نظام المضاربة في الشريعة الإسلامية الغراء

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
202 /
3

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و الصلاة و السلام على أشرف رسله و خاتم أنبيائه، محمّد و آله الطاهرين.

أمّا بعد: فقد طلب منّي غير واحد من حضّار بحوثي الفقهية إلقاء محاضرات في أحكام المضاربة لكثرة الابتلاء بها في هذه الأيام خصوصا بعد قيام الثورة الإسلامية، و التزام البنوك بتطبيق أعمالهم على مقتضى أحكام الشريعة، فراجت المضاربة بينها و بين المراجعين إليها، فنزلت عند رغبتهم، و أرجو أن تكون نافعة بإذنه سبحانه.

المضاربة تجارة طيّبة:

المضاربة تجارة طيّبة مباركة أمضاها الإسلام لإيجاد التعاون بين أصحاب الثروات و العمال، فصاحب المال يسعى بماله و ثروته، و العامل يسعى بعمله و كدّه، و يكون الربح بينهما حسب ما اتّفقا عليه «و ليس كلّ من يملك المال يحسن التجارة، كما ليس لكل من يحسنها، رأس مال فاحتيج إليها من الجانبين فصارت المضاربة ضرورة اجتماعية و لأجل ذلك شرّعها اللّه تعالى لدفع الحاجتين، و للقضاء على كنز الأموال في الصناديق، و تداولها بين الناس من جانب، و اندفاع العمّال إلى مجال العمل من جانب آخر، و في الوقت نفسه هو أفضل طريق لسد باب أكل‌

4

الربا، فصاحب المال و العامل ينتفعان بعقد المضاربة من الربح الذي يستحصله العامل، فهذا ينتفع بعمله، و ذاك برأس ماله الذي هو أيضا عمل مضغوط، كما أنّ ما يقوم به العامل عمل مبسّط، فما ربما ينقل عن بعض المخدوعين من أنّه لا دور لرأس المال و إنّما الدور كلّه للعمل، غفلة عن واقع المال، فإنّ صاحبه ربّما ناله عن طريق العمل شيئا فشيئا حتى بلغ إلى الحالة التي يستعين به العامل في تجارته، و لو علم الناس ما في المضاربة من الخير و البركة لضربوا عن الربا صفحا.

و المضاربة هو المصداق الواضح لقول الإمام أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: «شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق، فإنّه أخلق للغنى، و أجدر بإقبال الحظّ» (1).

قد كانت الجزيرة العربية، في أغلب المناطق ذات أرض قاحلة و لم يكن للزراعة فيها نشاط بارز، و كان للتجارة هناك دور هامّ خصوصا في أمّ القرى و أطرافها و كانت هي الشغل المهم لسكان هذه المنطقة.

يقول الإمام الصادق- (عليه السلام)-: «كان للعباس مال مضاربة، فكان يشترط أن لا يركبوا بحرا و لا ينزلوا واديا، فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فأبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأجاز شرطه عليهم» (2).

و قد ضاربت السيدة خديجة- رضي اللّه عنها-، رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ضمّت إليه غلامه «ميسرة» ليخدمه في الطريق و يعينه في العمل، فرجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من سفره إلى الشام بربح وافر، و اشترى لها أجناسا كانت الرغبة إليها في مكّة شديدة، فأدّى ذلك- و ما رأت السيدة خديجة منه من مديريّة فائقة و أمانة محمودة- إلى الخطبة و الزواج كما هو مذكور في التاريخ (3).

____________

(1)- الوسائل: 13، الباب 7 من أبواب الشركة، الحديث 1.

(2)- الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث 12.

(3)- السيرة النبوية لابن هشام: 1/ 199. و لم يكن النبيّ أجيرا قطّ بل كان مضاربا.

5

تعريف المضاربة:

عرّفه العلّامة في التذكرة بقوله: «عقد شرّع لتجارة الإنسان بمال غيره بحصة من الربح» (1) فقوله: «بحصة من الربح» يخرج القرض و البضاعة، فإنّهما و المضاربة تجارة بالمال المأخوذ من الغير، غير أنّه إذا كان الربح للعامل فهو القرض، و إن كان لصاحب المال فهي البضاعة، و إن كان الربح مشتركا بينهما فهي المضاربة.

و أمّا التفاوت فيرجع إلى الاختلاف في كيفية الاتّفاق، فلو دفعه ليكون الربح بينهما فهو مضاربة، و لو دفعه على أن يكون جميعه للعامل فهو داخل في عنوان القرض، و إن دفعه على أن يكون للمالك فهو المسمّى عندهم بالبضاعة.

و بعبارة أخرى: الربح يتبع الأصل إلّا إذا دلّت قرينة على خلافه، ففي القرض، المال للمقترض (العامل) بضمان مثله، فيرجع ربحه إليه لا إلى المالك الأوّل، و في البضاعة، المال للدافع، فيكون الربح له، و يعدل عنه في المضاربة لأجل الاتّفاق على كون الربح بينهما.

و من ذلك يعلم حكم ما إذا دفع مالا إلى الغير ليتّجر من دون أن يشترطا شيئا فليس له من الربح شي‌ء أخذا بالضابطة: الربح يتبع المال، و أمّا احترام عمل المسلم فإن كان متبرّعا، و إلّا فله أجرة المثل، لاحترام عمل المسلم.

نعم يرد على التعريف أنّ حقيقة المضاربة شي‌ء و العقد المتكفّل لإنشاء حقيقتها أمر آخر فالعقد سبب لإنشاء المضاربة، و ليس حقيقتها، فلأجل ذلك يجب أن يعرّف بقولنا: اتّفاق شخصين في تجارة على أن يكون من أحدهما المال و من الآخر العمل و يكون سهم من الربح للمال و سهم منه للعمل. هذه هي‌

____________

(1)- التذكرة: 2/ 229.

6

حقيقة المضاربة، أمّا دور العقد، فله دور إنشائها و إيجادها في عالم الاعتبار.

و بذلك تقف على أنّ تعريف السيد الاصفهاني في الوسيلة و السيد الأستاذ في تحريرها، غير نقي عن الإشكال حيث جاء فيهما قولهما: «و هي عقد واقع بين شخصين على أن يكون رأس المال في التجارة من أحدهما و العمل من الآخر، و إذا حصل ربح، يكون بينهما» (1).

و هناك إشكال آخر، و هو أنّ العقد منصرف إلى العقد اللفظي مع أنّ المضاربة كما تتحقّق باللفظ، تتحقّق بالفعل و الكتابة.

و عرّفه في الجواهر بقوله: «المضاربة دفع الإنسان إلى غيره مالا ليعمل فيه بحصة من ربحه» (2) و عرّفه في العروة الوثقى ب‍: «دفع الإنسان مالا إلى غيره ليتّجر به على أن يكون الربح بينهما» (3) و كلاهما مخدوشان، فإنّ المضاربة من الأمور الاعتبارية، و الدفع عمل تكويني خارجي، و عمل بمقتضاه و سيوافيك ما يمكن أن يكون مرادا لهما، و بما أنّه أشبه بشركة البدن و المال عرّفه ابن قدامة بقوله: أن يشترك بدن و مال، و هذه، المضاربة و تسمّى قراضا أيضا، و معناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتّجر له فيه، على أنّ ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه (4) و لو صحّ ما ذكره ابن قدامة، فالأولى أن يقال: إنّ المضاربة كالمزارعة و المساقاة من مصاديق شركة العمل و المال، غاية الأمر، العمل يكون تارة هو: التجارة، و أخرى: الزرع، و ثالثة: السقي، و عدّ الجميع من مصاف واحد أولى، و جعلها من مصاديق الشركة أتقن.

____________

(1)- وسيلة النجاة، كتاب المضاربة: 78. و تبعه سيدنا الأستاذ في تحرير الوسيلة.

(2)- الجواهر: 26/ 338.

(3)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المقدمة/ 594.

(4)- المغني: 5/ 134.

7

و يترتّب على ذلك أنّها تكون عندئذ عن العقود اللازمة كسائر أقسام الشركة، لا من العقود الإذنيّة و إن اتّفق عليه الأصحاب و جعلوها من العقود الجائزة. و العجب أنّهم فرّقوا بينها و بين الأخيرتين، فوصفوا الأولى بالجواز و هما باللزوم، و سيأتي ما يفيدك في المقام.

و على كل تقدير فالعقد سواء كان لفظيا أو فعليا موجد لهذه الحقيقة. كما أنّ الدفع عمل بالاتفاق و تجسيد له، ثم إنّ لفظ المضاربة مصطلح أهل الحجاز، و القراض مصطلح أهل العراق. أمّا الأوّل فربّما يقال بأنّ وجه التسمية هو أنّ العامل يضرب في الأرض للتجارة، و ابتغاء الربح.

يلاحظ عليه: أنّه يستلزم أن تكون المضاربة فعل العامل فقط مع أنّه فعل الاثنين غالبا، بشهادة كونها من باب المفاعلة و إن قال في الجواهر إنّه لم يعثر على اشتقاق أهل اللغة اسما لربّ المال من المضاربة (1)، فالأولى أن يقال إنّها من ضرب كل منهما في الربح بسهم.

و على ما ذكرنا فكل من المالك و العامل مضارب و لا يختص الاسم بالعامل، إلّا أن يقال إذا كان اللفظ في اللغة موضوعا لطرف واحد، فلا يجوز التصرّف فيها و أمّا القراض فهو بمعنى القطع فكان ربّ المال يقطع قسما من ماله و يدفعه إلى العامل للتجارة.

[الفرق بين المضاربة و الربا]

ثم إنّ الوضيعة لما كانت على ربّ المال تفترق المضاربة عن المرابحة بالربا بالوجوه التالية:

1- إنّ الخسران في المضاربة على المالك لا على العامل، بخلاف الربا فإنّ الخسران فيه على المقترض الذي هو بمنزلة العامل.

____________

(1)- الجواهر: 26/ 336.

8

2- ليس للمالك طلب الربح من العامل إذا لم يربح، و هذا بخلاف الربا فله- حسب القوانين العرفية- طلبه من المقترض ربحت التجارة أم لم تربح.

3- ليس الربح مضمونا في المضاربة و لكنّه مضمون في الربا للمقرض.

4- إنّ مقدار الربح- على فرض حصوله- غير معلوم في المضاربة و إنّما المعلوم هو حصة كل واحد من الربح بعد حصوله، بكونه أنصافا أو أثلاثا أو أرباعا و هذا بخلاف الربا، فإنّ مقدار الربح معيّن حقيقة، حتى و لو قال: لي ثلاثة بالمائة من المال، فإنّه عبارة أخرى عن قوله: أقرضتك ألف دينار على أن تدفع لي كل شهر ثلاثين دينارا.

5- إنّ مقدار الربح في الربا ينسب إلى رأس المال فيقال ثلاثة بالمائة للدائن في كل شهر، و لكنّه في المضاربة ينسب إلى نفس الربح الحاصل بسعي العامل، كنصف الربح و ثلثه و ربعه.

6- ليس للعامل التواني و ترك التجارة في المضاربة و هذا بخلاف باب الاقتراض فله ترك التجارة و صرف المال في عمارة البيت أو في عرسه و عرس بنته.

7- إنّ المال- في المضاربة- بيد العامل أمانة، و هذا بخلاف ما في يد المقترض فإنّه حسب القوانين العرفية يملكه بضمان ردّ المثل في رأس السنة مثلا.

فمن خلط المضاربة بالربا المحرّم، لم يدرس حقيقتهما، و سمعنا من بعض من يدّعي الفضل و المعرفة بالحقوق الإسلامية و العالمية- عند ما كنّا عضوا لمجلس الخبراء لتدوين الدستور للجمهورية الإسلامية- أنّهما يرتضعان من لبن واحد.

يريد بذلك الإطاحة لها و نفيها كنفي الربا.

9

و تدل على مشروعية المضاربة في الإسلام- مضافا إلى السيرة العملية بين المسلمين الحاكية عن مشروعيّتها- روايات متضافرة حولها و حول شروطها و أحكامها نذكر منها ما يلي:

روى محمد بن مسلم عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن الرجل يعطي المال مضاربة و ينهى أن يخرج به، فخرج قال: «يضمن المال و الربح بينهما» (1).

و روى أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرجل يعمل بالمال مضاربة، قال: «له الربح و ليس عليه من الوضيعة شي‌ء، إلّا أن يخالف عن شي‌ء ممّا أمر صاحب المال» (2) إلى غير ذلك من الروايات.

ثم إنّ البحث عن المضاربة يقع في فصول خمسة:

الأول: في عقد المضاربة و أحكامه.

الثاني: في المتعاقدين و شرائطهما.

الثالث: في مال القراض و شروطه.

الرابع: في الربح الحاصل منها.

الخامس: في اللواحق.

و إليك البحث عن الجميع واحدا بعد الآخر.

____________

(1)- الوسائل: 13، كتاب المضاربة، الباب 1، الحديث 1 و 3 و لاحظ بقية أحاديث الباب.

(2)- الوسائل: 13، كتاب المضاربة، الباب 1، الحديث 1 و 3 و لاحظ بقية أحاديث الباب.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الفصل الأوّل: في عقد المضاربة و أحكامه

يشترط في عقدها كل ما يشترط في سائر العقود كالبيع و الإجارة و العارية و الوديعة من الموالاة بين الإيجاب و القبول، و التنجيز، و غيرهما من الشرائط، فلا حاجة للبحث عنها، و يكفي في المقام كل فعل أو قول دال على اتفاق الطرفين على كون المال من أحدهما و العمل من الآخر، و الربح لهما، و يكفي أن يقول:

ضاربتك على كذا، و يقول الآخر: قبلت.

هذا إذا كان الإنشاء باللفظ، و أمّا إذا كان بالفعل، فيكفي أن يتقاولا حول اتّفاقهما ثم يقوم صاحب المال بدفع المال إلى العامل و يقبله العامل مبنيّا على المقاولة المتقدمة، و عند ذلك يكون الإيجاب و القبول بالفعل و العمل، و لعلّ ما سبق من صاحبي الجواهر و العروة الوثقى من تعريفها بالدفع، ناظر إلى هذه الصورة، و إلّا فالدفع أشبه بالوفاء بالمضاربة كتسليم البيع و تسلّم الثمن اللّذين يعدّان تجسيدا للوفاء بالبيع، إذا سبقهما الإنشاء.

12

المضاربة عقد جائز أو لازم؟

نعم يبقى هنا بحث، و هو أنّ المضاربة هل هي عقد جائز أو لازم؟ يظهر من التتبع في كلمات الفقهاء من الفريقين اتّفاقهم على الجواز و إليك نماذج من كلماتهم.

قال الشيخ: «و صاحب المال متى أراد أن يأخذ ماله من مضاربه كان له ذلك و لم يكن للمضارب الامتناع عليه من ذلك، و كان له أجرة المثل إلى ذلك الوقت» (1).

و قال ابن البراج: «و القراض من العقود الجائزة في الشريعة بغير خلاف» (2).

و قال ابن حمزة: «و هو عقد جائز بين الطرفين» (3).

و قال ابن إدريس: «و المضاربة عقد جائز من الطرفين لكل واحد منهما فسخه متى شاء» (4).

و قال المحقّق: «و هو جائز من الطرفين. لكل واحد منهما فسخه سواء نضّ المال أو كان به عروض» (5) إلى غير ذلك من العبارات المتقاربة الحاكية عن اتفاقهم على الجواز.

و قال ابن رشد: أجمع العلماء على أنّ اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، و أنّ لكل واحد منهما فسخه ما لم يشرع العامل في القراض، و اختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك: هو لازم و هو عقد يورث فإن مات و كان للمقارض بنون‌

____________

(1)- النهاية: 429.

(2)- المهذب: 1/ 460.

(3)- الوسيلة: 264.

(4)- السرائر: 2/ 409.

(5)- الجواهر: 26/ 340 (قسم المتن).

13

أمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، و إن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين، و قال الشافعي و أبو حنيفة: لكل واحد منهم الفسخ إذا شاء، و ليس هو عقد يورث، فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر، و رآه من العقود الموروثة، و الفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل (1).

و قال ابن قدامة: و المضاربة من العقود الجائزة تنفسخ بفسخ أحدهما، أيّهما كان و بموته و جنونه و الحجر عليه لسفه، لأنّه متصرّف في مال غيره بإذنه فهو كالوكيل، و لا فرق بين ما قبل التصرّف و بعده (2).

ثم إنّه ظهر ممّا ذكرنا من كلماتهم معنى الجواز، و هو جواز الفسخ بمعنى أنّه يجوز للمالك الرجوع عن الإذن في التصرّف في ماله و للعامل الامتناع عن العمل في أي وقت كان، و أمّا ما عيّناه للمال و للعمل من الربح فلا يجوز فسخه و الرجوع إلى أجرة المثل بعد ظهور الربح.

و الحاصل أنّ جواز العقد يؤثر في بقائه في المستقبل و عدم بقائه في المستقبل و لا يؤثر في هدم ما بنيا عليه.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الدليل على الجواز عدم الخلاف في المسألة. يقول صاحب الجواهر: الإجماع بقسميه عليه و هو الحجة في الخروج عن قاعدة اللزوم (3).

و لكن القائلين بالجواز على أنّه إذا فسخ أحدهما فلو ربحت يشتركان في الربح و إلّا فللعامل أجرة المثل سواء كان الفاسخ هو المالك أو العامل نفسه، و ربما يتخيّل أنّه إذا كان الفاسخ هو العامل، فليس له أجرة المثل لإقدام العامل عليه بمعرفته جواز العقد و إمكان فسخه قبل ظهور الربح.

____________

(1)- بداية المجتهد: 2/ 240.

(2)- المغني: 5/ 179.

(3)- الجواهر: 26/ 340.

14

يلاحظ عليه: أنّ الإقدام مع المعرفة بجواز العقد، شي‌ء، و الإقدام على التبرّع شي‌ء آخر، فالأوّل لا يلازم الثاني، و على كل تقدير يجب جبر عمل الساعي عند الفسخ بأجرة المثل.

و يمكن أن يكون وجه الاتفاق على جوازه هو أنّ المضاربة و الوكالة يرتضعان من ثدي واحد، و كلاهما من العقود الإذنية القائمة بالإذن. فإذا ارتفع الإذن، ارتفع الحكم، و هذا هو معنى جواز العقد و مثلهما العارية و الوديعة و ما أشبههما، فالعقود القائمة بالإذن تستتبع جواز التصرّف إلّا إذا ارتفع الإذن بالفسخ.

و لكن عدّ المضاربة من العقود الإذنية، لا يخلو عن إشكال، لو لم نقل إنّه من العقود اللازمة و أنّه من مصاديق الشركة، غاية الأمر، الشركة بين العمل و المال، و إنّ العمل في المقام هو الاتجار و في المزارعة و المساقاة هو الزرع و السقي. فالقول باللزوم هو الأقوى و الإجماع ليس على نحو يكشف عن دليل وصل إليهم و لم يصل إلينا، و لعل مستندهم هو تصوّر كونها من العقود الإذنية. نضيف إلى ما ذكرنا ما يلي:

1- ما الفرق بينها و بين المزارعة و المساقاة حيث صرّحوا باللزوم فيهما؟

و قالوا: المزارعة من العقود اللازمة و لا تبطل إلّا بالتقايل، أو الفسخ بخيار الشرط، أو بخيار الاشتراط، أي تخلّف بعض الشروط المشترطة على أحدهما.

و قالوا في المساقاة: إنّها لازمة لا تبطل إلّا بالتقايل، أو الفسخ بخيار الشرط، أو تخلّف بعض الشروط، أو لعروض مانع عام موجب للبطلان.

نعم لو كانت المضاربة خالية عن الأجل و قلنا بصحّة مثلها، لا محيص عن كونها جائزة، لأنّ معنى لزومها، في هذه الصورة أن يكون مال الغير في يد العامل دائما و لا يجوز له استرجاعه، كما أنّ معناه في جانب العامل أن يكون هو ما دام العمر في خدمة رب المال و لا يجوز له التحرّر.

15

هل المضاربة المؤجلة لازمة أو جائزة؟

2- الكلام في المضاربة المعمولة التي لا تنفك عن الأجل، فهل هي لازمة أو جائزة؟ يظهر من الأصحاب الجواز، و لكن يمكن تقريب اللزوم بالبيان التالي و هو:

الف- أنّ الأصل في العقود هو اللزوم كما هو الأصل المحقّق في باب المعاملات، و الجواز يحتاج إلى الدليل، و أمّا الاتفاق فالقدر المتيقّن منه، هو ما إذا كان مطلقا لا مؤجّلا بأجل، و على فرض إطلاقه فإنّ الإجماع هنا إجماع على القاعدة، لأنّهم جعلوها من فروع الوكالة في التصرّف في مال الغير فعطفوها عليها و مثل هذا الإجماع لا يكشف عن دليل وصل إليهم و لم يصل إلينا. و ذلك لعدم الدليل على الفرعية فضلا عن وجود دليل واصل إليهم.

ب- أنّ المصلحة الهامة المترتّبة على المضاربة من خروج الأموال من الكنوز و الصناديق و انجذاب العمال إلى العمل لا تتحقّق إلّا إذا كانت هناك ثقة بين الطرفين، حيث يثق رب المال بأنّ العامل يعمل بماله إلى مدة محدّدة، و يثق العامل بأنّ رب المال لا يفسخ العقد، و إلّا فلو كان جائزا في المدة المحددة و كان لكلّ فسخ العقد، فلا تبقى ثقة للطرفين، فلا يقومان بها و يكون تشريع المضاربة تشريعا عاطلا قليل الفائدة.

ج- أنّ المضاربة في العرف معاملة لازمة و هي تكشف عن كونها كذلك شرعا، و قد ذكر الشيخ الأنصاري في المتاجر بعد الفراغ من تعريف البيع بأنّه يستكشف من الصحة العرفية، الصحة الشرعية (1) و عليه يستكشف من اللزوم العرفي، كونها كذلك شرعا، فالأقوى هو كونها عقدا لازما إذا كان محددا. نعم يجوز للطرفين التفاسخ و الإقالة كما هو شأن كل عقد لازم.

____________

(1)- المكاسب: 80.

16

إذا شرط عدم الفسخ في المدة المضروبة:

إذا قلنا بأنّ المضاربة المطلقة، و المحدّدة بالمدّة كلتا هما جائزتان، فهل يمكن علاج جوازها باشتراط عدم الفسخ فيها حتى تصير المضاربة لازما بالعرض أولا؟ فله صورتان:

الأولى: أن يشترط على المالك أو العامل أن لا يملكا الفسخ، أو لا يكون لهما حق الفسخ، فلا شك أنّ هذا النوع من الشرط باطل. إنّما الكلام في وجه البطلان فربما يقال كما عليه المحقّق في الشرائع: إنّه مناف لمقتضى العقد (1)، و تبعه السيّد الطباطبائي في العروة (2)، و إن عدل عنه بأنّه مناف لإطلاق العقد لا لمقتضاه، و الظاهر أنّه ليس مخالفا لمقتضاه فلا حاجة إلى الإجابة عنه بما ذكر، لأنّ مقتضى المضاربة نظير كون الربح بينهما أو كون المال من أحدهما و العمل من الآخر، فكل شرط خالف ذلك فهو مخالف لمقتضى العقد، و نظيره في غير باب المضاربة ما إذا باع بلا ثمن، أو آجر بلا أجرة أو نكح امرأة بشرط أن لا يتمتع بها أصلا، فإنّ كل ذلك مناف لمقتضى العقد، و أمّا اللزوم و الجواز في المضاربة و غيرها فليس من مقتضيات العقد. بل من أحكامه، فلا يصحّ عدّ مثل هذا الشرط منافيا لمقتضى العقد. بل الحق أنّه مخالف للشريعة. و بعبارة أخرى: مخالف للكتاب و السنّة، فإنّ الإجماعات العديدة كاشفة عن وجود نص في المقام دال على أنّ كلّا من العامل و المالك يملك الفسخ، فاشتراط عدمه شرط على خلاف حكم الشريعة المقدّسة.

____________

(1)- الجواهر: 26/ 341 (قسم المتن).

(2)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة المسألة 2.

17

الثانية: أن لا يدخل في مجال التشريع و لا يسلب عن الطرفين ملكية الفسخ، و القدرة على هدم العقد بل مع الاعتراف بهذا الحق الشرعي، يشترط عليه أمرا و هو أن لا يفسخ في الأجل المضروب في العقد، و بعبارة أخرى يلتزم بأن لا يستفيد من هذا الحق في المدة المضروبة أو يأخذ من هذا المباح بأحد الطرفين و هو عدم الفسخ، و هذا النوع من الاشتراط ليس مخالفا لمقتضى العقد و لا مخالفا لحكم الشرع و إلّا فلو كان مثل هذا الشرط على خلاف الكتاب و السنّة لأصبح جميع الشروط كذلك، لأنّ الشرط مباح في حد نفسه و للمشروط عليه فعله و تركه، و لكنّه بعد الاشتراط لا محيص له عن الإنجاز، فلو باع داره و شرط على المشتري خياطة الثوب، تلزم عليه الخياطة عملا بالآية الكريمة: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و ليس لأحد أن يعترض و يقول إنّ هذا الشرط مخالف للشريعة، لأنّه كان فيها مختارا بين الفعل و الترك و الآن أصبح و هي لازمة عليه.

و على ذلك فيمكن أن يتوسّل المضارب و رب المال للوصول إلى الغاية المقصودة بهذا النوع من الاشتراط و بذلك تعلم صحة الشرط و ليس معناه جعل الجائز لازما، بل العقد باق على ما كان عليه، و إنّما اللازم هو أن يفي بالشرط الذي التزم به من الفعل و الترك.

و بذلك يعلم ضعف ما أفاده السيد المحقّق البروجردي- (قدّس سرّه)- في تعليقته على العروة الوثقى من القول ببطلان الشرط قائلا بأنّه ليس لزومها و عدم فسخها بأي معنى كان ممّا يقبل الاشتراط، و ذلك لما عرفت من أنّ الهدف ليس اشتراط لزوم عقد المضاربة، بل الغاية شرط فعل على المشروط عليه المنتهي إلى تحديده في مجال فسخ العقد، و أين هذا من اشتراط لزوم عقد المضاربة.

18

الشرط في العقد الجائز جائز:

ربما يقال بأنّه لو سلّمنا صحة الشرط لكنّه لا ينتج المطلوب، لأنّ الشرط جزء من العقد، و ليس له حكم زائد على العقد نفسه، فإذا كان العقد جائزا، فالشرط (عدم الفسخ) يكون جائزا.

هذا ما ذكره الشهيد الثاني في المسالك و قال: القراض من العقود الجائزة لا يلزم الوفاء بها فلا يلزم الوفاء بما شرط في عقدها، لأنّ الشرط كالجزء من العقد فلا يزيد عليه.

و بعبارة أخرى أنّ العمل بالشرط إنّما يجب لو كان العقد موجودا فإذا رفع العقد بالفسخ فلا متبوع حتى يجب العمل بالتابع، و بعبارة ثالثة: الوجوب المشروط لا يقتضي وجود شرطه فينتج: أنّ الشروط في العقود غير اللازمة غير لازمة الوفاء.

تحليل ما ذكره صاحب المسالك:

أقول: يجب علينا توضيح مفاد القاعدة أوّلا، ثم الإجابة عن إشكال صاحب المسالك ثانيا فنقول:

إنّ للضابطة المعروفة: «الشروط في ضمن العقود الجائزة غير لازمة الوفاء» تفسيرين:

الأوّل: ما ذكره صاحب الجواهر و هو: أنّ الشرط الوارد في ضمن العقد الجائز لا يلزم الوفاء به حتى مع عدم فسخ العقد يقول: المراد عدم وجوب الوفاء به، و إن لم يفسخ العقد و أمّا الاستدلال على الوجوب بقوله سبحانه: أَوْفُوا

19

بِالْعُقُودِ فغير تام لظهور الأمر فيها بالوجوب المطلق فيتعيّن حملها على العقود اللازمة و تخرج منها العقود الجائزة، كما أنّ الاستدلال بالنبوي، أعني: «المؤمنون عند شروطهم» غير تام، لأنّ المراد منه بيان صحة أصل الاشتراط، و أمّا اللزوم و عدمه فيتبع العقد الذي تضمّن الشرط فإن كان لازما وجب الوفاء بالشرط لكونه حينئذ من توابع العقد، و إلّا لم يجب، بل يكون حينئذ شبيه الوعد (1).

يلاحظ عليه: أنّ الآية تعمّ العقود اللازمة و الجائزة لكن ما دام الموضوع (العقد) موجودا، لأنّ شأن كل حكم مطلق، مقيّد بوجود الموضوع لبّا، و ليست الآية مطلقة حتى مع قطع النظر عن وجود الموضوع، فبالنظر إلى وجود الموضوع يجب العمل بالشروط، في ضمني العقد اللازم أو الجائز.

و أمّا النبوي فما ذكره في غاية البعد، بل مفاد الحديث عدم انفكاك المؤمنين عن شروطهم و أنّ المؤمن و شرطه توأمان لا ينفكان و هذا هو معنى اللزوم.

الثاني: ما هو المشهور، و هو أنّه يجب الوفاء به ما دام العقد موجودا، نعم لو فسخها سقط الوجوب، فمع وجود الموضوع يلزم العمل بالشرط إلّا إذا رفع الموضوع، و هذا كقولنا: يجب الوضوء و الركوع و السجود في النوافل، أي ما دامت الصلاة، مفروضة الوجود، فهي لا تنفك عنها، و إن كان للمكلّف تركها من رأس.

هذا هو الذي اختاره المشهور و به صرّح السيد الطباطبائي في عروته (2) هذا هو معنى القاعدة، و أمّا الإجابة عن إشكال المسالك- بعد توضيح مفاد القاعدة- فبالبيان التالي:

____________

(1)- جواهر الكلام: 26/ 343.

(2)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 2.

20

استثناء هذا النوع من الشروط من الضابطة:

قد وقفت على معنى الضابطة و أنّ الشرط في العقود الجائزة لازم الوفاء ما لم يفسخ، و لكن هناك قسم من الشروط مستثنى من الضابطة، بل يجب الوفاء به مطلقا و ليس مقيّدا بعدم الفسخ و توضيحه:

أنّ الشروط المأخوذة في العقود على قسمين:

1- ما يرجع إلى طلب فعل من المشروط عليه كخياطة ثوب أو بناء دار فمثل هذا يرجع في البيع و الإجارة و أمثالهما إلى كونه تابعا للثمن أو المثمن، أو العين المستأجرة أو أجرتها و عليه يبتني النزاع المعروف هل يقسط الثمن على الشروط أو لا؟

2- ما لا يرجع إلى شي‌ء منهما و إنّما يرجع إلى تحديد اختيار المشروط عليه من غير نظر إلى كونه تبعا لشي‌ء من أركان العقد، كما إذا باع شيئا مع خيار الفسخ للمشتري و لكن يشترط عليه أنّه لو فسخ يجب عليه دفع ألف دينار إلى البائع، فالغرض من هذا النوع من الشرط هو تحديد خيار المشتري حتى لا يبادر بالفسخ إلّا عن فكر و تدبر فيما يستتبعه الفسخ من الغرامة المعلومة، و لأجل ذلك يتنزل احتمال إقدامه للفسخ إلى درجة نازلة عكس ما إذا لم تجعل عليه تلك الغرامة.

و مثله المقام، فإنّ اشتراط عدم الفسخ على المشروط عليه إنّما هو لتحديد خياره حتى لا يبادر بالفسخ أثناء المدة المؤجلة حتى يحصل للشارط ثقة بأنّ المشروط عليه يستمر على العهد و العقد.

أمّا الشق الأوّل فهو داخل في الضابطة المعروفة و أنّه يتلوّن بلون العقد، فلو كان العقد لازما فيكون الشرط لازم الوفاء مثله، فبما أنّه لا يجوز له نقض العقد، لا يجوز له نقض الشرط و عدم الوفاء به، فالعقد، و الشرط يمشيان جنبا إلى جنب‌

21

و لو كان العقد جائزا يكون حكمه حكم العقد، فإذا كان أصل العقد كالعارية جائزا فالخياطة التابعة للعقد تكون جائزة.

و أمّا القسم الثاني فهو يستقل في الحكم عن العقد و ذلك لأنّ صحّة هذا النوع من الشرط تلازم لزومه و عدم تبعيته للعقد، لأنّ صحة هذا القسم من الشرط لغاية خاصة لا تتحقّق إلّا بلزومه، و مع ذلك فالنتيجة في المثالين مختلفة.

ففي المورد الأوّل يصح الفسخ و لكن لا يبطل الشرط، فإذا فسخ وجب دفع الغرامة و ليس له أن يعتذر و يقول بأنّ الشرط- دفع الغرامة- تابع للمشروط أي العقد، فإذا ارتفع بالفسخ و ارتفع العمل به، ارتفع الشرط و وجوب العمل به، و ذلك لأنّه لو كان هذا النوع من الشرط تابعا في وجوب الوفاء لوجود العقد تلزم لغويته و عدم حصول الغاية المطلوبة منه، فإنّ الغاية هو إيقاف المشروط عليه عن الإقدام على الفسخ على حد ممكن، فلو لم يجب العمل به بعد الفسخ بحجة أنّه لازم العمل ما دام العقد موجودا، لزمت لغويته، و لأجل ذلك يتخذ الشرط لنفسه وجوبا مستقلا سواء كان العقد موجودا أو لا.

و في المثال الثاني لا يصحّ الفسخ فضلا عن بطلان الشرط، فإنّ اشتراط عدم الفسخ لغاية طلب الثقة، و هذا لا يتحقّق إلّا بعد كونه محكوما باللزوم مستقلا غير تابع للعقد، و إلّا لغى الشرط و ارتفعت الغاية.

فتلخص من ذلك أنّ الشروط على قسمين: شرط يجب العمل به ما دام العقد موجودا، و هو ما يرجع مثلا إلى العين أو الثمن، و شرط يجب العمل به مطلقا لا مقيّدا بوجود العقد و تختلف نتيجته حسب اختلاف الموارد و اختلاف الغاية الداعية إلى جعل الشرط في العقد، فتارة يصح الفسخ و لا يبطل الشرط، و أخرى لا يصح الفسخ فضلا عن بطلان الشرط، و لعلّه إلى ما ذكرنا يشير السيد الطباطبائي في العروة بعد تفسير الضابطة في- الشروط تابعة للعقود- بقوله: و هذا‌

22

يتم في غير الشرط الذي مفاده عدم الفسخ مثل المقام فإنّه يوجب لزوم ذلك العقد (1).

محاولة أخرى لمنع المشروط عليه عن الفسخ:

ثمّ إنّ هناك محاولة أخرى و هو اشتراط عدم فسخها في ضمن عقد آخر، و إلى ذلك يشير السيد الطباطبائي في العروة الوثقى و يقول: «و لو شرط عدم فسخها في ضمن عقد لازم آخر فلا إشكال في صحة الشرط و لزومه» أمّا الصحة فلما عرفت من أنّ الشرط ليس جعل الجائز لازما، أو سلب حق الفسخ عن المشروط عليه، و إنّما هو طلب فعل شي‌ء أو ترك منه، أي التزامه باختيار أحد طرفي المباح، و ليس مثل هذا مخالفا للكتاب و السنّة و لا لحكم الشارع بجواز المضاربة.

و أمّا اللزوم فلأنّه- بعد الاشتراط- يكون جزءا من العقد اللازم فيجب الوفاء به.

و منه يظهر أنّه لو شرط في عقد مضاربة، عدم فسخ مضاربة اخرى سابقة صحّ و وجب الوفاء به إلّا أن تفسخ هذه المضاربة فيسقط الوجوب، و هو داخل تحت الضابطة السابقة التي تعرّفت على معناها.

كما أنّه لو اشترط في مضاربة، مضاربة أخرى في مال آخر أو أخذ بضاعة منه، أو قرض أو عدمه وجب الوفاء بالشرط ما دامت المضاربة باقية و إن فسخها، سقط الوجوب، أخذا بما مرّ من أنّ الشروط لازمة الوفاء في العقود الجائزة ما دام العقد باقيا.

____________

(1)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 2.

23

المضاربة على الانتفاع من نماء المبيع:

لو شرط أنّ يشتري أصلا يشتركان في نمائه كالشجر أو الغنم، فهل يصح ذلك أو لا؟

قال العلّامة في القواعد: الأقرب الفساد، لأنّ مقتضى القراض التصرّف في رأس المال (1).

و قال المحقّق الثاني في تعليل الفساد: إنّ مقتضى القراض الاسترباح بالتجارة، و ليس موضع النزاع كذلك فلا يصح القراض عليه، و هو الأصح (2).

يلاحظ على التعليل بأنّه إن أريد منه التصرف في رأس المال إجمالا: فقد تصرّف فيه حيث اشترى أصلا له نماء، و إن أراد التصرّف مرّة بعد مرة، بأن يبيع بعد الشراء فهو منظور فيه، لا دليل عليه إلّا ما ستقف عليه.

و يلاحظ على الثاني بأنّ الطرفين ينتفعان من ربح التجارة، فإنّه لو لم يتّجر و لم يشتر الأصل لم ينتفعا بالنماء فالنماء ربح الشراء الذي هو التجارة.

و الأولى أن يقال: إنّ المضاربة عبارة عن انتفاع الطرفين بارتفاع القيمة بأن يشتري بقيمة و يبيع بقيمة أزيد، و أمّا الانتفاع عن غير ارتفاع القيمة، كالنماء مع إيقاف التجارة فليس هو من أقسام المضاربة الرائجة بين الناس، و لعلّه إلى ما ذكرنا يرجع إفادة العلّامة في القواعد و المحقّق الثاني في شرحها.

نعم لو قال: اشتره و ما يحصل من ارتفاع قيمته و من نمائه فهو بيننا، فالظاهر أنّه من أقسام المضاربة بشرط أن يكون النماء أمرا تبعيا كنمو الصوف و توفر اللحم‌

____________

(1)- القواعد: 246.

(2)- جامع المقاصد: 8/ 78.

24

لا الإنتاج الذي يعد شيئا مستقلا لا ربحا للتجارة فلا يبعد أن يكون النتاج للمالك.

و أضاف في الجواهر قسما ثالثا و قال: أو اتفق نماء أعيان المضاربة قبل بيعها شارك في النماء قطعا (1) لكن بشرط أن تبيعه بأزيد ممّا اشتراه فيحصل الربح، و أمّا إذا أوقف التجارة بالفسخ فلا يبعد أن يكون النماء للمالك و يكون للعامل أجرة المثل.

ثمّ إنّه لو قلنا بعدم وقوع مثل ذلك مضاربة فهل هو صحيح أو لا؟ قال السيد الطباطبائي: يمكن دعوى صحته للعمومات غير أنّ السيد البروجردي- (قدّس سرّه)- علّق عليه بأنّ الأقوى البطلان (2).

أمّا وجه الصحّة، فلأجل أنّ قوله سبحانه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعم المتعارف و غير المتعارف ما لم يكن مخالفا للأحكام الشرعية، و لأجل ذلك قلنا بصحة المعاملات المستحدثة في عصرنا هذا، و إن لم تكن داخلة تحت العناوين الرائجة، و في ضوء ذلك صح عقد التأمين و الشركات الحديثة، و لم نتجشّم لإدخال هذه العقود تحت العقود الرائجة كما عليه بعض المعاصرين أو أكثرهم، و بالجملة الإسلام دين عالمي يجب عليه إعطاء الحكم لكل حادث جديد و ليس المتكفّل له إلّا تلك العمومات و لا وجه لتخصيصها بالرائج في عصر الرسالة. و أمّا وجه البطلان، فلأجل أنّ المتعاقدين قصدا المضاربة فإذا بطلت، بطل من رأس، لأنّ ما قصد لم يقع، و ما نحن بصدد تصحيحه باسم عقد مستقل لم يقصداه.

و يمكن أن يقال: إنّ البطلان بعنوان المضاربة لا يمنع عن صحته بعنوان آخر و ذلك لأنّ المطلوب للمتعاقدين هو المساهمة في الربح بأيّ طريق حصل من‌

____________

(1)- الجواهر: 26/ 344.

(2)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة: المسألة 3.

25

دون تقيّد بعنوان المضاربة، فيكون من باب تعدد المطلوب فالرضاء التقديري- على تقدير بطلان المضاربة- بالتصرّف في المال حاصل و هو كاف و له نظائر في الفقه ذكره الشيخ في باب المعاطاة من المتاجر، فلاحظ.

تحديد عمل العامل في المضاربة:

لو اشترط على العامل أنّ لا يشتري إلّا من زيد، أو لا يبيع إلّا من عمرو، أو لا يشتري إلّا الثوب الفلاني أو ثمرة البستان الفلاني، سواء كان الجنس عاما أو قليلا أو نادرا صح الجميع، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، بشرط أن لا يؤدّي التحديد إلى تعطيل المضاربة و ندرة الربح، بحيث يعد العقد عملا لغوا غير عقلائي.

فلو شرط عليه شراء ما، لا يتمكّن المضارب منه في طول السنة إلّا مرة واحدة صح و لكن بشرط أن يكون له ربح معتد به يليق أن يضارب عليه المضارب، و إلّا فيعد أمرا لغوا. نعم نقل ابن قدامة الخلاف عن الأئمة الأربعة. قال:

الشروط في المضاربة تنقسم قسمين: صحيح و فاسد، فالصحيح مثل أن يشترط على العامل أن لا يسافر بالمال، أو أن يسافر به، أو لا يتّجر إلّا في بلد بعينه، أو نوع بعينه أو لا يشتري إلّا من رجل بعينه، فهذا كله صحيح، سواء كان النوع ممّا يعم وجوده، أو لا يعمّ و الرجل ممّن يكثر عنده المتاع أو يقلّ، و بهذا قال أبو حنيفة.

و قال مالك و الشافعي: إذا شرط أن لا يشتري إلّا من رجل بعينه أو سلعة بعينها، أو ما لا يعم وجوده كالياقوت الأحمر و الخيل الابلق لم يصح، لأنّه يمنع مقصود المضاربة و هو التقليب و طلب الربح، فلم يصح كما لو اشترط أن لا يبيع و يشتري إلّا من فلان، أو أن لا يبيع إلّا بمثل ما اشترى به (1).

____________

(1)- المغني: 5/ 184.

26

يلاحظ عليه: أنّ الإمامين خلطا الشرط المخالف لمقتضى العقد بالشرط المخالف لإطلاقه، و الباطل هو الأوّل، كما إذا شرط أن يكون الربح كلّه للمالك لا العامل، أو شرط أن يبيع بأرخص ممّا اشترى به أو لا يبيع إلّا ممّن اشترى منه أوّلا و من المعلوم عادة، أنّه لا يشتري إلّا بأقل ممّا باع به، و أمّا التحديد بنوع الجنس و المشتري فليس هو على خلاف مقتضى العقد، و إنّما هو تحديد لإطلاقه، فإنّ مقتضى إطلاقه أنّ له أن يشتري و يبيع ما أراد، أو يشتري و يبيع ممّن أراد: فلا يعدّ تحديد ذلك مخالفا لمقتضاه، و إنّما هو تحديد لإطلاقه، و إلّا يلزم بطلان كل شرط، لأنّ طبيعة الشرط هو تحديد إطلاق العقد.

روى أحمد بن عيسى في نوادره عن أبيه، قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-:

«كان للعباس مال مضاربة، فكان يشترط أن لا يركبوا بحرا و لا ينزلوا واديا، فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فابلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأجاز شرطه عليهم» (1).

اثنا عشر فرعا (2):

1- إذا تحقّقت المضاربة و صار العامل وكيلا لصاحب المال في التجارة، و مشاركا معه في الربح، يتبع في ما يجوز و ما لا يجوز، و ما يجب عليه و ما لا يجب، متعارف الزمان و المكان في المضاربة، و ليس للإسلام هناك حكم ثابت سوى تنفيذ الاتّفاق و لزوم الوفاء به، إذا لم يكن مقرونا بشي‌ء على خلاف الشرع: و على ذلك فما ذكره المحقّق: «يجوز له عرض القماش و النشر و الطيّ و إحرازه، و قبض الثمن و إيداعه الصندوق و استئجاره من جرت العادة باستئجاره كالدلّال و الوزان و الحمال» (3) كلّها من باب المثال، و راجع إلى المتعارف في ذلك العصر و بعده، و قد‌

____________

(1)- الوسائل: 13، كتاب المضاربة الباب 1، الحديث 12.

(2)- و يمتد البحث فيها إلى ص 41 من الكتاب فلاحظ.

(3)- الجواهر: 26/ 344 (قسم المتن).

27

تبدّلت الأوضاع الاجتماعية و تكاملت، فربّما ينحصر في زماننا واجب المضارب بالتفكير و التخطيط و الاتّصال بالشركات الاقتصادية بالهاتف و التلكس، و يستخدم لغير ذلك لفيفا من العمّال و الموظفين، و لأجل ذلك يجب أن نقول بكلمة واحدة و هي: إنّه يجب على المضارب أن يقوم بما يقوم به التاجر لنفسه، و يتبع في ذلك ما هو المرسوم و الرائج.

2- لو استأجر فيما تتعارف مباشرته بنفسه، بالأجرة، فهي من مال العامل لانصراف عقد المضاربة إلى تولّيه بنفسه، كما إذا انعكس الأمر فتولّى بنفسه ما يعتاد الاستئجار له، فلو كان متبرعا فلا أجرة له، و إلّا يأخذ الأجرة من أصل المال لاحترام عمل المسلم، و يستحب على صاحب المال دفع الأجرة إليه و لو كان متبرعا اقتداء بشعيب النبي- (عليه السلام)- فانّ موسى- (عليه السلام)- كان متبرعا في سقي غنم شعيب- (عليه السلام)-، و مع ذلك أرسل شعيب بنته إلى موسى- (عليه السلام)- و قالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مٰا سَقَيْتَ لَنٰا (القصص- 25).

3- إذا سافر للتجارة و كان مأذونا فيه إمّا بالتصريح أو كان الإطلاق كافيا في جواز السفر كما إذا اقتضت طبيعة التجارة السفر إلى خارج البلد، فهل نفقة السفر على المالك أو على العامل؟ أو يفصل بين مقدار ما يبذله في الحضر فعلى العامل، و ما يبذله خارجه فعلى المالك؟ وجوه و احتمالات، فالمتبع هو ما اتّفقا عليه في العقد و إلّا يكون المتبع هو الحكم الرائج في زمان المضاربة و مكانها، فما في صحيح عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن- (عليه السلام)- قال: «في المضارب ما أنفق في سفره فهو من جميع المال، و إذا قدم بلده، فما أنفق فمن نصيبه» (1) محمول على المتعارف في ذلك الزمان و اضطرب قول الشافعي في المسألة فتارة قال: لا ينفق كالحضر، و أخرى: ينفق كمال نفقته، و ثالثا: ينفق القدر الزائد على نفقة الحضر‌

____________

(1)- الوسائل: 13، الباب 6 من أبواب المضاربة، الحديث 1: موثقة السكوني.

28

لأجل السفر (1). و كان على الإمام الشافعي أن يحيل الأمر- بعد الإحالة إلى ما اتّفقا عليه-، إلى المتعارف، فإذا كان المتعارف هو البذل من أصل المال أو البذل من كيس العامل أو التفصيل بين ما ينفق في الحضر و المقدار في السفر، فهو المتبع لأنّ الرائج في وقت المضاربة كالقرينة المتصلة، فيكون بمنزلة ما اتّفقا عليه، نعم لو لم يوجد متعارف، فما يعد نفقة للتجارة فهو من أصل المال دون غيره، و لكن الفرض أمر نادر.

4- إذا سافر لأجل التجارة يلزم أن لا يقيم إلّا بمقدار ما يتوقف عليه أمر التجارة، فلو زاد على الإقامة للتفرّج أو الزيارة و السياحة فالنفقة عليه.

5- و في كل مورد تكون النفقة على أصل المال، يحسب عليه و إن لم يكن ربح، و لو ربح بعد ذلك أخذت من الربح مقدمة على حق العامل ضرورة كون ذلك كالخسارة اللّاحقة للمال التي يجب جبرها بما يتجدّد من الربح، و مع ذلك فاللازم هو العمل بما اتّفقا عليه أوّلا، ثم الرجوع إلى ما هو الرائج، فربّما يكون الرائج الذي ينصرف إليه عقد المضاربة كون نفقات السفر على رأس المال و عدم كسرها من الربح، فهو أشبه بجعل الربح للعامل أكثر من المالك، و لأجل ذلك يجب أن نقول: المتبع- بعد الرجوع إلى ما اتّفقا عليه- هو الرائج في كل مكان بشرط أن لا يكون مخالفا لمقتضى العقد و لا الشريعة.

6- لو سافر مأذونا و فسخ المالك المضاربة و هو في أثناء السفر؟ قال المحقق: فنفقة عوده منه خاصة (2).

و علّله في الجواهر بارتفاع وصف المضاربة الذي هو سبب استحقاق النفقة، و لا غرر بعد دخوله على العقد الجائز الذي هو معرض ذلك و نحوه.

____________

(1)- الخلاف: 3/ 462 كتاب القراض، المسألة 6.

(2)- الجواهر: 26/ 350 (قسم المتن).

29

يلاحظ عليه: أنّه لو لم يكن اتفاق من الطرفين على أحد الطرفين، أنّ السفر عمل واحد فالإذن بالسفر بمعنى أنّ المالك يتحمّل نفقة الذهاب و الإياب، و فسخ المضاربة في الأثناء لا يؤثّر في ذلك المعنى، لأنّ الإذن في الشي‌ء إذن في لوازمه و توابعه.

7- هل للعامل ابتياع المعيب؟ أقول: إذا صرّح المالك بأحد الطرفين فيتبع تصريحه، و إلّا فالمحكّم هو المتعارف في مورد المضاربة فربّما يكون المتعارف هو الأعم من المعيب و الصحيح، و تكون الغبطة في اشتراء المعيب و بيعه، أكثر من اشتراء الصحيح و المعيب و ربّما يكون المتعارف على خلافه فلو لم يكن المتعارف، فالقدر المتيقن هو الاكتفاء بشراء الصحيح.

و لو اتفق له- فيما لا يجوز شراء المعيب- شراء المعيب فعندئذ يقوم مقام المالك، فله الرد أو أخذ الأرش على ما تقتضيه المصلحة.

8- هل إطلاق العقد يقتضي البيع نقدا بثمن المثل من نقد البلد أو لا؟

يظهر من المحقّق لزوم رعاية الشروط الثلاثة في مطلق المضاربة ما لم يصرّح بالخلاف، فيجب عليه:

أوّلا: البيع نقدا لا نسيئة.

و ثانيا: البيع بثمن المثل لا في مقابل الجنس و العروض.

ثالثا: البيع بنقد البلد لا الخارج عنه.

فندرس القيود الثلاثة، و ليعلم أنّ البحث في كل واحد فيما إذا لم يكن تصريح من المالك بأحد الطرفين، و إلّا يكون هو المتّبع و على ضوء ذلك، فنقول:

30

الأوّل: حكم البيع نسيئة:

قد استدل على الشرط الأوّل بأنّ في النسيئة من التغرير بالمال ما لا يخفى، و يعارضه أنّه ربّما يكون الغبطة في النسيئة أكثر من النقد، و ربّما لا يتمشّى الأمر في بعض التجارات إلّا بالنسيئة كما في الأمتعة المستوردة من الشركات الخارجية، فإنّها تأخذ بعض الثمن مثلا 20% نقدا و البعض الآخر بعد الوصول إلى يد المشتري و شهادة الخبراء على أنّ المبيع صحيح و ليس بمعيب.

و على ضوء ذلك فيجب أن يكون المتّبع هو الرائج في نوع التجارة، فإن كان الرائج هو النقد كما في بيع الأمتعة الجزئية كالخبز و الخضراوات و منتجات الألبان و غير ذلك فهو المتّبع. و إن كان الرائج هو الأعم كما في بيع السجاجيد و الأقمشة فكذلك، و إلّا فليكتف بالبيع نقدا لانصراف الإطلاق إليه.

و لا يعارض ذلك بما ذكره الفقهاء من أنّ الأصل في البيع هو النقد، فإنّ ما ذكروه راجع إلى اختلاف البائع و المشتري، و البحث في المقام راجع إلى حكم عقد المضاربة الذي يتكفّلها العامل من قبل المالك فهل هو منصرف إلى البيع نقدا أو لا؟ فالبابان مختلفان.

ثم لو باع نسيئة فيما لم يكن له إلّا البيع نقدا، قال السيد الطباطبائي: «فإن استوفى الثمن قبل اطّلاع المالك فهو» (1) و علّق عليه السيد عبد الهادي الشيرازي- (قدّس سرّه)- بأنّ البيع باطل إلّا إذا أجاز المالك، فما ذكره المعلّق هو الموافق للقاعدة، لأنّ بيعه كان فضوليا فيحتاج إلى الإجازة، فاستيفاء الثمن لا يخرجه عن الفضولية، و لكن ما ذكره السيد الطباطبائي هو المنصوص لما ستعرف مفصلا من أنّه إذا خالف العامل الاتفاق بينه و بين المالك فاتّجر و ربح، فهو ضامن للمال، و لكن الربح بينهما.

____________

(1)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 8.

31

ثم إنّه إذا اطّلع المالك قبل الاستيفاء، فإن أمضى البيع نسيئة فهو، و إلّا فالبيع باطل، فإذا كان المبيع موجودا فله الرجوع إلى من كان العين عنده موجودا، فينتزع ماله و يبطل ما ترتّب عليه من البيوع.

و أمّا إذا تلف المبيع، فله الرجوع على كلّ من المشتري و العامل، فإن رجع إلى المشتري أخذ منه المثل أو القيمة، ثم إذا كانت القيمة التي دفعها إلى المالك أزيد من الثمن الذي دفعه إلى العامل يرجع إلى العامل في التفاوت، لأنّه مغرور يرجع إلى الغارّ، لأنّه رضي بالمبيع بالثمن المحدّد، و التزم بالضمان في هذا الحد، و لكن المفروض أنّه دفع إلى المالك أزيد ممّا التزم به فيرجع إلى الغارّ.

و لو رجع إلى العامل أخذ منه القيمة، فلو كان أزيد من الثمن الذي أخذه العامل من المشتري لم يرجع العامل في التفاوت إلى المشتري إلّا إذا غرّه المشتري بنحو من الغرور، كما إذا أخبر العامل برضى المالك بالبيع نسيئة.

ثم إنّه إذا رضي بالبيع نسيئة، فهل العامل ضامن بالثمن الذي في ذمة المشتري أو لا؟ ذهب إلى الأوّل المحقّق الثاني في جامع المقاصد و الشهيد في المسالك، و لكنه غير تام إذ أيّ فرق بينه و بين ما أذن للبيع نسيئة من الأمر و لم يحصل من العامل ما يقتضي ضمانه، و ليس أمر العامل في المقام أشدّ من الغاصب إذا باع المغصوب ثم ندم فأجاز المالك ذلك و رضي بأنّ الثمن في ذمّة المشتري أن يكون له، فينتقل الضمان من ذمّة العامل و الغاصب، إلى ذمّة المشتري الذي رضي المالك بكونه في ذمّته.

اللّهمّ إلّا أن يتمسّك بالنصوص الدالّة على ضمان العامل فيما إذا خالف تصريح المالك بإلغاء الخصوصية عن صورة التصريح، و إسرائه إلى المفهوم من الإطلاق كما في المقام.

32

الثاني و الثالث: حكم البيع بغير الثمن أو غير نقد البلد:

قد استدلّ على الشرط الثاني بلزوم التضييع بالبيع بدون ثمن المثل و احتمال الكساد في بيع العروض.

يلاحظ عليه: بأنّ الغبطة ربّما تكون بالبيع بالعروض، فإن كان هناك تصريح بأحد الطرفين فهو، و إلّا فلو كان هناك متعارف في نوع التجارة فيتبعه العامل، نعم فيما إذا باعه بجنس لا رغبة فيه للناس ينصرف الإطلاق عنه قطعا. و إلّا فعليه الاكتفاء بالثمن.

و أمّا الشرط الثالث: و هو البيع بنقد البلد، فالبحث فيه فيما إذا لم يكن من المالك تصريح بأحد الطرفين و لم يكن هنا قرينة و تعيّن أحد الأمرين و إلّا فينصرف إلى ثمن البلد، نعم فيما إذا كان ثمن البلد ممّا يرغب عنه الناس لتزلزله و عدم ثباته، بل ربّما يكون البيع بغير ثمن البلد أوثق فيكون هذا قرينة على البيع بالأعم.

9- المراد من السفر هو السفر العرفي لا الشرعي، فيشمل ما إذا كان دون المسافة الشرعية، ثم إنّه إذا أقام بعد تمام العمل لغرض آخر ممّا ليس متعلّقا بالتجارة فنفقته في تلك المدة على نفسه، لأنّ الإقامة حينئذ ليس لمصلحة المال، فيكون خارجا عن منصرف عقد المضاربة.

و إن كان مقامه لما يتعلّق بالتجارة و لأمر آخر بحيث يكون كل منهما علّة مستقلّة لو لا الآخر، فإن كان الأمر الآخر عارضا في البين فلا شكّ في جواز أخذ تمام النفقة من مال التجارة لشمول الاتفاق على مثل هذه الإقامة.

إنّما الكلام فيما إذا كانا في عرض واحد، قال السيد الطباطبائي: ففيه وجوه:

ثالثها التوزيع، و هو الأحوط في الجملة، و أحوط منه كون التمام على نفسه (1).

____________

(1)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 17.

33

و لكن الأقوى جواز الانفاق إذا لم يكن عدم الاشتغال بأمر آخر في مدّة الإقامة قيدا في الإذن في السفر أو في عقد المضاربة، فيكفي كون الإقامة لمصلحة المال.

و أمّا إذا كانت العلة مجموعهما بحيث يكون كل واحد جزءا من الداعي، فقال السيد الطباطبائي: الظاهر التوزيع و عليه صاحب الجواهر (1).

و لكن الظاهر كون النفقة على العامل، و ذلك لأنّه إن شمله الإذن بالمقام فالجميع على عاتق صاحب المال، و إن لم يشمله كما هو المفروض فلا معنى للتوزيع.

10- لو كان لنفسه مال غير مال القراض فهل النفقة عليه أو على المالك أو يقسّط عليهما؟

فقال السيد الطباطبائي: لو تعدّد أرباب المال كأن يكون عاملا لاثنين أو أزيد أو عاملا لنفسه و غيره توزع النفقة، و هل هو على نسبة المالين أو على نسبة العملين؟ قولان: (2).

11- الاشتراء بعين المال أو بالذمة، هل يتعيّن له الاشتراء بعين المال، أو يجوز له الاشتراء في ذمّته مضاربة بقصد التأدية عن مال المضاربة؟ فيه اختلاف.

قال المحقّق: «و كذا يجب أن يشتري بعين المال، و لو اشترى في الذمّة لم يصح البيع إلّا مع الإذن» (3).

و قال العلّامة: «و إن اشترى في الذمة، لزم العامل إن أطلق الشراء و لم يجز المالك و إن ذكر المالك بطل مع عدم الإجازة» (4).

____________

(1)- الجواهر: 26/ 336.

(2)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 18.

(3)- الجواهر: 26/ 352 (قسم المتن).

(4)- مفتاح الكرامة: 7/ 462 (قسم المتن).

34

و قال في الإرشاد: «و لو اشترى في الذمة و لم يضف وقع له» (1).

و قال المحقّق الأردبيلي: «لو اشترى المضارب شيئا في الذمّة لا بالعين المضارب بها و لم يضف العقد، لا إلى نفسه، و لا إلى المالك وقع الشراء له بحسب الظاهر، بل الباطن أيضا، إلّا أن يكون قاصدا غير ذلك فيعمل بمقتضاه بحسب نفس الأمر و إن عمل معه بحسب الظاهر، و إن أضاف إلى نفسه فهو له، و إن أضاف إلى المالك فيكون موقوفا على الفضولي» (2).

[هل الاشتراء بعين المال لازم]

و قال السيد الطباطبائي: «المشهور على ما قيل: إنّ في صورة الإطلاق يجب أن يشتري بعين المال فلا يجوز الشراء في الذمة، و بعبارة أخرى: يجب أن يكون الثمن شخصيا من مال المالك لا كلّيا في الذمة» (3).

ثمّ إنّ السيد الطباطبائي البروجردي علّق على عبارة العروة بقوله: الظاهر أنّ مرادهم بذلك هو أنّ شراءه على ذمة المالك لا يصح، حتى يثبت به شي‌ء في ذمته، و يلزم بتأديته من غير مال المضاربة إن تعذّر عطاؤه منه لا أنّ شراءه في الذمة و تأديته من مال المضاربة غير جائز كما فهمه الماتن، و قوّى خلافه.

و لعلّ بالتدبّر فيما ذكرنا من العبارات تقف على محل النزاع.

ثم إنّ أهل السنة خصّوا البحث بما إذا اشترى في الذمة و تلف مال المضاربة قبل نقد الثمن، و ليس للمسألة عنوان في كتبهم بالنحو الموجود في كتبنا (4) حتى أنّ الشيخ الطوسي عنون المسألة بالشكل التالي:

إذا دفع إليه ألفا للقراض، فاشترى به عبدا للقراض، فهلك الألف قبل أن يدفعه في ثمنه، اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب، إلى آخر ما أفاده ...» (5).

____________

(1)- مجمع الفائدة: 10/ 245. (قسم المتن).

(2)- مجمع الفائدة: 10/ 245. (قسم المتن).

(3)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 12.

(4)- المغني لابن قدامة: 5/ 183، بداية المجتهد: 2/ 141- 142.

(5)- الخلاف: 3 كتاب القراض، المسألة 15.

35

[إذا اشترى في الذمة، و فيه صور]

و يجب البحث في صور المسألة و قد جاءت بأكملها في العروة الوثقى، فنقول: إنّ للمسألة وراء الشراء بعين المال الذي هو خارج عن موضوع بحثنا، صورا نأتي بها:

الصورة الأولى: إذا اشترى في الذمّة، لكن بعنوان المضاربة

و التأدية عن المال الموجود عنده للمالك و هذا هو الذي أشار إليه السيد بقوله: «أن يشتري العامل بقصد المالك و في ذمّته من حيث المضاربة» (1)، و الضمير يرجع إلى المالك و لكن محدّدا بمال المضاربة لا خارجا عنه، فيكون مال المضاربة رهن الثمن لا غير، فلو تلف مال المضاربة لا يكون ذمّة المالك مشغولا و إن كان له مال آخر، و لا العامل مسئولا، و إن كان له مال آخر. ثم إنّ السيد أشار إلى صورة أخرى ترجع إلى تلك الصورة لبّا، و قال: «أن يقصد كون الثمن في ذمّته من حيث إنّه عامل و وكيل عن المالك» و صرّح بأنّه يرجع إلى الأوّل، و الحاصل أنّه لا فرق بين الاشتراء في ذمّة المالك محدّدا اشتغاله بمال المضاربة، أو في ذمّته، بما أنّه وكيل من جانب المالك و عليه التأدية من المال المضروب.

فالظاهر أنّ البيع صحيح لو لم يكن هناك تصريح بالاشتراء بعين الثمن، و ذلك لأنّه يصعب الشراء بعين المضاربة في كثير من الأوقات، بل أكثر المعاملات في زماننا هذا بالذمة، ثم تأدية الثمن عن طريق دفع الصك إلى البائع، فلو أراد المالك غير هذا الفرد الشائع يجب عليه التصريح، فهذا القسم صحيح، و الربح بينهما مشترك، إنّما الكلام إذا فرض تلف مال المضاربة، قبل الوفاء في هذه الصورة.

فهناك أقوال بين أهل السنّة، ذكرها الشيخ في الخلاف، و إليك نقلها و نقدها:

____________

(1)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 12.

36

1- قال أبو حنيفة و محمّد: يكون المبيع لربّ المال، و عليه أن يدفع إليه ألفا غير الأوّل ليقضي به دينه و يكون الألف الأوّل و الثاني قراضا و هما معا رأس المال.

2- و قال مالك: ربّ المال بالخيار بين أن يعطيه ألفا غير الأوّل ليقضي به الدين و يكون الألف الثاني رأس المال دون الأوّل، أو لا يدفع إليه شيئا فيكون المبيع للعامل و الثمن عليه.

و نقل البويطي عن الشافعي: أنّ المبيع للعامل، و الثمن عليه و لا شي‌ء على ربّ المال» (1).

و أمّا فقهاء الشيعة فلهم قولان:

1- يقع للعامل.

2- يقع للمالك.

أمّا الأوّل فقد اختاره الشيخ الطوسي قال: و هو الذي يقوى في نفسي و استدلّ على مختاره بأنّه: «إذا هلك المال تحوّل الملك إلى العامل و كان الثمن عليه، لأنّ رب المال إنّما فسح للعامل في التصرّف في ألف إمّا أن يشتريه به بعنيه أو في الذمة و ينقد منه و لم يدخل على أن يكون له القراض أكثر منه» (2).

و أمّا الثاني: فيظهر من التعليل الوارد في المنع عن الشراء بالذمة في المسالك، وجود التسليم على وقوعه للمالك قالوا في مقام التعليل: و الشراء في الذمة قد يؤدّي إلى وجوب دفع غيره كما في صورة تلف المضاربة قبل الوفاء (3).

و اختاره السيد الطباطبائي و قال: «و إذا فرض تلف مال المضاربة قبل الوفاء كان في ذمة المالك يؤدّي من ماله الآخر» (4).

____________

(1)- الخلاف: 3، كتاب القراض، المسألة 15.

(2)- الخلاف: 3، كتاب القراض، المسألة 15.

(3)- المسالك: 1/ 295.

(4)- العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 12، الوجه الثاني.

37

و إليك دراسة الأقوال:

أمّا القول الأوّل: الذي هو خيرة أبي حنيفة و تلميذه محمد بن الحسن الشيباني، و يظهر من التعليل كونه مسلّما بين الأصحاب و هو صريح السيد الطباطبائي، فهو غير تام لما عرفت من الشيخ في الخلاف من أنّ المالك لم يفسح له في القراض أكثر من المال الذي قدّمه إليه، و أمّا الزائد عنه أي اشتغال ذمته بشي‌ء آخر، فهو لم يأذن به لا تصريحا و لا تلويحا فكيف يصح له؟

أمّا القول الثاني: أعني ما نقل عن «مالك» فهو بيّن الإشكال لأنّه يستلزم كون الشراء مرددا في نفس الأمر بين المالك و العامل، غاية الأمر أنّه إذا قبله المالك بدفع الثمن، يقع البيع له و إلّا يتعلق الثمن بذمة العامل، و يقع البيع له و هو غير معقول، لأنّ البيع تبديل مال بمال، و المال الثاني بما أنّه كلّي إنّما يكون مالا إذا أضيف إلى ذمة معينة، و إلّا لا يسمى مالا. و الثمن الكلّي المردّد ثبوتا بين الذمتين لا يكون مالا.

و أمّا القول الثاني الذي هو خيره الشيخ الطوسي فهو أيضا غير تام و ما استدلّ به إنّما يفي بنفي وقوعه للمالك و لا يثبت كونه للعامل فلاحظ كلامه.

و الحق أن يقال: ليس هنا تكليف لا على المالك و لا على العامل بنقد الثمن من غير مال المضاربة المفروض هلاكه، فإذا كان البيع مقيّدا بكونه مضاربة و لم يمكن الوفاء به بطل العقد لا لخلل في أركان العقد، بل لأجل عدم إمكان الوفاء به، كما إذا باع مالا كان يحمل بالسفينة، و غرق قبل التسليم.

هذا حسب الثبوت و لو كان المشتري واقفا على نية العامل أو صدر التصريح من العامل عند الشراء لم يكن له طلب الثمن منهما. نعم لو لم يذكره أو لم يقف البائع على نيته، تعلّق الثمن بذمته ظاهرا و إن كان فاسدا في نفس الأمر.

38

الصورة الثانية: أنّ يقصد ذمّة نفسه، و اشترى لنفسه

و لم يقصد حين الشراء الوفاء من مال المضاربة لكن بدا له بعد، بدفع الثمن منه.

فلا شك أنّ الشراء صحيح واقع للعامل و يكون الربح له، غاية الأمر أنّه عاص في دفع مال المضاربة عوض الثمن من غير إذن المالك.

نعم لو كان مأذونا في الاستقراض و قصد القرض، تقع المعاملة صحيحة بلا عصيان، و هناك محاولة للسيد الحكيم- (قدّس سرّه)- لتصحيح وقوع المعاملة للمالك لكن عند دفع العوض من مال المضاربة إذا قصد في ذلك الحين، الشراء من نفسه للمالك، بمال المضاربة بأنّه لما كان وليا على الشراء للمالك، لم يحتج في شراء مال نفسه للمالك، إلى أكثر من إنشاء الإيجاب، فيقصد المعاوضة بينه و بين المالك بدفع مال المالك وفاء عمّا في ذمّته من الثمن، فيكون إنشاء المعاوضة بالفعل، و هو دفع المال إلى البائع لا بالقول و بإنشاء واحد بلا قبول (1).

و حاصله: أن ينوي بدفع المال من مال المالك كون المبيع له بنفس ذلك الفعل، كما هو كذلك في الولي من الطرفين كالجدّ و الجدّة بالنسبة إلى الصغيرين، و عندئذ يصحّ للمالك.

الصورة الثالثة: أن يقصد الشراء لنفسه في ذمّته مع قصد دفع الثمن من مال المضاربة حين الشراء

حتى يكون الربح له، فقصد نفسه حيلة منه، فهناك احتمالات:

الف- الحكم بصحة الشراء و إن كان عاصيا في التصرف في مال المضاربة‌

____________

(1)- المستمسك: 12/ 293.

39

من غير إذن المالك و ضامنا له بل ضامنا للبائع أيضا، حيث إنّ الوفاء بمال الغير غير صحيح.

و بعبارة أخرى: الصحّة لأجل تماميّة أركان العقد، و هو المبيع الشخصي و كون الثمن في الذمّة ممّن لذمّته اعتبار و هذا يكفي في الصحّة، و اقتران البيع بنية إفراغ الذمة بمال حرام لا يضرّ بصحة المعاملة، و هذا مثل ما إذا اشترى لنفسه في الذمّة، و كان في نيته أن يدفع الثمن من المال المغصوب، فالتصرف في المغصوب حرام، و لا يضر بالمعاملة و تكون ذمته مشغولة بالثمن واقعا لا ظاهرا.

ب- القول ببطلان الشراء لأنّ رضى البائع مقيّد بدفع الثمن و المفروض أنّ الدفع بمال الغير غير صحيح فهو بمنزلة السارق كما ورد في بعض الأخبار من أنّ من استقرض و لم يكن قاصدا الأداء فهو سارق.

يلاحظ عليه: بما ذكرنا، من أنّ أركان العقد أعني المالين متحققة و أحد المالين شخصي و الآخر متقوّم بالذمة، و ما يدفعه من مال المالك، و إن كان حراما لكنّه ليس من أركان العقد و إنّما هو وفاء بالعقد، فصار وفاؤه بمال الغير حراما و لا تسري حرمته و بطلانه إلى العقد، و أمّا ما رود في باب الدين فهو ما رواه عبد الغفار الجازي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال:

سألته عن رجل مات و عليه دين؟ قال: «إن كان أتى على يديه من غير فساد لم يؤاخذه اللّه إذا علم من نيته إلّا من كان لا يريد أن يؤدي عن أمانته، فهو بمنزلة السارق» (1).

يلاحظ على الاستدلال بالحديث: بأنّه ورد فيما إذا كان ناويا عدم الدّفع رأسا، و هذا غير ما إذا أراد الدفع بغير الوجه الشرعي، و مع ذلك فتشبيهه بالسارق‌

____________

(1)- الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب الدين و القرض، الحديث 1.

40

كناية عن قبح عمله، لا أنّه سارق حقيقة و يجري عليه الحدّ.

ج- صحّة الشراء للمالك و كون قصده لنفسه لغوا، بعد أن كان بناؤه الدفع من مال المضاربة فإنّ البيع و إن كان بقصد نفسه، و الثمن كلّيا في ذمته، إلّا أنّه ينساق إلى هذا الذي يدفعه فكأنّ البيع وقع عليه، و هذا هو الذي ينسب إلى المحقق البهبهاني.

يلاحظ عليه: أنّ العقود تابعة للقصود و المفروض أنّه اشترى لنفسه، فلا ينقلب عمّا هو عليه إلّا بإنشاء قولي أو فعلي آخر، و الدفع من مال الغير لا يوجب انسياق العقد إلى الذي يدفعه و إنّما هو فعل محرم في جنب أمر حلال إلّا إذا قصد عند الدفع تمليكه للمالك بنفس الدفع، كما مرّ عن السيد الحكيم- (قدّس سرّه)- في الصورة الثانية، فالقول الأوّل هو الحق.

الصورة الرابعة: أن يقصد الشراء في ذمّته من غير التفات إلى نفسه و غيره

و حكمه حكم الصورة الثالثة، لأنّ وقوع العقد للنفس لا يحتاج إلى النية بل يكفي عدم اشترائه لغيره، بخلاف وقوعه للغير فإنّه يحتاج إلى نية الغير و هذا مثل ما قلنا بأنّ الوجوب النفسي العيني التعييني لا يحتاج إلى بيان زائد، فنفس الإنشاء يكفي في تحقق هذه العناوين بخلاف العناوين المقابلة لها فإنّها تحتاج إلى بيان آخر، و على ذلك فلو دفع من مال المضاربة يكون عاصيا.

41

12- إذا اختلف البائع و العامل في كون الشراء لمن؟

ثم لو اختلف البائع و العامل في أنّ الشراء كان لنفسه أو لغيره، أي المالك، فقد قال المحقق في الشرائع: لو اشترى العامل في الذمة بنية أنّه للمالك لا مع الإذن منه، لا سابقا و لا لاحقا و لم يذكره في العقد تعلّق الثمن بذمّة العامل ظاهرا.

و يمكن تعليله بوجهين:

الأوّل: أنّ حمل الذمة على ذمة المالك خلاف الظاهر فيحتاج إلى بيان، بخلاف ذمة النفس، فإنّه غنيّ عنه، و الأصل في الفعل المنسوب إلى الفاعل كونه عن نفسه. نعم الظاهر و إن كان هو ذمّة العامل لكنّه لا يثبت إلّا بإعمال قاعدة القضاء و هو حلف البائع إذا لم يكن للعامل البيّنة، فإذا حلف يدفع الثمن من كيسه و لكن المعاملة باطلة. لأنّه قصد للمالك و لم يقع لأنّه لم يأذن و ما حكم به حسب قاعدة القضاء لم يقصد فيكون صحيحا ظاهرا، و باطلا باطنا.

الثاني: لو افترضنا أنّه لم يكن مأذونا في الاشتراء في ذمّة المالك، فادّعاء الاشتراء لها يستلزم الفساد بخلاف الاشتراء لنفسه، فإنّه يلازم الصحة، فأصالة الصحة مع البائع لأنّه يدّعي أنّه اشترى لنفسه لا للمالك دون العامل.

و أمّا إذا كان مأذونا في الشراء على ذمّة المالك فاختلفا فيحمل على ذمّة العامل أيضا أخذا بظاهر الحال، و إن كان البيع صحيحا على كلا الفرضين، إلّا إذا شهدت القرينة على أنّه للمالك.

نعم لو وقع الشراء منه بلا نية أنّه للمالك أو لنفسه، تعلق الثمن بذمته ظاهرا و واقعا و كان الربح له، لما عرفت من أنّ الشراء للنفس لا يحتاج إلى النية و التصريح و إنّما المحتاج خلافه.

هذه هي الفروع المختلفة التي ذكرها المحقق و غيره، اكتفينا بتوضيحها على وجه الاختصار.

42

تعدي المضارب عما رسمه المالك:

لو تعدّى المضارب عمّا رسمه المالك من الشرط و التخطيط فهل المعاملة صحيحة أو لا؟ و على فرض الصحة فهل العامل ضامن أو لا؟

قال الشيخ: «و متى تعدّى المضارب ما رسمه صاحب المال، مثل أن يكون أمره أن يصير إلى بلد بعينه فمضى إلى غيره من البلاد، أو أمره أن يشتري متاعا بعينه فاشترى غيره، أو أمره أن يبيع نقدا فباع نسيئة، كان ضامنا للمال: إن خسر كان عليه، و إن ربح كان بينهما على ما وقع الشرط عليه» (1).

و قال ابن حمزة: «و إن عيّن له جهة التصرّف لم يكن له خلافه، فإن خالف و ربح، فإنّ الربح على ما شرط و إن خسر أو تلف غرم» (2).

و قال ابن إدريس: «و إذا لم يأذن في البيع بالنسيئة أو في السفر أو أذن فيه إلى بلد معين، أو شرط أن لا يتّجر إلّا في شي‌ء معيّن، و لا يعامل إلّا إنسانا معيّنا فخالف، لزمه الضمان بدليل إجماع أصحابنا على جميع ذلك» (3) و هو و إن لم يصرّح بصحّة العقد، لكن التصريح بالضمان كناية عنها.

و قال المحقق: «و لو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها، أو أمره بابتياع شي‌ء بعينه، فابتاع غيره ضمن، و لو ربح و الحال هذه كان الربح بينهما بموجب الشرط» (4).

إلى غير ذلك من كلمات فقهائنا.

____________

(1)- النهاية: 428.

(2)- الوسيلة: 264.

(3)- السرائر: 2/ 407.

(4)- الجواهر: 26/ 353 (قسم المتن).

43

و قال ابن رشد: و إذا دفع إليه المال على أن لا يشتري به إلّا بالدين، فاشترى بالنّقد، أو على أن لا يشتري إلّا سلعة كذا و كذا و السلعة غير موجودة، فاشترى غير ما أمر به، فحكي عن ابن القاسم أنّه فصّل فقال: إن كان الفساد من جهة العقد، ردّ إلى قراض المثل، و إن كان من جهة زيادة ازدادها أحدهما على الآخر، ردّ إلى أجرة المثل، و الأشبه أن يكون الأمر في هذا بالعكس، و الفرق بين الأجرة و قراض المثل أنّ الأجرة تتعلّق بذمة ربّ المال. سواء كان في المال ربح أو لم يكن، و قراض المثل هو على سنة القراض، إن كان فيه ربح كان للعامل منه، و إلّا فلا شي‌ء له (1) و ظاهره هو الصحة. إنّما الكلام في ما يستحق العامل من الأجرة فهل هو قراض المثل أو أجرة المثل؟

و قال ابن قدامة بعد عنوان المسألة: «و إن قلنا: ليس له البيع نساء فالبيع باطل، لأنّه فعل ما لم يؤذن له فيه، فأشبه البيع من الأجنبي إلّا على الرواية التي تقول: يقف بيع الأجنبي على الإجازة فها هنا مثله، و يحتمل قول الخرقي صحّة البيع، فإنّه إنّما ذكر الضمان و لم يذكر فساد البيع و على كل حال يلزم العامل الضمان، لأنّ ذهاب الثمن حصل بتفريطه، فإن قلنا بفساد البيع ضمن المبيع بقيمته إذا تعذّر استرجاعه، إمّا لتلف المبيع أو امتناع المشتري من ردّه إليه. و إن قلنا بصحته أحتمل أن يضمنه بقيمته أيضا» (2). و يظهر منه أنّ صحة البيع غير متفق عليه.

إذا وقفت على الأقوال، فاعلم أنّه تضافرت الروايات على أنّه إذا خالف المضارب ما رسمه المالك من الشروط، تكون المعاملة صحيحة و الضمان على العامل و الربح بينهما، و لكن يقع الكلام في الجمع بين هذه الأحكام الثلاثة و ذلك:

____________

(1)- بداية المجتهد: 2/ 243.

(2)- المغني لابن قدامة: 5/ 151.

44

أوّلا: إذا كان البيع على خلاف ما رسمه يكون فضوليا لا صحيحا بالفعل، إذا المفروض أنّه اشترى بعنوان المضارب للمالك، و لم يشتر أو لم يبع لنفسه شيئا، فيتوقف صحّته على الإذن الجديد و لا يكفي الإذن السابق المحدود، و ظاهر الروايات هو الصحة بنفس الإذن السابق.

و ثانيا: لو افترضنا صحّته: فإنّما تصحّ بعنوان المضاربة و عندئذ يتوجه السؤال، و هو أنّه: كيف يكون الربح بينهما و لكن الضمان على العامل، مع أنّ الصحة إذا كانت بعنوان المضاربة يترتّب عليها آثارها و هو كون الخسران على ربّ المال.

فتلزم دراسة الروايات و نقول: إنّها على طوائف:

الأولى: ما يدلّ على أنّ المخالفة توجب الضمان من غير دلالة على صحّة المعاملة فضلا عن الاشتراك في الربح، منها: صحيح رفاعة بن موسى عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في مضارب يقول لصاحبه: إنّ أنت أدنته أو أكلته فأنت له ضامن؟

قال: «فهو له ضامن إذا خالف شرطه» (1) و مثله ما رواه أحمد بن عيسى في نوادره (2).

الثانية: ما يدل على الصحة في أمثال ما يرجع إلى السفر أو خصوصياته التي لا تعد قيودا للمضاربة و لا ينتفي الإذن بانتفائها بل يكون الغاية منها، هو التضمين مع المخالفة، كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: سألته عن الرجل يعطي المال مضاربة، و ينهى أن يخرج به فخرج؟ قال: «يضمن المال و الرّبح بينهما» (3) و بهذا المضمون روايات أخرى (4) و لأجل ذلك لا يصحّ انتزاع قاعدة كلّية شاملة لسائر موارد المخالفة حتى فيما إذا كان النهي متعلقا بنفس‌

____________

(1)- الوسائل: 13 الباب 1، من أحكام المضاربة، الحديث 8 و 12.

(2)- الوسائل: 13 الباب 1، من أحكام المضاربة، الحديث 8 و 12.

(3)- المصدر نفسه: الحديث 1- 2- 6- 10- 11.

(4)- المصدر نفسه: الحديث 1- 2- 6- 10- 11.

45

المعاملة أو ببعض قيودها، و هذا بخلاف النهي عن السفر مطلقا أو إلى جهة خاصة فإنّه متعلّق بشي‌ء خارج عن ماهية المعاملة و قيودها و هذا النوع من النهي أشبه بما إذا نهى عن البيع بلا بسملة و تحميد، أو بلا لبس ثوب خاصّ فالنهي في الجميع يتعلّق بأمر خارجي من دون تحديد الإذن بوظائف.

الثالثة: ما يدل على كلا الحكمين: الربح بينهما و الضمان للعامل لكن لا إطلاق فيه بالنسبة إلى الأوّل و إن كان فيه إطلاق بالنسبة إلى الثاني، و ذلك في روايات منها:

صحيح أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرجل يعمل بالمال مضاربة؟ قال: «له الربح و ليس عليه من الوضعية شي‌ء إلّا أن يخالف عن شي‌ء، ممّا أمر صاحب المال» (1) فإنّ القدر المتيقّن أنّ الاستثناء يرجع إلى كون الوضيعة عليه و أنّ المخالفة بأيّ وجه كان يوجب الضمان و ليس له إطلاق في جانب الريح، و أنّ المخالفة بأيّ وجه كان يوجب الشركة في الربح و يستلزم الصحة و بهذا المضمون روايات (2).

الرابعة: ما يدل على الضمان و الاشتراك في الربح مع المخالفة من غير فرق بين مورد دون مورد و هو لا يزيد على اثنين:

1- صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في الرجل يعطي الرجل مالا مضاربة، فيخالف ما شرط عليه؟ قال: «هو ضامن و الربح بينهما» (3).

2- صحيح جميل عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في رجل دفع إلى رجل مالا يشتري به ضربا من المتاع مضاربة فاشترى به غير الذي أمره؟ قال: «هو ضامن و الربح بينهما على ما شرط» (4).

____________

(1)- الوسائل: 13 الباب 1، من أحكام المضاربة، الحديث 3- 4- 7.

(2)- الوسائل: 13 الباب 1، من أحكام المضاربة، الحديث 3- 4- 7.

(3)- المصدر نفسه: الحديث 5 و 9.

(4)- المصدر نفسه: الحديث 5 و 9.

46

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الشروط المأخوذة في المضاربة على قسمين:

قسم يكون قيدا للمضاربة، و يخصّصها بموردها كما إذا قال: اشتر به متاعا و لا تشتر الأكفان، فإنّه يخصّ مورد المضاربة بغير الأكفان و يكون الاشتراء بما لها فضوليا قطعا.

و قسم يذكر لأجل حفظ رأس المال عن التلف و الضياع من دون أن يعدّ قيدا لها و من دون أن يخصّها بغير مورده و ذلك كالنهي عن السفر مطلقا، أو السفر إلى صوب خاص، فإنّ روح هذه القيود تضمينية لغاية صيانة رأس المال عن التلف فلو خالف، فأقصى ما يترتب عليه هو الضمان، لا كون العقد فضوليا لأنّ الغاية هو الضمان، لا عدم الرضاء بالمعاملة.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الروايات بأصنافها.

أمّا الطائفة الأولى فليس فيها ما يخالف القواعد لأنّها واردة في خصوص الضمان لو خالف.

أمّا الطائفة الثانية فقد عرفت أنّ الشرط فيها ليس قيدا للمضاربة حتى يخصّها بغير مورده و إنّما هو تحديد لغاية الضمان لو خالف، لا عدم الرضاء بالعقد لو خالف، فيكون الضمان و صحة المعاملة و اشتراك الربح على القاعدة.

و أمّا الطائفة الثالثة فالإطلاق في جانب الضمان دون صحّة العقد و اشتراك الربح، فيصحّ حملها على الطائفة الثانية.

بقيت الطائفة الرابعة التي يعدّ القيد فيها قيدا للمضاربة و يخصّها بغير مورده، فنقول: هناك وجوه من الحلول.

1- إنّ الصحة على خلاف القاعدة فيقتصر على موردها و هو:

الف- المخالفة في جهة السفر.

ب- المخالفة في ابتياع شي‌ء معيّن فخالف و اشترى غيره- كما يظهر من‌

47

المحقق في الشرائع حيث لم يذكر إلّا هذين الموردين.

يلاحظ عليه: أنّ الصحة في المورد الأوّل، ليس على خلافها، لما عرفت. نعم المخالفة في المورد الثاني كذلك.

2- ما ذكره صاحب الجواهر من تنزيل هذه النصوص على إرادة بقاء الإذن في المضاربة و إرادة الضمان من الاشتراط كما يؤمي إليه خبر رفاعة عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- «في مضارب يقول لصاحبه: إن أنت أدنته أو أكلته فأنت له ضامن قال:

هو ضامن إذا خالف شرطه» (1).

انفساخ العقد بموت المالك أو العامل:

المشهور أنّ عقد المضاربة يبطل بموت المالك أو العامل، و إليك بعض الكلمات:

1- قال الشيخ: «و متى مات أحد الشريكين بطلت الشركة» (2).

2- و قال المحقق: «فبموت كل منهما تبطل المضاربة لأنّها في المعنى وكالة» (3).

3- و قال يحيى بن سعيد: «و موت كل منهما يبطلها» (4).

4- و قال العلّامة: «و ينفسخ بموت أحدهما و جنونه» (5).

____________

(1)- الجواهر: 26/ 355. و من المعلوم أنّ حديث رفاعة صحيح سندا.

(2)- النهاية: 427.

(3)- الجواهر: 26/ 355.

(4)- الجامع للشرائع: 316.

(5)- القواعد، انظر مفتاح الكرامة: 7/ 502 (قسم المتن).

48

5- و قال في التذكرة: «يعتبر في العامل و المالك ما يعتبر في الوكيل و الموكل لا نعلم فيه خلافا» (1).

6- و قال في الإرشاد: «و يبطل بالموت منهما و الخروج عن أهليّة التصرف» (2).

7- و نقله العاملي: عن التذكرة و جامع المقاصد و المسالك و مجمع الفائدة و البرهان و أنّهم زادوا الإغماء و الحجر عليه لسفه، و زيد في التذكرة و جامع المقاصد:

الحجر على المالك للفلس، لأنّ الحجر على العامل للفلس لا يخرجه عن أهلية التصرف في مال غيره بالنيابة، لأنّ المالك يخرج بعروض هذه، له، عن أهلية الاستنابة، و العامل عن أهليه النيابة لأنّها وكالة في المعنى (3).

8- قال المحقق الأردبيلي في وجه البطلان: قد علم أنّه توكيل فيبطل بموت كل منهما كالوكالة، و لأنّ بالموت يخرج المال عن ملك المالك و يصير للورثة فلا يجوز التصرف بالإذن الذي كان من المورث (4).

9- و قال ابن قدامة: «و إذا مات ربّ المال قدّمنا حصة العامل على غرمائه، و لم يأخذوا شيئا من نصيبه لأنّه يملك الربح بالظهور، فكان شريكا فيه، و ليس لرب المال شي‌ء من نصيبه فهو كالشريك بماله- إلى أن قال:- و إن مات المضارب و لم يعرف مال المضاربة بعينه صار دينا في ذمته (5).

فهذا النص يكشف عن أنّ المضاربة تبطل عندهم بالموت فعليه بنى ما ذكر من الفرع.

____________

(1)- التذكرة: 2/ 231.

(2)- مجمع الفائدة و البرهان: 10/ 245.

(3)- مفتاح الكرامة: 7/ 502.

(4)- مجمع الفائدة و البرهان: 10/ 245.

(5)- المغني: 5/ 177.

49

دليل بطلان المضاربة بالموت:

أمّا بطلانه بموت العامل فلأنّه كان هو المجاز، و طرف العقد، و ليس هو من الحقوق حتى يرثه وارثه، و بعبارة أخرى هو كالوكيل، فإذا مات بطلت الوكالة، و ليست أمرا وراثيا لأولاد الوكيل.

و أمّا إذا مات ربّ المال، فلأجل أنّه ينتقل إلى الورثة، فيكون أمر المال بيدهم بعد الانتقال، و لعلّ هو معنى البطلان، لا بمعنى عدم قابلية المضاربة للإبقاء كما سيوافيك.

توضيح ذلك: أنّ العقود على قسمين: إيجادي و إذني، ففي الأول يكفي الإنشاء و إيجاد الأمر الاعتباري عن اختيار، و إن ارتفع الإذن و الرضا بعد الإنشاء، فالإذن آنا ما مقرونا بالإنشاء كاف في إباحة المثمن و الثمن للمشتري و البائع، و مثله النكاح و الإجارة، و لأجل ذلك قلنا في محله: إنّ الإجارة لا تبطل بموت الموجر، لأنّها من العقود الإيجادية التي يكفي فيها الإذن آنا ما، لإنشاء تمليك المنفعة في مدّة معينة.

و أمّا الثاني فهو يتقوم بالإذن في التصرف و يدور مدار وجوده، فما دام الإذن باقيا في خلد العاقد، فالحكم باق و إذا ارتفع يرتفع بارتفاعه، و هذا كالعارية، و الأمانة و الوكالة، و الهبة إلى غير ذوي الرحم فإنّ المقوّم لجواز التصرف هو الإذن الباطني، و لا يحتاج إلى الإنشاء اللفظي بل يكفي إعلان الرضا بأيّ وسيلة أمكنت.

فالمضاربة من العقود الإذنية فمقوّمها الإذن، فإذا مات أو جنّ يرتفع الإذن عن خلده، و بارتفاعه يرتفع الحكم من غير فرق بين موت العامل أو المالك و إن كان الحكم في الثاني أوضح، لأنّ إذنه في التصرف مؤثر في جواز تصرف العامل في المال.

50

نعم هذا إذا لم يكن هناك إنشاء محدّد أو مشروط بعدم الفسخ، فتصير المضاربة لازمة بالعرض فلا تنفسخ بموت المالك كما مر.

هل يمكن إبقاء المضاربة؟

انفساخ المضاربة بموت أحد المتعاقدين في المضاربة إنّما يتمشّى في المضاربة بين شخصين و أمّا إذا كان المضارب قانونا هو الشركات الكبيرة ذات السهام الكثيرة، فإنّ القول بانفساخ المضاربة بموت بعض أصحاب السهام يشلّ أمر التجارة و ربّما تتعلق رغبة الوارث ببقاء الشركة، و الإعاشة من منافعها، و ربّما يكون هناك التزام في بدء الأمر بعدم سحب الشركاء سهامهم في سنين محددة عن الشركة، لئلّا يختلّ أمر التجارة، و لأجل ذلك يلزم على الفقيه، بذل الجهد لتصحيح بقاء المضاربة إذا رضي الوارث فنقول:

إنّ الإبقاء يتصوّر على وجهين: تارة يكون بعقد جديد مع العامل، و إن كان في تسميته إبقاء نوع مجاز.

و أخرى إبقاءها بالمعنى الحقيقي، أي استمرارية العمل و الاتفاق على النحو الذي عقد في بدء الأمر.

أمّا الأوّل فلا إشكال في صحته، فيصح إذا كان رأس المال ناضّا لا دينا و لا منفعة، و لا متاعا على ما سيجي‌ء من أنّه يشترط أن يكون رأس المال غير دين و لا متاع، نعم لو قلنا بصحة المضاربة بالمتاع فيكون العقد الجديد صحيحا، و إن لم يكن المال ناضّا، و سيوافيك الكلام في لزوم هذا الشرط.

و أمّا الثاني: فيراد منه استمرارية العقد بلا حاجة إلى عقد جديد و إنشاء كذلك.

51

قال المحقق: «و لو مات ربّ المال، و بالمال متاع فأقرّه الوارث، لم يصحّ لأنّ الأوّل بطل بالموت» و الظاهر من المحقق هو إرادة القسم الثاني لا الإنشاء الجديد، و مراده من البطلان، ارتفاعه اعتبارا فلا يقبل الإبقاء فليس له أيّة صحة لا فعلية و لا تأهّلية.

و على ذلك فلو خالفنا قول المحقّق و قلنا بالصحة على النحو الثاني أيضا، تظهر الثمرة فيما إذا كان المال غير ناض، فلا يصح بالإنشاء الجديد، بخلاف ما لو قلنا بالصحة بالوجه الثاني، فإنّه لمّا كان مفاده استمرارا للعقد المتحقق صحيحا سابقا، فلا يشترط فيه كونه ناضّا أو عينا، و ذلك لما سيوافيك أنّ دليل الاشتراط منصرف إلى العقد الجديد، و الاتفاق الابتدائي لا في إعطاء الاستمرارية للعقد المتحقق سابقا، غير أنّ كثيرا من محشّي العروة لما لم يفرّقوا بين القسمين من حيث النتيجة علّقوا على عبارة العروة، أعني: «و هل يجوز لوراث المال إجازة العقد بعد موته؟» ما هذا لفظهم:

لمّا كان عقد المضاربة من العقود الإذنية الصالحة لأن تنعقد بأيّ لفظ يدل عليها، جاز أن ينشأ بذلك و يكون إنشاء لعقد المضاربة من الوارث، لا إنفاذا لعقد المورث، و قال معلّق آخر: يمكن أن يقال: لمّا كان عقد المضاربة من العقود الإذنية الصالحة لأنّ يعقد بأيّ لفظ يدل عليها، جاز إنشاؤها بذلك و يكون إنشاء العقد مضاربة مستأنفة من الوارث، لا إبقاء لعقد المورث (1) و حاصل كلامهما أنّ ظاهر اللفظ و إن كان إبقاء المضاربة بشكل تنفيذ ما سبق فيما يأتي و لكن يحمل على إنشاء العقد مضاربة مستأنفة، لأنّها يكفي فيها كل لفظ يدل عليها.

أقول: لو كان الإشكال عدم إيفاء اللفظ للإنشاء الجديد، كفى ما ذكروه في دفعه.

و لكن الإشكال في موضع آخر و هو أنّه يشترط في الإنشاء المستأنف كل‌

____________

(1)- التعليق الأول للسيد جمال الدين الگلپايگاني، و الثاني للسيد الاصطهباناتي- (قدّس سرّهما) -.

52

ما ذكره من الشروط في رأس المال و هذا بخلاف الإبقاء، فلا يشترط فيه ما ذكر لانصراف الأدلة و كون القدر المتيقّن منها هو العقد الابتدائي. فإرجاع القسم الثاني إلى القسم الأوّل و إن كان يضفي على العقد وصف الصحة، و لكن لا يفي بمقصود القائل بالصحة و هو إثباتها و إن كانت بعض الشرائط غير موجودة، إذ على الإرجاع يشترط كون المال ناضّا أو لا أقلّ عينا. مع أنّه يمكن التصحيح مطلقا و إن كان دينا.

الاستدلال على عدم صحة الإبقاء:

ثم إنّ صاحب الجواهر استدلّ على عدم الصحة بالنحو التّالي: «و ليس هو- أي عقد المورث- فضوليا بالنسبة إلى الوارث الذي لم يكن له علقة بالمال حال العقد بوجه من الوجوه».

و توضيح ما قال: أنّ العقد الفضولي إنّما يصح بالإجازة إذا كان المجيز مالكا للمعقود عليه أو ذا حقّ فيه و ليس الوارث بالنسبة إلى رأس المال في حياة المورّث كذلك، فليس بمالك و لا ذي حق.

ثم إنّه خاض في النقض و الإبرام ما هذا توضيحه.

فان قلت: إذا آجر البطن الأوّل العين الموقوفة مدّة زادت على حياتهم، فإنّ الإجارة تصح بإجازة البطن الثاني فما الفرق بينه و بين المقام؟

قلت: الفرق واضح بين المقامين، لتعلّق حقّ البطن اللاحق بالعين من جانب الواقف يوم الوقف، و لأجل ذلك تكون الإجارة على المدّة الزائدة في نفس الأمر لهم. و إن لم يعلم بها حال العقد بخلاف المقام الذي هو ابتداء ملك للوارث بالموت، و حينئذ فالمدار في الفضولية كون المعقود عليه حال العقد للغير، و لكن الفضوليّ أجرى العقد عليه، بخلاف المقام الذي هو للمالك و لكن بالموت ينتقل عنه إلى وارثه، فليس هو في عقده على ماله فضوليّا عن الغير الذي لا مدخلية له‌