كتاب الطهارة

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
392 /
5

[مقدمة المقرر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه على جميع نعمه و آلائه و الصلاة و السلام على أشرف رسله و خاتم أنبيائه محمّد و آله الذين هم حجج اللّه على عبيده و إمائه سيّما بقيّة اللّه الأعظم (صلوات اللّه عليه) و على آبائه. و اللعنة على أعدائهم إلى يوم لقائه أمّا بعد فيقول أقلّ الناس جرما و أكثرهم جرما المفتاق الى عفو ربّه الوفي محمد هادي المقدّس النجفي ابن المرحوم المغفور له الحاج الشيخ على المقدّس النجفي الرشتي قده هذا ما تلقيناه ممّا ألقاه استاذنا الأعظم الحجة الآية الحاج السيد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني دام ظلّه الوارف من مباحث الطهارة و كان شروعه فيها- على ما بالبال- في أواخر سنة ألف و ثمانين و ثلاثمائة هجرية في صحن فاطمة بنت موسى بن جعفر (عليها السلام) ببلدة قم المحمية ثم انتقل دام ظله بعد ذلك الى المسجد الأعظم المجاور للصحن المطهر و ذلك بعد ارتحال استاذنا الأكبر الحجة الآية المرحوم المغفور له الحاج السيد حسين الطباطبائي البروجردي (قدس سرّه) في تلك السنة و انّى و ان لم استقص جميع أبحاث الأستاذ دام علاه الّا أنّى بذلت غاية جهدي في جمع البحوث الهامّة من أبحاث الأستاذ و هذا الكتاب يحتوي على أبحاث المياه و الأسئار و الطهارات الثلاث اى الوضوء و الغسل و التيمم و أغسال النساء و أغسال و أحكام الأموات و المطهرات و النجاسات و غير ذلك و سميته (أبحاث حول الطهارة) و اللّه الموفق للسداد.

المؤلف محمد هادي النجفي‌

6

(كتاب الطهارة)

و حيث انّه لا فائدة للتعرّض لمعناها صرفنا الكلام عن معناها الى بيان أقسامها و أحكامها المترتّبة عليها. و قبل الخوض في ذلك لا بدّ من تقديم البحث عن المياه و أقسامها لتوقّف الطهارة على فهم أقسامها و أحكامها.

(المبحث الأوّل في المياه و أقسامها)

اعلم أن الماء كلّه طاهر و مطهّر من الحدث و الخبث في الجملة إجماعا بل كونه في الجملة مطهّرا للحدث و الخبث من ضروريّات الإسلام. و ماهية الماء ظاهرة عند العرف في أيّ لغة كان و لكن مفهومه غير ظاهر غاية الظهور بحيث لا تبقى له مصاديق مشتبهة أصلا و لذا ترى العرف يشكّون في صدق الماء على الماء الممزوج بشي‌ء من السكّر أو الملح و كذا الماء الخارج من عين مالحة و أنّه هل هو ماء مالح أو هو ماء الملح.

و الحاصل أنّ مفهوم الماء كأغلب المفاهيم له مصاديق مشتبهة و ليس له مفهوم مبيّن عرفي بحيث لا يشك العرف في شي‌ء من مصاديقه و حينئذ لا بدّ في كلّ مورد مشتبه من الرجوع الى الأصل الجاري في ذلك المورد ففي المثالين المتقدّمين يرجع في المثال الأوّل منهما إلى أصالة بقاء المائية ليحكم بارتفاع الحدث أو الخبث به و في الثاني منهما يرجع الى أصالة بقاء الحدث أو الخبث إذا استعمل في رفع أحدهما لكن أصالة الطهارة جارية في الماء المذكور إن استعمل في رفع الخبث هذا كلّه في الشبهة المفهومية.

و أمّا الشبهات المصداقيّة بأن كان مفهوم الماء مبيّنا عنده و مفهوم الجلّاب ايضا مبيّنا و لكن شكّ في مورد أنّه ماء و جلّاب فإنّه تجري فيه أصالة الطهارة إذا لاقى النجس و لكن لا يرتفع به الحدث أو الخبث.

أمّا الدليل على كون الماء مطهّرا- مضافا الى دعوى الإجماع و الضرورة أمّا من الكتاب فآيات منها قوله تعالى (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً) (1) فانّ الطهور و إن كان مبالغة في الطاهر الّا أنّ بعض أهل اللغة قد فسّره بالمطهّر لغيره و وافقه على ذلك جميع الفقهاء‌

____________

(1) سورة الفرقان الآية 48

7

مع أن بعض الآيات يدلّ عليه.

كقوله تعالى (إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (1) و قوله تعالى (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (2) و قوله تعالى (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ. الآية) (3) و قد ثبت بالضرورة من الدين أنّ التطهير- أعمّ من ان يكون من الحدث في حال الاختيار أو من الخبث في أكثر الموارد- لا يكون الّا بالماء فبضمّ هذه الآيات الى قوله تعالى (وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً) يعلم جزما أن المراد من الطهور هو المطهر لغيره و ان فرض أنّ اللغة لا تساعد عليه.

و منها قوله تعالى (وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) (4) و هذه الآية تصرّح بكون الماء مطهّرا فلا نحتاج الى ضمّ شي‌ء إليها و الآيات الأخر هي الآيات التي أشرنا إليها من قوله تعالى (وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) إلخ.

و كذا يستدلّ لكون الماء مطهّرا بأخبار كثيرة نذكر بعضها.

فمنها رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): (الماء يُطهِّر وَ لا يُطهَّر) (5).

و منها مرسلة الفقيه عنه (عليه السلام) قال: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض و قد وسّع اللّه عزّ و جلّ عليكم بأوسع ممّا بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهورا فانظروا كيف تكونون (6).

و منها رواية السرائر قال: «قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المتفق على روايته أنّه خلق الماء طهروا لا ينجّسه شي‌ء إلّا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته» (7) الى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1) سورة البقرة الآية 222

(2) سورة المائدة الآية 6

(3) سورة المائدة الآية 6

(4) سورة الأنفال الآية 11

(5) جامع الأحاديث الباب 1 من أبواب المياه الحديث 1- 2

(6) جامع الأحاديث الباب 1 من أبواب المياه الحديث 1- 2

(7) جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه الحديث 9

8

و ضعف رواية السكوني و غيرها غير ضائر بعد جبر ضعفها بعمل الأصحاب.

ثمّ انّه إذا ثبت من الآيات و الأخبار كون الماء مطهرا فهل يكون فيها إطلاق بحيث يشمل جميع الأشياء أي يكون مطهّرا لجميع الأشياء حتّى الماء المتنجّس و كذا الدهن المتنجّس و الدبس المتنجّس و غير ذلك و الحاصل أنّه كلّما يشك في أنّه هل يطهّره أم لا يؤخذ بإطلاق هذه الأدلّة في مطهّرية الماء له أو ليس فيها إطلاق بل هي بصدد إثبات كون الماء مطهّرا في الجملة على نحو الإهمال و الإجمال و أمّا أنّه مطهّر لما ذا فلا تكون بصدد بيانه بل لا بدّ من استفادة كونه مطهرا لأيّ نوع من المتنجّسات من دليل آخر غير هذه الآيات و الروايات و هي لا يمكن التمسّك بإطلاقها لكيفيّة التطهير أيضا إذا شكّ في أنّه هل يحصل التطهير للمتنجّسات بالماء بأيّ كيفيّة كانت أو لا بدّله من كيفيّة خاصة.

ثمّ انّه إذا فرض الإهمال و الإجمال في الآيات و الروايات فهل يكون المرجع هو العرف بأن يقال: انّ كلّما يراه العرف أنّه تحصل الطهارة بهذه الكيفية إذا غسل به نقول به فيه دون ما لا يساعد العرف على ذلك.

و كذا إذا شكّ في أنّ الماء هل يكون مطهّرا لبعض الأجسام أم لا فهل يكون مرجعه الشرع أو العرف لا يبعد أن يقال: انّ المرجع- على فرض الإهمال و الإجمال في الآيات و الروايات- هو العرف.

و لكنّ الظاهر أنّه ليس فيها إهمال بل إطلاقها شامل لجميع المتنجّسات التي لها قابلية التطهير فلا يشمل الدهن و الدبس المتنجّسين إلّا في صورة استهلاكهما في الماء فحينئذ كلّ ما يشكّ في قابليته للتطهير يتمسّك فيه بالإطلاق و كذا إذا شك في أنّ التطهير هل يعتبر فيه كيفيّة خاصة أم لا تنفى ايضا بالإطلاق.

ثمّ انّ صاحب الشرائع (قده) قد قسّم المياه إلى ثلاثة أقسام الماء الجاري و ماء البئر و الماء المحقون و سائر أقسامها قد ألحقها بها أمّا الجاري فاختلف فيه أوّلا بأنّه هل يعتبر فيه الجريان أو يكفي فيه النبوع فقط قال في المسالك: المراد بالجاري النابع غير البئر سواء جرى أم لا و إطلاق الجاري عليه مطلقا تغليب أو حقيقة عرفية و الأصحّ اشتراط كريته انتهى.

و لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام لا يساعد عليه العرف و اللغة.

أمّا العرف فلا يطلق الجاري عندهم الّا على ما جرى على وجه الأرض و كأنّه أراد‌

9

(رحمه اللّه) بذلك أنّ المراد بالجاري ليس ما هو الظاهر من هذا اللفظ بل المستفاد من الأخبار أنّه النابع مطلقا.

و لكن لا شاهد له على ما ادّعاه و أمّا اللغة ففي المصباح المنير- للفيّومى- جرى الماء سال خلاف وقف الى أن قال: و الماء الجاري هو المتدافع في انحدار فاعتبر في معناه السيلان و التدافع.

و اختلف فيه ثانيا بأنّه هل تعتبر فيه الكرية أم لا قال العلامة و الشهيد الثاني (قدس سرّهما) بالأوّل و قال الأكثر بالثاني و هو الأصحّ لعدم الدليل على اشتراط الكرية فيه مع أنّ إطلاق بعض الأخبار في الجاري يدفعه.

ثم إنّه لا فرق في صدق الماء الجاري بين ما إذا خرج الماء من العين متدافعا و بشدّة أو خرج بنزو و ضعف و لا بين أن يخرج من العيون أو يسيل من الثلوج و ان لم تكن له مادّة أو يخرج من منبع كبير بحيث يكون له استمرار و استدامة لصدق اسم الجاري على ذلك كلّه عرفا و لا دليل من الشرع على خلاف ذلك نعم إذا لم تكن له مادة مثل ما إذا سال كرّ من الماء على وجه الأرض بدون وجود المادّة أو كانت له مادّة لكن لا استدامة لها فالظاهر عدم صدق الجاري عليه عرفا و ان صدق لغة.

ثم انّا قد ذكرنا عدم الفرق في الجاري بين كونه أقلّ من الكر للإطلاق المستفاد من أخباره (1).

و يمكن تأسيس أصل كلّى لعدم تنجّس مطلق المياه إذا كانت كرّا أو كانت لها مادّة إلّا ما خرج بالدليل فيكون هذا الأصل هو المرجع عند الشك إذا حصلت ملاقاة الماء للنجس و يستفاد هذا الأصل الكلّي من كثير من الأخبار.

منها الرواية التي رواها ابن إدريس و ادّعى الاتفّاق على روايتها و حكى عن ابن أبى عقيل أنّها متواترة عن أبي عبد اللّه عن آبائه عن النبيّ (صلوات اللّه عليهم أجمعين) أنّه قال: «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شي‌ء إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (2).

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه الحديث 9

(2) جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه الحديث 9- 2

10

و منها موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يمرّ بالماء و فيه دابّة ميتة قد أنتنت قال: ان كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضّأ و لا تشرب» (1) فانّ لفظ الماء فيهما أريد به الجنس لا واحد من مياه العالم لأنّه في مقام البيان لا الإجمال فالرواية الاولى دالّة على أنّ الماء لا ينجس إلّا إذا تغيّر أحد أوصافه بالنجس و الثانية دالّة- بمفهومها- على عدم تنجّس مطلق المياه إذا لم تكن ريح الميتة الواقعة فيها غالبة على ريحها.

و منها رواية حريز عمن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ منه و اشرب و إذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا توضّأ و لا تشرب» (2) فانّ لفظ الماء ايضا مطلق شامل لمطلق المياه.

و منها رواية أبي بصير عنه (عليه السلام) حيث سأله عن الماء النقيع تبول فيه الدواب.

فقال: «ان تغيّر الماء فلا تتوضأ منه و ان لم يتغيّر من أبوالها فتوضّأ منه و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه» (3) فإنّ المراد بالماء النقيع هو الماء الراكد و ليس فيه التقييد بالكرية أو الجريان أو غيرهما فيشمل مطلق المياه الّا ما خرج بالدليل. و الحاصل أنّه يستفاد من هذه الأخبار أصل كلّي و قاعدة كلية و هي عدم تنجّس مطلق المياه إلّا إذا تغيّر أحد أوصافه بالنجس و خرج من.

هذه الكلية الماء القليل و الدليل على خروجه عن القاعدة الأخبار الكثيرة المعتبرة و هي صنفان:

الأوّل الروايات الدالة على عدم انفعال الكر بملاقاة النجس و سنوردها في موضعها إنشاء اللّه تعالى فإنّها دالة بمفهومها على انفعال ما دون الكرّ و هل يستفاد منها أنّه ينفعل بجميع النجاسات أو ينفعل بالنجاسات في الجملة سيجي‌ء تفصيله.

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه الحديث 9- 2

(2) جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه الحديث 1- 8

(3) جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه الحديث 1- 8

11

الثاني الأخبار الكثيرة الواردة في موارد خاصة.

منها صحيحة علىّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح الوضوء منه فقال: ان لم يكن شيئا (شيى خ ل) يستبين في الماء فلا بأس و ان كان شيئا بيّنا فلا تتوضّأ (فلا يتوضأ خ ل) منه.

قال «و سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ فقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه قال: لا» (1) و صدر هذه الرواية يحتمل أن يراد منه فرض العلم الإجمالي بإصابة الدم امّا للإناء أو للماء فحكم (عليه السلام) بعدم البأس بالوضوء من هذا الماء و لا بدّ من حمله على ما إذا كان ظهر الإناء خارجا عن محلّ الابتلاء حتى لا يكون العلم الإجمالي منجّزا و حينئذ لا دخل للرواية فيما نحن فيه نعم الجملة الثانية أعني قوله ع: و ان كان شيئا بيّنا إلخ مرتبط بما نحن فيه بل هو تصريح للمفهوم من الجملة الأولى.

و يحتمل أن يكون المراد من الرواية أنّ الدم أصاب الإناء قطعا لكن فصّل الامام (عليه السلام) بين كون الدم شيئا بيّنا في الماء أو غير بيّن فحكم بعدم جواز الوضوء على الأوّل و جوازه على الثاني و هذا التفصيل هو مختار شيخ الطائفة (قده) في الاستبصار على ما حكى عنه و في المحكي عن المبسوط: ما لا يمكن التحرز عنه مثل رؤس الابر و غيره فإنّه معفوّ عنه لأنّه لا يمكن التّحرز عنه انتهى.

و لكن يدفع هذا الاحتمال ذيل الصحيحة فإنّه ترك التّفصيل بين كون الدم بيّنا في الماء و غيره و حكم(ع)بعدم جواز الوضوء بوقوع قطرة من الدم في الإناء من غير تفصيل.

اللّهم الّا أن يقال بأنّ المراد من القطرة الدم البيّن و لكن لا يناسب هذا السّؤال من مثل علىّ بن جعفر (رضوان اللّه عليه) بعد التفصيل الذي ذكره الامام (عليه السلام) في صدر الرواية فلا بدّ من أن يحمل صدرها على غير ما أريد من ذيلها و هو عدم اصابة الدم للماء و هو الاحتمال الثالث في الرواية و حاصله أنّ انتشار الدم و صيرورته قطعا صغارا صار سببا لتحيّر السائل حيث انّه علم بإصابة الدم للإناء و شك في إصابته للماء فسأل عن‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 8 من أبواب المياه الحديث 4

12

حكم ذلك فأجاب (عليه السلام) بأنّه ان لم يستبن شي‌ء في الماء فلا بأس بالوضوء منه و هذا كناية عن الشك في اصابة الدم للماء و ان كان شيئا بيّنا فلا يتوضّأ منه لأنّه يعلم بإصابة الدم للماء و هذا الاحتمال قريب جدّا بخلاف الاحتمالين الأوّلين فلا بدّ من حمل الرواية عليه لأنّه أظهر الاحتمالات أو حينئذ تصير الرواية شاهدة لما نحن فيه من انفعال الماء القليل بملاقاة النجس لأنه حكم (عليه السلام) فيها بأنّه إذا كان شيئا بيّنا فلا يتوضّأ منه و النهى عن التوضّؤ لا بدّ من جهة عروض النجاسة في الماء لأنه الظاهر لا لأجل حصول القذارة فيه فإنّه بمكان من البعد.

و منها صحيحة البزنطي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة قال: يكفئ الإناء (1).

و منها صحيحة ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب يجعل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه قال: ان كانت يده قذرة فأهرقه (فليهرقه خ ل) و ان لم يصبها قذر فليغتسل منه هذا ممّا قال اللّه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2).

و منها رواية شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أيضا في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها أنّه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شي‌ء (3) فدلّب بمفهومها على تنجّس الماء إذا أدخل يده في الإناء و كانت قذرة بأن أصابها المني كما يظهر ذلك من الأخبار الآتية.

و منها موثقة سماعة عن أبى بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس الّا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة فإن أدخلت يدك في الإناء و فيها شي‌ء من ذلك فأهرق ذلك الماء (4).

و منها موثقته الأخرى عنه (عليه السلام) قال: إذا أصابت الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس ان لم يكن أصاب يده شي‌ء من المنى (5).

و منها موثقته الثالثة أيضا قال: سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الإناء قبل أن يفرغ على كفّيه قال: يهريق من الماء ثلاث حفنات و ان لم يفعل فلا بأس‌

____________

(1)- جامع الأحاديث الباب 8 من أبواب المياه الحديث 1- 2- 7 و الآية في سورة الحج الآية 78

(2)- جامع الأحاديث الباب 8 من أبواب المياه الحديث 1- 2- 7 و الآية في سورة الحج الآية 78

(3)- جامع الأحاديث الباب 8 من أبواب المياه الحديث 1- 2- 7 و الآية في سورة الحج الآية 78

(4)- جامع الأحاديث الباب 8 من أبواب المياه الحديث 3- 8- 9

(5)- جامع الأحاديث الباب 8 من أبواب المياه الحديث 3- 8- 9

13

و ان كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به ان لم يكن أصاب يده شي‌ء من المنى و ان كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله (1).

و لكن تعارض هذه الروايات الدالة على انفعال الماء القليل بملاقاة النجس أخبار كثيرة دالة على عدم انفعال الماء القليل.

منها رواية أبي مريم الأنصاري قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركيّ له فخرج عليه قطعة من عذرة يابسة فأكفأ رأسه و توضّأ بالباقي (2) فإنّ الظاهر من لفظ العذرة هو عذرة الإنسان فدلّت الرواية على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس و حمل الدلو على ما يبلغ الكرّ بعيد للغاية كما أنّ حمل العذرة على فضلة مأكول اللحم ايضا بعيد.

و منها رواية محمّد بن ميسر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق و يريد أن يغتسل منه و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان قال: يضع يده و (ثم) يتوضّأ ثم يغتسل هذا ممّا قال اللّه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (3).

و لفظ القليل ظاهر فيما دون الكر و حمله على القليل بمقدار الكرّ خلاف ظاهر لفظ القليل و المقصود أنه يضع يده في الماء و يتوضّأ اى يطهّر يده به لأنّ الوضوء هنا بفتح الواو و هو بمعنى التنظيف لا الوضوء المعهود فإنّه لا يجتمع مع غسل الجنابة.

و هذا المعنى المستفاد من الرواية- أعني عدم انفعال الماء القليل بوضع يده المتنجّسة في الماء- هو المناسب لرفع الحرج الذي استدلّ به الامام (عليه السلام) دون سائر التأويلات البعيدة عن الرواية لكي لا تنافي الروايات المتقدمة الدالة على انفعال الماء القليل بملاقاته للنجاسة و يمكن حمل النهى الوارد في الروايات المتقدمة- عن الوضوء بالماء الملاقي للنجاسة- على الكراهة في صورة الاختيار و حمل هذين الخبرين على الجواز بدون الكراهة في صورة عدم وجود ماء غيره و كذا يمكن حمل الأخبار الآمرة بإراقة الماء الملاقي للنجاسة على استحباب الإراقة.

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 8 من أبواب المياه الحديث- 3- 8- 9

(2)- جامع أحاديث الشيعة الباب 8 من أبواب المياه الحديث 13- 14

(3)- جامع أحاديث الشيعة الباب 8 من أبواب المياه الحديث 13- 14

14

و لكن كلّ ذلك خلاف الظاهر و مناف لعمل معظم الأصحاب القسم الثاني من الأخبار الدالة على انفعال الماء القليل في الجملة هو مفهوم أخبار الكرّ.

فمن الأخبار صحيحة محمّد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (ع) قال: قلت له: الغدير فيه ماء مجتمع تبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب قال: إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء (1).

و كذا الأخبار الكثيرة الدالة على أنّ الماء إذا كان قدر كرّ لم ينجّسه شي‌ء (2). فانّ مفهومها انفعال الماء بملاقاة النجس إذا لم يبلغ حدّ الكر و لكن لا يخفى أنّ نقيض السالبة الكلية التي ذكرت في منطوق هذه الأخبار من قوله (ع) إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‌ء- هي الموجبة الجزئية فلا يستفاد من مفهوم هذه الكلية الّا أنّ الماء إذا لم يكن قدر كرّ ينجّسه شي‌ء ما لا أنه ينجّسه جميع الأشياء أو جميع النجاسات و حينئذ فيمكن أن يكون منجّس الماء القليل هو الكلب أو الخنزير أو الخمر التي يستفاد من الأخبار تنجيسها للماء القليل.

كصحيحة لبقباق الواردة في سؤر الكلب قال (عليه السلام) في حق الكلب: انّه رجس نجس لا تتوضّأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء (3).

و سيجي‌ء البحث في هذه الرواية مفصّلا في مبحث الأواني إنشاء اللّه تعالى.

و صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال: اغسل الإناء (4).

و صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: و سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به قال: يغسل سبع مرّات (5).

و مرسلة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما يبلّ الميل من النبيذ ينجّس حبا من ماء يقولها ثلاثا (6).

____________

(1)- جامع الأحاديث الباب 6 من أبواب المياه الحديث 4- 1- 3

(2)- جامع الأحاديث الباب 6 من أبواب المياه الحديث 4- 1- 3

(3)- جامع الأحاديث الباب 1 من أبواب الأسئار الحديث 4 الباب 3

(4)- جامع الأحاديث الباب 1 من أبواب الأسئار الحديث 4 الباب 3

(5)- جامع الأحاديث 23 من أبواب النجاسات الحديث 9

(6)- الوسائل الباب 38 من أبواب النجاسات الحديث 6

15

و رواية عمر بن حنظلة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتّى تذهب عاديته و يذهب سكره فقال: لا و اللّه و لا قطرة قطرت في حبّ إلّا أهريق ذلك الحبّ (1) هذا كلّه بالنّسبة إلى النجاسات الثلاث.

و أمّا سائر النجاسات فلا دلالة لروايات الكرّ على تنجيسها للماء القليل و مفهوم روايات الكرّ لا عموم فيه حتّى يتمسّك به.

و القدر المتيقّن من مفهوم روايات الكرّ هو تنجيس هذه الثلاثة- أعني الكلب و الخنزير و الخمر للماء القليل فينزّل المفهوم عليها.

مضافا الى أنّه يمكن أن يقال: انّ أخبار الكر ليس لها مفهوم أصلا بل التحديد بالكرّ لبيان تحقّق موضوع عدم الانفعال و هو مقدار الكرّ فالشّرطية سيقت لبيان تحقق الموضوع مثل ان رزقت ولدا فأختنه و مثل هذه الشرطية ليس لها مفهوم أصلا بل ينتفي الحكم بانتفاء موضوعه لا أنّ انتفاء الموضوع يصير سببا لتحقّق موضوع قضيّة أخرى.

هذا و ربّما يدّعى أنّ الجمع بين الأخبار على نحو ما مرّ من حمل ما دلّ- على النهى عن التوضّؤ بالماء الملاقي للنّجس على الكراهة و ما دلّ على الإراقة على الاستحباب- غير ممكن في موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل معه إناء ان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر و لا يدرى أيّهما هو و ليس يقدر على ماء غيره قال: يهريقهما (جميعا) و يتيمّم (2) فإنّها صريحة في عدم جواز استعمال الإناءين الذين وقع في أحدهما قذر و انتقال تكليفه الى التيمم فيعلم من هذه الموثقة انفعال الماء القليل بوقوع القذر و التأويل المذكور غير متمشّ فيها و لكن لا يخفى عدم معارضة هذه الموثقة للروايات الدالة على عدم انفعال الماء القليل لفرض السّائل انفعال الماء على سبيل البتّ و الجزم و انّما سأل عن حكم الماءين الذين وقع القذر في أحدهما و اشتبه فسؤاله انّما هو عن حكم المشتبه بعد الفراغ عن نجاسة الماء و ليس سؤاله عن الماء بأنه ينجس بوقوع القذر فيه أم لا و يمكن أن يكون القذر المفروض في كلامه هو الكلب أو الخنزير أو الخمر فلا ينافي ما ذكرناه هذا كلّه بحسب الأخبار و الجمع بينها.

____________

(1) الوسائل الباب 18 من أبواب الأشربة المحرمة الحديث 1

(2) جامع الأحاديث الباب 12 من أبواب المياه الحديث 3

16

و أمّا أقوال العلماء فذهب الأكثر بل كاد أن يكون إجماعا إلى انفعال الماء القليل بملاقاة مطلق النّجس بل المتنجس و المخالف في ذلك من القدماء الحسن بن أبى عقيل العمّاني و الصدوق في ظاهر كلامه في الفقيه قال في الفقيه: فان دخل رجل الحمّام و لم يكن معه ما يغرف به و يداه قذرتان ضرب يده في الماء و قال: بسم اللّه و هذا ممّا قال اللّه عزّ و جلّ وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1) و كذلك الجنب إذا انتهى الى الماء في الطّريق و لم يكن معه إناء يغرف به و يداه قذرتان يفعل مثل ذلك انتهى و الظّاهر أنّ مستنده هو رواية محمّد بن ميسر المتقدمة (2) فإن قلنا بظهور الرّواية في عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجّس كما قوّيناه نقول بظهور كلامه في ذلك و يشهد لذلك استشهاده بالآية فإنه لا يناسب ذلك كون الماء المفروض كرّا كما لا يخفى. و من المتوسّطين فخر الدين و من المتأخّرين المحدّث الفيض الكاشاني و السّيد عبد اللّه الشوشتري كما ذكر- لك كلّه في مفتاح الكرامة و لكنّ الصّدوق قد خصّ عدم الانفعال بصورة الاضطرار كما يظهر ذلك من قوله و لم يكن معه إناء يغرف به الا أن يقال: انّ هذا القيد لرفع الكراهة و حمل أخبار المنع على الكراهة في صورة الاختيار كما مرّ في رواية محمد بن ميسر ثم انّ مخالفة ابن ابى عقيل و الصّدوق غير ضائر في تحقّق الإجماع لكونهما معلومي النّسب و كذا فخر المحقّقين و الفيض القاساني الّا أن يقال: انّ مستند المجمعين ليس الّا هذه الأخبار و ليس هنا إجماع كاشف قطعي عن قول المعصوم (عليه السلام) و قد عرفت أنّ الأخبار متعارضة فبعضها دالّ على انفعال الماء القليل و بعضها دالّ على عدم الانفعال.

لكن نقول: انّ أعراض الأصحاب عن أخبار عدم الانفعال يكشف عن عدم حجيّتها و يوجب و ههنا عندنا.

ثم بناء على انفعال الماء القليل كما قوّيناه لا فرق بين أن تكون سطوح الماء متساوية أو مختلفة إذا لم يكن للماء قوّة دافعة فالعالى ينجس بملاقاة النجس لسافله إذا لم يكن له دفع و قوة مثل ما إذا أدخل ابرة نجسة من تحت القربة فإنّه ينجس الماء العالي فيها ايضا و كذا إذا كان الإبريق في أسفله ثقب و اتّصل ماء الإبريق بواسطة الثقب بالأرض النجسة فإنّه ينجس الماء الذي في أعلى الإبريق أيضا و أمّا إذا كان للماء دفع و قوّة فلا ينجس بملاقاة‌

____________

(1)- سورة الحج آية 78.

(2)- جامع الأحاديث الباب 8 من أبواب المياه الحديث 14

17

النجس لبعض أجزائه سواء أ كانت السّطوح متساوية أم مختلفة حتّى أنّ السّافل لا ينجس بملاقاة العالي للنجاسة كالفوّارة فالمناط في عدم التنجّس حصول الدّفع و ان كان من مثل السّافل للعالي لا العلوّ فإن العلوّ من حيث هو غير موجب لعدم الانفعال ما لم يكن للماء دفع و قوّة و السّرّ في ذلك هو أنّ سبب التنجّس ليس هو الملاقاة فقط بل السّبب بنظر العرف هو الملاقاة مع حصول السّراية و إذا حصلت الملاقاة و لم تحصل السّراية لا يحكم العرف بالتنجس بمجرد الملاقاة.

و كذا لا فرق بين ورود النّجاسة على الماء و وروده عليها لأنه بعد ما علم أنّ سبب التنجس هو الملاقاة مع السّراية لا يفرق العرف بينهما مع أنّ ملاكهما واحد و هو حصول الملاقاة و السّراية فما ذكره بعض الأعلام- من عدم الدّليل على انفعال القليل بوروده على النّجاسة فإنّ ما دلّ على الانفعال كلّه مورده ورود النّجاسة على الماء- مدفوع بأنّ ذكر مورد ورود النجاسة انّما هو من باب المثال لا الخصوصيّة بقرينة فهم العرف فإنّه إذا ألقيت الأدلّة الدالّة على الانفعال ممّا كانت النجاسة واردة على الماء على العرف لا يفهم العرف منها الخصوصيّة بل يحكمون حكما قطعيّا بأنّ الماء إذا ورد على النّجاسة حكمه أيضا كذلك.

ثم انّ الظّاهر أنه لا خلاف بين العامّة و الخاصّة بأنّ مطلق المياه إذا تغيّر أحد أوصافها الثلاثة أعني الرّيح و اللون و الطعم تنجس سواء أ كان الماء قليلا أم كرّا أم جاريا أم بئرا نعم نسب الى صاحب المدارك الإشكال بالنّسبة إلى اللون لعدم وجوده في الأخبار الصحيحة و لكن النّسبة على خلاف الواقع حيث قال فيها في كلام له: الأولى نجاسة الماء الجاري باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه و المراد بها اللون أو الطّعم أو الرائحة لا مطلق الصّفات كالحرارة و البرودة و هذا مذهب علمائنا كافّة انتهى و هذا الكلام فيه تصريح بخلاف تلك النّسبة.

و كيف كان فمستند نجاسة الماء بتغيّر أحد أوصافه الثلاثة هو الأخبار المستفيضة بل المدّعى تواترها فمنها قوله(ص)خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شي‌ء إلّا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه (1) و منها صحيحة حريز عن الصّادق (عليه السلام) قال: كلّما غلب الماء (على) ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب و إذا تغيّر الماء و تغيّر الطّعم فلا توضّأ و لا تشرب (2) و هذه‌

____________

(1)- جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه 9- 1

(2)- جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه 9- 1

18

الرّواية قد دلّت على تنجّس الماء بالرّيح و الطعم و مفهوم قوله: كلّما غلب الماء إلخ أنّه كلّما لم يغلب الماء ريح الجيفة فلا يجوز التوضّؤ و الشّرب منه و لا يكون ذلك الّا بان يغلب ريح الجيفة على الماء لعدم وجود الواسطة بين غلبة الماء على ريح الجيفة و غلبة ريح الجيفة على الماء فح يمكن أن يكون المنطوق هو تغيّر الماء بالرّيح ثم عطف عليه الطّعم فذكر (عليه السلام) قسمين من أقسام التغيّر في هذه الرواية و هو التغيّر بالريح و الطّعم و لفظ الماء في الرواية مطلق شامل للكرّ و الجاري و ماء الحمّام و غير ذلك.

و منها صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت الى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) فقال: ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح حتّى يذهب الرّيح و يطيب طعمه لأنّ له مادّة (1) و منها ما ذكر فيها اللون مع الرّيح أو اللون فقط كرواية شهاب بن عبد ربّه قال: أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أسأله فابتدأني فقال: ان شئت فاسأل و ان شئت أخبرتك قلت:--- أخبرني قال: جئت لتسألنى عن الغدير يكون في جانبه الجيفة أتوضّأ منه أو لا قال: نعم قال: فتوضّأ من الجانب الآخر الّا أن يغلب على الماء الرّيح فينتن، و جئت لتسأل عن الماء الراكد من الكرّ قال: فما لم يكن فيه تغيّر أو ريح غالبة قلت: فما التغيّر قال: الصّفرة فتوضّأ منه و كلّما غلب عليه كثرة الماء فهو طاهر (2) فان الظاهر من الفقرة الثانية أيضا فرض كون التغيّر بوصف النّجس لا مطلقا و ان لم يذكر شي‌ء من النّجاسات فيها من الجيفة و غيرها الّا أنّ الفقرة الأولى شاهدة على أنّ فرض التغيّر في الفقرة الثّانية أيضا هو التغّير بالجيفة الّا أنّها مخصوصة بالراكد و نحوه و الأولى مخصوصة بالغدير و يظهر من هذه الرواية التغير باللون ايضا.

و منها رواية العلاء بن فضيل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول (3) و مفهومها أنّه إذا غلب لون البول على لون الماء فيه بأس أي ينجس الماء فذكر في هذه الرّواية اللون فقط.

و منها رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الماء النّقيع تبول فيه الدّوابّ‌

____________

(1)- جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 1

(2)- جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه الحديث 6

(3)- جامع الأحاديث الباب 2 من أبواب المياه الحديث 7

19

فقال:

ان تغير الماء فلا تتوضّأ منه و كذلك الدّم إذا سال في الماء و أشباهه (1) فانّ تشبيه الدّم بالأبوال ظاهر في كون التغيّر باللون فهذه الرّواية أيضا ممّا يدل على أنّ التغيّر باللون اى بلون النّجاسة يكون منجسا للماء بل نفس ذكر الدّم ظاهر في التغّير اللوني لأنّ الدّم ليس له رائحة منتنة و ان كان له طعم أيضا الّا ان المتبادر منها هو اللون فلا إشكال في اللون أصلا فما قيل من عدم وجود المستند للّون لا وجه له بعد ورود هذه الأخبار.

فتحصّل من جميع الأخبار أنّ الماء مطلقا من أيّ أقسام المياه ينجس بتغيّر أحد أوصافه الثلاثة أعني الرّيح و الطّعم و اللون بالنجس و هل ينجس الماء بتنجس وصفه بغير هذه الثلاثة بأن تغيّر بالثّقل أو الخفّة أو الحرارة أو البرودة و غيرها فيه اشكال لعدم دلالة هذه الأخبار على ذلك نعم في بعض الأخبار ذكر التّغير من غير تقيّد بأحد هذه الأوصاف الثلاثة مثل قوله ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الّا أن يتغير به (2) و غير ذلك.

و لكن يمكن حمله على ما دلّت عليه تلك الأخبار مضافا الى عدم فهم العرف من لفظ التغّير غير التغّير بأحد هذه الأوصاف الثلاثة فينزّل المطلق على المتفاهم العرفي.

(فروع)

(الأوّل)

هل ينجس الماء بتغير أحد أوصافه بالمتنجّس مثل ما إذا تغير لونه أو طعمه بوقوع الدّبس المتنجّس أو تغيّر ريحه بوقوع الدّهن المتنجّس أو الجلاب المتنجس فيه أم لا؟ يمكن أن يقال: انّه يستفاد من الأخبار المتقدّمة أنّه لا بدّ في تنجس الماء بالتغيّر تغيّره بالنجس و أنّه المتبادر من هذه الأخبار فلا تشمل التغيّر بالمتنجس نعم في بعض الأخبار ما يشمل الفرض مثل صحيحة ابن بزيع ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الّا أن يتغّير (3) فإنّه ليس فيها ذكر النجس بل ذكر لفظ الشي‌ء الشامل للمتنجّس أيضا الّا أنّ التبادر فيها ابتدائي يدفعه ذيلها عقيب قوله: ريحه أو طعمه فينزح حتّى يذهب الرّيح و يطيب الطعم، فإنّه ظاهر في‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 3- 2

(2) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 3- 2

(3) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 3- 2

20

التنجّس بالنجس فانّ الرّيح المنتنة لا توجد في غير النجس غالبا و كذا الطعم الخبيث لا يحصل من المتنجس فتأمّل.

الفرع (الثاني)

أنّه لا فرق بين ورود النّجس على الماء و ورود الماء على النجس و مورد الأخبار و ان كان هو الأوّل الّا أنّ العرف بعد ما علم أنّ النجس ينجّس الماء القليل لا يفرّق بين المقامين و يعلم أنّ ذكر ورود النجس على الماء من باب المثال لا من باب الخصوصيّة.

(الثالث)

ذكر السيّد الطباطبائي ((قدس سرّه)) في العروة الوثقى انّه إذا وقع في الماء دم و شي‌ء طاهر أحمر فاحمر الماء بالمجموع لم يحكم بالنّجاسة و وجهه ظاهر فانّ السّبب للتغيّر هو المجموع من النجس و الطّاهر فلم يستند التغيّر إلى ملاقاة النجس فقط. و لكن ذكر (رحمه اللّه) قبله: أنّه إذا تغيّر ريح الماء بالميتة الواقع جزء منها في الماء و جزء منها في الخارج تنجّس الماء و لم يعلم الفرق بين المسألتين فإنّه ان كان كون النجس جزء المستند التّغير يجب الحكم بالنّجاسة في المسألتين و الا فلا نحكم بالنّجاسة في شي‌ء منهما فإنّه لا فرق بين الرّيح و اللون و لا بين تنجّس الماء بالدّم أو الميتة هذا كلّه فيما إذا تغير أحد أوصاف الماء بملاقاة النجس و أمّا إذا لم يتغيّر فان كان الماء قليلا فقد مرّ البحث فيه و ان كان كرّا لا ينجس و سيأتي الكلام فيه هذا كله في الماء القليل و الجاري.

21

البحث في ماء الكرّ

و امّا الكرّ فله في الأخبار تحديدان أحدهما بحسب المساحة و الآخر بحسب الوزن أمّا بحسب المساحة ففيها أخبار مختلفة فبعضها يدل على اعتبار بلوغ كلّ من أبعاده الثلاثة الطول و العرض و العمق ثلاثة أشبار و نصف مثل ما رواه في الاستبصار عن الحسن بن صالح الثّوري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا كان الماء في الرّكيّ كرّا لا ينجّسه شي‌ء قلت:

و كم الكرّ قال: ثلاثة أشبار و نصف طولها في ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها (1).

و الرّواية و ان كانت ضعيفة السّند الّا أنّ الأصحاب اعتمد و أ عليها و عملوا بها.

و اشتمالها على ما لم يقل به أحد- و هو اعتبار الكرّية في عدم انفعال ماء البئر- غير ضائر لإمكان حمل هذه الجملة بالخصوص على التقيّة و لا يلزم من ذلك حمل تمام الخبر عليها مع أنّه لا وجه له لعدم اعتبار الكرّية عند العامة في عدم الانفعال بل الماء غير المنفعل عندهم القلّة و القلّتان و عند بعضهم أنّ مطلق المياه لا ينفعل حتّى القليل مضافا الى أنّ الرّكوة بحسب تفسير بعض أهل اللغة هو الحوض الكبير فلا يلزم أن يكون بئرا. و استشكل في الرّواية أيضا بعدم ذكر الطول في نسخ الكافي و انّما ذكر الطول في نسخ الاستبصار فقط فحينئذ ذكر فيها البعد أن برواية الكافي و هو مخالف للإجماع فتسقط الرواية عن الاعتبار و الجواب عنه أوّلا أنّه إذا دار الأمر بين احتمال النقيصة و الزّيادة فاحتمال النقيصة أولى لأنّ النّسيان يصير غالبا سببا للنقيصة لا للزّيادة.

و ثانيا أنّه لو فرض عدم ذكر أحد الأبعاد فلا يضرّ بالمقصود فانّ المراد بالعرض هو السّطح أعم من الطول و العرض لا خصوص العرض المقابل للطّول و يشهد لذلك عدم ذكر الأبعاد الثّلاثة في جميع أخبار الكرّ بحسب تحديده بالمساحة بل ذكر فيها البعدان فقط‌

____________

(1)- جامع الأحاديث الباب 7 من أبواب المياه الحديث 2

22

فيظهر من ذلك أنّ المراد بالعرض هو السّطح الشامل للطول و العرض.

و من روايات الكرّ ما رواه أبو بصير في الصحيح عن الصّادق (عليه السلام) ايضا--- قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف (و نصفا خ ل) في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه من الأرض فذلك الكرّ من الماء (1).

و المناقشة فيها بما مرّ من إهمال ذكر أحد الأبعاد الثلاثة فيها مدفوعة بما عرفت مضافا الى أنه يمكن أن يقال: انّ الأبعاد الثلاثة مذكورة فيها بأن يقال: ثلاثة أشبار و نصف الذي ذكر أوّلا هو البعد الأوّل و في مثله للبعد الثاني و ثلاثة أشبار و نصف الثاني بيان أو بدل لقوله:

في مثله و قوله في عمقه أي ثلاثة أشبار و نصف في عمقه فقوله في عمقه بيان للبعد الثّالث و اكتفى فيه بظهوره من سابقه و هاتان الروايتان هما مستند قول المشهور من اعتبار بلوغ حاصل ضرب كلّ من الأبعاد الثّلاثة في الآخر ثلاثة و أربعين شبرا الّا ثمن شبر.

و قيل: يكفي ستّة و ثلاثون شبرا و مستند هذا القول هو رواية إسماعيل بن جابر قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء قال: ذراعان عمقه في ذراع و نصف سعته (2): بأن يقال: انّه يضرب الذّراعان اللذان هما أربعة أشبار في ذراع و شبر اللذان هما ثلاثة أشبار في ذراع و شبر طولا فيصير مجموع مكسّرة ستة و ثلاثين شبرا.

و لكن لا يخفى أنّ الذّراع أكثر من شبرين فيصير حاصل مضروب الجميع قريبا ممّا قاله المشهور من اعتبار بلوغ مكسرة ثلاثة و أربعين شبرا الّا ثمن شبر فهذه الرواية دلالتها على مذهب المشهور أقوى.

و قيل: يكفى بلوغ حاصل المضروب سبعة و عشرين شبرا و مستنده رواية إسماعيل ابن جابر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء فقال: كرّ قلت:

و ما الكرّ قال: ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار (3) قال الصدوق في المجالس: روى أنّ الكرّ هو ما يكون ثلاثة أشبار طولا في ثلاثة أشبار عرضا في ثلاثة أشبار عمقا (4) و الظاهر أنّ‌

____________

(1)- جامع الأحاديث الباب 7 من أبواب المياه الحديث 1

(2)- جامع الأحاديث الباب 7 من أبواب المياه الحديث 6

(3)- جامع الأحاديث الباب 7 من أبواب المياه الحديث 5

(4)- جامع الأحاديث الباب 7 من أبواب المياه الحديث 3

23

رواية الصّدوق ((قدس سرّه)) هي رواية إسماعيل المتقدمة نقلها بالمعنى لا رواية أخرى برأسها و لكن يمكن سقوط لفظ النّصف من هذه الرّواية فيحتمل مطابقتها لقول المشهور فثبت أنّ الأقوى ما عليه المشهور من بلوغ مكسّرة ثلاثة و أربعين شبرا.

هذا كلّه تحديد الكرّ بحسب المساحة و أمّا بحسب الوزن فالأخبار و أقوال العلماء فيه أيضا مختلفة فبعض الأخبار يدلّ على تحديده بحسب الوزن بستمائة رطل مثل صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: و الكرّ ستمائة رطل (1) و بعضها يدلّ على أنّ الكرّ ألف و مائتا رطل مثل مرسلة ابن ابى عمير عنه (عليه السلام) قال: الكرّ من الماء الذي لا ينجّسه شي‌ء ألف و مائتا رطل (2) و كيف يمكن التّوفيق بينهما و لكن يمكن أن يقال: انّ طريق الجمع بينهما بعد القطع بأنّ ألفا و مأتي رطل ليس المراد منه الرّطل المكي الذي هو ضعف العراقي لانعقاد الإجماع على خلافه و لأنّه مناف للتحديد بحسب المساحة حتّى على القول باعتبار بلوغها ثلاثة و أربعين شبرا الّا ثمن شبر كما اخترناه- أن يقال: انّ المراد بستمائة رطل في رواية محمّد بن مسلم هو الرطل المكّي و بألف و مأتي رطل في مرسلة ابن أبى عمير هو الرّطل العراقي الذي هو نصف الرّطل المكّي فإنّه لا يمكن حمل الرطل في رواية ابن أبى عمير على المكّي قطعا لما ذكرناه و لا على المدني الذي هو أكثر من العراقي بمقدار الثلث لمنافاته لرواية محمّد بن مسلم فانّ الرّطل فيها لو حمل على المكّي لا يوافق الألف و مأتي رطل المدني و لمنافاته للتّحديد بالأشبار كما ذكره بعض المحقّقين فإنّ الألف و مأتي رطل المدني أكثر من التحديد بالأشبار بكثير. فتعيّن أنّ المراد بستمائة رطل هو الرّطل المكّي و بألف و مأتي رطل هو العراقي. مضافا الى موافقة ألف و مأتي رطل للتحديد بثلاثة و أربعين شبرا الّا ثمن شبر فإنّه كما قيل قريب من التّحديد المذكور و ان كان لا يبلغ التّحديد المذكور على نحو الدقّة فإنّ الأصل في تحديد الكرّ هو التحديد بالوزن و هو تحديد حقيقي بخلاف الأشبار فإنّها كاشفة عن وجود الكرّ و هي تحديد تقريبي فإنّ الشّارع الحكيم بعد أن لاحظ اختلاف الأشبار في القصر و الطول جعل طريقا للعرف الى الوصول إلى حقيقة الكرّ و لكن راعى فيه الاحتياط فجعل الأكثر طريقا لئلّا يضرّ القصر و الطول في إحراز الكرّية.

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 6 من أبواب المياه الحديث 4

(2) جامع الأحاديث الباب 7 من أبواب المياه الحديث 8

24

هذا في الكر بحسب المساحة و الوزن و أمّا أحكام ماء الكرّ فقد بيّناها في مطاوي بيان أحكام الماء القليل من أنّه لا ينجس بملاقاته للنجس إلّا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة و ذكرنا أخباره فراجع‌

البحث في ماء المطر

و امّا ماء المطر فلا ينفعل حال نزوله بملاقاة النجس و يطهّر كلّ ما له قابليّة التطهير بالماء و تدل على ذلك روايات كثيرة.

(منها) مرسلة الكاهلي عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: أمر في الطّريق فيسيل علىّ الميزاب في أوقات أعلم أنّ النّاس وضّاءون قال: قال: لا بأس لا تسأل عنه قلت: و يسيل علىّ من ماء المطر أرى فيه التغيّر و أرى فيه آثار القذر فتقطر القطرات علىّ و ينتضح علىّ و البيت يتوضّأ على سطحه فيكف على ثيابنا قال: ما بذا بأس لا تغسله كلّ شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر (1) فإنّها تدلّ على عدم تنجّس ماء المطر بوقوعه على النجس و كونه مطهرا للمتنجّس و لا يمكن أن يكون الماء مطهّرا مع قبوله الانفعال و المراد بماء المطر المفروض في كلام السّائل الماء المجتمع من قطرات المطر لا نفس المطر النّازل من السّماء بدليل أنّه قال أرى فيه التغيّر إلخ فإنّ نفس المطر ما لم يسل على وجه الأرض ليس فيه تغير بل التغير يحصل فيه بسيلانه على وجه الأرض و الظّاهر أنّ المراد بآثار القذر آثار القذارة الظاهرية أي الوسخ و تغير ماء المطر بجريانه على الأرض بوصف المتنجّس لا بوصف النجس فانّ ماء المطر ينجس بتغير أحد أوصافه الثلاثة بملاقاة النجس كسائر المياه و الوضوء بفتح الواو الاستنجاء و الوكوف الرّشح.

و (منها) رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكنيف يكون خارجا فتمطر السّماء فتقطر علىّ القطرة قال: ليس به بأس (2).

و (منها) صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في السّطح يبال عليه فيكف فيصيب الثّوب فقال: لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه (3) و غير ذلك من الأخبار‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 4 من أبواب المياه الحديث 3- 9- 4

(2) جامع الأحاديث الباب 4 من أبواب المياه الحديث 3- 9- 4

(3) جامع الأحاديث الباب 4 من أبواب المياه الحديث 3- 9- 4

25

الآتية فإنّها تدلّ على عدم انفعال ماء المطر بملاقاته للنّجس ثمّ انّه يشترط في اعتصام ماء المطر عدم انقطاع التّقاطر من السّماء لا لأجل دلالة الأخبار على اعتبار الجريان في عاصميّته لأنّ المراد بالجريان في تلك الأخبار الجريان على وجه الأرض لا الجريان من السّماء كما سيأتي توضيحه. بل لأجل أنّ القدر المتيقّن هو صورة تقاطره من السّماء فما عداه يشكّ في صدق المطر عليه اى بعد انقطاعه يشكّ في أنه عاصم أم لا مضافا الى دعوى الإجماع على اعتبار ذلك.

و هل يعتبر في عاصميّته الجريان على وجه الأرض لو لا المانع أو يكفي مسمّى المطر و إن لم يجر على وجه الأرض فيه وجهان بل قولان و الظاهر هو القول الأوّل و مستنده روايات مستفيضة ذكر فيها الجريان.

(منها) رواية على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثّوب أ يصلّى فيه قبل أن يغسل قال: إذا جرى فيه المطر فلا بأس (1) و ذكر الجريان و ان كان في كلام السائل الا أنّ الامام (عليه السلام) نبّه بذكره في كلامه ايضا على أنّ مناط عدم البأس هو الجريان و الظاهر أنّ المراد بالجريان الجريان على وجه الأرض لا الجريان من السّماء بقرينة كلمة فيه و الضمير عائد إلى المكان و الجريان في المكان هو الجريان على وجه الأرض و لو كان المراد الجريان من السّماء لقال (ع): إذا جرى عليه المطر مضافا الى أنّ لفظ الجريان غير معلوم الصّدق على الجريان من السّماء بل يطلق عليه لفظ التقاطر و لفظ المطر مثل قولهم: تقاطر المطر من السّماء أو قولهم أمطرت السّماء و لا يقال:

جرى المطر من السّماء.

و (منها) صحيحة على بن جعفر ايضا عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن البيت يبال على ظهره و يغتسل من الجنابة ثمّ يصيبه المطر أ يؤخذ من مائه فيتوضأ به للصّلوة فقال: إذا جرى فلا بأس به.

قال: و سألته عن الرّجل يمرّ في ماء المطر و قد صبّ فيه خمر فأصاب ثوبه هل يصلّى فيه قبل أن يغسله فقال: لا يغسل ثوبه و لا رجله و يصلّى فيه و لا بأس به (2) و لكن هذه الرّواية ظاهرة في الجريان من السّماء لأنّ مفروض السّائل و هو الأخذ من ماء المطر و التوضّؤ به‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 4 من أبواب المياه الحديث 7

(2) جامع الأحاديث الباب 4 من أبواب المياه الحديث 5 و 8

26

انّما يتحقّق فيما إذا جرى على وجه الأرض حتّى يتمكّن من أخذ الماء منه فقيد إذا جرى في الجواب، لا بدّ أن يراد منه الجريان من السّماء الّا أن يقال فيها: ما ذكرناه في الرّواية السّابقة من أنّ هذا القيد انما هو لبيان تحقّق موضوع الحكم مثل أن يقال في السّؤال: إذا كان الرّجل عالما فهل يجب إكرامه فيجاب نعم إذا كان عالما يجب إكرامه فيذكر الشرط المذكور في الجواب تنبيها على أنّه شرط تحقّق الموضوع و هذه الرّواية و ان كان ذيلها مطلقا الّا أنّ قيد إذا جرى في الصّدر كاف للقرينية على عدم إرادة الإطلاق في الذّيل مع أنّ الذّيل له دلالة على تحقّق الجريان لأنّ مفروض السّائل السّؤال عن الرّجل يمرّ في ماء المطر و هو غير صادق إلّا إذا كان المطر جاريا على وجه الأرض و مع عدم الجريان لا يمرّ في ماء المطر بل يمرّ على الأرض.

و منها روايته الأخرى عن أخيه (صلوات اللّه عليه) قال: سألته عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب أ يصلّى فيها قبل أن تغسل قال: إذا جرى من ماء المطر فلا بأس يصلى فيه (1) و لكنّ الإنصاف أنّ هذه الرّواية لا دلالة لها على اعتبار الجريان بل الظاهر منها أنّه إذا جرى ما يكف من ماء المطر اى يشترط أن يكون ما يكف من ماء المطر لا من ماء الكنيف و أين هذا من اعتبار الجريان و هذه الأخبار- كما ترى- تدلّ على اعتبار الجريان في مطهّرية المطر و بعض الأخبار المتقدمة (2) ليس فيها قيد الجريان و يمكن الجمع بينهما بأنّ مورد أخبار الجريان هو الكنيف أو المكان المعدّ لتوارد النجاسات و قيد الجريان لا لأجل كونه دخيلا في التّطهير بل لأجل حصول الطهارة لجميع السّطح بواسطة جريان المطر عليه حتّى المكان الذي لم يصبه المطر فإنّه يطهر ايضا بجريان ماء المطر على سطح الأرض و وصوله اليه فلا يمكن الحكم بطهارة السّطح أو بطهارة ما يكف على الثّياب على الإطلاق بل لا بدّ امّا من قيد الجريان حتّى يطهر جميع السّطح و امّا من قيد أنّ كلّ مكان أصابه المطر يطهر فقيد الجريان لدفع هذا الإطلاق لا أنّه شرط في المطهريّة فعلى هذا لا يعتبر في المطهريّة الجريان بل يكفى كون المطر غالبا على النجاسة.

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 4 من أبواب المياه الحديث 6

(2) جامع الأحاديث الباب 4 من أبواب المياه الحديث 3 و 4

27

البحث في ماء البئر

و أمّا ماء البئر ففيه بحثان الأوّل في مفهوم البئر و معناه لغة أو شرعا قال في المسالك نقلا عن الشهيد: انّها مجمع ماء نابع من الأرض لا يتعدّاها غالبا و لا يخرج عن مسمّاها عرفا انتهى قلت: الأحكام الثابتة للبئر لا بدّ من إحراز مراد الشّارع من لفظ البئر الواقع في كلامه أمّا بالحقيقة اللغويّة و أصالة عدم النقل عنها في كلام الشارع أو بالحقيقة الشرعيّة ان قلنا بها أو بالإجماع على عدم الفرق بينهما و الا فترتّب الأحكام الشّرعيّة عليها مع عدم إحراز أنّ المراد بالبئر الواقعة في كلام الشارع هي البئر الواقعة في كلامنا و المصطلحة عندنا غير ممكن لاحتمال اختلاف عرفه مع عرفنا.

و لكن الظّاهر أنّ الشّارع ليس له اصطلاح خاصّ بالنّسبة إلى البئر و لا فرق بين المعنى اللغوي و العرفي فيها و معناها العرفي واضح و هو النّابع غير الجاري على وجه الأرض الذي له قعر و هو المرادف لقولنا بالفارسيّة (چاه) و كذا هو مرادف لسائر اللغات المستعملة في هذا المعنى في أيّ لغة كان فليس له اصطلاح خاص في جميع اللغات.

البحث الثّاني في أحكامها

و هل ينفعل ماءها بوقوع النّجس فيها؟ فيه أربعة أقوال (الأوّل) الانفعال مطلقا و هو المشهور بين القدماء (الثاني) عدمه مطلقا و هو المشهور بين المتأخّرين (الثالث) التفصيل بين الكرّ و غيره بعدم الانفعال في الأوّل و الانفعال في الثاني و هو المنقول عن الشّيخ محمّد بن محمّد البصروي من القدماء (الرابع) عدم الانفعال و وجوب نزح المقدّرات تعبّدا نسب ذلك الى العلّامة و الأقوى هو القول الثّاني و يدلّ عليه كثير من الأخبار (منها) صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت الى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرّضا (صلوات اللّه عليه) فقال: ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب طعمه لأنّ له مادّة (1).

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 1

28

و المراد بالواسع الواسع من حيث الحكم يعنى أنّ النّاس في سعة من حيث حكم ماء البئر و هذا نظير قوله (عليه السلام): النّاس في سعة ما لا يعلمون و تدلّ على طهارة ماء البئر فإنّ الحكم بنجاستها ضيق على النّاس تنفيه هذه الرواية و قوله: لا يفسده شي‌ء بيان لقوله واسع و أقوى مصاديق الإفساد النّجاسة و قد نفتها هذه الرواية و قوله: الا أن يتغيّر ريحه إلخ دليل على انحصار الإفساد بما إذا تغير و قوله: لأنّ له مادّة تعليل لقوله واسع اى علّة سعة ماء البئر و عدم فساده بملاقاة النجس هو وجود المادّة العاصمة للماء عن الانفعال و أورد على الاستدلال بالرواية أمور أحدها ما ذكره الشّيخ في الاستبصار من أنّ المراد بأنّه لا يفسده شي‌ء فسادا لا ينتفع بشي‌ء منه الّا بعد نزح جميعه الّا ما يغيره انتهى.

أقول: و لنعم ما قال بعض الأعاظم من أنّ طرح الرّواية و ردّ علمها إلى أهلها أولى من إبداء هذا النحو من الاحتمالات العقليّة التي لا يكاد يحتمل المخاطب ارادتها من الرّواية خصوصا في جواب المكاتبة انتهى مع أنّ المعنى الذي ذكره (قدس سرّه) مع التغير كذلك فانّ التغير ايضا لا يصير سببا لفساد الماء بحيث لا ينتفع به الّا بعد نزح جميعه بل يكفى النّزح الى أن يذهب التغير فيطهر كما هو ظاهر الرّواية بل صريحها، فعند ذلك يصير الاستثناء لغوا و هو غير ممكن بالنّسبة إلى كلام الامام (عليه السلام) مضافا الى أنّ هذا المعنى الذي ذكره مناف لما هو و غيره عليه من وجوب نزح جميع ماء البئر في بعض الموارد مثل ما إذا صبّ في البئر خمر أو أحد الدّماء الثلاثة أو مات فيها إنسان فإنّه ((قدس سرّه)) حكم بوجوب نزح الجميع فانحصار الإفساد بالتغيّر لا وجه له حينئذ إلا أن يدّعى بأنّ الحصر إضافي و هو بعيد غايته.

(الثاني) ممّا أورد على المكاتبة أنّ المراد من الإفساد ليس من حيث النجاسة بل الإفساد المنفيّ في الرواية هو الإفساد من حيث القذارة الظّاهريّة أي الوسخ بمعنى ان ماء البئر لا يحتمل و سخابل هو دائما نظيف لأنّ له مادّة و لكن فيه ما لا يخفى فإنّ الإمام (عليه السلام) ليس من شأنه بيان بعض الأمور العرفيّة التي يعرفها العرف بل من شأنه بيان الأحكام الشّرعية فإن كون ماء البئر بواسطة وجود المادّة لا يحتمل القذارة الظّاهريّة بل و ان صار وسخا يرتفع وسخه بسبب المادّة أمر واضح عند العرف ليس من شأن الإمام بيانه.

الاشكال الثّالث الذي أوردوه على الرواية أنّ سند الرّواية غير سليم فإنّه و ان كان الرّواة كلّهم حتّى محمّد بن إسماعيل بن بزيع موثقين الّا أنّ ابن بزيع قال: كتبت الى رجل‌

29

أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (ع) و الرّجل الذي كتب اليه ابن بزيع مجهول الحال و ايضا لفظ قال الذي في الرّواية لعلّه كان من كلام ذلك الرّجل لا من كلام الامام (عليه السلام) فالرواية حينئذ مجهولة و مقطوعة.

و الجواب أنّ الرّواية نقلها ابن بزيع للأصحاب و تلقّاها الأصحاب بالقبول حتّى أنّ الشيخ مع قوله بنجاسة البئر تلقّاها بالقبول بدليل أنّه أوّلها إلى المعنى الذي ذكره حتّى لا تخالف سائر الأخبار الدالّة على النّجاسة بزعمه و لم يخدش في سندها بل خدش في دلالتها فالظّاهر أنّ ابن بزيع علم أنّ قوله: البئر واسع (إلخ) من كلام الامام (عليه السلام) امّا لأنّه سمعه من الامام حين سأله ذلك الرّجل و كان ابن بزيع حاضرا في المجلس و لكن كان له مانع من السّؤال من الامام (ع) فكتب الى ذلك الرّجل أن يسأل الإمام (ع) عن حكم ماء البئر فأجاب الامام و سمعه ابن بزيع و إمّا انّ ابن بزيع رأى مكتوب الامام بخطه (ع) فنقل عن الامام (ع) بلفظ قال أو علم أنّ ذلك الرجل الذي قال له هذا الكلام. نقله عن الامام (عليه السلام) لا انه من قبل نفسه قال هذا الكلام.

و من الاخبار الدالّة على طهارة ماء البئر صحيحة معاوية بن عمّار عن الصّادق (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لا يغسل الثّوب و لا تعاد الصّلوة ممّا وقع في البئر الّا أن ينتن فإن أنتن غسل الثّوب و أعاد الصّلوة و نزحت البئر (1) فإنّ الظّاهر منها أنّ كلّ ميتة وقعت في البئر لا تنجس ماءها إلّا إذا أنتنت فانّ انتان الميتة مستلزم غالبا لتغير الماء فحينئذ يجب نزح ماء البئر الى أن يطيب كما نطقت به الرّواية المتقدّمة.

و (منها) صحيحته الأخرى عنه (عليه السلام) في الفأرة تقع في البئر فيتوضّأ الرجل و يصلّى و هو لا يعلم (بها خ) أ يعيد الصّلوة و يغسل ثوبه قال: لا يعيد الصلاة و لا يغسل ثوبه (2) و نظيرها بل أظهر منها دلالة موثقة أبان بن عثمان عنه (عليه السلام) قال: سئل عن الفأرة تقع في البئر لا يعلم بها إلّا بعد ما يتوضّأ منها إيعاد الوضوء فقال: لا (3) و حمل الفأرة على الفأرة الحية بعيد في الغاية بل لا يحتمله أحد من السّؤال بل المفروض كونها نجسا و السّؤال عن حكم ماء البئر و أبعد منه حمل التوضؤ و الصّلوة على ما‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 5

(2) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه ح 7- 8-

(3) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه ح 7- 8-

30

إذا شكّ في كون أحدهما كان قبل وقوع الفأرة فيها أو بعده فإنّ الرّواية و لا سيّما الثّانية كادت تكون صريحة في تأخّر الصّلوة و الوضوء عن وقوعها في البئر.

و منها صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل (زنبيل) من عذرة رطبة أو يابسة أو زنبيل من سرقين أ يصلح الوضوء منها قال:

لا بأس (1) و الظاهر من لفظ العذرة هو عذرة الإنسان فلا وجه لحمل العذرة على العذرة الطاهرة أو الأعم منها و من النّجسة بل لو حملت على الأعم لدلت على عدم الانفصال ايضا و كذا الظاهر منها اصابة العذرة لماء البئر فلا وجه لحمل الرّواية على ما إذا شك في أصابتها لماء البئر بعد اصابة الزنبيل له.

و منها صحيحة أبي أسامة و أبى يوسف يعقوب بن عثيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا وقع في البئر الطير و الدّجاجة و الفأرة فانزح منها سبع دلاء قلنا: فما تقول في صلوتنا و وضوئنا و ما أصاب ثيابنا فقال: لا بأس به (2) و دلالتها على طهارة ماء البئر واضحة بل صريحة فالأمر بالنّزح لأجل التنزّه لا لأجل النجاسة.

و منها موثقة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) بئر يستقى منها و يتوضأ به و غسل منه الثّياب و عجن به ثمّ علم أنّه كان فيها ميّت قال (فقال خ ل) لا بأس به و لا يغسل منه الثّوب و لا تعاد منه الصّلوة (3) فإنّ الميّت ظاهر في الميّت النجس دون الطّاهر فانّ الطّاهر ليس موردا للسّؤال.

(هذه) هي الأخبار الدالّة على الطّهارة و فيها إطلاق يشمل الكرّ و ما دونه و هنا أخبار أخر تعارض بظاهرها هذه الروايات (منها) رواية الحسن بن صالح الثوري المتقدّمة (4) في باب الكرّ فانّ فيها التقييد بالكرّ في عدم انفعال ماء البئر و لفظها هكذا: إذا كان الماء في الرّكيّ كرّا لم ينجّسه شي‌ء فمفهومها إذا لم يكن الماء في الركي كرّا ينجّسه شي‌ء و هو معارض للروايات المتقدّمة.

و يمكن أن يجاب عن المعارضة بأنّ لفظ الرّكيّ ليس صريحا في البئر فإنّ معنى الرّكيّ‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 5

(2) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 10- 11

(3) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 10- 11

(4) جامع الأحاديث الباب 7 من أبواب المياه الحديث 2

31

كما في القاموس هو الحفرة و فيه ايضا: المركوّ الحوض الكبير فيمكن أن يكون المراد منها في الرّواية هو مطلق الحفرة دون خصوص البئر و ارادة البئر منه في بعض الموارد من باب إطلاق الكلّي على الفرد لا أنّه معناه الحقيقيّ و على فرض كون المراد من الرّكيّ خصوص البئر في الرّواية لتفسير الرّكيّ بالبئر في كتب اللغويين نقول: بأنّ هذه الرواية يستفاد منها أنّ العاصم لتنجّس البئر هو الكرّيّة و مفهومها عدم وجود العاصم فيما دون الكرّ و سائر الأخبار الدّالّة على عدم انفعال ماء البئر دالة على أنّ العاصم هو وجود المادّة الموجودة فيما دون الكرّ ايضا و دلالة هذه الرّواية على الانفعال بالمفهوم و إطلاق تلك الأخبار منطوق و هو أقوى دلالة من المفهوم فلا يصلح المفهوم لتقييد المنطوق هذا كلّه في بيان الأخبار الدالّة على الطّهارة.

و أمّا الأخبار المتوهّم دلالتها على النّجاسة فهي كثيرة أيضا (منها) رواية محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت الى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرّضا (عليه السلام) في البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها ما الذي يطهّرها حتّى يحلّ الوضوء منها فوقع (عليه السلام) بخطّه في كتابي (كتابه خ ل) ينزح دلاء منها (1).

و تقريب الاستدلال بها على النّجاسة هو: انّ السّائل سأل عمّا يطهّر البئر حتّى يحلّ الوضوء منها و يعلم منه أنّ النجاسة كانت مفروغا عنها عنده بوقوع المذكورات في البئر الى أن يتحقّق المطهر و لم يردعه الامام (عليه السلام) بنفي النّجاسة عن الماء بل أبقاه على اعتقاده فيعلم من ذلك أنّ ماء البئر ينجس بوقوع المذكورات فيها.

و الجواب عن هذه الرواية أنّ ذكر الدلاء بنحو الإهمال و عدم تعيين مقدار النّزح يستكشف منه أنّ الأمر بالنزح لأجل التنزّه لا للوجوب و الّا فلا يصلح ذكر النزح بنحو الإهمال للجواب بعد وضوح أنّه (عليه السلام) كان في مقام بيان الحكم و بعد ظهور أنّ السّائل كان جاهلا بالمطهر حتّى سأل- ما الذي يطهّرها فالمراد بما يطهّرها في كلام السّائل ما الذي ترفع قذارتها العرفيّة حتّى يرتفع كراهة الوضوء منها و ان كان حمل جملة حتّى يحل الوضوء منها على ذلك خلاف الظّاهر الّا أنّه لا بدّ من هذا الحمل جمعا بين هذه الرواية و سائر الرّوايات الصريحة‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 6

32

في الطّهارة مع أنّ صاحب الكافي بعد نقله لهذه المكاتبة قال بلا فصل: و بهذا الاسناد قال: ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الّا أن يتغيّر به (1) فيظهر منه أنّ هذه الرّواية أيضا مكاتبة بنحو مكاتبته السّابقة و يؤيّده أنّ الشيخ ((قدس سرّه)) نقلها في التهذيب بسند المكاتبة السّابقة (2) فيحتمل قويّا أنّ الرّوايتين هما مكاتبة واحدة لا مكاتبتان فحينئذ يصلح قوله (ع) ماء البئر واسع (إلخ) ردعا لظاهر قوله: ما الذي يطهّرها و (منها) صحيحة علىّ بن يقطين عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن البئر يقع فيها الحمامة و الدّجاجة و الفأرة و الكلب و الهرة فقال يجزيك أن تنزح منها دلاء فإنّ ذلك يطهرها إنشاء اللّه (3) و هذه الرواية أظهر دلالة من سابقتها في دلالتها على تنجّس ماء البئر بوقوع النجس فيها لأنّ السّابقة كانت دلالتها بالتقرير و هذه بتصريح الامام (ع) بأنّ ذلك يطهرها فيعلم منه أنّ الماء صار نجسا بوقوع المذكورات فيها حتّى يطهّره النّزح.

و الجواب في هذه الرواية هو الجواب الذي ذكرناه في تلك الرّواية من أنّ إهمال الدّلاء و عدم ذكر مقدارها مع أنّ بين هذه النجاسات فرقا بينا بحسب الأخبار الواردة في كلّ واحدة منها و مع أنّه (عليه السلام) كان في مقام البيان بقرينة قوله (ع): يجزيك يستشعر منه أنّه للتنزّه لا وجوب النزح و يمكن أن يكون قوله (ع) فانّ ذلك يطهرها صدر لأجل التّقية فإنّ العامّة قائلون بنجاسة البئر بوقوع احدى النّجاسات فيها فعبّر (ع) بما يوافق التّقية و أشار الى عدم النجاسة بإهمال الدلاء و الأمر بنزح الدلاء للنظافة.

و منها رواية عمّار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) قال في آخرها: و سئل عن بئر وقع فيها كلب أو فأرة أو خنزير قال: تنزف كلّها فان غلب عليه الماء فلتنزف يوما الى الليل ثم يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين فينزفون يوما الى الليل و قد طهرت (4).

فانّ قوله: و قد طهرت في ذيلها قد دلّ على أنّ البئر صارت نجسة بوقوع أحد المذكورات فيها و هذه الرّواية أيضا لا تصلح لمعارضة أخبار الطهارة لاشتمالها على ما لم يقل به أحد من الفقهاء‌

____________

(1)- الكافي المجلد 3 الصفحة 5

(2)- جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 6- 9

(3)- جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 6- 9

(4)- جامع الأحاديث الباب 19 من أبواب النّجاسات الحديث 1

33

و هو وجوب نزح جميع الماء للفأرة و الكلب فإنّ أكثر ما قيل في وقوع الفأرة هو سبع دلاء و في وقوع الكلب أربعون دلوا بل الخنزير أيضا حكمة حكم الكلب عند كثير من الفقهاء و حمل نزح جميع الماء على صورة تغيره بالمذكورات كما فعله الشيخ قده لا يخفى ما فيه ضرورة أنّ التغير ايضا لا يستلزم وجوب نزح جميع الماء بل يكفى نزح مقدار يزول به التغير و كذا في صورة التغير و غلبة الماء لا معنى للتراوح الى الليل فإنّه إن زال التغيّر قبل الليل طهر و ان لم يزل لا يكفى التّراوح الى الليل بل لا بدّ من النّزح الى أن يزول التغيّر و ان كان الى ليلتين أو ثلاث ليال أو أكثر.

فهذه الرواية غير معمول بها مع أنّها معارضة لسائر الأخبار الواردة في نزح المذكورات و يمكن حمل قوله (ع) و قد طهرت على ما ذكرناه في الروايتين السابقتين من أنّ المراد بالطّهارة رفع القذارة العرفية لا ما يقابل النجاسة و ممّا استدل به على النجاسة صحيحة ابن أبى يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا أتيت البئر و أنت جنب فلم تجد دلوا و لا شيئا تعرف به فتيمم بالصّعيد فانّ ربّ الماء و ربّ الصّعيد واحد و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم ماءهم (1) فانّ جواز التيمّم مع وجود الماء غير ممكن في هذا الفرض إلّا إذا كان وقوع الجنب في البئر مستلزما لنجاسة الماء بان كان بدنه متلطّخا بالمني فيعلم منه تنجّس الماء بملاقاة النجس و ايضا قوله (ع) و لا تفسد على القوم ماءهم ظاهر في الإفساد من حيث النجاسة كما أنّ قوله (ع) في بعض الأخبار المتقدّمة: ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء (2) ظاهر في عدم الإفساد من حيث النجاسة.

و لكن لا يخفى أنه حينئذ كان التعليل ببطلان غسله أولى من التعليل بإفساد الماء على القوم، لأنّه موهم لجواز الغسل عند عدم إفساد الماء على القوم بأن كانت البئر ملكا له أو لم يكن لأحد فيها حقّ التصرّف فلا بدّ من أن يراد بالإفساد الإفساد من حيث القذارة العرفيّة لا تقذر على القوم مائهم بأن كان بدنك متلطخا بالمني فتدخل في الماء فيستقذر القوم للماء بمقتضى طبائعهم أو المراد بالإفساد صيرورة الماء ذا وحل اى لا تدخل في البئر فتغير الماء على القوم و تصيّره ذا وحل و هذا الاحتمال الثّاني صادق حتّى مع طهارة البدن و أمّا الإفساد‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 1 من أبواب التيمّم الحديث 4

(2) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 1

34

بمعنى النجاسة فلا يتحقّق مع طهارة البدن مع أنّ الرّواية لها إطلاق يشمل صورة طهارة البدن ايضا فلا بدّ أن يكون المراد بالإفساد فيها هو المعنى الذي ذكرناه اى المعنى الثاني من المعنيين و بهذا ظهر الفرق بين الإفساد هنا و الإفساد في قوله: لا يفسده شي‌ء.

فان الإفساد هنا ليس بمعنى النّجاسة لما ذكرناه بخلاف الإفساد هناك فإنّه لا بدّ أن يكون بمعنى النجاسة لأن بعد قوله: لا يفسده شي‌ء قوله: الّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه فإنّ تغيّر الرّيح أو الطّعم بغير النّجاسة لا يصير سببا لتنجّس الماء فيعلم أنّ المراد بالإفساد الإفساد من حيث النّجاسة.

و ممّا استدلّ به على النّجاسة صحيحة الفضلاء أعني زرارة و محمّد بن مسلم و أبا بصير قالوا: قلنا له: بئر يتوضّأ منها يجرى البول قريبا منها أ ينجسها قال: فقال ان كانت البئر في أعلى الوادي و الوادي يجري فيه البول من تحتها و كان بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع لم ينجّس ذلك شي‌ء و ان كان أقلّ من ذلك ينجّسها و ان كانت البئر في أسفل الوادي و يمر الماء عليها و كان بين البئر و بينه تسعة أذرع لم ينجّسها و ما كان أقلّ من ذلك فلا يتوضّأ منه.

قال زرارة: فقلت له: فان كان مجرى البول يلزقها و كان لا يثبت على الأرض فقال: ما لم يكن له قرار فليس به بأس و ان استقرّ منه قليل فإنّه لا يثقب الأرض و لا قعر له حتّى يبلغ البئر و ليس على البئر منه بأس فيتوضّأ منه انّما ذلك إذا استنقع كلّه (1).

و يمكن أن يقال: انّ هذه الرّواية أظهر الرّوايات في دلالتها على نجاسة ماء البئر لأنّ التأويل الذي ذكرناه في قوله (ع): فان ذلك يطهّرها غير متمشّ هنا فانّ التنجيس كالصّريح في المعنى المعروف. و لكن الجواب عن هذه الرواية بأنّ الظاهر أنّ التحديد بعدد معيّن في تباعد النجس عن البئر ليس من باب تشخيص الموضوع بعلم الإمامة فإنّ بيان موضوع الأحكام.

و تشخيصه خصوصا إذا كان من باب الاخبار بالغيب ليس من شأن الإمام (عليه السلام) بل شأنه بيان الأحكام و تشخيص موضوعاتها موكول الى نظر العرف إلا أن يكون الموضوع من الموضوعات الشّرعيّة فإنّ بيانه موكول حينئذ إلى الشّارع و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل فح يحتمل أن يكون هذا التحديد طريقا الى عدم ملاقاة ما في الكنيف للبئر بأن يكون الشّارع‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 11 من أبواب المياه الحديث 5

35

لا حظ غلبة الملاقاة عند عدم هذا المقدار من التباعد فجعل هذا المقدار من التباعد طريقا إلى إحراز عدم تحقّق الملاقاة.

و يحتمل أن يكون هذا التحديد إرشادا الى عدم تحقّق الملاقاة عند هذا المقدار من الفصل فعلى كلّ من الاحتمالين لم يعلم أنّ الشّارع جعل هذا التحديد طريقا أو إرشادا الى عدم انفعال ماء البئر بالملاقاة أو بالتغيّر و بعبارة اخرى أنّ الشّارع جعل هذا النحو طريقا الى عدم تنجّس ماء البئر و أمّا انّ المنجّس هل هو نفس الملاقاة أو مع التغير فلم يعلم من هذا التحديد فيمكن أن يكون قد لاحظ أنّ أقلّ من هذا التحديد ملازم غالبا عند استقرار النجس في محلّه لتغيّر الماء كما يظهر من آخر الحديث فجعل هذا التحديد طريقا و على فرض الإطلاق في الرّواية فلا بدّ من تقييدها برواية الجعفريات مسندا عن الصّادق عن آبائه عن علىّ (عليهم السلام) أن رجلا أتاه فقال: يا أمير المؤمنين انّ لنا بئرا و هو متوضّؤنا و ربّما عجنّا العجين من مائها و انّ بئر الغائط منها أربعة أذرع و لا نزال نجد رائحة نكرهها من البول و الغائط فقال علىّ (عليه السلام): طمّها أو باعد بين الكنيف عنها إذا وجدت ريح العذرة منها (1).

فانّ الظّاهر أنّ ماء البئر تغيّر ريحه بملاقاة الغائط للبئر و سرايته إليها لا بالمجاورة للغائط فانّ المجاورة مع النجس و ان غيّرت ريح الماء ليست منجّسة و أظهر من هذه الرّواية في كونها مقيّدة لإطلاق الرواية المتقدمة ان كان لها إطلاق صحيحة محمّد بن القاسم عن أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) في البئر يكون بينها و بين الكنيف خمسة أذرع أو أقلّ أو أكثر يتوضّأ منها قال ليس يكره من قرب و لا بعد يتوضّأ منها و يغتسل ما لم يتغيّر الماء (2) فجوّز (ع) الوضوء و الغسل من الماء ما لم يتغيّر و يظهر من هذه الرّواية أنّ مجاورة الكنيف للبئر بأقل من التحديد المذكور في الرّواية السّابقة في ذاتها ليست منجسة و لا مانعة من الوضوء و الغسل و انّما المانع هو ما إذا تغير الماء بالنّجاسة فيستكشف من هذه الرواية أنّ المانع من الوضوء في الرّواية السّابقة هو تغيّر الماء بالملاقاة و التحديد المذكور فيها طريق غالبيّ إلى تحقّق التغيّر بأقلّ من التحديد المذكور لا أنّ التحديد تعبديّ فبفقدانه يتحقق التنجيس و انّ شكّ في الملاقاة كما لا يخفى.

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 11 من أبواب المياه الحديث 8

(2) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 4

36

و ممّا استدلّ على نجاسة ماء البئر بوقوع النجس فيها الأخبار الآمرة (1) بالنّزح بوقوع كلّ واحدة من النجاسات فيها و هي كثيرة جدّا تبلغ أربعين حديثا و لذا ادعى تواترها و تلك الرّوايات فيها الصّحيح و الحسن و الموثّق و لا يجوز طرح جميعها للعلم بصدور كثير منها و الجواب عن تلك الرّوايات أنّ الأمر فيها لا يمكن حمله على الواجب التعبّدي و القول بعدم تنجّس ماء البئر بملاقاته للنجاسة كما عن العلّامة في المنتهى فإنّه خلاف ظاهر الرّوايات فانّ العرف يفهمون من الأمر بالنّزح فيها أنّه مقدمة للغير اى لحصول الطّهارة للبئر أو لحصول النّظافة لها و رفع القذارة الظاهرية عنها.

و ليس النزح مطلوبا بنفسه بل هو مطلوب لغيره فحينئذ هو امّا مقدمة لجواز الوضوء أو الغسل منه شرعا و شرط له و إمّا مقدّمة لحصول النظافة و لكنّ الظاهر هو الثاني للقرائن الخارجيّة و الدّاخلية الدالّة على ذلك دون حصول الطهارة أمّا القرائن الخارجية فهي أخبار الطهارة المتقدّمة و هي كثيرة أيضا و أخبار النّزح و ان كانت ظاهرة في حصول النجاسة الّا أنّ أخبار الطهارة صريحة في الطهارة فلا بدّ من حمل الظاهر على النصّ.

و أمّا القرائن الدّاخليّة فهي القرائن الموجودة في نفس أخبار النّزح مثل الحكم بصحّة الوضوء من البئر و عدم الأمر بغسل الثّياب إذا توضّأ قبل النّزح ثم تبيّن له أنّ النجس كان واقعا فيها مع الأمر بالنزح في رواية أبي أسامة المتقدّمة و مثل التعارض الواقع بين نفس تلك الأخبار في مقدّرات بعض النجاسات مثل الفأرة فإنّ بعض الأخبار يدلّ على وجوب نزح خمس دلاء (2) و بعضها على وجوب سبع دلاء (3) و مثل هذا التعارض في مقدّرات بعض النجاسات كثير (راجع الباب 10 من أبواب المياه من جامع أحاديث الشيعة.)

و مثل إهمال الدلاء أو توصيفها باليسيرة في بعض أخبار النزح راجع الباب المذكور فإنّها تدل ايضا على عدم الاهتمام بأمر النّزح و من القرائن الدّاخليّة في تلك الأخبار أنّه أمر بالنّزح في بعضها لموت ما ليس له دم سائل كرواية منهال قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): العقرب يخرج من البئر ميتة قال: استق منها عشر دلاء (4) و قارن في بعض تلك الأخبار بالنّزح بين ذي النّفس و غيره مثل صحيحة معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث.

(2) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 13- 14- 35

(3) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 13- 14- 35

(4) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 13- 14- 35

37

(عليه السلام) عن الفأرة و الوزغة تقع في البئر قال: ينزح منها ثلاث دلاء (1) فهذه القرائن الكثيرة كادت توجب القطع بأنّ الأوامر الواردة في هذه الأخبار ليست على ظواهرها من افادة الوجوب بل هي مقدّمة لحصول النظّافة و على فرض القول بنجاسة البئر في الجملة فهل يمكن القول بنجاستها مطلقا حتّى ما إذا كانت بمقدار الكرّ أو لا بدّ من قصر الحكم على خصوص القليل منها؟ ظاهر بعض الأخبار الآمرة بالنزح انفعال ماء البئر بملاقاة النجس و لو كان كرّا.

مثل رواية عمرو بن سعيد بن هلال قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عمّا يقع في البئر ما بين الفأرة و السّنّور إلى الشاة قال: فقال: كلّ ذلك يقول: سبع دلاء قال: حتّى بلغت الحمار و الجمل فقال: كرّ من ماء (2) فإنّها تدلّ على أنّ الماء الموجود في البئر يكون كرّا أو أكثر حتّى يمكن أن ينزح منها بمقدار الكرّ فتدلّ على تنجّس ماء البئر بوقوع النجس و ان كان و مثل رواية التراوح المتقدمة (3) فإنّها أيضا تدلّ على تنجّس البئر و ان كانت كرّا لفرض كون الماء بمقدار لا يمكن نزح جميعه الّا بالتّراوح و النّزح الى الليل و هذا لا يفرض إلّا في بئر مشتملة على أكرار من الماء دون كرّ واحد فضلا عن أن يكون دون الكرّ إلّا إذا اشتملت على مادة قوية فح يقع التعارض بين الأخبار الدالة على عدم انفعال الماء إذا كان كرّا الشّاملة بإطلاقها للبئر أيضا و بين هذين الخبرين لكنّ التعارض انّما يقع بناء على القول بانفعال ماء البئر.

و أمّا على القول الآخر الذي اخترناه من أنّ الأمر بالنّزح في هذه الروايات للتنزّه و الاستحباب فلا تعارض و يمكن أن يجاب- بناء على القول بالانفعال- بعدم صلاحيّة هذين الخبرين لمعارضة تلك الأخبار فإنّ رواية عمرو بن سعيد مجهولة فانّ عمرو بن سعيد المذكور من أصحاب الباقر (عليه السلام) و لم يصفوه بمدح و لا قدح و ليس هذا عمرو بن سعيد بن هلال المدائني الثقة كما توهّم فانّ ذلك من أصحاب الرضا (عليه السلام) و الرواية الثانية أيضا ضعيفة السّند متروكة الظاهر متهافتة المتن و ليس لنا دليل معتبر يدلّ على انفعال ماء البئر إذا كان كرّا غير هذين الخبرين و قد عرفت حالهما فتبقى أدلّة عدم انفعال الكرّ بلا معارض‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 10- 26

(2) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 10- 26

(3) جامع الأحاديث الباب 19 من أبواب النجاسات الحديث 1

38

بالنّسبة إلى البئر و غيرها فإطلاقها أو عمومها شامل للبئر أيضا و لا يفرض مانع لشمولها إلّا أحد أمرين وقوعها في القعر أو وجود المادة لها.

و كلّ واحد منها لا يصلح للمانعية فإنّ الكرّ لا فرق فيه بين وجوده فوق الأرض أو تحتها و وجود المادّة علّة لعدم الانفعال و لا يمكن أن يقال: أن وجود المادّة علّة للانفعال فح لا فرق بحسب إطلاق أدلّة عدم انفعال الكرّ بين البئر و غيرها.

هذا كلّه في صورة عدم تغيّر الماء بوقوع احدى النجاسات في البئر و أمّا إذا تغيّر أحد أوصافه بها فينجس بالاتّفاق من القائلين بنجاسة البئر و القائلين بعدمها و هل يكفي في تطهيره زوال التغيّر بأي نحو كان و لو بصبّ دواء فيه يزيل تغيّره بل و ان زال تغيّره من قبل نفسه أو لا بدّ في إزالة التغيّر من النزح و لا بدّ أوّلا من ذكر الأخبار الواردة في هذه المسألة حتّى يتضح الأمر فنقول: الأخبار في هذه المسألة على ثلاثة أقسام منها ما يدلّ على أنّه لا بدّ أن ينزح حتّى يطيب و هي روايات:

منها صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع المتقدمة (1) و فيها لا يفسده شي‌ء الّا أن يتغيّر به فينزح حتّى يذهب الرّيح و يطيب طعمه لأنّ له مادّة و منها رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّا يقع في الآبار فقال: أمّا الفأرة و أشباهها فينزح منها سبع دلاء الّا أن يتغيّر الماء فينزح حتّى يطيب (2) و منها موثقة سماعة عنه (عليه السلام) عن الفأرة تقع في البئر أو الطّير فقال: ان أدركته قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء الى أن قال:

و ان أنتن حتّى يوجد ريح النتن في الماء نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء (3) و منها صحيحة زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الفأرة و السّنّور الى أن قال: و ان تغيّر الماء فخذ منه حتّى يذهب الرّيح (4) و في خبر زرارة فإن غلب الرّيح نزحت حتّى يطيب (5).

و منها ما يدلّ على نزح جميع البئر كخبر معاوية بن عمّار: لا تعاد الصّلوة و لا يغسل الثوب ممّا يقع البئر إلا أن ينتن فإن أنتن غسل الثوب و أعاد الصّلوة و نزحت البئر (6) بناء على دعوى ظهورها في نزح الجميع و مثل رواية أبى خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) سئل في‌

____________

(1)- جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 1

(2)- جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 18

(3)- جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 25

(4)- جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 13- 27- 37- 31

(5)- جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 13- 27- 37- 31

(6)- جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 13- 27- 37- 31

39

الفأرة تقع في البئر قال: إذا ماتت و لم تنتن فأربعين دلوا و إذا انتفخت أو نتنت نزح الماء كلّه (1) و مثل رواية منهال المتقدّمة و في آخرها: فان غلب الريح عليها بعد مأة دلو فانزحها كلّها (2) و القسم الثالث من الروايات ما يدل على نزح مائة دلو و فيه خبر واحد و هو خبر منهال المذكور و فيه: و ان كانت جيفة قد أجيفت فاستق منها مأة دلو. الحديث (3).

و يمكن الجمع بين هذه الأخبار بأن يكون نزح الجميع الواقع في خبر منهال محمولا على صورة عدم ارتفاع التغيّر الا بنزح الجميع و يؤيّده ذيل الخبر المذكور فانّ الظاهر من قوله: فان غلب الرّيح إلخ أنّ جميع الماء صار منتنا فح لا يزول نتنه غالبا الّا نزح الجميع و أمّا مأة دلو الواقع في خبر منهال المذكور فغير معمول به عند الأصحاب فالعمل ح با الأخبار الدالّة على وجوب النزح الى أن يطيب الماء اى يرتفع التغيّر.

إذا عرفت ذلك نقول: يظهر من القسم الأوّل من الروايات المتقدّمة أنّ الطيب غاية للنزح لا أنّه علّة له حتّى يقال: انّ العلّة تعمم و تخصّص فحيث انّ علّة النزح هو حصول الطّيب فبأيّ نحو حصل و بأيّ سبب تحقق كفى و لا يلزم أن يكون خصوص النزح فانّ كونه علّة خلاف المتبادر من لفظة حتّى فانّ الظاهر أنّها تفيد الغاية و إذا كانت بمعنى الغاية فليس لها عموم مثل العلّة حتّى يقال: انّها تعمم و تخصّص بل المغيا هو لازم الاتّباع فقط و لو فرض عدم ظهورها في الغاية فليست ظاهرة في العلة أيضا فيحصل الإجمال فيؤخذ بالقدر المتيقّن من محصّل الطيب و هو النزح بالمقدار المذكور في الروايات و ايضا النزح بحسب المتفاهم العرفي ليس سببا لحصول الطيب، لظهور أن حوضا من الماء إذا صار متغيّرا فالأخذ من مائه لا يصيره طاهرا فلا بدّ من أن يكون الأمر بالنزح في هذه الأخبار لأجل خروج ماء طاهر من المنبع و اختلاطه بالماء المتغيّر حتّى يذهب تغيّره و يصيّره طاهرا و هذا غير ممكن غالبا في زوال التغيّر من قبل نفسه فإنّ أكثر الآبار ما لم يؤخذ من مائها لا يخرج من منبعها شي‌ء من الماء الطّاهر النظيف إلا شيئا قليلا غير معتدّ به فح لا يحصل الامتزاج بين هذا الماء النجس المتغيّر و بين الماء الطاهر الخارج من المنبع.

نعم إذا فرض أنّه كان ماء البئر قليلا جدّا و صار متغيّرا و صار بحسب بعض العوارض‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 13- 27- 37- 31

(2) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 13- 27- 37- 31

(3) جامع الأحاديث الباب 10 من أبواب المياه الحديث 35

40

أو بحسب إتيان بعض الفصول كثيرا بحيث صار غالبا قاهرا على الماء النجس و اختلطا و ذهب التّغير نلتزم بكون ذلك مطهّرا و لا يجب النّزح فالمناط هو ارتفاع التغير و حصول المزج مع الماء الطّاهر فاعتبار النزح في هذه الروّايات باعتبار انه لا يحصل الامتزاج بالماء الطاهر غالبا الّا به نعم لو قلنا بكفاية مطلق الاتّصال بالماء العاصم و لو لم يحصل الامتزاج أمكن القول بكفاية مطلق زوال التغيّر من أىّ سبب حصل مع خروج شي‌ء من الماء العاصم من المادة‌

البحث في الماء المستعمل في رفع الخبث

هل الماء المستعمل في رفع الخبث طاهر مطلقا أو نجس مطلقا أو فيه تفصيل بين الغسلة المزيلة للعين أو الغسلة الاولى في البول و غيرها.

نسب القول الأوّل إلى السّيد المرتضى و ابن أبى عقيل لكن الثّاني أعني ابن ابى عقيل قائل بعدم انفعال الماء القليل مطلقا سواء كان واردا أو مورودا عليه و السيّد (رحمه اللّه) قائل بعدم انفعال القليل إذا كان واردا على النجس لا خصوص الغسالة و علله بأن الماء القليل الوارد إذا تنجّس بوروده على النجس لزم أن لا يكون مطهرا من الخبث أصلا لأنه ماء قليل لاقى نجسا فيعلم منه عدم انفعال الماء الوارد على النجس فظهر عدم صحّة عدّهما من القائلين بطهارة الغسالة فإنّ ابن أبى عقيل قائل بعدم انفعال الماء القليل مطلقا و السيّد قائل بعدم انفعال الماء الوارد و أين قولهما من طهارة ماء الغسالة نعم لازم قول السيّد بعدم نجاسة الماء الوارد عدم نجاسة الغسالة و هو غير القول بطهارة الغسالة.

و استدلّ للقول بنجاسة الغسالة بأمور الأوّل و هو أقواها أدلة انفعال الماء القليل فإنّها بإطلاقها أو عمومها شاملة لماء الغسالة لأنّه ماء قليل لاقى النجس نعم لا بدّ من رفع اليد عن الإطلاق أو العموم بالنّسبة إلى حين الملاقاة قبل الانفعال لتحقّق الإجماع على كون القليل مطهّرا من الخبث و يلزم أن يكون طاهرا الى زوال الخبث بناء على دعوى الإجماع على أنّ الماء النجس لا يرفع حدثا و لا يزيل خبثا الّا أن يدّعى أنّ مورد الإجماع أو القدر المتيقّن منه ما يكون طاهرا قبل ملاقاة المتنجّس اى يشترط أن يكون قبل الملاقاة طاهرا و أمّا اعتبار طهارته حتّى حين الملاقاة فلا إجماع عليه و لا هو مخالف للعقل فإنّه يمكن ان يكون هذا الماء الذي ينجس بالملاقاة بعد ما كان طاهرا قبل الملاقاة مطهرا للخبث قبل الانفعال بأن ينتقل الخبث من‌

41

المحل الى هذا الماء و يصير الماء حاملا للخبث بعد ما كان المحل حاملا له و العرف يساعد على ذلك أيضا.

الثاني من الأدلّة ما رواه الشّيخ في الخلاف عن العيص بن القاسم قال: سألته عن رجل أصابته قطرة من طست فيه وضوء فقال (ع): ان كان الوضوء من بول أو قذر فليغسل و ان كان وضوئه للصّلوة فلا يضرّه (1) و الظاهر أنّ هذه الرواية نقلها الشيخ (قده) عن كتاب العيص و طريقه الى ذلك الكتاب حسن فلا تكون مرسلة و إضمارها غير ضائر بعد الاطمئنان بأنّ المسئول منه هو الامام (عليه السلام) و المراد بالوضوء الغسالة و ما روى عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الماء الذي يغسل به الثّوب أو يغتسل به من الجنابة لا يجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه و أمّا الماء الذي يتوضّأ الرجل به فيغسل به وجهه و يده في شي‌ء نظيف فلا بأس أن يأخذه غيره و يتوضّأ به (2) الأمر الثالث من الأمور التي استدلّ بها على نجاسة الغسالة دعوى الإجماع على النجاسة كما عن المنتهى و التحرير المعتضدة بالشهرة العظيمة.

و حيث انّا قائلون بالتفصيل بين الغسلة المزيلة للعين و غيرها و الغسلة الاولى و الثانية في البول نذكر أدلة القائلين بالطهارة حتى يتّضح الحال فنقول: استدلّ القائلون بالطهارة بأمور أحدها أصالة الطهارة و فيه أنّ الأصل دليل حيث لا دليل و الدليل هنا موجود كما ذكره القائل بالنجاسة.

و ثانيها ما حكى عن السيّد قده بقوله: قال النّاصر: لا فرق بين ورود الماء على النجاسة و ورودها عليه ثمّ قال السّيد: و هذه المسألة لا أعرف فيها نصّا و لا قولا صريحا و الشّافعي يفرق بين ورود الماء عليها و ورودها عليه فيعتبر القلّتين في ورود النجاسة على الماء و لا يعتبر ورود الماء على النجاسة الى أن قال: و الذي يقوى في نفسي عاجلا الى أن يقع التأمّل لذلك صحّة ما ذهب إليه الشافعي و الوجه فيه أنّا لو حكمنا بنجاسة القليل الوارد على النجاسة لأدّى ذلك الى أنّ الثّوب لا يطهر إلّا بإيراد كرّ من الماء عليه و ذلك يشقّ انتهى.

و حاصله دعوى الملازمة بين تطهير الثوب و طهارة الماء و لكن الملازمة ممنوعة لأنّ الإجماع الواقع على اعتبار طهارة الماء الذي يغسل به المتنجّس مورده أو القدر المتيقّن منه‌

____________

(1) الخلاف- الطبعة الاولى صفحة 18- المسألة 135

(2) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 1

42

طهارته قبل الملاقاة مع المتنجّس و أمّا طهارته حتّى حين الملاقاة فلا إجماع عليه فيمكن أن يكون اجتماع النجسين أعني نجاسة الثوب و نجاسة الماء سببا لطهارتهما كما احتمل ذلك في الماء النجس المتمّم كرّا بنجس آخر نعم هذا المعنى مشكل القبول بالنّسبة إلى الغسلة المزيلة للعين أو الغسلة الأولى في البول و لذا اخترنا القول بالنجاسة فيهما.

و الحاصل أنّ الجمع بين أدلّة انفعال الماء القليل و بين أدلة جواز تطهير المتنجّس بالماء القليل إمّا بالالتزام بنجاسة الغسالة بالانفصال بأن يقال بأنّه قبل الانفصال من محلّ المتنجّس طاهر و بالانفصال يصير نجسا فالانفصال صار سببا لتنجّسه و هو بعيد لأنّ الانفصال لا يكون منجّسا و إمّا بأن يقال بطهارة الغسالة حتّى بعد الانفصال و هو بالنسبة الى غير الغسلة المزيلة و غير الغسلة الاولى في البول لا يبعد الالتزام به و أمّا بالنّسبة إليهما فلا للأخذ بالقدر المتيقّن من المخصّص الخارج عن أدلة انفعال الماء القليل.

أو الالتزام بنجاسة الغسالة حين الملاقاة و بعد الانفصال و لكن يطهر المحل به تعبدا و هو ايضا بعيد و مع ذلك فالأوجه هو الوجه الثاني.

الثالث من أدلة الطهارة أنّه يستفاد من تتبع الأخبار و كثير من الإجماعات أنّ المنجّس لا يطهّر و القول بنجاسة الغسالة خروج عن هذه القاعدة الكليّة فلا بدّ من القول بطهارتها و لا معارض لهذه القاعدة إلّا أدلة انفعال الماء القليل و هي غير شاملة لما نحن فيه لوجود الأدلّة الدالّة على جواز التّطهير بالماء القليل فبضم هذه القاعدة اى أنّ المنجّس لا يطهّر إلى أدلّة جواز التطهير بالقليل- لا مساغ لشمول أدلة انفعال القليل لها و على فرض الشمول يتعارض الدليلان و يتساقطان فالمرجع (ح) هو استصحاب الطهارة.

و لكن قد عرفت وجه الجمع بين أدلّة الانفعال و أدلّة جواز التطهير بالقليل من أنّه لا بدّ من أن نلتزم بأحد أمور ثلاثة إمّا بالالتزام بنجاسة الغسالة بالانفصال و إمّا بالالتزام بنجاستها قبل الانفصال و بعده و لكن يطهر المحل بانفصال الغسالة عنه تعبّدا و إمّا بالالتزام بطهارتها قبل الانفصال و بعده إلا أنّا نلتزم بنجاستها قبل زوال العين لملاقاة الماء القليل للنجاسة.

و هذا الفرض الأوسط لا يلزم منه التطهير بالماء المتنجّس لفرض كون الماء قبل ملاقاته للنجس كان طاهرا و بالملاقاة انتقلت النجاسة من المحل الى الماء فلا يلزم من‌

43

الحكم بنجاسة الغسالة الحكم ببقاء نجاسة المحلّ و الّا لا يكون الماء القليل مطهّرا و هو خلاف الإجماع.

الرابع من أدلة طهارة الغسالة ما ورد من أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بتطهير المسجد من بول الأعرابي بصبّ ذنوب من الماء عليه و من المعلوم أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لا يأمر بطهارة المسجد بما يزيده نجاسة فيلزم أن يكون الماء باقيا على طهارته.

و فيه أوّلا أنّها ضعيفة السّند لأنّ راويها أبو هريرة على ما عن المعتبر و ثانيا يمكن أن يكون الأمر بصبّ ذنوب من الماء بعد زوال عينه بالشمس أو غيرها و الحاصل أنّها قضيّة في واقعة لا يعلم وجهها و الذّنوب هو الدلو.

الخامس ما ورد في غسالة الحمّام من الحكم بطهارتها مثل مرسلة الواسطي عن أبى الحسن (صلوات اللّه عليه) أنّه سئل عن مجمع الماء في الحمّام من غسالة النّاس قال: لا بأس به (1) و الروايات (2) التي وقع النهى فيها عن الاغتسال بالغسالة محمولة على الكراهة جمعا بينها و بين هذه الرواية الدالّة على الجواز.

و محصّل الكلام منّا في الغسالة انّا تلتزم بطهارة الغسالة في الجملة لا مطلقا و هذه الأدلة الدّالّة على الطهارة أو المدّعى دلالتها لا بدّ من حملها على ما ذكرناه من أنّ المراد غير الغسلة المزيلة للعين أو غير الغسلة الاولى في البول جمعا بينها و بين أدلّة انفعال القليل و غيرها من أدلّة القائلين بالنجاسة ثمّ انّه بناء على نجاسة الغسالة خرج منها ماء الاستنجاء فإنّه ليس بحكم الغسالة إجماعا فإنّه إمّا طاهر كما هو المختار و عليه المشهور أو نجس و لكنّه معفوّ عنه في الصّلوة و غيرها و الدّليل على ذلك أخبار مستفيضة.

منها رواية محمّد بن النعمان الأحول قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخرج من الخلاء فاستنجى بالماء فيقع ثوبي في الماء الذي استنجيت به فقال: لا بأس به (3).

و منها روايته الأخرى قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: سل عمّا شئت فارتجّت على المسائل فقال: سل مالك فقلت: جعلت فداك الرّجل يستنجى فيقع‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 9

(2) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث

(3) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 15- 16

44

ثوبه في الماء الذي يستنجى به فقال: لا بأس فسكت فقال: أو تدري لم صار لا بأس به قلت:

لا و اللّه جعلت فداك قال: انّ الماء أكثر من القذر (1) و يظهر من التعليل الذي يعمّم و يخصّص أنّ علّة عدم انفعال ماء الاستنجاء هو أكثريّة الماء بالنسبة إلى القذر و المراد بالأكثرية ليس الأكثريّة بحسب الوزن أو المساحة كما توهّم و الّا يلزم عدم انفعال القليل إذا كان أكثر من القذر و لو كان القذر كثيرا بل و لو كان واردا على الماء و هذا ممّا لا يلتزم به أحد بل الأكثرية هنا كناية عن غالبيّة الماء و قاهريّته على النجاسة بحيث تصير مغلوبة للماء و مضمحلّة فيه و عموم العلّة يقتضي عدم انفعال مطلق الغسالة و هذا أيضا يؤيّد ما ذكرناه في الغسالة من طهارتها في غير الغسلة المزيلة و غير الغسلة الاولى في البول.

الا أن يخدش في استفادة العلّيّة من هذه الرّواية بأن يقال: أن التعبير ب‍ (لم صار لا بأس به) لا يبعد ظهوره في الحكمة و إذا استظهر منه أنّ الحكمة في عدم انفعال ماء الاستنجاء أكثرية الماء بالنّسبة إلى القذر لا يمكن تعدّى الحكم عن مورده لأنّ الحكمة منحصرة في موردها لا تتعدّاه و لا أقلّ من الاحتمال فلا يمكن الاستدلال بعموم العلّة مع احتمال كونها حكمة.

و منها رواية الكاهلي عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: أمرّ في الطّريق فيسيل علىّ الميزاب في أوقات أعلم أنّ النّاس يتوضّأون قال: ليس به بأس لا تسأل عنه (2) و المراد بالوضوء الاستنجاء و لكنّ هذه الرواية لا دلالة لها على طهارة ماء الاستنجاء لأنّ الظّاهر من قوله (ع): لا تسأل عنه أنّ السّائل كان شاكّا في أنّ الماء السّائل من الميزاب هل هو ماء الاستنجاء أو غيره و لكن يعلم أنّ هذه الأوقات أوقات استنجاء النّاس فلا تدلّ على طهارة ماء الاستنجاء.

و منها رواية الأحول عنه (عليه السلام) قال: قلت له: استنجى ثمّ يقع ثوبي فيه و أنا جنب فقال: لا بأس به (3) و الظاهر أنّ قوله: و أنا جنب يكون المراد منه أنّ المحلّ يكون ملوثا بالمني ثمّ أستنجى و أغسل المنى فيقع ثوبي في هذا الماء الذي استنجيت به و غسلت موضع المنى به فقال: لا بأس به.

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 15- 16

(2) جامع الأحاديث الباب 4 من أبواب المياه الحديث 3

(3) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 17

45

فعلى هذا المعنى الذي تكون الرّواية ظاهرة فيه تدلّ الرّواية على طهارة الغسالة حتّى الغسلة المزيلة للعين من غير الاستنجاء و منها رواية عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أ ينجّس ذلك ثوبه قال: لا (1) و الظاهر من هذه الأخبار خصوصا الأخيرة منها أنّ ماء الاستنجاء طاهر لا أنّه نجس معفوّ عنه كما توهّم و هل يعمّ الحكم بطهارة ماء الاستنجاء ماء الاستنجاء من البول أيضا أو يختصّ بماء الاستنجاء من الغائط فقط- ربما يقال: انّ الاستنجاء مأخوذ من النجو و هو بمعنى الغائط فلا يقال لغسالة البول: ماء الاستنجاء و لكنّ الظاهر أنّ الاستنجاء بحسب فهم العرف يطلق على الاستنجاء من البول ايضا.

مع أنّ خروج الغائط ملازم غالبا لخروج البول فالاستنجاء من الغائط استنجاء من البول ايضا و لم ينبّه الامام (عليه السلام) السّائل بأنّ هذا الحكم مختصّ بالاستنجاء من الغائط فترك التفصيل دليل على العموم و لا يمكن حمل كلامه (ع) على صورة عدم خروج البول منه فإنّه حمل على الفرد النّادر.

ثمّ انّ الفقهاء اشترطوا الطهارة ماء الاستنجاء أمورا الأوّل عدم تغيّر الماء بالقذر ففي صورة التغير ينجس لتقدّم أدلّة انفعال الماء بالتغيّر بأحد أوصافه على إطلاق هذه الروايات و إن كانت نسبة هذه الروايات إلى أدلّة الانفعال بالتغيّر عموما من وجه لافتراق هذه الروايات عن أدلّة الانفعال في ماء الاستنجاء غير المتغير و افتراق أدلّة الانفعال عن هذه الروايات في الماء المتغيّر بغير الاستنجاء و اجتماعهما في الماء المتغيّر بالاستنجاء الّا أنّ أدلّة الانفعال بالتغيّر أقوى لدلالتها على انفعال الكرّ و الجاري بالتغيّر فالقليل أولى فتقدّم على إطلاقات أدلّة ماء الاستنجاء.

الثاني عدم وصول نجاسة خارجيّة إلى المحل فإنّه أيضا ليس بطاهر لدلالة أدلّة انفعال مطلق الماء القليل بملاقاة النجس و هذا الماء المستنجي به ليس أقوى اعتصاما من مطلق الماء القليل.

الثالث عدم التعدي من المخرج و المراد منه ان كان التعدّي إلى شي‌ء آخر بأن‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 18

46

يتعدى الغائط مثلا من المخرج إلى ملابسه أو رجله فلا إشكال في اشتراط هذا الشّرط و إن كان المراد التّعدي إلى أطراف المخرج فلا دليل على اشتراطه بل الإطلاق يدفعه فإنّ الأمزجة بحسب اليبوسة و اللينة مختلفة و لم يفصّل الامام (عليه السلام) بينهما مع وجود هذا الاختلاف بين الأمزجة فعدم التفصيل دليل على العموم اللّهم الّا أن يكون المراد التعدي إلى أطراف المحل خارجا عن المتعارف.

الرابع أن لا تخرج مع البول أو الغائط نجاسة أخرى كالدم و المنى و التحقيق أن يقال: انّه إذا كان بوله أو غائطه دما بحيث يقال: إنّه بال دما أو تغوّط دما يجرى على الماء الذي استنجى به حكم ماء الاستنجاء و ان لم يكن كذلك بان كان الدّم في ضمن بوله أو غائطه فلا يبعد أن يقال بأنّه لا مانع من طهارة الماء (ح) ايضا للإطلاق الذي أشرنا إليه آنفا فانّ وجود الدم مع البول أو الغائط ليس نادرا حتى يقال: انّ الأدلة منصرفة عن الفرد النادر و أمّا المني فقد مر الكلام فيه في ضمن رواية الأحول.

الخامس عدم وجود أجزاء الغائط في الماء و يدلّ على اعتبار هذا الشرط قوله (عليه السلام) في رواية الأحول المتقدّمة: لأنّ الماء أكثر من القذر (1) و أنّ المراد من هذه الرّواية غالبيّة الماء و قاهريته و مغلوبيّة النجاسة بحيث تصير مضمحلّة عرفا غير مبيّن أجزائها في الماء.

فصل

الماء المستعمل في الوضوء طاهر و مطهّر من الحدث و الخبث و ليس فيه خلاف من العامّة و الخاصّة إلا أبا حنيفة فإنّه قال بنجاسته نجاسة مغلظة بحيث لا تصحّ الصّلوة معه و الّا تلميذه أبا يوسف فإنّه قال بنجاسة نجاسة مخفّفة و لكن إطلاقات طهارة الماء و طهوريّته حجّة عليهما.

و امّا الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر فيرفع الخبث لأنّه ماء طاهر تشمله إطلاقات أدلّة إزالة النجاسة بالماء القليل و هو إجماعي على الظّاهر و هل يرفع الحدث فيه خلاف فأكثر القدماء على المنع و ظاهر كثير من المتأخّرين على الجواز و استدلّ المانع برواية عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يتوضّأ بالماء المستعمل و قال: الماء الذي يغسل به الثّوب أو يغتسل به الرّجل من الجنابة لا يجوز أن‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 16

47

يتوضّأ منه و أشباهه (1).

فإنّ الظّاهر منها أنّ الماء الذي يغتسل به من الجنابة لا يجوز أن يرفع به الحدث ثانيا بل هي صريحة في ذلك و لكن أورد على الاستدلال بالرواية أمران الأوّل من حيث السّند فانّ في السّند أحمد بن هلال الذي ورد فيه عن العسكري (صلوات اللّه عليه) احذر و الصوفي المتصنع أحمد بن هلال، و رمى بالغلوّ و النصب ايضا و عن العلامة في الخلاصة أنّ روايته غير مقبولة و عن الشيخ في الفهرست أنّه كان غاليا متّهما في دينه.

و لكن يمكن الجواب عن ذلك بأنّه قال النجاشي في حقّه: أنّه صالح الرّواية يعرف منها و ينكر و قد روى فيه ذموم من سيّدنا أبى محمّد العسكري (ع) انتهى. فجعله صالح الرواية و ان كان ذكر بعده: يعرف منها و ينكر فلا يجوز ردّ جميع رواياته و يمكن أن يكون نقله لهذه الرّواية كان في حال استقامته كما هو الظاهر لأنّه رمى بالوقف فهو في زمان الصادق (عليه السلام) كان مستقيما ثم انحرف بعد الكاظم (عليه السلام) و صار واقفيّا أو غيره.

و نقل عن ابن الغضائري أنّه توقّف في حديثه الّا فيما يرويه عنه الحسن بن محبوب من كتاب المشيخة و عن محمّد بن أبى عمير من كتاب نوادره و هذا لرواية قد رواها عنه الحسن ابن محبوب و الشيخ مع أنّه حكم في الفهرست بأنّه كان غاليا متّهما في دينه حكم في الخلاف بما عليه المشهور من القدماء من عدم جواز رفع الحدث بماء الغسل و استند بهذه الرواية فيظهر منه أنّ الرّواية كانت معتبرة عنده فلا اشكال (ح) في الرواية من حيث السند.

الأمر الثاني في الرواية الاستشكال من حيث الدلالة فقال الفاضل الهمداني قده في طهارته: انّ عدم جواز الاغتسال بالمستعمل في رفع الجنابة الذي دلّت الرواية عليه انّما هو لغلبة اشتمال بدن الجنب على قذر الجنابة لا من حيث رفع حدث الجنابة، و لكنّ الظّاهر أنّ الأمر ليس على ما ذكره قده لأنّ قوله: الماء الذي يغسل به الثوب إلخ نعلم منه علما قطعيّا أنه ليس لخصوص الثوب مدخلية في عدم جواز التوضّؤ بغسالته بل ذكر الثوب من باب المثال فيشمل غسالة كلّ شي‌ء متنجّس من الجسد و غيره.

فذكر قذر الجنابة ثانيا على ما توهّمه (قده) بعد ذكر الثوب الشامل لقذر الجنابة‌

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب الماء المضاف الحديث 13

48

بالفرض تكرار فكان ينبغي للإمام أن يذكر بعد الثوب البدن و نحوه بدل ذكر قذر الجنابة الموجب لتوهّم خلاف المقصود.

مع أنّ التعبير بالاغتسال دون الغسل يوجب ظهور الجملة في الاغتسال لرفع الحدث لا غسل الخبث و الّا كان عليه أن يقول: أو يغسل به الرجل من الجنابة و قيل في عدم دلالة الرواية على ذلك: انّ غسل الثوب لا يلازم نجاسة الثوب فيمكن أن يكون لازالة الوسخ عنه فح يحمل النهي أو النفي في قوله: لا يجوز أن يتوضّأ به و أشباهه على الكراهة أي كراهة التوضّؤ بالماء المستعمل في إزالة الوسخ و المستعمل في رفع الجنابة.

و فيه أنّه خلاف الإجماع للإجماع على عدم كراهة التوضّؤ بالماء المستعمل في إزالة الوسخ و خلاف ما دلّ عليه صدر الرواية من قوله: لا بأس بأن يتوضّأ بالماء المستعمل الشامل بإطلاقه للمستعمل في إزالة الوسخ.

فح تتضمّن الرواية للتناقض مضافا الى أنّه و ان كان غسل الثوب أعم من غسله للنجاسة الا أنّ الغالب غسله من النجاسة فينصرف الإطلاق إلى الفرد الغالب مع أنّ حمل كلمة لا يجوز على الكراهة خلاف المتبادر منها و ممّا استدلّ على عدم جواز استعمال المستعمل في رفع الحديث الأكبر في رفع الحدث صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن ماء الحمّام فقال: ادخله بإزار و لا تغتسل من ماء آخر الّا أن يكون فيه جنب أو يكثر فيه أهله فلا تدري فيه جنب أم لا (1) فانّ الظاهر من قوله الّا أن يكون فيه جنب أنّه لا يجوز الاغتسال (ح) فتدلّ على عدم جواز الاغتسال بالماء المستعمل في رفع الجنابة و الجواب أنّ صدر الرّواية من قوله ادخله بإزار أنّه في مقام بيان آداب الحمّام و قوله: و لا تغتسل من ماء آخر ليس لبيان عدم جواز الاغتسال بماء آخر قطعا للإجماع على جواز الاغتسال بماء آخر مع وجود ماء الحمّام.

فالنهي انّما هو لدفع توهّم الخطر من الاغتسال بماء الحمّام كما يظهر هذا التوهّم من كلام السّائل حيث قال: سألته عن ماء الحمّام أو لأولويّة الاغتسال بماء الحمّام مع وجود ماء آخر و قوله: الّا ان يكون فيه جنب معارض للأخبار الكثيرة (2) الدالّة على جواز الاغتسال بماء‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 9

(2) جامع الأحاديث الباب 9 من أبواب المياه الحديث 4 و 5 و 6 و الباب 15 من أبواب المياه الحديث 1

49

الحمّام الذي اغتسل منه الجنب و سيجي‌ء بعضها و لعلّ المراد من ذلك أنّه لا بأس بالاغتسال بماء آخر و لا رجحان للاغتسال بماء الحمام حينئذ أو يكون الأمر المستفاد من قوله: الا أن يكون فيه جنب أمر بالاحتياط الاستحبابي و يؤيّده و كذا يؤيد ما قبله أنّه قال (ع) بعد ذلك: أو يكثر أهله فلا تدري فيه جنب أم لا فانّ احتمال وجود الجنب غير ضائر قطعا.

و ان قلنا بعدم جواز الاغتسال بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر مع أنّ قوله (ع) الّا أن يكون فيه جنب غير صريح في الماء الذي اغتسل فيه الجنب إذ يشمل ما كان فيه جنب و لكن لم يغتسل منه فالنهي لعلّه لقذارة المنى المتلطخ بدنه به.

و ممّا استدلّ به على المنع أيضا صحيحة ابن مسكان قال: حدّثني صاحب لي ثقة أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق و يريد أن يغتسل و ليس معه إناء و الماء في وهدة فإن هو اغتسل به رجع غسله في الماء كيف يصنع قال: ينضح بكفّ بين يديه و كفا من خلفه و كفا عن يمينه و كفّا عن شماله ثمّ يغتسل (1) فانّ قول السّائل: فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء يظهر منه أنّ ممنوعيّة الاغتسال بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر كان مرتكزا في نفسه و قد قرّره الامام (عليه السلام) و أمره بصبّ كفّ من الماء من كلّ جانب ليمنع من رجوع الماء إلى الوهدة التي معناها المكان المنخفض من الأرض، و فيه أنّ الرواية لا تدلّ على أنّ المحذور الذي تخيّله السّائل انّما هو الاغتسال بالماء المستعمل في رفع الجنابة فيمكن أن يكون المحذور هو نجاسة بدن الجنب كما هو الغالب أو اضافة الماء اى صيرورته مضافا برجوع ماء الغسل في الوهدة و اختلاطه بالتّراب أو غير ذلك فليس فيها تصريح أو ظهور في أنّ المحذور الذي تخيّله السّائل و لم يردعه الامام (ع) هو الاغتسال بالماء المستعمل في رفع الجنابة.

ثمّ انّ صبّ كفّ من الماء من كلّ جانب كيف يصير سببا لعدم رجوع الماء في الوهدة مع أنّه في بعض الأراضي كالأراضي الصلبة يكون بالعكس اى صبّ الماء يصير سببا لسرعة رجوع الماء إلى الأرض المنخفضة فإذا كان مراده (ع) عدم رجوع الماء إلى الوهدة كان اللازم عليه أن يقول: انّه يجمع التّراب حول الوهدة حتّى لا يرجع الماء إليها‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 8 من أبواب الغسل الحديث 3

50

أو نحو هذا الكلام فالأنسب أن يحمل صبّ كف من كلّ جانب على الاستحباب، كما ورد الأمر به في بعض الأخبار المحمول على الاستحباب مثل رواية الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا أتيت ماء فيه قلّة فانضح عن يمينك و عن يسارك و بين يديك و توضّأ (1).

فإنّ من المعلوم أنّ الأمر هنا ليس للوجوب لأنّه لم يقل به أحد و الحاصل أنّه لم يعلم وجه الأمر بالنضح في كل جانب و هذا الأمر ورد في كثير من الرّوايات كما يجي‌ء أيضا في الروايات الآتية.

و مما استدلّ على المنع صحيحة محمّد بن مسلم عن الصّادق (عليه السلام) و قد سئل عن الماء الذي تبول فيه الدواب. و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب قال: إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شي‌ء (2).

و لكن الإنصاف أنّ هذه الرواية لا دلالة لها على المنع أصلا فإنّ الظاهر منها أنّ السّائل سأل من جهة النجاسة لا من جهة استعماله في رفع الحدث الأكبر لأنه قرن باغتسال الجنب في الماء بعض الأشياء المنجسة للماء و الجواب ايضا كادان يكون صريحا في ذلك و ممّا استدلّ به على المنع الرّوايات الناهية عن الاغتسال بغسالة ماء الحمّام معلّلا في بعضها (3) بأنّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم و في بعضها (4) بأنّها مجمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت فيظهر من التعليل الأوّل أنّ إحدى علل النّهى عن الاغتسال بغسالة ماء الحمّام هو اغتسال الجنب من مائه.

و لكن لا يخفى على النّاظر في تلك الأخبار أنّ المستفاد من مجموعها أحد أمرين.

الأوّل أنّ النهى فيها للكراهة لأنّه يغتسل فيها جميع النّاس من أيّ أنواع كانوا من اليهودي و النصراني و المجوسي و الجنب و ولد الزنا و الزّاني و النّاصب فالماء الذي هذا شأنه لا ينبغي الاغتسال به لأنّه مورث لأنواع الأمراض و يدلّ على أنّ النّهى فيها للكراهة أنّ الامام (ع) بيّن في بعض تلك الأخبار حكمة النّهي عن الاغتسال التي يستفاد منها الكراهة مثل رواية علىّ بن جعفر عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: من اغتسل من الماء الذي‌

____________

(1) لم أظفر بهذه الرّواية في مظانّها و لم أتذكر من اين نقلنها

(2) جامع الأحاديث الباب 6 من أبواب المياه الحديث 2

(3) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 11- 12

(4) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 11- 12

51

قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومنّ الّا نفسه فقلت لأبي الحسن (عليه السلام): انّ أهل المدينة يقولون: انّ فيه شفاء من العين فقال: كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام و الزاني و النّاصب الذي هو شرّهما و كلّ من خلق اللّه ثم يكون فيه شفاء من العين (1).

الثاني أنّ النهى في هذه الأخبار لأجل نجاسة الغسالة باغتسال هؤلاء الأنجاس فيه و لكن الظاهر هو الوجه الأوّل كما يظهر من الرواية الأخيرة فإنّه (ع) بيّن وجه الحكمة في مرجوحيّة الغسل بمثل هذا الماء بإصابة الجذام فيستفاد منها الكراهة فلم يبق من الأخبار ما يدلّ على المنع إلّا رواية عبد اللّه بن سنان و لكنّها معارضة ببعض الأخبار.

مثل رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: الحمّام يغتسل فيه الجنب و غيره اغتسل من مائه قال: نعم لا بأس ان يغتسل منه الجنب و لقد اغتسلت فيه و جئت فغسلت رجليّ و ما غسلتهما إلا ممّا لزق بهما من التّراب (2) فتدلّ صريحا على جواز الاغتسال بالماء الذي اغتسل منه الجنب لكنّ السّائل إمّا أراد بقوله: الحمّام يغتسل فيه الاغتسال من الحوض الكبير البالغ أضعاف الكرّ و هو بعيد لعدم تداول ذلك في تلك الأزمنة و الأمكنة و امّا أراد الاغتسال من الحياض الصّغيرة بأخذ الماء منها و صبّه على جسده و لكن حيث أنّ الماء الذي اغتسل به ينزو من الأرض و يترشّح فيصيب الماء الذي في الحياض فيصير مستعملا في رفع الحدث الأكبر.

فإن كان مراد السائل هو الفرض الأوّل أي الاغتسال من الحوض الكبير فلا دلالة للرّواية على ما نحن فيه لأنّ كلامنا في الماء القليل و ان كان المراد هو الفرض الثّاني أعني الاغتسال من الحياض الصغار كما هو الظاهر فمن المعلوم أن ورودها لم يكن متعارفا بل غير ممكن فكان الاغتسال بأخذ الماء منها و صبّه على الجسد و نزو الماء و اصابة القطرات من جسد الجنب للحياض الصغار غير ضمائر و إن كان الماء قليلا كما يدلّ عليه بعض الأخبار (3) فضلا عن كون الماء ذا مادّة كما في الحياض الصّغار فهذه الرواية أعني رواية محمّد بن مسلم لا تدلّ على جواز استعمال الماء المستعمل في غسل الجنابة في رفع الحدث و تعارض أيضا رواية عبد اللّه بن‌

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب الماء المضاف الحديث 2

(2) جامع الأحاديث الباب 5 من أبواب المياه الحديث 5

(3) جامع الأحاديث الباب 5 من أبواب المياه

52

سنان رواية علىّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) و قال: سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع ما يغتسل منه للجنابة أو يتوضّأ منه للصّلوة إذا كان لا يجد غيره و الماء لا يبلغ صاعا للجنابة و لا مدّا للوضوء و هو متفرّق فكيف يصنع و هو يتخوّف أن تكون السّباع قد شربت منه.

فقال: ان كانت يده نظيفة فليأخذ كفا من الماء بيد واحدة فلينضحه خلفه و كفا أمامه و كفّا عن يمينه و كفّا عن شماله فإن خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرّات ثمّ مسح جلده بيده فانّ ذلك يجزيه و ان كان الوضوء غسل وجهه و مسح يده على ذراعيه و رأسه و رجليه و ان كان الماء متفرّقا فقدر أن يجمعه و الّا اغتسل من هذا و من هذا و ان كان في مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه ان يغتسل و يرجع الماء فيه فانّ ذلك يجزيه (1) فانّ قوله فلا عليه أن يغتسل و يرجع الماء فيه كالصّريح في جواز الاغتسال بالماء الذي اغتسل به و لكنّ الرواية محمولة على الضرورة كما هي ظاهرة فيها فانّ قوله و ان كان في مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله إلخ كالصريح في أنّ موردها في جواز الاغتسال بالماء الذي رجع من الغسل هو صورة عدم كفاية الماء و لكن يمكن أن يقال: انّه لا ضرورة هنا أي في صورة عدم كفاية الماء لغسله لإمكان الادّهان بهذا الماء الذي لا يكفيه للغسل على النّحو المتعارف فانّ هذا المقام مقام الادّهان فالادّهان يرفع الضرورة إلى استعمال الماء المستعمل فتجويز استعمال هذا الماء المستعمل مع إمكان الادّهان يستلزم تجويزه مطلقا.

مع أنّه قيل بعدم القول بالفصل بين الضّرورة و غيرها فح اى حين تعارض رواية عبد اللّه بن سنان مع هذه الرواية لا بدّ من حمل إحداهما على الأخرى فنقول: انّه يمكن حمل رواية عبد اللّه بن سنان على الكراهة أي كراهة التوضّؤ بالماء المستعمل في رفع الجنابة بل كراهة رفع الحدث مطلقا بالماء المذكور بقرينة هذه الرواية الصّحيحة الدالّة على الجواز صريحا.

الى هنا انتهت المباحث المتعلّقة بأقسام المياه و أحكام المياه المستعملة في رفع الحدث و الخبث و بقي من أقسام المياه التي لم نتعرّض لأحكامها الماء الجاري و ماء الحمّام و الماء المضاف.

____________

(1) جامع الأحاديث باب جملة من آداب الحمّام

53

(الماء الجاري)

أمّا الماء الجاري فمجمل الكلام فيه أنّه رافع للحدث و الخبث و لا ينفعل بملاقاة النجس إلّا إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة و مستند هذه الأحكام بعض الأدلّة المتقدّمة في أقسام المياه من العمومات و الإطلاقات و الروايات الآتية في ماء الحمّام.

و أمّا ماء الحمام فملخص الكلام فيه أنّه إذا كان قليلا و ليس له مادة فحكمه حكم الماء القليل.

و أمّا إذا كانت له مادّة فحكمه حكم الجاري لا ينفعل بملاقاته للنجس إلّا إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة و يرتفع به الحدث و الخبث و الدليل على ذلك كلّه العمومات و الإطلاقات المتقدّمة و خصوص بعض الروايات الدالّة على عدم انفعاله و أنّه كماء النّهر أو بمنزلة الماء الجاري.

كرواية داود بن سرحان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في ماء الحمّام فقال: هو بمنزلة الماء الجاري (1) و رواية إسماعيل بن جابر عن أبى الحسن (عليه السلام) قال:

ابتدأني فقال: ماء الحمام لا ينجسه شي‌ء (2) و رواية حنّان قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انّى أدخل الحمّام في السّحر و فيه الجنب و غير ذلك فأقوم فأغتسل فينتضح علىّ بعد ما أفرغ من مائهم قال: أ ليس هو جار قلت: بلى قال: لا بأس (3).

و رواية بكر بن حبيب عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: ماء الحمّام لا بأس به إذا كانت له مادّة (4) و رواية ابن أبى يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في حديث: انّ ماء الحمّام كماء النّهر يطهّر بعضه بعضا (5).

و أمّا الماء المضاف فلا يرفع الحدث و الخبث و ينجس بملاقاته للنّجس و لو كان كرّا بل اكرارا و الدليل على ذلك هو الروايات الدالّة على ذلك فمنها رواية زكريّا بن آدم قال:

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 5 من أبواب المياه الحديث 1- 2- 6- 7

(2) جامع الأحاديث الباب 5 من أبواب المياه الحديث 1- 2- 6- 7

(3) جامع الأحاديث الباب 5 من أبواب المياه الحديث 1- 2- 6- 7

(4) جامع الأحاديث الباب 5 من أبواب المياه الحديث 1- 2- 6- 7

(5) جامع الأحاديث الباب 15 من أبواب المياه الحديث 11

54

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه مرق و لحم كثير فقال (ع): يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلاب و اللحم اغسله و كله الحديث (1).

و منها رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد سئل عن قدر طبخت فإذا في القدر فأره قال: يهراق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل (2) و لكنّ الرّوايتين لا تدلّان على انفعال المضاف من حيث انّه مضاف بل يمكن أن يكون انفعال المرق بوقوع الخمر أو النبيذ أو الفأرة فيه لأجل أنّه ماء قليل أصابته النجاسة لا من جهة أنّه ماء مضاف الّا أن يقال انّ عدم تحمّل المضاف للنجاسة و تنجّسه بملاقاة النجس له ممّا قام عليه الإجماع فلا بدّ من حمل الروايتين عليه.

و منها رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرّجل يكون معه اللبن أ يتوضّأ منه للصّلوة قال: لا انّما هو الماء و الصعيد (3) و أمّا ما روى عن يونس عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضّأ به للصّلوة قال: لا بأس بذلك فهو شاذّ غير معمول به فيمكن حمله على التقيّة هذا تمام الكلام في أقسام المياه و أحكامها و الحمد للّه.

المبحث الثاني في الأسئار

و هي جمع السّؤر و هو بقيّة الماء الذي يبقيه الشارب في الإناء أو في الحوض كما في مجمع البحرين ثمّ قال: ثمّ أستعير لبقية الطعام قاله في المغرب و عن الأزهري اتّفق أهل اللغة أنّ سائر الشي‌ء باقيه قليلا كان أو كثيرا و في ية- سائر مهموز و معناه الباقي لأنّه اسم فاعل من السؤر و هو ما يبقى من الشراب و هذا ممّا يغلط فيه الناس فيضعونه موضع الجميع و قد يقال في تعريفه: السؤر ما باشره جسم حيوان و بمعناه رواية و لعله اصطلاح و عليه حملت الأسئار كسؤر اليهودي و النصراني و غيرهما انتهى كلام صاحب المجمع و حاصله أنّ الأصل في معنى السؤر هو بقيّة الشّراب ثمّ استعمل لبقيّة الطعام ثمّ استعمل في كلّ ما باشره جسم‌

____________

(1) جامع الأحاديث الباب 13 من أبواب المياه الحديث 1

(2) جامع الأحاديث الباب 13 من أبواب المياه الحديث 2

(3) جامع الأحاديث الباب 5 من أبواب الوضوء الحديث 1- 5