نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغراء - ج2

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
400 /
5

الجزء الثاني

الفصل الثاني عشر: في الكفاءة و لواحقها

1- المؤمن كفؤ المؤمن‌

2- تزويج المؤمنة بالمخالف‌

3- تحديد الإسلام و الإيمان و دراسة أدلّة الموافق و المخالف‌

4- التمكّن من بذل النفقة شرط لزوم العقد إذا كانت جاهلة‌

5- لو تجدّد عجز الزوج عن بذل النفقة‌

6- وجوب الإجابة على الولي و عدمه‌

7- لو انتسب إلى قبيلة فبان عدمها‌

8- يكره التزويج بالفاسق‌

9- لو تزوّج بامرأة ثمّ علم بأنّها زنت‌

10- الكلام في الرجوع إلى المهر‌

11- أحكام التعريض بالخطبة‌

12- إذا تزوّجت المطلّقة ثلاثا مع شرط الطلاق و فيها صور ثلاث‌

13- في نكاح الشغار و حكمه و صوره.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الكفاءة في النكاح و لواحقها‌

الأول: المؤمن كفؤ المؤمن

لا إشكال في شرطيّتها و إنّما الكلام في المراد منها، و فسّرها المحقق:

بالتساوي في الإسلام في كتابيه: الشرائع، و النافع، و تبعه الشهيد الثاني في المسالك، و المحدّث الكاشاني في المفاتيح، و نقله في المسالك، عن الشيخ المفيد و ابن حمزة، للإجماع على اعتباره و عدم الدليل الصالح لاعتبار غيره، و المراد من الإسلام في المقام، هو التصديق القلبي بتوحيده سبحانه و نبوّة نبيّه محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و جميع ما جاء به من المعارف و الأصول و الأحكام إجمالا و إن لم يعرفها تفصيلا، و إن كان منكرا لبعض ما جاء به قطعا عن اجتهاد أو تقليد للآباء و يزعم أنّه ليس ممّا جاء به كإمامة الإمام أمير المؤمنين و أولاده المعصومين (عليهم السلام).

و يقابله، الإيمان الذي يؤمن بإمامته و إمامة من نصّ على إمامتهم النبيّ الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- نعم ربّما يطلق الإسلام على مجرد التلفّظ بالشهادتين، مع عدم حصول الإذعان، في مقابل الإيمان الذي يراد منه الإذعان بهما و على ذلك جرى القرآن الكريم في مورد إيمان الأعراب، قال سبحانه: قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ (1). و لكنّه اصطلاح خاص غير مقصود في المقام بل المراد من الإسلام الإيمان و الإذعان بتوحيده سبحانه و نبوّة نبيّه و جميع ما جاء به.

____________

(1)- الحجرات: 14.

8

الثاني: تزويج المؤمنة بالمخالف

و هل يشترط وراء الإسلام بالمعنى الذي عرفت، الإيمان و الاعتقاد بولاية الأئمّة الاثني عشر أو لا؟

قال العلّامة: المشهور اشتراط إيمان الزوج في نكاح المؤمنة (1) و لكن النسبة غير متحققة و المسألة ذات قولين و الأشهر هو الجواز و إليك بعض النصوص.

1- قال في الخلاف: الكفاءة معتبرة في النكاح، و هي عندنا شيئان، أحدهما، الإيمان- و الآخر- إمكان القيام بالنفقة، و قال الشافعي شرائط الكفاءة ستة: النسب، و الحرّية، و الدّين، و الصناعة، و السلامة من العيوب، و اليسار، ثمّ نقل أقوال أبي حنيفة و أصحابه، مثل أبي يوسف، و محمّد بن الحسن الشيباني فبعضهم حذف الحريّة و السلامة، و البعض الآخر، حذف الصناعة أيضا، و البعض الآخر، أثبت الصناعة و حذف الدين (2).

و لا يخفى عدم دلالته على اعتبار الإيمان بالمصطلح عندنا. و لذلك يدل الإيمان بالدين عند تبيين عقائد المخالفين، و ليس فيه أيّ إشعار بشي‌ء بل الظاهر أنّ المراد من الإيمان هو الدين.

2- و قال في المبسوط: الكفاءة معتبرة بلا خلاف في النكاح و عندنا هي الإيمان مع إمكان القيام بالنفقة و فيه خلاف، منهم من اعتبر ستة أشياء: النسب، و الحرية، إلى آخر ما ذكره (3).

____________

(1)- و في الجواهر: 30/ 93، لم يحك أحد هنا الخلاف في ذلك عمّن علم أنّ مذهبه كفر المخالفين و نجاستهم، كالمرتضى، و ابن ادريس و غيرهما.

(2)- الخلاف: 2/ 366، مسألة 27.

(3)- المبسوط: 4/ 178.

9

3- و قال في النهاية: و لا يجوز تزويج المؤمنة إلّا بالمؤمن و لا يجوز تزويجها بالمخالف في الاعتقاد. (1)

4- و قال ابن البراج: الأحرار من المؤمنين يتكافئون في النكاح و إن تفاضلوا في النسب و الشرف. (2)

5- و قال في السرائر: «عندنا أنّ الكفاءة المعتبرة في النكاح أمران، الإيمان و اليسار بقدر ما يقوم بأمرها» و المراد منه هو الإسلام بشهادة أنّه قال في ذيله (و ليس للمرأة الخيار إذا لم يكن موسرا و لا يكون العقد باطلا بل الخيار إليها و ليس كذلك خلاف الإيمان الذي هو الكفر إذا كان كافرا فانّ العقد باطل (3) فتأمل.

6- و قال ابن حمزة يكره أن يزوّج كريمته من خمسة: المستضعف المخالف إلّا مضطرا (4).

7- و قال المحقق فيه روايتان: أظهرهما الاكتفاء بالإسلام و إن تأكّد استحباب الإيمان و هو في طرف الزوجة أتم لأنّ المرأة تأخذ من دين بعلها (5).

8- و قال يحيى بن سعيد: و الكفاءة في النكاح: الإسلام و اليسار بقدر مئونتها فان بان أنّه لا يقدر فلها الفسخ (6).

9- و قال العلامة في التذكرة: ذهب أكثر علمائنا إلى أنّ الكفاءة المعتبرة في النكاح شيئان: الإيمان و إمكان القيام بالنفقة برواية الصادق (عليه السلام) عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عند ما أمر النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بتزويج الأبكار فقام رجل قال: يا رسول اللّه فممّن نزوّج؟

قال: «الأكفّاء» قال: يا رسول اللّه من الأكفّاء، فقال: «المؤمنون بعضهم أكفاء بعض» (7).

____________

(1)- النهاية: 458.

(2)- المهذّب: 2/ 179.

(3)- السرائر: 2/ 557.

(4)- الوسيلة: 291.

(5)- الجواهر: 30/ 92.

(6)- الجامع للشرائع: 439.

(7)- التذكرة: كتاب النكاح: 2/ 604 البحث السابع: في الكفاءة.

10

10- يقول فقيه عصره، السيّد الاصفهاني في وسيلته: «و أمّا نكاح المؤمنة المخالف غير الناصب ففيه خلاف و الجواز مع الكراهة لا يخلو من قوة و حيث إنّه نسب إلى المشهور عدم الجواز فلا ينبغي ترك الاحتياط مهما أمكن» (1).

11- يقول السيّد الخوئي: يجوز للمؤمنة أن تتزوّج بالمخالف على كراهية بل الأحوط تركه إلّا إذا خيف عليه الضلال (2) و على الجملة لم نجد نصّا من القدماء و لا من المتأخرين بعد المحقق إلى زمن سيّد المدارك و الحدائق على منع تزوّج المؤمنة من المخالف إلّا الشيخ في النهاية، و أمّا التزويج من الناصب فلا إشكال في حرمته لكفره و انكاره ما علم من الدين ضرورة فهو خارج عن مورد الكلام.

فاذا كان ملاك الكفاءة هو الإيمان و الإسلام فيجب تحديدهما.

الثالث: تحديد الإسلام و الإيمان

هناك روايات تحدّد الإسلام و الإيمان، و أنّ الأوّل يحقن به الدماء و عليه المناكح و المواريث و الإيمان فوقه مثل:

1- موثقة سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن الإسلام و الإيمان أ هما مختلفان؟ فقال: «إنّ الإيمان يشارك الإسلام و الإسلام لا يشارك الإيمان» فقلت: فصفهما لي؟ فقال: «الإسلام شهادة أن لا إله إلّا اللّه و التصديق برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس».

الخ (3)

2- صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إن الإيمان يشارك الإسلام و لا يشاركه الإسلام، إن الإيمان ما وقر في القلوب،

____________

(1)- وسيلة النجاة: 2/ 388، المسألة 8.

(2)- منهاج الصالحين: 2/ المسألة 1298.

(3)- الكافي: 2/ 25- 26، كتاب الايمان و الكفر، باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام.

11

و الإسلام ما عليه المناكح و المواريث و حقن الدماء، و الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان (1).

3- خبر حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) سمعته يقول: «... و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل، و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها، و به حقنت الدماء، و عليه جرت المواريث، و جاز النكاح» 2.

4- صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) بم يكون الرجل مسلما تحلّ مناكحته و موارثته؟ و بم يحرم دمه؟ قال: «يحرم دمه بالإسلام إذا ظهر، و تحلّ مناكحته و موارثته» (3).

و تفسير المناكحة في هذه الروايات بمناكحة هؤلاء بعضهم ببعض لا مع العارف و العارفة- كما ترى- مع تصريحه «من الفرق كلّها» مع أنّ الحكم بصحّة نكاحهم لا يتوقف على إسلامهم، إذ «لكلّ قوم نكاح» و إن لم يكونوا مسلمين.

5- صحيح علاء بن رزين، أنّه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن جمهور الناس، فقال: «هم اليوم أهل هدنة، تردّ ضالّتهم، و تؤدّى أمانتهم، و تحقن دماؤهم و تجوز مناكحتهم و موارثتهم في هذه الحال» (4).

6- خبر القاسم الصيرفي شريك المفضل قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الإسلام يحقن به الدم، و تؤدّى به الأمانة، و تستحلّ به الفروج، و الثواب على الإيمان» (5).

7- صحيحة أبان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المستضعفين؟ فقال:

____________

(1) و 2- الكافي: 2/ 26، كتاب الايمان و الكفر، باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام، الحديث 3 و 5.

(3)- الوسائل: 14/ الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 17.

(4)- الوسائل: 14/ الباب 12 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1.

(5)- الوسائل: 14/ الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 4.

12

«هم أهل الولاية» فقلت: أيّ ولاية؟ فقال: «أما أنّها ليست بالولاية في الدين و لكنّها الولاية في المناكحة و الموارثة و المخالطة» (1).

8- خبر حمران الذي هو أيضا بهذا المضمون 2.

9- صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الإيمان؟

فقال: «الإيمان ما كان في القلب، و الإسلام ما كان عليه التناكح و المواريث و تحقن به الدماء» 3.

10- خبر هشام بن الحكم عند ما سئل عن تزويج العجم من العرب و العرب من قريش و قريش من بني هاشم فقال: نعم. فقيل له: عمّن أخذت هذا؟ قال عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) سمعته يقول: «أ تتكافأ دماؤكم و لا تتكافأ فروجكم» (4).

11- خبر الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة العارفة هل أزوّجها الناصب؟ قال: «لا، لأنّ الناصب كافر» قلت: فأزوجها الرجل غير الناصب و لا العارف؟ فقال: «غيره أحبّ إليّ منه» (5).

و حمل «أفعل» التفضيل على غير التفضيل كما فعل صاحب الحدائق، خلاف الظاهر، بمعنى أنّه محبوب دون ذاك كما في قوله تعالى: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (6) و لو لا القرينة في الآية لما حمل على الخلوّ من الفضل، كما لا يخفى.

هذه الروايات و غيرها صريحة في الجواز و لا يمكن العدول عنها إلّا بدليل قاطع، و إليك ما استدلّ به صاحب الحدائق على المنع.

____________

(1)- 3- الوسائل: 14/ الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث: 5 و 12 و 13.

(4)- الوسائل: 14 الباب 26 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث: 3.

(5)- الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث: 11.

(6)- يوسف: 33.

13

أدلّة المانع

استدل القائل بعدم الجواز بروايات نذكرها:

1- معتبرة (1) علي بن مهزيار، قال: كتب علي بن أسباط، إلى أبي جعفر (عليه السلام) في أمر بناته و أنّه لا يجد أحدا مثله. فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام): «فهمت ما ذكرت من أمر بناتك و أنّك لا تجد أحدا مثلك، فلا تنظر في ذلك رحمك اللّه، فإنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوّجوه إِلّٰا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسٰادٌ كَبِيرٌ» (2).

2- صحيحة إبراهيم بن محمّد الهمداني، قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) في التزويج فأتاني كتابه بخطّه: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): «إذا جاءكم من ترضون خلقه» الخ 3.

3- معتبرة الحسين بن بشّار الواسطي قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) أسأله عن النكاح؟ فكتب إليّ: «من خطب إليكم فرضيتم دينه و أمانته فزوّجوه» الخ 4.

وجه الاستدلال أنّ المخالف ممّن لا يرضى بدينه.

و أجاب الشهيد الثاني بأنّ قوله: «ممّن ترضون دينه» محمول على الاستحباب بقرينة اشتراط الخلق بمعنى السجية في الحديث الأوّل و الثالث و الأمانة في الحديث الثالث، مع عدم كونهما شرطا في صحّة العقد، و هذا دليل على أنّه قصد من اشتراط كلّ من الأمرين الكمال.

و ردّ عليه صاحب الحدائق بأنّ الخلق بمعنى الدين كما في قوله سبحانه:

____________

(1)- و التعبير بها لأجل وقوع سهل بن زياد في طريقها.

(2)- 4- الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1- 3.

14

إِنْ هٰذٰا إِلّٰا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (1) و لكنّه غير تام لأنّ حمل الخلق على الدين خلاف الظاهر (2).

و الاولى أن يقال: إنّ الدين في الروايتين الاوليين هو الإسلام، بشهادة كونهما حاكيتين قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و هو في لسانه يوم ذاك هو الإسلام لا الإسلام المقيّد بالولاية و قال سبحانه: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ (3). و وروده في لسان أبي جعفر (عليه السلام) مستقلّا في الرواية الثالثة لا يدلّ على أنّ المقصود هو الإيمان لأنّه حاك قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و إن لم يصرّح بالحكاية فيها لتصريحه بها في المكاتبتين الأولى و الثانية، فلاحظ.

و المراد أنّه إذا كان الرجل مسلما لا نصرانيّا و لا يهوديّا و لا مجوسيّا فزوّجوه فانّ المسلم كفؤ المسلم و لا يطلبوا شيئا غيره، و إلّا و الصبر إلى أن يخطب رجل مثلك (علي بن أسباط) يستعقب الفتنة و الفساد بين الشباب.

4- خبر زرارة بن أعين، على رواية الكافي لوقوع موسى بن بكر في سنده، و صحيحه على رواية الصدوق، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تزوّجوا في الشّكاك و لا تزوّجوهم فانّ المرأة تأخذ من أدب زوجها و يقهرها على دينه» (4).

و كون الشكاك مبهم المراد، لا يضرّ بالاستدلال، لأنّ العبرة في الاستدلال على عموم التعليل. و الاستدلال تام، لو لا المعارض و قد عرفته، فينتهي الأمر إلى الجمع أو الطرح كما سيوافيك.

5- خبر فضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ لامرأتي اختا‌

____________

(1)- الشعراء: 137.

(2)- و يؤيّده قوله (عليه السلام) في مكاتبة الحسين بن بشّار الواسطي: لا تزوّجه إن كان سيّئ الخلق. الوسائل:

14 الباب 30 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1.

(3)- آل عمران: 19.

(4)- الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث: 2.

15

عارفة على رأينا و ليس على رأينا بالبصرة إلّا قليل، فأزوّجها ممّن لا يرى رأيها؟ قال:

«لا و لا نعمة إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فَلٰا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّٰارِ لٰا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لٰا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ» (1).

و الخبر ضعيف لأنّ «علي بن يعقوب» في السند لم يوثّق. و لعلّ المراد الناصب بقرينة خبر الآتي.

6- خبره الآخر، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن نكاح الناصب، فقال:

«لا و اللّه، ما يحلّ» قال فضيل: ثمّ سألته مرّة أخرى، فقلت: جعلت فداك ما تقول في نكاحهم؟ قال: «و المرأة عارفة»؟ قلت: عارفة، قال: «إنّ العارفة لا توضع إلّا عند عارف» (2).

و الخبر ضعيف لإرساله لأنّ الحسن بن محمّد بن (سماعة) رواه عن غير واحد و لم يسمّهم.

7- خبره الثالث، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة العارفة هل أزوّجها الناصب؟ قال: «لا، لأنّ الناصب كافر» قلت: فأزوّجها غير الناصب و إلّا العارف؟ فقال «غيره أحبّ إليّ منه» 3.

و الخبر ضعيف، لوقوع أبي جميلة في سنده و هو الفضل بن صالح الأسدي، أضف إليه ضعف الدلالة، لما عرفت عند الاستدلال بخبر الفضيل بن يسار (الخبر الحادي عشر من أدلّة المجوّزين).

8- صحيح عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الناصب الذي قد عرف نصبه و عداوته هل يزوّجه المؤمن و هو قادر على ردّه و هو لا يعلم بردّه؟ قال: «لا يتزوّج المؤمن الناصبة و لا يتزوّج الناصب المؤمنة، و لا يتزوّج‌

____________

(1)- الوسائل: 14/ الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 4، و الآية 10 من سورة الممتحنة.

(2) و 3- الوسائل: 14، الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 5 و 15.

16

المستضعف مؤمنة (1).

و العبرة بالفقرة الأخيرة.

و الرواية صحيحة و عبد الرحمن بن أبي نجران، الواقع في طريقه، ثقة، و لكن الاعتماد عليها مشكل لورود الترخيص في تزويج المستضعف، مثل: صحيحة عمر ابن أبان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المستضعفين؟ فقال: «هم أهل الولاية» فقلت أيّ ولاية؟ فقال: «أما أنّها ليست بالولاية في الدين، و لكنّها الولاية في المناكحة، و الموارثة و المخالطة، و هم ليسوا بالمؤمنين و لا الكفّار، منهم المرجون لأمر اللّه عزّ و جلّ» (2).

و مثله خبر حمران 3.

و مع ذلك يشكل الاعتماد عليه، و عند ذلك يتعيّن الحمل على الكراهة.

9- التمسّك بالنهي عن تزويج الناصب (4) غير أنّه يجب تحقيق مفهوم الناصب حديثا و لغة، أمّا الأوّل فقد فسّر بوجوه:

1- مطلق المخالف غير المستضعف بمعنى كلّ من قدّم على علي (عليه السلام) (5).

2- المبغض للشيعة و إن لم يكن مبغضا عليا و أولاده (عليهم السلام) كما يدلّ عليه ما رواه الصدوق في رواية «... و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم أنّكم تتولّونا و أنّكم من شيعتنا» (6).

3- المبغض لأئمة أهل البيت و المعلن بعدائهم.

____________

(1)- الوسائل: 14 الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 3.

(2) و 3- الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث: 5، 12.

(4)- الوسائل: 14 لاحظ روايات الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر.

(5)- الوسائل: 19 الباب 68 من أبواب قصاص النفس الحديث 4.

(6)- الوسائل: 19 الباب 68 من أبواب قصاص النفس الحديث 2 و 3، عقاب الأعمال: 247.

17

و أمّا اللغة، ففي القاموس: و النواصب، و الناصبية، و أهل النصب: المتدينون ببغض علي- رضي اللّه عنه- لأنّهم نصبوه أي عادوه. و هو كما ترى يفسّر الناصب بالمعنى الأخص.

فنقول: إنّ النصب ذو مراتب و من مراتبه الخفيفة، هو بغض الشيعة، مع عدم بغض أئمتهم- (عليهم السلام)- لكن ذلك لا يثبت أنّ النصب بهذا المعنى هو الموضوع لحرمة التزويج و لنجاسته و حرمة ذبيحته، إذ من الجائز أن يكون الموضوع لحرمتها هو المرتبة الشديدة و هو من أبغض أهل البيت كما هو المصرّح به في بعض الروايات. ففي رواية الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة العارفة هل أزوّجها الناصب؟ قال: «لا، لأنّ الناصب كافر» قلت: فازوّجها الرجل غير الناصب و لا العارف؟ فقال: «غيره أحبّ إليّ منه» (1).

و قد ورد في لسان الروايات قولهم «الناصب لنا أهل البيت» فاذا تردّد المخصص بين الأقل و الأكثر و كان منفصلا فالمرجع هو عمومات جواز النكاح إلّا ما خرج بالدليل.

و حصيلة البحث: أنّ الروايات على طائفتين إحداهما: صريحة في جواز التزويج و فيها الصحيح و غيره، ثانيتهما: ظاهرة في المنع القابل للحمل على الكراهة. و أكثرها أخبار، لا صحاح، و بذلك يحصل التوفيق بين الطائفتين.

و أمّا ما صنعه صاحب الحدائق (2) من حمل ما دلّ على الجواز، على التقية و استشهد بأمثلة أو ما صنعه صاحب الوسائل حيث قال في عنوان الباب: «باب جواز مناكحة الناصب عند الضرورة و التقية» فغير تامّ جدّا.

لأنّ التقية لا تثبت إلّا جواز العمل و أمّا ثبوت النسب و الأولاد، و المواريث‌

____________

(1)- الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 11.

(2)- الحدائق: 24/ 60.

18

فيحتاج إلى الدليل، على أنّه يتفرّع على القول به مفاسد لا يلتزم بها الفقيه، من انفساخ العقد لو تجدّدت المعرفة للزوجة إذا كانت قبل الدخول و توقفه إلى انقضاء العدة، إذا تجدّدت بعده.

و الظاهر، هو الجواز إلّا إذا خيف على المؤمنة الضلال فتحرم بالعنوان الثانوي كما لا يخفى.

أضف إلى ذلك أنّه لو كان أمرا غير جائز، يجب تضافر النصوص عنهم (عليهم السلام) عليه لكثرة الابتلاء.

الرابع: هل التمكن من النفقة شرط، أو لا؟

يظهر من الشيخ و من بعده إلى زمان المحقق، أنّ للكفاءة دعامتين أحدهما:

الإيمان، و الآخر: إمكان القيام بالنفقة، و إليك بعض النصوص.

قال الشيخ المفيد: المسلمون الأحرار يتكافئون بالإسلام و الحريّة في النكاح، و إن تفاضلوا في الشرف بالأنساب، كما يتكافئون في الدماء و القصاص، فالمسلم إذا كان واجدا طولا للإنفاق بحسب الحاجة على الأزواج مستطيعا للنكاح، مأمونا على الأنفس و الأموال و لم تكن به آفة في عقله و لا سفه في الرأي فهو كفؤ في النكاح (1).

قال في الخلاف: الكفاءة معتبرة في النكاح، و هي عندنا شيئان، أحدهما:

الإيمان، و الآخر: إمكان القيام بالنفقة، و قال في مسألة أخرى: اليسار المراعى ما يمكّنه معه القيام بمئونة المرأة و كفايتها. (2)

و قال في المبسوط: الكفاءة عندنا الإيمان مع إمكان القيام بالنفقة. (3)

____________

(1)- المقنعة: 512.

(2)- الخلاف: 2/ كتاب النكاح، المسألة: 27 و 32.

(3)- المبسوط: 4/ 179.

19

و قال القاضي في المهذّب: الأحرار من المؤمنين يتكافئون في النكاح، و إن تفاضلوا في النسب و الشرف كما يتكافئون في الدماء و إن تفاضلوا في الشرف بالأنساب فمن كان منهم عاقلا قادرا على نفقات الزوجات بحسب الحاجة .. (1)

و قال ابن سعيد في جامع الشرائع: و الكفاءة في النكاح، الإسلام، و اليسار بقدر مئونتها، فإن بان أنّه لا يقدر، فلها الفسخ (2).

نعم تردّد المحقق و رجّح العدم، و قال: و هل يشترط تمكّنه من النفقة؟ قيل:

نعم، و قيل: لا، و هو الأشبه.

و يظهر من الشهيد في المسالك: إنّ عدم الاشتراط هو المشهور.

و على كلّ تقدير، فالمسألة خلافيّة ناشئة من اختلاف النصوص، أو اختلاف الاستنتاج منها.

و على القول بالشرطية، هل هو شرط الصحّة، كالإيمان بحيث يكون العقد بدونه باطلا مطلقا، أو في صورة الجهل أو شرط اللزوم، فلها الفسخ لو بدا فقره، أو هو شرط لوجوب إجابة الولي على القول به، إذا خطب المؤمن القادر على النفقة وجبت إجابته و إن كان أخفض نسبا، و لو امتنع الولي كان عاصيا؟

أمّا الاحتمال الأوّل، فقد نفاه الشيخ في المبسوط، حيث قال: و متى رضي الأولياء و المزوّجة بمن ليس بكف‌ء و وقع العقد على من دونها في النسب و الحرّية و الدين و الصناعة و السلامة من العيوب و اليسار كان العقد صحيحا بلا خلاف إلّا الماجشوني، فانّه قال: الكفاءة شرط في صحّة العقد فمتى لم يكن كفؤا كان العقد باطلا (3).

____________

(1)- المهذب: 2/ 179.

(2)- الجامع للشرائع: 439.

(3)- المبسوط: 4/ 179.

20

و بذلك يظهر ضعف ما نسبه صاحب الحدائق إلى القائل بالاشتراط بقوله:

و ظاهرهم أنّه شرط في صحّة النكاح و هو منقول عن الشيخ في المبسوط و العلّامة في التذكرة (1).

و قد عرفت أنّ الشارط لا يقول بكونه شرطا للصحّة و إلّا يجب أن يحكم بالبطلان مطلقا و إن رضيت مع أنّ ظاهر كلامه الصحّة إذا رضيت مطلقا قارن العقد أم لحقه. فهذا الاحتمال باطل بالاتفاق.

و أمّا الثاني أي كونه شرطا للزوم العقد، فهو الظاهر من ابن سعيد في جامعه كما عرفت، حيث قال: «فان بان أنّه لا يقدر فلها الفسخ» و يحتمل الثالث، لأنّ إجابة الولي مشروطة بوجود المصلحة، أو عدم المفسدة في مورد المنكوحة، و ليس العقد للصعلوك خاليا عن المفسدة و لا أقلّ ليس مقترنا بالمصلحة.

و إليك دراسة الاحتمالين:

1- عدم كونه شرطا للزوم العقد

ربّما يقال بعدم كونه شرطا للزوم العقد، و يستدل عليه بوجوه:

الأوّل: قوله سبحانه: وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ الصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ (2) قائلا بأنّ مقتضى إطلاق الآية بل نصّها عدم اشتراط اليسار في جانب الزوج فيصحّ عقده من الفقير أيضا.

يلاحظ عليه: أنّ الإطلاق منصرف عن الصعلوك الذي لا يقدر على تأمين معيشة زوجته على أقلّ الحدّ.

الثاني: ما روي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن طريق أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «إذا‌

____________

(1)- الحدائق: 24/ 70.

(2)- النور: 32.

21

جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوّجوه إلّا تفعلوا، تكن فتنة في الأرض و فساد كبير» (1).

و الظاهر انصرافه عن أقلّ التمكّن من الانفاق نفيا و اثباتا و هي بصدد نفي سائر الملاكات التي كانت رائجة في الجاهلية و بعدها، حتى جعل أهل السنّة، النسب و الصناعة و السلامة من العيوب من مقوّمات الكفاءة كما حكاه الشيخ في الخلاف (2).

الثالث: ما نقله الصدوق بسند ضعيف، و رواه الكليني مرسلا عن الرضا (عليه السلام): قال: «نزل جبرئيل على النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: يا محمّد ربّك يقرئك السلام و يقول:

إنّ الأبكار من النساء بمنزلة الثمر على الشجر (فقام إليه رجل فقال: يا رسول اللّه فمن نزوّج؟ فقال: الأكفّاء، فقال: و من الاكفّاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفاء بعض) ثمّ لم ينزل (من المنبر) حتى زوّج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، المقداد بن الأسود الكندي ثمّ قال: أيّها الناس، إنّما زوّجت ابنة عمّي المقداد الكندي ليتّضع النكاح» (3).

أقول: الرواية منصرفة عن أقلّ حدّ المعيشة، و إنّما هي بصدد نفي سائر الملاكات التي كانت محورا للتزويج.

و بذلك يظهر مفاد كثير من الروايات الواردة في هذا المضمار (4)، و يدلّ على ذلك تعليل تزويج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير (5) بقوله سبحانه: إِنَّ

____________

(1)- الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث: 1- 2.

(2)- الخلاف: 2 كتاب النكاح، المسألة 27.

(3)- الوسائل: 14 الباب 23 من أبواب مقدّمات النكاح الحديث 2- 3، و ما بين القوسين موجود في رواية الكليني.

(4)- الوسائل: 14 الباب 25 من أبواب مقدّمات النكاح.

(5)- الوسائل: 14 الباب: 26 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 1- 2.

22

أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ (1) فإنّ التعليل يدل على كونه بصدد نفي سائر الملاكات إلّا التقوى و لا صلة له بما ينفق لأجل العيش.

و أمّا أمره لجويبر لأنّ ينطلق إلى زياد بن لبيد حتّى يزوّجه ابنته الدلفاء، مع كونه فاقدا لكلّ شي‌ء حتّى المال إلّا الإيمان الخالص. (2) فلم يعلم منه عجزه عن القيام بالمعيشة و لو سلّم فيحتمل كونه من باب الولاية لا أنّه مع فقره كان كفؤا شرعيا لبنت زياد، كما أمر الإمام الباقر (عليه السلام) ابن أبي رافع أن يزوّج بنته من منجح بن رياح الفقير الغريب 3. فلا يظهر من هذه الروايات أنّ المؤمن الفقير غير القادر على تأمين معيشة الزوجة كفو شرعي تجب على الولي الموافقة. و لو زوّجها يكون العقد لازما عليها.

2- استظهار كونه شرطا

و يمكن استظهار الاحتمال الثاني أي كونه شرطا للزوم العقد من الوجوه التالية:

الأوّل: قوله سبحانه: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنٰاتِ الْمُؤْمِنٰاتِ فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ (4).

فالطول بمعنى الغناء و التطاول على الناس، التفضّل عليهم، و المعنى: من لم يجد منكم شيئا أن ينكح المحصنات أي الحرائر فمن ما ملكت أيمانكم فتدل على اشتراط الطول في تزويج الحرائر.

يلاحظ عليه: أنّ وجه العدول من الحرائر إلى الإماء لأجل قلّة مهورهنّ و خفّة مئونتهنّ و إلّا فالفاقد للنفقة، لا يدوم نكاحه، لا مع الحرائر و لا مع الإماء و ليست‌

____________

(1)- الحجرات: 13.

(2) و 3- الكافي: 5/ 339- باب أنّ المؤمن كفؤ المؤمنة، الحديث 1.

(4)- النساء: 25. المراد إماء الغير لا ما يملكه الرجل.

23

الإماء غنية عن النفقة دون الحرائر، و لذلك علّل الطبرسي وجه العدول بقوله: «لأنّ مهور الإماء أقلّ و مئونتهنّ أخفّ في العادة» (1) فالآية لا صلة لها بما نحن فيه.

الثاني: مرسلة أبان عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكفؤ أن يكون عفيفا و عنده يسار» (2).

الثالث: صحيح محمد بن الفضيل (بن غزوان الثقة) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكفؤ أن يكون عفيفا و عنده يسار» 3.

الرابع: خبر عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

«الكفؤ أن يكون عفيفا و عنده يسار» (4).

و الظاهر أنّ المراد من اليسار، هو القيام على النفقة اللازمة، لا الغنى فيتم الاستدلال.

الخامس: روى البيهقي أنّ فاطمة بنت قيس أخبرت النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ معاوية يخطبها، فقال: «إنّ معاوية صعلوك لا مال له» (5).

فالقول بكون اليسار شرطا للزوم العقد إذا كانت جاهلة، هو الأقوى.

و لم نقل بالشرطية مطلقا لأنّ الزوجة لو كانت عالمة بفقر الزوج و عدم تمكّنه، من النفقة المناسبة لشأنها، لم يكن لها خيار، و أمّا لو كانت جاهلة فبما أنّ الصبر لهذا النوع من الحياة لا يخلو عن حرج و مضيقة، فترفع الشكوى إلى الحاكم، من دون أن يكون لها حقّ الفسخ، لأنّ أسباب الفسخ محصورة، فإمّا يبذل الحاكم له من بيت المال فيسدّ عيلته أو يأمره بالطلاق، أو يطلّق و لا يلزم من القول بعدم الشرطية حرج.

____________

(1)- مجمع البيان: 2/ 34.

(2) و 3- الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث: 4 و 5.

(4)- الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 7.

(5)- السنن الكبرى: 7/ 135 باب اعتبار اليسار الحديث 1.

24

الخامس: لو تجدّد عجز الزوج عن النفقة

لو تجدّد عجز الزوج عن بذل النفقة للزوجة و كان قادرا عليها هل تتسلّط الزوجة بذلك على الفسخ أو لا؟ فقال المحقّق: فيه روايتان، أشهرهما عملا أنّه ليس لها ذلك، أي الفسخ لا بنفسها و لا بالحاكم، و في المسالك: أنّه المشهور.

أقول: في المسألة وجوه و احتمالات:

1- عدم التسلّط على الفسخ، نسب إلى المشهور.

2- إنّ لها السلطة على الفسخ.

3- ما نقله كشف اللثام، بأنّ الحاكم يفسخه، و إلّا فسخت بنفسها.

استدل على التسلّط على الفسخ بوجوه:

1- قوله سبحانه: الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ (1) وجه الاستدلال: أنّ قوله سبحانه: «فإمساك» بمنزلة قوله: أي بعد المرّتين لا مناص عن أحد الأمرين: إمّا الإمساك بمعروف، و إمّا الطلاق و التسريح الذي لا رجوع بعده، و الإمساك بمعروف في مقابل الإمساك بخلافه، فالإمساك بالجوع و البؤس ليس إمساكا بالمعروف، غاية الأمر أنّه مع الاستطاعة لا يكون مقصّرا، أمّا مع عدمها يكون قاصرا.

و على كل تقدير، لا يعدّ ذلك إمساكا بمعروف، و ما في الجواهر: «من منع كون الإمساك بلا نفقة من غير المعروف مع الإعسار و كونها دينا عليه» (2) غير تام، لأنّه إذا كان الصبر على مثل تلك الحياة حرجيا، و كان الزوج قادرا لأن يخليها، فإمساكها و الحال هذه يعدّ إمساكا بغير معروف، و كونه دينا عليه، لا يجعل الإمساك معروفا إلّا إذا كان الأمر مؤقتا معجّلا يرتفع بسرعة.

____________

(1)- البقرة: 229.

(2)- الجواهر: 30/ 106.

25

2- صحيح ربعي بن عبد اللّه، و الفضيل بن يسار جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ قال: «إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة، و إلّا فرّق بينهما» (1).

3- صحيح أبي بصير المرادي، و هو مثل ما تقدم 2.

و قد رتب فخر المحققين، الخيار في المقام على ورود الخيار، في المسألة السابقة، مع أنّه قياس مع الفارق لإمكان وجود الخيار في العسر الابتدائي دون الاستدامي كما هو الحال في بعض العيوب الطارئة فهي موجبة للفسخ ابتداء لا استدامة.

و على كلّ تقدير فلو تم ما ذكرناه فهو و إلّا فلا محيص عمّا ذكرناه في المسألة السابقة من رفع الشكوى إلى الحاكم الخ.

السادس: وجوب الإجابة على الولي و عدمه

قال المحقق: «لو خطب المؤمن القادر على النفقة وجبت إجابته و إن كان أخفض نسبا، و لو امتنع الولي كان عاصيا» و لا بد من تقييده بما إذا لم يكن التزويج منه مكروها كالفاسق و لم يعلم فيه شي‌ء من المسلّطات للفسخ و لم تأبّ المولى عليه و لم يكن الهدف من الإباء العدول إلى أحسن منه أو مثله و إلّا لم تجب الإجابة، و الغالب على امتناع الأولياء هو الوجه الأخير، و لأجل ذلك قيّد الشيخ في النهاية ببعض الأمور و قال: «و إذا خطب المؤمن إلى غيره ... و لا يكون مرتكبا لشي‌ء من الفجور و إن كان حقيرا في نسبه، قليل المال فلم يزوّجه كان عاصيا مخالفا لسنّة نبيّه» (3).

____________

(1) و 2- الوسائل: 15 الباب 1 من أبواب النفقات، الحديث 1- 2، و الآية 7 من سورة الطلاق.

(3)- النهاية: 463.

26

و على كلّ تقدير فمصدر الحكم ما روي عن النبي الأكرم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من أنّه «إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوّجوه إِلّٰا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسٰادٌ كَبِيرٌ» (1).

ببيان اقتضاء الأمر للوجوب و استلزام مخالفته، العصيان.

و في الاستدلال نظر:

لأنّ الأمر في المقام إرشادي، لا مولوي لا يترتّب على مخالفته أيّة تبعة سوى شيوع الفساد و يكون المانع معينا عليه، و لكن كلّ ذلك إذا لم يكن الزواج مقرونا بما لا تحمد عاقبته فعندئذ جاز له الإباء لأنّ اعتبار رضا الولي ليس إلّا كونه أبصر بالوضع.

نعم لو كان الزواج مقرونا بالصلاح أو خاليا عن المفسدة، و لكن كان الإباء لأمور لا صلة لها به، تسقط ولايته و يكون الخيار بيد المولّى عليها، إن رضي.

السابع: لو انتسب لقبيلة فبان من غيرها

صور المسألة: إمّا أن يكون الانتساب من الدواعي، أو من الأمور المبني عليها العقد إمّا الاتفاق عليه قبل العقد أو بذكره في العقد، وصفا أو شرطا، و على كلّ تقدير فظهور الخلاف بتبيّن كونه منسوبا إلى قبيلة أعلى، أو أدنى أو المساوي.

فقد ذكره الشيخ في النهاية التي لا يذكر فيها سوى المسائل المتلقاة من الأئمة (عليه السلام) قال: «و إذا انتمى رجل إلى قبيلة بعينها، و تزوّج فوجد على خلاف ذلك بطل التزويج» (2).

و عمل به ابن سعيد في جامعه، حيث قال: في الفصل الذي عقده لبيان موارد فسخ النكاح «أو على أنّه من قبيلة أو أب مخصوصين فيظهر خلافهما» (3).

____________

(1)- الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.

(2)- النهاية: 498.

(3)- الجامع للشرائع: 463.

27

لا شكّ في أنّه لا يترتّب عليه الأثر لو كان الانتساب من الدواعي المخزونة في قرارة المزوّجة فزعمت أنّ الرجل هاشمي فزوّجت نفسها منه ثمّ بان خلافه من دون أن يبنى عليه العقد، أو يذكر فيه، من غير فرق بين وحدة المطلوب أو تعدده، لأنّ ما يجب الوفاء به هو ما يقع تحت الإنشاء قولا أو فعلا، أو كان ممّا بني عليه العقد باتفاق الطرفين دون الخارج عنهما، إذ لا يعدّ من العقد حتّى يشمل قوله تعالى:

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

كما أنّه لا شكّ إذا وكّل الغير في تولّي العقد مقيّدا بإجرائه على الهاشمي، أو رضي بعقد الولي مقيّدا بكونه هاشميا، في أنّه يقع غير صحيح، لأنّ غير الهاشمي خارج عن مصبّ الوكالة و الولاية فهاتان الصورتان خارجتان عن حريم الزواج، إنّما الكلام فيما إذا باشرت بنفسها على أحد الوجوه الماضية.

فاختار الشيخ، البطلان و تبعه ابن إدريس، فيما إذا ذكر في العقد سواء كان من قبيلة أدنى أو أعلى، و اختار ابن سعيد، الخيار للزوجة، و ذهب المحقّق، و الشهيد الثاني، إلى عدم الخيار، و جعله أشبه بأصول المذهب و قواعده.

و استدل للخيار بصحيح حمّاد عن الحلبي في حديث قال: «و قال في رجل يتزوّج المرأة فيقول لها: أنا من بني فلان، فلا يكون كذلك، فقال: يفسخ النكاح أو قال تردّ» (1).

أورد عليه، بالإضمار تارة، و أجيب عنه، بعدم كونه مضمرا لكون الحلبي أعظم من أن يروي عن غيره، و أخرى باحتمال رجوع الضمير إلى الحلبي و يكون هو المجيب، و ثالثة: أن ادّعاء الانتماء إلى قبيلة كان بعد التزويج أخذا بظهور «يتزوّج امرأة فيقول» لأنّ الفاء للترتيب، و من المعلوم أنّه غير مؤثّر.

أقول: احتمال رجوع الضمير في «قال» إلى نفس الحلبي: دون من سأله‌

____________

(1)- الوسائل: 14 الباب 16 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 1.

28

الحلبي مخالف لظاهر الرواية، و إليك متنه عن التهذيب، عن الحلبي: سألته عن رجلين نكحا امرأتين فأتي هذا بامرأة ذا، و أتي هذا بامرأة ذا، قال: تعتدّ هذه من هذا، و هذه من هذا، ثمّ يرجع كلّ واحدة منهنّ إلى زوجها، و قال: في رجل يتزوّج المرأة، فيقول لها: أنا من بني فلان. الخ (1).

و الظاهر أنّ فاعل الفعلين واحد و هو الذي سأله الحلبي، و الإشكال الأخير مبني على كون الوارد في الرواية لفظ «تزوّج» بصيغة الماضي، و الوارد في «التهذيب» و في نفس الوسائل «يتزوّج» بصيغة المضارع، و مثله ليس ظاهرا في تأخير بيان الانتماء عن التزويج.

و على كلّ تقدير، فلو تمّ الاستدلال به، و إلّا فالظاهر أنّ الأمر يدور بين البطلان و نفي اللزوم. فان قلنا بعدم شمول آية الوفاء بالعقود للمقام بحجة انّه رضيت بالمقيد بما هو مقيد و لم ترض بذاته بطل العقد، و ان قلنا بشمولها له فيكون شأنه شأن كل عقد فقد شرطه يكون لها الخيار.

أضف إلى ذلك أنّ إلزام الزوجة، بالاعتناق بمثله، حرجي ناشئ من تدليس الزوج، فيكون دليل الحرج حاكما على وجوب الوفاء به.

و الحاصل: أنّ الأمر دائر بين القول بعدم شمول أدلّة وجوب الوفاء لمثل هذا العقد، و القول بشمولها له و حكومة أدلّة الحرج عليها. و على كلّ تقدير لا وجه للزوم الوفاء. نعم أيّد صاحب الجواهر، الوجه الأخير أي اللزوم، بأمور:

1- من حصر ردّ النكاح في غير ذلك في صحيح الحلبي (2).

2- و معلومية بناء النكاح على اللزوم و لم يجر فيه شرط الخيار و لذا لا يبطل النكاح بفساد المهر، و يصحّ فيه اشتراط الخيار دون نفس النكاح.

____________

(1)- التهذيب: 7/ 432، كتاب النكاح، باب التدليس الحديث 35.

(2)- الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب و التدليس الحديث 6.

29

3- و المؤمنون عند شروطهم، لا يقتضي أزيد من الإلزام بالشرط القابل لأن يلزم بتأديته، لا مثل شرط أوصاف العين (1).

يلاحظ على الوجوه المذكورة:

أمّا الأوّل: فلأنّ الحصر في الحلبي إضافي، لا حقيقي، حتّى بالنسبة إلى العيوب التي هو بصدد بيانها إذ لم يذكر بعض العيوب التي يفسخ عند وجودها نظير ما جاء في صحيحة داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتزوّج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء، قال: «تردّ على وليّها» (2). و ما رواه الصدوق، عن عبد الحميد، عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «تردّ العمياء و البرصاء و الجذماء و العرجاء» 3.

و قد أفتى المشهور، بالخيار في موارد أخر كما إذا عقدت على أنّه حرّ فبان عبدا أو عقد على أنّها حرّة فبانت أمة، أو عقد على أنّها بكر، فبانت غيرها إذا علم زوال بكارتها قبل العقد بزنا أو غيره ففي الجميع، الخيار.

و أمّا الثاني: فلأنّ عدم جواز شرط الخيار، لا صلة له بالخيار الطارئ من دون اختيار كما في المقام.

و أمّا عدم طروء الخيار مع فساد المهر، أو عدم ذكره لكونه خارجا عن ماهية النكاح، لأنّه رابط بين الزوجين بخلاف البيع فإنّه رابط بين المالين، و لذا يبطل النكاح إذا تردّد الزوج بين الشخصين، كالبيع إذا تردّد بين المالين.

و أمّا الثالث: فانّما يتمّ إذا كان مصدر الخيار منحصرا بقوله: «المؤمنون عند شروطهم» حتّى يقال: بانصرافه إلى القابل بالتأدية، لا ما هو خارج عن القابلية.

و الظاهر، أنّ الأشبه بالأصول هو قدرته على الفسخ، و به يتبيّن حال كثير من‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 30/ 113.

(2) و 3- الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب التدليس، الحديث 9 و 7.

30

الشروط من كونه كاتبا فبان أمّيا أو كونه موظّفا دوليا فبان خلافه أو بالعكس، و اللّه العالم.

الثامن: في تزويج المرأة بالفاسق

الفاسق هو الخارج عن طاعة اللّه من «فسقت الثمرة» إذا خرجت عن غشائها، و استدل على الكراهة بوجوه غير تامة:

1- قوله سبحانه: أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لٰا يَسْتَوُونَ (1) و هو لا يدلّ على الكراهة، بل أقصاها، نفي الاستواء، و هو غيرها.

2- «إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوّجوه» (2) و المراد من الدين هو الإسلام قبال اليهود و النصارى لا الطاعة و القيام بالوظائف.

3- الحريّ بالفاسق الإعراض، و التزويج إكرام.

يلاحظ عليه: أنّ الحريّ بالفاسق إرشاده و دعوته إلى الحقّ لا الإعراض عنه و ربّما يكون التزويج مؤثّرا في إرشاده و ليس إكرام الفاسق على الإطلاق ممنوعا، إلّا إذا كان الإكرام لفسقه، أو كونه موجبا لتماديه في الفسق، و المفروض غير ذلك، و الأقوى الاكتفاء بالموارد المنصوصة كشارب الخمر و مرتكب الزنا و تزويج المؤمنة من المخالف لما عرفت أنّ ذلك مقتضى الجمع بين الروايات.

التاسع: إذا تزوّج بامرأة ثمّ بانت أنّها زانية؟

إذا تزوّجت بامرأة على أنّها عفيفة فبان الخلاف قال: فهل له الردّ أو لا؟

لنقدّم صور المسألة و هي أربعة:

____________

(1)- السجدة: 18.

(2)- الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.

31

1- إذا تزوّج بامرأة ثمّ علم بأنّها كانت محدودة قبل العقد.

2- إذا تزوّج بامرأة ثمّ علم أنّها زنت قبل العقد.

3- إذا تزوّج بامرأة ثمّ علم أنّها زنت بعد العقد و قبل الدخول.

4- تلك الصورة و لكنّها زنت بعد الدخول.

و الصورة الأخيرة خارجة عن محلّ النزاع و قد عنونت في كلماتهم مستقلّة.

و على كلّ تقدير يقع البحث تارة في الانفساخ أو حقّ الفسخ و عدمه، و اخرى في الرجوع إلى المهر.

أمّا الأوّل، فقد نقل العلامة الأقوال الثلاثة في المختلف.

1- قال المفيد: تردّ المحدودة من الفجور و به قال سلّار و ابن البرّاج و اختاره ابن الجنيد و أبو الصلاح أيضا و قطب الدين الكيدري.

2- و يظهر من الصدوق في المقنع انفساخ العقد، حيث قال: إذا زنت المرأة قبل دخول الزوج بها فرّق بينهما.

3- قال الشيخ في النهاية: المحدودة من الزنا لا تردّ و كذلك التي قد زنت قبل العقد فليس للرجل ردّها إلّا أنّ له يرجع على وليّها بالمهر و ليس له فراقها إلّا بالطلاق، و قال ابن ادريس: الذي يقوى في نفسي، أنّ المحدودة لا تردّ، و مثلهما المحقق في الشرائع، قال لم يكن له فسخ العقد (1).

استدل للقول الثالث، بصحيح الحلبي (2) حيث خصّ الردّ بأمور ليس منها ذلك، لكنّك عرفت أنّ الحصر فيه إضافي بشهادة أنّه لم يذكر فيه من العيوب ما يصحّ به الردّ و بمعتبرة رفاعة بن موسى النخاس (الذي نصّ النجاشي بأنّه: ثقة في حديثه، مسكون إلى روايته، و وقوع سهل في طريقه لا يضرّ لأنّ الأمر فيه سهل)،

____________

(1)- المختلف: 4/ 105.

(2)- الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 6.

32

عن الصادق (عليه السلام) عن المحدود و المحدودة، هل تردّ من النكاح؟ قال: «لا». (1)

و كفى بذلك سندا و دلالة.

و استدل على جواز الردّ بموثق إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي (عليه السلام) في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها زوجها، قال: يفرّق بينهما و لا صداق لها لأنّ الحدث كان من قبلها» (2).

يلاحظ عليه:- مضافا إلى اختصاصه بالصورة الثالثة، و لعلّه لأجل أنّ العار المتوجّه إلى الزوج فيها أشدّ من الصورتين الماضيتين، فلا يمكن الغاء الخصوصية- أنّها ظاهرة في الانفساخ و هو غير المدّعى، فإنّ المدّعى أنّ له حقّ الرد، أضف إليه أنّ الشيخ قال في حقّ روايات السكوني: إنّ الطائفة عملت برواياته إذ لم توجد رواية بخلافه.

و على فرض التكافؤ، فالمرجع هو أدلّة أصالة اللزوم من العمومات إذا وجدت أو استصحاب اللزوم على فرض عدمها.

فتبيّن أنّه لا ينفسخ العقد و ليس له حقّ الرد، بل إذا شاء طلّق.

العاشر: الكلام في الرجوع إلى المهر

الرجوع إلى المهر هو الأمر الثاني و فيه- مع قطع النظر عن الردّ- قولان:

1- الرجوع مطلقا اختاره المفيد و الشيخ.

2- الرجوع إذا كان الوليّ غارّا اختاره ابن إدريس.

استدل على جواز الرجوع بصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: سألت‌

____________

(1)- الوسائل: 14 الباب 5 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 2.

(2)- الوسائل: 14 الباب 6 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 3.

33

أبا عبد اللّه: (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فعلم بعد ما تزوّجها أنّها كانت قد زنت قال:

«إن شاء زوجها أخذ الصداق ممّن زوّجها و لها الصداق بما استحلّ من فرجها و إن شاء تركها» (1).

و بصحيح الحلبي أو حسنته «لأجل إبراهيم بن هاشم (2)» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) سألته عن المرأة تلد من الزنا و لا يعلم بذلك أحد إلّا وليّها، أ يصلح له أن يزوّجها و يسكت على ذلك إذا كان قد رأى منها توبة أو معروفا؟ فقال: «إن لم يذكر ذلك لزوجها ثمّ علم بعد ذلك فشاء أن يأخذ صداقها من وليّها بما دلّس عليه، كان ذلك على وليّها، و كان الصداق الذي أخذت، لها لا سبيل عليها فيه، بما استحلّ من فرجها، و إن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس» (3).

أقول: تجب الدقّة في مفاد الفقرتين في كلّ من الحديثين:

أمّا الحديث الأوّل: فهناك احتمالات.

1- أن تكون الفقرتان راجعتين إلى صورة حفظ العلقة فهو في هذه الحالة مخيّر بين الرجوع إلى الوليّ أو ترك المرأة بحالها.

2- أن يكون الشق الأوّل راجعا إلى صورة الردّ بالطلاق و الشق الثاني إلى صورة إبقاء العلقة.

3- أن يكون على العكس الرجوع في صورة حفظ العلقة، و عدمه في صورة الردّ بالطلاق‌

4- رجوعهما إلى صورة الردّ بالطلاق.

____________

(1)- الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 4.

(2)- إبراهيم بن هاشم لم يوثق في كتب الرجال لكن ذكرت في حقّه كلمات تعرب عن كونه فوق الثقة فهو ثقة بلا إشكال.

(3)- الوسائل: 14 الباب 6 من أبواب العيوب و التدليس، الحديث 1.

34

هذه هي الاحتمالات الأربعة و الثالث منها ضعيف لأنّ الرجوع في صورة الرّد بالطلاق أنسب من الرجوع في صورة إبقاء العلقة‌

و مثله الرابع لأنّه لا يناسب مع قوله (عليه السلام): «و إن شاء تركها» فيدور الأمر بين الاحتمالين.

و الاحتمال الثاني لم يقل به أحد و هو الرجوع عند قطع العلقة دون عند الحفظ فيتعيّن الأوّل من أنّ له الرجوع عند الوقوف على سابقتها مع حفظ العلقة و أولى منه إذا طلّق لأنّ تمام الموضوع للحكم هو الوقوف على السابقة مع كونها زوجته.

و أمّا الحديث الثاني فربّما يستظهر منه الاحتمال الثاني من هذه الاحتمالات بحكم الرجوع على صورة الطلاق و عدمه على صورة الإبقاء بقرينة قوله (عليه السلام):

«و إن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس» فيكون قرينة على أنّ الشقّ الأوّل راجع إلى صورة الردّ، لكن في الاستظهار نظر، و يحتمل قويا رجوع كلتا الفقرتين إلى إبقاء العلقة بتوضيح أنّ قوله (عليه السلام): «و إن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس» من تتمة الشق الأوّل، و الهدف بيان أنّ أخذ الصداق ممّن زوّج لا يخالف الإمساك بعد الأخذ فله بعد ذلك الإمساك، فتكون النتيجة أنّ الزوج له الرجوع إلى الغارّ و أنّ له الإمساك بعد ذلك كما أنّ له الطلاق بلا إشكال فينطبق على فتوى الشيخ و ابن إدريس إذ ليس خلافهما منحصرا في صورة الإبقاء فانّه إذا جاز فيها، جاز في الردّ بالطلاق بطريق أولى.

الحادي عشر: أحكام التعريض بالخطبة

1- خطبة ذات البعل و من في حكمها كالعدّة الرجعية محرّمة، لأنّ حرمة عرض المؤمن كنفسه و ماله، و التعريض بها، و لو بعد الطلاق و قبل خروج العدّة‌

35

هتك لحرمته، مضافا إلى أنّ خطبة ذات البعل لا تخلو من مفسدة.

2- لا بأس بخطبة الخليّة من الزوج و العدّة تصريحا أو تلويحا و لعلّ فيه تأسّيا للمعصوم (عليه السلام) أمّا المطلقة ثلاثا فيجوز التعريض من الزوج و غيره في العدّة و لا يجوز التصريح لا منه و لا من غيره.

و يدلّ عليه قوله سبحانه: وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسٰاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللّٰهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَ لٰكِنْ لٰا تُوٰاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلّٰا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً (1). و إن جاز التعريض.

و الآية مطلقة تعمّ جميع أقسام العدد.

أمّا المعتدّة تسعا للعدّة فينكحها بينها رجلان و نحوها ممّا تحرم على الرجل أبدا، نظير الملاعنة و الرضاع، فلا يجوز التعريض من الزوج فضلا عن التصريح في العدّة و خارجها.

و أمّا غيره، فيحرم التصريح في العدّة دون التعريض كما يجوز التصريح بعدها.

و أمّا المعتدّة البائنة سواء كانت عن خلع أو فسخ، فيجوز التصريح من الزوج في العدّة فضلا عن التعريض، و أمّا غيره فلا يجوز التصريح و يجوز التعريض، و إن تردّد الشيخ في التعريض لأنّها في عدّة الغير، مع جواز رجوعها إليه بنكاح.

و حاصل الكلام: أنّ المعتدّة لو كانت بحكم الزوجة يحرم التصريح و التعريض من الغير، لأنّها بحكم الزوجة، و أمّا لو لم تكن بحكم الزوجة و لكن كانت معتدّة محرّمة، فان كانت محرّمة مطلقة، لا يحلّها المحلّل فالتصريح و التعريض من الزوج ممنوع لأنّها محرّمة عليه مؤبّدا فكيف يصحّ له الخطبة؟ و أمّا‌

____________

(1)- البقرة: 235.

36

الغير فيجوز التعريض دون التصريح لكونها معتدّة، و أمّا إذا كانت محرّمة مؤقّتة يبيحها نكاح المحلّل فيجوز التعريض أيضا لهما دون التصريح في العدّة، و أمّا بعدها فيجوز للغير التصريح أيضا دون الزوج لحرمة زواجها منه قبل المحلّل و الفرق بين التعريض و التصريح واضح إذ التعريض مثل قوله: ربّ راغب فيك أو حريص عليك، و التصريح كما إذا قال: إذا انقضت عدتك تزوّجتك.

و على كلّ تقدير، فلو خطب في موضع التحريم، ثمّ انقضت العدّة لم تحرم على الخاطب إذ ليست الخطبة في غير موضعها من المحرّمات.

و لو خطب منها فأجابت فهل يحرم على الغير خطبتها، أو لا؟ وجهان، قال المحقق بالحرمة. و الأولى الكراهة.

الثاني عشر: إذا اشترطت على المحلّل الطلاق

إذا تزوّج المحلّل، المطلقة ثلاثا و شرطت الزوجة على أنّه إذا أحلّها على زوجها السابق فلا نكاح بينهما، قال المحقق: بطل النكاح.

أقول: إنّ للمسألة صورا ثلاثا صرّح بها الشيخ في المبسوط قال: إذا تزوّج امرأة ليبيحها للزوج الأوّل ففيه ثلاث مسائل:

إحداها: إذا تزوّجها على أنّه إذا أباحها للأوّل فلا نكاح بينهما، أو حتى يبيحها للأوّل، فالنكاح باطل بالإجماع لما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه لعن المحلّل و المحلل له. و روى عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): أنّه قال: «أ لا أعرّفكم التيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: «المحلّل و المحلّل له ...»‌

الثانية: تزوّجها على أنّه إذا أباحها للأوّل، أن يطلّقها فالنكاح صحيح و الشرط باطل، و قال قوم: النكاح باطل. و الأوّل أصحّ لأنّ إفساد الشرط المقارن لا يفسد العقد، و لها مهر مثلها لأنّها إنّما رضيت بذلك المسمّى لأجل الشرط فاذا‌

37

سقط الشرط زيد على المسمّى بمقدار ما نقص لأجله، و ذلك مجهول فصار الكلّ مجهولا فسقط المسمّى و وجب مهر المثل.

الثالثة: إذا نكحها معتقدة بأنّه يطلّقها إذا أباحها، أو أنّه إذا أباحها فلا نكاح بينهما ثمّ تعاقدا من غير الشرط كان مكروها و لا يبطل به العقد (1).

أقول: ذكر الشيخ الصورة الثانية في الخلاف قال: إذا تزوّج امرأة قد طلّقها زوجها ثلاثا بشرط أنّه متى أحلّها للأوّل طلّقها كان التزويج صحيحا و الشرط باطلا، و للشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، و الآخر: أنّ النكاح باطل.

و قال في مسألة أخرى: إذا نكحها معتقدا أنّه يطلّقها إذا أباحها و أنّه إذا أباحها فلا نكاح بينهما إن اعتقد هو أو الزوجة ذلك، أو هما و الوليّ أو تراضيا قبل العقد على هذا ثمّ تعاقدا من غير شرط كان مكروها و لا يبطل العقد به (2).

أقول: إنّ التحليل يتوقف على أمور ثلاثة:

1- كون العقد دائما.

2- كون الزوج بالغا.

3- تحقّق الدخول بل الإنزال على الأحوط فلا مناص عن فرضهما قاصدين للدوام حتى يتحقّق التحليل لا الانقطاع إلّا إذا كانا جاهلين و هو خلاف الفرض.

ثمّ إنّ البحث على القول بأنّ الشرط الفاسد لا يفسد العقد إمّا لأنّه من باب تعدّد المطلوب، أو أنّه التزام في التزام إلّا إذا كان مخالفا لمقتضى العقد أو كونه موجبا لطروء الجهالة لأحد العوضين من الثمن و الثمن، و أمّا على القول بكونه مفسدا لكان الحكم بلا استثناء هو فساد العقد. إذا عرفت ما ذكر فإليك بيان‌

____________

(1)- المبسوط: 4/ 247- 248.

(2)- الخلاف: 2/ كتاب النكاح المسألة 120- 121.

38

أحكام الصور:

أمّا الصورة الأولى فرّبما يتوهم، فساد الشرط و المشروط هنا بتخيّل أنّ العقد ليس بنكاح شرعي، لا دائم لفرض اشتراط ارتفاعه بالتحليل و لا منقطع، لعدم التحديد بمدّة بل التحديد بالإصابة و ليس منها.

و الحقّ ما عليه الشيخ، في الخلاف من صحّة العقد و فساد الشرط، لأنّ المنشأ هو العقد الدائم و اشتراط ارتفاعه، بالتحليل دليل على كونه دائما لا منقطعا، و إلّا لما جعله رافعا.

نعم لا كلام في فساده لأنّه جعل ما ليس برافع رافعا، و النكاح لا يرتفع إلّا بطلاق أو فسخ، أو بانفساخ أو بموت، و هو ليس منها و بما أنّ المحقّق هو عدم سريان فساد الشرط إلى المشروط يكون الشرط لغوا دون المشروط.

و أمّا الصورة الثانية: فقد عرفت من الشيخ في الخلاف، صحّة النكاح، و بطلان الشرط و المراد من بطلانه عدم لزوم الوفاء به.

و الظاهر صحة العقد و الشرط معا لأنّه طلب فعل مقدور من المشروط عليه و ليس شرطه منافيا لقصد النكاح بل و لا لدوامه، و يترتّب على ذلك صحّة المسمّى و أنّه لو دخل بها لم يكن لها عليه إلّا ما سمّى.

نعم على القول ببطلان الشرط ربّما يقال بوجوب دفع مهر المثل إذا دخل بها لا المسمّى باعتبار بطلان الشرط الذي له قسط من المهر، لأنّها إنّما رضيت بالمسمّى مع الشرط، فإذا لم يسلم لها الشرط زيد على المسمّى مقدار ما نقص لأجله و هو مجهول و يبطل المسمّى بذلك فترجع إلى مهر المثل.

يلاحظ عليه: منع كونه جزء المسمّى، حتّى يتشكل من معلوم و مجهول و يكون المركب منهما مجهولا بل ربّما يكون المسمّى أكثر من مهر المثل.

و أقصى ما يمكن أن يقال: تسلطها على الخيار في المسمّى لا أنّه يكون‌

39

باطلا و يتعين مهر المثل.

أمّا الصورة الثالثة أعني ما إذا كان ارتفاع النكاح بالتحليل أو لزوم طلاقها بعده أمرا مضمرا للزوجين فقال المحقّق: لم يفسد النكاح و لا المهر، لأنّ العبرة بالمنشإ و المذكور لا المنوي و المضمر.

و لكنّه ملحوظ فيه فانّ الشروط المبنى عليها العقد كالمذكور إذا تقاولا و عقدا عليه، يلزم العمل بها إذا كانت صحيحة، و لا يمكن الاعتذار بعدم الذكر في العقد، لعموم وجوب الوفاء للالتزامات و العهود و الشروط، و على ذلك فلا بدّ من القول بعدم الفرق بين الثانية و الثالثة فبما أنا اخترنا صحة الشرط في الثانية فتكون الثالثة مثلها و يجب على الزوج العمل به.

و على كلّ تقدير ففي كلّ مورد صحّ العقد حلّت المرأة لزوجها الأوّل بعد الطلاق و انقضاء العدّة.

نعم لو قلنا بفساد العقد في بعض الصور فلا يتحقّق التحليل، لأنّ المحلّل هو العقد الصحيح مع الدخول.

الثالث عشر: في نكاح الشغار

و الكلام في موارد:

1- ما هو الشغار؟ الشغار نكاح معروف في الجاهلية، قال في النهاية: كان الرجل يقول للرجل: شاغر منّي أي زوّجني اختك أو بنتك، أو من تلي أمرها حتّى أزوّجك أختي أو بنتي أو من إليّ أمرها. و لا يكون بينهما مهر و يكون بضع كلّ واحد منهما في مقابلة بضع الأخرى.

و قيل له: شغار، لارتفاع المهر بينهما، من شغر الكلب، إذا رفع إحدى رجليه ليبول. و ربّما يقال: بأنّه من شغر البلد إذا خلى من القاضي، لخلوّ العقدين‌

40

من المهر.

و الظاهر، أنّ ما ذكر طلب الشغار و ليس هو نفسه. بل الشغار لغة عبارة عن تزويج امرأتين بالنحو المذكور. و ان كان يظهر من بعض الروايات انّه أيضا شغار.

و يقرب منه ما جاء في صحاح الجوهري و القاموس و المصباح المنير، حيث فسّروه بقول الرجل للآخر: زوّجنى ابنتك أو أختك على أنّ أزوّجك ابنتي أو أختي على أنّ صداق كلّ منهما بضع الأخرى، و قد عرفت أنّ الشغار غير هذا بل هو التزويج بالنحو المذكور، هذا بحسب اللغة.

و تفسره الروايات، بنكاح المرأتين ليس لواحدة منهما صداق إلّا بضع صاحبتها، أو لا يكون بينهما مهر غير تزويج هذا هذا، و هذا هذا و ما يقاربهما (1).

و على هذا فلا فرق في التعبير، إذا قال: زوّجت بنتك على أن يكون مهر بضع ابنتي أو نكاح ابنتي، أو وطؤها أو الاستمتاع منها، فأنّ الجميع يشير إلى أمر واحد و هو المحاباة و المباضعة و مبادلة بضع ببضع، من دون أن يكون لواحدة منهما مهر سوى بضع الأخرى، و قد كان للآباء و الإخوة و الأولاد سلطة على بناتهم و أخواتهم و أمّهاتهم فيبادلون بضاعتهن ببضاعة أشقائهن فيتمتّع الرجل و يتزوّج من دون أن يصرف شيئا و هو أشبه بالتجارة بمال الغير.

اتفق علماؤنا على بطلانه و عدم صحّته و اختلفت كلمات العامّة، قال الشيخ في الخلاف: نكاح الشغار باطل عندنا، و به قال مالك و الشافعي و أحمد و إسحاق، غير أنّ مالكا أفسده من حيث فساد المهر، و أفسده الشافعي من حيث إنّه ملك لبضع كلّ واحد من شخصين (الزوج باعتبار كونه زوجا لها، و زوجه الآخر باعتبار كونه مهرا لها)، و ذهب الزهري و الثوري و أبو حنيفة‌

____________

(1)- الوسائل: 14 الباب 27 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1 و 2.

41

و أصحابه إلى أنّ نكاح الشغار صحيح و إنّما فسد فيه المهر فلا يفسد بفساده (1).

و القدر المتيقّن من الشغار هو خلوّ عقدهما عن المهر إلّا بضع الأخرى فقط، و أمّا إذا كان البضع جزء المهر أو شرطه، بأن يقول: زوّجتك ابنتي على أن تزوّجني ابنتك و يكون بضع كلّ واحد مع عشرة دارهم صداقا للأخرى، فالظاهر خروجهما عن حريم الإجماع و النصّ و إن كان الظاهر من كشف اللثام خلافه، للشكّ في صدق الشغار و ظهور الأخبار في خلافه و اقتصارها على المتيقّن فيما خالف القواعد.

و أمّا بطلان نكاح الشغار، فلتضافر الأخبار على الحرمة الوضعية، حيث نقل الصدوق بسند صحيح عن غياث بن إبراهيم، [المسمّى ب‍ «الأسدي»] قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): لا جلب و لا جنب و لا شغار في الإسلام» (2). و ظاهره عدم كونه مشروعا في الإسلام، نظير «لا حرج» و «لا ضرر» على التفسير المشهور.

و ربّما يقال بكونه باطلا لأجل التعليق و هو إنّما يتم لو كان من قبيل التعليق في الإنشاء لا ما يكون من قبيل شرط الفعل و طلبه، مثل قوله: بعت هذا بهذا على أن تخيط لي قميصا. و المقام من هذا القبيل.

و ربما يحتمل أن يكون وجهه هو الدور، و يدفعه أنّ كلا الإنشاءين مطلقين- كما مرّ- و التعليق فيهما من قبيل اشتراط كلّ من المتزوّجين على الوليّ تزويج ما يتولّاه من البنات و الأخوات.

ثمّ إنّ في المقام فروعا ذكرها الشيخ في المبسوط و المحقق في الشرائع نذكرها:

1- لو زوّج الوليّان كلّ منهما صاحبه و شرط لكلّ واحدة مهرا معلوما و كان‌

____________

(1)- الخلاف: 2/ كتاب النكاح، المسألة 118.

(2)- الوسائل: 14 الباب 27 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.

42

الداعي لكلّ منهما تزويجه الآخر، صحّ بلا إشكال، لعدم جعل بضع كلّ مهر الاخرى في متن العقد و لا خارجة و عدم المحذورين المتوهمين من التعليق في الإنشاء أو الدور.

2- لو زوّج أحدهما أو كلّ منهما، الآخر، بمهر معين، أو على وجه التفويض و شرط مع المهر أن يزوّجه الآخر بمهر معلوم، قال الشيخ: «صحّ العقدان و بطل المهر فانّه جعل صداق كلّ واحدة منهما تزويج الاخرى فالبضع لم يشرك فيه اثنان»، و التعبير غير دقيق لأنّه لم يجعل التزويج مهرا بل شرطا للمهر كما في الشرائع و الأولى التعليل بما في الأخير من أنّه شرط مع المهر تزويجا و هو غير لازم (و يلزم من عدم لزومه عدم لزوم المشروط). و النكاح لا يدخله الخيار و أوضحه في الجواهر بقوله: فلا يجوز أن يجعل شرطا للنكاح و إلّا لزم الخيار فيه إذا لم يتحقق الشرط.

و عندئذ فلا مناص من جعله شرطا للمسمّى و يلزم أن يكون جزءا منه كما أنّ الأجل جزء من الثمن أو المثمن و هو أمر مجهول، فيوجب جهل المسمّى فيبطل، و يكون لها مهر المثل كما هو الضابط في كلّ مهر فاسد (1).

يلاحظ عليه: ما ذكرناه من تحديد الشغار، من أنّ المتيقّن منه ما لا يكون هناك مهر إلّا التزويج و أمّا إذا كان هناك مهر و كان التزويج جزءا منه أو شرطا، فصدق الشغار عليه مشكوك و هو شرط سائغ يمكن الوفاء به، فإن كان المشروط عليه قادرا على الوفاء به كما إذا رضيت المولّى عليها أو أرضاها بالترغيب، يكون العقد نافذا و أمّا إذا كان الشرط خارجا عن وسعه يدخل تحت الشروط التي لا يتمكّن.

3- لو قال: زوّجتك بنتي على أن تزوّجني بنتك على أن يكون نكاح بنتي‌

____________

(1)- الجواهر: 30/ 131.

43

مهرا لبنتك. صحّ نكاح بنت المتكلم و بطل نكاح بنت المخاطب لأنّ الشغار متحقّق في الثاني دون الأوّل لأنّ نكاح بنت المتكلّم صار مهرا لنكاح بنت المخاطب فليس له من المهر إلّا هذا، بخلاف بنت المتكلّم فلها مهر غير النكاح، لكنّه غير مذكور فهو إمّا المسمّى خارج العقد، أو مهر المثل.

4- و لو قال: زوّجتك بنتي على أن تزوّجني بنتك على أن يكون نكاح بنتك مهرا لبنتي، انعكس الحكم، بطل نكاح بنت المتكلم و صحّ نكاح بنت المخاطب.

أقول: لو فسّر نكاح الشغار بنكاح المرأة مع جعل مهرها نكاح المرأة الاخرى، و بكلمة واضحة: من كان مهرها بضعا صحّ ذاك التفصيل فانّ مهر بنت المخاطب في الأوّل و بنت المتكلّم كذلك و أمّا البنت الأخرى فمهرها غير مذكور، فلو لم يكن هناك تواطؤ يرجع إلى مهر المثل.

و أمّا إذا قلنا بأنّ الملاك من الشغار هو اجتماع سلطتين على بضع واحدة فينعكس الحكم فيبطل نكاح بنت المتكلّم في الأوّل، لأنّه جعل نكاح ابنته مهرا لنكاح بنت المخاطب فعندئذ يلزم اجتماع سلطتين على بضع واحدة لأنّها- مع كونها مملوكة لزوجها أي (المخاطب)- تكون مملوكة لمن صارت مهرا لها.

و بذلك يعلم حكم الفرع الثاني أي يبطل نكاح بنت المخاطب، لأنّه جعلت فيه بضعها مهرا لنكاح بنت المتكلّم، فهي باعتبار مملوكة لزوجها، و باعتبار آخر مملوكة لبنت المتكلم. و بما أنّ الملاك عندنا هو ما ذكر في الأخبار أي من لم يكن له مهر إلّا البضع يكون التفصيل الأوّل أقوى. و على كلّ تقدير فهذا النوع من الشغار شغار من جانب واحد لا من جانبين و مورد الأخبار هو الثاني و يمكن إلغاء الخصوصية، و العرف يساعده.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الفصل الثالث عشر في نكاح المتعة

1- نكاح المتعة في الذكر الحكيم‌

2- الاستدلال بالسنّة‌

3- أركان عقد المتعة‌

الف- العقد‌

ب- المحلّ: الزوجان‌

1- التمتع بالزانية‌

2- التمتع بالبكر‌

ج- المهر‌

د- الأجل‌

4- أحكام المتعة‌

5- ميراث الزوجين في المتعة‌

6- عدّة المتمتع بها‌

7- عدّة الوفاة للمتمتع بها‌

8- تجديد العقد على المتمتع بها قبل انقضاء أجلها‌

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

في نكاح المتعة حقيقته تزويج المرأة الحرّة الكاملة- إذا لم يكن بينها و بين الزوج مانع من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية- بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضاء و الاتفاق، فإذا انتهى الأجل تبين من غير طلاق و يجب عليها مع الدخول بها- إذا لم تكن يائسة، و كانت ممّن تحيض- أن تعتدّ بخمسة و أربعين يوما، و ولد المتعة ذكرا كان أو أنثى يلحق بالأب و لا يدعى إلّا له و له من الإرث ما أوصانا اللّه سبحانه به في آية الوراثة من أنّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، كما يرث الأم و تشمله جميع العمومات الواردة في الأبناء و الآباء و الأمهات و كذا العمومات الواردة في الإخوة و الأخوات و الأعمام و العمّات.

و بالجملة: المتمتّع بها، زوجة حقيقة و ولدها ولد حقيقة و لا فرق بين هذا الزواج و الزواج الدائم إلّا أنّه لا توارث بين الزوجين، و لا قسم و لا نفقة لها كما أنّ له العزل عنها. و هذه الفوارق الجزئية فوارق في الأحكام لا في الماهية، و الماهية واحدة غير أنّ أحدهما مؤقّت، و الآخر غير مؤقّت و أنّ الأوّل ينتهي بانتهاء الوقت و الثاني ينفصم بالطلاق أو بالفسخ.

أجمع أهل القبلة على أنّه سبحانه شرّع هذا النكاح في دين الإسلام في صدره و لا شكّ و لا ترديد في أصل مشروعيته و إن كان هناك اختلاف في نسخه و بقاء مشروعيّته.

و أوضح دليل على مشروعيّته في صدر الإسلام نهي عمر عنها حيث قال:

48

«متعتان كانتا في عصر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) حلالين و أنا أحرّمهما و أعاقب عليهما: متعة الحجّ، و متعة النساء» (1).

فإنّ النهي إمّا كان اجتهادا من عمر أو كان مستندا إلى نهي من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و على كلا التقديرين يدلّ على جوازه في فترة خاصة، و هذا واضح لمن له إلمام بالفقه.

[نكاح المتعة في القرآن]

و الأصل في ذلك قوله سبحانه: وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلٰابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلّٰا مٰا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ غَفُوراً رَحِيماً* وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ كِتٰابَ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا تَرٰاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلِيماً حَكِيماً (2).

و لأجل إيضاح مفاد الآية نبحث عن مفرداتها و جملها واحدة بعد أخرى.

1- الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ، هو معطوف على قوله: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ أي حرم الجمع بين الأختين، كما حرمت المحصنات من النساء أي المتزوّجات. و المحصنات: اسم مفعول من الإحصان، و هو المنع. و يطلق على القلاع: الحصون، لمنعها من هجوم العدو ثمّ إنّ الإحصان بمعنى واحد يستعمل في موارد ثلاثة:

الأوّل: إحصان العفة، و يراد منه العفائف من النساء.

الثاني: إحصان الزوجية، و يراد المتزوّجات، لأنّ الزواج يمنع من اقتحام الزنا كما أنّ العفّة الفطرية كذلك.

الثالثة: إحصان الحرّية و يراد الحرائر، لأنّ الغالب عليهنّ العفة بخلاف‌

____________

(1)- سنن البيهقي: 7/ 206.

(2)- النساء: 23 و 24.

49

الإماء فقد كان الزنا فاشيا بينهنّ.

و هذا لا يعني أنّ للإحصان معان ثلاثة حتى يصحّ كون اللفظ مشتركا معنويا بل له معنى واحد، و إنّما الاختلاف في موارد الاستعمال، لأجل أنّ عوامل المنع عن السقوط، إمّا طبع المرأة، أو تزوّجها، أو حرّيتها فإنّ الغالب على الأحرار، هو العفّة خلافا للإماء.

و القرآن الكريم استعمل المحصنات بمعنى واحد في الموارد الثلاثة، و سنذكر أمثلتها عند تفسير الآية.

و المراد من المحصنات هنا: مطلق المتزوّجات، أي القسم الثاني من الاحصان أي من تمسكت باحصان الزواج و ذلك بقرينة عطفه على سائر المحرّمات و إلّا فلا وجه لتحريم العفائف أو الحرائر غير المتزوّجات فإنهنّ في موضع الحثّ على النكاح، لا تحريمه.

2- إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ: فقد استثنى من المتزوّجات الأمة المملوكة لغير الزوج فيجوز أن يحول المالك بين مملوكته و زوجها، ثمّ ينالها بعد استبرائها و ظهور خلوّ رحمها من الولد، و لا يصحّ الاستثناء متصلا من «المحصنات» بمعنى المتزوّجات إلّا بهذا المعنى.

3- كِتٰابَ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ منصوب لفعل مقدّر، أي خذوا كتاب اللّه و ألزموه.

4- وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ الإتيان بلفظ «ما» مكان «من» مع كونه الرائج في ذوي العقل و لفظ «ذا» مكان «هؤلاء» قرينة على أنّ المراد من الموصول و اسم الإشارة هو النكاح أي أحلّ لكم نكاح وراء ذلك النكاح، المذكور في نفس الآية قبلها، أيّها المخاطبون.

5- أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ الجملة واقعة مكان العلّة الغائية لتحليل ما وراء ذلك، و هي بصدد تبيين الطريق المشروع في نيل النساء‌

50

و مباشرتهنّ الذي دلّت على حلّيته الجملة السابقة و هي قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ و المقصود هو بعث الرجال إلى ابتغاء النكاح بالمال لكن مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ متعففين لا زانين، فإنّ نيل النساء يتحصّل بأحد أمور ثلاثة: النكاح، ملك اليمين، و السفاح، و الآية تحث على النكاح و تنهى عن نيلهنّ بالسفاح، و أمّا ملك اليمين فغير مذكور في الآية.

و على ذلك فيكون المراد من قوله مُحْصِنِينَ هو إحصان العفّة، أي تقصدوا بأموالكم أمرا فيه تحقيق إحصانكم و عفّتكم لا خلافه و ضدّه. و قد استعمل لفظ «محصنين» في إحصان العفّة كما استعمل لفظ «محصنات» فيما سبق في إحصان التزويج. و أمّا استعماله، في إحصان الحرّية فهو في الآية التالية عند البعث على نكاح الإماء بقوله: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنٰاتِ الْمُؤْمِنٰاتِ فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ (1) و المراد منها الحرائر كما هو واضح.

و يمكن أن يراد من الإحصان في المقام، إحصان التزويج، و المراد متزوّجين لا زانين أي اطلبوا النساء بأموالكم سالكين سبيل التزويج، لا الزنا، و لا ينافي كون الفقرة الآتية ناظرة إلى العقد المنقطع لأنّه من أقسام التزويج، لا السفاح و لا ملك يمين و أما فقدان بعض أحكام التزويج من الميراث و وجوب النفقة فلا ينافي ذلك.

و لكن الظاهر، هو الأوّل:

و السفاح، من السفح، و هو صبّ الماء من غير غاية، استعير للزنا، لأنّ الزاني لا هدف له إلّا صبّ مائه و إرضاء شهوته لا حفظ العفّة و الأخلاق.

و مع ذلك فليس المراد هو المعنى اللغوي له، الذي ربّما يجتمع مع الزواج الصحيح، بل المراد هو الزنا لشيوع استعماله فيه، بحيث يحتاج إرادة المعنى اللغوي بما هو هو، إلى القرينة.

____________

(1)- النساء: 25.

51

6- فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً

يحتمل أن تكون «ما» مصدرية زمانية و عندئذ يرجع الضمير في «به» إلى النيل، و يعود معنى الآية إلى، مهما استمتعتم بالنيل منهنّ فآتوهنّ أجورهنّ، كما يحتمل أن تكون «ما» موصولة و الجملة الواقعة بعدها صلة و الضمير في «به» عائده و المعنى: «من استمتعتم به من النساء». الخ و تذكير الضمير لأجل لفظ الموصول.

و هو تفريع على ما سبق بيانه أي حلّية نيل النساء عن طريق النكاح، و يمنع عن السفاح، ففرّع عليه هذه الجملة و أنّه مهما تمتّع أحد منكم بهنّ فليدفع الأجر.

و لكن الكلام في أنّ المراد هل هو النكاح الدائم أو غيره؟ فالشيعة على أنّ الآية بصدد تشريع هذا النوع من الزواج المنقطع و لفيف من أهل السنّة على أنّه راجع إلى الزواج الدائم، و لكن القرائن تدلّ على أنّ المراد هو الأوّل و إليك بيانها:

القرائن الدالّة على كون المراد هو المنقطع

الأولى: إنّ كلمة «الاستمتاع» ظاهرة في هذا النوع من الزواج

و قد كان هذا النوع من النكاح معروفا في صدر الإسلام بالمتعة و التمتع و ليس المراد منه «الالتذاذ» بل المراد عقد المتعة، يعلم ذلك من الوقوف على وجوده في صدر الإسلام بهذا اللفظ.

1- روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: قال: كانت متعة النساء في أوّل الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته و لا يحفظ متاعه فيتزوّج المرأة إلى قدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته فتنظر له متاعه و تصلح له ضيعته ... (1).

____________

(1)- الدرّ المنثور: 2/ 140.

52

2- أخرج الطبراني و البيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أوّل الإسلام، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوّج بقدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته لتحفظ متاعه و تصلح له شأنه (1).

3- أخرج عبد الرزاق و ابن أبي شيبة و البخاري و مسلم عن ابن مسعود قال: كنّا نغزو مع رسول اللّه و ليس معنا نساؤنا فقلنا: أ لا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك و رخّص لنا أن نتزوّج المرأة بالثوب إلى أجل ... 2.

إلى غير ذلك من الروايات في شأنه و الكلّ يعرب عن وجوده في صدر الإسلام، أي وجود ذلك النوع من العقد فيه، لا العمل الخارجي الالتذاذي، نعم كان العمل يتبع العقد. و بذلك يعلم أنّ المراد من الفعل «استمتعتم» هو عقد المتعة لا المعنى اللغوي:

قال الطبرسي: و قيل: المراد به نكاح المتعة، و هو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معلوم، روي عن ابن عباس و السدي و ابن سعيد، و جماعات من التابعين و هو مذهب أصحابنا الإمامية و هو الواضح، لأنّ لفظ الاستمتاع و التمتع و إن كان في الأصل واقعا على الانتفاع و الالتذاذ، فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد المعين لا سيما إذا أضيف إلى النساء، فعلى هذا يكون معناه. فمتى عقدتم عليهنّ هذا العقد المسمّى متعة فآتوهنّ أجورهنّ، و يدلّ على، ذلك أنّ اللّه علّق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع و ذلك يقتضي أن يكون معناه هذا، العقد المخصوص دون الجماع و الاستلذاذ لأنّ المهر لا يجب إلّا به (3) و سيوافيك أنّ المهر يجب بمجرّد العقد كله و أنّه ليس له الإمساك، نعم لو امتنعت عن الاستمتاع، ترد بمقدار ما امتنعت.

____________

(1) و 2- الدرّ المنثور: 2/ 140.

(3)- مجمع البيان: 2/ 32.

53

الثانية: الحمل على النكاح الدائم يستلزم التكرار بلا وجه:

إنّ هذه السورة، أي سورة النساء، تكفّلت ببيان أكثر ما يرجع إلى النساء من الأحكام و الحقوق، فذكرت جميع أقسام النكاح في أوائل السورة على نظام خاص، أمّا الدائم فقد أشار إليه سبحانه بقوله: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تُقْسِطُوا فِي الْيَتٰامىٰ فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً ... (1).

و أمّا أحكام المهر فقد جاءت في الآية التالية: وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (2).

و قال سبحانه: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسٰاءَ كَرْهاً وَ لٰا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مٰا آتَيْتُمُوهُنَّ ... (3).

و قال سبحانه: وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدٰالَ زَوْجٍ مَكٰانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً فَلٰا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتٰاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (4).

و أمّا نكاح الإماء فقد جاء في قوله سبحانه: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنٰاتِ الْمُؤْمِنٰاتِ فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ فَتَيٰاتِكُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ وَ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِإِيمٰانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنٰاتٍ غَيْرَ مُسٰافِحٰاتٍ وَ لٰا مُتَّخِذٰاتِ أَخْدٰانٍ ... (5).

فقوله سبحانه: فَمِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ إشارة إلى نكاح السيّد لأمته، الذي جاء في قوله سبحانه أيضا: إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ... (6).

____________

(1)- النساء: 3.

(2)- النساء: 4.

(3)- النساء: 19.

(4)- النساء: 20.

(5)- النساء: 25.

(6)- المؤمنون: 6.

54

و قوله سبحانه: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ. إشارة إلى تزويج أمة الغير.

إلى هنا تمّ بيان جميع أقسام النكاح فلم يبق إلّا نكاح المتعة، و هو الذي جاء في الآية السابقة، و حمل قوله سبحانه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ على الزواج الدائم. و حمل قوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على دفع المهور و الصدقات مستلزم للتكرار و قد عرفت وجود نكاح المتعة في صدر الإسلام، و لا يصحّ للشارع السكوت عن حكمها.

فالناظر في السورة يرى أنّ آياتها تكفّلت ببيان أقسام الزواج على نظام خاص و لا يتحقّق ذلك إلّا بحمل الآية على نكاح المتعة كما هو ظاهرها أيضا. و مما ذكرنا يعلم وجه الاتيان بلفظ «الفاء» مع عدم سبق ذكرها لأنّه لما ذكر جميع الأقسام الموجودة في الأديان و لم يبق إلّا هذا، استدركه بقوله: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ.

الثالثة: تصريح جماعة من الصحابة على شأن نزولها:

ذكرت أمة كبيرة من أهل الحديث نزولها فيها، و ينتهي نقل هؤلاء إلى أمثال ابن عباس، و أبي بن كعب، و عبد اللّه بن مسعود، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و حبيب بن أبي ثابت، و سعيد بن جبير، إلى غير ذلك من رجال الحديث الذين لا يمكن اتّهامهم بالوضع و الجعل.

و قد ذكر نزولها فيه من المفسرين و المحدّثين:

إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في مسنده (1).

و أبو جعفر الطبري في تفسيره (2).

و أبو بكر الجصاص الحنفي في أحكام القرآن (3).

و أبو بكر البيهقي في السنن الكبرى (4).

____________

(1)- مسند أحمد: 4/ 436.

(2)- الطبري: التفسير: 5/ 9.

(3)- أحكام القرآن: 2/ 178.

(4)- السنن الكبرى: 7/ 205.