هيويات فقهية

- الشيخ محمد السند المزيد...
279 /
7

اطلالة موجزة على الكتاب

«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ وَ الْحَجِّ ....»

الحمد للّٰه الذي لا يبلغ مدحته القائلون و لا يحصي نعماءه العادون و لا يؤدي حقه المجتهدون، و الصلاة و السلام على نبينا محمد و آل بيته الطيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم من الآن إلى قيام يوم الدين.

و بعد:

فهذا الكتاب حصيلة ما ألقاه الشيخ الأستاذ- حفظه اللّٰه- من دروس و أبحاث في يومي الخميس و الجمعة من العام المنصرم، وفقت لتحريرها و استيعابها و تنظيمها و اخراجها بهذه الهيئة الماثلة.

و قد حاولت ضبط و استيعاب كل ما جاء فيها من نكات علمية و مداقات صناعية و أجوبة حلية و نقضية إلّا ما شذ و ندر من أمور لا تؤثر في هيكلية البحث و متناته العلمية.

و هو يحتوي على أربع رسائل:

الرسالة الأولى: في مسألة اشتراط وحدة الأفق في ثبوت الهلال

كما هو رأي المشهور، أو أن الآفاق المختلفة متحدة الحكم في ثبوت الهلال بصرف وجود الرؤية في أحدها كما هو اختيار جماعة قليلة.

و هذه المسألة معنونة في كتب القدماء كالمبسوط، و كذا عند العامة من القرن‌

8

الأول كما يظهر من أقوالهم، إلّا أن أول من حرر الكلام فيها بالالتفات إلى جهتي البحث: الموضوع الهيوي و المحمول الفقهي هو العلامة الحلي (قدس سره) في المنتهى و التذكرة، ثمّ أخذ البحث تتواصل فيه قافلة التحقيق في المسألة عند الطبقات المتأخرة على اختلاف مشاربهم، كصاحب الذخيرة و شارح الدروس و صاحبي الحدائق و الجواهر.

و بعد ذلك جاء المحقق النراقي في مستنده ليسلط الضوء أكثر على الجهة الأولى، فاتضح الشي‌ء الكثير من زوايا البحث، ثمّ جاء دور متأخري العصر فأضفوا الكثير من التحقيقات في جهتي البحث، مع احتدام في تطبيق القواعد التصورية و التصديقية لعلم الهيئة و النجوم و اتساع في استنطاق المتون الروائية، فبسط السيد ابو تراب الخوانساري شارح نجاة العباد الوجوه المختلفة في المقام و اختص بوجه لقول غير المشهور، و ثنى باستنطاق رواية موردها من مصاديق محل النزاع.

و نمق البحث الشيخ الآملي في مصباحه على الضوابط الهيوية ذاهباً إلى قول المشهور، مصرا على ضرورة الاحاطة بالعلوم الطبيعية و الرياضية للباحث في المسألة، و اختص ببعض النقوض على قول المشهور و بعض الوجوه للنسبية في مبدأ الشهر بلحاظ النقاط الأرضية المختلفة.

و فصل الحديث حول شخصية الظاهرة الكونية للقمر للسيد الخوئي (قدس سره) في رسالة وضعها في المسألة ألحقها بكتاب الصوم في منهاج الصالحين.

و لم يفت الميرزا ابي الحسن الشعراني الادلاء بتدقيقه في المقام فاختص ببعض النقوض على قول غير المشهور و بعض الوجوه في رسالته الموجزة المستدركة على الفصل الثالث لتشريح الأفلاك، و فيما علقه على كتاب الصوم من الوافي، و اقتفاه في ذلك على نحو الايجاز تلميذه الشيخ حسن حسن زاده الآملي في كتابه‌

9

دروس في معرفة الوقت الدرس (75).

و فصل البحث السيد محمد حسين الطهراني في رسالة وضعها في المسألة مختصاً بتحرير مبسوط للجهة الأولى و ببعض النقوض على قول غير المشهور و بعض الوجوه للمشهور.

و حبك شيخنا الأستاذ النكات الفريدة الكثيرة في الجهة الأولى التي هي الركاز و العماد للبحث في الجهة الثانية، كما حقق حقيقة أنظار القائلين بوحدة الحكم في الآفاق و أنها تؤول إلى أربع تقريبات و أقوال.

كما اختص ببعض النقوض على القول الثاني، مع تقييم و ترصيف لبعض النقوض السابقة، و استجد الاستدلال بعدة من الوجوه و الطوائف الروائية في الجهة الثانية ناهزت الأربع ببيان ملازمة و ملاءمة مؤداها- المتفق عليه المعمول به- لقول المشهور، و ناقش أدلة القول الثاني النقلية برصد فقهي بارع، مذيلا البحث بخمس تنبيهات هامة مرتبطة به.

أولها: في ضابطة اتحاد الافق إذ هو موضع تشويش في الكلمات، و هو كالثمرة العملية الالية التطبيقية للخلاف المتقدم.

و ثانيها: في مرجوحية الاحتياط بالسفر في يوم الشك في آخر شهر رمضان.

و ثالثها: في حصر الطرق بالرؤية و عدم الاعتداد بالطرق الأخرى من التطويق و الانتفاخ و الرؤية قبل الزوال و طول المكث و غيرها من العلامات غير المعتبرة.

و رابعها: في عدم الاعتبار بالرؤية بالعين المسلحة و الآلات الحديثة.

و خامسها: في توجيه آخر لروايات العدد القائلة أن شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوماً منذ خلق اللّٰه السموات و الأرض.

الرسالة الثانية: في ثبوت الهلال بحكم الحاكم

و هذه المسألة بجانب أنها تمت بالصلة إلى سابقتها فإنها محل ابتلاء و أخذ‌

10

و عطاء على صعيد واسع، سيما و أن كثيرا من الشياع في بعض الأقطار يستند إلى ثبوته بحكم الحاكم المستند إلى رؤية عدد محدد من البينات، لا إلى الشياع في الرؤية.

حتى أن بعض الفقهاء الماضين «(قدس اللّٰه أسرارهم)» ممن لا يرى ثبوته به كأمثال الشيخ عبد الكريم الحائري و السيد الخوئي يتصدى مع ذلك لاستماع البينات على الرؤية و للاعلان عن ثبوته لديه، و ان لم يكن يرى الحجية لانشاء ثبوته أو الاخبار عن ثبوته لديه، لكنه يبتغي من وراء ذلك حصول القطع عند الآخرين أو الحجية عند من يرى نفوذه.

و رسالتنا هذه اختصت بتحرير و فرز البحث في المسألة إلى جهتين لربما كانتا مدمجتين في دوامة النقض و الابرام، و هما كالمقدمتين للنتيجة صغرى و كبرى.

الأولى: في كون ثبوته حكماً و شأناً قضائياً أو تابعاً له أو أنه افتائي بناءً على تأتي الفتوى في الموضوعات الجزئية أو أنه ولوي، و على الأخير هل هو وظيفي على مقتضى القاعدة للمنصب و المقام أو استثنائي.

و الثانية: في صلاحية الفقيه للنيابة عن امام الأصل (عليه السلام)، و هذه المقدمة انما تحصل الحاجة إلى البحث عنها في المقام بناءً على التقدير الأخير دون الأولين إذ النيابة فيهما محررة في باب آخر.

و ثمّة يظهر أن النافين لثبوته به ليسوا على مستند واحد إذ بعضهم يمنع المقدمة الأولى و الآخر الثانية و ثالث كلتيهما.

و سيوافيك البحث بالادلة المستجدة على كونه حكماً تابعا للقضاء و على كونه ولوياً وظيفياً أيضا.

و لذلك استطرد البحث إلى المقدمة الثانية، و قد تضمن ترصيف الاستفادة من الأدلة في حكم الحاكم و في الولاية و نكات باكرة.

11

الرسالة الثالثة: الفجر في الليالي المقمرة

فهل يتأخر فيها عن الليالي الأخرى و المظلمة، قد أبداه احتياطاً صاحب الجواهر (قدس سره) و جزم به المحقق الهمداني (قدس سره) ناسبا إياه إلى تسالم الأصحاب، و اختاره السيد الامام الخميني (قدس سره) مستجداً في الاستدلال عليه: على أن حقيقة الفجر ليست شيئاً وراء التبين المعترض في الافق، و قد اتخذ البحث مساره في الموضوع كوجود خارجي تكويني أولا، و الأدلة النقلية في المقام ثانيا.

هذا مع التنبيه على أن البحث ليس مختصاً بليالي البيض أو مع ما بعدها بل يشمل بداية العشر الوسطى حتى نهايات العشر الأخيرة، إذ هو يتأثر في الظهور تدريجا نسبيا بحسب كمية الضوء القمري في الليالي المزبورة.

و على أن البحث ليس مقتصراً على البلدان المتعادلة في الليل و النهار بل يشمل المتفاوتة فيهما الموجب لاختلاف مقدار ما بين الطلوعين.

الرسالة الرابعة: مبدأ الغروب

و قد كان مثاراً للجدل منذ عهد أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، إلّا أنه من الشاهر الظاهر المتسالم عليه أن التأخير إلى ذهاب الحمرة هي من شعائر الشيعة أعم من كونه بنحو اللزوم أو الرجحان، و في ظل ذلك الجو أحدث ابو الخطاب بدعته بتأخيرها إلى تشابك النجوم، لسوء فهمه و اعوجاج طريقته.

فأوجب صدور الروايات بلفظ سقوط القرص ذي الدرجات التشكيكية بعد صدور العديد منها بلفظ زوال الحمرة دفعا لتشهير العامة و بدعة ابي الخطاب على الخاصة، و ردعا عن انتشار بدعته في الأوساط مع كونه تحوير (تكميم) لواقع الغروب الشرعي الذي هو زوال الحمرة.

و هذه الظاهرة هي التي حاولت رسالتنا تركيز الضوء عليها في الجهة النقلية من البحث و التدليل بعدة من الوجوه المستجدة، مع التنبيه على استحكام التعارض بين‌

12

لساني الطائفتين لو لا النكتة الآنفة.

و أما الجهة العقلية للبحث و الموضوع الخارجي فسيوافيك العرض الآتي فيها على انطباق الغروب على سقوط القرص عن الأفق الحقيقي و كون ذلك مذهب الهيويين و الرياضيين و المنجمين حديثا و قديما، مع بيان سلسلة من النقوض الواردة على اتخاذه بسقوط القرص عن الأفق الحسي سواء المرئي أو الترسي، كما تم ابراز مجمعة من نكات البحث بالرسم التوضيحي.

و خلاصة يمتاز البحث في سائر هذه الرسائل الأربع- علاوة على ما قدمناه- بإمعان النظر و التركيز على أدلة الأقوال الأخرى و التدبر و المداقة في مفاد رواياتها للوصول إلى مؤداها الأصلي، و ذلك عبر التحليل العلمي الوافر للمقدمات العقلية في البحث و معايشة الجو الفقهي لأسئلة الرواة و الذي ينصب الجواب في مداره.

و الحمد للّٰه رب العالمين‌

أحمد الماحوزي‌

14 ذي الحجة لعام 1414‌

13

الرسالة الأولىٰ اشتراط وحدة الأفق في ثبوت الهلال [و عدمه]

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

اشتراط وحدة الأفق في ثبوت الهلال

الفرض الفقهي

البحث في هذه المسألة يدور حول إمكان ثبوت الهلال لبلد ما بعد ثبوته لبلد آخر، فاذا رؤي الهلال في النجف مثلا فهل يحكم بثبوته في البلدان الأخرى مطلقاً- سواء كانت قريبة أم بعيدة- أم لا؟

و بتعبير آخر: هل يشترط اتحاد و وحدة الأفق- أي أن يكون هذا البلد متحداً في الأفق مع البلد الذي رؤي فيه الهلال- في ثبوت الهلال أو لا يشترط ذلك؟ فمتى ما رؤي الهلال في مكان ما ثبت لجميع البلدان المشتركة معه في الليل حتى و إن كانت مختلفة الآفاق.

فالكلام يقع في اشتراط اتحاد الأفق و عدمه.

الأقوال في المقام

الأول: اشتراط اتحاد الافق بين بلد الرؤية مع البلد الآخر- بلد المكلف- الذي لم يرى فيه الهلال، كي يثبت مبدأ الشهر له.

و هو الذي ذهب إليه الشيخ الطوسي في المبسوط حيث قال: و يجب العمل بالرؤية لأن ذلك يختلف بحسب اختلاف المطالع و العروض و متى لم ير الهلال في البلد و رؤي خارج البلد على ما بيناه وجب العمل به إذا كانت البلدان التي رئي فيها الهلال متقاربة، بحيث لو كانت السماء مضحية و الموانع مرتفعة لرئي في ذلك البلد أيضا لاتفاق عروضها و تقاربها مثل بغداد و واسط و الكوفة و تكريت‌

16

و الموصل، فأما إذا بعدت البلاد مثل بغداد و خراسان، و بغداد و مصر فإن لكل بلد حكم نفسه، و لا يجب على أهل بلد العمل بما رآه أهل البلد الآخر (1).

و هو مختار المحقق الحلي في الشرائع إذ قال: و إذا رؤي في البلاد المتقاربة كالكوفة و بغداد وجب الصوم على ساكنيها أجمع، دون المتباعدة كالعراق و خراسان، بل يلزم حيث رؤي.

و به صرح العلامة في تذكرة الفقهاء بعد نقله كلام الشيخ الطوسي، و به أفتى صاحب العروة و تبعه جماعة من أعلام العصر، و هو المشهور بين الفقهاء.

الثاني: و هو قول غير المشهور، من عدم اشتراط الاتحاد في الأفق، بل إذا رؤي في بلد ما يكفي لاثبات مبدأ الشهر في سائر البلدان، اتحدت معه في الأفق أم اختلفت.

و سيأتي أن هذا القول يؤول إلى أربعة وجوه بل أربعة أقوال لأصحاب مسلك عدم الاشتراط.

و اختار هذا القول جماعة من الأعلام منهم العلامة في المنتهى، و استجود كلامه في المدارك و المحدث البحراني في الحدائق و المحقق النجفي في الجواهر و الفاضل النراقي في المستند و السيد ابو تراب الخونساري في شرح نجاة العباد، و تمايل إليه السيد الحكيم (قدس سره) في المستمسك، و هو مختار السيد الخوئي (قدس سره) و جماعة من أعلام العصر.

أقوال العامّة

و للعامّة في المقام أيضاً قولان:

فقد ذهب أبو حنيفة و بعض الشافعية و القاسم و سالم و اسحاق إلى لزوم وحدة الأفق.

____________

(1) المبسوط ج 1 ص 268.

17

لما روي عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال:

فقدمت الشام فقضيت حاجتها و استهل علي رمضان و أنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثمّ قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد اللّٰه بن عباس رضي اللّٰه عنهما ثمّ ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيته فقلت: نعم، و رآه الناس و صاموا و صام معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت: أ و لا تكتفي برؤية معاوية و صيامه؟

فقال: لا هكذا أمرنا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) (1).

و روي عن عكرمة أيضا أن لكل بلد رؤيتهم.

و قال بعض الشافعية حكم البلد كلها واحد متى روي الهلال في بلد و حكم بأنه أول الشهر كان ذلك الحكم ماضيا في أقطار الأرض سواء تباعدت البلاد أو تقاربت اختلفت مطالعها او لا، و به قال احمد بن حنبل و الليث.

قال النووي في شرح صحيح مسلم: أن الرؤية لا تعم الناس بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، و قيل ان اتفق المطلع لزمهم و قيل ان اتفق الاقليم و إلّا فلا، و قال بعض أصحابنا تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض، فعلى هذا نقول إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لأنه شهادة فلا تثبت بواحد، لكن ظاهر حديثه أنه لم يرده لهذا و انما رده لأن الرؤية لم يثبت حكمها في حق البعيد.

محط النزاع

و لا يخفى أن محل الخلاف في المقام ليس في البلاد الغريبة من بلد الرؤية كما أشار إليه في الدروس، إذ ثبوت الهلال لها محل وفاق، فاذا رؤي الهلال في الصين مثلا ثبت في ايران بلا ريب، و كذا يثبت لجميع البلدان التي تتأخر غروبها عن‌

____________

(1) صحيح مسلم ج 7 ص 197، و سنن النسائي.

18

الصين بلا خلاف بينهم في ذلك، و سيأتي التفسير الفني الهيوي لذلك.

و إنما مورد الخلاف هي البلدان الواقعة في شرق البلد الذي رؤي فيه الهلال، و ان أوهمت عبائر بعض القدماء عموميته للبلدان الواقعة في غرب بلد الرؤية.

فمنطقة النزاع هو الأفق المتقدم عن بلد الرؤية لا المتأخر.

زوايا البحث

و تبحث هذه المسألة في مقامين:

الأول: في الدليل العقلي الهيوي التكويني على كلا القولين، و بعبارة أسد تحرير الموضوع التكويني للمسألة.

الثاني: في الدليل النقلي.

19

المقام الأول: الدليل العقلي

تحرير الموضوع تكوينياً

و نمهد له بنحو موجز بعدة من المقدمات الهيوية التي هي بمثابة مسلمات مشتركة و بديهيات متفق عليها، تؤثر في هيكلية البحث و في تحرير الموضوع تكوينيا، و تساعد أيضا على فهم جهات النظر في الأحاديث و الروايات في المقام.

المقدّمة الأولى: حركة الشمس الظاهرية

قرر في علم الهيئة القديم ان مركز الكون هو الأرض، و كل ما حولها من أجرام و كواكب هي التي تدور حولها بما في ذلك الشمس، فإنها عند غالب علماء الهيئة قديما هي التي تدور حول الأرض في منطقة البروج لا العكس.

اما في علم الهيئة الحديث و كما هو واقعاً أن الأرض هي التي تدور حول الشمس في منطقة البروج، فالحركة الحقيقة هي للارض حول الشمس، و للشمس حركة ظاهرية حول الأرض كما يتراءى ذلك لساكني الأرض، لذا قد نعبّر بحركة الشمس حول الأرض و نقصد بذلك الحركة الظاهرية لها.

و بما أن الشمس جرم نير يبث كميات هائلة و ضخمة من الأشعة و الأنوار، فاذا أشرقت هذه الأنوار و الأشعة على كوكب ما فإن نصفه المقابل للشمس و لهذه الأشعة سوف يكون مضيئاً و النصف الآخر مظلماً.

فان كان هذا الكوكب أصغر حجما من الشمس فحينما تشرق عليه الشمس‌

20

يحدث ظل مخروطي يغشى النصف المظلم تكون قاعدته دائرة مارة بالقطبين كما هو الحال في كرة الأرض في أوائل الربيع و الخريف و هي التي تفصل النور و الظلمة، كما هو موضح في الرسم الآتي.

و حيث أن الأرض تدور حول نفسها خلال 24 ساعة مرة واحدة فهذا يعني أن هذا الظل المخروطي يدور حول الأرض خلال 24 ساعة، فما من بقعة من بقاع الأرض إلّا و تدخل في هذا الظل المخروطي خلال كل يوم مرة واحدة.

و أي بقعة من الأرض أثناء حركتها حول نفسها تخرج من النصف المضي‌ء و تدخل في هذا المثلث المخروطي تكون بداية الليل لها، و حينما تتوسط هذه البقعة في المخروط المثلثي يكون الوقت فيها نصف الليل، و حينما تصل هذه البقعة إلى منتهى دائرة قاعدة المخروط الفاصلة بين الظلمة و النور من طرف المشرق يكون الوقت هو بداية الفجر و إشراق الشمس ليوم جديد.

و متى ما دخل القمر في مدار هذا الظل المخروطي حصل الخسوف، و هو تارة يدخل بأكمله و اخرى بعضه، اما كسوف الشمس فهو دخول الأرض في مدار الظل المخروطي للقمر حينما يتوسط بينها و بين الشمس.

هذا من جهة حركة الأرض الوضعية حول نفسها، و للأرض حركة أخرى حول‌

21

الشمس و تسمى بالحركة «الانتقالية» التي تكون في مدار منطقة البروج.

و هذه الحركة ليست دائرية بالتمام و انما هي أشبه بالحركة البيضاوية حول الشمس، و بسببها تكون الفصول الاربعة، و طول و قصر النهار و الليل.

22

المقدّمة الثانية: بيان اوجه القمر

القمر هو أقرب جرم فضائي للارض، و يبلغ معدل بعده في مداره حول الأرض 384000 كيلومتر، و هو ليس منيراً بذاته و انما يكتسب نوره من الشمس، و يشرق ليلا بفضل انعكاس أشعة الشمس عليه.

و يدور حول نفسه في الشهر مرة واحدة، فنهاره خمسة عشر يوما تقريبا و ليله كذلك، و يدور من المغرب إلى المشرق دورة كاملة، و هذه الدورة يقطعها القمر خلال 27 يوما و 8 ساعات تقريبا، و هذا ما يعبر عنه في علم الهيئة بالشهر النجومي و هي حركة القمر من نقطة معينة فضائية إلى ان يعود لنفس هذه النطقة.

و أما دورته حول الأرض فتستغرق 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة تقريبا، و ذلك بضم مقدار حركة الأرض الانتقالية فيتسع مداره بذلك، فهو يقطع كل درجة من تلك الدورة خلال ساعتين تقريبا (1).

و يتغير شكله أثناء دورته حول الأرض تبعا لانعكاس أشعة الشمس عليه، و يظهر بأشكال مختلفة تسمى أوجه و منازل القمر، و من أهم هذه المنازل:

1- حالة المحاق

و هي الحالة التي يكون القمر فيها متوسطا بين الشمس و الأرض، و يكون وجهه المضي مقابلا للشمس و الوجه المظلم مقابلا للارض، فلا يرى أهل الأرض من القمر شيئاً، و ذلك لعدم انعكاس أشعة الشمس على الوجه المقابل للارض.

2- حالة الهلال

و هي الحالة التي يتحرك القمر فيها عن التوسط و يبدأ بالابتعاد عن الشمس و يخرج من تحت الشعاع، فيرى أهل الأرض الحافة و الجزء المنير منه، الذي عكس ضوء الشمس على الأرض.

____________

(1) لاحظ التفهيم لابي ريحان البيروني صفحة 220، و فرهنك اصطلاحات نجومي طبع دانشكاه تبريز سنة 57 شمسي.

23

3- حالة البدر

و تحصل حينما تتوسط الأرض بين الشمس و القمر، فيكون الوجه المضي‌ء للقمر مقابلا للارض فيرى بأكمله لأهلها.

و بين حالة البدر و المحاق تتعاقب الاهلة و منازل القمر الأخرى، فكلما ابتعد القمر عن الشمس كلما أضاء أكثر فأكثر لمقابلة وجهه المضي‌ء للأرض شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى حالة البدر، ثمّ يبدأ بنقصان انعكاسه على الأرض كلما اقترب إلى الشمس لاستدبار وجهه المضي‌ء شيئا فشيئا إلى أن يختفى و يدخل تحت الشعاع.

و حينما يتوسط بين الشمس و الأرض يكون محاقا، و يستغرق دخوله و خروجه من تحت الشعاع إلى أن يرى هلالًا يومين إلّا قليلًا تقريباً.

24

و يرى عند الغروب قريباً للشمس، فهو و الشمس بمثابة مركبتين متصلتين متجاورتي الموضع، و كأن الشمس تجر الهلال من الشرق إلى الغرب بحسب الحركة الظاهرية للشمس، و هو في انجراره هذا بين فترة و اخرى يبتعد عن الشمس بمقدار درجة درجة من الغرب إلى الشرق.

لذا قد يكون في غروب الصين لم يبتعد عن الشمس و لم يخرج من تحت الشعاع، لكن حينما تتحرك الشمس ظاهراً إلى أن يحصل غروب الجزيرة العربية يكون قد ابتعد عن الشمس مقداراً كافياً ليصل انعكاس نوره إلى الأرض، فيرى في الجزيرة العربية و لا يرى في الصين، إذ الفاصلة الزمانية بين غروب الصين و الجزيرة العربية خمس ساعات تقريبا، و في خلال هذه المدة يكون القمر قد زاد في ابتعاده عن الشمس درجتين و نصف تقريبا (1).

____________

(1) فاذا كان القمر في غروب الصين قد ابتعد عن الشمس ثمان درجات، ففي غروب الجزيرة العربية سوف يكون مقدار ابتعاده عنها عشر درجات و نصف تقريبا، و بما أن القمر أول ما يرى يكون مقدار ابتعاده عن الشمس عشر درجات- كما أفاده الخواجة نصير الدين الطوسي- ففي غروب الجزيرة سوف يرى بشكل واضح.

25

المقدّمة الثالثة: بيان خطوط الطول و العرض

بما أن الأرض كروية، و تدور حول نفسها خلال كل يوم مرة واحدة، و في ذات الوقت تدور حول الشمس خلال كل سنة مرة أيضا، فهي منصّفة إلى نصفين، نصف مضي‌ء و آخر مظلم، و المضي‌ء هو الذي يكون مقابلًا للشمس بينما المظلم يكون مستدبراً لها.

و بحركة الأرض حول نفسها- و التي تسمى بالحركة الوضعية- يتشكّل الليل و النهار، ففي كل دقيقة هناك زوال و غروب على وجه الأرض بأكملها.

فحينما يكون الوقت في مدينة لندن مثلا هو الزوال يكون الوقت في المدن التي تقع شرقها ما بعد الزوال، و كلما ابتعد الشخص عنها من ناحية الشرق كلما يبتعد الوقت عن الزوال باتجاه الغروب إلى أن يصل إلى بلد هو بداية الليل أو نصفه.

بينما المدن التي تقع غرب لندن لم يحن الزوال فيها بعد، و كلما ابتعدنا عنها من ناحية الغرب كلما ابتعد الوقت عن الزوال باتجاه الشروق إلى أن نصل إلى منطقة لم تشرق عليها الشمس بعد، و ملاحظة الشكل رقم (6) كفيل ببيان ذلك جلياً.

بداية حساب اليوم العالمي «الدولي»

فاذا كان الامر هكذا فيورد سؤال في المقام و هو: كيف يمكن حساب بداية اليوم، و نقول مضى يوم مثلا أو يمان على أهل الأرض؟

و الجواب: ان علماء الهيئة فرضوا نقطة وهمية تكون هي مبدأ الايام و الساعات، فاذا وصلت إليه الشمس يحسب بداية يوم جديد، و قبل أن تصل إليه يكون دوران الشمس- الظاهري- من الدورة القديمة، و بفرض هذه النقطة الوهمية يمكن ضبط حساب الايام و الساعات.

من هنا كان لخطوط الطول و العرض أهمية قصوى لحساب الساعات و الايام.

و المقصود من خطوط الطول هي تلك الخطوط الوهمية المحيطة بطول الكرمة‌

26

الارضية و التي افترضها علماء الجغرافيا و الهيئة، فقد وضعوا 360 خطاً وهمياً يجزأ الكرة الارضية بين القطب الشمالي و الجنوبي، وسموا هذه الخطوط بخطوط الطول.

كما فرضوا 180 خطاً وهميا آخر تحيط بعرض الكرة على شكل دوائر أكبرها خط الاستواء الذي يجزأ الكرة إلى نصفين، و اصغرها الخطان اللذان يحيطان بالقطب الشمالي و الجنوبي.

و مبدأ الطول- أي منتهى حساب اليوم- في السابق كان ما يسمونه بالجزائر الخالدات و هي قريبة من موريتانيا و المغرب، و قد كانت سابقا آخر البلاد المعروفة المأهولة بالسكان.

أما اليوم و بعد اكتشاف الامريكتين و غرق الجزائر الخالدات في مياه المحيط الاطلسي عين الهيويون مبدأ الطول الخط الذي يمر على رصد «گرنيش» الواقع في الشمال الغربي من مدينة لندن، فعلى هذا الاساس تكون الامريكتان هي الغرب‌

27

الاقصى، و اليابان هي الشرق الاقصى و ما بينهما شرق و غرب أوسط.

و كان مبدأ اليوم لديهم هي بلاد الصين و اليابان لكونهما أوائل البلاد الشرقية التي تسطع عليها أنوار الشمس بعد غيبوبتها عن آخر البلاد الغربية «جزائر خالدات»، لكن بعد اكتشاف الامريكتين تفطن إلى عدم انعدام شروق الشمس على وجه البسيطة، فكان من اللازم فرض نقطة عندها ينتهي اليوم عن كل المسكون، و ما بعدها يبدأ يوم جديد.

فكان من المناسب للضبط الطوسي و لغيبوبة الشمس عن كل المسكون كي لا توجب خلطا في الحساب، هو فرض تلك النقطة في المحيط الهادي الذي يشكل ثلث وجه الكرة الارضية تقريبا، و على فاصلة 180 درجة من نقطة «گرنيش».

فجعل الخط الطولي المار بها «خط التاريخ الدولي»- خط تغيير التاريخ الدولي (1) هو بداية اليوم الشمسي، إذ لو جعل مبدأ اليوم الصين أو الهند مثلا، فمعناه أن الانسان قبل أن يدخل الصين يكون يومه الخميس مثلا، و بعد أن يدخلها يكون يومه الجمعة فلا ينضبط بذلك حساب اليوم.

مضافا إلى أنه مقتضى اختلاف التوقيت بين خطوط الطول حيث أنه ساعة لكل 15 درجة طولية، بحيث يتقدم توقيت المناطق الشرقية و يتأخر توقيت المناطق الغربية، فاذا فرضت الساعة في نقطة الصفر و هي «گرنيش» الثانية عشر ظهراً من يوم السبت فاننا كلما اتجهنا نحو الشرق فان التوقيت يكون متقدما فاذا وصلنا إلى خط 180 درجة من جهة الشرق التي يكون توقيتها متقدما 12 ساعة على توقيت «گرنيش» فستكون الساعة 24 ليلا و بداية لليوم الجديد «يوم الاحد».

و أما إذا اتجهنا نحو غرب خط الصفر «گرنيش» فاننا سنتأخر في التوقيت، فاذا وصلنا إلى خط 180 درجة من جهة الغرب التي يكون توقيتها متأخراً 12 ساعة‌

____________

(1) اصطلحوا عليه عالميا بما يقرب من ثلاث تسميات.

28

على توقيت «گرنش» فسيكون التوقيت الساعة 24 ليلا و بداية يوم السبت و بذلك يصبح الواقف على خط 180 خط تغيير التاريخ الدولي من جهة الشرق و هو بدءُ يوم الاحد و من جهة الغرب هو بدءٌ ليوم السبت.

فاذا اشرقت و طلعت الشمس على هذا الخط يكون مبدءاً و بداية اليوم العالمي، فما قبل هذا الخط يكون يوما سابقاً، و ما بعده يوما لاحقاً، و ان كوّر هذه المنطقة الواحدة نهارٌ واحد.

إذا عرفت ذلك فيتضح ان البلدان الواقعة على خط طولي واحد أو متقارب عادة ما يكون مشارقها و مغاربها متقاربة أو متحدة.

29

الضابط الابتدائي لوحدة الافق

و من هنا يمكن أن نفهم أن المعنى البدوي و الظاهر من كلمات الفقهاء في اتحاد الافق أو اختلافه، أن البلدان و المدن المتحدة في الافق هي التي تكون متفقة أو متقاربة في المشارق و المغارب، سواء كانت على خط طولي واحد أو على خطوط متقاربة.

بينما البلدان المختلفة في الافق هي البلدان التي بين مشارقها و مغاربها اختلافا كبيرا، و لم يذكروا ضابطة محددة لمعرفة هذا الاختلاف لكن ربما يقدر التفاوت بين البلدان المختلفة في الافق بما زاد على عشر أو خمسة عشرة دقيقة تقريبا، و سيأتي ما ينفع في التنبيهات.

و ربما يتصور في المقام أنه كلما كانت البلدان على خط طولي واحد فان الافق يكون واحد أي أن المشارق و المغارب متقاربة أو متساوية، سواء كانت هذه البلدان على خط عرضي واحد أو أكثر، حيث أن هذه البلدان التي على خط واحد أو متقاربة تكون مواجهتها للشمس بنحو واحد، و كلما ازدادت الفاصلة بين البلدين من ناحية الطول كان الاختلاف في شروق الشمس و غروبها فيهما أكثر.

إلّا أن التحقيق ليس كذلك، فقد تكون مجموعة من البلدان على خط طوسي واحد إلّا أنها مختلفة في الافق و مشارقها و مغاربها ليست متقاربة.

توضيح ذلك: حيث أن محور الأرض في الفضاء ليس قائماً و عمودياً بالاضافة إلى الشمس و بالنسبة إلى مواجهتها، أي ان محور القطب الشمالي و الجنوبي ليس بشكل عمودي بل هو مائل قليلا بمقدار 23 درجة و نصف درجة تقريبا كما في اول فصل الشتاء و الصيف، و هذا يؤدي إلى أن الخط الفاصل بين الجزء المظلم و المضي‌ء لا ينصف الكرة الارضية على خطوط الطول بل هذا الخط الفاصل يكون مائلا و منحرفاً عن خط الطول بمقدار تلك الدرجة، كما هو موضح في الرسم.

30

لذا قد نجد بلدين على خط طول واحد لكن يختلف أفقهما كل واحد عن الآخر، كما أنه قد نجد بلدين يختلف أحدهما عن الآخر في الطول و العرض لكن بينهما وحدة أفق و اتفاق في المشارق و المغارب.

فليس اتحاد الطول و تقاربه بقول مطلق موجباً لوحدة الافق، و كذلك ليس اختلاف العرض مطلق موجباً لذلك.

31

المقدّمة الرابعة: في أنواع الشهور

قسّم الهيويون الشهر إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الشهر الوسطى أو الشهر الزيجي،

و هو بأن يعد أول شهر قمري ثلاثين يوما، ثمّ الشهر الثاني يعد تسعة و عشرين يوما ثمّ ثلاثين ثمّ تسعة و عشرين و هكذا دواليك، و تقسم الشهور بهذا التقسيم حتى يسهل عليهم الحساب، فاذا رصدوا الهلال في أول محرم فانهم يتمكنون من محاسبة متى سوف تحصل الرؤية في صفر و الاشهر التي بعده.

الثاني: الشهر النجومي الطبيعي،

و هو دور القمر بلحاظ نقطة فضائية معينة ينطلق منها إلى أن يعود إلى نفس هذه النقطة و تستغرق دورته هذه 27 يوماً و 7 ساعات و 33 دقيقة.

ففي معجم اصطلاحات النجوم «الشهر النجومي عبارة عن دوران القمر حول الأرض في 27 يوما و 7 ساعات و 33 دقيقة، أي وصوله إلى نفس النقطة التي بدأ الحركة منه».

الثالث: الشهر الحقيقي الاقتراني،

و هو دورة القمر حول الأرض بلحاظ أشكال تنور القمر من الشمس، أي النسبة بين وضع و النيّرين بالاضافة إلى الأرض.

و عرفه الهيويون أنه دورة القمر من اقترانه و اجتماعه مع الشمس إلى اقتران آخر و حيث أنه يؤثر فيه حركتان، حركته حول الأرض و الاخرى حركة الأرض السنوية حول الشمس و بسبب ذلك يكون الدور هاهنا أطول من الدور في الدور النجومي، فهو 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة و هو الدور الاقتراني، و هذا بخلاف دوره من نجمة ما إلى أن يعود اليها.

و قد حكى المجلسي (قدس سره) في رسالته مفتتح الشهور أن بعض الاتراك و اليهود كانوا يجعلون مبدأ الشهور اقتران النيّرين «المحاق» لكن عامة المنجمين لم يستحسنوا‌

32

ذلك بل جعلوا المبدأ تكون الهلال لفوائد عديدة منها أضبطية الرصد و مناسبة التولد للشهر الجديد و نحوها.

نعم الكثير من شعوب العالم اليوم يعدّون المحاق أول منازل القمر، و لذا يعدّون مبدأ اليوم في منتصف الليل.

قال أبو ريحان البيروني: «الشهر قسمان طبيعي، و اصطلاحي وضعه الناس، أما الطبيعي فهو مقدار ما يدور القمر من نقطة كمن نجمة ما تبعد عن الشمس بجهة المشرق أو المغرب إلى أن يعود إلى تلك النقطة و النجمة.

و أما الثاني فهو بلحاظ أشكال تنور القمر من الشمس، و لاعتياد الناس بتلك الاشكال وضعوا لفظة الشهر بإزائها و مقدار الثاني تسعة و عشرون يوماً و نصف يوم و شيئاً فمجموع الشهرين يكون تسعة و خمسين يوماً فجعلوا أحدهما ثلاثينا و الآخر تسعة و عشرين و هذا تقدير وسطي (الشهر الوسطى)» (1)، و كلامه كما لا يخفى متضمن لتعريف ثلاثة أقسام من الشهر النجومي الطبيعي و الاقتراني و الزيجي الوسطى.

الرابع: الشهر الحقيقي العرفي الشرعي،

و هو الذي بين الهلالين.

و في الفتاوى الواضحة اشكال و جواب ما حاصله:

أن الشهر القمري الطبيعي قد يكون تسعة و عشرين يوما و ان الشهري القمري الشرعي المرتبط بالرؤية قد يتأخر عن الطبيعي ليلة، فاذا جمع الافتراضان فسيكون الشهر القمري الشرعي 28 يوما لانه بدأ متأخراً عن الأول و انتهى بنهايته.

و الجواب: أن في مثل هذه الحالة يحسب بدايتهما معا على الرغم من عدم الرؤية كي لا يحصل النقص، و بهذا يكون بدء الشهر القمري الشرعي اما بالليلة التي يمكن رؤية الهلال لاول مرة فيها أو في الليلة التي لم ير فيها الهلال كذلك و لكن رؤي في ليلة الثلاثين من تلك الليلة، انتهى.

____________

(1) التفهيم لأوائل صناعة التنجيم ص 220.

33

و فيه مسامحة عما ذكروه حيث لا يمكن نقصان الشهر القمري الطبيعي (1) عن تسعة و عشرين يوما و اثني عشر ساعة و 44 دقيقة كما هو مسلم في علم الهيئة و أثبتته الارصاد.

و أما جعل مبدأ الليلة للشهر الشرعي مردّد بين كون الهلال بحيث يرى لاول مرة، و بين عدم امكان ذلك (2) مع رؤيته في ليلة الثلاثين، فهو جمع بين الشهر القمري الاقتراني و الشرعي العرفي، و لازمه ثبوت الهلال بالآلات الرصدية المسلحة مع انه (قدس سره) لا يعتد بها.

و سيتضح الحال أكثر في الليل النقلي انشاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) أي الاقتران و هو المراد من كلامه حسبما قدّم تفسيره إذ الطبيعي في اصطلاح الهويين دائما 24 يوم و 7 ساعات و 33 دقيقة.

(2) كما هو ظاهر المقابلة في كلامه.

34

المقدّمة الخامسة: في بيان أمور تؤثر في رؤية الهلال

قال المحقق النراقي في المستند: «أنه مما لا ريب فيه أنه يمكن أن يرى الهلال في بعض البلاد و لا يرى في بعض آخر مع الفحص، و اختلاف البلدين في الرؤية اما يكون للاختلاف في الاوضاع الهوائية أو الارضية كالعتم و الصحو وصفا الهواء و كدورته و غلظة الابخرة و رقتها و تسطيح الأرض و تضريسها و نحو ذلك»، و هذا الاختلاف ليس اختلافاً حقيقياً و انّما نفيٌ لفعلية الرؤية لحاجب.

او للاختلاف في الاوضاع السماوية و هو اختلاف حقيقي يوجب عدم امكان الرؤية «و ذلك اما يكون لاجل الاختلاف في عرض البلد او طوله».

اما اختلاف الرؤية لاجل الاختلاف في العرض فيمكن من وجهين:

أحدهما: ان كل بلد يكون عرضه أكثر، سواء باتجاه الجنوب أو الشمال «فيكون دائرة مدار حركة النيّرين فيه في الاغلب أبعد من الاستواء»، أي من استواء الرؤية «و يكون اضطجاعها إلى الافق أكثر»، كما لو كنا في شمال أوروبا فان ابتعادها عن خط الاستواء كثير حيث ان النيّرين مدار حركتهما في مقدار محدد من الافق العرضي قريب من مدار الاستواء فالشمس حركتها في منطقة البرج أي في مقدار 5/ 23 تقريبا من كل طرف من مدار الاستواء- أي معدل النهار-.

فالشمس في الصيف غاية ارتفاع مدارها يصل إلى مدار السرطان و لا يرتفع أكثر، ففي الدنمارك يكون مدار الشمس مائلا دائماً منخفضا نحو الافق، و يحال ان تكون عمودية بل مضطجعة دائماً، هذا في الصيف فكيف بالربيع و الشتاء، فهي حينئذ ككرة تتدحرج على الافق، لان مدار حركة الشمس لا يتجاوز مدار السرطان و الجدي.

قال: «و لأجله يكون الهلال عند الغروب إلى الافق أقرب»، لانّه كلّما ازداد عرض البلد يكون الهلال نازل و كلما قل يكون الهلال مرتفع و صاعد «و لذلك يكون قربه إلى‌

35

الاغبرة المجتمعة في حوالي الافق أكثر فيكون رؤيته أصعب، و لكن ذلك لا يختلف إلّا باختلاف كثير في العرض».

قال: «و ثانياً: من الوجه الذي سيظهر مما يذكر و أما الاختلاف لاجل الاختلاف في الطول فهو لاجل ان كل بلد طوله أكثر عن (جزاير خالدات) التي هي مبدأ الطول» قديماً «على الاشهر يغرب النيّران فيه قبل غروبهما في البلد الذي طوله أقل».

فالتفاوت حينئذ يكون بين المغربين كثير، إذ يحصل الغروب في اليابان مثلا بينما مصر لم يحن الزوال فيهما «و على هذا فلو كان زمان التفاوت بين المغربين معتد به يتحرك فيه القمر بحركته الخاصة قدراً معتداً به و يبتعد عن الشمس فيمكن أن يكون القمر وقت غروب الشمس في البلد الأكثر طولًا بحيث لا يمكن رؤيته لعدم خروجه عن الشعاع و يبتعد عن الشمس فيما بين المغربين بحيث يمكن رؤيته في البلد الأقل طولًا».

قال: «مثلا إذا كان طول البلد مائة و عشرين درجة و طول بلد آخر خمسة و أربعين درجة فيكون التفاوت بين الطولين خمسة و سبعين درجة و إذا غربت الشمس في الأول لا بد أن يسير الخمسة و السبعين درجة بالحركة المعدلية»، إذ كل جرم في الفضاء له دائرة حقيقية تختلف من دور لآخر لذا يفرض له دائرة توسطية تسمى بالحركة المعدلية «حتى تغرب في البلد الثاني و يقطع الخمسة و السبعين درجة في خمس ساعات و في هذه الخمس يقطع القمر بحركته درجتين و قد يقطع درجتين و نصف بل قد يقطع ثلاث درجات تقريبا.

و على هذا فربما يكون القمر وقت المغرب في البلد الأول تحت الشعاع» إذ الشمس تتحرك- ظاهرا- و يتحرك معها القمر لكنه يأخذ بالابتعاد عنها فهو كالتابع مع الشمس و في نفس الوقت يتحرك باتجاه معاكس «و يخرج عنه في البلد الثاني، او يكون في الأول قريبا من الشمس فلا يرى لاجله و في الثاني يرى لبعده عنها».

36

و لمثل ذلك يمكن أن يصير الاختلاف في العرض أيضا سببا لاختلاف الرؤية (1) في البلدين لانه أيضا قد يوجب الاختلاف في وقت الغروب و ان لم يختلفا في الطول، فانه لو كان العرض الشمالي لبلد أربعين درجة» فوق خط الاستواء كايران و افغانستان.

«و يكون نهاره الاطول» في الصيف «خمسة عشر ساعة تقريبا و يكون في ذلك اليوم الذي يكون الشمس في أول السرطان النهار الاقصر لبلد» كمدغشقر جنوب افريقيا «الذي عرضه الجنوبي كذلك» (2) اي اربعين درجة من ناحية الجنوب «و يكون يومه» أي نهاره «تسع ساعات تقريبا و يكون التفاوت بين اليومين ست ساعات ثلاث منها لتفاوت المغرب» و ثلاث لتفاوت المشرق فغروب البلد الشمالي متأخر عن غروب المنطقة الجنوبية بثلاث ساعات «و يقطع في هذه الثلاث درجة و نصف تقريبا و قد يقطع درجتين و يختلف رويته بهذا المقدار من البعد عن الشمس».

فيعلم من ذلك أن صرف اتحاد الطول لا يوجب اتحاد الافق كما في بعض الكلمات في المقام (3).

و قال: «.. و ان كان السبب في عدم الرؤية لاختلاف في الطول و العرض بالوجه الثاني ففيه الخلاف إذ لا يعلم من الرؤية في أحد البلدين وجود الهلال في الآخر ايضا اي خروجه عن الشعاع وقت المغرب فلا يكفى الرؤية في أحدهما عن الرؤية في الآخر و قد يتعارض الاختلاف العرضي مع الطولي كما إذا كان نهار بلد أقصر من الآخر و لكن طول الأول أقل بحيث يتحد وقتي مغربهما او يتفاوتان و يكون ظهور تفاوت النهارين في الشروق بل قد‌

____________

(1) و هو امتناع حقيقي للرؤية و ليس امتناعاً فعلياً، إذ في المقام ينبغي التفريق بين موارد الامتناع الحقيقي للرؤية و الامتناع الفعلي لها.

(2) و الذي الوقت فيه شتاء إذ إذا كان النصف الشمالي من الكرة الارضية صيفا فالنصف الجنوبي يكون شتاءً لأن الشمس ليست متعامدة عليه.

(3) المستمسك ج 8 ص 409.

37

يتأخر المغرب في الاقصر نهارا».

«و ممّا ذكر يعلم أن محل الخلاف إنّما هو في البلدين اللذين يختلفان في الطول تفاوتا فاحشاً اي بقدر يسير القمر في زمن التفاوت بحركته الخاصة درجة او نصف درجة و نصف الدرجة و يحصل في خمسة عشر درجة تقريبا من الاختلاف الطولي او يختلفان في العرض تفاوتا فاحشا بحيث يكون تفاوت مغربهما بقدر يسير القمر سيرا معتدا به، و قد يتعارض الاختلافان الطولي و العرضي و الخبير بعلم هيئة الافلاك يقدر على استنباط جميع الشقوق و استنباط ان الرؤية في أي من البلدين المختلفين طولا أو عرضا بالقدر المذكور يوجب ثبوتها في الآخر و لا عكس» (1).

____________

(1) مستند الشيعة ج 2 ص 132.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

مآل القول الأول

و هو في الحقيقة يرجع إلى أربعة تقريبات، تبعا للوجه العقلي الذي يستند إليه كل تقريب، و كل واحد من هذه الاربعة يمكن أن يعد قولا بمفرده.

التقريب الأول

أن حركة القمر شخصية كونية، و هي ابتعاده عن الشمس بحيث يرى، و هذا الابتعاد شخصي لا يتعدد، فخروجه عن تحت الشعاع عند النقطة المزبورة بداية دورته، فرؤيته في بلد معين كاف و كاشف على أن هذا الابتعاد قد حصل بالفعل و أن القمر بدأ دورته الجديدة، فدورته دورة فضائية لا ربط لها بالارض.

و بتطعيم فلسفي: أن زمان كل موجود هو حركة ذاته، لا حركة غيره، و لا يعد زمانا له بمقدار حركة غيره إلّا بالاضافة، إذ لكل حركة زمان هو مقدار لتلك الحركة لا لحركة أخرى لها زمان آخر، ففي المقام زمان حركة القمر هو بتقدير حركته لا بتقدير حركة الأرض و لا بالنسبة و الاضافة إلى نقاط الأرض.

و يحتمل أن يكون هذا البيان هو مراد الشهيد الأول في القول المنسوب له في شرح نجاة العباد- و ان كان هذا القول خلاف ما في الدروس- إذ قال حكاية عن الشهيد دعوى القطع بعدم تأثير بعد البلاد في ذلك (1).

و صاغه السيد الخوئي (قدس سره) بهذا البيان: أن الشهور القمرية انما تبدأ على اساس وضع سير القمر و اتخاذه موضعا خاصا من الشمس في دورته الطبيعية، و في نهاية‌

____________

(1) أي في اختلاف الرؤية، شرح نجاة العباد ص 111.

40

الدورة يدخل تحت شعاع الشمس، و في هذه الحالة «حالة المحاق» لا يمكن رؤيته في أية بقعة من بقاع الأرض، و بعد خروجه عن حالة المحاق و التمكن من رؤيته ينتهي شهر قمري، و يبدأ شهر قمري جديد.

و من الواضح أن خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها و مغاربها، لا لبقعة دون أخرى، و ان كان القمر مرئيا في بعضها دون الآخر، و ذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس، أو حيلولة بقاع الأرض أو ما شاكل ذلك، فانه لا يرتبط بعدم خروجه من المحاق، ضرورة أنه ليس لخروجه منه أفراد عديدة بل هو فرد واحد متحقق في الكون لا يعقل تعدده بتعدد البقاع، و هذا بخلاف طلوع الشمس فانه يتعدد بتعدد البقاع المختلفة فيكون لكل بقعة طلوع خاص بها.

و على ضوء هذا البيان فقد اتضح أن قياس هذه الظاهرة الكونية بمسألة طلوع الشمس و غروبها قياس مع الفارق، و ذلك لان الأرض بمقتضى كرويتها يكون- بطبيعة الحال- لكل بقعة منها مشرق خاص و مغرب كذلك، فلا يمكن أن يكون للارض كلها مشرق واحد و لا مغرب كذلك، و هذا بخلاف هذه الظاهرة الكونية- أي خروج القمر عن منطقة شعاع الشمس- فانه لعدم ارتباطه ببقاع الأرض و عدم صلته بها لا يمكن أن يتعدد بتعددها.

و نتيجة ذلك: أن رؤية الهلال في بلد ما أمارة قطعية على خروج القمر عن الوضع المذكور الذي يتخذه من الشمس في نهاية دورته و أنه بداية لشهر قمري جديد جميعها لا لخصوص البلد الذي يرى فيه و ما يتفق معه في الافق.

قال: و من هنا يظهر أن ذهاب المشهور إلى اعتبار اتحاد البلدان في الافق مبني على تخيل أن ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس و غروبها بها، إلّا أنه لا صلة- كما عرفت- لخروج القمر عنه ببقعة معينة‌

41

دون أخرى فان حاله مع وجود الكرة الارضية و عدمها سواء (1).

قال: و هذا بخلاف الهلال فانه انما يتولد و يتكون من كيفية نسبة القمر إلى الشمس من دون مدخل لوجود الكرة الارضية في ذلك بوجه بحيث لو فرضنا خلو الفضاء عنها رأسا لكان القمر متشكلا بشتى أشكاله من هلاله إلى بدره و بالعكس كما نشاهدها الآن (2).

التقريب الثاني

أن انعكاس ضوء القمر ينعكس على جميع الآفاق في آن واحد، و ذلك اما لكون اليابسة المسكونة لا تشكل إلّا ربع الكرة الارضية فلا تختلف المطالع لكونه قدرا يسيرا لا اعتداد باختلافه بالنسبة إلى علو السماء، و أما لكون الأرض مسطحة، فلا تختلف أيضا المطالع، ذكر ذلك صاحب الحدائق و الجواهر تبعا للعلامة في المنتهى.

و بعبارة أوضح: حيث أن الربع المسكون- قبل اكتشاف الامريكتين- هو محل الابتلاء، و في الوقت الحاضر هي البقاع التي يتواجد فيها معظم المسلمون، فكور الأرض في هذا الربع ليس بذلك المقدار الذي يحجب نور القمر عن جميع بقاعه.

نعم لو كان المسكون من الأرض أرباعا مختلفة- كما هو واقعاً- فان هذا يؤدي إلى اختلاف الرؤية، و لذا نرى أن بعض الفقهاء يتفقون مع السيد الخوئي (قدس سره) في عدم الاشتراط في خصوص الربع الواحد لا في بقية الارباع.

التقريب الثالث

يفترض أن مبدأ الشهر هو بالرؤية و لكن يأخذ طبيعي الرؤية و صرف وجودها في أي بقعة تكون مبدأ للشهر في كل البقاع، فالاضافة إلى الأرض في هذا القول و التقريب مأخوذة في حقيقة الشهر خلافا للتقريب الأول إلّا أن الاضافة و النسبة على نحو صرف الوجود لا الاستغراق و التعدد و اختلاف المبدأ.

____________

(1) المنهاج كتاب الصوم باب ثبوت الهلال.

(2) مستند العروة ج 2 ص 117.

42

فيسلم أن الرؤية تختلف من بقعة إلى أخرى، و انعكاسات القمر متباينة، غاية الامر انه إذا انعكس ضوء القمر في مصر مثلا و تحققت الرؤية، فبداية الشهر تكون من هذه البقعة و ما دام هذه البقعة تشترك مع بقاع كثيرة في النصف المظلم من الكرة الارضية فيثبت بداية الشهر لجميع هذا النصف المظلم إذ أن الليلة الواحدة لا تتبعض، فبداية الشهر الجديد ليس مبدأه من بلد الرؤية و انما من الليلة التي يرى فيها.

فالصين الذي مضى من ليله أكثر من خمس ساعات لم يرى فيه الهلال و لكن ما دان رؤي الهلال في مصر و هي تشترك مع الصين في ليلة واحد فيثبت الهلال للصين أيضا لان مبدأ الشهر عرفا هو الليلة و لا تتبعض، فأخذ ما يقوّم ماهية موضوع الحكم- و هو الرؤية- على نحو صرف الوجود و التحقق.

و هذا أحد قولي المحقق النراقي في المستند و تابعه السيد ابو تراب الخونساري في شرحه على نجاة العباد لإطلاق الروايات حيث قال: بل الذي تشهد به الادلة انما هو كفاية الرؤية مطلقا و لو في بلد آخر من المعمورة مع عدم امكان الرؤية في بلد المكلف و ذلك لإطلاق قوله (عليه السلام) «صم للرؤية و افطر للرؤية» و اطلاق ما دل على كفاية الرؤية في بلد آخر (1)، و تبعه السيد الصدر في الفتاوى الواضحة في المدعى و الدليل.

التقريب الرابع

أنه إذا رؤي الهلال في بقعة ما فاحتمال رؤيته في البلدان الواقعة شرق هذه البقعة ممكنة، و لا يمكن القطع بعدمها، فما دام هذا الاحتمال موجود فيمكن التمسك باطلاق أدلة البينة لاثبات بداية الشهر للبلدان الشرقية.

فالبينة في الرواية لم تقيد ببلد المكلف، فاذا اطلقت البينة فيمكن أن نعمل بهذا‌

____________

(1) شرح نجاة العباد ص 111.

43

التعبد الظاهري و يكفي في ذلك احتمال الحكم الواقعي.

فهذا دليل نقلي إلّا أنه يعتمد على مقدمة عقلية، و انما يصح الاخذ باطلاق الحكم الظاهري إلى حد احتمال الحكم الواقعي، و بمجرد القطع بانتفاء الحكم الواقعي يكون ذلك انتفاء للحكم الظاهري، لان الحكم الظاهري مأخوذ فيه احتمال الواقع، و بمجرد انتفاء الواقع ينعدم الحكم الظاهري إذ هو لاستطراق الواقع.

و هذا ثاني وجهي العلامة في المنتهى حيث قال: ان المعمورة منها «من الأرض» قدر يسير هو الربع و لا اعتداد به عند السماء، و بالجملة ان علم طلوعه في بعض الصفائح و عدم طلوعه في بعضها المتباعدة عنه لكروية «فكروية ص ح» الأرض لم يتساوى حكماهما، و أما بدون ذلك فالتساوي هو الحق (1).

و لا يخفى أن كلامه قبل «و بالجملة» يرجع إلى التقريب الثاني و ما بعده يرجع إلى التقريب الرابع، و تبعه أيضا المحقق النراقي بعد أن جزم باختلاف الرؤية من بلد لآخر مع تباين الافق.

قال: ثمّ الحق الذي لا محيص عنه عند الخبير كفاية الرؤية في أحد البلدين للبلد الآخر مطلقا، سواء كان البلدان متقاربين أو متباعدين كثيرا، لان اختلاف حكمهما موقوف على العلم بأمرين، لا يحصل العلم بأحدهما البتة.

أحدهما: أن يعلم أن مبنى الصوم و الفطر على وجود الهلال في البلد بخصوصه، و لا يكفي وجوده في بلد آخر، و أن حكم الشارع بالقضاء بعد ثبوت الرؤية في بلد آخر، لدلالته على وجوده في هذا البلد أيضا، و هذا مما لا سبيل إليه‌

لم لا يجوز أن يكفي وجوده في بلد لسائر البلدان أيضا مطلقا.

و ثانيهما: أن يعلم أن البلدين مختلفان في الرؤية البتة، أي يكون هلال في احدهما دون الآخر، و ذلك ايضا غير معلوم، إذ لا يحصل من الاختلاف الطولي‌

____________

(1) منتهى المطلب ج 2 ص 593 سطر 17.

44

و العرضي إلّا جواز الرؤية، و وجود الهلال في أحدهما دون الآخر، و أما كونه كذلك البتة فلا، إذ لعله خرج القمر عن تحت الشعاع قبل مغربيهما، و إن كان في أحدهما أبعد من الشعاع من الآخر.

و العلم بحال القمر و أنه في ذلك الشهر بحيث لا يخرج عن تحت الشعاع في هذا البلد عند مغربه، و يخرج في البلد الآخر غير ممكن الحصول، و ان امكن الظن به، لابتنائه على العلم بقدر طول البلدين و عرضهما و قدر بعد القمر عن الشمس في كل من المغربين، و وقت خروجه عن تحت الشعاع فيهما و القدر الموجب للرؤية من البعد عن الشعاع.

و لا سبيل إلى معرفة شي‌ء من ذلك إلّا بقول هيوى واحد أو متعدد راجع قول راصد او راصدين يمكن خطأ الجميع غالبا، و بدون حصول العلم بهذين الامرين لا وجه لرفع اليد عن اطلاق الاخبار او عمومها (1).

و لا يخفى أن الوجه الأول في كلامه يرجع إلى القول و التقريب الثالث و الوجه الثاني يرجع إلى القول و التقريب الرابع.

و تبعه السيد الحكيم (قدس سره) في المستمسك إذ قال: لو رئي في البلاد الشرقية، فانه تثبت رؤيته في الغربية بطريق أولى، أما لو رئي في الغربية، فالاخذ بإطلاق النص غير بعيد، إلّا أن يعلم بعدم الرؤية، إذ لا مجال حينئذ للحكم الظاهري (2).

فروق الاقوال

و الفرق بين هذا التقريب و السابق مع أن كلا منها يعتمد على مقدمة عقلية و الاخرى نقلية، هو ان التقريب الثالث توسعة في الثبوت أي أن الرؤية التي هي محققة لبداية الشهر و تكونه هي طبيعي الرؤية في أي نقطة فرضت و ان قطع بعدم تحققها في بلد آخر و تحققها في تلك النقطة الاولى خاصة.

____________

(1) مستند الشيعة ج 2 ص 133.

(2) المستمسك ج 8 ص 409.

45

بينما التقريب الرابع هي توسعة في الاثبات، أي في حجية و كاشفية الرؤية في نقطة عن تحققها في نقاط اخرى تمسكا باطلاق دليل الحجية و هذا في صورة احتمال تحقق الرؤية لا مع العلم بعدمها في النقاط الاخرى.

و الفرق بين التقريب الثاني و الرابع أن الثاني يعتمد على مقدمة عقلية تولد العلم، و قد تقدم الفرق بين التقريب الثالث و الأول فراجع.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

تأملات في التقريبات الاربعة

و يرد على هذه التقريبات الاربعة- لقول غير المشهور- مجموعة من الامور نقضا وحلا.

أولًا: الجواب النقضي:

ففي المقام عدة من النقوض، ذكر بعضها المرحوم الشيخ الآملي (1)، و الميرزا أبو الحسن الشعراني (2) و غيرهما من متأخري العصر (3)، كما أن بعضها عامة ترد على جميع التقريبات المتقدمة للقائلين بعدم الاشتراط، و بعضها ترد على بعض تلك البيانات.

النقض الأول

لزوم دخول الشهر في آن واحد في كل نقاط الكرة الارضية مع عدم التزام القائلين- بقول غير المشهور- بذلك.

و هو يرد على التقريب الأول المنسوب للشهيد و الذي رممه السيد الخوئي (قدس سره) و رممناه بالنكتة الفلسفية.

بيان ذلك: أنه إذا كانت حركة القمر شخصية، و انعكاس ضوئه لا ربط له بالمنعكس عليه، فلم يفرق اذن في حساب بداية الشهر بين الجزء المظلم من‌

____________

(1) مصباح الهدى ج 8 ص 391 إلى 397.

(2) في رسالته المستدركة على تشريح الافلاك للشيخ البهائي و ما عقله على الوافي في روايات الصوم.

(3) رسالة حول رؤية الهلال للسيد محمد حسين الطهراني، و دروس في معرفة الوقت و القبلة درس 75 للشيخ حسن حسن زاده الآملي.

48

الأرض و بين الجزء المضي‌ء منها، حيث أن الكل يلتزم بأن ثبوت الشهر يكون في الجزء المظلم فقط، أما الجزء المضي‌ء المقابل للشمس فهو من الشهر السابق، و هذا يلائم النسبية في مبدأ الشهر بلحاظ النقاط الارضية و ينافي الشخصية المطلقة من كل جهة كما هو مقتضى التقريب الأول.

فعلى سبيل المثال إذا رؤي الهلال ليلة الجمعة في أمريكا، و كان الوقت في استراليا هو نهار الجمعة، فالكل يلتزم بأن نهار استراليا لا يحسب من الشهر الجديد.

بينما على هذا التقريب- القائل بأن حركة القمر شخصية لا علاقة لها بحركة غيره و انما ربطها ب‍ 360 درجة أو أكثر التي يقطعها القمر- ينبغي أن يلتزم بأن نهار الجمعة في استراليا من الشهر الجديد، و الحال أنه لا يلتزم به.

النقض الثاني

لزوم تبعّض الليلة الواحدة بين شهرين أو دخول الشهر قبل تكون الهلال.

بيان ذلك: لنفرض أن الهلال في غروب المغرب و الجزائر لتوّه خرج من تحت الشعاع بحيث يرى و رؤي فعلا، فعلى قول غير المشهور يثبت لكل النصف المظلم، و هذا معناه أن اليابان التي مر على ليلها عشر ساعات تقريبا يثبت لها بداية الشهر الجديد.

فيا ترى هل بداية الشهر الجديد في اليابان هو من حين بدأ الليل و تكور الظلمة، أم من حين رؤية الهلال و تكونه في الجزائر و المغرب؟

ان كان الأول فهذا يعني ان حساب الشهر قد حصل قبل تكون الهلال و هذا لم يلتزم به أحد.

و ان كان الثاني أي أن حساب الشهر في اليابان من حين رؤية الهلال في المغرب و الجزائر، فلازمه أن العشر ساعات التي مرت على ليل اليابان من الشهر القديم، و لازم هذا تبعيض الليلة الواحدة، فجزء منها من الشهر القديم و الجزء الآخر‌

49

من الشهر الجديد.

و على كلا الاحتمالين تذهب الشخصية و يتطرق الاعتبار و الاضافة و النسبية بلحاظ النقاط الارضية، فأصحاب هذا التقريب كروا على ما فروا عنه، إذ أنهم نفوا النسبية و أثبتوا الدورة و الليلة الشخصية.

كما أن هذا النقض و بنفس البيان يرد على السيد الخوئي (قدس سره) في التزامه الذي خالف فيه المشهور و هو أنه إذا رؤي الهلال قبل الزوال يثبت أيضا بداية الشهر.

فلو رؤي الهلال في مكان ما و كان الوقت في بقعة من البقاع قبل الزوال مثلا بساعة أو أقل، يلتزم جماعة منهم السيد الخوئي (قدس سره) بثبوت بداية الشهر في هذا المورد أيضا، و هذا معناه تبعض النهار الواحد إلى ما قبل الزوال و ما بعده، إذ يختلف دخول الشهر بين مدينتين متقاربتين أحدهما قبل الزوال و الاخرى بعد الزوال لنفس النكتة السابقة.

النقض الثالث

أشكال غير المشهور على المشهور هو تعدد مبدأ الشهر في أفاق الأرض، و هذا الاعتراض بعينه وارد عليهم أيضا.

و بيان ذلك يعتمد على مقدمة هيوية اشرنا اليها سابقاً و نبسطها مرة أخرى و هي:

حيث أن في الكرة الارضية جزء مظلم و آخر مضي‌ء دائما بسبب انعكاس أشعة الشمس عليها، و هذان الجزءان في حالة دوران و تعاقب و مطاردة، فلا بد من فرض (1) نقطة ما تكون هي بدأ الدور الحسابي للايام، و إلّا لما أمكن ضبط حساب و عدّ الأيام.

و في السابق- كما ذكرنا في المقدمة- كان مبدأ حساب الايام يبدأ من أول بلاد الشرق الاقصى، أما اليوم فان مبدأ الحساب اليومي يبدأ من خط التاريخ الدولي‌

____________

(1) و هذا الفرض ليس جزافا بل هو اعتبار ناشئ من منشأ عقلي، و ذلك لانه نرى وجدانا أن أدوارا تتكوّن من دوران الأرض حول نفسها.

50

«خط تغيير التاريخ الدولي» الذي يقع على فاصلة 180 درجة طول من خط الصفر «گرنيش».

فحينما تكون الشمس متعامدة عليه يكون الوقت فيه منتصف النهار لليوم الجديد و ما قبله منتصف او ما بعد الزوال بقليل لليوم السابق، فما قبل هذا الخط يحسب من الدورة و اليوم السابق و ما بعده يحسب من اليوم الجديد و ان كان النهار واحداً، و كذلك الحال في الليل، راجع شكل رقم (6 و 8).

و صياغة النقض: أنه إذا رؤي الهلال في غروب اليابان و كانت ليلة السبت، فان الوقت في أمريكا هو ليلة الجمعة، فعلى مبنى القائلين بعدم الاشتراط يثبت بداية الشهر لأمريكا أيضا، و لازم ذلك تعدد مبدأ الشهر إذ في اليابان ليلة السبت و في امريكا ليلة الجمعة، فاعتراضهم على المشهور وارد عليهم أيضا.

النقض الرابع

توالي الشهور الناقصة «29 يوماً» بكثرة في السنة و هو ما اختص بذكره الميرزا أبو الحسن الشعراني إذ قال:

«و المانع الثاني من التعميم أنه ما من شهر تام في بلد إلّا و يمكن رؤية الهلال ليلة الثلاثين منه في بلد آخر، مثلا إذا كان في بلدنا غير قابل للرؤية غروب الجمعة فلا يبعد أن يصير قابلا للرؤية بعد أربع ساعات في بلاد المغرب، فيصير لنا هذا الشهر أيضا ناقصا فيتوالى و يكثر في السنة الينا الشهور الناقصة» (1).

و يمكن بيانه بأنحاء:

الأول: أن أول بلد يرى فيه القمر كالقاهرة مثلا إذا مضى عليه 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة، و أضف ساعتين أو أكثر كي يكون القمر قابل للرؤية الفعلية للشهر الجديد أي بعد 29 يوما و 15 ساعة تقريبا، و هو يصادف عصر القاهرة حينئذ فانه‌

____________

(1) في رسالة وجيزة مستدركة على الفصل الثالث من تشريح الافلاك للشيخ البهائي ص 23.

51

سيرى في نقطة أرضية أخرى قطعا.

فحين ذاك يكون العصر من الشهر الجديد فلا يكون الشهر السابق ثلاثين تماماً بل ينقص سويعات دائما فبذلك تتوالى الشهور الناقصة.

الثاني: و هو أدق من السابق، أن الدوران بتسع و عشرين و ثلثي اليوم من أول بلد يرى فيه كالقاهرة عند ما يحسب فان المبدأ حسب من غروب ليلة اليوم الأول التي هي سابقة على اليوم الأول فحينئذ مجموع كل ليلة سابقة مع النهار اللاحق دورة 24 ساعة.

فعند تمام نهار التاسع و العشرين يكون قد تم القمر تسعة و عشرين دوراً و يكون القمر في الليلة اللاحقة له و هي ليلة الثلاثين على الفرض سيما في فصلي الخريف و الشتاء حيث تكون أطول و بما يقارب 15 ساعة بل 17 ساعة في بعض مدارات العرض الشمالية كلندن، يكون القمر قد أتم 12 ساعة بل 14 بحيث يكون قابل للرؤية قطعا في نقطة أخرى، تشترك القاهرة معها في الليل.

فحينئذ يكون شهرهم تسعة و عشرين، بل الحال كذلك في كل فصول السنة على مبنى السيد الخوئي (قدس سره) و لو في الليلة القصيرة حيث أن الثبوت بعد 14 ساعة يكون قبل الزوال.

و هكذا الحال بلحاظ أيّ بلد هو أول مبدأ الرؤية فيكون شهرهم 29 يوما بنفس التقريب السابق، و المفروض على القول بالحركة الشخصية أن الشهر شخصي لا يختلف عدده و مبدأه و منتهاه بين بلد و آخر فتتوالى الشهور الناقصة.

النقض الخامس

لزوم حصول شهر بمقدار 28 يوما، و هو ما ذكره أيضا أبو الحسن الشعراني أيضا تبعا لنقضه السابق قال:

«بل يمكن أن يصير شهر بالنسبة الينا ثمانية و عشرين يوما، مثلا رؤي هلال رمضان‌

52

في بلاد جاوة غروب يوم الجمعة، و في مراكش غروب يوم الخميس، و هلال شوال في جاوة غروب يوم السبت و في مراكش غروب يوم الجمعة بحيث كان شهر رمضان في كل منهما تسعة و عشرين يوما، فاذا أخذنا نحن هلال رمضان من بلاد جاوة بالتلغراف يوم الجمعة و هلال شوال من مراكش يوم الجمعة صار شهر رمضان بالنسبة الينا ثمانية و عشرين يوما و هذا مما لا يكون».

و حيث أنه يتراءى بدوا أنه غير وارد على مسلك عدم اشتراط وحدة الافق، إذ لم يأخذوا مبدأ الشهر الأول من نقطة و مبدأ الشهر الثاني من نقطة أخرى ما دامت الآفاق يثبت لها الهلال معا، فلم نأخذ الهلال في الشهر الأول من جاوة «اندونيسيا» و في الشهر الثاني من مراكش «المغرب العربي» سيما على مسلك السيد الخوئي (قدس سره) القائل بثبوت الهلال في ثلاثة أربع الكرة الارضية في آن واحد حيث لا يخصه بالنصف المظلم، بل نصف النصف المضي‌ء و هو ما قبل الزوال أيضا بدرجة تعبدا للنص مع المظلم.

فتوضيح كلامه هو بما يلي:

أنه لو ثبت الهلال في الشهر الأول في نقطة ما مثلا في فلوريدا «غرب أمريكا» ليلة الجمعة فانه لن يثبت لكراتشي «باكستان» إذ التفاوت بينهما أكثر من 180 درجة طولية فسيكون مبدأ الشهر في كراتشي ليلة السبت، فلا يشملها النصف المظلم، ثمّ في الشهر الثاني ثبت الهلال في نقطة أخرى على فاصلة 20 درجة شرقي النقطة الاولى تقريبا كواشنطن ليلة السبت ليكون الشهر تسعة و عشرين في كل من فلوريدا و واشنطن و حيث أن كراتشي تشارك واشنطن في النصف الليلي فيثبت لها هلال الشهر الثاني ليلة السبت أيضا فحينئذ سينقص الشهر و يكون ثمانية و عشرين يوما.

هذا على غير مسلك السيد الخوئي (قدس سره) الخاص المتقدم، و أما عليه فبدل كراتشي‌

53

في المثال نفرضها طوكيو «اليابان» أو في مدينة أخرى بحيث تكون على فاصلة أكثر من 270 درجة من الجهة المعاكسة لحركة الشمس، فحينئذ عند غروب فلوريدا لا يشمل الليل طوكيو فيكون مبدأ الشهر الأول فيها ليلة السبت، و مبدأ الشهر الثاني لشمول ما قبل الزوال لها بلحاظ واشنطن في المثال يكون مبدأه أيضا ليلة السبت فيكون ثمانية و عشرين يوما و هو شهر غير تام.

تأملات في النقض

أقول: هذا النقض و ان أفاده الشيخ النحرير العلامة ذي الفنون أبو الحسن الشعراني (قدس سره)، إلّا أن النقض سواء بلحاظ المثال الذي ذكره أو بعبارة التوضيح التي ذكرناها، و ان كان تاما على ظاهر عبائر الهيويين و المنجمين بضميمة قول غير المشهور إلّا انه لا يمكن فرض وقوعه بحسب الدقة كي يكون نقضا.

و بيان ذلك: أما على عبارة المثال الذي ذكره فانه قد افترض تقدم مبدأ الهلال في مراكش و هي نقطة غربية على مبدأه في جاوة «اندونيسيا» و هي نقطة شرقية، في شهرين متتاليين و هذا لا يقع بالالتفات إلى أن مبدأ تكون الهلال يتقدم في كل شهر لاحق على نقطة تكونه في الشهر السابق بمقدار ثمان ساعات تقريبا بجهة معاكسة لحركة الشمس.

و ذلك لما تكرر ذكره من كون دورة القمر حول الأرض في تسعة و عشرين يوما و 16 ساعة تقريبا، فيتكون- قبل أن يتم الدور الثلاثين في اتجاه العود إلى نفس النقطة الأولى التي تكوّن فيها- في نقطة تقع قبل نقطة الشهر السابق بثمان ساعات كما لا يخفى و هكذا في الشهر الثالث ثمّ في الرابع يعود إلى النقطة الاولى في الشهر الأول أو قريبا منها بلحاظ المقدار الكسري في تقدمه و دوره.

و بذلك ظهر أن ما قدمنا توضيحه للنقض المزبور أيضا من المثال لا يتم إذ لا يكون تقدم مبدأ هلال الشهر الثاني بمقدار 40 درجة طولية بل بمقدار 120 درجة‌

54

طولية كتونس مثلا و لا يمكن تكوّنه فيها ليلة السبت لان القمر لم يطوى في دوره 29 يوما و ثلثي اليوم من مبدأ تكونه و هي فلوريدا في المثال و سيأتي في «الملاحظة الهامة» أن الشهر في نقطة مبدأ تكونه لا بد أن يكون ثلاثين يوما فانتظر.

فعلى هذا سوف يرى في تونس ليلة الاحد لا ليلة السبت و إلّا لكان الشهر ناقصاً في تونس أيضاً بمقدار 28 يوما على كل الاقوال.

هذا: مع أن ما فرضه (قدس سره) من المثال لا يرد من جهة أخرى و ان غض النظر عما تقدم و هي أن فرض التفاوت بين ثبوت الهلال بين جاوة «اندونيسيا» غروب يوم الجمعة- ليلة السبت- و هلال و مراكش غروب يوم الخميس- ليلة الجمعة- لا يستقيم على مبنى غير المشهور حيث أنه مع ثبوته لمراكش يثبت لجاوة لاشتراكهما في النصف الليلي المظلم، و كذلك لا يمكن لنا أن نأخذ الهلال من جاوة لا من مراكش مع اشتراكنا معهم في الليل المظلم.

النقض السادس

ضرورة تفاوت الشهر الهلالي الواحد في العدد أي في التمام و النقص بلحاظ النقاط الارضية المختلفة سواء على كلا القولين، مع أنه لا ينسجم إلّا على قول المشهور، و هو مع ذلك ملاحظة هامة يمكن استفادتها كلازم لبعض ما قرر في كلمات الهيويين و المنجمين، و سنبين أن كلامهم في قوة التصريح بذلك و ان لا استبعاد في ذلك، و هذه الملاحظة تنحل بها مجملات عديدة مذكورة في الروايات و هي نافعة في كثير من المباحث في المقام، و نذكر في البدء الملاحظة كمقدمة ثمّ نذكر كيفية النقض بها.

55

الملاحظة الهامة

أن الشهر القمري على الكرة الارضية دائما مختلف العدد ناقص في بعض المناطق و تام في البعض الآخر على كلا القولين المشهور و غير المشهور، و هذا لا ينافي قاعدة أن توالي الشهور التامة أو الناقصة كذلك ممتنع، إذ المراد بذلك هو بلحاظ النقطة الواحدة و البلد الواحد، بينما المدعى دوام وجود كل منهما على الكرة و تواجدهما غير ثابت في البقعة الواحدة بل متعاقب على نقاط الأرض، نظرا لاختلاف أوائل الاستهلال و مبدأ تكون القمر في آفاق الرؤية في النقاط المختلفة و عدم ثباته في نقطة معينة كما هو ظاهر بيّن.

كما أن المدعى لا ينافيه ما ورد من الروايات الآتي ذكرها عند البحث عن الدليل النقلي من لزوم القضاء يوما إذا كان الصيام في بلد المكلف 29 يوما و ثبت في بلد آخر أنه 30 يوما، إذ هو كما يأتي محمول على الآفاق القريبة لا المتباعدة مضافا إلى أن المدعى المزبور بعد إقامة البرهان عليه يكون قرينة على ذلك و إلّا لتوالت الشهور التامة.

و الدليل على المدعى هو أن اي نقطة تفرض أول بلد تكوّن الهلال و في مقابلتها- أي أول بلد يرى فيه الهلال- فانه بعد تسع و عشرين دورة و ثلثي الدورة للقمر تكون تلك النقطة مبدءاً لتلك الادوار يتكون الهلال للرؤية للشهر اللاحق في نقطة أخرى في الوجه الآخر من الكرة الارضية و على فاصلة ثمان ساعات تقريبا بطرف شرقي البلد الأول.

و هكذا يتقدم تكون القمر في الشهر الثالث في نقطة ثالثة على فاصلة مع الثانية 8 ساعات أيضا بطرف شرقي المنطقة التالية و على فاصلة 16 ساعة من النقطة الاولى و في الشهر الرابع يعود فيتكوّن في النقطة الاولى أو قريبا منها، نظرا لعدم كون الفواصل على رأس الثمانية ساعات من بعضها بل يقل أو يزيد بقدر كسري،

56

فتختلف نقاط بلاد الرؤية الاولى في مجموعة الشهور الاولى الاربعة الثانية و هلم جرا.

ثمّ ان الشهر في أول بلد يرى فيه يكون تاما كما هو واضح بين مما تقدم، و ذلك يعني أن الشهر الهلالي تام دائما في نقطة ما من الكرة الارضية و هي نقطة أول الرؤية أي أول بلد يرى الهلال فيه.

و هذا ما تشير إليه مصححة محمد بن عيسى- كما سيأتي في التنبيه الثالث من تنبيهات المسألة- قال: كتبت إليه (عليه السلام): جعلت فداك، ربما غم علينا الهلال في شهر رمضان فنرى رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال، و ربما رأيناه بعد الزوال، فترى أن نفطر قبل الزوال إذا رأيناه بعد أم لا؟ فكتب (عليه السلام): «تتم إلى الليل، فانه ان كان‌