فقه المصارف والنقود

- الشيخ محمد السند المزيد...
622 /
7

الفهرس الاجمالى

المدخل 21- 32‌

الإشكالات العامّة على الحيل التخلّصيّة 33- 58‌

الجواب عن الإشكالات 59- 99‌

الحيل التخلّصيّة عن الربا 101- 330‌

أعمال البنوك 433‌

عقد التأمين 441‌

السرقفليّة 479‌

التضخّم النقدي 529‌

الفهارس الفنيّة 593‌

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

كلمة الاستاذ

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ذي الآلاء و الإفضال، المنعم على عباده بالبركات، و الصلاة و السلام على النذير بحرمة مظالم العباد، و على آله الهداة إلى موارد الحلّ عن الحرام، و بعد:

فقد قال تعالى في محكم كتابه الخالد: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا) و ظاهر الآية الإخبار عن نحو صراع نفساني في هذه النشأة الدنياويّة يبتلى به آكل الربا بسبب استحلاله تحت ذريعة أنّ الربا نحو اتّجار بالمال و قد صرّحت بذلك بعض الروايات (1).

و قال: (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا) (2) أي أنّ قناة مبادلة الأموال صالحة للبيئة الماليّة الاقتصاديّة في المجتمع البشري بخلاف طريق الكلّ و التطفّل على أموال و جهد الآخرين، فإنّه ضارّ بعموم الحياة الماليّة و الاقتصاديّة.

و قال: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن ربِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللّٰهِ وَ مَنْ عَادَ فَأُولٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (3) فجعل حرمة الربا من الكبائر المتوعّد عليها النّار.

____________

(1) ب 1/ أبواب الربا/ 23.

(2) سورة البقرة 2: 275.

(3) سورة البقرة 2: 275.

10

و قال: (يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ كُلَّ كَفّٰارٍ أَثِيمٍ) (1) أخبر بسلب البركة و النمو عن الأموال الربويّة و بنموّ الأموال بالصدقة و التكافل الاجتماعي.

و قال: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ) (2) فجعل التعامل الربوي في سوق الأموال حالة تهدّد الأمن الاجتماعي، و تستوجب المواجهة باستنفار كافّة القوى، فجعل الربا و ارتكابه من قبيل الامور التي تهدّد بيضة الدين و حمى الإسلام، تبياناً لخطورة هذه الحرمة من بين المحرّمات الكبيرة الاخرى.

و قال: (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ) (3) فبيّن تعالى أنّ الفائدة الربويّة ظلم مالي من الأخذ على المأخوذ منه.

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَ اتَّقُوا النّٰارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ) (4) و في هذه الآية دلالة على أنّ الربا مطلق الفائدة و إن لم تتضاعف و تتصاعد، لا أنّ الحرمة في الأدلّة خاصّة بالمتضاعفة تصاعديّاً.

و قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ طَيِّبٰاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ كَثِيراً* وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أَكْلِهِمْ أَمْوٰالَ النّٰاسِ بِالْبٰاطِلِ وَ أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ مِنْهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً) (5) فبيّن عزّ اسمه أنّ تحريم الربا من التشريعات الثابتة في الشرائع السماويّة، لا سيّما إذا التفت إلى أنّ الشريعة الموسويّة هي بداية التشريع الإلهي بصورة شاملة في ما يختصّ بالاجتماع البشري.

____________

(1) سورة البقرة 2: 276.

(2) سورة البقرة 2: 278 و 279.

(3) سورة البقرة 2: 279.

(4) سورة آل عمران 3: 130 و 131.

(5) سورة النساء 4: 160 و 161.

11

و قال تعالى: (وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (1) و هي نظير الآية المتقدّمة من الإخبار الإلهي بمصير الأموال الربويّة إلى الجمود و الفناء بخلاف الأموال التي ينفق منها، فإنّها يكتب لها النموّ و الكثرة (2)، كيف لا و الرابي لا يستأصل القدرة المالية للمديون فقط، بل أنّ الحركة الربويّة تقضي على الحركة و النشاط المالي لدى الأفراد عموماً، و بالتالي تستأصل قدرة نشاط الرابي نفسه، بينما التكافل الاجتماعي عبر الزكاة و الخمس و مطلق الصدقات يثري حركة و توزيع السيولة و القدرة الماليّة، و بالتالي سيعود الاقتدار على الكافل نفسه بالقوّة و فتح أبواب النشاط في الخدمات و الصناعات و الزراعة و غيرها من منابع القدرة الماليّة.

و روى الصدوق بسنده عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في وصيّته لعليّ (عليه السلام)، قال: «يا عليّ، الربا سبعون جزء، فأيسرها مثل أن ينكح الرجل بامّه في بيت اللّٰه الحرام. يا عليّ، درهم ربا أعظم عند اللّٰه من سبعين زنية كلّها بذات محرم في بيت اللّٰه الحرام» (3).

و روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «شرّ المكاسب كسب الربا» (4). و روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «و من أكل الربا ملأ اللّٰه بطنه من نار جهنّم بقدر ما أكل، و إن اكتسب منه مالًا لم يقبل اللّٰه منه شيئاً من عمله، و لم يزل في لعنة اللّٰه و الملائكة ما كان عنده قيراط» (5).

____________

(1) سورة الروم 30: 39.

(2) نعم، في بعض الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام) أنّ الآية في صدد الربا الذي يؤكل المحلّل كهديتك إلى الرجل تريد منه الثواب أفضل، منها: ب 3/ أبواب الربا/ 2.

(3) ب 1/ أبواب الربا/ 12.

(4) ب 1/ أبواب الربا/ 13.

(5) ب 1/ أبواب الربا/ 15.

12

و روى هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «درهم ربا أشدّ من سبعين زنية كلّها بذات محرم» (1).

و عنه (عليه السلام): «إنّما حرّم اللّٰه عزّ و جلّ الربا لكيلا يمتنع النّاس من اصطناع المعروف» (2).

و روى هشام بن الحكم عنه (عليه السلام) عن علّة تحريم الربا، فقال: «إنّه لو كان الربا حلالًا لترك النّاس التجارات و ما يحتاجون إليه، فحرّم اللّٰه الربا لتنفر النّاس من الحرام إلى الحلال و إلى التجارات من البيع و الشراء، فيبقى (3) ذلك بينهم في القرض» (4).

و روى الصدوق بسنده عن محمّد بن سنان: إنّ الرضا (عليه السلام) كتب إليه في ما كتب من جواب مسائله: «و علّة تحريم الربا لما نهى اللّٰه عزّ و جلّ عنه، و لما فيه من فساد الأموال؛ لأنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً و ثمن الآخر باطلًا، فبيع الربا و شراؤه وكس على كلّ حال، على المشتري و على البائع، فحرّم اللّٰه عزّ و جلّ على العباد الربا لعلّة فساد الأموال، كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله، لما يتخوّف عليه من فساده حتّى يؤنس منه رشد، فلهذه العلّة حرّم اللّٰه عزّ و جلّ الربا، و بيع الدرهم بالدرهمين، و علّة تحريم الربا بعد البيّنة لما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرّم، و هي كبيرة بعد البيان و تحريم اللّٰه عزّ و جلّ لها، لم يكن إلّا استخفافاً منه بالمحرّم الحرام، و الاستخفاف بذلك دخول في الكفر، و علّة تحريم الربا بالنسيئة لعلّة ذهاب المعروف، و تلف الأموال، و رغبة النّاس في الربح، و تركهم القرض، و القرض صنائع المعروف، و لما في ذلك من الفساد و الظلم و فناء الأموال» (5).

____________

(1) ب 1/ أبواب الربا/ 1.

(2) ب 1/ أبواب الربا/ 4.

(3) في المطبوع من كتاب العلل للصدوق: «فيفضل»، و في هامش المخطوط من الوسائل نقلًا عن العلل: «فيتصل».

(4) ب 1/ أبواب الربا/ 8.

(5) ب 1/ أبواب الربا/ 11.

13

فيظهر من الآيات و الروايات الصحيحة عدّة علل لتحريم الربا.

الاولى: ترك اصطناع المعروف، و هو القرض الذي هو نوع إعانة و تكافل اجتماعي.

الثانية: الفساد و بوار التجارات و الأنشطة الماليّة تواكلًا على قناة الربا و نزوعاً إليه، فيعزف عن الحركة الماليّة التي هي الشريان الدموي التي بها حياة الاجتماع البشري، حيث إنّ الإنسان مدني اجتماعي بالطبع، محتاج إلى مداولة الخدمات بينه و بين بني جنسه.

الثالثة: الظلم و تلف و فناء الأموال، فإنّ الدين إذا كان استهلاكيّاً أو استثماريّاً و لم يكتب للمديون النجاح و الربح و عجز مدداً زمنيّة عن الدفع، فإنّ تضاعف الربا يؤدّي إلى استئصال الوجود المالي للمديون من رأس.

و روى الصدوق بسنده عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) في مناهي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «أنّه نهى عن أكل الربا، و شهادة الزور، و كتابة الربا، و قال: إنّ اللّٰه لعن آكل الربا و مؤكله و كاتبه و شاهديه» (1).

و في صحيح محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): آكل الربا و مؤكله و كاتبه و شاهداه فيه سواء» (2).

فيظهر من هذه الروايات أنّ موظّفي البنوك الربويّة ممّن يرتكب كتابة الفوائد أو محاسبتها أو أخذها و استلامها من الزبائن، و كذلك موثّقي سندات القروض الربويّة و فوائدها كلّ اولئك ممّن يشترك في ارتكاب حرمة الربا المغلظة، سواء كالآكل للربا، و سواء كان اولئك موظّفي المصارف أو المؤسّسات ماليّة أو تجاريّة اخرى تتعاطى أخذ الربا على الديون.

و مع هذا النداء القرآني المدوّي، و الوعيد المغلظ الدالّ على ثبات الحكم و تأبيده،

____________

(1) ب 4/ أبواب الربا/ 3.

(2) ب 4/ أبواب الربا/ 1.

14

فضلًا عن اشتراك الشرائع السماويّة فيه، يتساور عدّة- ممّن يصبو إلى تصوير نظام اقتصادي أو مالي للإسلام في وسط البيئة الماليّة و الاقتصاديّة الحاليّة، حيث يجد النظام المصرفي العالمي و الإقليمي و المؤسّسات الماليّة الاخرى كأخطبوط لا يمكن الانفصال عنه إلّا في واحة برّية لا نبت فيها و لا زرع، منعزلة عن حياة السوق و التعامل البشري، و هو بتمامه قائم على النظام الربوي- أنّه لو منع الربا لانشلّ مثل هذا النظام، و لو منعت بعض الدول أو المصارف عن التعامل الربوي لانعزلت عن الحركة الماليّة و الاقتصاديّة، فيحاول مراجعة الحكم و قراءة النصّ بنزعة ذاتيّة و يبدي احتمالات:

منها: أنّ الربا المحرّم هو خصوص الفائدة في الديون الاستهلاكيّة دون الاستثماريّة؛ لأنّها ليست بظلم للمديون و إجحاف بحاله، بل مدد لأبواب النماء، فيكون كالمضاربة و الشركة.

و منها: أنّ الربا المحرّم هو خصوص الجاري بين تعامل الأفراد فيما بين بعضهم دون ما يجرى بين الدولة و الأفراد؛ لأنّ القاعدة ستعود للصالح العامّ و الخزينة الوطنيّة و بيت مال المسلمين، و بالتالي فهو لا يخرج عن نطاق البلد.

و منها: أنّ الربا المحرّم هو خصوص الجاري بين الشخصيّات الحقيقيّة دون الشخصيّة الحقوقيّة، لا سيّما مثل الربا الجاري فيما بين الدول.

و منها: أنّ الربا المحرّم هو خصوص الجارى في ساحة المال و الاقتصاد المفتوح، كما في عهد النصّ و التشريع دون الاقتصاد و الحركة الماليّة المغلقة كما في وضعيّة الدول في العصر الراهن، فالحرمة للربا هي للبيئة في عهد النصّ دون البيئة الماليّة المعصارة، أو أنّه تدبير نبويّ خاصّ بذلك العصر.

و هذه التخرّصات و التهجّسات استخفاف بهذه الحرمة المشدّدة في القرآن و السنّة، و المتوعّد عليها الحرب من اللّٰه و رسوله، مع تأكيد إطلاق العنوان المأخوذ موضوعاً للحرمة في الأدلّة، مع أنّ أوّل ربا أبطله النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هو ربا العبّاس عمّه، كما هو عادته (صلّى اللّه عليه و آله) في البدء بتطبيق التشريع على أهله و عشيرته الأقربين، و كانت قروضه على النّاس قروضاً‌

15

استثماريّة لا استهلاكيّة.

هذا مع أنّ العلل المذكورة في الكتاب و السنّة لتحريمه تتأتّى في كلّ صور الربا، كتعامل الدولة مع الأفراد، فإنّه يؤدّي أيضاً إلى الإجحاف بالأفراد، و فناء أموالهم، و عزوف الدولة عن الأنشطة التجاريّة و الاستثماريّة الحقيقيّة المنعشة لاقتصاد البلاد إلى التطفّل على القدرات الماليّة للأفراد و إلى ترك الدولة الإعانة لرعاياها مع أنّها مخاطبة في الدرجة الاولى بكفالة الأفراد.

إنّ تحريم القرآن و السنّة للربا تحريماً أبديّاً يعدّ ملحمة قانونيّة تنبّأ بها القرآن في الحقل التشريعي، و ها نحن نرى صدق هذا التنبّؤ في العصر الحاضر مع كلّ ما في الحركة الماليّة من تعقيدات جديدة و سرعة هائلة في التعامل.

إنّ العلل المتقدّمة جارية في التعامل الربوي فيما بين الدول، فإنّ الدول الغنية في العالم لا زالت تستضعف دول العالم الثالث بتوسّط غير قساوة الفوائد الربويّة، و تركعها سياسياً و ثقافياً بضغط عامل الضعف المالي المكبّد من الديون الربويّة، و تضاعف معدّل الربا بالعجز عن الوفاء، و تأخير التسديد، بل قد شاهدنا في عصرنا بعض الدول القويّة كالدول الخمس الآسيويّة في الشرق الأقصى، قد تضعضع اقتصادها و قوّتها الماليّة، و كان أحد أهمّ الأسباب في ذلك هو الديون الربويّة التي تكبّلت به تجاه صندوق النقد الدولي، و ليست الدولة إلّا حوزة ماليّة لمجموع الأفراد، فإذا نكبت قوّتها المالية بالضعف و العجز فإنّ ذلك يعود بالاستضعاف و الفقر للأفراد.

هذا، و كون اقتصاد و حركة المال في كلّ بلد مغلقة بخلاف البيئة الماليّة في عهد النصّ و الأعصار السابقة لا يوجب عدم شمول علل التحريم له، و لا قصور في إطلاق الأدلّة، بل مضارّ الربا بعينها مشاهدة في العصر الحاضر بنحو أشدّ قساوة، مع أنّ دعوى الاغلاق في حركة المال و الاقتصاد ممنوعة، فإنّ قنوات المبادلة الماليّة و التجاريّة و غيرها جارية بين الدول و الشعوب المختلفة، و إن قنّنت المبادلات بقوانين جمركيّة و سياسات ماليّة و اقتصاديّة خاصّة بكلّ دولة، كما هو الحال عليه في سابق العصور، حيث نظام العشّارين‌

16

الذي هو عبارة الدوائر الجمركيّة، و لم تكن الحركة منفتحة بأزيد ممّا هي عليه الآن نتيجة لصعوبة النقل و التحويل.

و كيف يكون التشريع العامّ القرآني و السنّة الثابتة النبويّة تدبير حكومي مؤقّت، بل هو التفات على أبديّة الشرع و بقاء الدين.

بل حلّ المأزق يكمن في أمر آخر، لا في رفع اليد عن تشريع الحرمة، و هو أنّ النظام المالى، سواء عبر المصارف و المؤسّسات الماليّة التجارية و غيرها، ليس قائماً على اسس و بنية الأحكام الاقتصاديّة للشريعة الإسلاميّة، بل على اسس المذهب الاقتصادي الرأسمالي. و لا يمكن معالجة هذا البناء الاقتصادي المريض الموجب لزيادة تخلّف دول العالم الثالث، و لزيادة و تفاحش الفارق الطبقي في الدول الغنيّة (1)، و غير ذلك من أعراض النظام الرأسمالي الاقتصادي، لا يمكن معالجتها عبر إصلاح البنية من زاوية واحدة و أساس واحد، بل لا بدّ من إرساء كافّة الاسس التي يدعو إليها الدين الإسلامي كي يتمّ ذلك الإصلاح و العلاج و تصحو البيئة و النظام المالي، و من تلك الاسس العادلة و تكافؤ الفرص و نظام الشركة و المضاربة، و منع التعامل الرهاني و غيره من الممنوعات في باب التعامل و المبادلة و نظام الأبواب الخيريّة و التكافل كالأوقاف و الوصايا و الصدقات العامّة، و نظام الضريبة من الزكاة و الخمس و تدبير موارد الصرف لها، إلى غير ذلك من بنى و اسس الاقتصاد الإسلامي، حينها سيرى الباحث المتخصّص أنّ حظر الربا في التعامل المالي أمر ضروري و مؤثّر للغاية، لكن ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، فإنّ إقامة هذه البنية كفيله بالإصلاح النسبي في حياة المال و التعامل المبادلي.

و ما هذا البحث و الكتاب بين يدي القارئ إلّا محاولة لبيان الاطر القانونيّة الواقية عن‌

____________

(1) لقد أذاعت وكالة الأنباء الألمانيّة تقريراً و إحصاءً مذهلًا قبل كتابة هذه السطور يفيد بأنّ معظم الثروات في ألمانيا هي بيد عشرة بالمائة من الشعب، و إنّ أكثر من نصف الشعب يعيش مستوى الدرجة المتدنّية من المعيشة.

17

عمليّة الربا و التركيز على بيان جملة وافرة من القواعد و الضوابط التي يلزم مراعاتها في الاطروحات و الحلول و الصياغات للتعامل في المال و دورانه، فليس هدف الكتاب عرض صيغ الحلّ و البرنامج المصرفي اللاربوي، فإنّ هذه غاية تقع على عاتق أصحاب التخصّص المالي و المصرفي، بل وظيفة البحث الفقهي و التقنيني الشرعي هو بيان القوالب و الحدود و الضوابط التي من خلالها يضع الباحث المالي و المتخصّص النقدي و الخبير المصرفي و المتضلّع الاقتصادي، يضع مادة البرنامج المالي و التعاملي المناسب لمناخ وبيئة المال المعاصرة، و لكيفيّة دوران المال في أسواق المبادلات المختلفة، كما تضمّن البحث التقييم الفقهي للعديد من الحلول و الاطروحات المثارة في الساحة المالية في الوسط الإسلامي كعمليّة شرح لكيفيّة تطبيق الضوابط الشرعيّة الماليّة على تلك الحلول، لا أنّه تعيين للحلّ النموذجي الصالح لعالم المال، فإنّ ذلك من شأن المتخصّصين الماليّين و المصرفيّين و الاقتصاديّين، كما تضمّن استعراض الآراء و النظريّات المختلفة حول الحيل الشرعيّة، كما اشتمل على بحث السرقفليّة و عقد التأمين، و كانا بمثابة بوّابة لبحث القاعدة الفقهيّة حول مطلق الحقوق المستجدّة، و قد اشتمل البحث في عامّة فصوله على إثارات جديدة حول القواعد العامّة في باب المعاملات.

و هذا الكتاب حصيلة للبحوث التي ألقيتها في الحوزة العلميّة بقم على جمع من الأفاضل يومي الخميس و الجمعة من كلّ اسبوع طوال أربع سنين من عام 1414 إلى 1418 هجريّة، و قد انبرى لضبطها، و تأليف مطالبها، و عقد حلقاتها الباحث الفطن، و السابر الجزل، العلّامة الفهم، الشيخ مصطفى الاسكندري،- أدام اللّٰه تعالى رقيّه في مدارج العلم و العمل- و ذلك بعد أن أبلى جهداً مضنياً، فأرجو من العليّ القدير أن يكتب له المستقبل المشرق في معالجة مستجدّات الموضوعات.

3/ صفر/ 1422 ه‍‌

مولد الوصي الخامس باقر العلوم (عليه السلام)

محمّد السند‌

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

المُقدّمةُ

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، الذي أرسله اللّٰه بمنهج كامل عالج كلّ صغيرة و كبيرة، و بدستور لحياة بعيدة عن الأهواء، صالح لكلّ زمان و مكان، و على آله الأئمّة الهداة المعصومين، الذين اصطفاهم اللّٰه امناء في بلاده، و حججاً على عباده، لئلا يكون للنّاس على اللّٰه حجّة بعد الحجّة، و لا يلتبس عليهم في دينه المحجّة، و لعنة اللّٰه على أعدائهم إلى يوم الحسرة و الندامة. و بعد فالصحوة الإسلاميّة اليوم صحوة تبشّر بخير عميم؛ إذ هي لم تقتصر على توجّه البشر للناحية العباديّة فقط، بل امتدّت لأبعاد اخرى لا يصلح المجتمع إلّا بها.

و من هذه الأبعاد تطبيق شرع اللّٰه في مجال الاقتصاد، و الاقتصاد عصب حياة الامم، و به سيطر الغرب على دول عديدة، و على رأسها الدول الإسلاميّة.

و أهمّ المؤسّسات التي لعبت دوراً بارزاً في مجال الاقتصاد هي تلك المؤسّسات التي تسمّى البنوك، فالجانب الفقهي- من مسائل البنوك و النقود و السيولة الماليّة و لوازمها كبعض الحقوق- هو الذي قد أتعب فقهائنا المعاصرين في البحث و التدقيق حول تطبيق الفقه الإسلامي في هذا المجال- شكر اللّٰه مساعيهم-.

و هذا الكتاب هو مجموعة محاضرات حول تلك المهمّة و سائر المسائل المستحدثة ألقاها سماحة شيخنا الاستاذ آية اللّٰه محمّد السند البحراني- حفظه اللّٰه‌

20

تعالى- في يومي الخميس و الجمعة من كلّ اسبوع خلال أربع سنين متواصلة من عام (1414- 1418 ه‍) وفّقت لتحريرها و تنسيقها- و للّٰه الحمد- و أسأل اللّٰه تعالى أن يتقبّل منّي و يغفر لي.

و أخيراً أتقدّم بوافر الشكر و الامتنان إلى سماحة الفاضل الجليل العلّامة السيّد محمّد عليّ بحر العلوم على تفضّله بما كتب من أبحاث السنة الاولى في أوان لم أتوفّق للحضور في مجلس الدرس، و أسأل اللّٰه جلّ جلاله أن يمنّ عليه بالمزيد من التوفيق.

و أدرجنا في هذه الطبعة الجديدة مبحث التضخّم النقدي و ضمانه، مع طرف من أحوال النقد، الذي قام بتحريره و تهذيبه الأخ الوفيّ و النبيه الألمعي، العلّامة السيّد محمّد حسن الرضوي، عسى أن تكون إسهاماً في بيان الموقف الفقهي تجاه أطوار الحياة المعاصرة.

و الحمد للّٰه أوّلًا و آخراً، و صلّى اللّٰه على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين‌

قم المقدّسة مصطفى الاسكندرى‌

21

المدخل

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

1 [من الامور المهمّة كيفيّة الملائمة بين ما أمره الباري- جلّ شأنه- باتّباعه و بين ما هو حاصل في الواقع الخارجي.]

من الامور المهمّة التي يواجهها الفرد المسلم في حياته اليوميّة هي كيفيّة الملائمة بين ما أمره الباري- جلّ شأنه- باتّباعه و بين ما هو حاصل في الواقع الخارجي.

فإمّا أن يسعى لأن يكيّف الحكم الشرعي بما يجعله متلائماً مع الواقع المعاش- الذي يكون متأثّراً بعوامل خارجيّة و داخليّة متعدّدة- و بالطبع يكون ذلك بما أتاحه له الباري تعالى من وسائل مشروعة.

و إمّا أن يكيّف الواقع و معايشته مع الحكم الشرعي فيتحفّظ على بقاء الأحكام الأوّليّة على حالها من دون التذرّع بالعناوين الثانية، بحيث يسلبها عن ثانويّتها، و يؤوّل بها إلى وضعيّة العنوان الأوّلي الثابت الدائم.

و إمّا أن يجنح إلى الواقع الخارجي من دون مراعاة الضوابط الشرعيّة، فيبتعد عن دينه و عقيدته، و يكون ذلك هو الهلاك و السقوط في الهاوية.

و إمّا أن يبتعد عن واقعه و يجمد على ما وصل إليه البحث الفقهي، فينعزل عن المجتمع، فيقع في المشاكل و المصاعب غير المتناهية، بل تكاد تكون الحياة حينئذٍ مستحيلة، و العديد يقف يائساً عن تطبيق و قولبة الواقع على نظام الاقتصاد الإسلامي، فيختار الشقّ الثالث، و يتوهّم استحالة الشقّ الأوّل، فضلًا عن الثاني.

و أمّا الذي يتحرّج في دينه فيراعي قدر ما استطاع في الشقّ الأوّل، و إلّا فينكفئ على الشقّ الرابع، و لكن الذي يبدي معالم النظام المالي الإسلامي و بقيّة أنظمته في مجالات الحياة هو الشقّ الثاني؛ إذ هو يحافظ على مقاصد الشريعة، و به يظهر خيريّة الأنظمة الفقهيّة عن الأنظمة القانونيّة الوضعيّة، و هذا أيضاً لا يتأتّى إلّا بتلاحم‌

24

و معاضدة هياكل النظم الفقهيّة بعضها مع البعض الآخر.

ففي ظلّ ذلك المناخ المجموعي يلمس حقيقة النظام الاقتصادي الإسلامي، فمثلًا: نظام تحريم الربا- سواء في القطاع المصرفي البنكي أم غيره- لا يعطي اكُله الجمّة إلّا مع تحقيق نظام الشركة و المضاربة و نظام العدالة في التوزيع و استواء الفرص، و غيرها من أعمدة النظم الاقتصاديّة للفقه الإسلامي، و إن كان إقامة أبعاضها غير خال عن دفع المفاسد العظيمة، و عن توليد البيئة الماليّة السليمة.

و من تلك الامور التي يواجهها عالمنا اليوم هو التعامل مع مجموعة من المؤسّسات المسمّاة بالمصارف و البنوك.

و ينشأ الإشكال من أنّ هذه المؤسّسات قد دأبت على استخدام الربا، بل المحور الذي تقوم على أساسه في الواقع هو الربا، فيقع البحث في كيفيّة عملها و نشاطها المالي، و عن التعامل مع هذه المؤسّسات مع أنّ العمود الفقري في معاملاتها ربويّ، و الربا محرّم في الشرع الإسلامي بشكل قاطع، فهل توجد طرق معيّنة يمكن أن تسلكها تلك المؤسّسات و يسلكها المؤمن للتخلّص من هذه المشكلة أم لا؟

2 قد انتهينا في بحث ملكيّة الدول الوضعيّة إلى أنّ العنوان يمكن أن يكون مالكاً،

و نضيف هاهنا أنّ البعض يعتبر العنوان مالكاً في الظاهر، و أنّ المالك الواقعي هم أصحاب العنوان، و وظيفة العنوان هي كونه مشيراً إلى مالكيّتهم، و يمكن تشبيه هذه الملكية الطوليّة بملكيّة العبد للأموال، و ملكيّة السيّد للعبد و أمواله.

و ما يقال: من أنّه كيف يكون العنوان مالكاً و هو لا يستطيع التصرّف؛ إذ هو لا يملك الحسّ و لا العقل.

مدفوع: بأنّه ليس أسوأ حالًا من الصبي الذي ليست له أهليّة التصرّف و لا يملك‌

25

و يقوم وليّه مقامه في التصرّف في الأموال، فكذلك الحال في العنوان؛ إذ العنوان لا يتصرّف متفرّداً، بل لا بدّ أن يكون له وليّ متصرّف، و هذا الوليّ المتصرّف في البنك- مثلًا- يكون وليّاً مفوّضاً عن المُلّاك الطوليّين، و هو الذي يوكّل جميع العاملين.

3 (المال) ذكروا في تعريفه عبارات عديدة

- سواء في الفقه أم في علم الاقتصاد الحديث- و آخر ما توصّلوا إليه أنّه مشتقّ من نفس الوضع اللغوي، فأيّ شي‌ء يميل إليه نوع العقلاء يكون مالًا، فالرغبة في تحصيل شي‌ء و التنافس عليه من قِبل العقلاء يدفعهم إلى البذل من أجل استحصاله، فيكون عندئذٍ مالًا.

فقوام الماليّة هي تلك الرغبة و التنافس، و هذا تقريباً مورد اتّفاق الفقهاء في تعريف المال.

و قد قسّم الفقهاء ماليّة الأشياء على قسمين: ماليّة ذاتيّة و ماليّة جعليّة.

و الأوّل يكون في الأشياء التي ترغب إليها العقلاء بطبيعتهم، كالمأكول و المشروب و الملبوس، فالميل و الرغبة الحاصلة لدى الإنسان لاستحصال هذه الأشياء ذاتيان من دون حاجة إلى جعل جاعل، بل يجد كلّ إنسان نفسه يندفع تلقائيّاً من أجل الحصول عليها.

و أمّا الثاني فهو في الامور التي تكون ماليّتها ناشئة من جعل جاعل، و ينقسم إلى أقسام:

1- أن تكون الماليّة ناشئة من قبل اعتبار و جعل الدولة، كالطوابع نشأت ماليّتها باعتبار أنّ الدولة تعهّدت لمن يقوم بلصق هذا الطابع أن تقوم بإيصال الرسالة أو المحمولة إلى المحلّ الذي أراده المرسل، و هكذا تذاكر السفر، و كثير من الأوراق‌

26

التي تتعهّد الدولة في مقابلها بالقيام بخدمات خاصّة، فإنّ الماليّة في مثل هذه الأشياء ليست ذاتيّة، بل تكون جعليّة، و بسبب ذلك التعهّد من قِبل الدولة يبذل الفرد بازائها مالًا و تحصل لديه الرغبة في الحصول عليه.

2- تحصل لبعض الأشياء ماليّة جعليّة بتعهّد شخص ما، أو جهة خاصّة، بأن يكون مديناً بازاء من يحمل ذلك الشي‌ء، و يمثّلونه في الزمن القديم أن يقوم تاجر معروف مقبول عند الأكثر بإصدار أوراق خاصّة تحمل إمضائه، فيتعامل بها و تكون مورد قبول الآخرين، و يتعهّد التاجر بأنّ من يحمل ذلك الورق يدفع له نفس المبلغ المرقوم فيه، فهذا الورق تصبح له ماليّة جعليّة لأنّه وثيقة دين.

3- ما لا يكون وثيقة على شي‌ء آخر، بل اعتبر بنفسه مالًا، فالمعتبر قد اعتبر أنّ هذا الشي‌ء بنفسه يكون مالًا.

و الفرق بين هذا و ما قبله: أنّ ما قبله شي‌ء عرضت له صفة الماليّة، فتسمّى ورقة ذات صفة ماليّة، و أمّا هذا فيكون عين المال لا حاكياً عن المال.

و إذا أردنا أن نبيّن كيفيّة نشأة مثل هذه الماليّة الاعتباريّة فنقول: إنّ العقلاء احتاجوا منذ قديم الأيّام إلى معاوضة السلع بعضها ببعض، نتيجة اختلاف احتياجاتهم، و حيث أنّ مسألة تبادل السلع بالسلع تصادمت بموانع مختلفة و مرّت به مراحل صعبة فاحتاجوا إلى جعل شي‌ء ما يكون هو الميزان الذي تقيّم الصفات الموجودة في كلّ سلعة على أساس ذلك الميزان و المعيار.

و اختيار هذا الميزان كان يرجع إلى ظروف كلّ مجتمع، فقد يكون حصيلًا زراعيّاً أو ما شابهه، و هم عند ما يجعلون ذلك ميزاناً لا تكون ذاته هو الميزان، بل درجة الماليّة التي فيه هي الأساس، و مع تطوّر الاحتياج و ازدياد الحاجة، و كثرة المبادلات لجأ الإنسان إلى طريقة مستحدثة، و هي جعل النقود التي تحمل ذات الماليّة، و تكون وحدة قياسيّة ماليّة، و هذه الوحدة- سواء كانت من نحاس أو ذهب أو فضّة أو ورق- فإنّها تحمل ذات الصفة، مع فرق أنّ الذهب و الفضّة لهما ماليّة غير تلك‌

27

القياسيّة، أمّا الورقة فليست فيها إلّا تلك القياسيّة.

فالدينار الذي وزنه مثقال ذهب فيه رغبتان؛ رغبة بما أنّه ذهب، و رغبة باعتبار أنّه وحدة قياسيّة في المعاوضات، و لكن في الأوراق رغبة واحدة باعتبار أنّه وحدة قياسيّة.

و مع مرور الزمان قد اتّجهوا إلى استعمال الأوراق النقديّة بدلًا عن الذهب و الفضّة المسكوكين، و لكن غطاؤها هو الذهب الموجود في خزانة الدولة، فبإزاء المقدار الموجود من الذهب في كلّ مملكة كانت تطبع الأوراق النقديّة، ثمّ في السبعينات جعل الدعم و الغطاء هو كلّ ما تمتلكه الدولة من ثروات موجودة في أراضيها، و الاحتياطي المخزون من الموارد الطبيعيّة و المصنّعة و قدرة الإنتاج.

و على كلّ حال، فالبحث نشأ من أنّ هذه الأوراق النقديّة هل تكون ماليّتها نفس ماليّة الذهب و الفضّة، فتشملها الأدلّة الواردة في أبواب الربا و الزكاة، أم لا؟

و بعبارة اخرى: إنّ الروايات الواردة في زمان كان فيه النقد هو الذهب و الفضّة، هل جعلت فيها نقطة الارتكاز هو النقد أم خصوص الذهب و الفضّة؟

استظهرت العامّة أنّ محور الروايات هو النقد، ففي أي زمان كان هناك نقد ففي هذا النقد ترد أحكام الزكاة و الربا.

و هذا الاستظهار ناشئ من نصوص معيّنة عندهم وردت في باب الزكاة. نعم، لو كان هذا التعميم الموضوعي خاضعاً للقياس و الاستحسان بأن يقال: إنّ تشريع الزكاة في الأموال ناشئ من باب سدّ حاجة الفقراء، و هذا المهمّ في كلّ عصر يوصل إليه عبر استخدام النقود العصريّة، فيكون هذا بحثاً آخر غير داخل في مقامنا، و بحثنا- الآن- ليس في أنّ العلّة هل تعمّم أم لا؟ بل البحث في أنّ عنوان الذهب و الفضّة أو الدينار و الدرهم، هل يستظهر منه عنوان النقد أم لا؟

استظهر البعض أنّه حيث أنّ ماليّة الأوراق مستمدّة من ماليّة الذهب و الفضّة، و لذا كلّما نقصت كمّية الذهب و الفضّة نقصت قيمة هذه الأوراق، فللأوراق نفس‌

28

ماليّة الذهب و الفضّة، فتجري فيها أحكام الذهب و الفضّة كالربا.

و البعض الآخر استبعد ذلك؛ لأنّه في الزمن القديم كان التعامل بنفس الذهب و الفضّة، و الدليل قام على نفس النقد المصنوع من الذهب و الفضّة فقط، و أمّا الآن فليس كذلك.

و أيضاً إنّ النقد- كصفة قياسيّة- كان عارضاً على الذهب و الفضّة اللذين من المكيل و الموزون، فيجري فيهما الربا بلا إشكال، و أمّا النقد الورقي الموجود فليس مكيلًا و لا موزوناً، إلّا أن نستظهر من الأدلّة أنّ المعيار في ربا الصرف هو كونه نقداً لا مكيلًا موزوناً، و هو بعيد جدّاً.

فالخلاصة أنّ الأوراق النقديّة لها ماليّة اعتباريّة لا بمعنى الوثيقة، بل اعتبرت نفس الورق هو المال، و سيأتي تفصيل هذا البحث في البحوث القادمة إن شاء اللّٰه تعالى.

4 قد قسّم الفقهاء البنوك على ثلاثة أصناف:

1- أهلي: و هو ما يتكوّن رأس ماله من شخص واحد أو أشخاص مشتركين.

2- حكومي: و هو الذي تقوم الدولة بتمويله.

3- مشترك: و تموّله الدولة و أفراد الشعب.

و يجب التنبيه إلى أنّ الغرض من التقسيم مبنيّ على أنّ الدولة لا تملك ما تحت يدها من الأموال، و أمّا بناءً على ما ذهبنا إليه من مالكيّة الدولة فلا فائدة في التقسيم؛ لأنّه لا فرق حينئذٍ في المالكيّة بينها و بين الأشخاص، إلّا أنّ في البنوك المالك هو عنوان الخزينة الوطنيّة (/ البنك المركزي)، و الحكومة هو وليّ التصرّف، و هذا أسميناه في بحث ملكيّة الدول بترامي العناوين، و لكن سنبحث على كلا المبنيين،

29

و سنبيّن في ما بعد أنّ هذا التقسيم غير صحيح حتّى على كون أموال الدولة مجهولة المالك.

و نشرع في البحث على حسب تقسيم السيّد الخوئي (قدس سره) عن البنك الأهلي الإسلام.

قال (قدس سره): «لا يجوز الاقتراض منه بشرط الفائض و الزيادة لأنّه رباً محرّم» (1)، انتهى.

و هذا الأصل ممّا لا إشكال فيه بنصّ القرآن، و قد وردت فيه روايات مستفيضة في باب القرض و في أبواب اخرى، سوف نستعرضها مفصّلًا في البحوث القادمة.

ثمّ تعرّض السيّد الخوئي (قدس سره) إلى بعض الطرق للتخلّص من الربا في معاملات البنك، و نتعرّض إليها و إلى طرق اخرى- لم يذكرها السيّد (قدس سره)- مفصّلًا إن شاء اللّٰه تعالى.

و لكن قبل الخوض في طرح هذه الطرق المسمّاة بالحيل التخلّصيّة، يجب الالتفات إلى أمر بالغ الأهمّية تحصل الغفلة عنه في البحث الفقهي، كما تحصل الغفلة عنه عند متخصّصي و خبراء الموضوعات المختلفة، تلك الموضوعات التي تقع في الأبواب الفقهيّة للمحمولات الشرعيّة، فإنّ في كثير من البحوث المستجدّة يطالب الفقيه فيها بإيجاد الحلول في ذلك الباب و أحكام ذلك الموضوع، سواء كان الموضوع ماليّاً نقديّاً أم قرضاً مصرفيّاً أم معاملة يقوم بها البنك أم موضوعاً طبيّاً أم جنائيّاً، إلى غير ذلك من موضوعات الأبواب التي طرأ عليها كثير من المستجدّات.

و بعد ما يطرح الفقهاء مجموعة من الحلول و الوجوه تبدأ الانتقادات من متخصّصي علوم تلك الموضوعات بأنّها عقيمة أو فاشلة، ليست فيها حيوية آليّة، و لا ديناميكيّة نشطة يتطلّبها العصر الحديث، إلى غير ذلك من الانتقادات، فترى المتخصّصين كبقيّة المكلّفين وضعوا أنفسهم في مقام التفرّج و الترقّب إلى ما يصنعه الفقيه.

____________

(1) المسائل المستحدثة: 406.

30

و تارة اخرى ترى أنّ المتخصّص يتقحّم في البحث عن أحكام موضوع ذلك الباب، و يحاول أن يتفرّد و يستبدّ في استنطاق أدلّة حكم ذلك الموضوع بغية منه في التوصّل إلى العلاج.

و هذين النحوين يشاهدان كثيراً، و لكن الذي نراه صحيحاً هو مسار ثالث مع تخطئة كلا المسارين السابقين، حيث أنّ فيهما خوضاً من الفقيه أو المتخصّص في ما يخرج عن الدائرة المقرّرة له، فإنّ وظيفة الفقيه هي تحديد الحكم المحمول القانوني للمسألة و الباب المعيّن، و تحديد عنوان موضوع ذلك الحكم.

و بعبارة اخرى: أنّ المعالجة القانونيّة و استنطاق الأدلّة هي بيد الفقيه، فهو يحدّد الخطوط العامّة القانونيّة و القوالب المتعدّدة، و أمّا وظيفة المتخصّص فهو بعد أن يستعين بالفقيه في تحديد الجهة القانونيّة و الخطوط العامّة، عليه أن يتحرّك في صياغة الموضوع و موادّه بأن يدرجها في تلك القوالب التي عيّنها له الفقيه، فمثلًا: بعد أن يحدّد البحث الفقهي الخطوط العامّة في حكم المال و النقد و القرض و الحوالة و الشركة و المضاربة و غيرها يتحتّم على المتخصّص المصرفي و الخبير المالي النقدي بخلق أنشطة مصرفيّة أو ماليّة، معقّدة أو بسيطة، تندرج و تنطبق عليها تلك الخطوط العامّة، فآليّة الحلّ الموضوعي و صياغتها و شكلها إنّما هي من تخصّص المتخصّص الموضوعي و ليس من تخصّص الفقيه؛ إذ المتخصّص الموضوعي هو الذي يحيط بحاجيات الظرف الاقتصادي- مثلًا- و كيفيّة إشباعه و تحريكه عن الخمود في ظلّ ما يرسمه له الفقيه من حدود.

نعم، لأجل سلامة النتائج لا بدّ من عمل مزدوج و مشترك بأن يتعاطى كلّ من الفريقين أنظار الآخر لكي لا يقع لبس لدى المتخصّصين في الموضوعات- مثلًا- في كيفيّة درج حلولهم و ابتكاراتهم في أشكال الموضوع تحت الحدود الفقهية. و هذا ليس شأن الفقه الإسلامي فقط، بل حال فقه القانون الوضعي أيضاً كذلك، حيث أنّه لا بدّ من انضمام التخصّص القانوني مع التخصّصات الموضوعيّة لأجل إقامة القانون‌

31

في الأشكال و الموضوعات المستجدّة لكي لا يجمد القانون على التطبيق، و كي لا يكون هناك إعاقة من الطرفين على الآخر، بل تحريك عجلة المستجدّات الموضوعيّة في عين حركتها و نموّها و تطوّرها في القنوات القانونيّة، و هي الحالة الوسط التي يكون فيها الكمال.

و إنّ من فوائد هذا المسار هو تحريك عقول أهل التخصّص لكلّ موضوع لأجل تكييف الواقع الموضوع و تشكيله بنحو مرن في الهيكل الخارجي بنحو يتكيّف هو مع القالب القانوني الشرعي، بحيث يقطع الطريق عن الاستفادة الكثيرة من استثنائيات القانون الشرعي المسمّاة بالعناوين الثانوية، أي أنّه يقطع الطريق عن تكييف و تمييع و تنطيط القانون الشرعي بنحو يلائم الواقع الخارجي للموضوع كيفما تقتضيه الظروف المعاشة من دون تدبير إجرائي حكيم. فهذا المسار مدعاة لعدم خمول أهليّة التخصّص و تواكلهم على الحلّ القانوني تحت ذريعة التسليم للأمر الواقع المعاش، فهو دافع لهم للبحث المضني عن الحلول الموضوعيّة المشكلة لا الحلول القانونيّة الحكميّة، و أمثلة ذلك كثيرة، فالمشاكل التي يزعم أنّها تحدّيات للفقه الشرعي:

مثل الربا في البنوك و التعاملات الماليّة، و مثل حركة المرأة في المجتمع الخارجي مع حفظ جدار الحجاب العازل بين الوسط الرجالي و الوسط النسوي في مطلق مواقع تنقّلات المرأة و حركتها، و مثل دعوى قيام الإذاعة و الشاشة البصريّة (/ التلفاز) على الموسيقى و الغناء، بينما هناك من الأصوات المحلّلة العذبة و صوت البلابل و الطيور و خرير الماء و صفيف الأوراق و نسيم الهواء إلى غير ذلك من الأصوات المحلّلة الطبيعيّة، و مثل تلف المجموعات الكبيرة من الهدي في الحجّ لعدم إعداد آليّة تصريف تلك اللحوم بوسائل التبريد الحديثة، و النقل السريع إلى المناطق البعيدة أو البلدان الاخرى، هي تحدّيات لأهل التخصّص في موضوعات تلك الأبواب في قدرتهم و خلّاقيّتهم لتكييف الموضوعات الخارجيّة بنحو مرن يتطابق مع‌

32

قولبته الفقهيّة.

ففي الموضوع الأوّل هذا التحدّي يواجه أصحاب التخصّص المالى و النقدي و خبراء التنمية و المصارف.

و في المثال الثاني هذا التحدّي يواجه مهندسي العمران و وسائل النقل و خبراء علم الإدارة و الأعمال و نحوهم.

و في المثال الثالث هذا التحدّي يواجه متخصّصي الصوت و الفنون التشكيليّة و خبراء البرامج، في نفس الوقت الذي يركّز هذا المسار على مزاوجة كلّ من العمل و البحث الفقهي، و العمل و البحث التخصّصي الموضوعي للهيمنة و السيطرة على كلّ المستجدات بنحو يكفل ثبات القوالب الفقهيّة، و تكييف الموضوعات على وفقها، و يكفل استمرار حيويّة التجديد في حركة الموضوعات و نموّها.

و في المثال الرابع هذا التحدّي يواجه مهندسي التبريد و خبراء النقل و متخصّصي علم الإدارة و التجارة.

كما أنّه يجب التعرّض إلى الإشكالات العامّة الواردة على تلك الحيل بشكل عامّ في مورد البنوك و غيرها، فإنّ بعض الفقهاء يذهب إلى تحريم مطلق الحيل، كما يذكره الوحيد البهبهاني، حيث صرّح بحرمتها بضرورة الشرع، و كذلك المقدّس الأردبيلي و صاحب الحدائق و بعض المعاصرين.

ثمّ إنّ الإشكالات التي تواجهها الحيل نوعان:

1- إشكالات عامّة ترد على مطلق الحيل التخلّصيّة.

2- إشكالات خاصّة ترد على خصوص بعض الحيل.

و الآن نتعرّض إلى الإشكالات العامّة و الجواب عنها، ثمّ في أصل طرح الحيل نتعرّض إلى الإشكالات الخاصّة في كلّ واحدة من الحيل التخلّصيّة.

33

الإشكالات العامّة: على الحيل التخلّصية

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الإشكال الأوّل إنّ المتأمّل في الآيات و الروايات الواردة في أبواب الربا يرى شدّة اللحن و كثرة التأكيد على حرمة تلك الزيادة،

و يجزم بأنّه لا يمكن أن يسوّغ الشارع طرقاً يصل الإنسان معها إلى نفس الواقع المالي الاقتصادي الحاصل من الربا، فليس الإشكال في الكلمة حتّى يمكن أن نستبدلها بكلمة اخرى و تُحدث نفس الأثر، بل الإشكال هو في ذلك الأثر المالي الاقتصادي الذي يحصل من الربا.

لسان الآيات الكريمة في الربا في نهاية الشدّة و الغلظة، كالحرب مع اللّٰه و رسوله (1)، و الوعيد بالعذاب الأليم (2)، و الخلود في الجحيم (3)، و أنّه ظلم (4)، و تخبّط من الشيطان (5).

و الأخبار أيضاً تحكي عن قبح الربا بأشدّ التعابير، كنكاح الرجل امّه في بيت اللّٰه‌

____________

(1) قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ) البقرة 2: 278 و 279.

(2) قوله تعالى: (وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ كَثِيراً* وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ أَكْلِهِمْ أَمْوٰالَ النّٰاسِ بِالْبٰاطِلِ وَ أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ مِنْهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً) النساء 4: 160 و 161.

(3) قوله تعالى: (فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ) البقرة 2: 275.

(4) قوله تعالى: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ) البقرة 2: 279.

(5) قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ) البقرة 2: 275.

36

الحرام (1)، و أنّ درهم ربا أشدّ من عشرين (2)، أو ثلاثين (3)، أو سبعين (4) زنية كلّها بذات محرم، و أنّه أخبث المكاسب (5)، و أنّه يمحق الدين (6)، و شرّ المكاسب (7)، و موجب لهلاك النّاس (8)، و أنّ آكل الربا و مُوَكِّلَه و كاتبه و شاهديه ملعونون على لسان اللّٰه (9) و رسوله (10).

فمع هذا العدد الضخم من التأكيدات، و هذا اللسان الغليظ في الآيات و الروايات كيف يمكن أن نفرض تسويغ الشارع نفس ذلك الأمر و التوصّل إليه بتغيير كلمة مثلًا؟

و كيف يمكن رفع اليد عن تشبيه الربا بأشدّ القبائح و المنكرات المستوجب للقتل عن طريق تغيير لفظة: «أقرضتك ألفاً بألفين» بلفظة «هبني ألفاً بشرط أن أقرضك‌

____________

(1) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في وصيّته لعليّ (عليه السلام): «يا عليّ، الربا سبعون جزء، فأيسرها مثل أن ينكح الرجل امّه في بيت اللّٰه الحرام». ب 1/ أبواب الربا/ 12.

(2) قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «درهم ربا أشدّ من ثلاثين زنية كلّها بذات محرم». ب 1/ أبواب الربا/ 6.

(3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «درهم ربا أشدّ من ثلاثين زنية كلّها بذات محرم، مثل عمّة و خالة». ب 1/ أبواب الربا/ 5.

(4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «درهم ربا أشدّ من سبعين زنية كلّها بذات محرم». ب 1/ أبواب الربا/ 1.

(5) عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «أخبث المكاسب كسب الربا». ب 1/ أبواب الربا/ 2.

(6) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قلت له: إنّي سمعت اللّٰه يقول: (يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ) (البقرة 2: 276)، و قد أرى من يأكل الربا يربو ماله.

فقال: أي محق أمحق من درهم ربا يمحق الدين، و إن تاب منه ذهب ماله و افتقر». ب 1/ أبواب الربا/ 7.

(7) قال رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله): «شرّ المكاسب كسب الربا» ب 1/ أبواب الربا/ 13.

(8) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا أراد اللّٰه بقوم هلاكاً ظهر فيهم الربا». ب 1/ أبواب الربا/ 17.

(9) عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّٰه لعن آكل الربا و موكله و كاتبه و شاهديه». ب 4/ أبواب الربا/ 3.

(10) عن عليّ (عليه السلام)، قال: «لعن رسول اللّٰه الربا و آكله و بائعه و مشتريه و كاتبه و شاهديه». ب 4/ أبواب الربا/ 2.

37

ألفاً بألف» مثلًا؟ فهذا التشديد لا يتناسب بشكل من الأشكال مع الوصول إلى نفس الواقع المالي الاقتصادي.

الإشكال الثاني إنّه قد وردت في الآيات و الأخبار علل لتحريم الربا،

و أنّ هذه العلل موجودة في تلك الحيل، فالحرمة موجودة فيها أيضاً، فمن العلل المذكورة في الآيات ما ورد في سورة البقرة في آية 279 من أنّه ظلم.

و الآيات التي قبلها تحثّ على الإنفاق و الكسب الحلال، و تبيّن الفرق بين وعد اللّٰه سبحانه و تعالى و وعد الشيطان، و أنّ الإنفاق و الصدقات التي يبذلها الإنسان المؤمن للفقراء لا تخفى على الباري سبحانه، بل أنّ صدقة السرّ أفضل عند اللّٰه من صدقة العلن.

ثمّ تذكر في الآيات المتتالية حرمة الربا و شدّة العذاب و أنّه حرب مع اللّٰه و رسوله.

ثمّ تعلّل حرمة الربا بالظلم، و هو حرام (وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لٰا تَظْلِمُونَ وَ لٰا تُظْلَمُونَ) (1) فإنّ الشارع يعتبر أنّ الزيادة على رءوس الأموال- و لو بإعطائها للتأجيل- ربا، و أنّها من الظلم المحرّم.

و يمكن أن يقرب هذا المعنى بالتعبير المالي الاقتصادي؛ و ذلك أنّ المقرض عند ما يعطي (100) دينار للمقترض على أن يسترجعها بزيادة بعد شهر- مثلًا- فهذه الزيادة حقّ المقترض الذي اكتسبها بجهده في تحصيل المال و المعاش، فأخذ المقرض تلك الزيادة يكون من دون مقابل، و هو ظلم على المقترض.

و في صحيحة محمّد بن قيس الواردة في باب المضاربة ما يدلّ على هذا المعنى:

____________

(1) سورة البقرة 2: 279.

38

عن أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ عليّاً (عليه السلام) قال: من ضمن تاجراً فليس له إلّا رأس ماله، و ليس له من الربح شي‌ء» (1).

و هو قريب من التعليل الوارد في الآية الشريفة، حيث أنّك إن ضمّنته فيكون هذا أشبه بالقرض، و لن يمتلك المالك العين الخارجيّة، بل تكون العين الخارجيّة ملكاً للعامل، و المالك له كلّي في الذمّة، و في مثل تلك الحالة يكون الربح للعامل؛ لأنّه نماء لتلك العين الشخصيّة و مشاركة المالك للعامل في الربح و النماء مع محفوظيّة أصل المال في ذمّة العامل يكون ظلماً.

نعم، لو لم يكن القرض تمليك شخص العين، فيكون النماء على السواء بينهما، و لا ظلم في البين.

و هذه العلّة- أي حصول الظلم على المقترض- موجودة في هذه الحيل التخلّصيّة، فإنّك إذا اشترطت القرض في الهبة فسوف يستوفى مقداراً زائداً على ما أعطاه، و هذا في واقعه ظلم.

و من العلل المذكورة في الآيات قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (2).

فالآية الكريمة تحرّم الربا المؤدّي إلى أكل أموال النّاس، و استئصال أموالهم، و هذا حاصل بنفس الحيل الشرعيّة أيضاً.

أمّا العلل الواردة في الروايات:

ففي صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّما حرّم اللّٰه عزّ و جلّ‌

____________

(1) كتاب المضاربة، ب 4/ 1.

رواه الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس.

(2) سورة آل عمران 3: 130.

39

الربا لكيلا يمتنع النّاس من اصطناع المعروف» (1).

إنّ الرواية تعبّر عن القرض أنّه معروف يصطنعه النّاس من أجل تيسير مصالح الآخرين، و لو أنّ المقرض وجد من يردّ ماله مع زيادة، فلن يقبل أن يقرض؛ لأنّ تحصيل الزيادة مطلوب لدى كلّ إنسان. و هكذا في الحيل؛ إذ أنّها توصل إلى نفس الزيادة، فالمقرض عن طريق هذه الحيل يحصل على زيادة، فلن يقرض ماله حينئذٍ.

فصار الحال كما كان عليه مع الربا. و هذا أمر محسوس في عالمنا اليوم؛ إذ لمّا برزت الحيل في البلدان الإسلاميّة لاستحصال الفائدة امتنع النّاس عن الاقراض.

و هكذا نقول في موثّقة سماعة: قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي رأيت اللّٰه تعالى قد ذكر الربا في غير آية و كرّره.

قال (عليه السلام): أ وَ تدري لِمَ ذاك؟ قلت: لا.

قال (عليه السلام): لئلّا يمتنع النّاس من اصطناع المعروف» (2).

و في صحيحة هشام بن الحكم: «أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن علّة تحريم الربا؟

فقال (عليه السلام): إنّه لو كان الربا حلالًا لترك النّاس التجارات ما يحتاجون إليه، فحرّم اللّٰه الربا لتنفر النّاس من الحرام إلى الحلال، و إلى التجارات من البيع و الشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض» (3).

و إنّ حبّ استنماء المال و الحصول على المال الأكثر أمر غريزي في الإنسان،

____________

(1) ب 1/ أبواب الربا/ 4.

رواه الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم.

(2) ب 1/ أبواب الربا/ 3.

رواه الكليني، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة.

(3) ب 1/ أبواب الربا/ 8.

رواه الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم.

40

و لا يكاد يخلو منه فرد، فلذلك يسعى إلى التجارة.

فالاستزادة الحاصلة من البيع و الشراء تكون نتيجة ذلك الجهد و التعب البدني و الفكري الذي يبذله التاجر كوسيط بين المولّد و المستهلك في قطاع التوليد و التوزيع و المصرف في اختيار أحسن السلع و أرخصها، و في نفس ذلك الوقت يكون مساهماً في تحريك عجلة الحياة، و إشباع حاجات المجتمع الأساسيّة، فتكون هذه الزيادة مقابل ذلك الجهد و تلك الخدمات.

و أمّا في الربا، فإنّ الزيادة تحصل من دون تعب و جهد، و الإنسان يميل إليه أكثر من الميل إلى تحصيل النفع عن طريق التعب و بذل الجهد، فالربا يؤدّي إلى ترك التجارات، و هكذا تلك الحيل فإنّها تؤدّي إلى ترك التجارات و اللجوء إلى هذه الحيل لاستزادة و استنماء المال، فسلوك طريق الحيل يؤدّي إلى نفس سلبيّات سلوك طريق الربا، فيجمّد اقتصاد المجتمع.

و منها ما ورد في مصحّحة محمّد بن سنان: «أنّ عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) كتب إليه في ما كتب من جواب مسائله: و علّة تحريم الربا لما نهى اللّٰه عزّ و جلّ عنه، و لما فيه من فساد الأموال؛ لأنّ الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً و ثمن الآخر باطلًا، فبيع الربا و شراؤه وكس على كلّ حال على المشتري و على البائع، فحرّم اللّٰه عزّ و جلّ على العباد الربا لعلّة فساد الأموال، كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوّف عليه من فساده حتّى يؤنس منه رشد، فلهذه العلّة حرّم اللّٰه عزّ و جلّ الربا و بيع الدرهم بالدرهمين... و علّة تحريم الربا بالنسية لعلّة ذهاب المعروف، و تلف الأموال، و رغبة النّاس في الربح، و تركهم القرض، و القرض صنائع المعروف، و لما في ذلك من الفساد و الظلم و فناء الأموال» (1).

____________

(1) ب 1/ أبواب الربا/ 11.

رواه الصدوق بإسناده عن محمّد بن سنان.

41

و يرد اصطلاح «ربا النسيئة» في الرواية بمعنى «ربا القرض»، و أيضاً اصطلاح «ربا الفضل» ورد في فقه العامّة بمعنى «ربا المعاوضة» عندنا.

و أمّا ما يؤدّيه الربا إلى تلف الأموال فذلك لأنّ المقترض عند ما يدفع الفضل و الزيادة يدفعها من ربحه و ما يقوم به من جهد في تحصيل المعاش، و هذا المبلغ قابل للازدياد، خصوصاً إذا تخلّف في الدفع و تأخّر، و تزداد حتّى تستأصل جميع أمواله.

و بالجملة: فإنّ علل تحريم الربا موجودة حتّى في تلك الحيل؛ لأنّ في هذه الحيل تؤخذ أيضاً الزيادة، و هو موجب لتلف الأموال و فسادها و ترك التجارات و الاقراض.

إن قلت: إنّ هذه الامور ليست عللًا حتّى يدور الحكم مدارها، بل هي حكمة، و من المعلوم أنّ الحكمة لا يجب مراعاتها.

قلت: أوّلًا: ما قيل بأنّ الحكمة لا تراعى معناه أنّه ليس من اللازم تحقّقها في جميع الموارد، و لكن في المورد الذي تحقّقت لا بدّ من مراعاتها، الفارق بين العلّة و الحكمة هو أنّ الحكم يدور مدار العلّة دائماً، نفياً و إثباتاً، و أمّا الحكمة ففي المورد الذي تتحقّق تراعى، و في المورد الذي لا تتحقّق فلا يعني أنّ العلّة في تأثيرها دائميّة و الحكمة مشروطة.

فإذا حرّم الشارع الربا لحكمة التحفّظ عن تلف الأموال، فلا يجب أن يكون في جميع أقسام الربا تلف الأموال، و لكن إذا كان هذا التلف موجوداً في مورد فلا مفرّ عن الحكم بحرمته، و إلّا تصير الحكمة لغواً، فإنّ العلّة إذا وجدت يوجد الحكم، و إذا انتفت انتفى الحكم مطلقاً، أمّا الحكمة فهي إذا انتفت لا ينتفي الحكم، و لكن إذا وجدت يوجد الحكم.

ثانياً: إنّما لا تراعى الحكمة إذا لم يستلزم لغويّة التحريم من رأس، و هاهنا تلزم لغويّة التحريم من رأس؛ لأنّه إذا كان الحال أنّنا نتوصّل إلى نفس الربا بتمام حذافيره و دائرته الاقتصاديّة و الماليّة فهذه الحرمة تصير لغواً.

ثالثاً: إنّ التشريع في أبواب المعاملات ليس تعبّدياً محضاً كأبواب العبادات،

42

و إنّما هي تشريعات في ضمن الحِكَم و الافق العقلائي، غاية الأمر بتنبيه من الشارع و تهذيب و ترصيف، فلذا إذا كانت العلل المبيّنة مستندة إليه و مصرّح بها من قِبل الشارع، ففي كلّ مورد توجد هذه الحِكَم توجد الحرمة أيضاً.

فالحِكَم في الربا ليست من قبيل الحِكم في العبادات التي لا تراعى أصلًا، بل تكون مرعيّة في المعاملات بالنسبة.

الإشكال الثالث إنّ تلك الحيل تبتني على تغيير في صورة المعاملة،

فبدلًا عن أن تكون المعاملة بصورة القرض فتكون رباً محرّماً، تصبح بصورة البيع أو بصورة الهبة أو ما شابه ذلك، و هذا التغيير الصوري لا يؤثّر في الإرادة الجدّية لدى المتعاقدين في شي‌ء، و بالتالي يكون البيع أو الهبة غير مقصود.

توضيح ذلك: أنّنا عند ما نعبّر عن الإرادة الجدّية نعني بها الداعي الحقيقي الذي دفع المتعاقدين إلى هذه المعاملة، فأحد الطرفين يحتاج إلى رأس مال و الآخر يقرضه ذلك مع فائدة في هذا القرض، و هذا هو الدافع و الداعي و الإرادة الجدّية لكلا المتعاقدَين.

و إذا حاول المتعاقدان إلباس هذا الواقع في صورة اخرى حتّى لا يدخل في قناة الربا المحرّم بتوسيط تغيير العنوان، فلا يوجب دخول المسألة في قناة غير قناة الداعي الحقيقي لها.

إن قلت: إنّه يوطّن نفسه على الالتزام بأحكام البيع أو الهبة.

قلت: إنّ هذا التوطين ليس إلّا تلقين النفس بألفاظ معيّنة، لا تحدث له إرادة جدّية، بل الإرادة الجدّية الاولى على حالها لم تتبدّل، و نفس هذا الإشكال وارد في ربا القرض و ربا المعاوضة.

أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فغرض المتعاقد أن يبيع (100) كيلو من حنطة‌

43

ب‍ (150) كيلو منها، فللتخلّص من الربا يضع مع الأوّل ضميمة- كمنديل مثلًا- و واضح وضوح الشمس في رابعة النهار أنّ هذه الصورة صورة هزليّة؛ إذ لم تتّجه الإرادة الجديّة إلى بيع المنديل، و ما حصل إلّا تغيير في صورة البيع فقط، و لم يؤثّر ذلك على الواقع شيئاً.

و يمكن التوسّع في هذا ببيان اقتصادي، و ذلك بأنّ الربا عادة يولّد غدداً اجتماعيّة تستنزف الطاقات الماليّة في المجتمع، و يقوم باستغلال شرائح المجتمع المختلفة، فيكون المرابون مستنزفين لكلّ طاقات المجتمع بلا جهد و لا عمل و لا مشقّة.

فإنّ قطّاع التوليد- سواء الزراعي منه أم الصناعي- يحتاج إلى رأس مال كبير لكي يبدأ ببناء المشروع، و ذلك يؤخذ من البنوك، و البنك يأخذ نسبة ربويّة معيّنة، فينصب قسطاً كبيراً من الأرباح إلى أصحاب الرساميل في تلك البنوك، فالأرباح التي يستحصل عليها ذلك المولّد سوف يدفع جزء منها إلى البنك- هذا إذا استطاع سداد ذلك باستمرار- و أمّا إذا تراكمت عليه الديون فسوف يقع تحت هيمنة البنك و سلطانه، و يمكن أن يذهب كلّ أرباحه و جزء من رأس ماله.

و في قطاع التوزيع الذي يقوم التاجر فيه كوسيط بين المولّد و المستهلك (/ صاحب المصرف)، فإنّ التاجر يحتاج عادة إلى قرض من البنك لإنشاء مؤسّسة توزيعيّة و تنميتها، و حتّى على فرض عدم احتياجه إليه في بداية نشأته، فإنّه سوف يحتاج في ما بعد إلى البنك لتسهيل عمليّة البيع و الشراء، و فتح الاعتمادات، و توفير السيولة، و هذا يكون في صورة قروض بنكيّة مع فائدة بنسبة معيّنة، و يكون البنك شريكاً له في الربح.

و في قطاع المصرف و الاستهلاك، فالمستهلك يحتاج في بعض مراحل حياته إلى سيولة ماليّة من أجل بناء منزل أو ما شابهه، فيحصل عليها عن طريق قرض من البنك، فتكون المحصّلة النهائيّة سيطرة البنوك عن طريق المعاملات الربويّة على المجتمع بقطّاعاته الثلاثة، و نفس هذه العمليّة لو تصوّرناها بين البلدان الفقيرة و الغنيّة و البنوك‌

44

العالمية، فإنّ الصورة النهائيّة سوف تكون سيطرة غدد عالميّة على اقتصاد الدول المحتاجة، و وضع اليد على ثرواتها الوطنيّة (1).

فهذا الواقع الاقتصادي السيّئ إنّما نشأ نتيجة تجميع الثروات من دون بذل جهد أو مشقّة، و العناوين المباحة التي قد توضع على مثل هذه المعاملات لا تولّد قصداً جدّياً؛ لأنّ هذه العناوين تؤدّي إلى نفس نتائج ذلك العنوان المحرّم، فما الفائدة إذن في تغيير العنوان؟ فالمستهلك الذي يحتاج إلى قرض لبناء منزله مهما ألبست تلك المعاملات ثوباً جديداً فهو لا يغيّر من واقعها شيئاً.

و بتعبير آخر أنّه لدينا مسارات ماليّة معيّنة هي التي تصنّف المعاملات، و ليس القصد المنشأ باللفظ هو الذي يصنّفها، فالهبة بشرط القرض لا تدخل في مسار و قناة الهبة، بل تدخل في عنوان القرض المحرّم؛ لأنّ لها نفس النتائج و الآثار، بل أنّ الدافع لها هو نفسه، و هذا بخلاف الداعي العقلائي الذي من أجله شرّعت الهبة التي محورها التوادّ و التحابّ و ربط أفراد المجتمع مع بعضهم البعض، و آثارها لا تخفى، و أين هذا من ذاك؟ فلا يمكن إدخال تلك المعاملة في مسار و قناة الهبة.

الإشكال الرابع إنّ موضوع الربا المحرّم في الشريعة لم يضيّق في معاملة معيّنة و دائرة خاصّة،

و هي دائرة ربا القرض و ربا المعاملي، بل هو معنى معاملي عام، سواء وقع على نفس‌

____________

(1) و قد شاهدنا في عصرنا هذا تصدّع اقتصاد الدول الخمسة الشرق الآسيويّة، و قد أعزى ذلك في لسان الخبراء الماليّين إلى أسباب، أهمّها الفوائد الربويّة التي يتقاضاها البنك الدولي من تلك الدول. و أمّا دول التنمية من العالم الثالث فهي ترزح تحت نير فوائد الديون للدول السبعة و الثمانية الاقتصاديّة العظمى، و الأخيرة تفرض مختلف سياساتها و سيطرتها عبر ذلك على تلك الدول.

45

ماهيّة معاملة أو على أثرها و نتيجتها، فهو عنوان عامّ يقع بتحقّق ضابطة معناه، و هذا العنوان إنّما هو عنوان الزيادة في المال في مقابل الأجل، و هذا العنوان أينما وجد يكون محرّماً للمعاملة التي جرى فيها.

و الشاهد على ذلك امور:

[الشاهد] الأوّل: تعدّد موارد الربا المحرّم:

1- ربا القرض: و هو متّفق عليه و ضابطته وقوع الزيادة مقابل الأجل.

2- ربا المعاوضة: في المكيل و الموزون.

و نفس هذه الضابطة موجودة فيه أيضاً، حيث أنّك تعطي (100) كيلو من السكر- مثلًا- و تأخذ (150) كيلو منه نسيئة، فيقع (50) كيلو من السكر مقابل الأجل، و الشارع سدّ هذا الباب و جعله متساوي التقدير من دون نسيئة، فنرى أنّ الشارع منع عن ربا المعاملي لنفس النقطة في ربا القرض، فهذا شاهد آخر على التعميم.

3- ربا الصرف: أنّ الشارع اشترط التقابض في المجلس في بيع الصرف في حالة عدم التماثل، كبيع الدينار بالدرهم، لئلا ينجرّ إلى وقوع الزيادة مقابل الأجل، فلو وقع التقابض في المجلس فالزيادة لا تقع في مقابل الأجل، بل تقع مقابل الرغبة الشخصيّة في الشراء و نحوها، فنرى أنّ نفس موضوع حرمة الربا أيضاً متحقّقة، و هذا شاهد آخر على التعميم الموضوعي.

4- ربا النسيئة: بأن يبيع عيناً مع اشتراط تأجيل العوض، فإذا حلّ الأجل و اريد تأجيل الثمن مع زيادة، فإنّه لا يجوز.

و ذلك لشبهة الربا، و تعنون هذه المسألة بقولهم: و لا يجوز تأجيل الحال بالزيادة، و يجوز تعجيله بإسقاط بعضه، فإنّ عدم الجواز هو لعلّة الربا، حيث تقع هذه الزيادة في مقابل الأجل فقط، ففي أي معاوضة حصل فيها اشتراط تأجيل العوض- سواء كانت بيعاً أم صلحاً أم إجارة- ثمّ اريد تأجيل نفس الدين الناتج من المعاوضة في مقابل زيادة، فهذا بلا شكّ محرّم.

46

فتلك الشواهد الأربعة تعيننا لأن ندّعي أنّ موضوع الربا أعمّ، و هو معنى عامّ بمعنى «الزيادة مقابل الأجل»، فيعلم أنّ الربا المحرّم ليس هو الربا القرضي و المعاملي فقط، كما ذكره الأعلام، و إنّما المحرّم هو هذا المعنى، أي الزيادة مقابل الأجل، و هذا المعنى بنفسه موجود في الطرق التخلّصيّة، فكلّ ما يتوصّل به إلى هذا المعنى- و لو عبر قنوات جديدة من الحيل التخلّصيّة- فهو حرام لنفس النقطة التي أشرنا إليها.

فالإشكال الرابع مدّعاه هكذا: أنّ معنى الربا معنى عامّ، و هو المحرّم، سواء كان عين ماهيّة عقد أم نتيجته، و ذكرنا الشاهد الأوّل على هذا المدّعى.

و أمّا الشاهد الثاني: فهو ما ورد في قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً)

(1) فيظهر منها أنّ حقيقة الربا ليست مخصوصة بالقرض و لا بالربا المعاملي، بل مطلق أخذ الزيادة التصاعديّة مقابل الأجل حرام.

الشاهد الثالث: الربا في اللغة بمعنى الزيادة،

فيشمل كلّ زيادة و لو حصلت عبر طرق جديدة. نعم، أنّها منصرفة إلى الزيادة في مقابل الأجل.

الشاهد الرابع: قوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبَا)

(2)، ففي الآية الكريمة ورد تحريم الربا مطلقاً، و لم يختصّ بمعاملة معيّنة، و إن كان مورد نزول الآية الشريفة هو أنّه كانت تقع بيوع، و يتولّد منها دين على أحد الطرفين، فيريد إنساء الأجل المضروب في نفس المعاوضة، فيتقاضى الطرف الآخر الربا التصاعدي مقابل تصاعد الأجل، بينما الروايات المفسّرة عمّمت تحريم الربا في القرآن إلى ربا القرض أيضاً، فتفسير الروايات لها بذلك مع كون مورد نزول الآية الكريمة هو الموارد الاخرى، شاهد على أنّ معنى الربا معنى وحداني لاحظه الشارع و طبّقه في عدّة قنوات معامليّة.

____________

(1) سورة آل عمران 3: 130.

(2) سورة البقرة 2: 275.

47

و لك أن تقول: إنّ مورد نزول الآية- و هو تقاضي الدائن الربا التصاعدي في مقابل الأجل- يتصوّر على نحوين: تارة تتصوّر الزيادة في العوض مقابل الإنساء، و اخرى تتصوّر الهبة بشرط التأجيل.

فإذا صارت الهبة مقابل التأجيل من نفس موضوع الربا- و قد ذكره بعض المفسّرين- فيتّضح أنّ الربا لا يختصّ بمعاملة معيّنة، و هذا تأييد لأعمّية موضوع الربا أيضاً.

الشاهد الخامس: إنّ مناط حرمة الربا موجود في موارد متعدّدة،

و وجود المناط يوجب عدم انصراف «العنوان»، فكلّما دار المناط فيدور العنوان مداره، و المناط هي المفاسد التي اشير إليها في النصوص الشرعيّة.

فإذا كان معنى الربا- بهذه الشواهد- عامّاً، فالحيل التخلّصيّة هي في واقعها ينطبق عليها ذاك المعنى، و هذا المعنى هو المحرّم، سواء وقع على نفس المعاملة أم على أثرها، أي وقع على نفس السبب أم على المسبّب من المعاملة.

ففي الحقيقة أنّ الطرق التخلّصيّة و سلوكها يرجع إلى فتح أبواب الربا على مصراعيه بتوسّط الاستفادة من قنوات معامليّة اخرى، و هذا- بلا ريب- لا يمكن و لا يرضى به الشارع المقدّس.

الإشكال الخامس إنّ العقل يحكم بتّاً بأنّه لا بدّ من مراعاة أغراض و أهداف كلّ مقنّن في تقنيناته

من قبل العاملين بذاك القانون، فكلّ مشرّع- سواء الإلهي أم البشري- يسعى إلى تحقيق أغراض تسمّى بروح القانون أو الضوابط المتحرّكة أو بمقاصد الشريعة، بها ينتظم المجتمع و يصل إلى المصالح، و يجتنب عن المفاسد. فكلّ حكم يخالف و يصادم روح القانون و ذلك الغرض فهو بلا ريب ممنوع لدى المقنّن. و هذا حكم عقلائي أيضاً يراعى في القوانين الوضعيّة البشريّة و سنذكر له شاهداً.

48

فالعقلاء في مواضعاتهم و تقنيناتهم- غالباً- يسجّلون فلسفة ذاك القانون، و يذكرون أنّ امنيتهم الوصول إلى ذاك الغرض و الهدف (/ روح القانون) عبر تلك التقنينات، فيمنعون العقلاء عن كلّ ما هو معارض و مصادم لتلك الأهداف المقصودة التي يبتغونها، حتّى لا تنقض تلك الأغراض عبر نفس القانون بواسطة الاستفادة السيّئة منه.

و الشاهد على ذلك في عرف العقلاء هو المجلس المراقب على تقنينات المجلس النيابي الوطني.

و التشريع بخطواته العامّة موجود في القانون الأساسي لكلّ قوم، و المجلس النيابي الوطني وظيفته التشريعات الجزئيّة و التطبيقات القانونيّة للقوّة التنفيذيّة، فالمجلس غالباً يبيّن مصاديق القانون الكلّي الامّ، و الواجب عليه أن يراعى في التشريعات الجزئيّة الملاكات التي تكون في قانون الامّ، و لا يتخلّف عن روح القوانين الأساسيّة، و لذلك يُشرف على هذا المجلس مجلس آخر يسمّى بمجلس الرقابة القانونيّة (/ صيانة الدستور)، و فلسفة ذلك المجلس هي المحافظة على روح القوانين و ملاكات التشريعات.

و لهذا الحكم العقلي و العقلائي نذكر شاهداً من الفقه، و هو أنّه ذكر الفقهاء أنّ الوالي الشرعي موظّف لإقامة شرائع الدين و أحكامه، و تطبيق الكلّيات على مواردها، فبعض الأحيان يرى أنّ الجعول الأوّليّة يتصادم بعضها مع بعض في كيفيّة تطبيقها، فيتوخّى الوالي حين التطبيق تدبيراً معيّناً يقلّل بقدر المستطاع من تصادمها بغية تحقيق أغراض القانون مهما أمكن، و هذا هو معنى السياسة القانونيّة فهي بمعنى تطبيق القوانين الكلّية على الموضوعات الجزئيّة بلا تصادم في روح القانون.

و بالجملة: فكلّ مشرّع و مقنّن يحاول دائماً المحافظة على روح قانونه و ملاكات تقنيناته، فكذلك الشارع المقدّس في باب الربا، فإنّ تشريع الحيل التخلّصيّة يخالف روح القانون، فإنّه يؤدّي إلى نفس المشاكل و الآفات التي من أجلها حرّم الربا.

49

الإشكال السادس إنّه لو كانت هذه الطرق التخلّصيّة سائغة و جائزة، فما الوجه في عدم بيانها من قِبل الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله)

في نفس الأيّام التي نزلت فيها آيات تحريم الربا؟ إذ كان يسدّ عليهم طريقاً و يفتح عليهم طرقاً اخرى، و ينبّههم عليه باعتبار أنّهم يريدون أن يصلوا إلى نفس الغرض المالي و الاقتصادي الموجود، و الحاصل من الربا بذهابهم إلى قنوات معامليّة اخرى.

فكان من رأفة الشارع، و من سهولة الشريعة، أن يبيّن قنوات اخرى معامليّة، و هذا أفضل من أن يرتطموا بالحرام، و يقعوا في حرب مع اللّٰه و رسوله، فعدم تبيانه من قِبل الشارع شاهد واضح على أنّ الحيل التخلّصية غير سائغة لدى الشارع، و إلّا لبيّنها للوصول إلى نفس الغرض المالي الموجود في الربا.

الإشكال السابع و هو أنّه قد وردت روايتان تدلّان على عدم جواز الحيل التخلّصيّة:

الاولى: ما عن يونس الشيباني، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يبيع البيع و البائع يعلم أنّه لا يسوى و المشتري يعلم أنّه لا يسوى، إلّا أنّه يعلم أنّه سيرجع فيه فيشتريه منه.

قال: فقال: يا يونس، إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لجابر بن عبد اللّه: كيف أنت إذا ظهر الجور و أورثهم الذلّ؟

قال: فقال له جابر: لا بقيت إلى ذلك الزمان، و متى يكون ذلك بأبي أنت و امّي؟

قال: إذا ظهر الربا يا يونس، و هذا الربا فإن لم تشتره ردّه عليك؟

قال: قلت: نعم.

50

قال: فلا تقربنّه، فلا تقربنّه» (1).

و يونس الشيباني من أصحاب الصادق (عليه السلام) معنون في كتب الرجال، و لم يرد فيه توثيق و لا تضعيف، و باقي رجال السند ثقات.

و مضمون هذا الخبر نفس مضمون أخبار العيّنة و فكرة العيّنة من الطرق التخلّصيّة عن الربا، و ملخّصه أنّه يمكن التوصّل إلى نفس الفائدة الربويّة بتوسّط بيعين.

مثلًا: أراد «زيد» أن يستقرض من «خالد» (100) دينار على أن يربحه كذا، فيتوصّل إلى ذلك بطريق أن يشتري «زيد» من «خالد» بضاعة قيمتها (100) دينار، بمائتين (200) دينار مؤجّلة، فالمشتري في هذا البيع هو المقترض (/ زيد)، و البائع هو المقرض (/ خالد).

ثمّ يبيع «زيد» ما اشتراه من «خالد» عليه مرّة اخرى بمائة (100) دينار و نتيجته تحصيل (100) دينار بعنوان الفائدة لزيد المقرض، فهو توصّل إلى نفس المراد من الربا عن طريق بيعين.

و واضح أنّ خبر يونس يمنع عن هذه الحيلة.

الثانية: ما ورد في نهج البلاغة: «أنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: يا عليّ، إنّ القوم سيفتنون بأموالهم- إلى أن قال:- و يستحلّون حرامه بالشبهات الكاذبة، و الأهواء الساهية، فيستحلّون الخمر بالنبيذ، و السحت بالهدية، و الربا بالبيع» (2).

و هذا مؤيّد لما قد قلنا سابقاً من أنّ وراء التقنين في الشريعة أغراض موجودة يجب أن يحافظ عليها.

____________

(1) ب 5/ أبواب أحكام العقود/ 5.

رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن يونس الشيباني.

(2) ب 20/ أبواب الربا/ 4.

51

الإشكال الثامن إنّ الشارع حرّم الربا في موارد مع أنّه ليس بربا حقيقي،

أو إنّه ربا حقيقي و يمكن الالتفاف عليه، و لكنّ الشارع سدّ الأبواب أمام ذلك، و هذه الموارد أربعة:

1- الربا المعاوضي غير الحقيقي (التعبّدي)

مثلًا: أن يبيع (100) كيلو من الرُّزّ الجيّد ب‍ (150) كيلو من الرُّزّ الردي- سواء بإنساء أم بالحال- فإنّه لا ربا حقيقي بينهما، مع ذلك الشارع منعه.

و كذلك (100) كيلو من الحنطة ب‍ (150) كيلو منها نقداً من جنس واحد، فإنّ الشارع حرّم ذلك أيضاً، و غالب ربا المعاوضة هو ربا تعبّدي، و الوجه في تحريم الشارع له هو أن لا يتوصّل منه إلى ربا القرض، فحيث كان طريقاً للوصول إلى ربا القرض، و حيلة للتوصّل إلى ربا المحض، سدّ الشارع هذا الباب من أساسه كي لا يحتال منه إلى الربا الحقيقي- و هو ربا القرض-.

و أحد التفاسير في قوله تعالى: (قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا) (1) هو أنّ اليهود قالوا: ما الفرق بين بيع النسيئة- الذي هو جائز- و بين الربا؟ إذ نستطيع أن نصل إلى نفس الزيادة الربويّة في بيع النسيئة فكيف الأوّل جائز و الربا ممنوع؟ و فسّر قوله تعالى: (وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا) 2 بأنّ الربا ماهيّته نفس ماهيّة البيع، فهو صنف من أصناف البيوع، و أحلّ اللّٰه البيع الذي لا ربا فيه و حرّم الربا، أي البيع الذي فيه الربا، فالربا و بيع النسيئة طريقان يتوصّل بهما لاستزادة الربح. فهذا الربا المعاملي و المعاوضي حرّمه الشارع لسدّ باب الوصول إلى الربا الحقيقي.

2- الربا في المعدود

المشهور أنّ الربا يجوز في المعدود، إلّا أنّ السيّد البروجردي (قدس سره) و بعض تلاميذه‌

____________

(1) 1 و 2 سورة البقرة 2: 275.

52

ذهبوا إلى تحريم الربا حتّى في المعدود، وفاقاً لجماعة من القدماء، كالمفيد و سلّار و القاضي و الشيخ في بعض كتبه؛ لأنّه يمكن التوصّل إلى ربا القرض بتوسّط استقراض (100) بيضة ب‍ (150) بيضة اخرى، أو بتوسّط بيع المعدود بالمعدود نقداً مع التفاضل في العدد، أو نسيئة مع التساوي في العدد.

فالشارع سدّ هذا الباب- بناءً على حرمته- لسدّ باب ربا القرض.

3- في معاوضة المكيل و الموزون مع اختلاف الجنس

فإنّ المشهور يبنون على جوازه، مثل أن يبيع (100) كيلو من التمر- الذي قيمته تساوي واقعاً مع (50) كيلو من الرُّزّ- ب‍ (100) كيلو من الرُّزّ إلى شهر- مثلًا- فإنّ البائع قد حصلت له فائدة في تلك المعاملة.

لكن غير المشهور- كبعض القدماء- يبنون على الحرمة، فبناءً على الحرمة فتلك الحرمة تكون سدّاً لباب ربا القرض.

4- في مورد ترديد البائع الثمن بين النقد و النسيئة وردت روايات

منها: ما عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام): «إنّ عليّاً (عليه السلام) قضى في رجل باع بيعاً و اشترط شرطين، بالنقد كذا و بالنسيئة كذا، فأخذ المتاع على ذلك الشرط. فقال: هو بأقلّ الثمنين و أبعد الأجلين، يقول: ليس له إلّا أقلّ النقدين إلى الأجل الذي أجّله بنسيئة» (1).

أي عند تصريح البائع بأنّه نقداً كذا و نسيئة كذا يتّضح أنّ الزيادة وقعت مقابل الإنساء، فالسعر الحقيقي إذن هو النقد و إنّما اريدت الزيادة للإنساء، فأدمج البائع ماهيّة البيع بماهيّة الربا، فصحّح الشارع الماهيّة البيعيّة و أبطل الماهيّة الربويّة، فتقع ماهيّة البيع و تبطل ماهيّة الربا.

____________

(1) ب 2/ أبواب أحكام العقود/ 2.

رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن النوفلي، عن السكوني.

53

و هناك روايات ظاهرها بطلان ذلك العقد من رأس، فيجب إعادته و إنشاؤه مرّة اخرى.

و منها: ما عن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث-: «إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّه عليه و آله) بعث رجلًا إلى أهل مكّة و أمره أن ينهاهم عن شرطين في بيع» (1).

الإشكال التاسع إنّ في آيات تحريم الربا إشارة إلى ذمّ أهل الكتاب

(2)؛ لأنّهم أجازوا التعامل الربوي و بنوا اقتصادهم و معاشهم عليه، بعد أن كانوا قد نهوا عنه، و إذا تصفّحنا التاريخ فإنّنا نرى أنّهم تدرّجوا في تحليل الربا، فبدءوا في أوّل الأمر باتّخاذ الحيل التخلّصيّة التفافاً على القانون، ثمّ بعد ذلك بتجويز الربا صريحاً بنحو جزئي، ثمّ أجازوه مطلقاً و قالوا:

ذاك في عهد ما كانت للمال قوّة استثماريّة، و الآن في عهد للمال قوّة استثماريّة، فإذا كانت الآيات ناظرة إلى هذه الظاهرة، فيجب سدّ هذا الباب من أساسه حتّى لا تسوّل نفس أحد أن يتوصّل إلى نفس الربا بصورة اخرى. و هذا الإشكال أمّا أن نعتبره وجهاً مستقلّاً، أو مؤيّداً لبعض الوجوه المتقدّمة.

هذا تمام الوجوه التي تقال على الحيل التخلّصيّة في الربا بعنوان عامّ. و سيأتي إشكال آخر نذكره في طيّ أحد الأجوبة (3).

____________

(1) ب 2/ أبواب أحكام العقود/ 3.

رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن الحسن بن فضّال، عن عمرو ابن سعيد، عن مصدّق بن صدقة، عن عمّار.

(2) قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ طَيِّبٰاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ كَثِيراً* وَ أَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ) سورة النساء 4: 160 و 161.

(3) راجع الصفحة 85.

54

أقوال العامّة في الحيل

أمّا فقهاء العامّة فنراهم قد انقسموا في مشروعيّة الحيل، فحرّمها الحنابلة و المالكيّة تحريماً بتّاً باعتبار أنّها نوع من الالتفاف على الحكم الشرعي الواضح، و استدلّوا ببعض الروايات النبويّة الواردة في تحريم التحايل للوصول إلى القمار عبر غير القمار.

و بما ورد من قصّة أصحاب السبت حيث أنّه قد ورد تحايلهم في صيد السمك يوم السبت، فنزل فيهم العذاب مع أنّهم لم يصيدوا يوم السبت مباشرة، و استندوا أيضاً ببعض الوجوه العقليّة.

و أمّا الحنفيّة و الشافعيّة فسوّغوا الحيل الشرعيّة الثابت ورودها عن الشارع بشرط أن لا يشترط في العقد.

أمّا المتأخّرون منهم كلجنة الإفتاء المشرفة على البنوك الإسلاميّة في دول الخليج أو في مصر، فالظاهر منهم تسويغ بعض الحيل الشرعيّة (1).

____________

(1) قد ظهر منذ البداية في السنن الاولى من الصدر الأوّل من الإسلام تيّاران متعارضان في أمر الربا عند أهل السنّة: المتشدّدون فيه، يوسّعون من دائرة الحرمة حتّى يطغى على كثير من ضروب التعامل.

و المضيّقون له يحصرونه في دائرة محدودة لا يجاوزها. و على رأس من يمثّلون هذا التيّار الثاني عبد اللّه بن عبّاس، (كما يعدّون قوله من أقوالهم، و إن كان هو شيعيّاً بالمعنى الأعمّ)، و معه طائفة من الصحابة يقصرون الربا على الذي كان معروفاً منه في الجاهليّة و نزل فيه القرآن، فهم يتلطّفون في الربا و يحصرونه في دائرة ضيّقة.

و لكن ما لبث التيّار الأوّل أن جرف التيار المعارض و قامت الكثرة الغالبة من فقهاء العامّة يساندونه و يؤيّدونه حتّى كانت له الغلبة في فقه العامّة. على أنّ فريقاً من فقهاء العامّة- و على رأسهم ابن القيّم و ابن رشد- حاولوا أن يكسروا

من حدّة تطرّف المتشدّدين في الربا، فميّزوا بين ربا النسيئة و جعلوه هو الربا الجليّ أو الربا القطعي، و هو حرام لذاته، و بين ربا الفضل و جعلوه رباً خفيّاً أو رباً غير قطعي، و هو حرام أيضاً، لكن لا لذاته بل لأنّه ذريعة إلى ربا النسيئة، فتحريمه إذن من باب سدّ الذرائع.

ثمّ تأكّد هذا الاتّجاه باتّجاه أكثر منه تضييقاً لمنطقة الربا، فجعل كلّاً من ربا الفضل و ربا النسيئة الواردين في الحديث الشريف محرّمين لا لذاتهما، بل سدّاً للذرائع و ربا الجاهليّة هو وحده المحرّم لذاته.

فنحن إذن نواجه اتّجاهات ثلاثة متدرّجة في التضييق من منطقة الربا: أقلّها تضييقاً لهذه المنطقة هو اتّجاه ابن رشد و ابن القيّم الذي يميّز ما بين ربا الفضل و ربا النسيئة، فالأوّل هو رباً خفيّ، و الثاني هو الجليّ.

ثمّ يتلوه في التضييق الاتّجاه الثاني، و هو الذي يميّز ما بين الربا الوارد في الحديث الشريف و الربا الوارد في القرآن الكريم، فالثاني دون الأوّل هو الربا الجليّ.

و أشدّ الاتّجاهات تضييقاً لمنطقة الربا هو الاتّجاه الثالث، الذي كان عبد اللّه بن عبّاس يترسّمه و هو لا يعتدّ إلّا بالربا الوارد في القرآن الكريم، و هو ربا الجاهليّة، فهو وحده الذي يحرّمه و لا يحرّم غيره من ضروب الربا، فضلًا كان أو نسيئة.

ثمّ إنّ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كتابه مصادر الحقّ في الفقه الإسلامي (3/ 200- 249) شرح تلك الاتّجاهات الثلاثة في خمسين صفحة تقريباً، و نحن نذكر موجزه:

الاتّجاه الأوّل: صاحب هذا الاتّجاه هو ابن القيّم، فهو يميّز في وضوح و إسهاب بين ربا النسيئة و هو ربا جليّ، أو ربا قطعي، و بين ربا الفضل و هو ربا خفيّ أو ربا غير قطعي. فعنده أنّ ربا النسيئة محرّم لذاته تحريم مقاصد، و هو الذي نزل فيه القرآن، و كانت عليه العرب في الجاهليّة، و هو الربا الذي لا شكّ فيه كما يقول أحمد بن حنبل.

أمّا ربا الفضل فهو محرّم أيضاً، و لكن تحريم وسائل من باب سدّ الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرّم ربا النسيئة.

و وجه ذلك: أنّ بيع خمسة دنانير بستّة غير جائز، و هذا هو ربا النسيئة، و كذلك هو غير جائز بيعاً حالًا، و هذا هو ربا الفضل، ذلك أنّنا لو أجزناه حالًا و حرّمناه نسيئة لاتّخذ النّاس الحال ذريعة إلى النسيئة و لباع رجل من آخر خمسة دنانير في ستّة بزعم أنّ البيع

لا حال و يتواضعان على أجل يقبض البائع عند حلوله ستّة الدنانير، فيكون قد باع الخمسة في الستّة نسيئة، و اتّخذ ذريعة له في ذلك صورة البيع الحال، و يكون ربا الفضل ذريعة إلى ربا النسيئة، فحرّم تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد. و هذا هو ما ورد في أعلام الموقّعين (2/ 99- 100) لابن القيّم و ابن رشد لا يبعد كثيراً عن ذلك- بداية المجتهد (2/ 106).

و يترتّب على التمييز بين ربا النسيئة و ربا الفضل نتيجة هامّة، و ذلك أنّه لمّا كان ربا النسيئة محرّماً لذاته تحريم المقاصد، و كان ربا الفضل محرّماً باعتباره وسيلة تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد، فإنّ درجة التحريم في ربا النسيئة أشدّ منها في ربا الفضل، و من ثمّ لا يجوز ربا النسيئة إلّا لضرورة ملجئة، كالضرورة التي تبيح أكل الميتة و الدم. أمّا ربا الفضل فيجوز للحاجة، و لا يخفى أنّ الحاجة أدنى من الضرورة، فكلّما اقتضت الحاجة التعامل بربا للفضل جاز ذلك، و من ثمّ تضيق منطقة هذا الربا إذا قامت الحاجة إلى إباحة في بعض صوره بحيث يتبيّن في هذه الصور أنّه لا يمكن اتّخاذه ذريعة لربا النسيئة فينتفي سبب التحريم.

ثمّ إنّ ربا الفضل تتّسع منطقته إذا كان في اتّساعها سدّ للذرائع؛ إذ هو ذاته إنّما حرّم لأنّه ذريعة لربا النسيئة.

فربا الفضل إذن تسيطر عليه فكرتان، الشبهة و الحاجة، فهي دائرة مرنة تتّسع عند الشبهة و تضيق عند الحاجة.

و المراد بالحاجة هو أن تكون هناك مصلحة راجحة مشروعة تفوت بتحريم التفاضل ما بين البدلين، فالحاجة هي تحقيق هذه المصلحة الراجحة المشروعة، و عدم تفويتها على المتبايعين.

و ذكروا لهذا المبدأ تطبيقات أربعة:

1- بيع العرايا.

2- بيع المصوغ.

3- بيع ما دخلته الصنعة بوجه عامّ.

4- بيع الدراهم المسكوكة.

الاتّجاه الثاني: الذي يميّز ما بين الربا الوارد في القرآن الكريم و الربا الوارد في الحديث الشريف، فالأوّل هو الربا الجليّ، و الثاني ربا خفيّ.

لا نقول: إنّ هناك أنواعاً ثلاثة من الربا:

الأوّل: ربا الجاهليّة، و هو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم، و خصيصته الاولى هي أن يقول صاحب الدين للمدين عند حلول أجل الدين: إمّا أن تقضي و إمّا أن تربي.

الثاني: ربا النسيئة الوارد في الحديث الشريف، و هو أوسع كثيراً في مداه من ربا الجاهليّة، بل و يختلف عنه اختلافاً بيّناً في كثير من الصور، فقد رأينا أنّه بيع المكيل بالمكيل، أو الموزون بالموزون، أو الجنس بجنسه، نسيئة لا فوراً، و لو من غير تفاضل، و هذا عند الحنفيّة.

أمّا عند الشافعيّة فهو بيع للطعام بالطعام، أو الثمن بالثمن، نسيئة لا فوراً، و لو من غير تفاضل.

الثالث: ربا الفضل الوارد في الحديث، و هو بيع المكيل أو الموزون بجنسه متفاضلًا عند الحنفيّة، أو هو بيع الطعام، أو الثمن بجنسه متفاضلًا عند الشافعيّة.

هذا الرأي الثاني هو الرأي الذي يقول به طائفة من العامّة، و من المتشدّدين فيه رشيد رضا في رسالته في الربا (80- 84).

الاتّجاه الثالث: الذي لا يحرّم إلّا ربا الجاهليّة الوارد في القرآن الكريم، و في هذا الاتّجاه ربا النسيئة هو ربا الجاهليّة وحده.

و يستدلّ أصحاب هذا الاتّجاه- و على رأسهم ابن عبّاس- بحديث رواه ابن عبّاس نفسه عن اسامة: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا ربا إلّا في النسيئة، فهم لا يحرّمون ربا الفضل، و لا يحرّمون إلّا ربا النسيئة، و يقول ابن عبّاس في بيان ربا الجاهليّة: «كان الرجل منهم إذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به قال المطلوب منه: زدني في الأجل و أزيدك في المال، فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا:

هما سواء، يعنون بذلك أنّ الزيادة في الثمن حال البيع و الزيادة فيه بسبب الأجل عند محلّ الدين سواء. أحكام القرآن للجصّاص (1/ 464).

و الربا الوارد في القرآن هو ربا الجاهليّة هذا دون غيره.

و لكلّ من الاتّجاهات ردود عند تابعي الاتّجاه الآخر.

و أمّا العامّة في العصر الحاضر فلديهم اتّجاهان متعارضان في مسألة الربا. انعقد مؤتمر للفقه الإسلامي في باريس سنة 1951، و قد ظهر من خلاله أنّ هناك اتّجاهين متعارضين في مسألة الربا في العصر الحاضر.

الاتّجاه الأوّل: يستبقيه كما هو في المذاهب الفقهيّة.

لا و الاتّجاه الثاني: يذهب إلى أنّ الظروف الاقتصاديّة التي حرّم فيها الربا قد تحوّلت عمّا كانت عليه من قبل تحوّلًا جوهريّاً، و أنّ حكم الربا في العصر الحاضر ينبغي أن يختلف عمّا كان عليه في العصور السابقة، و قد مثّل هذا الاتّجاه الدكتور معروف الدواليبي فيقول في المحاضرة التي ألقاها في المؤتمر:

«إنّ الربا المحرّم إنّما يكون في القروض التي يقصد بها إلى الاستهلاك لا إلى الانتاج، ففي منطقة الاستهلاك يستغلّ المرابون حاجة المعوزين و الفقراء و يرهقونهم بما يفرضون عليه من ربا فاحش، أمّا اليوم و قد تطوّرت النظم الاقتصاديّة، و انتشرت الشركات، و أصبحت القروض أكثرها قروض الإنتاج لا قروض استهلاك، فإنّ من الواجب النظر فيما يقتضيه هذا التطوّر في الحضارة من تطوّر في الأحكام.

و يتّضح ذلك بوجه خاصّ عند ما تقترض الشركات الكبيرة و الحكومات من الجماهير و صغار المدّخرين، فإنّ الآية تنعكس و الوضع ينقلب و يصبح المقترض- أي الشركات و الحكومات- هو الجانب القوي المستقلّ و يصبح المقرض- أي صغار المدّخرين- هو الجانب الضعيف الذي تجب له الحماية».

و من العجيب ما ذهب إليه رئيس الاتّحاد الإسلامي ب‍ (جاوة) من أنّ أحاديث الربا هي من وضع اليهود، أدخلوها على المسلمين بقصد الإضرار بهم عن طريق تحريم التجارة عليهم في الأصناف التي تجري فيها معظم المعاملات لتكون التجارة في أيدي اليهود.

و ردّ هذا الرأي الغريب من قِبل كثير من المعاصرين- راجع مجلّة القانون و الاقتصاد- (العدد 9:

436- 446) طبقاً لنقل مصادر الحقّ (3/ 221). هذا من جهة قول العامّة في حكم أصل الربا.

55

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}