فقه الحج - ج1

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
413 /
1

الجزء الأول

فقه الحج‌

تأليف‌

المرجع الديني آية اللّٰه العظمى‌

الشيخ لطف اللّٰه الصافي الگلپايگاني (مد ظله)

المجلد الأول‌

الطبعة الثانية‌

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه الذي اختبر الأولين إلى الآخرين بأحجار لا تضر و لا تنفع، و لا تبصر و لا تسمع، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً، و ابتلاهم به ابتلاءً عظيماً، و امتحاناً شديداً، و اختباراً مبيناً، و تمحيصاً بليغاً، و جعله سبباً لرحمته، و وصلةً إلى جنته، و شعبهً من رضوانه.

و الصلاة و السلام على أفضل من حج و اعتمر، نبي الرحمة، جمال هذا الكون، و صفوة الإنسان، و نفحة الديان، سيدنا أبي القاسم محمد خاتم النبيين، و على آله الأولياء المرضيين المعصومين، لا سيما الإمام المبين، و الكهف الحصين، بقية اللّٰه في الأرضين، مولانا الإمام المهدي أرواح العالمين له الفداء، و اللعن على أعدائهم و مخالفيهم أجمعين.

و بعد، فإن من أشرف ما يتقرب به العباد إلى اللّٰه تعالى و من أعظم شعائر اللّٰه جل و عز حج بيت اللّٰه الحرام، أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ، فيه آيات بينات، فقد أكرم اللّٰه تعالى عباده بأن أذن لهم بحجه و طوافه،

8

و الحضور في تلك المشاعر الشريفة، و المواقف الكريمة، ليرتفعوا من حضيض حظوظ النفوس الحيوانية و التعلقات المادية، إلى ذروة التشبه بالملائكة الروحانية، و يرتقوا من أدناس ما يمنعهم من العروج إلى المدارج العالية في الملكوت الأعلى، و ما يفتح على قلوبهم أبواب المعارف الحقيقية، و الجلوس على سرير العبودية الخالصة، و بساط التسليم المحض لأوامر اللّٰه تعالى، و نهيه الذي هو منتهى مراد الطالبين و السالكين.

قال مولانا أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام:

«و فرض عليكم حج بيته الحرام، الذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الأنعام، و يألهون إليه ولوه الحمام، و جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، و إذعانهم لعزته، و اختار من خلقه سماعاً أجابوا إليه دعوته، و صدقوا كلمته، و وقفوا مواقف أنبيائه، و تشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه، يحرزون الأرباح في متجر عبادته، و يتبادرون عنده موعد مغفرته، جعله سبحانه و تعالى للإسلام علماً، و للعائذين حرماً، فرض حجه، و أوجب حقه، و كتب عليكم وفادته، فقال سبحانه: «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ». (1)

____________

(1)- نهج البلاغة: الخطبة الاولى.

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[البحث في وجوب الحج]

البحث في وجوب الحج

[مسألة 1- وجوب الحج من ضروريات الدين]

مسألة 1- وجوب الحج من ضروريات الدين، و منكر وجوبه كمنكر وجوب الصلاة من الكافرين.

ثمّ إن معناه و إن كان في اللغة القصد لكنه في متفاهم المتشرعة اسم لمجموع المناسك التي يؤتى بها في المشاعر المخصوصة. و لا ريب أنه فرض على كل من اجتمعت فيه الشرائط المعلومة التي يأتي بيانها من الرجال و النساء و الخناثي.

[مسألة 2- لا يجب الحج بأصل الشرع إلا مرة واحدة]

مسألة 2- لا يجب الحج بأصل الشرع إلا مرة واحدة إجماعاً من المسلمين، و للنصوص الكثيرة الدالة عليه.

مثل صحيح البرقي في المحاسن عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما كلف اللّٰه العباد إلا ما يطيقون، إنما كلفهم في اليوم و الليلة خمس صلوات- إلى أن قال:- و كلفهم حجة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك». (1)

و رواية فضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: «إنما امروا بحجة واحدة لا أكثر‌

____________

(1) وسائل الشيعة ب 3 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ح 2.

12

من ذلك، لأن اللّٰه فرض الفرائض على أدنى القوة» و يستفاد من تعليل الإمام (عليه السلام) أن أصل الحكم- و هو وجوب الحج مرة واحدة لا أكثر- مفروغ عنه.

مضافاً إلى ما في روايات باب التسويف من قوله (عليه السلام): «إن مات و قد ترك الحج فقد ترك شريعة من شرايع الإسلام» (1) حيث قال (عليه السلام): «شريعة»، لا «شرايع». (2)

و أما الآية «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» (3) فيمكن أن يقال: إنه لا دلالة لها على وجوبه أكثر من مرة واحدة، كما لا تدل على نفي وجوب التكرار أيضاً، إلا أنه يكفي في نفي وجوبه الأصل، مضافاً إلى النصوص، و لكن يستظهر من الآية الكريمة بمناسبة الحكم و الموضوع، و أن وجوب الحج في كل سنة حرج على المكلفين، سيما على النائين، أن الواجب ليس إلا مرة واحدة.

فإن قلت: ما الفرق بين الحج و الصوم، و الأول فرض في ذي الحجة، و الثاني في شهر رمضان و لما ذا تستفيدون وجوب الصوم في كل سنة و في كل شهر رمضان من قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ،

____________

(1)- وسائل الشيعة ب 6 من أبواب وجوب الحج.

(2)- لا دلالة في قوله (عليه السلام): «فقد ترك شريعة من شرايع الإسلام» على ما نحن فيه، لأن المراد من الترك ترك طبيعة الحج و ماهيته و المرة و التكرار غير ملحوظ فيه أصلًا، و كما أن الصلاة برأسها شريعة من شرايع الإسلام فكذا الحج و الصوم و سائر العبادات كل منها برأسها شريعة من شرايع الإسلام. و الحج جزء من الشرائع و ليس بنفس الشرائع فلا يمكن أن يقول (عليه السلام) في كلامه: فقد ترك شرايع من شرايع الإسلام. مراده (عليه السلام) هنا: فقد ترك طبيعة و حقيقة و باباً من أبواب العبادات. و الحاصل: صيغة الإفراد هنا لا يدل على المرة، بل على الطبيعة و الماهية لا غير. إلا أن يقال: إن من أتى بالحج مرة واحدة لا يصدق عليه أنه ترك شريعة من شرايع الإسلام و هذا دليل على وجوبه مرة واحدة بخلاف الصوم و الصلاة.

(3)- آل عمران/ 97.

13

أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» إلى قوله تعالى: «شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» (1) و لا تستفيدون وجوب الحج في كل سنة و كل ذي حجة من قوله تعالى: «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»؟

قلت أولًا: إنه يمكن الفرق بأن الصوم كان قبل الإسلام من العبادات التي كانوا متعبدين بها في كل سنة، فقوله تعالى: «كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» إشارة إلى ذلك. و أما الحج الذي عبر عنه في الإسلام بحجة الإسلام فكانوا ملتزمين بإتيانه في طول العمر مرة واحدة، ففهموا من الآية تقريرهم على هذا الالتزام.

و ثانياً: أنه فرق بين قول القائل: (كتب عليكم حج ذي الحجة) و بين قوله:

(كتب عليكم حج الكعبة و بيت اللّٰه الحرام)، ففي الأول يجب الحج في كل سنة في ذي الحجة، و في الثاني يكفي في الامتثال الإتيان بالحج مرة واحدة، و هكذا الصوم فإن قال: (صم صوم الوصال، أو صوم الصمت، أو صوم الإمساك من المفطرات المعلومة) يكفي في الامتثال صوم واحد، بخلاف ما إذا قال: (صم شهر رمضان) أو (صم يوم النصف من شعبان) فإن إطلاقه يشمل صوم كل شهر رمضان.

و على الجملة: أنّ الكعبة و البيت مستمر الوجود فيكفي في امتثال حج البيت مرة واحدة، بخلاف الشهر الكذائي فإن وجوده يتعدد بالسنين و يتجدد. و مثل ذلك (زر الحسين (عليه السلام) فإنه يمتثل بزيارة واحدة، بخلاف (زر الحسين (عليه السلام) في ليلة الجمعة) فإنه لا يسقط الأمر بزيارته في جمعة واحدة.

و بعبارة اخرى: الأمر في مثل (حج في ذي الحجة) أو (صم شهر رمضان) ينحل إلى أوامر متعددة، بخلاف الأمر بحج البيت فإنه أمر واحد.

و كيف كان فلا ريب في عدم وجوب تكراره بأصل الشرع، و أما الروايات‌

____________

(1)- البقرة/ 183 إلى 185.

14

التي ظاهرها وجوب الحج على أهل في كل عام- مثل صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «إن اللّٰه فرض الحج على أهل الجدة في كل عام، و ذلك قول اللّٰه عز و جل: «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ» قال: قلت: فمن لم يحج منا فقد كفر؟ قال: لا و لكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر» (1)- فليس ظاهرها مراداً، و لعلها كانت محفوفة بالقرائن الحالية أو المقالية، و إن لم نعثر عليها، و فيها احتمالات:

منها: أن يكون المراد نفي ما يعملونه بالنسي‌ء، فقد قال اللّٰه تعالى: «إنما النسي‌ء زيادة في الكفر» (2) سواء كان نسيئاً في الحكم بإنساء حكم شهر و الإتيان به في آخر و لم يتعرضوا لحساب الأشهر و ترتيبها، أو كان نسيئاً في الموضوع بتبديل الشهور و تغيير بعضها مكان بعض.

و يستفاد النسي‌ء في الموضوع من خطبة الرسول (صلى الله عليه و آله) في حجة الوداع حيث قال:

«ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّٰه السماوات و الأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة و ذو الحجة و محرم و رجب» (3)

أو يكون المراد نفي كون فرض الحج بحساب السنوات الشمسية، فإنهم كانوا يعملون بالكبيسة فيزيدون على كل سنة قمرية عشرة أيام، أو على كل ثلاث سنوات شهراً واحداً لتتفق القمرية مع الشمسية. فالحديث تأكيد على أن تشريع الحج يكون بحسب الأعوام القمرية.

____________

(1)- وسائل الشيعة ب 2 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ح 1.

(2)- التوبة/ 37.

(3)- بحار الأنوار: 15/ 252.

15

و فيه: أن هذه الطائفة من الروايات لو كانت صادرة في العصر الأول الذي كان الناس حديثي العهد بالإسلام فيمكن حملها على ذلك، و أما بعد مضي أكثر من قرن على ذلك فلا يفهم منها أنها لنفي ذلك.

و منها: بيان استحباب الحج على أهل الجدة في كل عام كما عن الشيخ (رحمه الله) (1).

و فيه: أنّ هذا الحمل خلاف الظاهر، فإن استشهاد الإمام (عليه السلام) بقوله تعالى:

«وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» و قوله (عليه السلام): «إن اللّٰه فرض الحج على أهل الجدة» ظاهر في الوجوب.

و منها: حملها على الوجوب في كل عام على البدل، كما عن الشيخ (رحمه الله) (2)، و أنه إذا لم يأت به المكلف في العام الأول لا يسقط بالعصيان.

و قد يقال في تضعيف هذا الاحتمال: «إن الوجوب البدلي بهذا المعنى من طبع كل واجب، فإن الواجب يجب الإتيان به متى أمكن و يجب تفريغ الذمة عنه، و لا يسقط الواجب بالعصيان» (3)

و منها: حملها على الوجوب الكفائي، كما في الوسائل حيث جعل عنوان الباب: (باب أنه يجب الحج على الناس في كل عام وجوباً كفائياً). (4)

و اورد عليه: بأن ظاهر الروايات وجوبه على كل أحد لا على طائفة دون اخرى كما يقتضيه الواجب الكفائي (5)

____________

(1)- الاستبصار: 2/ 149.

(2)- الاستبصار: 2/ 149.

(3)- معتمد العروة: 1/ 15.

(4)- وسائل الشيعة ب 2 من أبواب وجوب الحج و شرائطه.

(5)- معتمد العروة: 1/ 15.

16

و فيه: أن ذلك لا ينافي عينية الوجوب على من لم يحج أصلًا. (1)

و منها: أن الحج واجب على كل أهل الجدة في عام استطاعة الحج سواء في الصيف أو الشتاء، و لا يجوز تأخيره فراراً من الحر و البرد.

و منها: أنها من باب التقاء الجمع بالجمع، كما في قوله تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» (2) فكما لا يجب على كل أحد غير غسل وجهه للوضوء دون غسل وجوه الجميع كذلك لا يجب على واحد من أهل الجدة في كل عام غير حجه الذي عليه و هو حجة الإسلام (3). إلى غير ذلك من الاحتمالات.

و كيف كان فالإجماع و السيرة بل الضرورة قائمة على خلاف ظاهر هذه الروايات، فالأولى رد علمها إلى أهلها.

فما عن الصدوق (رحمه الله) في العلل (4) من وجوبه على أهل الجدة في كل عام ضعيف بإعراض الأصحاب، و ما عرفت من الاحتمالات في مستند فتواه. و الصدوق (رحمه الله) نفسه لم يفتِ بذلك في سائر كتبه، مضافاً إلى ما في صحة نسبة هذا القول إليه من الترديد، و قد نسب العلامة في المنتهى هذا القول إلى البعض (5). و قال السيد (رحمه الله) في العروة: (على فرض ثبوته شاذ مخالف للإجماع).

هذا، و لو قيل بعدم كفاية إعراض الأصحاب عن هذه الأحاديث لترك العمل بها، كما هو اختيار بعض الأعاظم من المعاصرين- و إن لم يقل به هنا- فنقول: لو‌

____________

(1)- و هذا خلاف ظاهر الرواية، فإن ظهوره في عينية الوجوب وحدها.

(2)- المائدة/ 6.

(3)- اعتمد على هذا الحمل في جامع المدارك: 2/ 255.

(4)- قال بعد نقل صحيح علي بن جعفر: (جاء هذا الحديث هكذا: و الذي أعتمده و افتي به أن الحج على أهل الجدة في كل عام فريضة). علل الشرائع: 2/ 405.

(5)- منتهى المطلب: 2/ 642 قال ما هذا لفظه: (و قد حكي عن بعض الناس أنه يقول: يجب في كل سنة مرة، و هذه حكاية لا تثبت و هي مخالفة للإجماع و السنة).

17

قطعنا النظر عن ترجيح الطائفة الاولى لاعتضادها بالشهرة تقع المعارضة بينهما فيتساقطان، و نرجع إلى الأصل الذي يقضي بعدم وجوب أكثر من حجة واحدة.

[مسألة 3] فورية وجوب الحج

مسألة 3- وجوب الحج فوري، فلا يجوز تأخيره عن عام الاستطاعة.

و ذلك لأن رابطة العبودية و المولوية تقتضي قيام العبد بإطاعة أمر المولى بمجرد أمره و طلبه، فالقعود عن الامتثال مع إمكانه تهاون بأمر المولى.

نعم لو كان الواجب موقتاً في تشريع المولى بوقت خاص أو بمدة العمر بحيث كان التوقيت إذناً منه بالتأخير لجاز للمكلف ذلك إذا لم يكن فوت الواجب منه مظنوناً بحسب حاله، و الحج ليس من الواجبات الموقتة مثل الصلاة، و ليس وقوعه مشروطاً بوقت خاص و سنة خاصة، بل هو أداء في أي وقت أتى به، فلا يجوز تأخيره عن سنة الاستطاعة.

و قد علل بعض الأعاظم (رحمه الله) فورية الوجوب بحكم العقل باحتمال الفوت و عدم الوثوق بالبقاء (1)، و اعتمد على هذا الوجه أيضاً بعض العامة.

و فيه: أن هذا الاحتمال غير معتنى به عند العقلاء، يردون في امور كبيرة، و شئون جليلة، و مشاغل مهمة التي لا تتحصل فائدتها لهم إلا بعد مضي السنين و الأعوام، و الظاهر أنه لا خلاف في هذا الحكم بين الأصحاب.

قال المفيد (قدس سره) في المقنعة: (و فرضه عند آل محمد (صلى الله عليه و آله) على الفور دون (2)

____________

(1)- راجع معتمد العروة: 1/ 16.

(2)- هذا مطابق لما في التهذيب، و في المقنعة المطبوعة (بالتراخي) و هو غلط. راجع تهذيب الأحكام: 5/ 17 و المقنعة/ 385.

18

التراخي بظاهر القرآن و ما جاء عنهم (عليهم السلام). ثمّ ذكر حديث زيد الشحام و ذريح المحاربي و لفظه في حديث زيد: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: التاجر يسوّف الحج؟ قال: إذا سوّفه و ليس له عزم ثمّ مات فقد ترك شريعة من شرايع الإسلام».

و الرواية بهذه العبارة لا تفي بمراد المفيد (قدس سره) لمكان قوله: «ليس له عزم»‌

إلا أن لفظه في الكافي هكذا: «التاجر يسوف الحج؟ قال: ليس له عذر فإن مات فقد ترك شريعة من شرايع الإسلام» (1) و الاعتماد على نسخة الكافي.

و قال الشيخ (قدس سره) في النهاية: (و من حصلت معه الاستطاعة وجب عليه الحج على الفور و البدار، فإن أخره و هو متمكن من تقديمه كان تاركاً فريضة من فرائض الإسلام) (2).

و صرح بذلك في الخلاف و استدل باقتضاء الأمر، و برواية ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و آله) و رواية عاصم بن ضمرة عن علي (عليه السلام). (3)

و في المبسوط قال: (و وجوبهما- أي الحج و العمرة- على الفور دون التراخي). (4)

و في الاقتصاد قال: (و عند تكامل شروط الوجوب يجب على الفور و البدار دون التراخي، غير أنه متى أخره ثمّ فعله كان مؤدياً و إن فرط في التأخير). (5)

و بذلك نص السيد (قدس سره) في جمل العلم و العمل، و قال: (الحج على الفور دون‌

____________

(1)- الكافي: 4/ 269.

(2)- النهاية/ 205.

(3)- الخلاف: 1/ 372.

(4)- المبسوط: 1/ 296.

(5)- الاقتصاد/ 297.

19

التراخي لمن تكاملت شرائطه). (1)

و قال في الناصريات: (الذي يذهب إليه أصحابنا أن الأمر بالحج على الفور). ثمّ استدل على ذلك. (2)

و قال سلار (رحمه الله) في المراسم: (و الحج واجب على الفور). (3)

و قال في السرائر: (و وجوبهما على الفور دون التراخي بغير خلافٍ بين أصحابنا) (4)

و مع أن العلامة (قدس سره) تختلف آراؤه في كتبه غالباً إلا أنه في هذه المسألة قال بوجوب الفور في جميع كتبه:

قال في التذكرة: (و وجوب الحج و العمرة على الفور، لا يحل للمكلف بهما تأخيره عند علمائنا أجمع)، (5) و صرح بذلك في التبصرة (6) و القواعد (7) و الإرشاد (8) و التلخيص (9).

و قال المحقق (قدس سره) في الشرائع: (و يجب على الفور)، (10) و نحوه كلامه في المختصر النافع. (11) إلى غير ذلك من أقوال غيرهم من الفقهاء (رضوان اللّٰه عليهم). و الظاهر‌

____________

(1)- رسائل الشريف المرتضى: 3/ 63.

(2)- الناصريات/ 244.

(3)- المراسم/ 104.

(4)- السرائر: 1/ 519.

(5)- تذكرة الفقهاء: 1/ 296.

(6)- تبصرة المتعلمين/ 87.

(7)- قواعد الأحكام 1/ 72.

(8)- إرشاد الأذهان: 1/ 308.

(9)- التلخيص/ سلسلة الينابيع: 30/ 327.

(10)- شرايع الإسلام 1/ 163.

(11)- المختصر النافع/ 75.

20

تحقق إجماع فقهائنا على الفتوى بفوريته.

و أما فقهاء العامة فقد اختلفوا في فوريته، قال في الروض النضير: (و اختلفوا هل وجوبه موسع أو مضيق؟ فذهب القاسم و أبو طالب، و الأوزاعي و الثوري، و محمد ابن الحسن، و الشافعي إلى أنه على التراخي و السعة. و حجتهم أنه فرض بعد الهجرة سنة خمسٍ أو ستٍّ لخبر (الصحيحين): أن قوله تعالى: «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» نزلت في وقعة الحديبية و هي سنة ست إجماعاً، و فيها قصة كعب بن عجرة المشهورة، و نزل بعدها: «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، مؤكداً للوجوب. و في حديث ضمام في مسلم: و زعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: صدق. و قدوم ضمام سنة خمس، و قيل: سنة سبع، و قيل: سنة تسع. و قد صرح أهل الحديث و التاريخ أنه (صلى الله عليه و آله) انصرف من مكة بعد فتحها في شوال و استخلف عليها عتاب بن اسيد، فحج بالناس بأمره (صلى الله عليه و آله) سنة ثمان، و كان مقيماً بالمدينة هو و أزواجه و عامة أصحابه، و كانوا موسرين بغنائم حنين المقسومة في ذي القعدة، و اعتمر حينئذ من الجعرانة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكة إلى المدينة بهم مع يسارهم و قرب زمن الحج، ثمّ غزا تبوك سنة تسع و انصرف عنها).

إلى أن قال: «و ذهب الناصر و المؤيد باللّٰه و مالك و أحمد بن حنبل و بعض أصحاب الشافعي و رواية عن أبي حنيفة إلى أنه يجب فوراً. و حكى في الانتصار عن زيد بن علي و الهادي و المزني و اختاره المقبلي في (المنار). و حجتهم ظواهر الأخبار الدالة على التشديد في تركه). إلى أن قال: (و اعتذروا عن حجة الأولين بوجوه: منها أنه (صلى الله عليه و آله) كان مهتماً قبل حجة الوداع بإظهار دين اللّٰه و إعلاء كلمته فكان عذراً له و لأصحابه (صلى الله عليه و آله) عن المبادرة بفعله. و منها كراهية أن يشاركه في موسم الحج حج أهل الشرك) إلى أن قال: (و منها أن تأخير الحج إلى سنة عشر إنما كان‌

21

للنسي‌ء المذكور في كتاب اللّٰه فهو تأخير الأشهر إلى أصله). (1)

و قد نقل العلامة (قدس سره) في التذكرة عن بعض القائلين بعدم فورية وجوب الحج من العامة: (أنّ فريضة الحج نزل سنة ستٍّ من الهجرة، و قيل: سنة خمس و أخره النبي (صلى الله عليه و آله) من غير مانع، فإنه خرج من مكة سنة سبع لقضاء العمرة و لم يحج، و فتح مكة سنة ثمان و بعث الحاج سنة تسع، و حج هو (عليه السلام) سنة عشر، و عاش بعدها ثمانين يوماً ثمّ قبض (صلى الله عليه و آله).

ثمّ أجاب العلامة (قدس سره) بالمنع أولًا من تمكنه من الحج، فإنه (عليه السلام) أحرم بالعمرة عام الحديبية فأُحصر. و ثانياً بالمنع من تأخير النبي (عليه السلام) عن عام الوجوب، فإن الآية نزلت- و هي قوله تعالى: «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» الآية- سنة عشر و رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أتى بالحج من غير تأخير. (2)

و ثالثاً نقول: بأن القول بتأخير النبي (صلى الله عليه و آله) من غير مانع إنما يصح ممن كان عالماً بما يمكن أن يكون مانعاً من حجه بالفورية على فرض التأخير عن عام نزول الآية، و قد سبق أيضاً بعض الوجوه لتأخيره في كلام الروض النضير. هذا بحسب الأقوال.

و أما بحسب الروايات و هي الأصل و العمدة فقد عقد في الوسائل باباً يكفي مما أخرجه فيه صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا قدر الرجل على ما يحج به ثمّ دفع ذلك و ليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعة من شرايع الإسلام». (3)

ثمّ إن بعض الأعلام- بعد أن حكى الاستدلال برواية زيد الشحام «قال:

____________

(1)- الروض النضير: 3/ 120.

(2)- تذكرة الفقهاء: 1/ 296.

(3)- وسائل الشيعة ب 6 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ح 3.

22

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): التاجر يسوف الحج، قال: ليس له عذر» و بصحيح الحلبي المتقدم آنفاً- قال: (و في بعض الأخبار الدلالة على أن من وجب عليه الحج ثمّ سوفه العام و العام الآخر ثمّ مات فقد ترك شريعة من شرايع الإسلام، و أنه المراد بقوله تعالى: «وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا».

ثمّ قال: (فإن كان إجماع و إلا فاستفادة الوجوب الفوري مما ذكر مشكلة، لأن الرواية الاولى يمكن حملها على عدم المعذورية في ترك الراجح كما يقال للواجد للشرائط في أول وقت فضيلة الصلاة: لا عذر لك في التأخير، و أما الرواية الثانية فمحمولة بقرينة غيرها على صورة الترك إلى وقوع الموت). (1)

أقول: أما حمل قوله (عليه السلام): «ليس له عذر» الظاهر في عدم المعذورية في ترك الواجب على عدم المعذورية في ترك الراجح فهو من حمل اللفظ على خلاف ظاهره بغير وجه يستدعيه، و حمل قوله (عليه السلام): «لا عذر لك في التأخير» على خلاف ظاهره بقرينة المقام لا يوجه حمل مثله على خلاف الظاهر في سائر المقامات، و إلا فيلزم حمل كل الألفاظ الظاهرة في معانيها الحقيقية على المعاني المجازية بمجرد استعمالها في بعض المقامات بالقرائن الحالية أو المقالية.

و أما صحيح الحلبي فكأنه (رحمه الله) رأى أن الاستدلال به لفورية وجوب الحج يتوقف على إطلاقه و شموله لصورة الترك و إن أتى به قبل الموت، فمنع هذا الإطلاق بقرينة غيره من الروايات، فخصه بصورة ترك الحج إلى وقوع الموت، فلا يدل على حرمة التأخير و فورية وجوب الحج.

و فيه: أن الوجه في دلالة الصحيح و غيره من الروايات أنه لا وجه لعقاب من سوَّف الحج و أخره إلى أن مات إلّا حرمة تسويفه و فورية وجوب الإتيان به،

____________

(1)- جامع المدارك: 2/ 255

23

و هذه الروايات قد دلت على ذم من سوَّف الحج و مات على ذلك، و أنه يحشر أعمى، و المسوَّف لا يستحق هذا العقاب إلا أن يكون الإتيان بالحج واجباً فورياً و تسويفه حراماً، و إلّا فلا وجه لهذا العقاب، و ليس هو إلّا كمن أخر الصلاة من أول وقتها فمات قبل خروج الوقت. (1)

[مسألة 4] تهيئة مقدمات الحج

مسألة 4- يجب بحكم العقل بعد حصول الاستطاعة الإقدام لتهيئة المقدمات التي يتوقف عليها إدراك الحج في سنة الاستطاعة بحيث لا يفوته الحج.

فلو انحصرت المقدمة في مورد تعين بلا شك، و لو وجد من مقدمة بعض أفرادها و علم عدم حصول غيره فلا ريب أنه يجب اختياره، بل إن احتمل حصوله بعد ذلك فلا يجوز العدول عما هو المعلوم وجوده إلى ما يحتمل حصوله بعد ذلك.

و إذا تعدَّد الأفراد كالرفقاء- مثلًا- فإن كانوا متفقين في زمان الخروج و كان الوثوق بالوصول و الإدراك بالجميع على السواء يختار منها ما شاء، و إلّا فيختار منها ما يثق به بالوصول دون غيره.

و هل يجب أن يختار الأوثق منها في الوصول أو يكفي اختيار غيره من الأفراد التي يثق بها وثوقاً يعتمد عليه العقلاء؟

الظاهر أن العقلاء لا يلتزمون باختيار الأوثق إذا كان سائر الأفراد أيضاً مورداً للوثوق و الاطمينان، فيختارون في امورهم ما يثقون به مما يوافق سائر‌

____________

(1)- و توهم أنه يلزم على ذلك كون العقوبة- أي الموت يهودياً أو نصرانياً- على من أخر الحج و لم يأت بها فوراً و إن فعله قبل موته مندفع بالفرق بين مصحح العقوبة و موضوعها، كما لا يخفى.

24

دواعيهم الكثيرة الراجحة بحسب العرف أو الشرع، فربما يتركون الأوثق و يأخذون بما دونه حسب تلك الدواعي، مثلًا يركبون السيارة أو الطيارة الموثوق بها دون الأوثق منها، لكون الاولى أرخص قيمةً من الثانية.

و أما إذا اختلف زمان تلك الأفراد بالتقدم و التأخر فإن كانوا من حيث الوثوق بالوصول و الإدراك على السواء فالمكلف يختار ما شاء.

و ما حكي عن الشهيد الثاني في الروضة من وجوب الخروج مع الأول و إن كان الثاني أوثق منه، لأن التأخير تفريط في أداء الواجب فوجب الخروج مع الأول،

ففيه:- مضافاً إلى أن الخروج مؤخراً لا يوجب تأخير الوصول و إدراك الحج مطلقاً، بل قد يمكن تقدم الورود و إدراك الحج لمن تأخر في الخروج، كما إذا ركب ما هو أسرع من غيره، كالطيارة في زماننا هذا بالنسبة إلى غيرها- منع كون ذلك تفريطاً، سيما إذا كان الثاني أوثق من الأول.

فما هو عليه عمل العرف و العقلاء ليس إلا الأخذ بما يثقون به، أما في الأخذ بالأوثق و المتقدم و المتأخر مما هو مورد الوثوق فيعملون على طبق سائر دواعيهم الشخصية و غيرها. و ليس علينا في مقام امتثال الأوامر الشرعية أزيد من اتباع الطرق العقلائية التي لم يردع عنها الشارع المقدس، و لم يؤسس طريقة اخرى. هذا بحسب وجوب تهيئة المقدمات.

و أما بحسب الحكم في استقرار الحج فإن سلك بعض هذه المسالك، و اختار بعض أفراد المقدمة و ترك البعض الآخر، و اتفق عدم إدراكه الحج بسبب التأخير أو التقديم، أو اختيار فرد مقارن لفرد آخر زماناً فهل يستقر عليه الحج بحيث لو سقط عن الاستطاعة وجب عليه الحج متسكّعاً، أم لا؟

لا ريب في أنه إذا أخذ بغير ما يثق به و اتفق عدم إدراكه الحج يستقر عليه‌

25

الحج.

و أما إذا أخذ بأحد أفراد المقدمة التي كلها مورد للوثوق و إن كان بعضها أوثق، أو كان جميعها متوافقين في زمان الخروج و اتفق عدم الإدراك فالظاهر عدم استقرار الحج عليه، لأنه عمل بوظيفته الشرعية من غير تفريط و إهمال و إنما فاته الحج بسبب آخر لا يرتبط بإهماله. و إنما يستقر الحج على من تنجز عليه التكليف و أهمل حتى فاته الحج.

و الظاهر أن الحكم كذلك إذا ترك في هذا الفرض الأخذ بالأوثق و أخذ بالموثوق به فإنه في هذه الصورة أيضاً لم يتسامح في امتثال أمر المولى، و أتى بما هو وظيفته بحسب سيرة العرف و العقلاء.

لا يقال: إنه صار مستطيعاً لتمكنه من الخروج و المسير مع الفرد الآخر الذي هو أوثق مما اختاره.

لأنا نقول: الملاك في استقرار الحج بالتفويت صدق عنوان الإهمال و التسامح و التفويت العمدي، و هو غير صادق في المقام، و إلّا فيلزم استقرار الحج عليه إن أخذ بالأوثق أو المساوي و اتفق عدم إدراكه الحج لكونه متمكناً من المسير مع غيره بالخروج معه، و هذا مما لا يقول به أحد.

و هكذا يجري الكلام فيما إذا أخذ بالفرد المتقدم الموثوق به و ترك المتأخر كذلك و اتفق عدم الوصول و الإدراك، أو ترك المتقدم و اختار المتأخر، ففي كل هذه الأمثلة لا يحكم باستقرار الحج. و اللّٰه تعالى هو العالم.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

شرائط وجوب حجّة الإسلام

[الأول: الكمال بالبلوغ و العقل:]

الأول: الكمال بالبلوغ و العقل:

[مسألة 5- لا ريب في اعتبار البلوغ و العقل في الأحكام التكليفية الإلزامية]

مسألة 5- لا ريب في اعتبار البلوغ و العقل في الأحكام التكليفية الإلزامية، تحريمية كانت أو وجوبية، التي منها حجة الإسلام.

فلا تجب حجة الإسلام على الصبي، سواء كان مميزاً أو لم يكن، و لا على المجنون، سواء كان مطبقاً أو أدوارياً إذا كان تقصر نوبته عن أداء الواجب و ما في حكمه.

لكن ذلك لا يكفي في عدم مشروعية حجة الإسلام للصبي بناء على مشروعية عباداته و صحتها، لأن عدم وجوب العبادة عليه لا ينافي صحتها و مشروعيتها.

و بعبارة اخرى: لا يدل ذلك على عدم كفاية حج الصبي المستطيع عن حجة الإسلام، التي هي واجبة على المستطيع، المرفوع وجوبها عن الصبي، دون مشروعيتها و صحتها. فلا مانع من وقوع حجة الإسلام فيقع منه كذلك. كما أنه إذا أتى بالصلاة في أول وقتها ثمّ بلغ بعده أو بلغ في أثنائها يكتفي بها و لا يجب عليه إعادتها.

30

و كذلك الوضوء و الغسل بل الاعتكاف فإنه إن شرع فيه الصبي و بلغ بعد إتمامه اليومين الأولين يجب عليه اليوم الثالث، كما لا يجوز له إبطال الصلاة بعد بلوغه في أثنائها.

غير أنه قد ادعي الإجماع على عدم إجزاء حج الصبي المستطيع عن حجة الإسلام، و دلت روايات على ذلك:

منها: ما رواه شيخنا الكليني (قدس سره) عن عدة من أصحابنا (1) عن سهل بن زياد (2) عن ابن محبوب (3) عن شهاب (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «سألته عن ابن عشر سنين يحج؟ قال (عليه السلام): عليه حجة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت» (5).

و الظاهر بملاحظة جواب الإمام (عليه السلام) أن السؤال عن الصبي الذي يحج هل‌

____________

(1)- مراده من (العدة): محمد بن الحسن الطائي الرازي، و محمد بن جعفر الأسدي نزيل الري أو محمد بن أبي عبد اللّه و محمد بن عقيل الكليني و علي بن محمد بن إبراهيم الكليني خال الكليني، و كلهم من الطبقة الثامنة.

(2)- سهل بن زياد من الطبقة السابعة. و ضعف سهل إن ثبت لا يضر باعتبار الحديث، لأن رواية عدة من أصحابنا عنه و اعتمادهم عليه يورث الاطمينان بصدور الحديث مضافاً إلى أنا نحتمل أن العدة أخذوا الحديث عن كتاب ابن محبوب الذي له كتب كثيرة بالوجادة و كانت نسبة الكتاب عندهم مشهورة معلومة لكنهم حيث كانوا يرجحون الرواية بالقراءة على تلامذة صاحب الكتاب أو السماع منهم يأخذون ذلك منهم، و إن كان الراوي عنه ضعيفاً، و كان ذلك حفظاً على السيرة المستمرة بين أهل الحديث، و على عدم وقوع الاشتباه في الحديث، فلم يكتفوا بمجرد الوجادة.

(3)- الحسن بن محبوب من الطبقة السادسة و هو أشهر في الجلالة و الوثاقة من أن يحتاج إلى تعريفه.

(4)- الأقوى أنه شهاب بن عبد ربه الأسدي و هو الطبقة من الخامسة أو الرابعة.

(5)- وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ح 2.

31

عليه حجة الإسلام إذا بلغ أم لا؟ و إن احتمل في المستند أن يكون السؤال عن وجوب الحج، لا عن الحج الواقع. (1)

و منها: ما رواه أيضاً عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون (2) عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصم (3) عن مسمع بن عبد الملك (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «لو أن غلاماً حج عشر حجج ثمّ احتلم كانت عليه فريضة الإسلام». (5) و دلالتها على المطلوب أوضح من الاولى.

و أما سندهما‌

فقال بعض الأعاظم: (الروايتان ضعيفتان بسهل بن زياد). (6)

و فيه: أما الرواية الاولى فقد ظهر مما بيناه في الذيل أن الذي يظهر بالتدبر أنهم اعتمدوا على رواية مثل سهل لكون الكتاب الذي اخرجت فيه الرواية معروفاً ثابتاً عندهم بالوجادة، و إلّا فكيف يمكن اعتماد هؤلاء الجهابذة في أكثر من ألفي حديث على رواية رجل ضعيف؟ فالرواية معتبرة على ذلك مورد للاعتماد.

و أما الرواية الثانية فهي- بعد ما عرفت في تضعيف سهل- ضعيفة بمحمد بن شمون و عبد اللّٰه بن عبد الرحمن.

و كيف كان فلو لم نعتمد على إجماعهم في المسألة و على هذين الخبرين يكفينا‌

____________

(1)- راجع مستند الشيعة: 2/ 154

(2)- كان من الطبقة السابعة ضعفوه و لكن لم يذكروا فيه غير رميه بالغلو و لعله لأمر يرونه غلواً.

(3)- من الطبقة السادسة و ضعفوه أيضاً.

(4)- مسمع بن أبي سيار، كردين بن عبد الملك، ثقة من الطبقة الخامسة.

(5)- وسائل الشيعة: ب 13 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ح 2.

(6)- معتمد العروة: 1/ 24.

32

رواية الصدوق المعبر عنها بالحسنة لوقوع؛ إبراهيم بن هاشم (1) في إسناد الصدوق إلى صفوان: محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن صفوان (2) عن إسحاق بن عمار (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج؟ قال (عليه السلام): عليه حجة الإسلام إذا احتلم و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت» (4)

و دلالته على عدم الإجزاء عن حجة الإسلام كسابقيه.

و لا يخفى عليك أن الدلالة على ذلك في الاولى و الثالثة بترك الاستفصال، و في الثانية بالإطلاق، فإن الصبي تارة يحج و هو غير مستطيع كما هو الغالب، و اخرى يحج و هو مستطيع. (5)

ثمّ إن هنا رواية اطلق فيها حجة الإسلام على حج الصبي (6)، و هي رواية‌

____________

(1)- إبراهيم بن هاشم هو والد علي بن إبراهيم المفسر المشهور، و هو من الطبقة السابعة لم أقف لأحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، و لا على تعديل بالتنصيص و يكفي في الوثوق اعتماد الأجلاء عليه، و إنه كان أول من نشر حديث الكوفيين بقم.

(2)- هو صفوان بن يحيى من أعاظم الطبقة السادسة.

(3)- إسحاق بن عمار من الطبقة الخامسة.

(4)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 435.

(5)- و توهم انصراف الرواية عن الصبي المستطيع لندرة وجوده، و قد كان جواب الإمام (عليه السلام) عنه لا عن الصبي المستطيع فلا تدل الرواية على عدم إجزائه عن حجة إسلامه إذا كان مستطيعاً، مندفع بما حقق في الاصول من أن الانصراف إذا كان غير ناشئ من اللفظ بل كان من سبب خارجي كندرة وجود بعض الأفراد لا يمنع من التمسك بأصالة الإطلاق.

(6)- و الظاهر أن سند الحديث على ما في وسائل الشيعة ب 13 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ح 1 اشتباه، و الصحيح (أبان عن الحكم). لا (أبان بن الحكم) و لذا لا يوجد ذلك في مشيخة الفقيه، و الظاهر أنه هو حكم بن الحكيم أبو خلاد الصيرفي الثقة من الطبقة الخامسة، كما أن الظاهر أن أبان إما أبان بن عثمان أو أبان الأحمر البجلي الذي أيضاً من الطبقة الخامسة.

33

شيخنا الصدوق (قدس سره) بإسناده عن أبان عن (1) الحكم، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الصبي إذا حج به فقد قضى حجة الإسلام حتى يكبر» (2) فالظاهر منها أن حجة الإسلام من الصبي هي حجه الأول في حججه حتى يكبر و هي له بمنزلة حجة الإسلام، و سيأتي الكلام في هذه الرواية.

[مسألة 6] حكم حجّ الصبيّ المميّز:

مسألة 6- يستحب للصبي المميز أن يحج و إن لم يكن مجزيا عن حجة الإسلام.

للروايات الدالة على عدم إجزاء حجه عن حجة الإسلام، فإن الكلام في إجزائه عنها أو عدم إجزائه إنما يجري بعد الفراغ عن صحته منه، و مع القول بالبطلان لا مجال للبحث عن إجزائه عن حجة الإسلام و عدمه.

مضافاً إلى ما سيأتي من الروايات الدالة على كيفية الصبي.

و لكن قد وقع الكلام في أنه هل يعتبر في صحته إذن الولي أم لا؟ نسب إلى المشهور اعتباره و إن لم نتحققه.

و استدل لذلك بوجهين:

أحدهما: أن الحج من العبادات التوقيفية التي لا بد أن تتلقى من الشارع المقدس على نحو يعلم منه الإتيان به، فإن الأصل عدم ورود أقل من ذلك من‌

____________

(1)- كما اطلق على غير الحجة الواجبة مثل ما رواه معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل حج عن غيره يجزيه عن حجة الإسلام؟ قال: نعم» و رواية حكم بن حكيم قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أيما عبد حج به مواليه فقد قضى حجة الإسلام».

(2)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 435.

34

الشارع.

و فيه: أنه يكفي في ذلك الإطلاقات الدالة على استحبابه و رجحانه.

و لكن يمكن أن يقال: إن الدليل الدال على استحبابه إن كان ما دل على عدم إجزائه عن حجة الإسلام فليس له إطلاق يشمل فاقد الإذن، لأنه في مقام بيان أمر آخر و هو عدم إجزاء حج الصبي عن حجة الإسلام، لا بيان استحباب الحج على الصبي حتى يؤخذ بإطلاقه لنفي اعتبار إذن الولي.

و الظاهر أنه لا دليل غير ذلك الذي يدل بالإجمال على استحباب حج الصبي ليستدل بإطلاقه فيما شك في اعتباره في صحة حج الصبي شطراً كان أو شرطاً.

نعم، إذا علم من الخارج كيفية الحج الذي كانوا يأتون به ينزل الاطلاقات عليه و يتمسك بها في نفي الزائد.

و لكن لا يعلم كيفية ما كانوا يأتون به في الخارج أولًا، و لا إطلاق لنا نتمسك به لنفي ذلك الزائد ثانياً.

و ثانيهما: أن بعض أحكام الحج متوقف على تصرف الصبي في ماله الذي لا يجوز إلا بإذن الولي مثل الكفارات و الهدي.

و ردّ بأنه يمكن أن يقال في الكفارات بعدم وجوبها عليه، لأن عمد الصبي و خطأه واحد، و إتيانه ببعض المحرمات لا يوجب الكفارة.

بل يمكن أن يقال: إنه و إن جعل على نفسه بإحرامه ترك المحرمات و الاجتناب عنها إلا أنه لا يحرم عليه شرعاً، و ليس محظوراً عليه، فلا كفارة عليه.

اللهم إلا أن يقال: إنه من الممكن أن لا يكون الإتيان بالمحرمات حراماً و منهياً عنه له، و لكن من حيث الحكم الوضعي كان ارتكابها سبباً لاشتغال ذمته بالكفارة.

هذا، مضافاً إلى أنه لو قلنا بثبوت الكفارة عليه فيمكن الاستيذان من الولي،

35

و إن امتنع تكون عليه يؤديها عند بلوغه.

إلا أن يقال: إن معنى ذلك عدم ولاية الولي على ما هو بمصلحته، و إلا فيقال مثل ذلك في سائر تصرفاته المالية و التزاماته، و إنها صحيحة لازمة ينفذها هو بنفسه بعد بلوغه.

و أما ثمن الهدي فإن أمكن الاستيذان من الولي يستأذن منه، و إلا فهو كالعاجز، و قد أفاد بعض الأعلام- عليه الرحمة- في الجواب عن الوجه الثاني (أنه بعد ثبوت المشروعية من قبل الشارع، و صحة الحج و لو لم يأذن الولي لا بد للولي من صرف المال له لتتميم العمل، كما لو أتلف الصبي مال الغير). (1)

و هذا كلام وجيه، فإنه لو قلنا بدلالة المطلقات على صحة حج الصبي مطلقاً لا بد للولي من صرف المال له، كما أفاد، فلا محل للوجه الثاني أصلًا فإنه مع الدليل على صحة حجه لا مجال لهذا الاستدلال، و إن لم يدل فلا حاجة إلى هذا الوجه.

و يمكن أن يقال: إن تصرفات الصغير غير المالية في نفسه على قسمين:

قسم لا فائدة و لا مصلحة في أن يكون في دائرة ولاية الولي مثل أكثر أفعاله العادية من الأكل و الشرب و غيرهما.

و قسم تقتضي مصلحته أن يكون في دائرة ولاية الولي، مثل انتخاب المسكن، و نوع اللباس، و نوع المعاشرة و السفر، فللولي النظر في ذلك كله، و منعه من أي نوع لا يرى له ذلك. و الحج و العمرة و الإحرام لهما من هذا القسم، فمصلحة الصبي تقتضي أن لا يكون مستقلًا في أمثال هذه الأفعال، و أن يكون تحت نظر وليه، فليس له أن يسافر أو يحج إلا بإذنه.

و لو كان هناك إطلاق في مشروعية حجه و عمرته، لا بد و أن يقيد بذلك.

____________

(1)- راجع جامع المدارك: 2/ 258.

36

فالأقوى ما نسب إلى المشهور من ثبوت ولاية الولي على مثل هذه التصرفات المهمة التي فيها رعاية مصلحة الصبي، و تقتضي مصلحته جعل الولاية عليه لوليه.

و على هذا حيث لا يكون اختيار هذه الأفعال بيد الصبي، و لا استقلال له في إتيانه، لا تأتى منه عبادة، و محبوبا للّٰه تعالى إلا إذا كان بإذن الولي. و هذا بخلاف أعماله العادية مثل الصلوات اليومية و الطواف و الدعاء و غيرهما مما لا يرى العرف أن يكون بإذن الولي، بل يرى مصلحة الصبي أن يكون فيه حراً مستقلًا. و الولاية على الصبي ليست من مخترعات الشارع و إن كان له دخل في تحديدها. و بهذا البيان يقال باعتبار إذن الولي في صحة اعتكافه.

و كيف كان فلو أتى بالحج أو العمرة بدون إذن الولي رجاءً لا بأس به، فإنه لو كان تصرفاً في ولاية الولي لا يحرم على الصبي تكليفاً و إن جاز للولي منعه، و إن لم يكن كذلك فقد صدر من أهله. و اللّٰه العالم.

[مسألة 7] اعتبار إذن الأبوين في الحج:

مسألة 7- لا يعتبر في حج البالغ الواجب عليه إذن الأبوين.

و الحكم بذلك متسالم عليه بين الأصحاب، و ذلك لإطلاق الأدلة على وجوب الحج على المستطيع سواء أذن له الأبوين أم لم يأذنا.

استدل بعض الأعاظم (قدس سره) لذلك بعدم الدليل، و أن سلطنة الغير على الشخص حتى الأبوين على الولد خلاف الأصل، و نحتاج إلى الدليل و لا دليل (1).

و فيه: أنا تارة نشك في أنه هل للأبوين سلطنة على منع الولد من إتيانه بالحج الواجب عليه، فيكفينا في نفي ذلك عدم الدليل و كون سلطنة الغير على الشخص‌

____________

(1)- معتمد العروة: 1/ 28.

37

حتى الأبوين على الولد خلاف الأصل؟

و تارة نشك في أن ما هو الموضوع للوجوب في الحج الواجب هل اعتبر فيه إذنهما بحيث كان الواجب المناسك التي أذن الوالدان أو أمرا بإتيانها، فلا يتم حينئذ التمسك بعدم الدليل أو بعدم سلطنة الغير على الشخص لنفي اعتباره، لأن اعتبار ذلك في الحج الواجب و فيما هو الموضوع لوجوبه ليس منافياً لقاعدة السلطنة؟

و بعبارة اخرى: إذن الوالدين محقق لما هو موضوع الحكم، و ليس في ذلك اعتبار سلطنة على الشخص، و أن الحج واجب على الولد و للوالدين أن يمنعاه منه، بل معناه أن الحج الواجب عليه هو ما كان مأذوناً فيه منهما، و هذا الشك يرتفع بإطلاق دليل وجوب الحج، فإنه يدل بإطلاقه على وجوب الحج على المستطيع سواء أذن له الأبوان أم لم يأذنا.

و كيف كان فالحكم معلوم لا اعتبار بإذن الوالدين في الحج الواجب، كما أنه لا يسقط وجوب الحج بنهيهما، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

و أما الحج المندوب الذي يأتي به البالغ، ففي المسالك: أن اعتبار إذن الأبوين فيه أقوى. (1)

و في القواعد: اعتبار إذن الأب (2).

و عن الشيخ و الشهيد- (قدس سرهما)- عدم اعتبار استيذانهما.

و قال في المدارك و الذخيرة بعدم وجود النص فيه (3).

____________

(1)- مسالك الأفهام: 1/ 68.

(2)- قواعد الأحكام: 1/ 72.

(3)- مدارك الأحكام: 7/ 24 قال ما هذا لفظه: (و لم أقف في هذه المسألة على نص بالخصوص).

38

و عن الحدائق: أن النص موجود (1).

قال بعض أعاظم المعاصرين (قدس سره): (اعتبار إذن الأبوين أو خصوص الأب خلاف قاعدة السلطنة على النفس، المستفاد من قاعدة السلطنة على المال بالفحوى). (2)

و فيه: ما قدمنا في الحج الواجب بطريق أولى، لأن اعتبار إذن الأبوين في الموضوع و نفس المندوب لا يخالف قاعدة السلطنة على النفس خصوصاً في المستحب فإن المكلف فيه بالخيار. و على هذا ففي المندوب أيضاً يمكن التمسك بعدم اعتبار إذن الوالدين بالإطلاقات الكثيرة الدالة على استحباب الحج مطلقاً.

غير أن هنا رواية رواها الصدوق في العلل عن أبيه (3) عن أحمد بن إدريس (4) عن محمد بن أحمد (5) عن أحمد بن هلال (6) عن مروك بن عبيد (7) عن‌

____________

(1)- الحدائق الناضرة: 14/ 65.

(2)- مستمسك العروة: 10/ 17.

(3)- هو علي بن الحسين بن موسى بن بابويه شيخ القميين في عصره و متقدمهم. له كتب كثيرة و هو من الطبقة التاسعة.

(4)- كان ثقة فقيها من أصحابنا من الطبقة الثامنة.

(5)- محمد بن أحمد بن يحيى الأسدي الثقة من كبار الطبقة الثامنة.

(6)- أحمد بن هلال العبرتائي له كتاب اليوم و الليلة و كتاب النوادر، قد روى أكثر اصول أصحابنا و اعتمدوا على رواياته، و الظاهر أنه لمكان روايته كتب شيوخه مما كان في يد الرواة عنه لا من جهة أنه المتفرد بالرواية. فهو مثلًا يروي كتاب ابن محبوب و نوادر ابن أبي عمير، و القوم كانوا يعرفون هذه الكتب و هو من الطبقة السابعة.

(7)- و في العلل المطبوعة (متروك) و الصحيح (مروك). قال الشيخ في الفهرست: (له كتاب رويناه بهذا الإسناد) و في الكشي ما يدل على أنه ثقة شيخ صدوق. و طريق الشيخ إليه في الفهرست ضعيف، و في التهذيب صحيح و لعله من الطبقة السادسة.

39

نشيط بن صالح (1) عن هشام بن الحكم (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعاً إلا بإذن صاحبه، و من طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم إلا بإذنه و أمره، و من صلاح العبد و نصحه لمولاه أن لا يصوم تطوعاً إلا بإذن مواليه و أمرهم، و من بر الولد أن لا يصوم تطوعاً و لا يحج و لا يصلي تطوعاً إلا بإذن أبويه و أمرهما، و إلا كان الضيف جاهلًا، و المرأة عاصية، و كان العبد فاسداً عاصياً غاشاً، و كان الولد عاقاً قاطعاً للرحم». (3)

و رواه في الفقيه مرسلًا (4) إلا أنه لم يذكر الحج و الصلاة، و قال: «و من برّ الولد بأبويه أن لا يصوم إلا بإذن أبويه و أمرهما». و رواه في الكافي و لم يذكر الحج و الصلاة أيضاً (5).

و الرواية ردت أولًا: بضعف سندها بأحمد بن هلال العبرتائي الراجع عن عقيدته المستقيمة إلى النصب. و أظن أن توثيق النجاشي له بقوله: صالح الرواية إنما كان بملاحظة رواياته حال الاستقامة، أو بملاحظة أن كلما رواه عنه أصحابنا رووه عنه في حال الاستقامة، أو بملاحظة أن ما رواه كان من الكتب و الاصول المعتمدة المعروفة، و إلا فكيف يمكن أن يقال في مثل هذا الناصب العنيد: إنه لا تنافي بين فساد العقيدة و الوثاقة. نعم، بعض مراتب فساد العقيدة الذي يقع فيه الشخص لشبهة حصلت له لا ينافي الوثاقة، و أما من صار فاسد العقيدة طغياناً و كفراً و لجاجاً ففساد عقيدته من أظهر دلائل عدم وثاقته.

____________

(1)- عجلي ثقة من الطبقة السادسة.

(2)- هشام بن الحكم بياع الكرابيس ثقة من الطبقة الخامسة و هو معروف مشهور جليل.

(3)- علل الشرائع/ 385. وسائل الشيعة: ب 10 من الصوم المحرم ح 2 و 3.

(4)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 99 باب صوم الإذن و لم يذكر النشيط في مشيخة الفقيه.

(5)- الكافي: 4/ 151 باب من لا يجوز له صيام التطوع إلا بإذن غيره.

40

و على الجملة يمكن أن يقال: إن المراد كونه صالح الرواية في خصوص ما رواه أصحابنا عنه في حال استقامته، لأنهم تركوه بعد انحرافه و ظهور فساد عقيدته، و لا منافاة بين كون شخص ثقةً في حالٍ و كونه متهماً بالكذب و عدم الوثاقة في حال آخر. و كيف كان ليست الرواية من حيث السند كسائر روايات الثقات.

و ثانياً: قد عرفت وقوع الاختلاف في متن الحديث بحسب الروايات، فالصدوق في الفقيه و الكليني في الكافي لم يذكرا الحج و الصلاة، فالاعتماد عليهما دون العلل لكونهما أضبط.

لا يقال: إنه إذا دار الأمر بين النقيصة و الزيادة فأصل عدم الزيادة مقدم على أصل عدم النقيصة؛ لأن الغالب وقوع الخلل في النقل من ناحية الإسقاط لا الزيادة.

لأنه يقال: هذان الأصلان يعتمد عليهما إذا لم يتعارضا، و أما في مورد التعارض فلم يثبت تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة بقول مطلق، بل بملاحظة الموارد، ففيما نحن فيه بعد عدم وجود الزيادة في الكافي و الفقيه لا يطمئن النفس بوقوع النقص فيهما و عدم وقوع الزيادة في العلل.

و ثالثاً: ظاهر الحديث يدل على عدم صحة الصلاة تطوعاً إلا إذا وقعت بإذن الأبوين، و هذا لم ينقل من أحد الفتوى به. كما أن دلالته على اعتبار أمر الوالدين في صحة الصلاة و الصوم و الحج غير معمول بها، فلا يعتبر أمرهما في صحة هذه الثلاثة قطعاً، غاية ما يمكن أن يقال- لو لم نقل بأن عدم أذيتهما شرط في صحة الثلاثة، أو أن أذيتهما مانع عن صحتها-: إن رضاهما معتبر في صحتها، و أين هذا من اعتبار أمرهما؟

و على هذا تحمل الرواية على بيان الآداب و المراسم الأخلاقية، و على كل حال فطريق الاحتياط تحصيل إذنهما، أو ترك الحج المندوب لو امتنعا من الإذن، أو الإتيان به رجاءً لو لم يوجب أذيتهما و ترك الشفقة بهما.

41

و يؤيد كل ذلك أن الصدوق في كتاب العلل الذي تفرد فيه بهذه الزيادة لم يعمل بالرواية و أفتى صريحاً بخلاف ظاهرها، فقال: (قال محمد بن علي مؤلف هذا الكتاب رحمه اللّٰه: جاء هذا الخبر هكذا، و لكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحج تطوعاً أو فريضة، و لا في ترك الصلاة، و لا في ترك الصوم تطوعاً كان أو فريضة، و لا في شي‌ء من ترك الطاعات). (1)

[مسألة 8] إحرام الولي بالصبي غير المميِّز:

مسألة 8- يستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز.

لا ريب في أن مقتضى الأصل عدم مشروعية إحرام الولي بالصبي غير المميز، و عدم كون ذلك عبادة شرعية. كما أنه لا ريب في أنه لا يجوز للعباد عبادته تعالى إلا بصورة و كيفية عبَّدهم بها، و إن ثبت ذلك بعدم ردعهم عن بعض العبادات. و كل ما في الدين من البرامج العبادية و خضوع العبد و تذلّله للّٰه تعالى بأنواع الخضوع و التذلل إرشاد إلى ذلك الصراط المستقيم؛ ليثبت عباد اللّٰه على طريق التوحيد، و لا يتخذون ما لم يأذن به اللّٰه ديناً و عبادة، و لا يطلبون التقرب إلى اللّٰه بما لا يقربهم منه، و لا يصلح للتقرب به، و لا يخترعون من عند أنفسهم ما لا يعلمون أنه مناسب لأدب العبودية عند حضرة المعبود جلّ اسمه، و لئلا يتكثر الطرق و يتفرق العباد، و يفترقون باختلاف السلق و الآراء و غيرها. و هذا أمر عظيم لو تمسك به المسلمون و أخذوا فيه بكتاب ربهم و سنة نبيهم (صلى الله عليه و آله) و هداية عترته (عليهم السلام) لم يفترقوا بهذه الفرق، سيما في المسالك العبادية. و على كل حال فالامور التي يتعبد بها العبد و يجعلها وسيلة للتقرب إلى اللّٰه تعالى يجب أن تكون مأخوذة من الشارع، و إثبات ذلك محتاج إلى‌

____________

(1)- علل الشرائع: 2/ 385.

42

الدليل.

و بناء على ذلك يحرم التعبد و التدين بما لم يرد عليه دليل من الشرع، لأنه تشريع و تدين بما لم يُدِن اللّٰه تعالى به عباده و لم يعلم صلاحه لعبادته.

لا يقال: إن ذلك يقتضي حرمة عبادة اللّٰه تعالى بما ثبت عدم وروده من الشرع، و أن اللّٰه تعالى لم يدن به عباده، لكن لا يقتضي حرمة عبادته و التدين بما لم يثبت وروده منه، فهو محكوم في الظاهر بالجواز كسائر الشبهات الموضوعية.

فإنه يقال: إن المحرم في هذه المسألة ليس خصوص التدين بما لم يدن اللّٰه به عباده، حتى يقال: إن كون عبادة خاصة كذلك غير معلومة، بل المحرم التدين و الالتزام الديني بما لم يعلم أن اللّٰه تعالى أدان و تعبد عباده به، و ما أنزل اللّٰه به من سلطان. فكما لا يجوز الإخبار بأن الحكم الكذائي الذي لم نجد له دليلًا من الكتاب و سنة المعصومين (عليهم السلام) حكم اللّٰه تعالى لا يجوز التعبد و التدين بما لم يعلم أن اللّٰه تعالى تعبدنا بإتيانه، فالقول و العمل في ذلك سواء.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن من صغريات هذه المسألة استحباب إحرام الولي بالصبي غير المميز، فإن الأصل فيه على ما ذكر عدم مشروعيته و الإتيان به تعبداً و متقرباً به إلى اللّٰه تعالى.

إلا أنه قد دل الدليل من الأحاديث المأثورة عن النبي (صلى الله عليه و آله) و عن عترته الطيبة (عليهم السلام) الذين امرنا بالتمسك بهم على مشروعيته و رجحان التعبد و التقرب به، و لم أجد في ذلك مخالفاً من أصحابنا الإمامية (رضوان اللّٰه تعالى عليهم).

قال الشيخ (قدس سره) في الخلاف: (مسألة 129: يصح أن يحرم عن الصبي و يجنبه جميع ما يتجنبه المحرم، و كلما يلزم المحرم البالغ يلزم في إحرام الصبي مثله من الصيد و الطيب و اللباس و غير ذلك، و يصح منه الطهارة و الصلاة و الصيام و الحج. غير أن الطهارة و الصلاة و الصيام لا يصح منه حتى يعقل و يميز، و الحج يصح منه بإذن وليه‌

43

إذا كان مميزاً، و يصح له الحج بإحرام وليه عنه إن لم يكن مميزاً، و به قال الشافعي.

و قال أبو حنيفة: لا ينعقد له صلاة و لا صوم و لا حج فإن أذن له وليه فأحرم لم ينعقد إحرامه، و إنما يفعل ذلك ليمرن عليه، و يجنب ما يجتنب المحرم استحساناً، و إذا قتل صيداً فلا جزاء عليه. دليلنا إجماع الفرقة، و أيضاً ما روي أن امرأة رفعت إلى رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) صبياً من محفة فقالت: يا رسول اللّٰه أ لهذا حج؟ قال: نعم و لكِ أجر) (1).

قال العلامة (قدس سره) في التذكرة: (مسألة: الصبي إذا كان مراهقاً مميزاً يطيق على الأفعال أذن له الولي فيها، فإذا أذن له فعل الحج بنفسه كالبالغ، و إن كان طفلًا لا يميز: فإن صح من الطفل من غير نيابة كالوقوف بعرفة و المبيت بمزدلفة أحضره الولي فيها، و إن لم يصح من الطفل إلا بنيابة الولي عنه فهو كالإحرام يفعله الولي عنه. قال جابر: خرجنا مع رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) حجاجاً و معنا النساء و الصبيان فأحرمنا مع الصبيان و لبينا عن الصبيان و رمينا عنهم (2). و يجرد الصبي من ثيابه إذا قرب من الحرم، و روى علماؤنا: من فخ). (3)

ثمّ إنه يدل عليه من طرقنا طائفة من الروايات:

منها: ما أخرجه في الوسائل في ب 17 من أبواب أقسام الحج (باب كيفية حج الصبيان و الحج بهم و جملة من أحكامهم) و منها غيره.

فمن هذه الروايات: ما عن الكليني، عن أبي علي الأشعري (4) عن محمد بن‌

____________

(1)- راجع مسند أحمد: 1/ 219 عن ابن عباس و ص 244، 288، 243، 343 و صحيح مسلم و سنن أبي داود و سنن الترمذي و سنن النسائي و سنن ابن ماجة و موطأ مالك.

(2)- نحوه في سنن ابن ماجة: 2/ 244 باب الرمي عن الصبيان.

(3)- تذكرة الفقهاء: 1/ 298.

(4)- أحمد بن إدريس الأشعري القمي ثقة من صغار الطبقة الثامنة.

44

عبد الجبار (1) عن صفوان (2) عن عبد الرحمن بن الحجاج (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: إن معنا صبياً مولوداً فكيف نصنع به؟ فقال: مر امه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها، فأتتها فسألتها كيف تصنع؟ فقالت: إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه و جردوه و غسلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه، و احلقوا رأسه، ثمّ زوروا به البيت، و مري الجارية أن تطوف به (بالبيت و) (4) بين الصفا و المروة» (5)

و منها: بالإسناد عن صفوان عن إسحاق بن عمار (6) قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غلمان لنا دخلوا معنا مكة بعمرة، و خرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام، قال: قل لهم يغتسلون ثمّ يحرمون، و اذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم». (7) (8)

____________

(1)- محمد بن عبد الجبار القمي ثقة من كبار الطبقة السابعة.

(2)- صفوان بن يحيى البجلي بياع السابري ثقة من أعاظم الطبقة السادسة.

(3)- البجلي الكوفي من الطبقة الخامسة.

(4)- كما في التهذيب.

(5)- وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أقسام الحج ح 1.

(6)- الصيرفي الكوفي شيخ من أصحابنا ثقة من الطبقة الخامسة.

(7)- وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أقسام الحج ح 2.

(8)- و لا يخفى ما في الاستدلال بهذه الرواية على استحباب الصبي غير المميز. فمورد الرواية حج الصبي لا إحجاجه، لأن قوله: «غلمان»، «دخلوا»، «خرجوا» «يغتسلون»، «يحرمون» يناسب الأول لا الثاني، و إن كان لفظ «الغلام» قد يطلق على المولود أيضا قال في مجمع البحرين في مادة (غلم): الغلام الابن الصغير ... قال في المصباح: يطلق الغلام على الرجل الكبير مجازاً باسم ما كان عليه كما يقال للصغير: شيخاً مجازاً باسم ما يؤول إليه، و عن الأزهري: و سمعت العرب يقولون للمولود حين يولد ذكراً: «غلام».

45

و منها: بإسناده عن علي بن مهزيار (1) عن محمد بن الفضيل (2) «سألت أبا جعفر الثاني عن الصبي متى يحرم به؟ قال: إذا أثغر». (3)

و الظاهر أنه لا فرق في استحباب إحجاج الصبي بين كونه مولوداً أو أثغر، لإطلاق بعض الأخبار، و لخصوص رواية عبد الرحمن بن الحجاج، إذاً فالرواية محمولة على تأكد الاستحباب.

و منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى (4) عن الحسن بن علي بن بنت إلياس (5) عن عبد اللّه بن سنان (6) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: مر رسول اللّٰه برويثة و هو حاج فقامت إليه امرأة و معها صبي لها فقالت: يا رسول اللّٰه أ يحج عن مثل هذا؟ قال: نعم و لك أجره». (7)

و الظاهر أن المشهور لم يفرقوا في هذا الحكم بين الصبي و الصبية و لا ينصون عليه.

إلا أن صاحب المستند (قدس سره) استشكل شمول الحكم للصبية (8) لاختصاص‌

____________

(1)- علي بن مهزيار الأهوازي جليل القدر، ثقة واسع الرواية، له ثلاث و ثلاثون كتاباً، من كبار الطبقة السابعة.

(2)- الأزدي الصيرفي، له كتاب، يرمى بالغلو و لم يذكر وجهه، و هو من الطبقة السادسة.

(3)- وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أقسام الحج ح 8 و ب 20 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ح 2.

(4)- أحمد بن محمد بن عيسى الأحوص الأشعري شيخ القميين و وجيههم غير مدافع و الرئيس و هو من الطبقة السابعة.

(5)- الحسن بن علي بن زياد الوشاء كوفي كان من وجوه هذه الطائفة من الطبقة السادسة.

(6)- كوفي جليل من أصحابنا، كان خادماً للمنصور و المهدي و الهادي و الرشيد ثقة من الطبقة الخامسة.

(7)- وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ح 1.

(8)- قال النراقي (قدس سره) في مستند الشيعة: (قيل: ما وقفت عليها في المسألة من الروايات

46

النصوص بالصبي و أنّ إلحاقها به محتاج إلى الدليل.

و دعوى دلالة رواية إسحاق بن عمار و شهاب على ذلك مردود، لأن الظاهر منهما عدم كفاية حج الصبي و الصبية إذا حجا بنفسهما عن حجة الإسلام، لا ما إذا أحج بهما الآخر، فإن عدم إجزائه عن حجة الإسلام مفروغ عنه لا يسأل عن مثله.

نعم استدل بعض الأعاظم (قدس سره) بمعتبرة يونس بن يعقوب (1) عن أبيه (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّه: إن معي صِبية صغاراً و أنا أخاف عليهم البرد فمن أين يحرمون؟ قال: ائت بهم العرج فليحرموا منها، فإنك إذا أتيت بهم العرج وقعت في تهامة، ثمّ قال: فإن خفت عليهم فائت بهم الجحفة». (3)

قال: (فإن الصبية و إن كانت جمعاً للصبي و جمع الصبيَّة الصبايا إلا أن المتفاهم العرفي من الصبية الصغار من الأولاد أعم من الذكر و الانثى، و بذلك يظهر دلالة غيرها من الروايات أيضاً). (4)

____________

فمختص بالصبي و لا ريب أن الصبية في معناه. أقول: لأحد مطالبته بدليل كونه في معناه، و ربما يستدل للصبية برواية شهاب (في حديث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: سألته عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: عليه حجة الإسلام إذا احتلم و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت» و موثقة إسحاق «قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: عليه حجة الإسلام إذا احتلم و كذلك الجارية إذا طمثت» المتقدمتين. و في دلالتهما نظر، لأنهما إنما هي إذا انضمت حج الصبية و ليس فيها ذلك، بل ليس فيها حج الصبي أيضاً، لجواز أن يكون السؤال عن وجوب الحج فأجاب بأنه بعد الاحتلام و الطمث لا أن يكون السؤال عن الحج الواقع حتى يمكن التمسك فيه بالتقرير، و قد يستدل أيضاً بموثقة يعقوب «إن معي صِبيةً صغاراً ... الحديث» و لا يخفى أن الثابت من هذه الرواية بل الأولتين هو حج الصبية، و هو يثبت بالعمومات أيضاً لا الحج به).

(1)- ابن قيس البجلي له كتب، منها كتاب الحج، ثقة من الطبقة الخامسة.

(2)- يعقوب بن قيس من الطبقة الخامسة.

(3)- وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أقسام الحج ح 7.

(4)- معتمد العروة: 1/ 32.

47

و فيه أولًا، أن المذكور في هامش النسخة المخطوطة- كما صرح به في الطبعة الجديدة- (1) (صبياناً) بدل (صبية).

و ثانياً: يرد عليه ما ذكره في المستند من أن الموضوع في الرواية حج الصبية لا الحج بها.

و ثالثاً: لا يظهر بما ذكره دلالة غيرها من الروايات، فإن لفظ بعضها «صبياً مولوداً»، و لفظ بعضها «سألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غلمان لنا»، و بعضها «انظروا من كان معكم من الصبيان»، و بعضها «حج الرجل بابنه»، و بعضها «من أين يجرد الصبيان؟»، و في بعضها «و الصبي يُعطى الحصى فيرمي»، و في بعضها «يصوم عن الصبي وليه»، و في بعضها «إنما كان أن تذبحوا عن الصبيان»، و في بعضها «و معنا صبيان»، و في بعضها «لا بأس بالقبة على النساء و الصبيان و هم يحرمون»، و في بعضها «الصبيان يطاف بهم و يرمى عنهم». و الغرض من الإشارة إلى ذلك كله أنه لا يظهر برواية يونس بن يعقوب دلالة سائر الروايات.

نعم، يمكن أن يقال: إنه يستظهر من التعبير بالصبي و الصبيان أن مراد السائل و المجيب (عليه السلام) أعم من الصبي و الصبية و الصبيان و الصبايا، و إنما عبر عن الكل بالتعبير المذكور تغليباً للذكور على الإناث، كما يرى مثله في موارد اخرى، و ترك استفصال الإمام (عليه السلام) في مثل هذا المورد حيث كان احتمال إرادة الأعم قريباً مؤيد لهذا الاستظهار.

و التمسك بقاعدة الاشتراك لا بأس به، و ما يقال من أنها مختصة بالخطابات الموجهة إلى الذكور دون أوليائهم (2) مندفع: بأنه ليس الملاك في ذلك كون الخطاب‌

____________

(1)- راجع وسائل الشيعة: 11/ 289.

(2)- مستمسك العروة: 10/ 20.

48

موجهاً إلى الذكر، بل الملاك كون موضوع الحكم هو الذكر حتى إن كان الحكم موجهاً إلى المرأة و كان موضوعه أيضاً المرأة يمكن أن يقال بقاعدة الاشتراك بشمول الحكم للرجل، كما إذا قيل لها: أحسني إلى امك. نعم، المكلف بهذه الأحكام الولي و هو أعم من الذكر و الانثى، و الظاهر أن موضوع هذه التكاليف أيضاً هو الأعم منهما.

الكلام في قاعدة الاشتراك:

تارةً يراد من قاعدة الاشتراك اشتراك الغائبين عن مجلس الخطاب، و غير المشافهين مع الحاضرين في مجلس الخطاب و المشافهين، و إن لم يكونوا موجودين في عصر الخطاب، و صاروا موجودين في الأزمنة المستقبلة في حجية الخطاب على الجميع، و جواز احتجاج الكل به، و هذا هو الذي يبحث عنه في اصول الفقه في مبحث (الخطابات الشفاهية).

و اخرى يراد من قاعدة الاشتراك اشتراك غير المعاصرين لعصر الوحي و الرسالة من الذين يأتون في الأعصار المستقبلة إلى يوم القيامة مع الموجودين في عصر الرسالة و تبليغ الأحكام. و القاعدة بهذا المعنى أشبه بالمسائل الكلامية دون الفقهية و الفرعية، و مفادها من الضروريات و هو حلال محمد (صلى الله عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة، و بقاء الدين إلى آخر الدهر، و إن مرور الأزمنة و الأعصار لا تؤثر في تغيير الأحكام الشرعية بأقسامها من الأولية و الثانوية، و الظاهرية و الواقعية، فكلها ثابتة إلى يوم القيامة، و هذا معنى خاتمية الدين المبين، و ختم الشرائع بشريعة سيد المرسلين (صلى الله عليه و آله).

و ثالثةً يراد منها اشتراك النساء مع الرجال في الخطابات الموجهة إلى‌

49

الذكور، مثل «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»* و «اعْبُدُوا اللّٰهَ»* و «اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ» و «أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ»* و «آتُوا الزَّكٰاةَ»* و «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ» فإن مثل هذه الخطابات يشمل النساء كما يشمل الرجال.

و السر في ذلك: أن الإتيان بالصيغ المختصة بالذكور ليس لاختصاصهم بهذه التكاليف، و لا اختصاص هذه القوانين الكلية الجامعة بهم، بل لأجل التغليب، و أنهم إذا أرادوا خطاب الجميع كانوا يوجهونه بصيغة التذكير، و الشارع المقدس أيضاً في مقام بيان أحكامه الكلية و خطاباته الجامعة سلك مسلك العرف.

و لذا في الخطابات الموجهة إلى (الناس) التي تشمل بنفس الكلمة الجنسين الذكور و الإناث نرى الإتيان بصيغ التذكير مثل «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا»* و يا أيها الناس «إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا» و «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّٰهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً»، فلا يعد الإتيان بفعل الجمع المذكر قرينة على إرادة الذكور من كلمة (الناس)، و مثله قوله تعالى: «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» فلا يعد الإتيان بصيغة الماضي للمذكر (استطاع) قرينة على إرادة الذكور من (الناس).

و بعبارة اخرى: المفهوم العرفي من الأساليب المذكورة في الكلام هو الأعم من الرجال، و دلالتها على خصوص الرجال يحتاج إلى القرينة، و لعل الاستقراء في الكتاب و السنة أيضاً يشهد بذلك.

هذا، مضافاً إلى أن المذكور في الدليل و إن كان رجلًا أو عبداً أو غيرهما إلا أنه يفهم في بعض الموارد بالقرينة المدلول الأعم، مثل «رجل شك بين الثلاث و الأربع» و «يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ».

نعم، الخطابات الموجهة إلى الذكور مثل (يا أيها الرجال افعلوا كذا) فهي‌

50

مثل الخطابات الموجهة إلى النساء لا تشمل الجنس الآخر.

و ربما يكون الخطاب عاماً موجهاً إلى الذكور و الإناث، و لكن موضوعه في لفظ الخطاب كان الذكور، فإذا كان مثل (حجوا أو ائتوني بأبنائكم أو ذكوركم) فهو لا يشمل البنات و الإناث قطعاً.

و تارة يقول: حجوا بصبيانكم أو بصبيتكم، فهل يدل على العموم و شمول مفهومه للصبية و الصبايا؟

فلا يبعد دلالته على الأعم و اشتراك الإناث مع الذكور في الموضوعية للحكم. كما إذا قال: (ائتوني بالذين معكم) فإنهم يأتوه بكل من معهم من الذكور و الإناث، مع أن كلمة (الذين) للمذكر. و لا يبعد أن يكون مفهوم ايتوني بصبيتكم أو صبيانكم أيضاً هكذا.

و بعبارة اخرى نقول: إذا كان المراد الأعم من الإناث يكتفون باللفظ الدال على الذكور بعلامة التذكير و ضميره، دون اللفظ الذي هو بنفسه دال على الذكور (كالرجال) و (الأبناء).

و على كل حال نقول: إنا نستظهر من التعبير بالصبي و الصبيان أن مراد السائل و المجيب (عليه السلام) أعم من الصبي و الصبية، و الصبيان و الصبايا، كما نستظهر من «الَّذِينَ آمَنُوا»* كون النساء كالرجال طرفاً للخطاب، و إنما عبر عن الكل بصيغة التذكير تغليباً للذكور على الإناث، كما رأيته في مثل «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ» و في موارد كثيرة اخرى، فكما أن المكلف بهذه الأحكام الولي الذي هو أعم من الذكر و الانثى موضوعها أيضاً يكون الأعم منهما.

و لا يبعد جريان السيرة على ذلك و لذا لم يسأل أحد من الأئمة (عليهم السلام) عن ذلك.

و لعل فتوى المشهور باشتراك الصبية مع الصبي في ذلك، أو عدم تنصيصهم على‌