نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
487 /
3

الجزء الأول

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الّذي رغب بالنكاح، و حرّم السفاح، و أغناهم بالحلال عن الحرام. فقال عزّ من قائل: (وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ).

و الصّلاة و السلام على سفيره، و مبيّن حلاله و حرامه القائل: «من تزوّج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي» محمّد، و آله الطاهرين، حفظة سننه و نقلة آثاره الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً.

أمّا بعد:

فإنّ البحث عن الأحوال الشخصية الشاملة لكتب النكاح و الطلاق بأقسامه و اللعان و الايلاء و الوصية و الميراث و الاقرار من أهم البحوث الفقهية الّتي تدور عليها الحياة، فردية و اجتماعية. و هي من المباحث الهامة الّتي لا غنى للمجتمع عنها، حتّى المجتمعات الوضعية و المادية. و لأجل ذلك قد استغرقت هذه المباحث قسماً كبيراً من الفقه الإسلامي.

و قد طلب منّي حضار بحوثي الفقهية أن أقوم بدراسة الأحوال الشخصية في فقه الإمامية أعني: النكاح و الطلاق و الوصية و الميراث، لكثرة الابتلاء بها، و لزوم الوقوف عليها خصوصاً لمن يعمل في دوائر الأحوال الشخصية. و قد كان علماؤنا‌

4

الأبرار في العصور الماضية، مسلّطين بالأحكام الخاصّة بالأحوال الشخصية، و كانوا يجيبون أسئلة الناس على صعيد النكاح و الوصية و الطلاق و الميراث و نحوها بلا مطالعة كتاب أو ملاحظة باب، فنزلت عند رغبتهم سائلًا من الله سبحانه التوفيق و الاهتداء إلى ما هو الحقّ القويم:

و جعلت المحور للبحث كتاب الشرائع (1) للمحقّق الحلّي أعلى الله مقامه فقدّمت البحث عن النكاح على الطلاق، و الطلاق على الميراث و الفرائض، و أرجو من الله سبحانه أن يهديني إلى ما هو الصواب و يصونني عن الخطاء و الزلل إنّه بذلك قدير، و بالإجابة جدير.

____________

(1) و كان محور المحاضرة كتاب العروة الوثقى في الدورة السابقة الّتي ابتدأنا بها عام 1394 ه‍. ق.

5

النكاح لغة و كتاباً و سنّة

هل النكاح بمعنى العقد، أو هو بمعنى الوطء أو مشترك لفظي بينهما؟

يظهر من ابن فارس في «المقاييس» أنّه بمعنى الأوّل دون الثاني، و يظهر من «ابن منظور» في لسانه، العكس و نقل أنّه خيرة الأزهري و قبله الجوهري في صحاحه، و استشهد بأمثلة ادّعى أنّها ظاهرة في الوطء و هو مختار الجواهر، و قال في الأخير:

و من الغريب، دعوى عدم شيوع استعمال النكاح بمعنى الوطء في لسان الشرع، فإنّ ملاحظة الأخبار النبوية فضلًا عن غيرها الواردة في النكاح و المرغّبة فيه باعتبار النسل و نحوه ممّا لا يراد منه إلّا معنى الوطء، أقوى شاهد على بطلانها. (1)

إنّ استعمال النكاح في اللغة و الشرع في الوطء موضع تأمّل، لأنّ الموارد الّتي احتجّ بها صاحب اللسان على الاستعمال فيه قابل للتفسير بالعقد أيضاً فلاحظ، كما أنّ ما احتجّ به صاحب الجواهر على استعماله فيه شرعاً لا يثبت كونه فيها بمعنى الوطء لكفاية الاستعمال في الأمر الاعتباري سبباً أو مسبباً في أداء ما يرميه الشارع من الأمر بالنكاح أعني: صيانة النفس و كثرة النسل حتّى في قوله (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم): «تناكحوا تكثروا فإنّي أُباهي بكم الأُمم يوم القيامة و لو بالسقط». (2) و ذلك لأنّ العقد و التزويج ينتهيان طبعاً إلى الوطء الملازم للصيانة و كثرة النسل. على أنّ الوارد في أكثر الروايات هو التزويج لا لفظ النكاح.

____________

(1) الجواهر: 29/ 87.

(2) البحار: 103/ 220.

6

أضف إليه: ما ذكره الراغب: «أنّه محال أن يكون في الأصل للجماع ثمّ استعير للعقد، و ذلك لأنّ أسماء الجماع كلّها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، و محال أن يستعير من لا يقصد فحشاً اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه». (1)

و قد جاءت مادة النكاح بالصيغ المختلفة في الذكر الحكيم بما يناهز ثلاثة و عشرين مورداً و لم يستعمل في مورد بمعنى الوطء حتّى في قوله سبحانه: (فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (2) فإنّ شرطية الوطء علمت من النصّ لا من الآية. و لو كانت اللفظة حقيقة في الوطء لكان استعمالها في غيره مجازاً محتاجاً إلى القرينة و كونها مشتركة بين المعنيين لا تغنيها عن القرينة المعيّنة أيضاً.

و الظاهر كونه حقيقة في المعنى الاعتباري الدارج بين العقلاء سبباً و مسبباً من العقد و الزواج، و يؤيّده قوله سبحانه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) (3) فالمراد هو العقد و الزواج بالمعنى المسبّبي دون الوطء، بقرينة قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ). فيعلم أنّ «النكاح» قد يكون مع المس و قد يكون بدونه.

و الظاهر من بعض الآيات استعماله في المعنى المسببي للعقد مثل قوله سبحانه: (وَ لٰا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكٰاحِ حَتّٰى يَبْلُغَ الْكِتٰابُ أَجَلَهُ). (4) أي لا تعقدوا عقدة النكاح حتّى تنقضي العدة. و قوله سبحانه: (إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ) (5) فإنّ إضافة العقدة إلى النكاح تعرب عن كونه موضوعاً‌

____________

(1) مفردات الراغب: 526، مادة النكاح، ط دار الكتب.

(2) البقرة/ 230.

(3) الأحزاب/ 49.

(4) البقرة/ 235.

(5) البقرة/ 237.

7

لمسبّبه و هو المنُشأ به.

فاتّضح بذلك: أنّه ليست للفظة النكاح حقيقة شرعية بل هي مستعملة في الكتاب و السنّة بما لها من المعنى لغة و عرفا، فلو شكّ في جزئية شي‌ء أو شرطيته للنكاح يصحّ التمسك بالإطلاقات الواردة في الكتاب و السنّة لو كانت صالحة له كما إذا كانت في مقام البيان.

إذا وقفت على معنى النكاح لغة و كتاباً و سنّة فاعلم أنّ كتابنا هذا يشتمل على فصول:

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الفصل الأوّل: في أحكام النظر

و فيها مسائل:

1- النظر إلى المرأة عند الخطبة.

2- النظر إلى نساء أهل الذمّة و شعرهنّ.

3- نظر كل من الرجل و المرأة إلى مثله.

4- كشف المسلمة بين يدي الكافرة.

5- اشتباه من يجوز النظر إليه بغيره.

6- نظر الرجل إلى الأجنبية.

7- النظر إلى الوجه و الكفّين منها.

8- نظر المرأة إلى الرجل.

9- النظر إلى المرأة في موارد الضرورة.

10 النظر إلى القواعد من النساء.

1- 1 حكم الصبي و الصبية من جهات.

2- 1 صوت الأجنبية و مصافحتها.

خاتمة المطاف في الخنثى المشكل.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

أحكام النظر‌

المسألة الأُولى: في جواز النظر إلى المرأة عند الخطبة

إنّ القول بجواز النظر إلى المرأة عند الخِطْبة، يعدّ تخصيصاً في أدلّة حرمة النظر إلى الأجنبية، و له نظائر كنظر الطبيب و الشاهد. و إنّما يصحّ عدّه تخصيصاً إذا لم نقل بجواز النظر إلى الوجه و الكفّين مطلقاً حتّى يكون الحكم بالجواز في المقام استثناءً بالنسبة إليه، أو قلنا بالجواز هناك أيضاً لكن مرّة واحدة لا مرّات، بخلاف المقام فيجوز تكرار النظر حتّى يحصل المطلوب و هو الوقوف على محاسنها و معايبها.

و المسألة معنونة في فقه الفريقين، قال الشيخ الطوسي في الخلاف: يجوز النظر إلى امرأة أجنبية يريد أن يتزوّجها إذا نظر إلى ما ليس بعورة فقط، و به قال أبو حنيفة و مالك و الشافعي إلّا أنّ عندنا و عند مالك و الشافعي أنّ ما ليس بعورة: الوجه و الكفّان فحسب، و عن أبي حنيفة روايتان: أحدهما مثل ما قلناه، و الثانية: و القدمان أيضاً، و قال المغربي: لا يجوز أن ينظر إليها و لا إلى شي‌ء منها أصلًا، و قال داود: ينظر إلى كلّ شي‌ء من بدنها و إن تعرّت. (1)

و الظاهر أنّ أصل الجواز أمر مفروغ عنه و إنّما الخلاف في مقامين:

الأوّل: في تحديد ما يجوز النظر إليها من أعضائها.

____________

(1) الخلاف: 2/ 357، كتاب النكاح، المسألة 3.

12

الثاني: في كيفية النظر مع الثياب أو بدونها.

أمّا المقام الأوّل: [أي في تحديد ما يجوز النظر إليها من أعضائها.]

فجوّز الشيخ النظر إلى ما ليس بعورة و فسّره في الخلاف بالوجه و الكفّين، و اختار في النهاية جواز النظر إلى المحاسن عامة قال:

«و لا بأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة يريد العقد عليها، و ينظر إلى محاسنها: يديها و وجهها. و يجوز أن ينظر إلى مشيها و إلى جسدها من فوق ثيابها». (1)

و لم يعنون المسألة من القدماء غير الشيخ. و ليس في الكافي (لأبي الصلاح)، و لا المهذّب (لابن البرّاج)، و لا الوسيلة (لابن حمزة) من المسألة أثر.

قال المحقّق: يجوز أن ينظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها و إن لم يستأذنها. و قال في الجواهر في شرح العبارة: «لا خلاف بين المسلمين في الجواز بل الإجماع بقسميه عليه». (2) و قال العلّامة في التذكرة: «لا نعلم خلافاً بين العلماء في أنّه يجوز لمن أراد التزويج بامرأة أن ينظر إلى وجهها و كفّيها مكرّراً». (3)

و قال السيد الاصفهاني: «يجوز لمن يريد تزويج امرأة أن ينظر إليها ... على وجهها و كفّيها و محاسنها». (4) هذا لدى الأصحاب و أمّا غيرهم:

قال ابن رشد القرطبي: «و أمّا النظر إلى المرأة عند الخطبة فأجاز ذلك مالك إلى الوجه و الكفّين فقط، و أجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين، و منع ذلك قوم على الإطلاق، و أجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه و الكفّين». (5)

____________

(1) النهاية: 484، كتاب النكاح.

(2) الجواهر: 29/ 63.

(3) التذكرة: 2، كتاب النكاح، المقدمة الثانية في النظر.

(4) وسيلة النجاة: 2/ 305 ط. طهران منشورات مكتبة الصدر.

(5) بداية المجتهد: 2/ 3، كتاب النكاح.

13

و قال ابن قدامة: «و من أراد أن يتزوّج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها». (1)

ثمّ إنّ لسان الأحاديث الواردة في المقام بين: مطلق و مقيّد، بوجهها و معاصمها، أو خلفها و وجهها، أو شعرها و محاسنها، أو خصوص شعرها أو محاسنها فقط. و الذي يقتضي التحقيق، هو عدم اختصاصه بهما. (2) و يمكن استفادة ذلك من وجوه:

أ: التعليل المستفيض الوارد في عدّة من الروايات:

1- صحيحة أبي أيّوب الخزاز (و هو إبراهيم بن عثمان أو ابن عيسى الثقة) عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أ ينظر إليها؟ قال: «نعم إنّما يشتريها بأغلى الثمن». (3)

2- صحيحة يونس بن يعقوب (البجلي الثقة) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوّج المرأة يجوز له أن ينظر إليها؟ قال: «نعم و ترقِّق له الثياب لأنّه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن». (4)

3- موثقة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه عن عليّ (عليه السلام) في رجل ينظر إلى محاسن امرأة يريد أن يتزوّجها؟ قال: «لا بأس إنّما هو مستام فإن يُقضَ أمر يكون». 5

4- خبر الحكم بن مسكين، عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1) المغني: 7/ 17، كتاب النكاح.

(2) أي بالوجه و الكفّين.

(3) الوسائل: 14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، و العجب أنّ صاحب الجواهر عبر عنه «بخبر محمّد بن مسلم» مع أنّه صحيحة.

(4) 4 و 5 المصدر نفسه، الحديث 11، 8.

14

الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أ ينظر إلى شعرها؟ فقال: «نعم إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن». (1)

5- خبر مسعدة بن اليسع الباهلي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس أن ينظر الرجل إلى محاسن المرأة قبل أن يتزوّجها فإنّما هو مستام، فإن يقضَ أمر يكون». 2

6- مرسلة معلّى بن محمّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أنّه سأله عن الرجل ينظر إلى المرأة قبل أن يتزوّجها؟ قال: «نعم فَلِمَ يعطي ماله». 3

7- مرسلة (المجازات النبويّة) عنه (عليه السلام) أنّه قال للمغيرة بن شعبة و قد خطب امرأة: «لو نظرت إليها فانّه أحرى أن يؤدم بينكما». 4

فانّ التعليل المستفيض كما عرفت يقتضي جواز النظر فيما هو دخيل في ارتفاع الثمن و انخفاضه و دوام العيش. و السؤال في خبر الحكم و إن كان عن الشعر لكن العلّة تعمّم الحكم.

ب: التصريح بجواز النظر إلى الشعر في مرسلة (عبد اللّه بن الفضل) 5 و خبر (عبد اللّه بن سنان) 6 ففي الأوّل قال (عليه السلام): «لا بأس بالنظر إلى شعرها و محاسنها، إذا لم يكن متلذذاً»، و في الثاني: «نعم إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن» بعد السؤال عن النظر إلى شعرها و هما و إن كانا خبرين لكن يصلحان للتأييد.

ج: و قد ورد جواز النظر إلى المحاسن في موثقة غياث بن إبراهيم 7 و خبر عبد اللّه بن الفضل 8 و هو يعمّ كلّ ما يعدّ موضع الحسن.

____________

(1) 1- 4 الوسائل: 14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7، 12، 4، 13.

(2) 5 و 6 المصدر نفسه، الحديث 5 و 7.

(3) 7 و 8 المصدر نفسه: الحديث 5 و 8.

15

د: الأمر بترقيق الثياب في صحيحة يونس بن يعقوب حيث يقول: «نعم و ترقّق له الثياب».

هذه الجهات الأربع يشرف الفقيه إلى الإذعان بعدم اختصاص الحكم، بالوجه و الكفّين بل الحكم أوسع من ذلك، غاية الأمر يقتصر على ما يعدّ من محاسن المرأة.

و بذلك يظهر النظر فيما اختاره المحقّق من التخصيص بالوجه و الكفّين، إذ لا وجه له، سوى صحيحة هشام بن سالم قال: «لا بأس بأن ينظر إلى وجهها و معاصمها إذا أراد أن يتزوّجها». (1)

و لا يخفى أنّ الحديث، على الخلاف أدلّ، لأنّ المعاصم أوسع من الكفّين إذ هي تطلق على فوق الزند الذي هو خارج عن مفهوم الكفّ.

و بذلك يعلم سرّ اختلاف لسان الروايات، فانّ الظاهر أنّ الكلّ من باب المثال و المقصود الإشارة إلى مواضع الحسن التي بها يرتفع المهر أو تشتدّ العلاقة أو تقلّ أو غير ذلك.

فلا معارضة بين ما خصّ الجواز بالوجه و المعاصم، و بين ما خصّه بالوجه و الخلف أو خصّه بالوجه و الشعر لما عرفت من حديث التمثيل.

ثمّ إنّ شيخ مشايخنا العلّامة الحائري رحمة اللّه عليه اقتصر بالموارد الواردة في الروايات قائلًا بأنّه لا يصحّ تعليل الخاص بما يكون علّة للعام، فلو كان العلم مثلًا علّة لإكرام كلّ من كان متّصفاً به، لم يصحّ تعليل إكرام خصوص زيد بما هو زيد بكونه عالماً و الإمام (عليه السلام) علل جواز النظر إلى الوجه و المعاصم بإرادة التزويج و قال: «بأن ينظر إلى وجهها و معاصمها إذا أراد أن يتزوّجها». فيعلم كونه‌

____________

(1) الوسائل: 14، الباب 36، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

16

علّة لخصوصهما دون غيرهما و إلّا يلزم تفسير الخاص بالعام. (1)

يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على حمل الموارد في الروايات على التحديد فيرد عليه ما ذكره، و أمّا إذا حملت على التمثيل، فيأبى عن كونه علّة للخصوص إذ عندئذ يكون الوجه أو المعصم عنواناً للمحاسن. و الإصرار بأنّ المذكور في الروايات من باب التحديد لا التمثيل، تدفعه العلّة المستفيضة الظاهرة في أنّها من باب التمثيل.

و الحاصل أنّ الظاهر من الروايات هو النظر إلى ما يعدّ محاسن للمرأة و لها دخل في غلاء المهر و قلّته. و أمّا ما في العروة من أنّه لا يبعد جواز النظر إلى سائر جسدها ما عدا عورتها، فإثباته بالدليل مشكل. بل اللازم الاقتصار بمواضع الحسن. هذا كلّه حول المقدار.

و أمّا المقام الثاني: أعني الكيفية

، فلا تتجاوز عمّا هو المتعارف في ذلك المجال، من لبس الثياب و الجورب و لها ترقيق الثياب، على الوجه المألوف بينهم. كما في صحيحة يونس بن يعقوب. و الاكتفاء على المتعارف في باب الكيفية، هو الأحوط.

المسألة الثانية: في النظر إلى نساء أهل الذمّة و شعرهن

هذا هو التخصيص الثاني تعرّض له الأصحاب في المقام و لم نجدها معنونة في كتب غيرهم و ما نقله العلّامة في المختلف عن الخلاف أنّه قال: «لا بأس بالنظر إلى نساء أهل الكتاب و شعورهن لأنّهنّ بمنزلة الإماء» لم نجده فيه و هو قريب ممّا‌

____________

(1) النكاح لشيخ مشايخنا العلّامة الحائري بقلم تلميذه الجليل الشيخ محمود الآشتياني (قدّس سرّهما)، ص 3.

17

ذكره الشيخ في النهاية و العبارة المنقولة أنسب بسياق النهاية لا الخلاف كما هو واضح لمن مارسهما». (1)

و قال في المقنعة: «لا بأس بالنظر إلى وجوه نساء أهل الكتاب و شعورهن لأنّهنّ بمنزلة الإماء و لا يجوز النظر إلى ذلك منهنّ لريبة» و على ذلك جرى الأصحاب في كتبهم، ما عدا ابن إدريس فلم يجوّز النظر تمسّكاً بالعمومات، و استقر به العلّامة في المختلف، و حكى في الحدائق الجواز عنه في باقي كتبه.

استدلّ ابن إدريس بقوله سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ) (2) و قوله تعالى: (لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ وَ لٰا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَنٰاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (3) و الآية الأُولى عام يتوقّف التمسك بها على عدم ورود التخصيص عليها في السنّة، و القائلون بالجواز يدّعونه، و الآية الثانية لا صلة لها بالمقام، و المراد من الأزواج هو الأصناف، أي الأصناف من الكفّار إذا كان مفعولًا، لقوله تعالى: (مَتَّعْنٰا)، أو أصنافاً من النعم إذا كان حالًا، و المراد لا تنظر إلى النعم التي أحاطت بهم، حسرة فانّها نعم زائلة و داثرة غير باقية نظير قوله سبحانه: (وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ) (4) و المراد من مدّ العينين هو النظر إلى كلّ ما أُوتوا من زخارف الدنيا نظراً مزدوجاً «مكرّراً» مع الحسرة و الحزن. و الاستدلال بها في المقام حاك عن عدم التدبّر في الآية.

أدلّة المجوّز

استدل المجوّز بوجوه:

____________

(1) لاحظ المختلف: 86، كتاب النكاح و النهاية: 484.

(2) النور/ 30.

(3) الحجر/ 88.

(4) طه/ 131.

18

الأوّل: تعليل جواز النظر بأنّهنّ كالإماء فيترتّب عليهنّ كلّ ما يترتّب على الإماء

من جواز النظر إليها و إن لم يكن المالك راضياً، لأنّ الجواز شرعيّ لا مالكي. و الظاهر من الروايات عموم المنزلة كما سيظهر و إليك ما روي في المقام.

1- صحيحة أبي بصير يعني المرادي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل له امرأة نصرانية له أن يتزوّج عليها يهودية؟ فقال: «إنّ أهل الكتاب مماليك للإمام، و ذلك موسّع منّا عليكم خاصّة فلا بأس أن يتزوّج»، قلت: فإنّه تزوّج عليهما أمة؟ قال: «لا يصلح له أن يتزوّج ثلاث إماء، فإن تزوّج عليهما حرّة مسلمة و لم تعلم أنّ له امرأة نصرانية و يهودية ثمّ دخل بها فانّ لها ما أخذت من المهر فإن شاءت أن تقيم بعد معه أقامت، و إن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت». (1)

ترى أنّه ينزّل الكتابية منزلة الإماء و ظاهره عموم المنزلة و ذلك من وجوه:

1- إنّ عدّتها عدّة الأمة.

2- لا يجوز تزويج أمة على الكتابيتين، لعدم جواز الجمع بين ثلاثة إماء.

3- لا يجوز تزويج الحرّة المسلمة على الكتابيتين، لأنّها بمنزلة نكاح الحرّة على الأمة. و على ذلك يترتّب عليه كلّ الآثار حتى جواز النظر إليها كالإماء.

2- صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني و طلّقها هل عليها عدّة مثل عدّة المسلمة؟ فقال: «لا، لأنّ أهل الكتاب مماليك للإمام، أ لا ترى أنّهم يؤدّون الجزية كما يؤدّي العبد الضريبة إلى مواليه». (2)

و المراد من «عدّة المسلمة» هو عدّة الحرّة فنفيها يلازم كون عدّتها عدّة الأمة‌

____________

(1) الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1.

(2) الوسائل: 15، الباب 45 من أبواب العدد، الحديث 1.

19

فتكون عدّتها خمسة و أربعين يوماً. و الصحيحتان كافيتان في إثبات عموم المنزلة، كما لا يخفى. و لأجل ذلك اعتمد عليهما المحقّق من بين روايات الباب.

الثاني: تعليل الجواز في الروايات

بأنّهنّ لا ينتهين إذا نهين و قد جاءت في المقام روايات:

1- روى الكليني عن ابن محبوب، عن عبّاد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لا بأس بالنظر إلى رءوس أهل تهامة و الأعراب و أهل السواد و العلوج لأنّهم إذا نهوا لا ينتهون». (1)

و تذكير الضمير للتجوّز و التغليب أو تطرّق التصحيف إلى الرواية: و الصحيح كما في الجواهر: «لأنّهنّ إذا نهين لا ينتهين» و يوافقه لفظ «علل الشرائع» كما سيوافيك.

و المراد من «العلوج» هو الكافر كما في المجمع و غيره من كتب اللغة.

2- و رواه في الفقيه بتغيير يسير «و الأعراب و أهل البوادي من أهل الذمّة و العلوج». (2)

و ما في الوسائل من أنّ المنقول في الفقيه متّحد مع ما في الكافي غير تامّ لما عرفت.

3- و رواه في العلل بنحو آخر و هو «و أهل السواد من أهل الذمّة لأنّهن إذا نهين لا ينتهين». (3)

و النقل الأوّل سؤال عن مطلق أهل الذمّة، و الثاني يخصه لأهل البوادي من‌

____________

(1) الوسائل: 14، الباب 113، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1 و عبّاد بن صهيب، وثّقه النجاشي.

(2) الفقيه: 3/ 144 ح 1438، باب النوادر.

(3) العلل: الباب 265، الحديث 1.

20

أهل الذمّة لا لأهل الحواضر، و الثالث يخصّه لأهل السواد منهم.

و إلغاء الخصوصية بين ما ذكر و ما لم يذكر ممكن بفضل التعليل الوارد في الجميع الذي يشمل جميع أهل الذمّة إلّا إذا كانت المرأة ممّن تنتهي إذا نهيت.

و الرواية موثقة، لكون عبّاد بن صهيب عامّي وثّقه النجاشي و ذكر الشيخ الطوسي أيضاً أنّه عامّي، و الرواية قابلة للاستناد.

الثالث: ما يدلّ على الجواز بلا تعليل

و بمعناه روايات:

1- ما رواه النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم): «لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر إلى شعورهنّ و أيديهنّ». (1) و الأصحاب يعملون بروايات النوفلي و السكوني و هما ثقتان.

2- روى في قرب الإسناد عن السندي بن محمّد و هو ثقة عن أبي البختري، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «لا بأس بالنظر إلى رءوس نساء أهل الذمة»، و قال: «ينزل المسلمون على أهل الذمة في أسفارهم و حاجاتهم، و لا ينزل المسلم على المسلم إلّا بإذنه». (2)

و المجموع صالح لتخصيص الآية الكريمة: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ) و إن كان تخصيص الذكر الحكيم بالخبر الواحد، مشكل، لكن عرفت تضافر الروايات و لكن يجب الاقتصار على الرءوس و الأيدي مع السواعد مع عدم التلذذ و الريبة كما قيّده الأصحاب و الرجوع في غيرها إلى العمومات كما لا يخفى.

هذا كلّه في الذميات، و أمّا نساء أهل البوادي و القرى و السافرات من النساء المسلمات اللاتي لا ينتهين إذا نهين فهل يجوز النظر أخذاً بالتعليل بشرط عدم الريبة و التلذذ أو لا؟ وجهان: أحوطهما الاجتناب.

____________

(1) الوسائل: 14، الباب 112 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.

(2) المصدر نفسه، الحديث 2.

21

المسألة الثالثة: في نظر كلّ من الرجل و المرأة إلى مثله

يجوز أن ينظر الرجل إلى مثله ما خلا عورته شيخاً كان أو شابّاً، حسناً كان أو قبيحاً ما لم يكن النظر لريبة أو تلذذ و كذا المرأة (1) و المسألة من ضروريات الفقه و قد استمرّ عليه عمل المسلمين في الأعصار، و تدلّ عليه روايات الحمّام، حيث خصّ ما يلزم ستره، بالعورة.

روى حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه». (2)

و الاختلاف إنّما هو في معنى العورة فهل هي السوأتان، أو بين السرة و الركبة لا في غيرها؟

هذا من غير فرق بين كونه شيخاً أو شاباً، و في الشاب بين الأمرد و الملتحي إذا تجرّد عن التلذذ و الريبة.

نعم روى ابن قدامة عن الشعبي قال: «قدم وفد عبد القيس على النبيّ (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) و فيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) وراء ظهره». (3)

و بما أنّه لم يأمره بالاحتجاب يستكشف أنّ الأمر كان للتعفف الشديد غير البالغ حدّ الوجوب.

و أمّا النظر إلى المثل عن تلذذ و ريبة، فخارج عن منصرف الدليل. و المراد من‌

____________

(1) الشرائع: 163، كتاب النكاح.

(2) الوسائل: 1، الباب 3 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 1، و لاحظ الأحاديث 52 من هذا الباب.

(3) المغني: 7/ 26.

22

التلذذ: هو النظر الموجب لهيجان الشهوة و مادّة الجماع، و أمّا التلذذ الطبيعي الذي يحصل لكلّ إنسان عادي كالحاصل من النظر إلى المناظر الطبيعية الزاهرة، فليس بمحرم. فما في الجواهر من الحكم بالتسوية بينهما و أنّ التفريق من الشيطان و مصائده فلم يعلم كنهه، و الإنسان على نفسه بصيرة. و هل يحتمل أحد أن يكون نظر الوالدين إلى أولادهما مع جمال الخلقة، حراماً؟!

المسألة الرابعة: كشف المسلمة بين يدي الكافرة

يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف رأسها للكافرة و يجوز دخول الحمام معها و عليه استمرّت السيرة غير أنّ المنقول عن الشيخ عدم الجواز في أحد قوليه تمسّكاً بقوله سبحانه: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ أَوْ آبٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنٰائِهِنَّ أَوْ أَبْنٰاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوٰانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوٰانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوٰاتِهِنَّ أَوْ نِسٰائِهِنَّ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ). (1) قائلًا بأنّ الذمّية ليست منهنّ.

يلاحظ عليه: أنّ في قوله (أَوْ نِسٰائِهِنَّ) عدّة احتمالات:

1- المراد: مطلق النساء و الهدف استثناء الجنس المماثل، و يكفي في الإضافة أدنى الملابسة ككونهم متجانسين و متماثلين و عندئذ يكون المراد من الجملة التالية: (أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ) هو العبيد و إنّما عبّر بصيغة الإضافة لحفظ سياق الآية فانّ الكلمات فيها مضافة إلى الضمير، مثل آبائهنّ و أبنائهنّ.

2- المراد: الحرائر من النساء و أمّا الإماء فهي داخلة في قوله: (أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُنَّ).

3- المراد: المؤمنات من النساء و ملاك الإضافة هو الإيمان.

____________

(1) النور/ 31.

23

4- المراد: النساء اللاتي لهنّ المعاشرة من الأقوام و الجيران، دون غيرهن.

لا وجه للرابع و لم يقل به أحد. و أمّا الثالث، فلو صحّ فإنّما هو لأجل إضافة النساء إلى المؤمنات (1)، فيلزم أن يكون المضاف مؤمناً كالمضاف إليه، و لكنّه غير صحيح و إلّا يلزم تخصيص الآباء و الأبناء و غيرهم في قوله: (أَوْ آبٰائِهِنَّ ...) بالمؤمن منهم لإضافتها إلى المؤمنات مثل النساء و هو كما ترى، لأنّه ينتج حرمة ابداء الزينة للأب الكافر مع كون البنت مسلمة. على أنّ التزام بالوجه الثالث بعيد لكثرة معاشرة النساء المؤمنات مع الكتابيات في عصر الأئمّة (عليهم السلام) و كان قسم منهنّ في خدمة بيوتهم. فبقي الاحتمالان و على كلا التقديرين يثبت المطلوب. نعم في صحيحة حفص ابن البختري كراهة الكشف حيث روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية و النصرانية فإنّهنّ يصفن ذلك لأزواجهنّ» (2) و لا بأس بالقول بها في حدّ الكراهة في مظنّة التوصيف لا مطلقاً.

بقي في المقام فرعان:

1- نظر الزوج إلى الزوجة و بالعكس.

2- النظر إلى المحارم.

و إليك البيان:

أمّا نظر الزوج إلى الزوجة و بالعكس

فجائز بالضرورة، فللرجل أن ينظر إلى جسد زوجته باطناً و ظاهراً و كذا المرأة بتلذذ و غيره، مضافاً إلى ما تضافر من الروايات من جواز نظر الرجل إلى امرأته و هي عريانة و كراهة النظر إلى الفرج حين الجماع لأنّه يورث العمى كما أنّ التكلّم يورث الخرس في الولد. (3)

____________

(1) لأنّ الضمير في «نسائهنّ» يرجع إلى المؤمنات الواردة في صدر الآية: «قل للمؤمنات».

(2) الوسائل: 14، الباب 98 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.

(3) المصدر نفسه، الباب 59 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6.

24

و يمكن ادّعاء الكراهة مطلقاً في حال الجماع و غيره لأنّ القرآن يعبّر عن العورة بالسوأة و يقول: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطٰانُ لِيُبْدِيَ لَهُمٰا مٰا وُورِيَ عَنْهُمٰا مِنْ سَوْآتِهِمٰا). (1)

و أمّا النظر إلى المحارم

و المراد منها من يحرم عليه نكاحهنّ نسباً أو رضاعاً أو مصاهرة أو ملكاً، فيجوز للرجل النظر إليها ما عدا العورة و الأولى الاكتفاء بما لا يستر عادة عند المحارم و لا خلاف في الجواز، بشرط عدم التلذذ و الريبة لأنّه القدر المتيقن من السيرة. و لكن لا ملازمة بين كونها من المحارم بمعنى حرمة نكاحها و جواز النظر، فانّ أُخت الزوجة يحرم نكاحها و لا يجوز النظر إليها و على ذلك فليس كلّ من يحرم نكاحها يجوز النظر إليها، فلأجل ذلك لا بدّ من التعرّف عليها بدليل آخر.

المسألة الخامسة: فيما إذا اشتبه من يجوز النظر إليه بغيره

إذا اشتبه من يجوز النظر إليه فهنا صور:

الأُولى: إذا اشتبه بالشبهة المحصورة وجب الاجتناب عن الجميع لمنجّزية العلم الإجمالي.

و مثله إذا اشتبه من يجب التستّر عنه بين من لا يجب، فيجب التستّر عن الجميع و الأمثلة واضحة.

و إن كانت الشبهة غير محصورة أو بدئيّة فلها صور:

1- إذا شكّ في كونه مماثلًا للناظر أو لا.

2- إذا علم أنّه امرأة و شكّ في كونها من المحارم النسبية.

____________

(1) الأعراف/ 20.

25

3 إذا علم أنّه امرأة و شكّ في كونها من المحارم السببية كالزوجة.

4- إذا علم أنّه امرأة و شكّ في كونها من المحارم الرضاعية.

فذهب المشهور إلى حرمة النظر أو وجوب التستر في الجميع و علّل بوجوه:

الأوّل: التمسّك بعموم العام

أي عموم وجوب الغضّ على الرجال إلّا من المحارم النسبية و السببية، و على النساء إلّا من نسائهن و الرجال المذكورين في الآية، فكلّ فرد علم خروجه منه بعد التخصيص يؤخذ به و إلّا فيبقى تحت العام، فإذا شكّ في كون فرد من مصاديق تلك العناوين يتمسّك بالعام حتّى يثبت خروجه.

يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على القول بصحّة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصِّص و قد تبيّن بطلانه.

و حاصله: أنّ التقييد بالمنفصل، كالتقييد بالمتصل. فالتقييد على كل حال يجعل الموضوع مركّباً من شيئين: ظاهراً كما في المقيّد المتّصل، أو لبّاً كما في المنفصل فإذا قلت: أكرم العالم العادل، أو قال: أعتق رقبة و لا تعتق رقبة كافرة، يكون الموضوع أمراً مركّباً من شيئين فلا يكفي كون الرجل عالماً أو عبداً، بل يجب إحراز كلا القيدين و التخصيص بالمنفصل و إن لم يجعل الموضوع مركّباً من شيئين ظاهراً لكنّه يجعل العام حجّة في غير عنوان الخاص، فإذا قال المولى: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، فالموضوع حسب اللفظ و حسب الإرادة الاستعمالية هي العلماء لكن العام ليس حجّة فيه. بل حجّة فيه فيما لا يصدق عليه عنوان الخاص (الفاسق).

و إلى هذا يرجع ما ذكره المحقق الخراساني في كفايته حيث قال:

«إنّ الخاص و إن لم يكن دليلًا في الفرد المشتبه فعلًا إلّا أنّه يوجب اختصاص حجّية العام في غير عنوانه من الأفراد فيكون «أكرم العلماء» دليلًا‌

26

و حجّة في العالم غير الفاسق. فالمصداق المشتبه و إن كان مصداقاً للعام بلا كلام إلّا أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة لاختصاص حجّيته بغير الفاسق». (1)

فنقول في المقام: إنّ قوله سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ) (2) على فرض عمومه لكلّ إنسان مماثل أو غير مماثل، خصّ بالدليل المنفصل و خرج عنه المماثل، فالآية حجّة في الإنسان غير المماثل، و أحد الجزءين و إن أُحرز بالوجدان لكن الجزء الثاني أي كونه غير مماثل بعد غير محرز، و كون الموضوع في الآية مطلق الإنسان و هو محرز لا يكفي في التمسك بها، لأنّها ليست حجّة في موضوعه الأعم بعد التخصيص و إنّما هو حجّة في غير عنوان المخصص و هو عدم عنوان المخصص بعد لم يحرز.

على أنّه يمكن أن يقال: إنّ موضوع العام بعدُ غير محرز، إذ ليس موضوعه مطلق الإنسان، خرج عنه المماثل حتّى يكون المورد المشتبة من حيث التماثل و عدمه من قبيل الشبهة المصداقية للمخصص مع إحراز موضوع العام، بل الموضوع هو الجنس المخالف و غير المماثل، فإذا قيل للرجال: غضّوا أبصاركم، لا يفهم منه إلّا الغضّ عن النساء، و إذا قيل للنساء: غضنَ أبصاركنّ، لا يفهم منه إلّا الغضّ عن الرجل و القرينة الحالية خصصت العامين بالجنس المخالف، فلو شكّ في كون المنظور إليه مماثلًا أو لا فهو شكّ في تحقّق نفس موضوع العام.

و ربّما يتوهّم من وجود العموم في الآيتين و أنّ الموضوع هو الإنسان بقرينة إخراج النساء بقوله سبحانه: (أَوْ نِسٰائِهِنَّ) و لكنّه مدفوع بأنّ قوله: (أَوْ نِسٰائِهِنَّ) ليس راجعاً إلى الغضّ حتّى يكون مخصِّصاً بالنسبة إليه، بل هو راجع إلى إظهار الزينة فلاحظ قوله سبحانه: (وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ

____________

(1) الكفاية: 1/ 343342، طبعة المشكيني.

(2) النور/ 30.

27

أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ ... أَوْ نِسٰائِهِنَّ). (1)

نعم يكون الشكّ في غير «الغضّ» أعني: الأفعال المعطوفة عليها، شكّ في الشبهة المصداقية للمخصّص لأنّ الموضوع فيها هو الإنسان، و بما أنّه محرز و الشكّ في صدق عنوان المخصّص فيكون الشكّ فيها من قبيل الشكّ في الشبهة المصداقية للمخصّص، لا للعام كما في الغضّ، على البيان المذكور أخيراً.

الثاني: التمسك بقاعدة المقتضي و المانع،

و الفرق بينها و بين قاعدة الاستصحاب هو أنّه لو كان الشكّ متعلّقاً ببقاء ما تعلّق به اليقين، كما إذا شكّ في الطهارة بعد اليقين بها، يكون المورد مصداقاً لقاعدة الاستصحاب و أمّا إذا تعدّد المتعلّق، كما إذا شكّ في النوم‌

____________

(1) النور/ 31.

28

بعد الإذعان بالطهارة فهو من مصاديق قاعدة المقتضي و المانع، و على ذلك لو أذعن بالقتل و شكّ في كون المقتول مرتدّاً، أو أيقن بالملاقاة مع النجس، و شكّ في كون الملاقي كرّاً فالجميع من موارد القاعدة فيقال: المقتضي للقصاص و التنجيس موجود، و الشكّ في وجود المانع من تأثير الارتداد و الكرّية فهو مرفوع بالأصل.

و هذه القاعدة لها جذور في كلمات القدماء و لكن جدّدها المحقّق الشيخ هادي الطهراني (قدّس سرّه) و استظهرها من روايات الاستصحاب خصوصاً من الصحيحة الأُولى لزرارة.

يلاحظ عليه: أنّ كون مورد الصحيحة من موارد القاعدة لا يقتضي أن تكون القاعدة المجعولة فيها، قاعدةَ المقتضي و المانع و كفى الاستصحاب في عدم وجوب الوضوء مع الشكّ في النوم، لأجل تحقّق أركانه و هو الشكّ في بقاء الوضوء بعد الإذعان به، لا لأجل إحراز المقتضي و الشكّ في المانع نعم صار الشكّ في النوم سبباً للشكّ في نفس الطهارة، و المعنى: لا تنقض اليقين بالطهارة بالشكّ فيها و إن كان هذا الشكّ ناشئاً من الشكّ في تحقق رافعها. و التفصيل موكول إلى محلّه.

هذا كلّه حول نفس القاعدة و على فرض صحّتها فهي غير تامّة في الصورة الأُولى، لعدم إحراز المقتضي و هو كون المرئي غير مماثل مع الناظر. نعم تتم القاعدة على فرض صحّتها في الصور الباقية.

الثالث: إحراز عدم عنوان المخصص بالأصل الموضوعي،

فانّ التمسك بالعام و إن كان غير جائز لكن العنوان الوارد في المخصِّص إذا كان وجودياً يمكن إحراز عدمه بالأصل فأحد الجزءين يحرز بالوجدان و هو كونه إنساناً، و الآخر أعني: عدم كونه مماثلًا، أو أُختاً نسبية أو رضاعية أو زوجة بالأصل، فانّ الأصل عدم تحقّق هذه الأُمور و هذا ما يسمّى بأصل العدم الأزلي، و يقال في المثال المعروف: «المرأة ترى الدم إلى خمسين إلّا القرشية فانّها ترى الدم إلى ستّين»: الموضوع للعام بعد التخصيص هي المرأة غير القرشية، فالأوّل محرز بالوجدان و الثاني محرز بأصالة عدم كونها قرشية حيث إنّها عند ما لم تكن، كانت فاقدةً للوجود و وصفها (القرشية) و بعد التكوّن نشكّ في انقلاب وصفها إلى الوجود، فالأصل بقاؤها على ما كانت.

يلاحظ عليه: أنّ الأصل الأزلي مضافاً إلى كونه بعيداً عن الأذهان العرفية إذ لا يراه العرف مصداقاً لقوله: لا تنقض، إذا لو خالفه و قال بقرشيتها، فلا يقال إنّه نقض يقينه بالشكّ و إنّما يقال: إنّه حكم بلا علم و قضى بلا دليل أنّ الأصل المزبور مثبت فإنّ العدم المحمولي الذي يجتمع مع عدم الموضوع و إن كانت له حالة سابقة لكنّه ليس موضوعاً للحكم، و العدم النعتي الذي هو موضوع له، ليس له حالة سابقة. فالموضوع لرؤية الدم هي المرأة غير القرشية فهي ترى الدم إلى خمسين، و بعبارة أُخرى العدم المأخوذ في الموضوع عدم نعتي لا محمولي،

29

و المستصحب عدم محمولي لا نعتي.

توضيحه: أنّه يجب تنقيح ما هو الموضوع في جانب المستثنى منه في قولنا: «كلّ امرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية» فانّها تحيض إلى ستّين فنقول: الموضوع في المقام له خصوصيتان، بمعنى أنّه مركّب من قيدين: 1 المرأة. 2 لم تكن قرشية، و بما أنّ الحكم الواحد أعني: ترى، أو (تحيض) يطلب لنفسه موضوعاً واحداً يجب أن تكون بين جزءين صلة و ربط. فلا مناص من أن يكون الجزء الثاني وصفاً له، حتى يقع بوحدته موضوعاً لحكم واحد و عند ذاك يصبح العدمُ عدماً نعتياً له، لا محمولياً فيكون الموضوع للدليل الاجتهادي «المرأة الموصوفة بأنّها لم تكن قرشية» لا (المرأة+ لم تكن قرشية بلا توصيف) و الأوّل ممّا لا سابقة له، فكيف يستصحب. و تصوّر أنّ العدم محمولي، غير تامّ لأنّه يستلزم فقدان الصلة بين جزئي الموضوع و هو ينافي وحدة الحكم المقتضية لوحدة الموضوع، و عند ذلك يصبح الاستصحاب الأزلي في أمثال المقام مردّداً بين ما ليس موضوعاً للحكم (العدم المحمولي) و ما ليس له حالة سابقة (العدم النعتي).

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي دام ظلّه ممن أصرّ على صحّة ذلك الاستصحاب في تعليقته على «أجود التقريرات»، و محاضراته العلمية المختلفة، و في كتاب مستند العروة، و حاصل ما أفاد في الذبّ عن الإشكال يتلخّص في وجهين:

1- الإشكال وارد فيما إذا علم أنّ العدم مأخوذ على نحو النعتية، لظهور الدليل أو لجهة أُخرى نظير ما لو أجرى استصحاب عدم البصر في المشكوك كونه أعمى أو بصيراً فانّه لا يثبت كونه أعمى، و لكنّه في المورد غير تام، فانّه إنّما يتمّ في جانب المستثنى لا في جانب المستثنى منه، فإذا قيل: المرأة ترى الدم إلى خمسين إلّا القرشية، فالموضوع في جانب المستثنى هي المرأة الموصوفة بالقرشية، و أمّا في جانب المستثنى منه فليس الموضوع هو الفرد المتّصف بعدم الوصف المأخوذ في‌

30

المستثنى فانّه يحتاج إلى العناية و التكلّف و لا يقتضيه الدليل بنفسه، إذ أنّ الاستثناء لا يقتضي إلّا خروج العنوان المذكور المستثنى من الحكم الثابت للمستثنى منه. و أمّا اتّصاف المستثنى منه بعنوان آخر مضادّ للمستثنى فليس فيه اقتضاء لذلك، و عليه يكون الباقي تحت العام بعد الاستثناء في قولنا: «كلّ امرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشية» هي المرأة التي لا تكون قرشية على النحو السالبة المحصّلة بمعنى أنّ موضوع الحكم إنّما هي المرأة التي لا تتّصف بالقرشية لا المرأة المتّصفة بأنّها ليست قرشية.

و بعبارة أُخرى: الذي يقتضيه الاستثناء إنّما هو كون الموضوع مقيّداً بكونه ليس من المستثنى فيكون القيد عدمياً لا محالة. أمّا كونه مقيّداً باتّصافه بأنّه غير المستثنى بحيث يكون القيد وجوديّاً، فهو بحاجة إلى عناية زائدة و لا يقتضيه الاستثناء.

2- أنّ العدم يستحيل أن يكون نعتاً و وصفاً لشي‌ء إذ لا وجود له كي يكون كذلك، و إنّما يؤخذ على نحو من العناية بأن يلحظ أمر وجودي ملازم له، فيكون ذلك الأمر الوجودي نعتاً له و إلّا فالعدم غير قابل للناعتية. (1)

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الباقي تحت المستثنى منه هو العدم النعتي لا العدم المحمولي، و ذلك لأنّ وحدة الحكم تكشف عن وحدة الموضوع فانّ الحكم في جانب المستثنى منه واحد و هو «ترى» فيجب أن يكون الموضوع أيضاً واحداً و الجزءان عبارة عن امرين: 1 المرأة 2 التي لا تكون قرشية، و عندئذ إمّا أن يلاحظ كل من الجزءين أمراً مستقلًا من دون ارتباط الثاني بالأوّل، أو لا، فعلى الأوّل يكون الموضوع متكثّراً يستتبع تعدّد الحكم و هو خلف، و على الثاني يجب أن يكون بينهما ربط وصلة بأن يكون الثاني من متمّمات الأوّل و قيوده و هو عين كونه وصفاً و نعتاً،

____________

(1) مستند العروة الوثقى: 1/ 123122، كتاب النكاح.

31

و إلّا يلزم أن تكون «المرأة» بوحدتها و «التي لا تكون قرشية» باستقلالها من دون أن يكون بينهما صلة و اتصال، موضوعاً للحكم الواحد و هو غير متصوّر.

و بعبارة أُخرى: إمّا أن يلاحظ كلّ مستقلًا و أن يكون وزان الثاني إلى المرأة كوزان سائر الأُمور غير المرتبطة بالمرأة فيستحيل أن يقع مثل ذلك موضوعاً لحكم واحد، و إمّا أن يلاحظا مرتبطين و لا معنى للارتباط سوى كون الثاني من قيود الأوّل و متمّماته و حالاته و صفاته.

و ثانياً: أنّ ما أفاد من البرهان العلمي من أنّ العدم يستحيل أن يكون وصفاً و نعتاً إلخ، فهو خلط بين التكوين و الاعتبار ففي عالم الاعتبار يصحّ أن تقع السالبة المحصلة وصفاً للموضوع و الاعتبار خفيف المؤنة.

نعم العدم في صفحة التكوين، أمر باطل لا يمكن أن يحكي عن واقعية حتّى يقع وصفاً و لكن البحث في لسان التشريع و الاعتبار فله أن يأخذ الأمر السلبي وصفاً للموضوع و إلّا لما صحّ جعل المعدولة وصفاً مثل قوله: زيد اللاكاتب، مع أنّ حقيقة اللاكاتب ليس إلّا أمراً عدمياً يكون محصله عدم القدرة على الكتابة. هذا و قد بسطنا الكلام في المقام عند البحث عن تنقيح حال موضوع المخصص بالأصل، في علم الأُصول، فلاحظ.

الرابع: ما أفاده المحقق النائيني ره في تعليقته على العروة الوثقى

قال: يدلّ نفس هذا التعليق على إناطة الرخصة و الجواز بإحراز ذلك الأمر و عدم جواز الاقتحام عند الشكّ فيه فيكون من المداليل الالتزامية العرفيّة. و أوضحه تلميذه الكاظمي في تقريراته عند البحث عن البراءة و قال: إنّ تعليق الحكم على أمر وجودي يقتضي إحرازه فمع الشكّ في تحقّق ذلك الأمر الوجودي الذي علّق الحكم عليه يبنى ظاهراً على عدم تحقّقه لا من جهة استصحاب العدم، إذ ربّما لا يكون لذلك الشي‌ء حالة سابقة قابلة للاستصحاب بل من جهة الملازمة العرفية‌

32

بين تعليق الحكم على أمر وجودي و بين عدمه عند عدم إحرازه. و هذه الملازمة تستفاد من دليل الحكم و لكن لا ملازمة واقعية بل ملازمة ظاهرية، أي في مقام العمل يبنى على عدم الحكم مع الشكّ في وجود ما علّق الحكم عليه.

و يترتّب على ذلك فروع مهمّة:

منها: البناء على نجاسة الماء المشكوك الكرّية عند ملاقاته للنجاسة مع عدم العلم بحالته السابقة، لأنّه يستفاد من دليل الحكم أنّ العاصمية إنّما تكون عند إحراز الكرّية لا من جهة أخذ العلم و الإحراز في موضوع الحكم بل من جهة الملازمة العرفية الظاهرية.

و منها: أصالة الحرمة في باب الدماء و الفروج و الأموال. فانّ الحكم بجواز الوطء، مثلًا قد علّق على الزوجية و ملك اليمين، و الحكم بجواز التصرّف في الأموال قد علّق على كون المال ممّا أحلّه اللّه كما في الخبر: لا يحلّ مال إلّا من وجه أحلّه اللّه، فلا يجوز الوطء أو التصرّف في المال مع الشكّ في كونها زوجة أو ملك اليمين أو الشكّ في كون المال مما قد أحلّه اللّه. (1)

أقول: إنّ ما أفاده و إن كان متيناً لكنّه يختصّ بما إذا كان طبع القضية يقتضي الاجتناب إلّا إذا دلّ دليل على الجواز ففي تلك الموارد، يكون الاجتناب أصلًا محكّماً في موارد الشبهة و لا يجوز الاقتحام إلّا إذا كان هناك دليل واضح و إن كانت الشبهة موضوعية، و على ذلك جرت سيرة الفقهاء، في أبواب الفقه و لعلّه أصل عقلائي في حياتهم و إليك بعض الأمثلة:

1- التصرّف في الوقف بالبيع و الهبة فإنّ الحكم الأوّلي فيه البطلان إلّا إذا أُحرز المجوّز، فلو قام رجل ببيعه لا يصحّ لنا منه الشراء إلّا بعد الوقوف على المجوّز و ليس المورد من موارد أصالة الصحّة، لأنّ الحظر في بيع الوقف غالب على إباحته،

____________

(1) فوائد الأُصول: 3/ 140، بحث البراءة (ص 384 من الطبعة الجديدة).

33

فالإباحة بالنسبة إلى التحريم نادر.

2- التصرّف في مال اليتيم بالبيع و الشراء ممنوع ذاتاً إلّا إذا أُحرز المجوّز، فلو قام غير الولي ببيعه و إن احتمل وجود المسوّغ، لا يجوز لنا منه الشراء إلّا بعد الوقوف على المسوّغ، لأنّ الغالب في التصرّف في أموال الأيتام هو الحظر و لا يكون الموردان من مجاري أصالة الصحّة، مع أنّ ذلك البائع لو قام بالصلاة على الميّت و احتملنا فساد صلاته، يحمل عمله على الصحّة إذ ليس الفساد غالباً في الصلاة على الميّت.

3- الأصل في اللحوم هو حرمة الأكل و الحلال منه بالنسبة إلى المحرّم، قليل جدّاً فليس لنا الاقتحام على الأكل و إن كانت الشبهة موضوعية، و على ذلك جرت سيرة الفقهاء من هذه الأبواب، و نظائرها و لذلك ترى أنّ الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) يقول في فرائده عند البحث عن أصالة الصحّة: و أولى بعدم الجريان ما لو كان العقد في نفسه لو خلّي و طبعه مبنياً على الفساد بحيث يكون المصحِّح طارئاً عليه كما لو ادّعى بائع الوقف وجود المصحّح له و كذا الراهن أو المشتري من الفضولي إجازة المرتهن و المالك. (1)

و على ذلك فيجب التفريق بين الصور، ففي ما إذا شكّ في كون المرئي مماثلًا أو مخالفاً، لا يحكم بالتحريم إذ ليس نظر الإنسان إلى الإنسان محكوماً بالتحريم خرج عنه ما خرج، بل النظر على قسمين قسم جائز و قسم منه غير جائز و كلا الحكمين بالنسبة إلى المورد المشكوك سواء.

و هذا بخلاف ما إذا أُحرز أنّه امرأة فشكّ في كونها محرماً لأجل العلاقة النسبية أو السببية أو اللحمة الرضاعية، فالأصل الأوّلي هو التحريم حتى يثبت الجواز، أضف إلى ذلك وجود الأصل الحاكم المحرز لموضوع العام المحرّم في بعض‌

____________

(1) الفرائد: بحث أصالة الصحّة، التنبيه الثالث.

34

الصور: كأصالة عدم الزوجية أو عدم تحقق الرضاع المحرّم. نعم لو شكّ في كونه من المحارم النسبية فليس هناك أصل منقّح للموضوع لأنّ المرأة من أوّل يوم إمّا أُخت للرائي أو لا، و أمّا الصور الباقية فإليك البيان.

إذا شكّ في كون المرئي إنساناً أو حيواناً أو شجراً. لا ينبغي الشكّ في الجواز لعدم إحراز الموضوع و هو كونه إنساناً فضلًا عن كونه امرأة كما أنّه إذا شكّ في كون المرأة بالغة أو لا، فالظاهر هو الحكم بجواز النظر لاستصحاب عدم البلوغ المنقّح للموضوع. و منه يعلم إذا شكّ في كونها مميّزة أو لا فالأصل هو عدم التميز.

المسألة السادسة: في نظر الرجل إلى الأجنبية

قال المحقق: و لا ينظر الرجل إلى الأجنبية أصلًا إلّا لضرورة.

أقول: الحكم من الضروريات، فهو من ضروريات الفقه، أو ضروريات المذهب، و على حدّ قول الجواهر من ضروريات الدين، و على قوله يكون المنكر محكوماً بالكفر، لكنّه مبنيّ على كونه من ضروريات الدين لا من ضروريات الفقه و بينهما فرق، ففي الكتاب و السنّة نصوص كافية.

1- قوله سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ إِنَّ اللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا يَصْنَعُونَ). (1)

الغض في الأصل بمعنى الكفّ و النقصان و هو غير الغمض الذي هو ضمّ الجفان يقال: ما ذقت غمضاً من النوم و لا غماضاً، أي كقدر ما تغمض فيه العين. و الغض هو نقصان النظر و إدناء الجفان، و الغمض هو ضمّها. (2)

____________

(1) النور/ 30.

(2) مقاييس اللغة: 4/ 383 و 396.

35

و أمّا دخول لفظة (مِنْ) على قوله (أَبْصٰارِهِمْ*) ففيه وجهان:

أ: ما ذكره الزمخشري و قال: «من» للتبعيض و المراد غضّ البصر عمّا يحرم و إنّما دخلت في غضّ البصر دون حفظ الفرج، لأجل دلالة أنّ أمر النظر أوسع، لأنّ المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهنّ و صدورهنّ و أمّا الفرج فالأمر فيها غير موسّع.

ب: يمكن أن يكون الوجه الإشارة إلى أنّ المراد من الغضّ هو نقصان النظر، لا ضمّ العيون و الأبصار، و على ذلك فالآية تشير إلى أنّ الواجب على المؤمنين نقص النظر و كفّه، بمعنى التبعيض في عمل العين و إبصارها فلا يفتحون العيون و الأجفان بل يدنونها فلأجل ذلك دخلت «من» الدالّة على التبعيض في الرؤية و المرئي.

فإن قلت: فعلى ذلك يكون المعنى هو النهي عن النظر الدقيق، لا النظر المسامحي و هذا ممّا لم يقل به أحد من الفقهاء فانّ النظر إلى الأجنبية حرام مطلقاً، كان على وجه الدقة أو غيره.

قلت: إنّ تنقيص النظر كناية عن عدم النظر إلى المرأة بمعنى عطف النظر إلى نقطة أُخرى كالأمام بعد النظرة الاتفاقية حتّى يعطى للنظر بذلك نقصاناً و كفّاً و لأجل ذلك لا يتبادر في الأوساط العربية من قوله: «غضّ بصرك» إلّا عدم النظر إلى المنهي عنه بعطف النظر إلى موضع آخر، و لا يتبادر منه غمض العين و طبق الجفنين حتّى لا يرى شيئاً و هذا هو مفاد الآية.

و على كلّ تقدير فالآية تدلّ بوضوح على حرمة النظر إلى المرأة خرج عنه ما خرج.

2- قوله سبحانه: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ) (1) فالآية‌

____________

(1) النور/ 31.

36

تدلّ على ستر الزينة و حرمة إبدائها، و من المعلوم أنّه لا موضوعية للستر إلّا لأجل حرمة نظر الرجل إليها. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ النسبة بين وجوب الستر و حرمة النظر هو العموم من وجه، فتارة تجتمعان كما في غير الوجه و الكفّين من الأجنبية، و أُخرى يجوز النظر مع وجوب الستر كما في الكتابية و ثالثة يحرم النظر مع عدم وجوب الستر كما في المجنونة.

3- ما دلّ على جواز النظر لمن يريد أن يتزوّج، و ما دلّ على جواز النظر إلى الكتابيات و أهل البوادي و لو لا حرمة النظر إلى الأجنبية لما كان لهذه الروايات وجه فهي تدلّ على أنّ الأصل هو حرمة النظر إلّا في هذه الموارد.

4- الروايات الواردة حول النظر و أنّه سهم من سهام إبليس. (1) فإنّ أحاديث الباب و إن لم تخل عن علّة و لكن المجموع يفيد الاطمئنان بصدور مضمونها عن الأئمّة (عليهم السلام) و القدر المتيقّن هو النظر مع الالتذاذ و الشهوة، لكن إطلاق غيرها يكفي في إثبات حرمة النظر مطلقاً.

المسألة السابعة: في النظر إلى الوجه و الكفّين منها

(2) قال المحقّق: «و يجوز أن ينظر إلى وجهها و كفّيها على كراهية و لا يجوز معاودة النظر».

أقول: إنّ المسألة مع كونها عامة البلوى لم يهتمّ المتقدّمون لبيان حكمها فلم يتعرّض الصدوق لها في المقنع، و لا المرتضى في الانتصار، و المسائل الناصريات،

____________

(1) الوسائل: 14، الباب 104، من أبواب مقدّمات النكاح.

(2) هنا مسألتان: 1 هل يجب على المرأة ستر الوجه و الكفّين أو لا؟ 2 هل يجوز للأجنبي النظر إليهما إذا كانتا مكشوفتين و المسألتان مخلوطتان في كلمات القوم و لو كانت المسألتان محرّرتين بحيالهما لكان أحسن و سوف نشير في ثنايا البحث إليهما.

37

و لا القاضي في جواهر الفقه، و لا سلّار في المراسم، و لا الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن الحسن الحلبي في إشارة السبق، و لا ابن زهرة في الغنية، و لا ابن حمزة في الوسيلة، و لا المحقّق في نكت النهاية، و لا يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع، و لعلّهم اكتفوا بما دلّ من الإطلاقات على وجوب الغضّ عن الأجنبية مطلقاً، إلّا أنّ الشيخ في المبسوط أفتى بكراهة النظر و قال: «لا تحلّ للأجنبي أن ينظر إلى أجنبية لغير حاجة و سبب، فنظره إلى ما هو عورة منها محظور، و إلى ما ليس بعورة مكروه، و هو الوجه و الكفّان لقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ). و روى أنّ الخثعمية أتت رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) في حَجَّة الوداع تستفتيه في الحَجّ و كان الفضل بن عبّاس رديف النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) فأخذ ينظر إليها و أخذت تنظر إليه فصرف النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) وجه الفضل عنها و قال: «رجل شاب و امرأة شابة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان».

و روي أنّ النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) قال لعلي (عليه السلام): «لا تتبع النظرة النظرة فإنّ الأُولى لك و الثانية عليك». (1)

و أمّا غير الشيخ و حتّى نفسه في غير المبسوط فلم يتعرّضوا للمسألة، نعم ذكروا جواز النظر عند التزويج و إليك كلماتهم في ذلك المقام:

1- قال المفيد في المقنعة في باب نظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوّجها و ما يحلّ له من ذلك و ما لا يحلّ: «إذا أراد الرجل أن يعقد على امرأة فلا حرج عليه أن ينظر إلى وجهها قبل العقد و يرى يديها بارزة من الثوب و ينظر إليها ماشية في ثيابها، و إذا أراد ابتياع أمة نظر إلى وجهها و شعر رأسها و لا يحلّ له أن ينظر إلى وجه امرأة ليست بمحرم ليتلذذ بذلك دون أن يراها للعقد عليها». (2)

____________

(1) المبسوط: 4/ 160.

(2) المقنعة: 521.

38

2- قال الشيخ: لا بأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة يريد العقد عليها: يديها و وجهها و يجوز أن ينظر إلى مشيها و إلى جسدها من فوق ثيابها و لا يجوز له شي‌ء من ذلك إذا لم يرد العقد عليها، و لا بأس أن ينظر الرجل إلى أمة يريد شراءها و ينظر إلى شعرها و محاسنها و لا يجوز له ذلك إذا لم يرد ابتياعها» (1) فقوله: «لا يجوز شي‌ء من ذلك» يشمل الوجه و الكفّين.

3- قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: «و يجوز للرجل النظر إلى وجه المرأة التي يريد العقد عليها و إلى محاسنها و جسمها من فوق ثيابها فإن لم يكن مريداً للعقد عليها لم يجز شي‌ء من ذلك و كذلك يجوز له في الأمة التي يريد ابتياعها فإن لم يرد ابتياعها لم يجز شي‌ء من ذلك أيضاً». (2)

فإنّ تخصيص جواز النظر إلى الوجه بصورة إرادة التزويج أو الابتياع دالّ على المنع في غير هاتين الصورتين.

4- و قال الحلبي: و لا يحلّ لأحدهما ذلك (النظر إلى وجهها و بدنها) من دون إرادة التزويج. (3)

5- و قال ابن حمزة في الوسيلة: و إذا زوّج الرجل جارية من الغير لم يجز له أن ينظر إليها منكشفة و إذا بانت منه جاز له ذلك. (4)

إلى هنا لم نقف على أحد من القدماء ممّن يصرّح بجواز النظر إلّا ما عرفت من المبسوط، فهم بين ساكت عن الإشارة إلى المسألة أو مطلق حرمة النظر الشامل لهما.

6- نعم أوّل من عنون المسألة بصراحة بعد الشيخ الطوسي في المبسوط و أفتى بالجواز مع كراهية هو المحقّق فجوّز النظر الأُولى، دون الثانية و قد عرفت كلامه.

____________

(1) النهاية: 484.

(2) المهذّب: 2/ 221.

(3) الكافي: 296.

(4) الوسيلة: 75.

39

7 و تبعه العلّامة في القواعد: حيث قال: و لا يحلّ النظر إلى الأجنبية إلّا لضرورة كالشهادة عليها و يجوز إلى وجهها و كفّيها مرّة واحدة لا أزيد. (1)

8- و مع ذلك فقد أفتى في التذكرة بخلاف ما قال به في القواعد فقال فيها:

النظر إمّا أن يكون لحاجة أو لا، «القسم الأوّل»: أن لا يكون لحاجة فلا يجوز للرجل النظر إلى الأجنبية التي لا يريد نكاحها في ما عدا الوجه و الكفّين، فأمّا الوجه و الكفّان فإن خاف الفتنة حرم أيضاً، لقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ) و إن لم يخف الفتنة قال الشيخ (رحمه اللّه): إنّه يكره و ليس بمحرّم لقوله تعالى: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا) و هو مفسّر بالوجه و الكفّين و هو قول أكثر الشافعية، و لهم قول آخر أنّه يحرم إلى أن قال: و هو الأقوى عندي و ليس المراد من الكفّ مجرّد الراحة بل من رءوس الأصابع إلى المعصم، و للشافعية وجه و هو أنّه يختصّ الحكم بالراحة و أخمص القدمين. «القسم الثاني»: أن يكون هناك حاجة إلى النظر فيجوز إجماعاً. كمن يريد نكاح امرأة. (2)

9- و قال الشهيد في اللمعة: و لا ينظر الرجل إلى الأجنبية إلّا مرّة من غير معاودة إلّا لضرورة كالمعاملة و الشهادة عليها و العلاج. (3)

10 و اختار المحدّث البحراني: الجواز استناداً إلى روايات ظاهرة في استثناء الوجه و الكفّين. (4)

1- 1 و اضطرب كلام السيد الطباطبائي (قدّس اللّه سرّه) فاختار المنع في باب النكاح و أفتى بالجواز في كتاب الصلاة في باب الستر و قال: «و يجب ستر المرأة تمام‌

____________

(1) إيضاح القواعد: 3/ 7، قسم المتن.

(2) التذكرة: 2، كتاب النكاح، المقدّمة الثامنة في النظر.

(3) الروضة البهية: 2/ 54.

(4) الحدائق: 23/ 855.

40

بدنها عن ما عدا الزوج و المحارم إلّا الوجه و الكفّين مع عدم التلذذ و الريبة».

2- 1 و قال السيد الفقيه الاصفهاني: و يحرم النظر إلى الوجه و الكفّين إذا كان بتلذذ و ريبة و أمّا بدونها ففيه قولان بل أقوال: الجواز مطلقاً و عدمه مطلقاً، و التفصيل بين نظرة واحدة فالأوّل و تكرار النظر فالثاني. و أحوط الأقوال بل أقواها أوسطها. (1)

3- 1 و اختاره السيد الأُستاذ ره إلّا أنّه جعل الأوسط أحوط الأقوال لا أقواها. و هذا يعرب عن كون الأقوى عنده هو الأوّل.

و هذه الآراء المختلفة تكشف عن عدم وجود إجماع في المسألة على واحد من الأقوال، و الأقوال تستمدّ من الكتاب و السنّة حسب الاستنباط.

و أمّا أهل السنّة، فقال ابن قدامة في المغني: فأمّا نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، فانّه محرّم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد، قال أحمد: لا يأكل مع مطلّقته، هو أجنبي لا يحلّ له أن ينظر إليها، كيف يأكل معها، ينظر إلى كفّها؟ لا يحلّ له ذلك. و قال القاضي: يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه و الكفّين لأنّه عورة، و يباح له النظر إليهما مع الكراهة إذا أمن الفتنة و نظر لغير شهوة. و هذا مذهب الشافعي لقول اللّه تعالى: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا) قال ابن عبّاس: «الوجه و الكفّين» و روت عائشة: أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) في ثياب رقاق فأعرض عنها، و قال: يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلّا هذا و هذا و أشار إلى وجهه و كفّيه رواه أبو بكر و غيره، و لأنّه ليس بعورة فلم يحرم النظر إليه بغير ريبة كوجه الرجل. (2)

____________

(1) وسيلة النجاة: 303 كتاب النكاح، و لاحظ تحريرها.

(2) المغني لابن قدامة: 7/ 2322.

41

أدلّة المجوّزين

استدل المجوّز بوجوه نأتي بها:

1- قوله سبحانه: (وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلىٰ جُيُوبِهِنَّ وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ). (1)

و محلّ الاستشهاد هو قوله: (إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا) حيث فسّر في الروايات بالوجه و الكفّين و على ذلك فأُطلق الحالّ (كالكحل و الخاتم) و أُريد المحلّ أي مواضع الزينة بجهة أنّ إبداء الزينة بما هو ليس بمحرّم. فتعيّن أن يكون المراد مواضعها و هو الوجه و الكفّين، لوجود الاتفاق على حرمة إبداء غيرهما. و لا يخفى ما في الاستدلال من النظر من وجهين:

1- إنّ إطلاق الزينة و إرادة مواضعها غير متعارف في القرآن الكريم و لا تجد له نظيراً في استعمالاته و إليك ما ورد فيه ما يناسب المقام، قال سبحانه: (وَ قٰالَ مُوسىٰ رَبَّنٰا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً) (2) و قال سبحانه: (يٰا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ). (3)

و قال سبحانه: (فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ). (4)

و نفس الآية: (وَ لٰا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مٰا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)، و المراد هو الخلخال، و على ذلك فلا وجه لتفسير الزينة بمواضعها مع كون الاستعمال غريباً.

فإن قلت: إنّ الداعي إلى هذا التفسير هو كون إبداء نفس الزينة بلا إبداء‌

____________

(1) النور/ 31.

(2) يونس/ 88.

(3) الأعراف/ 31.

(4) القصص/ 79.

42

موضعها جائزاً بالاتّفاق و لا يحتاج مثله إلى الاستثناء فلأجل ذلك فسّر بإبداء مواضعها.

قلت: إنّ هنا احتمالًا ثالثاً، و هو أنّ المراد ليس نفس المواضع، و لا نفس الزينة مجرّدة، بل نفس الزينة إذا تحلّت بها المرأة فما ظهر منها يجوز، و ما لم يظهر لا يجوز، و جواز إظهارها لا يلازم جواز إظهار الوجه و الكفّين.

2- كما يحتمل أن يكون المراد من الزينة الكحل و الخاتم و نظائرهما ممّا يلازم إبدائها عند التحلّي بهما إبداءَ مواضعها كذلك يحتمل أن يكون المراد، الثياب الفاخرة التي تظهر بنفسها، و لا يلازم إبداؤُها إبداءَ موضع من مواضع بدنها، فتصير الآية مجملة من جهة المصداق فلا بدّ من الرجوع إلى الأخبار، فإن تمّت، و إلّا فلا تكون الآية سنداً للجواز. و سيوافيك البحث في الروايات.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي دام ظلّه استشكل على الاستدلال بالآية حتّى بعد ثبوت كون المراد من المستثنى هو الوجه و الكفّان قائلًا بأنّ البداء بمعنى الظهور كما في قوله تعالى: (فَبَدَتْ لَهُمٰا سَوْآتُهُمٰا) و الإبداء بمعنى الإظهار فإذا كان متعلّقاً بشي‌ء و لم يكن متعدّياً باللام يكون في مقابل الستر، و إذا كان متعدّياً باللام كان في مقابل الإخفاء بمعنى الإعلام و الإراءة، كما يقال: يجب على الرجل ستر عورته و ليس له إظهارها فيما إذا كان يحتمل وجود ناظر محترم، و كذلك يقال: إنّ بدن المرأة كلّه عورة، فيراد به ذلك. و أمّا إذا قيل: أبديت لزيد رأيي أو مالي، فمعناه أعلمته و أريته.

و من هنا يظهر معنى الآية الكريمة. فإنّ قوله عزّ و جلّ أوّلًا: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا) باعتبار عدم اقتران الفعل باللام إنّما يفيد وجوب ستر البدن الذي هو موضع الزينة و حرمة كشفه ما عدا الوجه و اليدين لأنّهما من الزينة الظاهرة، فيستفاد منه أنّ حال بدن المرأة حال عورة الرجل لا بدّ من ستره بحيث‌

43

لا يطّلع عليه غيرها باستثناء الوجه و اليدين فانّهما لا يجب سترهما، لكنّك قد عرفت أنّ ذلك لا يلزم جواز نظر الرجل إليهما، في حين أنّ قوله عزّ و جلّ ثانياً: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ ...) باعتبار اقتران الفعل باللام يفيد حرمة إظهار بدنها و جعل الغير مطلعاً عليه و إراءته مطلقاً من دون فرق بين الوجه و اليدين و غيرهما إلّا لزوجها و المذكورين في الآية الكريمة.

فيتحصل من جميع ما تقدّم أنّ الآية الكريمة بملاحظة النصوص الواردة في تفسير الزينة تفيد حكمين:

الأوّل: حكم ظهور الزينة في حدّ نفسه فتفيد وجوب ستر غير الظاهرة منها دون الظاهرة التي هي الوجه و اليدان.

الثاني: حكم إظهار الزينة للغير فتفيد حرمته مطلقاً من دون فرق بين الظاهرة و الباطنة إلّا للمذكورين في الآية الكريمة حيث يجوز لها الإظهار لهم.

و حيث عرفت أنّ حرمة الإظهار، و وجوب التستر تلازم حرمة النظر إليها فتكون الآية الكريمة أولى بالاستدلال بها على عدم الجواز من الاستدلال بها على الجواز. (1)

يلاحظ عليه: أمّا أوّلًا: فلأنّ التفريق بين الجملتين في آية واحدة (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا) و (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبٰائِهِنَّ) بأنّ المراد من الأُولى هو لزوم ستر الزينة إلّا ما ظهر، و من الثانية هو حرمة الإبداء و الإظهار للغير خلاف الظاهر، فانّ هنا حكماً واحداً و هو إبداء الزينة للغير فيحرم إبداؤها إلّا ما ظهر منها و هو مفاد الجملة الأُولى و يستثنى ممّا يحرم إبداؤه لهم، الزوج و المذكورون في الآية و هو مفاد الجملة الثانية، فكأنّه قال: يحرم إبداء الزينة إلّا ما ظهر منها و يستثنى من تحريم الإبداء البعول و ... فالتفكيك بين الجملتين‌

____________

(1) مستند العروة: 1/ 55، كتاب النكاح.

44

بصرف الأُولى إلى لزوم الستر، و الثانية إلى حرمة إبداء الزينة. كما ترى.

و بعبارة أُخرى إنّ الجملة الأُولى تكون بصدد بيان ما كانت الثانية في مقام بيانه و هو تحديد الإبداء و الإظهار، غاية الأمر، الأُولى يحدده من حيث الموضوع، و الثانية من حيث الناظر، و الثانية مكملة للأُولى و مفادهما: يحرم إبداء الزينة و إظهارها إلّا ما ظهر منها و يحرم إبداء غير ما ظهر منها إلّا للمذكورين في الآية.

ثمّ إنّه ما ذا يراد من وجوب ستر بدن المرأة فإن أريد مع عدم وجود الناظر فالقول بوجوبه عجيب، حتّى في عورة الرجل فضلًا عن بدن المرأة مع استثناء الوجه و الكفّين. و العجب أنّه ملتزم بذلك حيث يقول بعد صحائف: أفاد الحكم الأوّل أنّ بدن المرأة ما عدا الوجه و الكفّين كعورة الرجل يجب ستره في نفسه و لا يتوقّف صدق عنوان البدء و الإبداء على وجود الناظر. (1)

و إن أُريد منه مع وجوده فهو يرجع إلى الإظهار و الإبداء فيحرم عليها إبداء زينتها لغير من استثنى و ليس حكماً مستقلًا وراء مفاد الجملة الثانية.

و ثانياً: أنّ ما ذكره من الضابطة منقوض بالآيات التالية التي استعملت فيها لفظة الإبداء بدون اللام و أُريد منه الإظهار ضدّ الإخفاء لا ضدّ الستر، قال سبحانه: (إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيماً). (2)

و قال سبحانه: (تَجْعَلُونَهُ قَرٰاطِيسَ تُبْدُونَهٰا وَ تُخْفُونَ كَثِيراً). (3)

و الظاهر أنّ المراد من اللفظة في كلا المقامين أمر واحد و هو إبداء الزينة و إظهارها فلو كان المستثنى في الجملة الأُولى، خصوص الزينة الظاهرة يكون المراد منها حرمة إبداء ما عدا الزينة الظاهرة لغير المذكورين في الآية لا وجوب الستر في نفسه.

____________

(1) مستند العروة، ص 60، كتاب النكاح.

(2) الأحزاب/ 54.

(3) الأنعام/ 91.

45

و لأجل الاحتمالين، يجب في رفع الابهام عن الاستثناء الوارد في الآية إمعان النظر في الروايات الواردة في تفسير الآية من حيث إتقان الدلالة و صحّة السند.

فنقول: قد وردت في المقام روايات تفسّر «ما ظهر» تارة بالوجه و الكفّين و القدمين، و أُخرى بالزينة الموجودة في الأيدي و الوجوه الملازم مع إبداء العضو المتحلّى بها، و الروايات بين صحيحة و غير صحيحة لكن الثانية تصلح للتأييد.

الروايات و جملة «ما ظهر منها»

1- موثقة الحسين بن سعيد عن القاسم بن عروة، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة عن أبي عبد اللّه، في قول اللّه عزّ و جلّ: (إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا) قال: «الزينة الظاهرة: الكحل و الخاتم». (1)

و السند معتبر، غير أنّ القاسم بن عروة لم يوثّق صريحاً في الكتب الرجالية.

أقول: إنّ القاسم بن عروة من مشايخ ابن أبي عمير المتوفّى سنة (217 ه‍)، و أحمد بن أبي نصر البزنطي المتوفى عام (221 ه‍) و الحسن بن علي بن فضال المتوفى قبله بثمانية أشهر أو سنة و الحسن و الحسين ابنا سعيد الأهوازي صاحبا كتب الثلاثين، و محمّد بن خالد المكنّى ب‍ «أبي عبد اللّه» و غير ذلك من الثقات الأعاظم و لا يمكن طرح رواية مثل تلك بحجّة أنّه لم يوثق، و لأجل ذلك اعتمد عليه العلّامة، و كفى له فضلًا أنّه روى عنه الفضل بن شاذان (ت 260) و هذا المقدار من القرائن يكفي في اعتباره و اعتبار روايته.

2- معتبرة الحسين بن محمّد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعد بن مسلم، عن أبي بصير، قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا)

____________

(1) الوسائل: 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.

46

قال: «الخاتم و المسكة و هي القلب». (1)

أقول: الذي صدّر به سند الحديث هو الحسين بن محمّد بن عامر الأشعري القمي الثقة، روى عن أحمد بن إسحاق بن عبد اللّه الأشعري المكنّى ب‍ «أبي علي» كبير القدر، و قال العلّامة: ثقة، روى عن سعد بن مسلم صاحب الأصل، يقول المحقق الداماد: شيخ كبير جليل القدر، و هو من رجال كامل الزيارات، و ترجمه النجاشي و الشيخ في كلا كتابيه، و هو يروي عن أبي بصير الثقة و كان قائده فالرواية معتبرة.

و أمّا ما أورد عليه المحقّق الخوئي من أنّ السؤال عن القسم الأوّل الوارد في الآية الكريمة، دون القسم الثاني فلا تدلّ إلّا على جواز كشف الوجه و اليدين، و عدم وجوب سترهما في نفسه، و ذلك لا يلازم جواز النظر، فقد عرفت أنّ التفكيك بين الجملتين غير تامّ و أنّهما بصدد بيان حكم واحد و هو حكم إبداء الزينة منعاً و جوازاً.

3- عبد اللّه بن جعفر في قرب الإسناد، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة ابن زياد، قال: سمعت جعفراً و سئل عمّا تظهر المرأة من زينتها؟ قال: «الوجه، و الكفّين». (2) و هارون بن مسلم: ثقة وجه، كما أنّ مسعدة بن زياد الربعي: ثقة، و أمّا المؤلف فهو عبد اللّه بن جعفر الحميري، قال النجاشي شيخ القميين و وجههم، و إنّما سمّي بقرب الإسناد لقلّة الوسائط بينه و بين الأئمّة (عليهم السلام). (3)

4- صحيحة علي بن سويد، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّي مبتلى‌

____________

(1) المصدر نفسه، الحديث 4، و القُلب بالضم: السوار.

(2) الوسائل: 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5.

(3) لاحظ أُصول الحديث و أحكامه 7978، للمؤلف.

47

بالنظر إلى المرأة الجميلة، فيعجبني النظر إليها؟ فقال: «يا علي لا بأس إذا عرف اللّه من نيّتك الصدق، و إيّاك و الزنا فإنّه يمحق البركة و يهلك الدين». (1)

و قد استدلّ به الشيخ الأنصاري في نكاحه، و حمله المحقّق الخوئي على اقتضاء عمله لذلك و أنّ النظر إنّما يكون اتّفاقياً بمعنى أنّه يقع نظره عليها من دون قصد أو تعمّد فتكون أجنبية عن محلّ الكلام.

يلاحظ عليه: أنّه لا يصحّ حمله على من كان النظر، مقتضى عمله حتّى يكون النظر لا عن اختيار، إذ لو كان كذلك، لكان مقتضاه الابتلاء بالنظر إلى النساء على وجه الإطلاق، لا خصوص الجميلة كما هو مورد السؤال، فلا محيص عن حمله على من اعتاد بالنظر إلى الجميلة عن اختيار، و يكون التلذذ الحاصل أيضاً كذلك، كيف و لو كان النظر اتّفاقيّاً، لما كان لقوله (عليه السلام) «من نيّتك الصدق» وجه إذ لا نيّة في الاتّفاق، و لا يكون التلذذ الوارد فيه، تلذذاً بالاختيار كما هو ظاهر الرواية بل خارج عنه.

5- ما رواه في قرب الإسناد، عن علي بن جعفر عن أخيه، قال: سألته عن الرجل ما يصلح أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال: «الوجه و الكف و موضع السوار». (2)

و المراد من «لا تحل» أي لا يحلّ النظر إليها، لا ما لا يحلّ نكاحها حتّى يختصّ الحكم بالمحارم كما استظهره صاحب مستند العروة، فانّ الجواز فيها أوسع ممّا جاء في الرواية كما سبق.

6- صحيحة الفضيل: قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال اللّه: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا لِبُعُولَتِهِنَّ) قال: نعم‌

____________

(1) الوسائل: 14، الباب 1 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث 3.

(2) قرب الإسناد: 102 و رواه في البحار: 104/ 34.

48

و ما دون الخمار من الزينة و ما دون السوارين. (1) الظاهر أنّ لفظة «دون» بمعنى (2) التحت، و المراد أنّ ما تحت الخمار أي ما يستره الخمار من الرأس و الرقبة، فهو من الزينة التي يحرم إبداؤها، و أنّ ما تحت السوار و ما يستره ممتدّاً إلى الساعد و المرفق، منها أيضاً. قال الفيض «و ما دون الخمار» يعني ما يستره الخمار من الرأس و الرقبة و هو ما سوى الوجه منهما «و ما دون السوارين» يعنى من اليدين و هو ما عدا الكفين منهما (3).

7- مرسلة مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه فقلت: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً؟ قال: «الوجه و الكفّان و القدمان». (4) و الرواية مرسلة، تصلح لتأييد الصحيح.

8- رواية عمرو بن شمر: عن أبي جعفر (عليه السلام) عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: خرج رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) يريد فاطمة (عليها السلام) و أنا معه فلمّا انتهينا إلى الباب وضع يده عليه فدفعه ثمّ قال: «السلام عليكم، فقالت فاطمة (عليها السلام): و عليك السلام يا رسول اللّه، قال: أدخل؟ قالت: أُدخل يا رسول اللّه، قال: أدخل و من معي؟ قالت: ليس عليّ قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فقنّعي به رأسك، ففعلت ثمّ قال: السلام عليك، فقالت: و عليك السلام يا رسول اللّه قال: أدخل؟ قالت: نعم يا رسول اللّه، قال: أنا و من معي؟ قالت: و من معك؟ قال جابر: فدخل رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) و دخلت و إذا وجه فاطمة أصفر كأنّه بطن جرادة، فقال رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم): مالي أرى وجهك أصفر؟! قالت: يا رسول اللّه الجوع، فقال رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم): اللّهمّ مشبع الجوعة و دافع الضيعة أشبع فاطمة بنت محمّد. قال‌

____________

(1) الوسائل: 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.

(2) الطريحي: المجمع، مادة «دون».

(3) الوافي 12/ 819.

(4) الوسائل: 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

49

جابر: فو اللّه لنظرت إلى الدم ينحدر من قصاصها حتّى عاد وجهها أحمر فما جاعت بعد ذلك اليوم». (1)

و في السند إسماعيل بن مهران: الثقة، عن عبيد بن معاوية بن شريح: المهمل، عن سيف بن عميرة: الثقة، عن عمرو بن شمر: الضعيف، و بما أنّ جابر ابن عبد اللّه توفّي عام 76 من الهجرة في عصر إمامة السجّاد (عليه السلام) الذي توفّي عام 9594 ه‍، فطبع الحال يقتضي نقل القصة إلى والده لا إلى ولده الباقر الذي ولد عام 57 ه‍، و توفّي عام 114 ه‍، و كان له من العمر يوم مات جابر قرابة عشرين سنة.

9- رواية علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبي الجارود في قوله تعالى: (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا) فهي الثياب و الكحل و الخاتم و خضاب الكفّ و السوار. (2)

و الرواية مرسلة، و «أبو الجارود» هو زياد بن منذر الكوفي التابعي الذي يروي عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) و لمّا خرج زيد بن علي (عليه السلام) التحق به و صار زيدياً و إن رجع أخيراً إلى الإمام الصادق (عليه السلام). و الجاروديّة منسوبة إليه.

10 ما رواه الحسن بن فضل، في مكارم الأخلاق، عن محاسن البرقي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله جلّ ثناؤه: (إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا) قال: «الوجه و الذراعان». (3)

هذا ما وقفنا عليه من الروايات من طرق الشيعة. و أمّا من طرق أهل السنّة:

فعن عبد اللّه بن مسعود تفسير الزينة الظاهرة، بالثياب، لكن المروي عن‌

____________

(1) المصدر نفسه، الباب 120، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.

(2) مستدرك الوسائل: الباب 85، من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.

(3) المصدر نفسه: الحديث 1.

50

عدّة أُخرى من أعلام الصحابة كابن عباس، بالكحل و الخاتم و القلادة و القرط تارة، و بخضاب الكفّ و الخاتم أُخرى، و وجهها و كفّيها و الخاتم ثالثة و برقعة الوجه و باطن الكفّ، رابعة.

و عن عائشة: الزينة الظاهرة، القلب و الفتح و ضمّت طرف كمّها.

و عن سعيد بن جبير: الوجه و الكفّ.

روت عائشة: أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبيّ (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) و عليها ثياب رقاق فأعرض عنها، و قال: «يا أسماء، إنّ المرأة إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلّا هذا» و أشار إلى وجهه و كفّه. و عن قتادة مثله. (1)

و قد أيّده في الحدائق، قال: المشهور، أنّ بدن المرأة كلّه عورة ما خلا الوجه و الكفّين و القدمين، فلم يوجبوا سترها في الصلاة و هو أظهر ظاهر في تجويزهم النظر إلى هذه الثلاثة، و بإطباق الناس في كلّ عصر على خروج النساء على وجه يحصل منه بدوُّ ذلك من غير نكير. (2)

و الأوضح من الكلّ، أنّ كثرة الابتلاء يقتضي وجود النصوص البارزة الظاهرة في الحرمة في المقام و لا يصحّ الاكتفاء في مثل هذه المسألة بالإيماء و الإشارة إذا كان النظر حراماً واقعاً أو الستر واجباً كذلك، فليست المسألة من جهة الابتلاء بأقلّ من سائر المحرّمات التي ورد النصّ بالحرمة فيها بوضوح. فلا مانع من الاعتماد على هذه النصوص الظاهرة في جواز النظر التي يؤيّد بعضها بعضاً إذا سلمت عن المعارض و إليك البحث عن أدلّة المانعين:

أدلّة القائلين بالتحريم

استدل المانع بوجوه من الآيات:

____________

(1) الدر المنثور: للسيوطى 5/ 4241.

(2) الحدائق: 23/ 53.

51

1 إطلاق قوله سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ). (1)

يلاحظ عليه: أنّ التقييد لو تمّ، لما كان للاستدلال بالإطلاق مجال.

2- (وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) (2).

يلاحظ عليه: أنّ مصبّ الاستدلال لو كانت الفقرة الأولى فهي مخصصة بمخصّص متّصل (إلّا ما ظهر) مجمل بين الثياب، و الوجه و الكفّين فلا يصح التمسّك به في مورد النزاع. و لو كانت الفقرة الثانية في الآية، فالمراد منها أيضاً ما عدا (مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا) بحكم توالي الفقرتين و هو أيضاً مجمل بين الأمرين و العام المخصص بمتّصل مجمل، لا يكون حجّة في مورد الشكّ.

3- قوله سبحانه: (وَ إِذٰا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتٰاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ). (3) و الحجاب هو الستر الكامل.

يلاحظ عليه: أنّ الآية لا صلة لها بمورد البحث من جهات:

أوّلًا: أنّ البحث في ستر المرأة، و الحجاب هو الحاجز بين الشيئين، قال سبحانه: (حَتّٰى تَوٰارَتْ بِالْحِجٰابِ). (4) و قال سبحانه: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجٰاباً) (5) فالستر و الساتر ما تلبسه المرأة، و الحجاب ليس بهذا المعنى و يظهر مفاد الآية إذا لوحظ شأن نزولها فكان المؤمنون يسألون أزواج النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) مباشرة عن أشياء يحتاجون إليها فأُمروا أن لا يكلّموا إلّا من وراء حجاب.

و ثانياً: أنّ الآية و ما قبلها و ما بعدها راجعة إلى نساء النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) فلهنّ شأن خاص، و وظائف خاصة، كما هو صريح قوله: (يٰا نِسٰاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسٰاءِ ...) (الأحزاب/ 32) لا يشترك فيها غيرهنّ من النساء و إسراء حكمهنّ إلى غيرهنّ أشبه بالقياس.

____________

(1) النور/ 30.

(2) النور/ 31.

(3) الأحزاب/ 53.

(4) ص/ 32.

(5) مريم/ 17.

52

4- (وَ الْقَوٰاعِدُ مِنَ النِّسٰاءِ اللّٰاتِي لٰا يَرْجُونَ نِكٰاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنٰاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيٰابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجٰاتٍ بِزِينَةٍ). (1) حيث خصّ وضع الثياب بالقواعد.

يلاحظ عليه: أنّ المراد وضع الخمار و الجلباب لا إبداء الوجه و الكفّين مع التحفظ عليهما.

5- (يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ وَ بَنٰاتِكَ وَ نِسٰاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلٰا يُؤْذَيْنَ وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً) (2) و كان سيّد مشايخنا آية اللّه البروجردي (قدّس سرّه) يستدلّ بها على لزوم ستر الوجه في درسه الشريف عند البحث عن مقدار ما يجب ستره للمرأة في الصلاة قائلًا بأنّ إدناء الجلباب و إرخاءه يلازم ستر الوجه، و المراد يدنين جلابيبهن إلى جانب وجوههنّ فتكون النتيجة إسدالها إليها.

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الآية لا تدلّ على ما رامه و إن كان السيد الأُستاذ (قدّس سرّه) مصرّاً على الدلالة فسواء فسّر الإدناء بالاقتراب و أخذ الجلباب، مقابل الخروج عن البيت بلا جلباب، أو فسّر بالتستر بها، فغاية الأمر به، هو التميّز عن الإماء حتّى لا يؤذين في الطرق و الشوارع حيث كان المنافقون يمازحون الإماء و ربّما يتجاوزون إلى ممازحة الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك قالوا: حسبناهنّ إماء، قطع اللّه عذرهم فأمرهنّ بإدناء الجلباب قائلًا بأنّ ذلك أدنى و أقرب إلى أن يعرفن بزينتهنّ إنّهنّ حرائر و لسن بإماء فلا يؤذيهنّ أهل الريبة. (3) فإذا كان الهدف ذلك فهو يحصل بستر الرأس و الجيوب و الصدور مقابل الإماء حيث يخرجن كاشفات الرءوس و الجيوب، من دون توقّف على ستر ما عداها من الوجه و الكفّين.

و ثانياً: لو كان المراد ما يرومه لكان الأولى أن يقول: يرخين جلابيبهنّ‌

____________

(1) النور/ 60.

(2) الأحزاب/ 59.

(3) مجمع البيان 4/ 370.