بن المسيّب و عطا و مالك [2] و الأوزاعيّ و الشافعيّ‌

____________

[1] إسناد ذلك القول إلى ابن عمر محلّ تأمّل، لما سنذكره في قول مالك عنه و إن كان يؤيّده ما رواه البخاري بالإسناد عن ابن عمر عنه (ص): «فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صلّيت»

(1)

.

و عنه أيضا عنه (ص): «اجعلوا آخر صلاتكم باللّيل وترا»

(2)

.

و الرواية المشهورة عندهم في هذا الباب قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلّى ركعة واحدة له ما قد صلّى»

(3)

.

و ما رواه ابن حزم بالسند، قال: سألت ابن عباس و ابن عمر عن الوتر، فكلّ واحد منهما قال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «ركعة من آخر الليل»

(4)

.

- المؤلف-

[2] ما يأتي هو رواية مالك عن نافع: إنّ عبد اللّه بن عمر كان يسلّم بين الركعتين و الركعة، حتى يأمر ببعض حاجته، و هذا كما ترى لا ينافي كون الوتر واحدة، كما أنّ ما رواه ابن عمر عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» لا يدلّ على كون الوتر واحدة حتى يؤيّد كون هذا فتوى ابن عمر.

و ما رواه ابن عمر عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «إذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما قد صلّيت» يدلّ على أنّ الركعة إذا انضمّت إلى ما صلّاه يصير المجموع وترا مرغوبا إليها.

و بعد روايته عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «أنّ الوتر ركعة من آخر الليل» يعلم أنّ الوتر واحدة موترة، فالضميمة اعتبرت شرطا للمطلوب.

«منه دام علاه»

____________

(1) صحيح البخاري: ج 2 ص 30.

(2) صحيح البخاري: ج 1 ص 127 ج 2 ص 31.

(3) صحيح البخاري: ج 2 ص 30.

(4) المحلّى: ج 3 ص 48.

11

و إسحاق و أحمد (ابن حنبل) و أبو ثور) (1).

و زاد ابن حزم في القائلين: بأنّ الوتر واحدة: ابن عبّاس و معاوية و حذيفة و ابن مسعود) (2).

و يعارضه في الجملة ما قاله العينيّ: (و ممّن قال: يوتر بثلاث لا يفصل بينهنّ: عمرو عليّ و ابن مسعود و ابيّ بن كعب و ابن عباس و أبو أمامة و عمر بن عبد العزيز، و الفقهاء السبعة، و أهل الكوفة) (3).

و الخلاف بينهما في ابن مسعود و ابن عباس.

قال البخاريّ في الصحيح: قال القاسم (4): (. و رأينا أناسا منذ أدركنا يوترون بثلاث، و أنّ كلّا لواسع- أي كلّا من الواحدة و الثلاث) (5) انتهى.

و قال العيني: (و أوتر سعد بن أبي وقّاص بركعة فأنكر عليه ابن مسعود، و قال: ما هذه البتيراء التي لا نعرفها على عهد رسول اللّه (ص) (6).

و بهذا يضعّف ما نسب ابن حزم إلى ابن مسعود: أنّ الوتر واحدة، خصوصا مع ما رواه العينيّ، عن ابن مسعود، عنه (ص) في نفس المصدر: وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب.

____________

(1) المنتهى: ج 1 ص 195.

(2) المحلّى: ج 3 ص 48.

(3) عمدة القارئ: ج 7 ص 4.

(4) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر من الفقهاء السبعة، توفّى سنة (104 ه‍)، و هو جدّ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) لامّه- المؤلّف.

(5) صحيح البخاري: ج 2 ص 31.

(6) عمدة القارئ: ج 7 ص 4.

12

أقوال أئمة المذاهب

قال الكرمانيّ: (و اختلفوا في صلاة الوتر، فقال أبو حنيفة: يوتر بثلاث لا يفصل بينهنّ بالسلام، و يتشهّد بعد الثانية، كما حكاه ابن حزم عنه، و الأئمّة الثلاثة: أنّ الوتر ركعة، لأنّ الوتر في لسان العرب هو الواحد [إلى أن قال] إلّا أنّ مالكا قال: لا بدّ أن يكون قبلها شفع يسلّم بينهنّ) (1).

قول أبي حنيفة، و ما يستدلّ له:

و شذّ أبو حنيفة حيث قال بوجوب الوتر، و قال: (إنّ الوتر ثلاث ركعات كالمغرب).

و استدلّ العينيّ له بروايات عائشة: (أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوتر بثلاث، لا يسلّم إلّا في آخرهنّ) و عنها أيضا، عنه (ص): «أنّه لا يسلّم في ركعتي الوتر». و برواية ابن مسعود عنه (ص): «وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب». و بما عن ابن عمر (صلاة المغرب وتر صلاة النهار، فأوتروا صلاة الليل.)

و روى ابن أبي شيبة في مصنّفه: حدّثنا حفص بن عمر، عن الحسن البصريّ، قال: أجمع المسلمون على أنّ الوتر ثلاثة، لا يسلّم إلا في آخرهنّ). و قال الكرخي: (أجمع المسلمون. الى أن نقل قصة سعد و إنكار ابن مسعود عليه) (2). انتهى نقل العينيّ.

____________

(1) صحيح البخاري شرح الكرماني: ج 6 ص 92.

(2) عمدة القارئ: ج 7 ص 4.

13

و يمكن أن يستدلّ لقوله: بالثلاث (1) بما رواه هو نفسه عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، و بما رواه الحارث الأعور و غيره عن عليّ (عليه السلام)، و سنذكرها في النوع الأوّل إن شاء اللّه تعالى.

قول مالك:

قال مالك في الموطّأ: (و حدّثني عن مالك، عن نافع أنّ عبد اللّه بن عمر كان يسلّم بين الركعتين و الركعة حتى يأمر ببعض حاجته.

و حدّثني عن مالك، عن ابن شهاب أنّ سعد بن أبي وقّاص كان يوتر بعد العتمة بواحدة. قال مالك: و ليس هذا العمل عندنا، و لكن أدنى الوتر ثلاث. و حدثني عن مالك عن عبد اللّه بن دينار كان يقول:

صلاة المغرب وتر صلاة النهار) (2).

و ظاهر هذه العبارات أنّ الوتر ثلاث خصوصا قوله: (أدنى الوتر) و تشبيهه (3)

____________

(1) الأولى الاستدلال له برواية زيد، عن عليّ، (عليه السلام): «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوتر بثلاث، لا يسلّم إلّا في آخرهنّ».

و أمّا رواية الباقر (عليه السلام) أو الحارث الأعور، عن عليّ فليس فيها تصريح بعدم الفصل بين الركعتين و الركعة بسلام و إن كان مشعرا به. «منه دام علاه».

(2) الموطّأ: ج 1 ص 111.

(3) التشبيه بصلاة المغرب لم يقع من مالك، و لو فرض كون نقله عن ابن دينار علامة ارتضائه له، و لكنّ التشبيه لا يقتضي أزيد من اشتراك الوتر و المغرب في كونهما غير زوج. و أمّا اشتراكهما في العدد فهو غير مقتض له، و مالك يجوّز الزيادة على الثلاث في الوتر، و يقول: (أدنى الوتر ثلاث) مع عدم جواز الزيادة في المغرب.

ثمّ إنّ المراد من قوله: (أدنى الوتر ثلاث) هل هو كون الوتر لا يتحقّق بما دون الثلاث؟ من غير نظر إلى كون الوتر هو المجموع، أو الواحدة المشروطة بتقديم صلاة عليها.

و يكون المراد من كلامه الآتي، الذي نقله تلميذه عنه أنّ الزائد على الواحدة شرط، أو أنّ الوتر المرغوب إليها مجموع مركّب لا ينقص عن ثلاث ركعات مشتملة على ركعة و ركعتين.

فالصلاة الواحدة مع كونه وترا جزء لمجموع يكون هو المطلوب للشارع. فالأمر مشتبه كما يقوله ابن رشد. «منه دام علاه».

14

بصلاة المغرب [1]. و ردّه على عمل سعد، و اتّباع مالك لعبد اللّه بن عمر في فتاواه أمر معروف. و قال أبو جعفر المنصور ذلك له و اعترف هو بذلك. و كان ابن عمر متشدّدا في كون الوتر ثلاثا على ما يظهر من النقل المذكور ذيلا [2]، و مع ذلك كلّه اشتهر عن مالك [3]

____________

[1] الصواب تشبيه صلاة المغرب به «منه دام علاه».

[2] روي في حاشية المحلّي

(1)

، عن الطحاويّ في معاني الآثار

(2)

، عن سليمان بن شعيب، عن بشر بن بكر، عن الأوزاعيّ قال: حدّثني المطلب بن عبد اللّه المخزومي أنّه سأل ابن عمر عن الوتر؟ فأمره أن يفصل بين الركعتين و الركعة بتسليم. فقال له الرجل:

إنّي أخاف أن تكون البتيراء! فقال له ابن عمر: أ تريد سنّة رسول اللّه (ص)؟ فهذه سنّة رسول اللّه (ص)- انتهى.

و لكنّا ذكرنا عن ابن عمر رواياته الظاهرة في أنّ الوتر ركعة واحدة، و الذي وجدناه في كتاب معاني الآثار

(3)

: حدّثنا سليمان بن شعيب، قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني المطلّب بن عبد اللّه المخزوميّ أنّ رجلا سأل ابن عمر (رض) عن الوتر؟ فأمره أن يفصل، فقال الرجل إنّي لأخاف أن يقول النّاس: هي البتيراء، فقال ابن عمر (رض): تريد سنّة اللّه و سنّة رسوله (ص)؟

هذه سنّة اللّه و سنّة رسوله (ص)- المؤلّف.

المفردة المنضمة إلى صلاة أخرى في قبال من لا يعتبر الانضمام، و من يقول بأنّ الوتر ثلاث ركعات غير مفصولة بتسليم فابن عمر ينكر على من يقول: بأنّ الفصل بالتسليم يجعل الصلاة من البتيراء، و مالك ينكر على سعد عدم اعتبار تقدّم صلاة نافلة على المفردة.

و بالجملة: يظهر من مجموع كلمات ابن عمر: أنّ الضميمة شرط للوتر، و كلام مالك في ذلك مشتبه كما عرفت. «منه دام علاه».

[3] المستفاد من مجموع ما نقل عن مالك، و ابن عمر أنّهما يقولان: إنّ الوتر هي الصلاة

____________

(1) المحلّى: ج 3 ص 4.

(2) معاني الآثار: ج 1 ص 165.

(3) معاني الآثار: ج 1 ص 279- ط 2 بيروت.

15

القول: بأنّ الوتر ركعة واحدة.

فقال تلميذه سحنون: (و قال مالك: الوتر واحدة.، و قال أيضا: و قال مالك: لا ينبغي لأحد أن يوتر بواحدة ليس قبلها شي‌ء، لا في سفر، و لا في حضر، و لكن يصلّي ركعتين، ثمّ يسلّم، ثمّ يوتر بواحدة) (1).

و قال في الفقه على المذاهب الأربعة- في قول المالكيّة-: (إنّ الوتر ركعة واحدة و إنّه يكره الوتر بلا تقديم شفع، كما يكره وصل الوتر بالشفع) (2).

و يظهر من ابن رشد ترديده في رأي مالك: هل الوتر ركعة واحدة- و لكن من شرطها أن يتقدّمها شفع- أو أنّ الوتر المأمور به هو يشتمل على شفع و وتر، فإنّه إذا زيد على الشفع وتر، صار الكلّ وترا؟ (3).

قول الشافعيّ، و ابن حنبل:

قال الشافعيّ- كما في بداية المجتهد-: (الوتر ركعة واحدة). و في‌

____________

المفردة المنضمة إلى صلاة أخرى في قبال من لا يعتبر الانضمام، و من يقول بأنّ الوتر ثلاث ركعات غير مفصولة بتسليم فابن عمر ينكر على من يقول: بأنّ الفصل بالتسليم يجعل الصلاة من البتيراء، و مالك ينكر على سعد عدم اعتبار تقدّم صلاة نافلة على المفردة.

و بالجملة: يظهر من مجموع كلمات ابن عمر: أنّ الضميمة شرط للوتر، و كلام مالك في ذلك مشتبه كما عرفت. «منه دام علاه».

____________

(1) المدوّنة الكبرى: ج 1 ص 126.

(2) الفقه على المذاهب الأربعة: ج 1 ص 399.

(3) بداية المجتهد: ج 1 ص 195.

16

الفقه على المذاهب، عن الشافعيّة: (إنّ الوتر سنّة مؤكّدة و إنّه آكد السنن، و أقلّه ركعة و أكثره إحدى عشرة).

و لا يخفى ما في النقلين من تخالف، فعلى ما في البداية: الوتر ركعة واحدة، و على ما في الفقه على المذاهب: أقلّه ركعة، و أنّه إذا أتى بأكثر فالمجموع وتر.

و فتوى الحنابلة في المسألة تشبه فتوى الشافعيّة من أنّ أقلّ الوتر ركعة، و أكثره إحدى عشرة، و له أن يوتر بثلاث و هو أقلّ الكمال، و بخمس و بسبع و بتسع و بإحدى عشرة، و الأفضل أن يسلّم في كلّ ركعتين و يوتر بواحدة، و له أن يصلّيهما بسلام واحد [1].

____________

[1] الفقه على المذاهب الأربعة: ج 1 ص 331.

ثمّ إنّ في روايات العامّة ما يدلّ على ما يوافق الأئمة من آل البيت (عليهم السلام)، موضوعا

(1)

و حكما، فنذكرها، ثمّ نشير إلى محلّ الاستدلال، و هي ما رواه أبو يعلى الموصليّ في مسنده:

حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا يعقوب، عن عيسى بن جارية، حدّثنا جابر بن عبد اللّه قال: جاء ابيّ بن كعب إلى رسول اللّه (ص) فقال: يا رسول اللّه، إن كان منّي الليلة شي‌ء- يعني- في رمضان، قال: و ما ذاك يا ابيّ؟ قال: نسوة في داري قلن: إنّا لا نقرأ القرآن فنصلّي بصلاتك، قال: فصلّيت بهنّ ثمان ركعات، ثمّ أوترت، قال: فكان شبه الرضا، و لم يقل شيئا

(2)

.

حدّثنا أبو الربيع، حدّثنا يعقوب، أخبرنا عيسى، عن جابر بن عبد اللّه قال:

صلّى بنا رسول اللّه (ص) في شهر رمضان ثمان ركعات و أوتر، فلمّا كانت القابلة اجتمعنا في المسجد، و رجونا أن يخرج إلينا، فلم نزل فيه حتى أصبحنا، ثمّ دخلنا،

____________

(1) لكن لا يستفاد منها كون الوتر مفصولة، كما هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام). «منه دام علاه».

(2) مسند أبو يعلى الموصليّ: ح 1801 ج 3 ص 236.

17

وقت الوتر عند المذاهب

أمّا وقت الوتر عند العامّة فاتفقوا جميعا على أنّ وقته بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، و قد صرّح بإجماعهم هذا ابن رشد في بداية‌

____________

فقلنا: يا رسول اللّه، اجتمعنا في المسجد، و رجونا أن تصلّي بنا، فقال: إنّي خشيت، أو كرهت أن تكتب عليكم

(1)

انتهى.

أقول: و يظهر منهما تقابل صلاة الليل و الوتر خلافا لأكثر العامّة

(2)

، و أنّ صلاة الليل ثمان ركعات، و أظهر منهما ما رواه: حدّثنا عبد الأعلى عن عبد الرحمن بن ابي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّ صلاة رسول اللّه (ص) من الليل ثمان ركعات سوى الوتر

(3)

.

و في مسند عمر بن عبد العزيز: حدّثنا محمد- أي المؤلّف- حدّثنا محمد بن المصفّى القرشي، حدّثنا بقية بن الوليد، حدّثنا أسامة بن زيد، عن زبّان بن عبد العزيز، عن عائشة- رضي اللّه عنها- عن النبيّ (ص) انه كان يوتر بثلاث، يسلّم في الركعتين سلاما يسمعنا، ثمّ يقوم فيصلّي ركعة

(4)

.

[و فيه]: و حدّثنا الفضل بن يعقوب الرخاميّ، حدّثنا محمد بن يوسف الغريابي، حدّثنا الأوزاعيّ، عن أسامة بن زيد، عن زبّان بن عبد العزيز، عن عمر بن عبد العزيز، عن عائشة، قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي يفرّق بين الشفع و الوتر، و أنا في البيت أسمع تسليمه

(5)

.

____________

(1) مسند الموصليّ: ح 1802 ج 3.

(2) لا ريب في كون الركعات الثلاث المأتيّ بها بعد الثمان هو وتر لغة. أمّا كون الوتر المرغوب إليها شرعا هي الثلاث أو إحدى عشر فلا يظهر منهما. نعم، رواية عائشة لا تخلو من ظهور في خروج الثمان عن الوتر المطلوب شرعا. «منه دام علاه».

(3) مسند الموصليّ: ح 4650 ج 8.

(4) مسند عمر بن عبد العزيز للباغندي: ص 61 ح 14.

(5) مسند عمر بن عبد العزيز للباغندي: ص 62 ح 16.

18

المجتهد (1)، و ابن حجر في فتح الباري (2)، و نقل الأخير عن ابن المنذر الإجماع على ذلك أيضا، في حين أنّهم قد رووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتبهم روايات عديدة في أنّ الوتر عند الأذان، و أنّه (عليه السلام) حين ثوّب المثوّب قال: «إنّ نبيّكم (ص) أمر بالوتر، و وقّت له هذه الساعة» (3).

و ذكروا عنه (عليه السلام) روايات أخرى في هذا المعنى و لعلّها محمولة عندهم على الأفضل كما هو كذلك في رواياتنا في آخر وقت الوتر (4).

الوتر لغة، و شرعا:

يظهر أنّ الأصل في تشريع الوتر قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على ما روي عند الشيعة و أهل السنّة: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا بوتر» (5) و على هذا سمّيت الركعات الثلاث أو الركعة بالوتر، و الوتر بفتح الواو و كسرها، و التاء الساكنة لغتان معروفتان، و له بحسب أصل اللغة معنيان:

أحدهما: الفرد (الواحد).

ثانيهما: ما لم يتشفّع من العدد، و صار في عرف الشرع و المتشرّعة اسما للنافلة من الليل إجمالا على ما سنبيّنه إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) بداية المجتهد: ج 1 ص 195.

(2) فتح الباري: ج 2 ص 486.

(3) سنن أبي داود الطيالسيّ: ص 25، مسند أحمد بن حنبل: ص 109.

(4) قد أهمل في الرسالة مذهب الإمامية في وقت الوتر «منه دام علاه».

(5) كون تشريع الوتر بهذا الخبر أو مقارنا له غير ظاهر «منه دام علاه».

19

و بالجملة: نقل الوتر و استعماله الكثير في المعنى الشرعيّ ممّا لا يمكن أن ينكر، و كذا في ما اشتقّ منه مثل: أوتر و يوتر.

قال في لسان العرب: قوله (ص) «أوتروا يا أهل القرآن» (1) أمر بصلاة الوتر، و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير «و من السحر ثمان ركعات ثمّ يوتر و الوتر ثلاث ركعات. إلى آخره» و مثلها كثير، و مع كثرة استعمال الوتر في المعنى الشرعي لم يهجر معنياه الأوّلان.

قال ابن منظور في لسان العرب عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا استجمرت فأوتر أي اجعل الحجارة التي تستنجي بها فردا، معناه استنج بثلاثة أحجار أو خمسة أو سبعة، و لا تستنج بالشفع» (2).

انتهى. و روي في جامع الأحاديث عن التهذيب و الاستبصار و غيرهما عنهم (عليهم السلام)، حيث رووا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا» (3) و قوله: «من تجمر فليوتر، و من اكتحل فليوتر، و من استنجى فليوتر، و من استخار اللّه تعالى فليوتر» (4). و في هذه الموارد كما ترى استعمل الوتر فيما لم يتشفّع من العدد، و فيما سيمرّ عليك من الأخبار و كلمات القدماء، ربّما ترى أنّه استعمل في الفرد و الواحد: إمّا هو أو ما اشتقّ منه مثل قوله (عليه السلام) في رواية عمار الساباطيّ، قال: سألته عن الرجل يصلّي ركعتين من الوتر و نسي الثالثة حتى يصبح؟ قال: «يوتر إذا أصبح‌

____________

(1) لسان العرب: ج 5 ص 274.

(2) لسان العرب: ج 5 ص 273.

(3) جامع أحاديث الشيعة: أبواب أحكام التخلّي ب 10 ح 12 ج 2 ص 207.

(4) نفس المصدر: عن الجعفريات: ح 14، ج 2 ص 207.

20

بركعة من ساعته». و قوله (عليه السلام) في رواية الصدوق عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). أوتر بثلاث ركعات. و لا يخرج من مصلّاه حتى يصلّي الثلاثة التي يوتر فيها». و رواية عمر بن يزيد في من انصرف في الركعة الثانية من الوتر، هل يجوز له أن يتكلّم و يخرج من المسجد، ثمّ يعود فيوتر؟ «قال:

نعم،. الحديث».

ففي هذه الموارد استعمل (يوتر) بمعنى يأتي بالركعة الواحدة (1)، فردا و منفصلة بالسلام عن سابقتها، و ليس (يوتر) في هذه الموارد الثلاث بمعنى يأتي بصلاة الوتر، لأنّ المفروض فيها أنّ الوتر هو ثلاث ركعات.

____________

(1) لا ريب في ظهور (بركعة) في الخبر الأوّل في كونه قيدا ليوتّره لا تفسير له، فإمّا أن يكون الإتيان به للاحتراز عن الإيتار بثلاث ركعات فيكون المراد من (يوتر) المعنى اللغويّ العامّ، و هو الإتيان بما لم يتشفّع، و بعد تقييده بركعة يصير خاصّا بالواحدة من باب تعدّد الدالّ و المدلول، و إمّا أن يكون القيد للاحتراز عن سائر الأفعال المنفردة. فإن الوتر بمعنى الواحد لا يختصّ بالركعة فتقييده بها يصير خاصّا، و معناه يأتي بواحد من الركعة. و الاحتمال الأوّل هو الأظهر، كما لا يخفى. و أمّا في الرواية الثانية فمن المحتمل بل الظاهر إن أوتر بثلاث ركعات في صدرها، و يوتر فيها (في الثالثة) أريد منهما المعنى اللغوي العامّ، فإنّ من أتى بالركعة الثالثة أتى بعمل غير زوج في الركعة الثلاثة، و أتى بغير الزوج بإتيان المجموع أيضا، و بعد تقييد أوتر بثلاث ركعات، و يوتر بالثالثة يتخصّص الموضوع. نعم، لا يبعد كون (فيوتر) في الخبر الثالث بمعنى فيأتي (بها) فرادى، و متعلّقه الصلاة المعلومة من المقام بعد العلم بأنّ المراد تكميل الصلاة، لا الإتيان بها بعدد غير زوج و لو باستئنافها، و يحتمل- أيضا- كون يوتر فيه بالمعنى الخاصّ الشرعيّ، و المراد أن يشتغل بالوتر و يكملها «منه دام علاه».

21

نعم، سترى- إن شاء اللّه- أنّه قد استعمل كثيرا (أوتر و يوتر) بمعنى أتى بالوتر، و هذا مثل الرواية آنفا أنّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أوتر بثلاث ركعات.

و الذي يلفت النظر إليه أنّه عند نقل كلمة الوتر من معناها اللغويّ إلى المعنى الشرعيّ الجديد، و مقارنا لذلك قد كان الاختلاف موجودا في عدد المنقول إليه الشرعي من الركعة الواحدة، أو الثلاث إلى إحدى عشرة، بل إلى سبع عشرة على ما حكاه ابن حزم و العينيّ، و غيرهما، و قد عرفت من العلّامة- (قدّس سرّه)- القول: (بأنّ الوتر ركعة واحدة) تعيينا عن عدّة من الصحابة، و التابعين، و أئمة المذاهب، كما نقل العينيّ القول: (بأنّ الوتر ثلاث) عن عدة اخرى من الصحابة (1)، و نقل القاسم بن محمد بن أبي بكر عمل من أدركه في عصره بالوجهين، و في بعض رواياتهم التخيير بين أن يوتر بواحدة أو بثلاث أو خمس أو أكثر، و مع هذا الاختلاف، و القول بالتخيير يبعد الالتزام بأنّ الكلمة نقلت إلى واحد من الأعداد معيّنا في مجتمع المسلمين و محاوراتهم.

و قال صاحب الجواهر- (قدّس سرّه)-:

(إنّما الكلام في تعيين المعنى الحقيقي للوتر شرعا، بحيث إذا أطلق يحمل عليه. و قد اختلف فيه أصحابنا، و غيرهم بعد الاتفاق من الجميع على نقله من معناه الأصلي، و وضعه للصلاة، و عدم خروجه من صلاة الليل على أقوال:

أحدها: و هو ظاهر الأكثر من علمائنا أنّه حقيقة في الركعة‌

____________

(1) و التابعين و غيرهم «منه دام علاه».

22

الواحدة، التي هي آخر صلاة الليل، بل عن جملة من كتبهم تحديد الوتر بها و تحديدها به، بل قد سمعت- فيما تقدّم- صريح الإجماع، و ظاهره من الصدوق و الشيخ و الفاضل و غيرهم، ممّا هو صريح أو كالصريح في أنّه حقيقة عندهم في الركعة الواحدة، و قد يشهد له- مضافا إلى ذلك، و إلى ما عرفته من الاستعمال في كثير من الأخبار- قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «الوتر ركعة من آخر الليل». بل و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ الوتر صلاة واحدة» لكن بناء على ما عندنا من أنّ الثلاث صلاتان. إلى آخره).

و قال أيضا: (و يؤيّد ما ذكرنا- مضافا إلى ما سمعت- أنّه لا إشكال في أنّ الوتر في عرف المتشرّعة اسم للركعة الواحدة، كما ظهر لك ما تقدّم.

و يشهد به استعمالهم الشائع المعروف، زيادة على نصّ الفقهاء منهم، فيكون في عرف الشارع كذلك، و إلّا لزم النقل المخالف للأصل و الظاهر أيضا لاقتضائه هجر الحقيقة الشرعيّة في عرف المتشرّعة، و هو مستبعد جدّا. (إلى أن قال): فالأقوى- حينئذ- القول الأوّل: (أي أنّ الوتر اسم للركعة الواحدة) و دونه في القوّة، و إن كان هو أقوى من الثاني إلّا أنّه لم نجد قائلًا به بخلاف الثاني: احتمال اشتراك لفظ الوتر بين الكلّ و الجزء، للاستعمال فيهما على وجه يمكن دعوى استفادة كونه حقيقة في كلّ منهما). انتهى كلامه، رفع مقامه.

نقد كلام صاحب الجواهر

و لا يخفى مواضع المناقشة في كلامه- (قدّس سرّه)- أمّا: أوّلا‌

23

فالإجماع على المعنى اللغوي الشرعيّ على أنّ الوتر اسم للواحدة (1).

فلم يذكره أحد ممّن ذكره، و من ادّعى الإجماع، أو كان ظاهر كلامه ذلك فهو على الحكم دون مفهوم الوتر و معناه.

نعم، ربّما يوجب الإجماع على الحكم، و اشتهار الحكم تبادر المعنى المجمع عليه في أذهان السامعين عند سماعهم كتبادر ركعتين من لفظ صلاة الصبح، و ثلاث ركعات من صلاة المغرب. و لكنّ الكلام في تحقّق هذا الإجماع على الحكم، كيف و قد خالفه جماعة من معروفي القدماء منهم: ابنا أبي عقيل و الجنيد، و كذلك عليّ بن بابويه على أظهر الاحتمالات، و القاضي النعمان و علاء الدين الحلبيّ على احتمال، و الشيخ في بعض كتبه، و لم يعلم مخالفة المفيد و المرتضى، لإمكان الاستظهار من كلامهم عدم المخالفة، و جماعة أهملوا ذكر الشفع و الوتر.

نعم، المصرّح الذي لم يختلف كلامه الصدوق و سلّار، و بعض آخرون، و قد بولغ في استظهار الإجماع من كلام الصدوق في أماليه، فإنّ له- (قدّس سرّه)- مجلس يملي فيه دين الإماميّة، و في أوائل قطع منه مثل القطعة الاولى: (أنّ دين الإماميّة: الإقرار بتوحيد اللّه تعالى، و نفي التشبيه عنه.). فيعطف عليه سائر العقائد و الشرائع العمليّة، ثمّ يذكر الصلاة، فيملي ما ثبت عنده من الأحكام، و منها: (أنّ الوتر‌

____________

(1) مراد صاحب الجواهر ليس دعوى الإجماع على دخول الوحدة في مفهوم الوتر، بل المراد: اتحاده مع الوحدة، خارجا في قبال من يقول: إنّ الوتر مجموع الصلاتين المتّحد مع ثلاث ركعات خارجا. «منه دام علاه».

24

واحدة) فينقل عنه بهذه الصورة: (أنّ من دين الإماميّة الإقرار بأنّ الوتر ركعة واحدة) و لهذه العبارة الناقلة قوّة و شدّة ليست في أصل الكلام، و يدخل في إملائه هذا فتاواه الخاصّة به و إن خالفه في غير هذا المجلس مثل قوله: (في التيمّم بمسح اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع) (و أنّه لا بأس بالوضوء بماء الورد، و أفضل الأوقات في الفطرة إخراجها في آخر يوم من رمضان، و لا يجوز للمفطر في السفر في شهر رمضان أن يجامع) و ظاهر كلامه الوجوب في عدّة من الموارد، مع أنّ المشهور بخلافه في الإماميّة.

و ثانيا: لو كان الاستعمال الكثير دليلا على كون الوتر اسما للواحدة فلما ذا لا يكون الاستعمال الأكثر بكثير (1) بأضعاف مضاعفة دليلا على كونه اسما للثلاث؟ إذ لو كان استعمال الوتر بما يبلغ إلى‌

____________

(1) لا يخفى أنّ مراد صاحب الجواهر- (قدّس سرّه)- الاستدلال لمختاره بأصالة عدم النقل و لها ركنان: إحراز ثبوت الشي‌ء في الزمان المتأخّر. و الشكّ في ثبوته في الزمان المتقدّم، عكس الاستصحاب بالمعنى المعروف، و حيث أنّ المعنى الشائع أخيرا في لسان المتشرّعة، الذين يستعملون لفظ الوتر فيه من غير قرينة و عناية هو الركعة الواحدة، فإذا شكّ في كون المعنى هو معنى اللفظ في زمن الشارع يحكم بكونه معناه في ذلك الزمان عملا بالأصل المزبور، الذي هو من الأصول المعتمدة العقلائيّة، و لا تبتنى صحّته على القول بالاستصحاب القهقرائي الممنوع اعتباره، و بعد عدم استقامة ما حكاه في الجواهر عن بعض المحدّثين من أنّه لم يرد باستعمال الوتر في الركعة الواحدة في الأخبار غير خبر رجاء الضعيف، و لازمه ثبوت مخالفة زمان الشارع لزماننا في المعنى الحقيقي للفظ الوتر يثبت الركنان للأصل المزبور، فشيوع استعمال المتشرّعة من غير قرينة دليل على أحد الركنين، و كثرة الاستعمال في الأخبار في الركعة الواحدة دليل على الركن الآخر فإنّه يورث الشكّ في النقل، و إن كان استعماله في الركعات الثلاث أكثر. «منه دام علاه».

25

أوّل العقود- أي العشرة- على ما نقله عن صاحب مفتاح الكرامة في كلامه الآتي فقد كان استعماله في الثلاث بما يزيد على سبعين موردا، و اعترف صاحب مفتاح الكرامة بأربعين موردا منها، و قال صاحب الجواهر بأزيد من خمسين أيضا، و قال: (قد تجاوزت حدّ التواتر). و سيجي‌ء ذكر الأخبار تفصيلا إن شاء اللّه تعالى.

و لا يخفى أنّ عدّ الأربعين و الخمسين و السبعين من الاستعمال مبنيّ على ما ذكره صاحب الجواهر من جعل كلّ الروايات، و منها روايات النوع الأوّل داخلا في الحساب، و إلّا فيكون العدد أقلّ، لأنّ روايات النوع الأوّل- و هو ما فيه تحديد الوتر بثلاث ركعات- لم يستعمل فيها الوتر في الثلاث (1).

و ثالثا: الروايتان من روايات العامّة، و لا توجد رواية في روايات أصحابنا ما يحدّد الوتر بأنّها ركعة واحدة (2) إلّا ما روي في فقه الرضا (عليه السلام) بصورة «و روي» و هو مشعر أو دالّ على تضعيف الرواية، و المؤلّف لفقه الرضا (عليه السلام) اختار خلافها، مع أنّهما معارضتان بروايات كثيرة عندهم تدلّ على أنّ الوتر ثلاث ركعات، أضف إلى ذلك أنّ ما فيه التجديد ليس استعمالا (3) كما أشرنا إليه.

و رابعا: أنّ الحقيقة الشرعيّة، التي ذكرها للوتر في الركعة الواحدة ليس هذا ممّا يعرفه كلّ الناس و المتشرّعون، بل بعضهم، و إذا كان‌

____________

(1) صاحب الجواهر يدّعي إطلاق الوتر على الثلاث ركعات، و مراده ليس اتحاد مفهوم الوتر و الثلاث ركعات، بل اتّحادهما خارجا، و هو كذلك. «منه دام علاه».

(2) كأنّه استدلّ بهما في الجواهر من جهة انجبار ضعفهما بالعمل. «منه دام علاه».

(3) الاستدلال لا يتوقّف على استعمال الوتر في الواحدة، بل يكفي كون الوتر واحدة، كما هو مضمون الخبرين «منه دام علاه».

26

شي‌ء من ذلك في أذهانهم فإنّما هو لفتاوى مراجعهم، و ما قرأوه في الرسائل العمليّة التي بأيديهم (1)، و لا يكون ذلك ممّا تلقّاه الخلف عن السّلف مثل أصل مفاهيم الصلاة و الصوم و الحجّ و أشباهها، كما لا يخفى.

الوتر حقيقة شرعية في ثلاث ركعات

و الذي نراه في الروايات الصادرة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، و أسئلة السائلين في عصره، و من بعده من الأئمة (عليهم السلام) هو تبادر الثلاث ركعات الأخيرة من نافلة الليل من كلمة الوتر.

و منشأ ذلك: أنّه مع وجود الاختلاف في الأمّة في موضوع الوتر، فقد اشتهر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) برواياته التي يرويها عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من أنّ الوتر ثلاث، أنّ عمله (عليه السلام) كان على ذلك، و لم ينقلوا عنه (عليه السلام) خلافه، كما نقلوا عن غيره من الصحابة، و التابعين، و أئمة المذاهب، مؤيّدا ذلك بما رواه عنه ولده الطاهرون (عليهم السلام)، تارة بروايات النوع الأوّل الذي فيه التحديد بأنّ الوتر ثلاث، و اخرى بروايات النوع الثاني و الثالث، الدالّة على شيوع إطلاق الوتر على الثلاث.

و من كلّ ذلك يعلم: أنّ كون الوتر ثلاثا كان أمرا مسلّما مفروغا عندهم، إذ قد كان أصحابهم يسألونهم عمّا هو مترتّب على‌

____________

(1) كلمة الوتر عند الفقهاء أيضا في زماننا حقيقة في الركعة الواحدة، و من المحتمل، بل الظاهر أنّه ممّا تلقّاه الخلف عن السّلف، فالمورد من موارد جريان أصالة عدم النقل. «منه دام علاه».

27

ذلك، فتراهم يسألونهم عن أنّ القراءة بالتوحيد في الوتر هل هي في ثلاثتهن أم لا؟ أو أنّه إذا نسي الثالثة من الوتر ماذا يفعل على ما تراه بكثرة في النوعين؟

فكانت القصة من أظهر مصاديق قول أبان بن تغلب- (رحمه اللّه)- لأبي البلاد في دأب الشيعة، و طريقتهم عند الاختلاف: يا أبا البلاد، أ تدري من الشيعة؟ الشيعة الذين إذا اختلف الناس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخذوا بقول عليّ (عليه السلام)، و إذا اختلف الناس عن عليّ أخذوا بقول جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1).

فثبوت ذاك الحكم في الشيعة- أي أنّ الوتر ثلاث ركعات- من لدن عصر عليّ (عليه السلام) بدلالة روايات عديدة من أهل السنّة عنه (عليه السلام) هو الذي جعل المجال لأن يكون الوتر عند الشيعة بمعنى ثلاث ركعات، فصار أمرا مفروغا و مسلّما في أسئلتهم عن الأئمة المتأخرين، فلم يخطّئوهم في ما ارتكز (2) في أذهانهم، و لذلك كلّه، قال السيّد صاحب المدارك: (إنّ الوتر اسم للركعات الثلاث، لا الركعة الواحدة بعد الشفع). انتهى. و بنفس العبارة أيضا، قال المحقّق السبزواريّ، و قال شيخنا البهائي:- بتفاوت يسير- في قوله: (إنّ الشائع في أخبار أهل بيت العصمة (عليهم السلام) إطلاق (3) الوتر على مجموع الثلاث). و قال شيخنا الطريحي في مجمع البحرين: (و الوتر في‌

____________

(1) رجال النجاشيّ: ص 12.

(2) الذي نقله العامّة من عمل عليّ (عليه السلام)، و هو إتيان الوتر بثلاث ركعات موصولة و قد خطّأهم الأئمة (عليهم السلام) في ذلك. «منه دام علاه».

(3) كلام شيخنا البهائيّ غير مخالف لكلام صاحب الجواهر، فأنّ شيوع إطلاق الوتر على مجموع الثلاث ممّا اعترف به في الجواهر أيضا، و إنّما المخالف هو دعوى كون الوتر حقيقة في المجموع التي ذكرها صاحب الجواهر، و أهملها شيخنا البهائي. «منه دام علاه».

28

الأخبار اسم للثلاث، موصولة كانت أو مفصولة، دون الواحدة) انتهى.

مع أنّا لو قلنا: بأنّ الوتر حقيقة شرعيّة في الركعة الواحدة- على حسب ما جعله الأقوى في الجواهر- فيكون استعماله في الثلاث مجازا.

و الالتزام بالمجاز، و ملاحظة العلاقة المجازيّة في الاستعمالات المتكرّرة في النوعين الثاني و الثالث مشكل جدّا فكيف يحمل «الوتر» في قوله (عليه السلام): «يصلّي الركعتين من الوتر». و قوله: «ركعتي الوتر» على الركعة الثالثة (1)! و أيّ علاقة أدبيّة، أو ذوقيّة لوحظت في هذه‌

____________

(1) الصواب على الركعات الثلاث، ثمّ إنّه لو قلنا أنّ الركعتين شرط لصحّة الركعة الثالثة، أو لكمالها فإضافة الركعتين إلى الوتر يكون من قبيل إضافة الشرط الى المشروط كوضوء الصلاة و الاستعمال في أمثاله استعمال حقيقي، حتى في مثل وضوء الطواف المندوب، الذي هو شرط لكماله، و في مثل الركعتين من الوتر يمكن أن تكون لفظة «من» نشويّة فالركعتان من جهة كونهما توجد تبعا للركعة الثالثة يصحّ التعبير المذكور، و ظهور لفظة «من» في التبعيض و إن كان ممّا لا ينكر، لكن ليست صريحة فيه حتى لا تقبل التصرف بإرادة معنى النشوء من لفظة «من» أو إطلاق الوتر على ما يتحقّق به، و هو المجموع المحقّق لعنوان الوتر أصلا أو كمالا.

فاذا ساعده الدليل نلتزم به. و أمّا إذا قلنا: بأنّ الركعتين لا دخل لهما في الركعة الثالثة، حتى في كمالها فحيث أنّ الشفع من المقارنات الغالبيّة للوتر يصحّ إضافتها إليه حقيقة لكفاية هذا المقدار من الارتباط في صحة الإضافة، و لا يعتبر جزئية المضاف للمضاف اليه، و لا شرطيّته.

نعم، على هذا المعنى «الوتر» في قوله (عليه السلام) الركعتين من الوتر استعملت في مجموع الركعات بلا ريب، و إطلاق اسم الشي‌ء على المجموع المشتمل عليه، و على ما يقارنه غالبا بنحو التغليب ليس من إطلاقات المجازيّة الشائعة، حتى في مثل المورد الذي لم تكن الضميمة بمنزلة الشي‌ء في الأهميّة، فيشكل التجوّز في مثله.

29

العبارات و الإطلاقات! بقي الكلام في جملة أشار إليها صاحب الجواهر- (رحمه اللّه)- حيث قال: (و قد اجتمع الأمران في بعض الأخبار) (1) يعني بذلك: أنّه اجتمع استعمال الوتر، أو ما يشتقّ منه في الركعة الواحدة و الثلاث في بعض الأخبار و لعلّ نظره- (قدّس سرّه)- إلى ستّة أو سبعة موارد من هذا القبيل، وقفنا عليها في ضمن الأخبار الآتية، و في فقه الرضا (عليه السلام)، و دعائم الإسلام، و ذكرنا بعضها في أوّل البحث. و حيث أنّه لم يهجر المعنى اللغوي تماما فالأولى أن يقال: اجتمع استعمال الوتر في الثلاث، مع استعماله في المعنى اللغويّ الأوّل.

____________

(1) جواهر الكلام: ج 7 ص 61.

30

نافلة الليل و الوتر وظيفتان

لا خلاف عند أصحابنا الإماميّة في أنّ نافلة الليل أو صلاة (1) الليل ثمان ركعات مثنى مثنى، و أنّها بعض موظّفة الليل، و أنّ أوّل وقتها نصف الليل، خلافا لابن البرّاج حيث قال: (إنّ أوّل وقتها ثلث الليل). خلافا للعامّة أو أكثرهم، فجعلوا الوتر من صلاة الليل، و وقّتوا وقتها بعد العشاء، كما لا خلاف عند الإماميّة (2) أنّ الوتر سواء كانت ركعة أو ثلاث ركعات هو وظيفة أخرى غير نافلة الليل.

و لا نحتاج إلى تجشّم الاستدلال على تقابل نافلة الليل و الوتر، بعد ما كان الأصل فيه هو قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، المشتهر‌

____________

(1) في الجواهر إطلاق صلاة الليل على الثمانية معقد ما حكي من إجماع الخلاف، و كشف اللثام و شرح المفاتيح و ظاهر الغنية و غيره، فضلا عن الشهرة في التذكرة و نفي علم الخلاف في الذكرى. «منه دام علاه».

(2) استظهر استقلال الوتر في الطلب في الجواهر مستشهدا له ببعض النصوص و الأصل، و يظهر منه أنّه- (قدّس سرّه)- لم يحصل على فتوى الأصحاب حتى بنحو الشهرة. «منه دام علاه».

31

و المسند في كتب الشيعة (1) و السنّة: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا بوتر» و ظاهر أنّه أمر و ترغيب بالوتر بما هو وتر، و هو على حسب الروايات عن أئمتنا (عليهم السلام) غير خارج عن الركعات الثلاث و الواحدة (2).

و ممّا يدلّ- أيضا- على تعدّد الأمر في نافلة الليل و الوتر، و على أنّ كلّا منهما وظيفة مستقلّة عطف الوتر على صلاة الليل في قريب من أربعة و عشرين موردا من روايات نوعي الثاني و الثالث، و ذلك يدلّ على تغاير الموضوع فيهما، و على تعدّد الأمر (3) بهما، و يدلّ أيضا على استقلال كلّ من صلاة الليل و الوتر روايات، ففي (4) رواية حريز عن عيسى بن عبد اللّه القمّي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «كان أبي ربّما قضى عشرين وترا في ليلة» (5) فأمّا إن كان قد فاته (عليه السلام) في كلّ عشرين ليلة ثمان ركعات الليل مع ثلاث الوتر فيقضي (عليه السلام) الوتر خاصّة دون صلاة الليل، و ذلك للاهتمام‌

____________

(1) رواه في التهذيب: ج 2 ص 341 ح 1412، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ح 1 ج 3 ص 70، بهذا السند محمد بن ابي عمير، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال قال أبو جعفر (عليه السلام): «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يبيّتن الّا بوتر»- المؤلف.

(2) عطف بعض أجزاء المركّب الارتباطي على بعضه شائع ذائع، و مختار المؤلّف- طال بقاؤه- أن عطف الوتر على الشفع في الآية الكريمة، و بعض كلمات الأصحاب من هذا القبيل، فالأولى تتميم الاستدلال بإطلاق الروايات المرغّبة إلى صلاة الليل.

(3) هذا دليل على استقلال الوتر في الطلب، و لا يدلّ على استقلال صلاة الليل «منه دام علاه».

(4) في التفريع ما لا يخفى «منه دام علاه».

(5) وسائل الشيعة: ب 42 من أبواب بقية الصلوات المندوبة ح 3 ج 5 ص 284.

32

الخاصّ به، و أمّا أنّه (عليه السلام) كان قد صلّى الثمان في كلّ ليلة قبل ساعة فضيلة الوتر الأخيرة مثلا وفاته الوتر منها و إن كان هذا بعيدا في عشرين ليلة، و على أيّ يستفاد منها تعدّد الوظيفة (1).

و يدلّ عليه أيضا ما رواه الشيخ بقوله: (سعد عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

سألته عن الرجل ينام الغداة حتى تبزغ الشمس، أ يصلّي حين يستيقظ أو ينتظر حتى تنبسط الشمس؟ فقال: يصلّي حين يستيقظ، قلت:

يوتر أو يصلّي الركعتين؟ قال: لا، بل يبدأ بالفريضة) (2) فسؤاله عن البدأة بقضاء الوتر أو بنافلة الصبح مبنيّ على استقلال الوتر عن نافلة الليل و أمر الإمام (عليه السلام) بالبدأة بقضاء الفريضة و تثبيته (عليه السلام) السائل على مرتكزه الذهني يدل على ان نافلة الليل و الوتر و نافلة الصبح كلها أمور مستقل بعضها عن بعض و متعدّد (3).

____________

(1) فوات الوتر من أبي جعفر (عليه السلام) لم يكن عن عمد و اختيار، فلا يكون الخبر دليلا على استقلال صلاة الليل في الطلب، حتى للمختار على أنّه على فرض كون الفائت هو الوتر فقط لا يدلّ الأمر بقضائه على استقلاله في المطلوبيّة «منه دام علاه».

(2) التهذيب: ج 2 ص 265 ح 1056.

(3) الاستدلال بهذا الخبر و خبر عيسى بن عبد اللّه إن تمّ فإنّما هو بعد الفراغ من كون الوتر موضوعا غير خارج عن الواحدة أو الثلاث، فيستدلّ بهما على استقلالها في المطلوبيّة، و أمّا في مقام ردّ كون الوتر هو صلاة الليل المقطوعة على وتر في آخرها كما يقوله بعض العامّة فلا يصحّ الاستدلال بهما، فاللازم أن يقال: إنّه يدلّ على تعدّد الموضوع عطف الوتر على صلاة الليل في موارد كثيرة في الأخبار، و على استقلال الوتر الروايتان المشار إليهما، و إطلاق قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا بوتر» و على استقلال صلاة الليل إطلاق الروايات المرغّبة في الوتر إليها، ثمّ إنّ عدم اشتراط تقدّم صلاة الليل في قضاء الوتر لا يدلّ على عدم اشتراط تقدّمها في صحة الوتر أداء في سعة الوقت حتى يعارض ما بظاهره الاشتراط في هذا الفرض، و هو ظاهر غير واحد من فقهائنا، و أيضا بعد إنكار الإمام في رواية يعقوب بن شعيب البدأة بالوتر أو الركعتين، و تخطئته السائل في ذلك بقوله: «لا، بل يبدأ بالفريضة» أهمل (عليه السلام) و حكم قضاء الوتر أو الركعتين و لم يبيّن ماذا يصنع الشخص بعد قضاء الفريضة هل يقضي الوتر أو الركعتين؟ و بأيّ كيفية يقضي الوتر؟ و في مثله يشكل استفادة تقرير الارتكاز في استقلال الصلوات المزبورة. ثمّ إنّ الركعتين اللتين سأل الراوي عن البدأة بهما يحتمل كونه ركعتي الشفع و إن كان المظنون أنّه نافلة الصبح «منه دام علاه».

33

ما رواه أيضا في التهذيب عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «أما يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح فيوتر و يصلّي ركعتي الفجر، و يكتب له بصلاة الليل» (1) فيدلّ على أنّ الوتر بنفسه صلاة مستقلّة.

و مثله ما رواه الشيخ فقال: (و عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن العلا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال سألته عن الرجل يشكّ في الفجر؟ قال: يعيد، قلت: و المغرب؟ قال: نعم، و الوتر و الجمعة من غير أن أسأله) (2).

و روى الشيخ فقال: (عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الوتر في كتاب عليّ (عليه السلام) واجب،

____________

(1) التهذيب: ج 2 ص 337 ح 1391.

(2) التهذيب: ج 2 ص 180 ح 722.

34

و هو وتر الليل، و المغرب وتر النهار) (1).

و روى الشيخ فقال: (عن علي بن مهزيار، عن الحسن، عن محمد بن زياد، عن كردويه الهمداني، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قضاء الوتر؟ فقال: ما كان بعد الزوال فهو شفع ركعتين ركعتين) (2).

و هذه الروايات بعضها دالّ و في بعضها إشعار على استقلال الوتر بالمطلوبيّة، إلّا أن يستدلّ بارتباطيّة الوتر بصلاة الليل بروايات- 56 و 57 و 58- فراجع، و يلاحظ أيضا الحديث برقم 25.

محلّ الخلاف في الوتر

قد وقع الخلاف بين الأصحاب في أنّ الوتر ركعة واحدة أم ثلاث؟ و بناء على الأوّل، فالشفع وظيفة اخرى مستقلّة عن الوتر (3)، و على الثاني، فهو- أي الوتر- مشتمل على صلاتين، و الشفع جزء من الوتر، كما أنّ الركعة المفردة جزأه الآخر، و مع كونهما صلاتين تشكّلان وظيفة واحدة بأمر واحد و تسميان مجموعا باسم الوتر، و ترى شبيه ذلك في نافلة المغرب، و صلاة جعفر، و صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) التي قد تسمّى بصلاة فاطمة (عليها السلام)، بل من المحتمل جدّا أن تكون نافلة الليل، و النوافل المرتّبة، كلّها أو بعضها من هذا‌

____________

(1) التهذيب: ج 2 ص 343 ح 961، الوسائل: ب 25 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ح 4 ج 3 ص 67.

(2) الاستبصار: ج 1 ص 293 ح 1079.

(3) على الأوّل يمكن أن يكون الشفع شرطا للوتر. «منه دام علاه»

35

القبيل، و من أحسن ما يمثّل به في المقام من الشرعيّات لبيان أنّ الوتر في حين أنّه وظيفة واحدة لكنّه مشتمل على عملين مستقلين: هو حجّ التمتّع المشتمل على العمرة، و الحجّ بمعناه الخاصّ، مع الفصل و التحلّل عن الإحرام بينهما (1).

____________

(1) و قد كان ذلك منذ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حجّة الوداع: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة» ثمّ شبك بين أصابعه، و على هذا المعنى يصحّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في تلبية عمرة التمتّع، في قصّة له مع عثمان في طريق الحجّ، حين أمر عثمان الناس بأن يجعلوها حجّة و لا يتمتّعوا، فجاء إليه عليّ (عليه السلام)، و أنكر عليه أمره هذا إنكارا شديدا بما هو مذكور في روايات الشيعة و أهل السنّة، و خرج من عنده مغضبا (في بعض الروايات) و رافعا صوته (في عدّة روايات اخرى) و هو يقول: «لبيك بحجّة و عمرة معا لبيك» و معنى تلبيته (عليه السلام) بالحجّ، و هو سائر إلى العمرة المنقطعة عن الحجّ بتحلّل كامل، أنّ حجّ التمتّع، هذا التشريع الجديد الذي شرّعه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بوحي من اللّه تعالى مشتمل على العمرة، و هي من الحجّ و داخلة فيه، و أنّ الحاجّ المعتمر بشروعه في العمرة قد دخل في حجّ التمتّع. و لذا كان يلبي (عليه السلام) بالكلّ أوّلا، و بالجزء ثانيا معا، و إن كان بينهما التحلّل عن محرّمات الإحرام- المؤلّف.

36

نظرة إجمالية إلى كلمات الأصحاب

و لا يخفى: أنّ كلمات الأصحاب مختلفة ظهورا و خفاء، فبين أنّ بعضها صريح في أنّ الوتر ركعة واحدة أو ثلاث، لكنّ في بعضها إهمال من هذه الجهة، و كلمات عدّة منهم تقبل الحمل على أنّ الوتر ثلاث ركعات.

فالصدوق في كتبه و الشيخ في المبسوط، و في موضع من الخلاف، و في «عمل يوم و ليلة» و سلّار في المراسم و ابن البرّاج في شرح الجمل و المحقق في المختصر النافع [1] و العلّامة في كتبه- (رحمهم اللّه تعالى)- معدودون من المصرّحين.

و أمّا من أهمل ذكر الشفع و الوتر، فهم: الشيخ في النهاية، و الجمل و العقود، و الصهرشتيّ في الإصباح [2]، و ابن حمزة في الوسيلة، و ابن إدريس في السرائر.

____________

[1] لا فرق بين كلام المحقّق في المختصر النافع و الشرائع و المعتبر. «منه دام علاه»

[2] لا يبعد كون الإصباح لقطب الدين الكيدريّ

(1)

بل هو المحقّق. «منه دام علاه»

____________

(1) لا يخفى أنّه اختلف الأعلام في ضبط الكيدريّ، فقال صاحب الذريعة- «(قدّس سرّه)»- ج 2 ص 18-: أنّه الكندريّ بضم الكاف بعدها النون. و قد نقل في روضات الجنّات: ج 6 ص 296 عن السيّد بحر العلوم «(قدّس سرّه)»: أنّه الكيدريّ و ذكر هناك مصادر هذا الضبط فليراجع- المؤلّف.

37

و من يكون كلامه قابلًا للحمل، حيث قال في عدد نوافل الليل:

«و ثلاث الشفع و الوتر» و قال: «و ثلاث ركعات الشفع و الوتر» فهم:

المفيد في المقنعة و السيد المرتضى في جمل العلم و العمل، و الشيخ في موضع من الخلاف، و ابن البرّاج في المهذّب، لأنّه يمكن أن يستظهر من كلامهم- حيث جمعوا بين الشفع و الوتر بكلمة ثلاث (1)- أنّه و إن كان بين الركعتين و ركعة الوتر فصلا بتشهّد و تسليم لكنّهما مرتبطان غير مستقلّين، لا يجزئ الإتيان بأحدهما دون الآخر، و أنّهما وظيفة واحدة، و هذا معنى كون الوتر ثلاثا، و إنّما عبّروا بالشفع و الوتر من جهة الإطلاق اللغويّ، و لبيان انفصال الركعتين عن الركعة. و هذا الاحتمال جار في بعض الروايات التي يستند إليها، و في عدة من عبارات الأصحاب، و لا يبعد هذا المعنى عن كلام أبي الصلاح في الكافي و ابن زهرة في الغنية في قولهما: (و ثمان ركعات صلاة الليل و ركعتا (و ركعتي- خ ل) الشفع و ركعة الوتر) و الحلبي في إشارة السبق في قوله: (و نوافل الليل و ما بعدها من الشفع و الوتر المفردة) (2) انتهى. حيث يقيّد الوتر بالمفردة- و ستجي‌ء نصوص كلماتهم- و حمل كلام المحقّق في الشرائع و المعتبر على هذا المعنى بعيد و إن كان ممكنا.

و أمّا المصرّحون بأنّ الوتر ثلاث ركعات، أو من يظهر ذلك منه فهم: ابن أبي عقيل و ابن الجنيد و صاحب فقه الرضا (عليه السلام)

____________

(1) لا ريب في أنّ الشفع و الوتر كصلاة الليل لم يستعمل في الكافي في معناه اللغوي العام، و أمّا كون الشفع و الوتر جزئين لمطلوب واحد فلا يأباه الكلام «منه دام علاه»

(2) يمكن أن يكون المراد بالوتر معناه اللغويّ العام المنطبق على صلاة المغرب و مجموع الشفع و الوتر، فيكون (المفردة) قيدا احترازيا، و يمكن أن يكون المراد المعنى الخاصّ الاصطلاحي، فيكون (المفردة) وصفا أتى بها توضيحا كما يقال: اللّه الواحد الأحد، فالتوصيف لردّ ما قاله بعض العامّة في الوتر، و قد فسّر المفيد الوتر بالمفردة و بعد إرادة المعنى الاصطلاحي الخاصّ ظاهرا من لفظة الشفع، المعطوف على نوافل الليل، التي يصدق على جميعها الشفع بالمعنى اللغويّ يكون الاحتمال الأخير أظهر. «منه دام علاه».

38

و القاضي النعمان- صاحب دعائم الإسلام- و الشيخ في المصباح و الاقتصاد و في موضع من التهذيب و علاء الدين الحلبي في إشارة السبق (على احتمال) فهؤلاء من المتقدّمين. و أمّا من المتأخرين: فالمولى الأردبيلي (1) و السيّد صاحب المدارك و الشيخ بهاء الدين العامليّ و المحقّق و الشيخ محمد (2) بن الشيخ حسن- صاحب المعالم ابن الشهيد الثاني- و المولى الفيض الكاشاني و المحقق السبزواريّ- صاحب الذخيرة و الكفاية- و العلّامة المجلسيّ و الطريحيّ- صاحب مجمع البحرين- و صاحب الحدائق (رحمهم اللّه تعالى جميعا) - فهؤلاء من وقفنا على أقوالهم، و أنّ الوتر ثلاث ركعات.

نصوص كلمات الأصحاب

قال العلّامة في المختلف، و قال ابن أبي عقيل- حين عدّ النوافل-:

(.، و ثلاث عشر ركعة من انتصاف الليل إلى طلوع الفجر الثاني منها ثلاث ركعات الوتر) (3).

____________

(1) المحقّق الأردبيلي- كما يأتي كلامه- مردد بين كون الوتر ثلاث ركعات، مخيّرة بين فصل الركعة الثالثة و وصلها، و كون الوتر هو ركعة بعد الشفع. «منه دام علاه».

(2) الشيخ محمد يروي عن الشيخ البهائي كما في الروضات. «منه دام علاه».

(3) مفاد هذا التعبير أعمّ من أن يكون الركعات الثلاث جزء للوتر، أو كون الركعتين شرطا لتحقّقه. «منه دام علاه».

39

و قال في فقه الرضا (1) (عليه السلام): «و ثمان ركعات صلاة الليل و هي صلاة الخائفين، و ثلاث ركعات الوتر و هي صلاة الراغبين».

و قال: «و قال العالم (عليه السلام): قيام رمضان بدعة، و صيامه مفروض، فقلت: كيف أصلّي في شهر رمضان؟ فقال: عشر ركعات، و الوتر و الركعتان قبل الفجر». و قال: «و توجّه [1] بعد التكبير، فإنّه من السنّة الموجبة في ستّ صلوات، و هي أوّل ركعة من صلاة الليل، و المفرد من الوتر [2]- إلى أن قال-: و تقرأ في الأولى من‌

____________

[1] و قد نسب الشيخ استحباب التوجّه إلى رسالة عليّ بن بابويه فقال عند قول المفيد:

(و يستحبّ التوجّه بسبع تكبيرات في سبع صلوات. الى قوله- و المرأة تنضّم فخذيها) فقال الشيخ: (ذكر ذلك عليّ بن الحسين بن بابويه في رسالته، و لم أجد به خبرا مسندا.

و تفصيلها ما ذكره: أوّل كلّ فريضة، و أوّل ركعة من صلاة الليل، و في المفردة من الوتر، و في أوّل ركعة من ركعتي الزوال، و في أوّل ركعة من نوافل المغرب، و في أوّل ركعة من ركعتي الإحرام، فهذه الستّة مواضع ذكرها عليّ بن الحسين و زاد الشيخ (يعني المفيد) الوتيرة)

(2)

.

و هذا من المواضع التي قيل: إنّ الفقهاء الشيعة إذا لم يجدوا في المسألة خبرا يعملون برسالة عليّ بن بابويه، كما أنّه من تطابق النقول عن الرسالة مع فقه الرضا نكشف أنّه نفس الرسالة- المؤلّف.

[2] و هكذا في الفقيه. و قال: (كذلك ذكر أبي- رضي اللّه عنه- في رسالته إليّ)

(3)

إلّا أنّ في الفقيه (و المفردة من الوتر).

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): ص 100 و ص 125 و ص 138.

(2) من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 484، التهذيب: ج 2 ص 94 ح 349 باختلاف مع تقديم و تأخير.

(3) نفس المصدر السابق.

40

ركعتي الشفع (1): «سبّح اسم ربّك»، و في الثانية: «قل يا أيّها الكافرون»، و في الوتر: «قل هو اللّه أحد» و روي أنّ الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة مثل صلاة المغرب و روي أنّه واحد، و توتر بركعة و تفصل ما بين الشفع و الوتر بسلام». و قال: «و إن خشيت مطلع الفجر فصلّ ركعتين، و أوتر في الثالثة، فإن طلع الفجر فصلّ ركعتين، و قد مضى الوتر بما فيه. و إن كنت صلّيت الوتر (2) و ركعتي الفجر و لم يكن طلع الفجر فأضف إليها ستّ ركعات و أعد ركعتي الفجر، و قد مضى الوتر بما فيه» (3).

و قال: «. و اعلم أنّ أفضل النوافل ركعتا الفجر، و بعدهما ركعة‌

____________

(1) الشفع بمعناها اللغويّ مشترك بين الصلوات الخمس الواقعة قبل المفردة، و لا يختصّ بالصلاة المتّصلة بالركعة المفردة، و لا ريب في كونه ليس بهذا المعنى العامّ، فالمراد به المعنى الاصطلاحيّ، فيكون المراد من الوتر- أيضا- المعنى المصطلح، و أيضا تفكيك كلمة الوتر في الجملتين المتّصلتين (في الوتر قل هو اللّه أحد، و روى أنّ الوتر ثلاث ركعات) بإرادة المعنى اللغويّ في الجملة الاولى، و الاصطلاحيّ في الثانية ممّا يشبه المعمّى و اللغز، فلا يصار إليه فعلى هذا، فالمراد: أنّ الروايات في فصل الركعة الثالثة و وصلها و إن كانت مختلفة لكنّ الفتوى إنّما هو بالفصل. «منه دام علاه».

(2) كون المراد من الوتر في المواضع الثلاثة: ما أتى به ثالثة، و هو المراد من قوله:

«و أوتر في الثالثة» أو الثلاث ركعات فغير ظاهر، و على أيّ تقدير يدلّ على أنّ ركعة الوتر إذا أتى بها في خشية الضيق ماضية و إن لم تقع بعد عشر ركعات. «منه دام علاه».

(3) فقه الرضا (عليه السلام): ص 139.

و لا يخفى أنّه يتمّ الحساب إذا كان الوتر في الأخير عبارة عن ثلاث ركعات، و ذلك لأنّه يحسب ركعتا الفجر، اللّتان صلّاهما قبل الفجر مع ستّ ركعات مكان ثمان ركعات نافلة الليل، و يحاسب أنّه قد مضى الوتر و يعيد ركعتي الفجر، و أمّا لو كان المراد من الوتر الركعة الوحدة يلزم من ما ذكره سقوط الشفع، حتى بصورة الاستدراك و القضاء، و هذا بعيد لا وجه له- المؤلّف.

41

الوتر، و بعدها ركعة الزوال.) (1)

و قال الصدوق في الفقيه (قال أبي- رضي اللّه عنه- في رسالته إليّ: اعلم يا بنيّ أنّ أفضل النوافل ركعتا الفجر، و بعدهما ركعة الوتر. إلى آخره) (2). و هذه التطابقات هنا، و في العبارة السابقة، و غيرها تدلّ على أنّ فقه الرضا (عليه السلام) للشيخ علي بن بابويه.

و لا يخفى: أنّ صراحة كلامه الأوّل حيث قال: (و ثلاث ركعات الوتر (3)، و قوله: و المفرد من الوتر و قوله: و روي أنّه- أي الوتر- واحد، و توتر بركعة) الدالّ على تضعيف هذه الرواية «أنّ الوتر ركعة واحدة» تجعل المجال لأن يحمل قوله:- عشر ركعات و الوتر. و قوله: «تقرأ في الاولى من الشفع كذا، و في الوتر كذا» و قوله: «أوتر في الثالثة» على أنّ المراد بالشفع و الوتر معناهما اللغويّ، و أوتر في الثالثة: أي اجعل الثالثة واحدة و منفردة عن الركعتين، و لكنّ الذي يخالف ذلك جعل ركعة الوتر صلاة مستقلّة من أهم النوافل، و في مقابل سائر نوافل الليل. اللّهمّ إلّا أن يلتزم بأنّ أفضليّة ركعة الوتر لا تنافي كون الشفع و الوتر وظيفة واحدة. و لذا قال: «و إن خشيت مطلع الفجر فصلّ ركعتين». أي صلّ الشفع- و أوتر (4) في الثالثة: يعني اجعلها منفصلة‌

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): ص 140.

(2) الفقيه: ج 1 ص 496.

(3) إذا كانت الشفع شرّعت شرطا للوتر تصحّ إضافة ثلاث ركعات إلى الوتر، فالإضافة لا تدلّ على جزئية الشفع للوتر. و قوله: (و المفرد من الوتر) غير صريح في كون الركعة جزء من الوتر، لاحتمال كون من بيانيّة و إن كانت لا يخلو من ظهور من التبعيضيّة، لكن يمكن رفع اليد عن الظهور بقرينة سائر الجملات المذكورة «منه دام علاه».

(4) دلالة هذا التعبير على المقصود غير ظاهره. «منه دام علاه».

42

عن الركعتين، و يمكن أفضليّة الركعتين الأوّلتين من الثانيتين في الظهر مثلا، أو كون الحجّ بمعناه الخاصّ أفضل من العمرة في حجّ التمتّع، مع أنّهما مرتبطان:

و بعد كلّ ذلك لم نعلم أنّ الذي ذكره في فقه الرضا (عليه السلام)، و نقله الصدوق عن والده في ترتيب فضل النوافل، هل هو رواية خاصّة (1)، أو أنّه اجتهاد و استنباط من الروايات؟ و يظهر من العلّامة- (رحمه اللّه)- الثاني، فراجع، و اللّه العالم.

و قال العلّامة في المختلف (2) و قال ابن الجنيد: (صلاة الليل يستحبّ أن يؤتى بها في ثلاثة أوقات لقوله تعالى «وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرٰافَ النَّهٰارِ» (3) و قد روى أهل البيت (عليهم السلام): «أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا صلّى العشاء نام، ثمّ انتبه فصلّى أربعا، ثمّ نام، ثمّ انتبه فيصلّي أربعا، ثمّ ينام، ثمّ يتنبه فيوتر (4)، و يصلّي ركعتي الفجر»). انتهى. و انطباق قوله: «فيوتر» على الثلاث ركعات ظاهر، و إلّا يلزم خروج الشفع عن التعرّض لذكره، و لا وجه له.

____________

(1) عدم معلوميّة هذا لا يضرّ بما هو المقصود هنا من بيان فتوى عليّ بن بابويه. «منه دام علاه».

(2) المختلف: ج 1 ص 124.

(3) طه: 130.

(4) لا يبعد كون «يوتر» بمعناه اللغوي في قبال ما صلّاه أربعا مرّتين، و أمّا كون مجموع ما أوتر (صلّى اللّه عليه و آله) مطلوب ارتباطا، و استقلالا فلا يستفاد من كلامه، و كذا لا يستفاد منه أنّ الوتر في إطلاقه أو الوارد في الأحاديث هو المجموع، و لو سلّم كون يوتر بمعناه الاصطلاحيّ لا يدلّ الخبر على كون الشفع جزء للوتر، لجواز كونه شرطا لها. «منه دام علاه».

43

و قال القاضي النعمان عند عدّ إحدى و خمسين ركعة: (و ثلاث ركعات للوتر) (1) انتهى. و ذكر المحدّث النوريّ- (رحمه اللّه)- عن الدعائم:

(و الوتر ثلاث ركعات) (2) و في الكتابين اختلاف في مواضع الركعات و قال- أيضا في نقل عمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في الليل-: (حتى إذا قرب الصبح أوتر بثلاث ركعات) (3). و قد تكرّر منه في كتابه الآخر، و هو تأويل الدعائم فيما يلفّقه من التأويلات الباطنيّة، ذكر أنّ (الوتر ثلاث ركعات). أنظر تأويل الدعائم (4).

و قال في دعائم الإسلام: (و عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليهما) أنّه قال في قول اللّه عز و جل «وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ» (5) قال: الشفع:

الركعتان، و الوتر: الواحد التي يقنت فيها. إلى آخره. و عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنّه كان يقرأ في الركعتين من الوتر في الأولى سبّح اسم.) (6) و قال بهذه العبارات في تأويل الدعائم (7) أيضا و زاد بعد ذكر الآية و الخبر: (تأويل ذلك: أنّ الشفع هما الركعتان الأوليان من الوتر (مثل دعوة النبيّ و الوصيّ) و مثل الوتر، و هي الركعة الثالثة مثل دعوة المهدي. إلى آخره). و يكرّر ذكر هذا التأويل منه في كتابه هذا، فيظهر من القاضي النعمان أنّ الوتر عنده‌

____________

(1) دعائم الإسلام: ج 1 ص 209.

(2) مستدرك الوسائل: ج 1 ص 176.

(3) الدعائم: ج 1 ص 211.

(4) تأويل الدعائم: ص 200 و ص 358 و ص 361.

(5) الفجر: 3.

(6) الدعائم: ج 1 ص 205.

(7) تأويل الدعائم: ص 358.

44

هو الثلاث ركعات، و هذا هو الذي يكرره في رواياته و تأويلاته.

و يعلم أنّ هذا رأيه، و إن أورد رواية بخلافه فهي إشارة إلى الركعتين و الركعة و إن كان لا يعتمد على روايته، و لا رأيه (1)، أعاذنا اللّه من خذلانه.

و قال الصدوق في المقنع: (و تقرأ في ركعتي الشفع و ركعة الوتر: «قل هو اللّه أحد»، و افصل بين الشفع و الوتر بتسليمة).

و قال في الهداية: (و هي- أي صلاة الليل- إحدى عشرة ركعة، منها ثمان ركعات صلاة الليل، و ركعتي الشفع، و ركعة الوتر).

و قال في الأمالي: (و ثمان ركعات كلّ ركعتين بتسليمة، و الشفع ركعتان بتسليمة، و الوتر ركعة واحدة). انتهى.

و قال في الفقيه: (أفضل هذه الرواتب ركعتا الفجر، ثمّ ركعة الوتر، ثمّ ركعتا الزوال، ثمّ نافلة المغرب، ثمّ تمام الليل، ثمّ تمام نوافل النهار). انتهى. و ذكر أنّه ممّا كتبه أبوه في رسالته إليه، و هو موافق لما في فقه الرضا (عليه السلام).

و قال المفيد في المقنعة في ذكر المسنون من الصلاة: (و ثمان ركعات نوافل الليل من بعد مضيّ نصفه الأول.، و ثلاث ركعات الشفع و الوتر بتشهّد في الثانية و تسليم، و تشهّد في الثالثة و تسليم) (2).

و قال- أيضا- في نوافل الصلاة في السفر: (و ثمان ركعات صلاة الليل، و ثلاث ركعات الشفع و الوتر) (3). و قال أيضا: (فاذا فرغ من‌

____________

(1) فعلى هذا، فمخالفته لا تضرّ بالإجماع المدّعى لو سلّم دلالة كلامه على كون الثلاث ركعات. بمجموعه مطلوب واحد. «منه دام علاه».

(2) المقنعة: ص 13 س 29.

(3) المقنعة: ص 13 س 34.

45

الثمان ركعات قام فصلّى ركعتين.، ثمّ قام إلى الثالثة، و هي الوتر فاستفتح الصلاة) [1].

و قال السيد المرتضى في جمل العلم و العمل- على حسب ما أورد ابن البرّاج كلامه في شرح الجمل (1) في عدّ النوافل المسنونة-: (.

و ثمان ركعات نوافل الليل، و ثلاث ركعات الشفع و الوتر). انتهى.

و لكنّ في جمل العلم و العمل المطبوع مستقلا هكذا: (و ثلاث ركعات للشفع و الوتر) (2) و من الواضح اختلاف الاستظهار من العبارتين، فأنّ ظاهر الكلام الأوّل بيان ارتباط ركعتي الشفع و ركعة الوتر، و هو‌

____________

[1] لا بأس بنقل بعض ما في المقنعة ممّا له ربط بالمقام، و لم يذكر في الرسالة، فقال في سياق الصلوات المسنونة فيها التوجه: (المفردة بعد الشفع و هي الوتر)

(3)

و قال قريبا من باب أحكام السهو في الصلاة: (من قام في آخر ليلته، و قد قارب طلوع الفجر، فخشي أن يبتدئ بصلاة الليل فيهجم عليه الفجر، فليبتدئ بركعتي الشفع، ثمّ يوتر بعدهما بالثالثة، و يصلّي ركعتي الفجر، فإن طلع عليه الفجر أذّن و أقام، و صلى الغداة و قضى الثمان ركعات بعد صلاة الغداة، فإن لم يطلع الفجر أضاف إلى ما صلّى ستّ ركعات، ثم أعاد ركعة الوتر و ركعتي الفجر)

(4)

. انتهى. و تفسير الوتر بالمفردة بعد الشفع، أو الثالثة التي بعد الركعتين لا يلائم إرادة المعنى اللغويّ من الوتر، و الظاهر أنّ الشفع المذكور قسيما لنوافل الليل التي هي مثنى مثنى في موضع من المقنعة و كذا في جمل العلم ليس بمعناه اللغويّ العامّ، فلا يكون الوتر المعطوف عليه بمعناه اللغويّ، فالوتر عند المفيد و المرتضى هو ركعة، و أمّا كونه تمام المطلوب أو جزأه فهو أمر آخر. «منه دام علاه».

____________

(1) شرح الجمل لابن البرّاج: ص 81.

(2) في الجمل المطبوع في ضمن رسائل السيّد ج 3 ص 31. يوافق ما في شرح الجمل.

(3) المقنعة: ص 13 س 27.

(4) المقنعة: ص 24 س 2.

46

قابل الانطباق على القول: بأنّ الوتر ثلاث ركعات بخلاف التعبير الثاني، فإنّه لمّا كان مع اللّام الجارّة فهو ظاهر (1) في استقلال كلّ من الشفع و الوتر.

و قال الشيخ في مصباح المتهجّد (2): (و روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يصلّي الثلاث ركعات بتسع سور في الأولى: «ألهاكم التكاثر» و «إنّا أنزلناه» و «إذا زلزلت»، و في الثانية: الحمد و «إذا جاء نصر اللّه» و «إنّا أعطيناك الكوثر»، و في مفردة الوتر: «قل يا أيّها الكافرون» و «تبّت» و «قل هو اللّه أحد» [إلى أن قال بعد دعاء الشفع]: ثمّ يقوم إلى المفردة من الوتر) (3). انتهى و ظاهر آخر كلامه، بل صريحه (4): أنّ المفردة، و هي الركعة الواحدة جزء من الوتر.

____________

(1) الفرق غير ظاهر، فإن الإضافة هنا بتقدير اللام، و لا فرق بينه و بين ذكر اللام، و ذكر ثلاث ركعات يشعر، بل لعلّه يدلّ على أنّ المجموع فرد للنافلة كفرديّة ثمان ركعات لنافلة الليل، و اختلاف التعبير لا يوجب الاختلاف في هذا حتى ينتج التفاوت بينهما في الارتباطيّة و الاستقلاليّة. «منه دام علاه».

(2) في مصباح المتهجّد قبل الجمل المنقولة: ثمّ تقوم، فتصلّي ركعتي الشفع.، و يسلّم بعد الركعتين، و يتكلّم بما شاء، و الأفضل أن لا يبرح من مصلّاه حتى يصلّي الوتر، فإن دعته ضرورة إلى القيام قام و قضى حاجته، و عاد فصلّى الوتر. «منه دام علاه».

(3) مصباح المتهجّد: ص 132.

(4) كلام الشيخ غير صريح في ذلك، بل يحتمل كون المراد من مفردة الوتر هو ركعة الوتر التي أفردت عن الركعتين، و كان إضافة المفردة إلى الوتر إضافة الصفة إلى الموصوف، لا إضافة الجزء إلى الكلّ، و بعد إطلاق الوتر على الصلاة المفردة في موضعين من كلامه المتقدّم الذي نقلناه يكون هذا الاحتمال قريبا. و أمّا كلامه الأخير و إن كان لا يخلو من ظهور في نفسه، في جزئية المفردة للوتر لكنّ بعد اقتضاء السياق وحدة المراد من الوتر في المواضع الثلاثة احتمال كونه تفسيرا للوتر بالمفردة كما فسّره بها في الخلاف و المقنعة غير بعيد. «منه دام علاه».

47

و قال في الخلاف: (و ثمان صلاة الليل بعد انتصاف الليل، و ثلاث ركعات الشفع و الوتر يفصل بينهما بتسليمة) (1).

و قال- أيضا- في الخلاف: (صلاة الليل عندنا إحدى عشرة ركعة، كلّ ركعتين بتشهد و تسليم بعده، و الوتر ركعة مفردة بتشهّد و تسليم) (2). انتهى.

و قال في الاقتصاد: (و إحدى عشرة ركعة صلاة الليل، كلّ ركعتين بتشهّد و تسليم بعده، و المفردة (3) من الوتر بتشهّد و تسليم بعده).

انتهى. و هذا ظاهر في أنّ المفردة ليست كلّ الوتر، بل منه.

و قال في التهذيب بعد خبر إسماعيل بن جابر أو عبد اللّه بن سنان (قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أقوم آخر الليل و أخاف الصبح قال: اقرأ الحمد، و اعجل أعجل. فقال الشيخ- (رحمه اللّه)-:

هذا الخبر محمول على من ظنّه أنّه يمكنه الفراغ من صلاة الليل قبل أن يطلع الفجر، فأمّا مع الخوف من ذلك فالأولى أن يقدّم الوتر، ثمّ يقضي (4).

____________

(1) الخلاف: ج 1 ص 199.

(2) الخلاف: ج 1 ص 204.

(3) اتحاد التعبير بالنسبة إلى ركعات صلاة الليل في الخلاف و الاقتصاد في غير هذا الموضع، و التعبير عن الركعة بالوتر و مفردة الوتر و المفردة من الوتر في المصباح يقرّب اتّحاد المراد من الوتر في المواضع كلّها. «منه دام علاه».

(4) لا يبعد كون مراد الشيخ الفرق بين الفرضين بالنسبة إلى صلاة الليل بأنّه إن أمكن الإتيان بإتيانها مستعجلا بإسقاط السورة و غيرها يأتي بها كذلك أداء فهو مقدّم على إتيانها كاملة قضاء و إن لم يكن ذلك حتى مستعجلا فالأولى أن يقدّم الوتر و يقضي صلاة الليل، و إن كان إطلاق الخبر يقتضي الإتيان بالميسور من صلاة الليل مستعجلا في الوقت، فالشيخ بصدد أنّ ما هو المتراءى بدوا من الخبر من الإطلاق غير مراد، و ليس في مقام بيان تمام ما يقضي حتى يدلّ على عدم قضاء الشفع لو كان هو الفائت أيضا. «منه دام علاه».

48

الثمان الركعات بعد ذلك) (1). انتهى. و ترى في هذه العبارة إطلاق الوتر على الثلاث ركعات، و ذلك لأنّه أمر بقضاء الثمان ركعات فقط، و معنى هذا أنّ قوله: (يقدّم الوتر) أي الثلاث ركعات (2)، و إلّا لا بدّ أن يلتزم أنّ عند الخوف يصلّي الركعة الواحدة فقط، و بعد ذلك يقضي الثمان ركعات، و لا يقضي ركعتي الشفع، و هو بعيد جدا.

و قال في «عمل يوم و ليلة»- و هو مطبوع في الرسائل للشيخ.

(و إحدى عشرة ركعة صلاة الليل، كلّ ركعتين بتشهّد و تسليم، و الوتر ركعة مفردة) (3) (4) انتهى.

و قال في المبسوط: (و صلاة الليل إحدى عشرة ركعة في السفر و الحضر، كلّ ركعتين بتشهّد و تسليم بعده، و الوتر مفردة بتشهّد و تسليم‌

____________

(1) التهذيب: ج 1 ص 170 ط ق.

(2) هذا الكلام يدلّ على ارتباط الوتر بالشفع، و هو أعمّ من جزئيّة الشفع للوتر. «منه دام علاه».

(3) الرسائل: ص 145 كتاب عمل اليوم و الليلة.

(4) و قال في ص 147: (و قد خصّ الركعتان الأوليان من صلاة الليل بثلاثين مرّة «قل هو اللّه أحد»، و ركعتا الشفع بالمعوّذتين، و ركعة الوتر بسورة الإخلاص و المعوّذتين [و] إن قرأ بغيرها كان جائزا). و في ص 150: (و القراءة فيها- أي في صلاة الليل- ما تختاره، و قد قدّمنا القول في ذلك، فأمّا الوتر فإنّه يستحبّ أن يطوّل الدعاء فيها إن أمكنه). «منه دام علاه».

49

بعده في الحالتين معا) (1): انتهى. فترى أنّه قد أهمل ذكر الشفع في ثلاثة من كتبه: الاقتصاد، و عمل يوم و ليلة، و المبسوط، كما أنّه أهمل ذكر الشفع و الوتر معا في كتابيه النهاية و الجمل و العقود، و تبعه في هذا الإهمال الصهرشتي (2) تلميذ الشيخ و ابن حمزة و ابن إدريس و إليك نصوص كلماتهم:

فقال الشيخ في النهاية في ذكر سنن الحضر: (و إحدى عشرة ركعة صلاة الليل، و ركعتان صلاة الفجر) (3) انتهى و قال في سنن السفر كذلك أيضا.

و قال في الجمل و العقود: (و صلاة الليل إحدى عشرة ركعة في السفر و الحضر) (4) انتهى.

و قال الشيخ سليمان بن حسن بن سليمان الصهرشتي في كتابه‌

____________

(1) في المبسوط: ج 1 ص 104: (و يستحبّ التوجّه بسبع تكبيرات و في أوّل ركعة من صلاة الليل، و في المفردة من الوتر)، و قال في ص 131: (فإن خاف مع ذلك من طلوع الفجر صلّى ركعتين، و أوتر بعدهما.، و من نسي ركعتين من صلاة الليل، ثمّ ذكر بعد أن أوتر قضاهما، و أعاد الوتر).

(2) قد ظهر منه- دام علاه- أنّه قطب الدين الكيدريّ و كتاب الإصباح (هذا الذي نقلنا عنه) هو للكيدريّ لا للصهرشتيّ- المؤلّف.

(3) في النهاية في باب النوافل و أحكامها: فإذا انتصف الليل قام إلى صلاة الليل.، ثمّ يصلّي ثمان ركعات.، فإذا فرغ منها صلّى ركعتي الشفع.، ثمّ يقوم إلى الوتر.، فإن خاف مع ذلك طلوع الفجر صلّى ركعتين، و أوتر بعدهما، و يصلّي ركعتي الفجر، ثمّ يصلّي ركعتي الغداة، ثمّ يقضي الثمان ركعات. و قد نسي ركعتين من صلاة الليل، ثمّ ذكر بعد أن أوتر قضاهما، و أعاد الوتر. «منه دام علاه».

(4) الجمل و العقود: ص 174.

50

إصباح الشيعة- و هو مخطوط- عند عدّ نوافل الحضر: (و إحدى عشرة ركعة صلاة الليل، و ركعتان للفجر). (1) انتهى.

و قال ابن حمزة في الوسيلة: (و نوافل الليل إحدى عشرة ركعة) و ذكر (2) بعده كيفيّة ثمان ركعات صلاة الليل ثمّ قال: (ثمّ صلّى ركعتين صلاة الشفع.، ثمّ قام إلى مفردة الوتر) (3) انتهى.

و قال ابن إدريس (4) في السرائر: (و إحدى عشرة صلاة الليل، و ركعتان نافلة الفجر) (5). انتهى.

و هذه جملة من عبارات أصحابنا المتقدمين الذين أهملوا ذكر الشفع و الوتر بالمرة أو ظهر من كلامهم أن ذكرهما إنما هو لبيان فصل الركعتين عن الركعة فقط.

و قال أبو الصلاح في الكافي: (و ثمان ركعات صلاة الليل يفتتحها بالتوجّه، و يقنت في كلّ ركعتين، و يسلّم، و ركعتي الشفع يسلّم منها، و ركعة الوتر يتوجّه لها و يسلّم منها) (6).

و قال ابن البرّاج في المهذّب: (و ثمان صلاة الليل، و ثلاث الشفع‌

____________

(1) إصباح الشيعة: ص 9 الجهة الثانية س 14.

(2) من هنا أدرجه سيدنا- دام علاه- فعلم أن ابن حمزة ليس من أصحاب الإهمال- المؤلف.

(3) الوسيلة إلى نيل الفضيلة: ص 116.

(4) و العجليّ- المراد به ابن إدريس- هو ممّن أطلق الوتر على الركعة الواحدة، كما يأتي من مفتاح الكرامة، ففي باب النوافل المرتّبة من السرائر: (فإذا انتصف الليل قام إلى صلاة الليل.، ثمّ يصلّي ثمان ركعات.، فإذا فرغ منها صلّى ركعتي الشفع.، ثمّ يقوم الى الوتر). «منه دام علاه».

(5) السرائر: ص 39.

(6) الكافي في الفقه: ص 158.

51

و الوتر، و ركعتان نافلة الفجر) (1) (2) انتهى.

و قال في شرح جمل العلم و العمل- بعد نقل كلام المرتضى-:

(و ثمان ركعات، ثلث [1] (3) الليل بتشهّد، و الشفع ركعتان بتشهّد و تسليم بعد الثانية، و الوتر ركعة واحدة بعد الشفع) (4) انتهى.

و قال سلّار في المراسم: (و بعد انتصاف الليل ثمان، و اثنتان للشفع، و واحدة للوتر) (5) انتهى.

و قال السيّد ابن زهرة في الغنية: (و ثمان ركعات صلاة الليل، و ركعتا الشفع، و ركعة الوتر، و ركعتا الفجر) (6) انتهى.

____________

[1] و لعلّ ابن البرّاج هو المخالف الوحيد- في وقت صلاة الليل- في الإماميّة، و يمكن استناده في ذلك إلى رواية عليّ بن جعفر في قرب الإسناد، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: (سألته عن الرجل يتخوّف أن لا يقوم من الليل، أ يصلّي صلاة الليل إذا انصرف من العشاء الآخرة؟ و هل تجزيه ذلك أم عليه قضاء؟

قال: «لا صلاة حتى يذهب الثلث الأوّل من الليل، و القضاء بالنهار أفضل من تلك الساعة»

(7)

[و في الطبعة الجديدة ج 2 ص 186] و هكذا ما رواه في الكافي بسند صحيح أوردناه برقم 42- المؤلف.

____________

(1) المهذب: ج 1 ص 68.

(2) و كرره ثانيا بإضافة الأول بعد الفجر بعد سطور عند ذكر أعداد نوافل السفر و قال في ص 135 فاذا فرغ من الثمان ركعات كما ذكرناه صلّى الشفع و الوتر ثلاث ركعات يقرأ في الأولى بعد الحمد «قل هو اللّه أحد» و في الثانية مثل ذلك و يتشهد و يسلم و يقوم بعد ذلك إلى الثالثة فيتوجّه و يقرأ بعد الحمد سورة الإخلاص فإذا فرغ من القراءة قنت بقنوت الوتر إن شاء ذلك «منه دام علاه».

(3) يحتمل كونها مصحّفة من (صلاة) كما هو المذكور في سائر الكتب «منه دام علاه».

(4) شرح جمل العلم و العمل: ص 82.

(5) المراسم في الفقه الإمامي: ص 81.

(6) الجوامع الفقهية: ص 502 س 22

(7) الوسائل: ب 45 من أبواب المواقيت ح 8 ج 3 ص 186.

52

و قال الشيخ علاء الدين الحلبي في إشارة السبق: (و نوافل الليل، و ما بعدها من الشفع و الوتر المفردة، و نافلة الفجر ثلاث عشرة ركعة حضرا و سفرا) (1). انتهى. و كلامه هذا مشعر بأنّ لنا وترا ليس بمفردة.

قال المحقّق في الشرائع- في عدّ النوافل-: (و إحدى عشرة صلاة الليل، مع ركعتي الشفع و الوتر) (2) انتهى.

و قال في المختصر النافع: (و ثمان للّيل، و ركعتان للشفع، و ركعة للوتر) (3) انتهى.

و قال في المعتبر: (أمّا صلاة الليل فالمشهور عندنا أنّها إحدى عشرة ركعة، ثمان صلاة الليل، و اثنتان الشفع، ثمّ يوتر بواحدة) (4) انتهى.

قال العلّامة في محكيّ التذكرة: (الوتر عندنا واحد، لا يزاد عليها).

انتهى. و الظاهر أنّه لم يختلف كلامه في كتبه.

و قال المولى الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: (كون الوتر بتسليمة هو المشهور، بل يفهم الإجماع من المنتهى عليه، و على الفصل قال: منها صلاة الليل، و اثنتان للشفع، ثمّ يوتر بواحدة. ذهب إليه علماؤنا الى أن قال. و الذي أفهم من أكثر الروايات كونه ثلاثا، و التخيير بين التسليم عقيب الثانية و الثالثة، وصلا و فصلا، فلا شكّ في الجواز بالفصل.

و أمّا التعيين فغير ظاهر الدليل، إلّا أنّه مقتضى كلام الأصحاب، فلو نذر غير العارف بالوتر فيشكل أمره من الأدلّة و كلام‌

____________

(1) الجوامع الفقهية- إشارة السبق-: ص 121 س 16.

(2) شرائع الإسلام: ج 1 ص 60.

(3) المختصر النافع: ص 21.

(4) المعتبر: ج 2 ص 14.