فقه الحج - ج3

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
422 /
5

-

6

الجزء الثالث

الكلام في كيفية الإحرام و واجباته

7

الكلام في كيفية الإحرام و واجباته

و ينبغي اجراء الكلام أولا في حقيقة الإحرام.

قال في النهاية: (الإحرام: مصدر أحرم الرجل يحرم إحراماً إذا أهلَّ بالحجّ أو بالعمرة و باشر أسبابهما و شروطهما من خلع المخيط و اجتناب الأشياء التي منعه الشرع منها كالطيب و النكاح و الصيد و غير ذلك و الاصل فيه المنع فكأن المحرم ممتنع من هذه الأشياء و أحرم الرجل إذا دخل الحرم و في الشهور الحرم ... و منه حديث «الصلاة تحريمها التكبير» كأن المصلّى بالتكبير و الدخول في الصلاة صار ممنوعاً من الكلام و الأفعال الخارجة عن كلام الصلاة و أفعالها فقيل للتكبير تحريم لمنعه المصلِّى من ذلك و لهذا سمِّيت تكبيرة الإحرام أي الإحرام بالصلاة).

(1) و قال في مجمع البحرين: (و الإحرام مصدر أحرم الرجل .... و الإحرام توطين النفس على اجتناب المحرمات من الصيد و الطيب و النساء و لبس المخيط و أمثال ذلك).

____________

(1) النهاية/ 373.

8

و قال في المصباح المنير: (و أحرم الشخص: نوى الدخول في حجّ أو عمرة و معناه أدخل نفسه في شي‌ء حرم به ما كان حلالا له و هذا كما يقال: انجد إذا أتى نجد).

و في غير ذلك من كتب اللغة: أحرم: دخل في الشهر الحرام و أحرم: دخل في الحرم أو في حرمة لا تهتك.

و أمّا معناه و مفاده باصطلاح العلماء و كلماتهم فالمحكي عن الشيخ الأنصاري (رحمه الله) إنّ الإحرام العزم على ترك المحرمات و توطين النفس على ترك المنهيات بل نسب ذلك إلى المشهور و التزموا لذلك على أنّه لو بنى على ارتكاب شي‌ء من المحرمات بطل إحرامه (اى لا ينعقد إحرامه) لعدم كونه قاصداً للإحرام.

و أورد عليه بعض الاعاظم بأن ذلك لا يستظهر من الأدلّة و لهذا لو حجّ من لم يكن عالماً بالمحرّمات صحَّ حجه و إحرامه فالبناء و الالتزام على الترك ليس من مقومات الإحرام. (1)

و فيه: إنّه يمكن أن يقال: إنّ هذا يستفاد مما جاء في الرّوايات: «أحرم لك لحمي و دمي و شعري و بشري عن النساء و الطيب و الصيد» (2) فإنَّ معناه التوطين على دخول لحمه و ....... في حرمة النساء و الطيب عليها.

و أمّا صحة إحرام من لم يكن عالماً بالمحرّمات و صحّة حجّه فممنوعة إذا لم يكن عالماً بها حتّى بالإجمال و إنَّه يحرم عليه بالإحرام بعض الأفعال و أما إذا كان عالماً بالإجمال و إن لم يعرف المحرَّمات بالتفصيل يكفي ذلك في تحقّق الإحرام.

____________

(1) معتمد العروة: 2/ 478.

(2) وسائل الشيعة، ب 16 من ابواب الاحرام.

9

نعم: لو قيل بأن الإحرام ليس من الأمور القصدية و ليس هنا الا تحريم الشارع المحرَّمات المعلومة على الحاج و المعتمر إذا قصد الحجّ أو العمرة و لبّى يتم ذلك.

و هذا ما يستفاد من كلام بعض الفقهاء ففي المستند قال: (لا نسلم أن الإحرام فعل غير التلبس بأحد النسكين و الشروع فيه مطلقاً أو بما يحرم محظورات الحج و العمرة من أجزائهما فهو لفظ معناه أحد الأمرين لا أنَّه أمر آخر و جزء مأمور به بنفسه من حيث هو). (1)

و قال السيد الگلپايگانى (قدس سره): مراده (بما يحرم محظورات الحج و العمرة من أجزائهما إمّا خصوص التلبية أو مع لبس الثوبين أوهما مع نية الحج و العمرة) (2)

و لكنا لم نتحصل مراده فإن ما يحرم به محظورات الحج أو العمرة ليس إلا التلبس بهما بالتلبية و في خصوص القران بالتقليد أو الإشعار أيضاً و لا بد أن يكون ذلك مقارناً لنية الحجّ و العمرة و الشروع فيهما.

و كيف كان فقد بنى عليه بعض الأعلام من المعاصرين و ادّعى أنّ التلبية سبب للإحرام و حالها حال تكبيرة الإحرام للصلاة فهي أول جزء من أجزاء الحجّ كما أن التكبيرة أول جزء من أجزاء الصلاة و بالتلبية أو الإشعار يدخل في الإحرام و يحرم عليه تلك الأمور المعلومة و ما لم يلبَّ يجوز له ارتكابها. (3)

و قال: إنَّ أهل اللغة ذكروا لكلمة أحرم معنيين: أحدهما أن يحرم الانسان‌

على نفسه شيئاً كان حلالا له. ثانيهما: أن يدخل نفسه في حرمة لا تهتك. و المعنى‌

____________

(1) مستند الشيعة: 11/ 283.

(2) كتاب الحج: 1/ 245.

(3) معتمد العروة: 2/ 478.

10

الثاني أنسب، لأنّه يدخل بالتلبية في حرمة الله الَّتي لا تهتك و التلبية توجب دخوله في حرمة الله فيقال: أحرم أي أدخل نفسه في تلك الحرمة الَّتي لا تهتك.

ثمّ انه أفاد زائداً على ذلك و المتحصَّل منه أن التلبية و الإشعار و التقليد كتكبيرة الإحرام محقق لدخول الشخص في الحجّ أو العمرة كما أنَّ تكبيرة الإحرام محقق لدخول الشخص في الصلاة و الحالة الَّتي يجب أن لا تهتك و لا تبطل بالكلام الخارج عن الصلاة و سائر المبطلات و بالتلبية أيضاً يدخل الشخص في حالة يجب أن لا تهتك بارتكاب المحرَّمات و ليس معنى ذلك أنَّه يقصد بالتلبية أو التكبيرة حصول تلك الحالة الَّتي نعبر عنها بالإحرام و عن المتلبس بها بالمحرم أو يقصد بها ترك المنهيَّات بل الإحرام و هذه الحالة الّتي يجب أن لا تهتك يترتب على التلبية قهراً غاية الأمر أن التلبية سبب للإحرام و إن لم يقصد الملبى ترك المنهيات بها و لا يعقل أخذ هذه المنهيات و المحرمات في معنى الإحرام و إلا لزم الدور لأنّه يئول إلى أن تكون حرمة هذه المحرمات متوقفة على الإحرام و كون الإحرام متوقفاً على حرمة المحرَّمات و بعبارة أخرى: صيرورته محرماً تتوقف على كون المحرمات محرمة عليه و تحريمهما متوقف على كونه محرماً. (1)

و القول الآخر أنّ الإحرام حقيقته النيّة و التلبية و لبس الثوبين و هو المحكي عن العلامة في المختلف. (2)

و الرابع: انّه النيّة و التلبية و هو المحكي عن الحلّي. (3)

و الخامس: إنَّه النيّة و هو المنقول عن ظاهر المبسوط و الجمل.

____________

(1) معتمد العروة: 2/ 479 الى 483.

(2) مختلف الشيعة: 4/ 49.

(3) المحكى عن جواهر الكلام 18/ 134.

11

و السادس: إنَّه انشاء تحريم الأعمال الَّتي حرَّمها الشارع على المحرم و البناء على كونه حراماً عليه كالناذر الَّذي ينشئ وجوب فعل أو حرمته على نفسه و كونه مديوناً لله تعالى و ينشئ اشتغال ذمّته له تعالى.

و الظّاهر أن هذا هو مختار السيد الفقيه الگلپايگانى (قدس سره) كما قال في تقريرات درسه: (و بالجملة الأظهر أن الإحرام أمر إنشائي يوجده المحرم بتحريم المحرَّمات على نفسه و إن كان لا يؤثر في التحريم قبل التلبية، كما هو المستفاد من المحقق في الشرائع حيث قال في بيان كيفية الحجّ: فصورته أن يحرم من الميقات للعمرة- إلى أن قال- ثمّ ينشئ إحراماً آخر للحجّ من مكّة الظّاهر في أن الإحرام أمر إنشائي، و قد عبَّر بمثل ذلك في التحرير و السرائر.) (1)

و قال بعض الأعاظم في تعليقته على العروة: (إنّ الإحرام من العناوين القصدية لا يمكن تحققه بدون القصد إليه).

و لا ينافي ما ذكرناه قولهم في كيفية الإحرام: إنّ واجباته ثلاثة النيّة و لبس الثوبين و التلبية، و كذا قولهم: إنَّ الإحرام مركب من النيّة و لبس الثوبين و التلبية أو الإشعار و التقليد، فإنَّ وجوب تلك الأمور في الإحرام لا يلازم كونه عبارة عن تلك الأمور لا غيرها بل يدل على أن الإحرام بأيِّ معنى كان لا يصح بدونها.

و أما كونه مركباً من الأمور المتقدمة فمعناه أنه لا يحكم شرعاً بتحريم المحرَّمات إلا بعد الامور المذكورة من النيّة و لبس الثوبين و التلبية أو الاشعار و التقليد، و لا يكفي مجرد إنشاء التحريم من المحرَّم، بل يحتاج في ترتب الأثر على‌

____________

(1) كتاب الحج: 1/ 246.

12

انشائه شرعاً إلى التلبية أو الإشعار. (1)

و السابع: ما عن كاشف الغطاء: قال: (إنَّ حقيقة الإحرام عبارة عن حالة تمنع عن فعل شي‌ء من المحرَّمات المعلومة و لعل حقيقة الصوم أيضاً كذلك فهما عبارة عن المحبوسية عن الأمور المعلومة فيكون غير القصد و الكفّ و الترك و التوطين فلا يدخلان في الأفعال و لا الأعدام بل هما حالتان متفرعتان عليها و لا يجب على المكلفين من العلماء فضلا عن العوام الاهتداء إلى معرفة الحقيقة و إلا لزم بطلان عبادة أكثر العلماء و جميع العوام) (2)

و ربّما يكون هنا غير ذلك من الوجوه و الأقوال.

و يمكن أن يقال: إنَّه يتحقق بالشروع في ترك المنهيّات أو قبل بعض الواجبات كخلع المخيط و لبس الثوبين أو التلبية أو الإشعار و التقليد.

و كيف كان فالقول الثاني أي كون التلبية سبباً للإحرام و الدخول في الحجّ و العمرة كتكبيرة الإحرام الَّتي هي سبب لحرمة ما تبطل بإتيانه الصلاة و دخول الشخص في الصلاة و الحالة الَّتي يجب أن لا تهتك باتيان المبطلات و إن لم يكن ناوياً ترك المنهيات و لم يكن عالماً به،

ففيه: إنَّه خلاف الظّاهر من كون الإحرام للحجّ أو العمرة من اعمالهما و لو كان ذلك بنية ترك المحرَّمات و كونه عازماً عليه عند التلبية.

نعم إذا كان ملتفتاً بالإجمال إلى المحرَّمات و لبى يكفي ذلك في الإحرام و لا يكفي التلبية لمجرد الحجّ أو العمرة اللَّتين هما الطواف و صلاته و السعي.

____________

(1) كتاب الحج: 1/ 246.

(2) المحكى عن كتاب الحج: 1/ 244.

13

و بالجملة: لا تكفي التلبية للحجّ و العمرة إذا كانت خالية عن نية ترك المحرمات و لو إجمالا.

بل يمكن أن يقال: إن المصلى أيضاً لا يدخل في الصلاة بمجرد تكبيرة الإحرام إذا لم يكن عارفاً بما تبطل به الصلاة و بما يمنع من الدخول فيها و لو إجمالا و عازماً على تركه.

و لا يلزم الدور من أخذ هذه المنهيات في الإحرام فإنَّه يلزم ذلك لو أخذ فيه هذه المحرمات بهذا العنوان الَّذي لا يأتي إلا من قبل الإحرام أما لو أخذ فيه ترك ذواتها و قلنا بترتب الحرمة الشرعية عليه لا يلزم الدور.

و الحاصل أن رفع اليد عن اعتبار نيّة الإحرام و ادخال نفسه فيه بنيّة ترك المحرَّمات أو التلبية المقارنة لتلك النيّة و توطين النفس على تركها خلاف ظاهر الرّوايات من كونه عملا قصدياً اختيارياً لا قهرياً غير عمدى هذا مضافاً إلى إمكان دعوى دلالة مثل قوله تعالى: (لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ) و قوله عزَّ اسمه: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ) و قوله سبحانه و تعالى (حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً) على أنّ عنوان الإحرام و المحرم كان معتبراً عندهم و ليس معنى (وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ) و (مٰا دُمْتُمْ حُرُماً) انتم حاجّاً أو عماراً.

هذا كلّه في القول الثاني و أمّا الأقوال الَّتي أخذ فيها النيّة فهي القول الثالث (إنَّه النيّة و التلبية و لبس الثوبين) و الرابع إنَّه النيّة و التلبية) و الخامس (إنَّه مجرد النيّة) فاستشكل في المستمسك فيها (بأن أخذ النيّة في مفهوم الإحرام غير معقول لأنه فعل اختياري يقع عن نية تارة و لا عنها أخرى و لذلك اعتبروا في صحّته النيّة‌

14

و من المعلوم أنّ النيّة لا تكون موضوعاً للنيّة). (1)

و يمكن دفع هذا الإشكال بأن النيّة الَّتي قيل بأنّها منفردة أو مع التلبية أو معها و مع لبس الثوبين إحرام ليس المراد منها نيّة الإحرام بل المراد فيه ترك المحرَّمات المعلومة و مع التلبية و لبس الثوبين فهذه النيّة منفردة أو منضمّة إليهما مصداق للإحرام أي الحالة الَّتي تكرم و تقدس بترك المحرمات مضافاً إلى أننا لم نتحصل مراده من كون الإحرام فعلا اختيارياً يقع عن نية تارة و لا عنها أخرى فإن كان مراده من الإحرام ترك المحرَّمات فلا ريب في أنّه يقع تارة بالاختيار و بالقصد و النيّة و اخرى بدون الاختيار و القصد الا انَّه ليس الإحرام مجرد ترك المحرَّمات سواء وقع ذلك بالقصد و العمد و الاختيار أو بدونه و إن كان المراد من الإحرام عنواناً قصدياً لا يتحقّق إلا بالنية فمن يقول: الإحرام النيّة مراده أنَّه عنوان يتحقق بها أو بها و بالتلبية لا أن هذه النيّة تكون موضوعاً لنية أخرى و يرجع معناه إلى أنَّه ينوى في نفسه انَّه محرم و يبنى عليه و كيف كان لا يقع هذا المعنى بدون النيّة.

و أمَّا السابع: فحسبه يكون الإحرام صفة و حالة نفسانية تمنع من فعل المحرَّمات كصفة العدالة و هو بالمسائل المذكورة في علم الأخلاق اشبه منه بالفقه مضافاً إلى أنّه لا يستفاد من الأدلة فنبقى نحن و القول الأوّل و الثالث و الرابع و الخامس و السادس فاللازم النّظر إلى روايات الباب و دلالتها حتَّى نعرف أوفق هذه الأقوال إليها و أرجحها بملاحظتها و الله هو الهادى.

فنقول فمن الأخبار طائفة منها تدل على أن الإحرام عنوان و اعتبار يوجد بفعل الشخص و إنَّه لا يكفيه مجرّد التلبية للحجّ أو العمرة إذا لم تكن مقرونة‌

____________

(1) مستمسك العروة: 11/ 359.

15

بنية ترك المحرّمات و الدخول في حال يحرم فيه عليه المحرّمات و لا ينطبق عليه عنوان المحرم بدون ذلك فليس المحرم كالمصلى بل ما هو مثله الحاج أو المعتمر.

فمن هذه الأخبار ما رواه الشيخان مسنداً و الصدوق مرسلا عن أبى المعزا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «كانت بنو إسرائيل إذا قربت القربان تخرج نار تأكل قربان من قبل منه و إن الله جعل الإحرام مكان القربان». (1)

فإنّه يدل على أنّ الإحرام فعل اختيارى و عنوان لا يصدق بدون التهيؤ و الالتفات إليه بمجرد التلبية للحجّ أو العمرة.

و ما رواه الصدوق في العلل بأسانيده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام): «و إنَّما امروا بالإحرام ليخشعوا قبل دخولهم حرم الله و أمنه و لئلا يلهو و يشتغلوا بشي‌ء من امور الدنيا و زينتها و لذاتها و يكونوا جادين (صابرين) فيما هم فيه قاصدين نحوه» (2) الحديث.

و ممَّا يدل على ذلك ما فيه: «أن يقول عند الإحرام أحرم لك شعري و بشري و لحمي و دمي و عظامي و مخي و عصبي من النساء و الثياب و الطيب ابتغى بذلك وجهك و الدار الآخرة» (3).

و من هذه الاخبار ما فيه لفظ الإحرام و يحرم مثل قبل أن يحرم و عقد الإحرام و غيرها من الألفاظ فإن حمل هذه على التلبية المجردة عن نية الإحرام بعيد جداً.

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب الاحرام، ح 1.

(2) وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب الاحرام، ح 4.

(3) وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب الاحرام، ح 1.

16

و استشكل في هذا المعنى و استدلّ على أنّ الإحرام ليس شيئاً زائداً على التلبّس بالحجّ أو العمرة بالتلبية أو الإشعار أو التقليد بقصد الشروع في الحجّ أو العمرة بروايات أوضحها دلالة صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء: التلبية و الإشعار و التقليد فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم». (1)

فإنّها تدل بالصراحة على أن ما يوجب الدخول في الحرمة الَّتي لا تهتك أحد هذه الثلاثة و إنَّ الإحرام يتحقق بأحدها.

و يرد عليه بأنَّ الصحيحة لا تدل على أنَّ التلبية المجردة عن نية ترك المحرَّمات و العزم عليه تكفي في الإحرام و إن لم يكن ملتفتاً إليه و لم يضمره في نفسه بل غاية ما يستفاد منها أن من يريد الإحرام و وطَّن نفسه على ترك المحرَّمات إذا لَبّى أو أشعر أو قلّد يتحقّق منه الإحرام نعم يستفاد منها عدم انعقاد الإحرام بمجرّد العزم أو انشاء تحريم المحظورات على نفسه بدون التلبية.

و لكن يعارضها في ذلك ما يدل على انعقاد الإحرام قبل التلبية مثل صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في الرَّجل يقع على أهله بعد ما يقصد الإحرام و لم يلبّ قال: ليس عليه شي‌ء» (2).

و مثله مرسل جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليها السلام): «في رجل صلّى الظهر في مسجد الشجرة و عقد الإحرام ثمّ مسّ طيباً أو صاد صيداً أو واقع أهله؟

قال: ليس عليه شي‌ء ما لم يلبّ» (3).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اقسام الحج ح 20.

(2) وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب تروك الاحرام ح 1 و ب 14 من أبواب الاحرام ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 11 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

17

و صحيح حفص و عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى عبد الله (عليه السلام): «إنَّه صلى ركعتين في مسجد الشجرة و عقد الإحرام ثمّ خرج فأتى بخبيص فيه زعفران فأكل منه» (1).

و صحيح حفص بن البخترى عن ابى عبد الله (عليه السلام): «فيمن عقد الإحرام في مسجد الشجرة ثمّ وقع على أهله قبل أن يلبّى؟ قال: ليس عليه شي‌ء» (2).

و مثل هذه الأحاديث يدل على من تحقّق عقد الإحرام منه فهو محرم و داخل في حالة مقدسة يترك فيها المحظورات وفقاً لعزمه على تركها أو إنشائه تحريمها على نفسه لكن ليس ممنوعاً عنها بحكم الشارع حتَّى يلبّي أو يشعر أو يقلد و إن شئت قل: له أن ينقض إحرامه و يرفع اليد عنه ما دام لم يلبّ و الشاهد على ذلك مرسل النضر بن سويد عن بعض أصحابه قال: «كتبت إلى أبي إبراهيم (عليه السلام): رجل دخل مسجد الشجرة فصلّى و أحرم و خرج من المسجد فبدا له قبل أن يلبّى أن ينقض ذلك بمواقعة النساء أله ذلك؟ فكتب نعم أو لا بأس به» (3)

و بالجملة بعد ملاحظة الرّوايات الكثيرة الواردة في أبواب الإحرام القول بأنّه عبارة عن العزم و توطين النفس على ترك المحرَّمات و البناء عليه وجيه فهو في حال الإحرام ما دام لم ينقض إحرامه و لم يعدل عن عزمه فإذا لبّى يستقر عليه البقاء على الإحرام و لا يجوز له العدول عنه و الانصراف منه و اما انه امر إنشائي يوجده‌

الشخص بتحريم المحرَّمات على نفسه و أنه لا يؤثر في التحريم قبل التلبية فبعيد عن الذهن و لازمه القول بوجوب التلفظ بالنية حتّى ينشأ به.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الاحرام ح 3.

(2)- وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الاحرام ح 3 ..

(3)- وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب الاحرام ح 12.

18

اللّهم إلا أن يقال: إنَّ الواجب التلفظ بالنية و قوله أحرم لك: إنشاء للإحرام سيَّما إذا كان بصيغة المتكلم و المضارع لا بصيغة المفرد و الماضي فإنَّ المناسب لمعناه في مثله الإنشاء للاخبار.

فعلى هذا فمقتضى الاحتياط قصد انشاء الإحرام بما يقول في تلفّظه بنيّة الإحرام الَّذي لا ينفك عن توطين النفس و البناء على ترك المحظورات و الله هو العالم بأحكامه.

واجبات الاحرام

[الأول من واجبات الإحرام النية]

«الكلام في نية الاحرام»

ثمّ إنَّه قال في العروة: (و واجباته «يعنى إحرام» ثلاثة: الأوّل: النيّة بمعنى القصد إليه فلو أحرم من غير قصد أصلا بطل سواء كان عن عمد أو سهو أو جهل و يبطل نسكه أيضاً إذا كان الترك عمداً و أمّا مع السهو و الجهل فلا يبطل و يجب عليه تجديده من الميقات إذا أمكن و إلا فمن حيث أمكن).

أقول: في مثل هذا التعبير مسامحة فإنَّه على القول بكون الإحرام أمراً قصدياً لا يتحقّق إلا بالقصد لا يتحقّق من غير قصد فالأولى أن يقول: فلا يؤتى به أولا يتحقّق بدون القصد.

و كذا على القول بأنّه ليس هنا إلا أفعال الحجّ من التلبية إلى التقصير فإنَّ معنى لو أحرم لا بد و أن يكون لو لبَّى من باب تسمية الشي‌ء باسم مسبّبه أو قريباً‌

منه على ضرب من المجاز.

و كيف كان في الصورة الاولى النيّة هى الالتزام أو توطين النفس على ترك‌

19

الأفعال المعلومة و لبس الثوبين و التلبية أو انشاء حرمة الأفعال و وجوب لبس الثوبين و التلبية و لا يغني ذلك من نية التلبية و إنما زدنا لبس الثوبين و التلبية لأن الإحرام لا يتحقّق بدونهما.

و أمّا على القول الثاني فيكفي نية الحجّ و الشروع فيه بالتلبية أو نية التلبية الَّتي هي من أفعال الحجّ فما هو اللازم نية النسك و كون التلبية كسائر الأعمال صادرة من هذه النيّة.

و قصد القربة في الاولى توطين النفس قربة إلى الله على ترك المنهيات و في الصورة الثانية يكفي نية الحجّ بقصد الامتثال و التقرب و إتيان التلبية و جميع الأعمال بتلك النيّة.

و قد أشكل في كون النيّة من واجبات الإحرام إذا كان هو أمراً التزامياً أو إنشائياً أو توطين النفس إذ لا يعقل صدوره من غير نية.

و لكن يمكن أن يقال: إنَّ المراد من النيّة في هذه الصورة هي قصد القربة بل في الثاني أيضاً فإنَّ العمل الاختياري المأمور به لا يتاتى من المأمور بل من كل فاعل ملتفت الّا بالنية و القصد و يمكن أن يقال: ان المراد من النيّة أن يكون ناوياً للحج فينوى الاحرام أمّا بدون نية الحجّ لا يترتب على نية الإحرام التزاماً أو توطيناً أو انشاء أثر و بعد ذلك يعتبر في النيّة الخلوص عن الريا كما في سائر العبادات فيبطل بالريا.

و أما اعتبار مقارنة النيّة للشروع فيه فيعتبر على القول الثاني و أما على‌

القول الآخر فلا معنى لاعتبار ذلك فانّ الالتزام أو توطين النفس أو الإنشاء لا يتصور فيها الابتداء و الاثناء حتى يقال بأنَّه لا تكفي النيّة إذا كانت في الأثناء.

20

[مسألة 1] تعيين نوع الاحرام في النية

مسألة 1: هل يعتبر في النيّة تعيين كون الإحرام للحج أو العمرة و في الحج تعيين انه تمتع أو قران أو إفراد و انه لنفسه أو نيابة عن غيره و إنَّه حجة الإسلام أو الحج النذري أو الندبي أم لا تعتبر فيه ذلك فيكفي الإحرام من غير تعيين و إيكاله إلى ما بعد ذلك؟

قال الشيخ في المبسوط: (إذا أحرم منهما و لم ينو شيئاً لا حجّاً و كان مخيراً بين الحج و العمرة لا عمرة أيّهما شاء فعل إذا كان في أشهر الحج و إن كان في غيرها فلا ينعقد إحرامه إلّا بالعمرة). (1)

و قال ابن البراج في المهذب: (و من أحرم و لم ينو حجّاً و لا عمرة و كان إحرامه في أشهر الحج كان مخيراً بين الحج و العمرة أيّ واحد منهما أراد كان له فعله و إن كان إحرامه في غير أشهر الحج لم ينعقد إحرامه إلّا بالعمرة). (2)

و قال ابن حمزة في الوسيلة: (و إن نوى الإحرام مطلقاً في أشهر الحج أو علق باحرام رجل آخر و هو غير محرم كان بالخيار بين أن يجعله للحج أو للعمرة و إن كان في غير أشهر الحج تعيَّن للعمرة). (3)

قال العلامة في التذكرة: (و لو نوى الإحرام مطلقاً و لم يذكر لا حجّاً و لا عمرة انعقد إحرامه و كان له صرفه إلى أيّهما شاء إن كان في أشهر الحج لأنّها عبادة منوية) ثمّ ذكر ما رواه العامّة و الخاصّة في ذلك إلى أن قال: (و إذا ثبت انَّه ينعقد‌

____________

(1)- المبسوط: 1/ 316.

(2)- المهذب البارع: 1/ 219.

(3)- الوسيلة/ 161.

21

مطلقاً فإن صرفه إلى الحج صار حجّاً و إن صرفه إلى العمرة صار عمرة و إلى أيّ انواع الحج صرفه من تمتع أو قران أو افراد انصرف إليه). (1) و حكى نحوه عنه في المنتهى.

و لكنه اختار البطلان في القواعد قال: (و لو نوى الإحرام و لم يعيّن لا حجّاً و لا عمرة أو نواهما معاً فالأقرب البطلان و ان كان في أشهر الحج). (2)

و قال الفاضل الهندي في كشف اللّثام في شرح قوله: و لو نوى الإحرام ... (أمّا الأوّل فلأنه لا بد في نية كل فعل تميزه من الأغيار و إلا لم يكن نية و لو جاز الإبهام جاز للمصلى مثلًا أن ينوي فعلًا ما قربة إلى الله إذ لا فارق بين مراتب الإبهام و لتضمن الأخبار التعيين كما سمعته الآن من خبر على بن جعفر و البزنطي و أخبار الدعاء المتضمن لذكر المنوى و لانه لو جاز كان هو الأحوط لئلا يفتقر إلى العدول إذا اضطر إليه و لا يحتاج إلى اشتراط ان لم يكن حجّة فعمرة خلافاً للمبسوط و المهذب و الوسيلة ففيهما إنَّه يصح فإن لم يكن في أشهر الحج انصرف إلى عمرة مفردة و ان كان في أشهر الحج تخير بينهما و هو خيرة التذكرة و المنتهى و لعله أقوى لان النسكين في الحقيقة غايتان للإحرام غير داخلين في حقيقته و لا يختلف حقيقة الإحرام نوعاً و لا صنفاً باختلاف غاياته فالأصل عدم وجوب التعيين و اخبار التعيين مبنية على الغالب أو الفضل و كذا العدول و الاشتراط قال في المنتهى و‌

التذكرة و لأن الاحرام بالحجّ يخالف غيره من احرام سائر العبادات لانه لا يخرج منه بالفساد و إذا عقد عن غيره أو تطوعاً وقع عن فرضه فجاز أن ينعقد مطلقاً) (3).

____________

(1)- تذكرة الفقهاء: 7/ 233.

(2)- قواعد الاحكام/ 419.

(3)- كشف اللثام: 5/ 255.

22

هذا و قد ظهر من هذه العبائر الشريفة أنَّ القائل بعدم وجوب التعيين يستدل بوجوه:

أحدها: أنّ النسكين الحج و العمرة غايتان للإحرام و ليسا داخلين في حقيقته فلا يختلف حقيقة الإحرام نوعاً و صنفاً باختلاف غاياته كما أنَّ تعدد الغايات في الوضوء أيضاً لا يوجب الإتيان به بقصد غاية معيَّنة و لا توجب اختلاف حقيقته.

و فيه: أنّ الوضوء أو الغسل عبادة مستقلة محبوبة و ان لم يقصد به الصلاة و ليس واحد منهما جزءاً من الصلاة بخلاف الإحرام سواء قلنا بأنّه عنوان قصدى أو نفس التلبية أو الإشعار و التقليد فإنّه جزء من أجزاء النسكين لا من مقدماتهما الواجبة أو المستحبة فلو أتى به لا بقصد الجزئية لا يكون ماموراً به كما إذا أتى ببعض أجزاء الصلاة لا بقصد الجزئية كالتكبيرة.

و ثانيها: أنّ الإحرام بالحجّ ليس كإحرام سائر العبادات مثل الصلاة فإنَّها تبطل بالإتيان بمبطلاتها و يخرج المصلى به عن حال الصلاة و يقع إحرام الحج عن فرضه إذا عقده لغيره أو تطوعاً دون الصلاة فهو ينعقد بالإطلاق دون غيره مما ليس مثله.

و فيه: إنّا لم نفهم الملازمة بين كون الإحرام محكوماً بأحكام تختصّ به و سائر العبادات محكومة بأحكامها الخاصة و بين جواز عقد الإحرام مطلقاً و بدون التعيين و وقوع الإحرام إذا وقع عن غيره أو تطوعاً عن فرضه ان قلنا به كما أيّدناه في ما إذا‌

نوى به التطوع نقول به بدليله لا من جهة ان الإحرام ينعقد مطلقاً.

و ثالثها: إنّ الشكّ هنا شكّ في التكليف و في وجوب التعيين و مقتضى الأصل عدم وجوبه و براءة الذمة عنه.

23

و فيه: أولًا: إنّ الشكّ يكون في التكليف على قول من يقول بأنّ الإحرام ليس أمراً قصدياً و ليس هنا دون حرمة المحرَّمات بتحريم الشارع عند التلبية أو الاشعار أو التقليد فنشك في كفاية التلبية أو الإشعار و التقليد في الإتيان بالمأمور به أو يجب زائداً على ذلك تعيين كونها للحج أو للعمرة و مقتضى الأصل عدم وجوبه و أمّا على القول بكون الإحرام عنواناً قصدياً يتحقّق بأسبابه كالطهارة الَّتي تتحقق بالوضوء و الغسل فاذا شككنا في حصول هذا العنوان و احتملنا دخل شي‌ء في ما هو السبب له يجب الاحتياط و الإتيان به تحصيلًا للقطع بحصول المسبب.

و ثانياً: إنّ الأصل إنّما يجوز التمسّك به إذا لم يكن هنا دليل و الّذين يقولون بوجوب التعيين دليلهم هذه الأخبار الكثيرة الدالة على وجوب التعيين و حملها على الغالب أو على الأفضل خلاف الظّاهر.

و رابعها: التمسك بما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «إنَّه خرج من المدينة لا يسمى حجّاً و لا عمرة ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء و هو بين الصفا و المروة فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ و لم يكن معه هديٌ ان يجعلوها عمرة» (1).

و بما في طرق الخاصة من «أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام): أهل كاهلال النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فجعله رسول الله شريكاً في هديه» (2)

و فيه: أمّا ما روته العامّة فهو كما قال في الجواهر: (غير ثابت بل الثابت خلافه) و مراده ما في رواياتنا من أنَّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ساق الهدي و لذا لم يحل بعد ما أمر الناس بالإهلال.

____________

(1)- تذكرة الفقهاء: 7/ 233.

(2)- وسائل الشيعة: ب 2 من أقسام الحج ح 4.

24

و أما ما في طرقنا من أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام): «أهل كإهلال النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بقوله: إهلالًا كاهلال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)».

ففيه أولًا: نقول: إنَّه عليه الصلاة و السلام كما حكى في الجواهر عن المختلف كان عالماً بما أهّل النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) به قال في الجواهر: (و لعلّه لما في صحيح معاوية بن عمار من أنَّ علياً (عليه السلام) قد جاء بأربعة و ثلاثين بدنة أو ستاً و ثلاثين فيكون المراد حينئذ بقوله (عليه السلام) اهلالًا كاهلال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الحج قارناً) (1)

و ثانياً: يمكن حمله على اختصاصه بالحكم المزبور.

و ثالثاً: إنَّه غير ما نحن فيه من كون الإحرام مطلقاً فإنَّه معلوم إمّا بالإجمال أو التفصيل.

و لكن الجواب هو ما حكاه من المختلف و على ذلك كلِّه فالتحقيق على ما أفاده في الجواهر اعتبار التعيين كغيره من العبادات قال: (بل لا يبعد اعتبار التعيين في حال تعين النسك على المكلف كما هو ظاهر النصوص و الفتاوى) (2) إلى آخر كلامه زيد في علو مقامه.

و بعد ذلك الظّاهر انَّه يكفي التعيين الإجمالى كما لو قصد امتثال ما عليه فعلًا‌

أو ما عينه و كتبه في كتاب عنده و أما كفاية الإحرام بقصد ما يعيّنه فيما بعد لأنَّه معلوم عند الله تعالى في الواقع و هو ينوى الواقع و المتعين الواقعي فبعيد جداً لأنَّه إذا لم يعيّنه بقصده بهذا العنوان فمعيَّن به واقعاً فإن كان المراد كون إحرامه متميزاً في الخارج و في علمه عن غيره فهو لا يتميَّز في الصورتين و إن كان المراد كونه معلوماً‌

____________

(1) جواهر الكلام: 18/ 204.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 205.

25

عند الله تعالى لما يقع له فهو معلوم في الصورتين.

و بالجملة: فهذا الَّذي ذكره بعض الأعاظم من المعاصرين (1) قريب من قول من لا يرى التعيين واجباً و لا حول و لا قوة إلا بالله و هو العالم بأحكامه.

و بعد ذلك كلِّه الظّاهر إنَّه يكفي التعيين الإجمالي كما لو قصد ما عليه واقعاً أو اشتغل به ذمَّته أولا و قال في العروة حتَّى بأن ينوي الإحرام لما سيعينه من حجّ أو عمرة فإنَّه نوع تعيين و قال بعض المحشين: (لأن ذلك الفرد معلوم عند الله تعالى واقعاً و إن كان لا يعرفه بالفعل فإنَّ المنوى يكون متعيناً في علم الله و هو يشير إليه في مقام النيّة فإنَّ القصد إلى الشي‌ء يقع على قسمين:

أحدهما: أن يقصد الطبيعة المطلقة من دون نظر إلى التعيين و إنَّما يتعين فيما بعد.

ثانيهما: أن يقصد المتعين واقعاً و إن كان لا يدرى به فعلا كما إذا فرضنا انَّه عيَّنه و كتبه في قرطاس ثمّ نسي ما عينه و كتبه و لم يعثر على القرطاس ثمّ ينوى الإحرام على النحو الَّذي كتبه نظير ما إذا قرء البسملة للسورة الَّتي بعد هذه الصفحة و هو لا يعلم السورة بالفعل عند قراءة البسملة فإنَّ السورة متعينة واقعاً و ان كان هو لا يدرى بالفعل عند قراءة البسملة) (2)

أقول: قد خالف السيد (قدس سره) في ذلك عدة من أعاظم المحشين مثل سيدنا الأستاذ الأعظم (قدس سره) فقال: (الأقوى عدم كفايته و لا فرق بينه و بين النيّة المرددة و إيكال التعيين إلى ما بعد).

و يمكن أن يقال: إن نية عنوان خاص باسمه معتبر في حصول الإحرام ما‌

____________

(1)- مستند العروة: 2/ 487.

(2)- مستند العروة 2/ 487.

26

أمكن ذلك له و لا يعدل منه في مقام التعيين إلا إذا لم يمكن فيكتفى بما يعينه في الواقع و إن لم يعرف به في الخارج فمن نسي ما كتبه في القرطاس الَّذي ضاع عنه أو نسي ما كان مريداً لقصده لا يصلح له أن يقصد الإحرام لذلك فإنَّه يمكن له تجديد النيّة و تعيين ما يحرم له و من كان عليه حجّ لا يدرى انَّه وجب عليه بالنذر أو بالنيابة و لا يمكن له التعيين، له أن يعينه بما في ذمّته في الواقع و فيما نحن فيه من كان متمكناً من تعيين أحد النسكين باسمه لا يجوز له الاكتفاء بالإشارة إلى ما هو المتعين عند الله تعالى و لم يعينه بعد و مثل ذلك لا يعد عرفاً نية المتعين و يكون مثل ما لم يعين أصلا و أو كل تعيينه إلى بعد ذلك.

و بالجملة أصل الاكتفاء بالتعيين الإجمالي مع إمكان التفصيلي هنا بالنظر إلى الإشكال في تحقّق الإحرام به و بالنظر إلى الرّوايات الدالة على ذكر اسم النسك من الحج أو العمرة في غاية الاشكال.

[مسألة 2] اعتبار نية الوجوب أو الندب في النية

مسألة 2: الأقوى عدم اعتبار نيّة الوجوب أو الندب في النيّة فلو أتى بها مجردة عن ذلك فلم ينو مثلا الإحرام الواجب من حجّة الإسلام أو الندب في الحج الندبى، يكفيه ذلك.

نعم إذا توقّف التعيين على قصد الوجه يجب ذلك حتّى يتعيّن به ما يأتى به، و هل يعتبر التلفّظ بالنيّة؟ الظّاهر عدم الاعتبار و هو مقتضى الأصل و قد روى المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: إنّي‌

27

أريد أن أتمتّع بالعمرة إلى الحجّ فكيف أقول؟ قال: تقول: اللّهمّ إنّي أريد أن أتمتّع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيّك (صلى الله عليه و آله و سلم) و إن شئت أضمرت الَّذي تريد». (1)

و ظاهره جواز الإضمار و عدم اعتبار التلفّظ بالنّية و احتمال أن يكون المراد من الإضمار الإسرار بالتلفظ بعيد و لعل ذلك مختصّ بالتمتّع لمكان التقيّة لأنّ المخالفين عندهم انّ التمتّع عمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج فإذا فرغ منها أحرم بالحجّ من عامه.

قال أحمد: (يخرج إلى الميقات فيحرم منه للحج) و عند الشافعي يجوز ان يخرج إلى الميقات أو يحرم من مكة.

و مثل صحيح حمّاد ما رواه الحسين بن سعيد (2) عن حماد (3) عن إبراهيم بن عمر (4) عن أبي أيوب (5) قال حدّثنى ابُو الصّباح مولى بسّام الصيرفي (6) قال:

«أردت الإحرام بالمتعة فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف أقول؟ قال: تقول: اللّهمّ إنّي أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنّة نبيّك، و إن شئت أضمرت الذي تريد». (7)

____________

(1)- الكافي: 4/ 332، ح 3، من لا يحضره الفقيه 207: 2/ 941، تهذيب الاحكام: الحج ب 7 ح 261/ 69، الاستبصار: 2/ 67/ 551.

(2)- الأهوازي عين جليل القدر صاحب التصنيفات توفى بقم من السابعة.

(3)- الظاهر انه حماد بن شعيب روى عنه جماعة من الخامسة.

(4)- من الخامسة.

(5)- من الرابعة.

(6)- له كتاب من شيوخ الحسن بن محبوب و ابن ابي عمير لعله من الخامسة و السند كما ترى فانه غير مستقيم.

(7)- تهذيب الاحكام: ب 7 ح 262/ 70.

28

و الروايتان و إن وردتا في نية التمتّع لا الإحرام إلّا أنّ الظّاهر انَّ أمر النيّة فيهما على وجه واحد.

لا يقال: إنّ ظاهرهما اعتبار التلفّظ بالنيّة إلا في صورة التقية.

فإنّه يقال: إنّ احتمال التقيّة بعيد لأنّ معها لا يجوز تعليق الإضمار على المشيّة هذا.

[مسألة 3] اعتبار بقاء النية في الاحرام

مسألة 3: بناء على كون الإحرام مسبّب من توطين النفس على ترك المحرّمات أو الالتزام بتركها أو إنشاء حرمتها على نفسه لا يعتبر في بقاء الإحرام استمرار العزم على تركه.

نعم يعتبر في ذلك التوطين و الالتزام أو إنشاء التوطين على تركه مستمراً و ليس الإحرام كالصّوم فإنّه الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى اللّيل بالنيّة فإذا بقي أيّاماً بغير هذا القصد و لو لم يفطر و لم يقصد ارتكاب المفطر بطل صومه و أمّا الإحرام فينعقد بسببه كما ينعقد البيع مثلا بإنشائه و لا يضرّ عدول البائع عنه بعده.

[مسألة 4] حكم نسيان ما أحرم له

مسألة 4: قال في الشرائع: (لو نسي بما ذا أحرم كان مخيراً بين الحج و العمرة إذا لم يلزمه أحدهما) و قال في الجواهر: (و إلا صرف إليه كما

29

صرّح به الفاضل و الشهيدان و غيرهم) (1) الخ.

أقول: إذا نسي فلم يدر انَّه أحرم للحجّ أو العمرة فإن كان يلزمه أحدهما فلا يصح منه الآخر كما إذا أحرم في غير أشهر الحج فإنّ الإحرام فيه لا يجوز إلّا للعمرة المفردة فهو شاك في أنّ إحرامه وقع صحيحاً أم باطلا فالظاهر انّ له البناء على وقوعه صحيحاً و لا يحتاج إلى تجديد الإحرام لظاهر الحال و لأنّه من الشكّ بعد الفراغ و لأصالة الصحّة فيبنى على صحّة ما صدر منه.

نعم الأحوط تجديد الإحرام إن كان واجباً عليه بل مطلقاً لدخول الحرم.

و استشكل في جريان اصالة الصحّة و قاعدة الفراغ في المقام بأنّ جريانهما فرع كون عنوان العمل معلوماً و شكّ في بعض خصوصياته من أجزائه و شرائطه و أمّا إذا لم يكن عنوان العمل معلوماً فلا تجري فيه أصالة الصحّة و قاعدة الفراغ.

و بعبارة أخرى لا يمكن إثبات العنوان باصالة الصحَّة مثلا إذا شكّ في أنّ الصادر منه كان بيعاً أو قماراً فلا تجري فيه أصالة الصحَّة و لا يثبت له بها عنوان البيع.

و فيه: إنّه تارة تعنون المسألة كما في العروة فإنّه قال: (لو نسي ما عينه من حجّ أو عمرة وجب عليه التجديد ...) ففيها نقول: لا يصح التمسك بأصالة الصحّة لأنّه‌

فرع معلومية عنوان العمل لا بدونها، و تارة تعنون المسألة كما في الشرائع و يكون موضوعها نسيان الإحرام ففي مثله يمكن أن يقال: إنَّ عنوان العمل و هو الإحرام معلوم و لكنه نسي خصوصية كونه للعمرة أو للحج و هو حيث وقع في غير أشهر الحج شكّ بسبب النسيان انَّه وقع باطلا لوقوعه للحج أو صحيحاً لوقوعه للعمرة.

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 213.

30

فالظَّاهر أنّ اصالة الصحَّة تجرى فيه و يبنى على صحته و وقوعه للعمرة و إلا إن قلنا بعدم جريان اصالة الصّحة فلا وجه لوجوب تجديد الإحرام إذا كان واجباً عليه فمقتضى الأصل فساد إحرامه و عدم وجوب المضيّ فيه فيرفع اليد عنه.

نعم يمكن أن يقال: إنّ الاحتياط بعد ذلك أي عدم جريان اصالة الصحّة تجديد النيّة لأنّه إن بنى على صحّة عمله احتياطاً و أتم ما بيده عمرة يمكن أن يكون دخوله في الحرم بدون الإحرام إذ من المحتمل وقوع إحرامه باطلا لوقوعه للحج فيترتب على تجديد النّية جواز الدخول في الحرم إن كان إحرامه الأوّل باطلا.

هذا كلّه فيما إذا لزمه أحدهما دون الآخر.

و أمّا إن أمكن وقوع إحرامه صحيحاً لكلّ واحد من النسكين فقيل كما سمعت من الشرائع انّه مخيّر بين صرفه إلى أيّهما شاء لوجوه:

أحدها: استصحاب التخيير السابق لأنّه كان له الإحرام بأيِّهما شاء و فيه: إنَّ بعد تغيّر الموضوع و تعين أحدهما عليه لا مجال لاستصحاب بل الاستصحاب يقضى بوجوب ما تعيّن عليه.

ثانيها: عدم رجحان أحدهما على الآخر و فيه: ان ذلك مبنى على عدم إمكان الاحتياط لاستلزامه ترك الواجب أو فعل الحرام و يمكن ان يقال: إنَّه إذا انتهى الأمر إلى ذلك لا يمكن الامتثال فيسقط الأمر و الخطاب.

و ثالثها: عدم جواز الإحرام بدون النسك إلا إذا صدّ أو أحصر فيتخيّر بين الإحلال بأحدهما و الموافقة الاحتمالية و فيه أيضاً: إنَّ ذلك إذا لم يمكن الاحتياط و سيأتي إمكانه.

ثمّ إنّ الشيخ (قدس سره) في المسألة 68 من مسائل الحجّ في الخلاف قال: (لا يخلو أن‌

31

يكون إحرامه بالحجّ أو العمرة فقد بيّنا أنّه يجوز له أن يفسخه إلى عمرة يتمتّع بها و إن كان بالعمرة فقد صحّت العمرة على الوجهين، و إذا أحرم بالعمرة لا يمكنه أن يجعلها حجّة مع القدرة على إتيان أفعال العمرة فلهذا قلنا يجعلها عمرة على كلّ حالّ) (1) و ما أشار إلى بيانه هو ما بيّنه في المسألة 37 قال: (من أحرم بالحجّ و دخل مكّة جاز أن يفسخه و يجعله عمرة و يتمتّع بها و خالف جميع الفقهاء في ذلك و قالوا إنّ هذا منسوخ. دليلنا إجماع الفرقة و الأخبار الّتي رويناها، و أيضاً لا خلاف إنّ ما قلناه هو الّذي أمر به النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أصحابه و قال لهم: من لم يسق هدياً فليحل و ليجعلها عمرة و روى ذلك جابر و غيره بلا خلاف في ذلك و هذا صريح و من ادّعى النسخ فعليه الدلالة و ما يدعى في هذا الباب خبر واحد لا ينسخ بمثله المعلوم (2) قال في الجواهر و عن المنتهى و التحرير إنّه حسن (3).

أقول: الظّاهر مختار الشيخ تام فيما إذا دار الأمر بين العمرة المفردة و العمرة المتمتّع بها إلى الحج فيجعلها الثانية لجواز العدول من المفردة إليها دون العكس و كذا إذا دار الأمر بين الإحرام لحجّ الإفراد أو للتمتّع فإنّه يجوز العدول منه إلى التمتّع دون العكس إلا في بعض الموارد و أمّا العدول من القران إلى التمتّع فلا يجوز لنفس ما‌

استدل به للعدول من الإفراد إلى التمتّع.

فعلى هذا نبقى نحن و ما إذا دار أمره بين الإحرام للعمرة المفردة و للقران أو الإفراد و ما إذا دار الأمر بين الإحرام لعمرة التمتّع و حجّ القران أمّا في الصورة الاولى فطريق الاحتياط الإتيان بالطواف و صلاته و السعي رجاءً و الوقوفين‌

____________

(1) الخلاف: 2/ 291.

(2)- الخلاف: 2/ 270.

(3)- جواهر الكلام: 18/ 214.

32

و سائر أعمال الحجّ و التقصير أو الحلق بقصد ما في الذمة و الطواف و الصلاة و السعي و طواف النساء و صلاته بقصد ما في الذمة.

و أمّا في الصورة الثانية فيشكل من جهة دوران الأمر في التقصير بين الوجوب و التحريم فإنّه إن كان إحرامه لعمرة التمتّع يجب عليه التقصير ليحل قبل الحج و يحرم لحجّ التمتّع و إن كان إحرامه لحجّ القران يحرم عليه التقصير و يجب عليه الذهاب إلى الموقفين لأداء أعمال الحج فلا يمكن له الاحتياط فربما يقال: بأنه تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالى و بالنتيجة له أن يخرج من الإحرام باختيار عمرة التمتّع و الإحرام ثانياً للحجّ و يأتي بأعماله بقصد ما في ذمّته و بعد الفراغ من الأعمال يعلم بخروجه عن الإحرام سواء وقع لعمرة التمتّع أو لحجّ القران بل يعلم بفراغ ذمّته و إن وجب عليه الكفّارة للتقصير احتياطاً و له أيضاً أن يذهب إلى عرفات و يتمّ ما بيده قرانا إلا أنه و ان يحصل له اليقين بخروجه من الإحرام و لكن لا يحصل له العلم بفراغ ذمّته لأنه إن كان ما عليه حجّ التمتّع بقي عليه.

و على هذا يمكن أن يقال: بتعيين الصورة الأولى عليه و ربّما يقال: إنّ الّذي يعلم بغصبية أحد ما عنده من التّراب و الماء نظير ما نحن فيه لأنّه يدور أمره في كل من التيمّم و الوضوء بين المحذورين فيحكم بالتخيير فيجوز له ارتكاب أحدهما فإذا جاز له الوضوء يكون واجد الماء فيتعيّن عليه الوضوء و لا ينتقل أمره إلى التيمّم.

فإن قلت: إنّ الموافقة الاحتمالية إنّما يجب إذا لم يكن المكلّف متمكّناً من‌

الموافقة القطعيّة مثلا إذا علم بوجوب شرب أحد الماءين عليه إجمالا و لا يتمكّن من شربهما حتّى يعلم بالتفصيل بامتثال ما عليه يجب عليه الامتثال الاحتمالي بشرب أحدهما و كما إذا علم بحرمة أحد الإنائين و لا يتمكن من اجتناب كل منهما لا يجوز له ارتكابهما بل يجب عليه اجتناب أحدهما.

33

أمّا إذا كان الموافقة الاحتمالية لا تتحقق إلا مع المخالفة الاحتمالية مثل ما نحن فيه فلا يمكن القول بالتخيير بل الظّاهر أنه عاجز عن الامتثال و لازمه سقوط التكليف و الخطاب و مثله باب العلم بغصبية الماء أو التراب.

قلت: ليس المراد من الموافقة الاحتماليّة حصولها بفعل التقصير أو تركه بل المراد: إنّه بعد ما يكون ارتكاب أحد المحذورين لا بدّ منه يجب عليه ارتكاب ما يتمكّن به من الموافقة الاحتماليّة بل القطعيّة، ففي الواقع في مثل المقام يتعيّن عليه اختيار التقصير.

و أمّا تنظيره بما إذا علم بغصبيّة الماء أو التراب كأنّه لم يقع في محلّه لأنّ في مثله يجب عليه ترك الطّهارة بكليهما و لا يدور أمره بين الفعل و الترك.

فتلخص من جميع ما ذكر: إنّه إذا تردّد بالنسيان انّه أحرم بما هو يصحّ صدوره منه أو بما لا يصح كما إذا نسي في غير أشهر الحج انّه أحرم للعمرة أو للحج.

أنا و إن قوينا جريان أصالة الصحّة للشّك في صحّة ما صدر منه إلا أن الحقّ مع السيد الخوئي لأنّ الشكّ في أنّه أحرم للعمرة أو للحجّ يرجع لا محاله إلى الشّك في عنوان العمل أنّه نوى الحج أو العمرة لأنّ نيّة الحج أو العمرة و تحقّق عنوان هذا أو هذه يتحقّق بنيّة الإحرام له أولها فالشّك واقع في عنوان العمل و انّه وقع بالعنوان الصحيح أو العنوان الباطل و أصالة الصحّة لا تجري في تحقيق هذا العنوان فعلى هذا يمكن إجراء اصالة البراءة و رفع اليد عن إحرامه كما أن الاحتياط تجديد الإحرام‌

للعمرة المفردة.

و إذا تردّد بين العمرة المفردة و عمرة التمتّع و بين الإحرام لحجّ الإفراد أو لعمرة التمتّع في أشهر الحج حيث يصح صدور كلّ منها يحتاط بالعدول من العمرة المفردة و الإحرام لحجّ الإفراد إلى عمرة التمتّع و إذا شكّ بسبب النسيان أنّ إحرامه‌

34

وقع لحجّ القران أو لعمرة التمتّع يتخيّر بالنظر البدوي بين ترك التقصير أو فعله إلا أنّه يتعيّن عليه التقصير لأنّه يتمكن بعده من الاحتياط التام و الخروج عن الإحرام و تحصيل العلم بفراغة ما في ذمّته فتأمل جيداً.

[مسألة 5] حكم من أحرم بالحج و العمرة معاً

مسألة 5: قال في الشرائع: (لو احرم بالحجّ و العمرة و كان في أشهر الحج كان مخيراً بين الحج و العمرة إذا لم يتعيّن عليه أحدهما و إن كان في غير أشهر الحجّ تعيّن للعمرة) الخ.

أمّا وجه التخيير إذا لم يتعيّن عليه أحدهما فلعلّه بعض ما أشرنا إليه في المسألة السابقة من بقاء تخييره بالإحرام بأيّهما شاء و عدم إمكان وقوعه لهما لا يوجب بطلانه بعد ما لم يكن تعيينه لواحد منهما داخل في حقيقته فهو كمن أحرم بدون نية كونه لأحدهما و أمّا إذا تعين عليه أحدهما سواء كان ذلك من جهة كونه في غير أشهر الحجّ أو وجوب أحدهما عليه تعييناً فيها فمن جهة أنّ نية الآخر لا يترتب عليه شي‌ء و لا يقع صحيحاً فيبقى الآخر على حاله و يترتب عليه الأثر.

و فيه أولا: في الصورة الثانية و تعين أحدهما إنّ ذلك من ضمّ الضميمة إلى النيّة فإن لم يكن داعيه لإتيان كلّ واحد منهما مستقلا مؤثراً في تحريكه يشكل صحّة إحرامه لذلك بل يشكل الصحة مطلقاً و إن كان داعيه لكلّ منهما تؤثر في تحريكه لو‌

كان واحداً و لكن إذا كان محرّكه نحو العمل كلا الداعيين يكون محركه القدر المشترك الجامع بينهما لا محالة لا كلّ منهما بالاستقلال لأنّه يلزم منه اجتماع العلتين المستقلتين لمعلول واحد و هذا أى إتيان الفعل عن نية منبعثة عن أمر المولى و عن توهم أمره كما إذا كانت نيّته منبعثة عن أمر المولى و أمر غيره لا يكفي في وقوع الفعل له و‌

35

امتثالا له.

و ثانياً: قد بيّنا في المسألة السابقة اعتبار التعيين و كون الإحرام من أجزاء النسكين كتكبيرة الإحرام الّتي هي من أجزاء الصلاة لا يكفي الإتيان بها بدون قصد كونها من صلاة الظهر أو غيرها من الصلوات و بالجملة بعد ما ثبت وجوب الإحرام المستقل لكلّ واحد من الحجّ و العمرة وجب الإتيان به كذلك و إلا لم يأت بالمأمور به و نوى ما لم يشرع من غير فرق بين الصور المذكورة.

[مسألة 6] حكم من أحرم كإحرام فلان

مسألة 6: قال في الجواهر: (و لو قال) ناوياً أحرم كإحرام فلان و كان عالماً حين النيّة بما ذا أحرم صحّ بلا خلاف و إشكال لوجود المقتضى من النيّة و التعيين و عدم المانع و إن كان جاهلا قيل و القائل الشيخ و الفاضل في محكى المنتهى و التذكرة يصح إمّا بناء على أنَّ الإبهام لا يبطله فضلا عن مثل الفرض أو لصحيح الحلبي و حسنه عن الصادق (عليه السلام) في حجّة الوداع إنَّه قال: يا علي بأيّ شي‌ء أهللت؟ فقال: أهللت بما أهلّ به النبي (1) (صلى الله عليه و آله و سلم) و صحيح معاوية بن عمّار (2) إنَّه قال: قلت: اهلالا كاهلال النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)) (3).

ثمّ ساق الكلام في الاستدلال بهما و بغيرهما نفياً و إثباتاً و أنكر ظهور الصحيحين في جهله (عليه السلام) بما أحرم به النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) مضافاً إلى ما فيهما و في غيرهما من‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب اقسام الحج ح 13.

(2)- وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب اقسام الحج ح 3.

(3)- جواهر الكلام: 18/ 210.

36

التدافع و بعض الاختلافات فلا يمكن الاستدلال في ذلك بهذه الأخبار و لا يثبت بها أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن عالماً بما نواه النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) لدلالة بعضها على علمه (عليه السلام) بذلك.

و كيف كان فالظاهر انّه إن كان عالماً بصدور النيّة و الإحرام عن غيره و لم يعلم بما ذا أحرم صحّ إحرامه لتعيّنه في الواقع و إن هو لم يعلم به إلى بعد الأعمال إن لم يقع بجهله في معرض مخالفة الواقع كما إذا وافقه في الأعمال و إلا إن كان من أول الأمر يعلم عدم إمكان الاطلاع على نيّته و لا موافقته في الأعمال لا ينعقد إحرامه و لا يكفي مثل هذا التعيين الواقعي فهو كمن نوى طبقاً لما ذكره في القرطاس الّذي لا يتمكّن من الرجوع إليه و نسي ما ذكره فيه.

نعم إن نوى طبقاً لما ذكره في القرطاس ثمّ نسي و تعذر الاطلاع عليه يجب عليه الاحتياط و مثله ما إذا حصل التعذر المذكور بعد النيّة و الله هو العالم بأحكامه.

[مسألة 7] لو نوى غير ما وجب عليه من الحج او العمرة

مسألة 7: قال في العروة: لو وجب عليه نوع من الحج أو العمرة فنوى غيره بطل انتهى.

و هل مراده بطلان ما وجب عليه أي عدم وقوعه و عدم إجزاء نية غير الواجب عنه كما أفاده بعض الأعاظم (1) أو مراده أنَّ ما نواه باطل لا يقع صحيحاً فإنّ الأول غنيّ عن البيان و أمّا الثاني فيقع البحث عنه فيمكن أن يقال ببطلانه لأنَّه‌

____________

(1)- معتمد العروة: 2/ 506.

37

لم يكن ماموراً به فما وقع ليس به و ما هو هو لم يقع.

و فيه: انّ كون غير ما نواه واجباً أعم من كون ما نواه ليس مأموراً به لإِمكان أن يكون ما نواه ماموراً به على نحو الاستحباب فإذا غفل عمَّا هو الواجب عليه و نوى النوع المستحب أو الفرد المستحب و أتى بتمام الأفعال يقع صحيحاً.

نعم إذا التفت إلى ذلك يبطل ما بيده فيأتى بالواجب إن لم يجز له العدول عنه إلى الواجب و إلا يعدل إليه و ينويه الواجب.

[مسألة 8] لو شك في ما نواه

مسألة 8: قال في العروة: لو كان في أثناء نوع و شكّ في أنّه نواه أو نوى غيره بنى على أنه نواه.

أقول: الظّاهر أنّ المفروض في كلامه الشريف إذا كان تعلق نيّته بكلّ من النوعين جائزاً و حينئذ لا بدّ له من الاحتياط على النحو المذكور في المسائل السابقة ليحصل له العلم بإتمام ما أحرم له و خروجه من الإحرام للعلم بعدم بطلان إحرامه بالشكّ المذكور.

نعم إن أمكن له العدول من أحدهما إلى الآخر يعدل إليه فهو مخيَّر بين الاحتياط المذكور و بين العدول إلا أن يكون ما يعدل إليه متعيناً عليه فيتعيّن‌

العدول إليه.

و أمّا إذا لم يكن ما ليس في أثنائه صحيحاً فمقتضى الأصل عدم انعقاد إحرامه و براءة ذمَّته عن وجوب إتمام ما هو في أثنائه.

هذا على مقتضى القاعدة الأوليّة و لكن مختار السيد (قدس سره) و جمع من المحشين أنه‌

38

يبنى على أنه نواه لقاعدة التجاوز و الصحّة و استشكل في التمسك بها بأنَّ القاعدة إنَّما تجرى في تحقيق ماله دخل في تماميّة المعنون بعد إحراز عنوانه مثلا لفاتحة الكتاب دخل في تماميّة الصلاة فإذا شكّ بعد الدخول في السورة أو في الركوع في قراءة الفاتحة يبنى على تحقّقها بمقتضى قاعدة التجاوز أو إذا شكّ في صحّة القراءة بعد الفراغ منه يبنى على صحتها لقاعدة الصحَّة و الفراغ كل ذلك يكون بعد إحراز عنوان الصلاة لما هو فيه و كذا لو شكَّ في التلبية أو تكبيرة الإحرام وجوداً بعد الدخول فيما يترتب عليها أو في صحّتها بعد الفراغ عنها.

و أمّا إذا شكّ و هو في اثناء نوع من الصّلاة كصلاة النافلة في أنَّه نواها نافلة أو فريضة أو شكَّ في حال الطواف انّه نوى العمرة المفردة أو حجّ الإفراد ففي مثل هذا لا تجرى قاعدة التجاوز أو الفراغ لأنَّ جريانهما فرع كون العنوان معيناً و إذا لم يكن العنوان معيناً ليس ترك ما شك في إتيانه و إيجاده ترك ما ينبغي أن يفعل حتَّى يقال بأنَّ العقلاء بانون في مثل ذلك على تحقّقه أو الرّوايات تدلّ على ذلك (1).

اذاً فما اختاره بعض الأعلام تبعاً للسيّد فقال في شرحه على العروة: (لقاعدة التجاوز و الصحّة و ليس الشك في أصل النيّة حتى يكون الشك في اصل العنوان) (2)

يرد بهذا الإشكال فإنَّ النيّة لا تتحقّق إلا بقصد العنوان اللهمّ إلا أن يكون مراده من أصل النيّة أصل نيّة الحجّ المعيّن المعلوم بالنوع و العنوان و إنّ شكّه واقع في إحرامه و انَّه أحرم لهذا النوع أم لهذا و لكن هذا مضافاً إلى انَّه خلاف ظاهر كلام السيّد عدول عن نيّته الاولى إلى ما نواه ثانياً.

و بعد ذلك كله يمكن ان يقال: ان قاعدة التجاوز في كل مورد لو كان‌

____________

(1) مستمسك العروة: 11/ 375.

(2)- معتمد العروة: 2/ 506.

39

العنوان متحققا تحقق في عنوان يرى هو نفسه فيه فتحرى القاعدة حتى في صورة الشك في النية و اما اذا كان تحققه مرددا بين العنوانين فلا تجرى القاعدة و الفرق بين الصورتين واضح فان في الصورة الاولى اشتغاله بجزء العمل امارة على انه اتى بما قبله بخلاف الثانى.

[مسألة 9] حكم التلفظ بالنية

مسألة 9: الظّاهر انّه لا خلاف بينهم في استحباب التلفّظ بالنيّة و استحباب أن يشترط على الله تعالى عند إحرامه أن يحلّه إذا عرض له مانع من إتمام نسكه كما أنّ الظّاهر جواز التلفّظ بكل لفظ يدل على ذلك لاختلاف الرّوايات في كيفية التلفّظ و إن كان الأولى أن يكون ذلك بالألفاظ المذكورة في الرّوايات.

و الدليل على ذلك كلّه (استحباب التلفّظ بالنيّة و الاشتراط المذكور و جواز التلفّظ بكل لفظ دالٍّ عليها و أولويّة الألفاظ المأثورة) الرّوايات مثل صحيح معاوية بن عمار و فيه: اللهم إنّي اريد التمتّع بالعمرة إلى الحجّ على كتابك و سنّة نبيِّك (صلى الله عليه و آله و سلم) فإن عرض لي عارض يحبسني فحلّني حيث حبستني لقدرك الّذي قدرت عليَّ اللهم إن لم تكن حجّة فعمرة أحرم لك الخ و نحوه صحيح ابن سنان (1).

[مسألة 10] استحباب الاشتراط عند النية

مسألة: 10 قد عرفت في المسألة السابقة استحباب اشتراطه عند إحرامه على الله أن يحلّه إذا عرض له مانع من إتمام نسكه من حجّ أو عمرة و أن يتمم إحرامه عمرة إذا كان للحج و لم يمكنه الإتيان و لا إشكال كما

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب الاحرام ح 1 و 2.

40

صرّح به في الجواهر إنّه لو أحصر تحلّل (1) و لكن وقع الكلام بينهم في ثمرة هذا الاشتراط و اختلفت أقوالهم.

فمنها إنّ ثمرته سقوط الهدي به قال في الجواهر: (2) و القائل به المرتضى و الحلّى و الحلبى و يحيى بن سعيد و الفاضل في حصر التحرير و التذكرة و المنتهى و صدِّ القواعد على ما حكى عن بعضهم فعليه يحلّ بمجرد الإحصار من غير أن يحتاج إلى الهدي و حكى عن الانتصار الإجماع على ذلك بل قال فيه: لا فائدة لهذا الشرط إلا ذلك و اطلاق الآية (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي و لا تحلقوا رءوسكم حتَّى يبلغ الهدي محلّه) محمول على من لم يشترط و هو الحجّة بعد صحيح ذريح المحاربي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحجّ و أحصر بعد ما أحرم، كيف يصنع؟ قال: فقال: أو ما اشترط على ربه قبل أن يحرم أن يحله من إحرامه عند عارض عرض له من أمر الله؟ فقلت: بلى قد اشترط ذلك قال: فليرجع إلى أهله حلًّا (حلالًا) لا إحرام عليه إنّ الله أحق من وفى بما اشترط عليه قال: فقلت: أ فعليه الحجّ من قابل؟ قال: لا.» (3)

و صحيح البزنطي قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن محرم انكسرت ساقه أيّ شي‌ء يكون حاله و أيّ شي‌ء عليه؟ قال: هو حلال من كلّ شي‌ء فقلت: من النساء و الثياب و الطيب؟ فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم و قال: أما بلغك قول أبي عبد الله حلنى حيث حبستني لقدرك الَّذي قدرت عليّ.» (4).

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 263.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 260.

(3)- وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الاحرام ح 3.

(4)- وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب الاحصار و الصد ح 1.

41

بيان الاستدلال بهما أن سكوت الإمام (عليه السلام) فيهما عن بيان وجوب الهدي في جواب السائل الّذي سأله عن تمام وظيفته دال على عدم وجوبه.

فإن قلت: لعل ذلك كان اتكالا على الآية لانه لم يكن مثل ذريح المحاربي و البزنطي جاهلين بحكم الهدي المصرح به في القرآن المجيد.

قلت: إن مفادهما أخصّ من مفاد الآية فإنّ مفادها حكم الإحصار سواء كان مسبوقاً بهذا الشرط أو لم يكن مسبوقاً به و إنّه لا يتحلل بدون الهدي و مفاد منطوق الروايتين حكم الإحصار المسبوق به و إنّه يتحلّل بمجرد الإحصار.

فإن قلت: إنّ مفاد الآية دخل الهدي و بلوغه محلّه في الإحلال و مفاد الروايتين تعجيل تحليله بالشرط قبل بلوغ الهدي لا سقوطه مطلقاً.

قلت: إنّ الهدي إنّما وجب لكونه مقدمة للتحليل فإذا حصل التحليل بالشرط لا فائدة للهدى.

فإن قلت: بالنِّسبة إلى خصوص رواية البزنطي بقطع النظر عن ذيلها، اى قول الصادق (عليه السلام) حلّنى حيث حبستني هي مخالفة للآية لا يؤخذ بها و بالنَّظر إلى ذيلها الاستدلال بها متوقف على أن يستفاد منها إنّ مورد السؤال هو الإحصار المسبوق بالشرط و إلا لا وجه لاستشهاد الإمام (عليه السلام) بقوله (عليه السلام) و لكن يمكن أن يكون ذلك للاستشهاد بأنَّ الإحصار و الحبس حيث يكون بقدر الله تعالى موجب للإحلال مطلقاً و سؤاله منه تعالى كانه بيان و اعتراف بأن ذلك من الله تعالى منة و تسهيلا لعباده.

قلت: إنَّ ذلك يجعل الخبر معارضاً للكتاب و هو خلاف الظّاهر بل ظاهر الاستشهاد ان مورده كان مسبوقا بالاشتراط و ان الإمام (عليه السلام) دفع به توهّم المعارضة بين ما قال و بين الكتاب و ان مورد كلامه (عليه السلام) أخصّ من مورد الكتاب.

42

اللَّهم فالإنصاف إنّ الرواية لا تخلو من الدّلالة على حكم صورة الاشتراط بل ظاهرة فيها.

و أمّا ما دلّ من الرّوايات على أنّه حلّ بالإحصار قال أو لم يقل مثل ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى (1) عن أحمد بن محمد (2) عن ابن فضال (3) عن ابن بكير (4) عن حمزة بن حمران (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن الّذي يقول: حلّني حيث حبستني؟ قال: هو حلّ حيث حبسه قال أو لم يقل». (6)

و ما رواه أيضاً شيخنا الكليني عن علي بن إبراهيم (7) عن أبيه (8) عن ابن أبي عمير (9) عن حماد بن عثمان (10) عن زرارة (11) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «هو حلّ إذا حبس اشترط أو لم يشترط». (12)

____________

(1)- العطار شيخ اصحابنا في زمانه ثقة عين كثير الحديث من الثامنة.

(2)- بن عيسى الاشعرى شيخ القميين و له كتب من السابعة.

(3)- هو الحسن بن على بن فضال جليل القدر ... من السادسة.

(4)- عبد الله بن بكير فطحى ثقة اجمعت الصحابة على تصحيح ما يصح عنه ... من الخامسة.

(5)- ابن اعين الشيبانى له كتاب روى عن ابى عبد الله (عليه السلام) و اخوه عقبة بن حمران و ابوه حمران عظيم القدر ممدوح بمدائح عظيمة من الخامسة.

(6)- الكافي: 4/ 333 ح 6.

(7)- صاحب التفسير جليل ثقة من الثامنة.

(8)- ابن هاشم اصله كوفي انتقل الى قم و اصحابنا يقولون انه اول من نشر حديث الكوفيين بقم من السابعة.

(9)- محمد بن ابى عمير من السادسة.

(10)- ثقة جليل القدر من اصحاب الإجماع من الخامسة.

(11)- هو في الفضل و جلالة القدر مشهور من الرابعة.

(12)- الكافي: 4/ 333 ح 7.

43

فالظاهر أنّ المراد منه الحلّ من وجوب الإتمام لا الحلّ من المحظورات الَّذي هو متوقف على بعث الهدي و بلوغه محلَّه و صحيح ذريح المحاربي ناظر إلى حصول الحلّ من المحظورات بدون الهدي إن اشترط ذلك على الله تعالى.

لا يقال: إنّ المستفاد من الآية حكمان: بعث الهدي و تأخير الخروج من الإحرام إلى أن يبلغ الهدي محلّه و الآية مطلقة بالنّسبة إلى الحكمين تشمل صورة الاشتراط كما تشمل صورة عدم الاشتراط و إطلاق الإحرام و المتيقن من صحيح ذريح جواز التعجيل في الخروج عن الإحرام و عدم حرمته قبل أن يبلغ الهدي محله و بعبارة أخرى: الأمر دائر بين تقييد إطلاق حرمة الخروج من الإحرام و حرمة المنهيات و بين تقييده و تقييد حكم وجوب البعث و لا ريب ان الأوّل متعين و لا دلالة للصحيح أكثر من ذلك.

فانه يقال: إنّ الظّاهر ان الهدي بدل من الإحرام و مقدمة لجواز الخروج عنه فإذا هو يخرج من الإحرام بالإحصار و لا حاجة للخروج منه إلى بلوغ الهدي محلّه فما فائدة الهدي؟

اللهم إلا أن يقال: انا لا نعلم تمام حكمة وجوب بعث الهدي فلا يجوز رفع اليد من الآية بذلك.

و على هذا يرد ما قيل: من عدم وجود الدليل على تعجيل التحلل قبل الذبح فإنَّ مقتضى ما ذكر جواز التعجيل قبل بعث الهدي و ذبحه.

نعم يمكن أن يقال: بعدم جواز ذلك قبل الذبح و جواز التعجيل بذبح الهدي في مكانه بصحيح معاوية بن عمار و فيه: «إنّ الحسين بن علي (عليه السلام) خرج معتمراً فمرض في الطريق فبلغ علياً (عليه السلام) و هو بالمدينة فخرج في طلبه فأدركه في السقيا و هو‌

44

مريض، و قال: يا بني ما تشتكي؟ قال: أشتكي رأسي فدعا علي (عليه السلام) ببدنة فنحرها و حلق رأسه. و ردَّه إلى المدينة فلما برء من وجعه اعتمر ...» (1).

و الاستدلال به لما نحن فيه يكون على فرض أنّ الإمام (عليه السلام) اشترط الإحلال عند إحرامه فلا يترك الإمام عادة المستحب و إن كان هو قد يترك المستحب لبعض المصالح كإعلام الناس بعدم وجوبه و عدم ورود اعتراض على من يتركه.

و فيه: أنَّ الصحيح يدلّ على أنّ ذلك حكم مطلق المعتمر اشترط أو لم يشترط و الجمع بينه و بين صحيح ذريح المحاربي يقتضي سقوط الهدي في صورة الاشتراط.

بل يمكن أن يقال: إن عمرة الإمام (عليه السلام) كانت مفردة فحكمها ما ذكر في صحيح معاوية و صحيح ذريح مورده عمرة التمتّع و ان كان يظهر من بعض ألفاظ الحديث الإطلاق كقوله: و إن كان مرض في الطريق بعد ما أحرم هذا مضافاً إلى أنَّ العلامة المجلسي (قدس سره) احتمل أن يكون نحر بدنة من علي (عليه السلام) فداء الحلق.

و بعد ذلك كله لا يمكننا أن نقول بالجزم إلا خروجه من الإحرام إن اشترط ذلك و أمّا سقوط الهدي فمحل إشكال و مقتضى إطلاق الآية وجوب بعثه مطلقاً.

و مما قيل بكونه ثمرة الاشتراط سقوط الحج عنه من قابل، و هو المستفاد من الشيخ (قدس سره) في التهذيب و استدل عليه بما رواه عن موسى بن القاسم (2)

____________

(1)- التهذيب: 5/ 1465/ 111، الكافي ج 4 ص 369 ج 3 و لا يخفى عليك اختلاف الفاظ الحديث بل و مضمونه برواية التهذيب و الكافي و ما ذكرناه موافق لنسخة التهذيب الا ان الظاهر ان الفاظ الكافي اضبط و أوفى و اتم و مع ذلك لم نتحصل لنا مفاد تمام الحديث على نحو تطمئن به النفس.

(2)- ثقة جليل واضح الحديث له ثلثون كتابا من السبعة.

45

عن الحسن بن محبوب (1) عن على بن رئاب (2) عن ضريس بن اعين (3) «سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتعا بالعمرة الى الحج فلم يبلغ مكة الا يوم النحر؟

فقال: يقيم على احرامه و يقطع التلبية حتى يدخل مكة فيطوف و يسعى بين الصّفا و المروة و يحلق رأسه و ينصرف الى اهله ان شاء و قال: هذا لمن اشترط على ربه عند احرامه فان لم يكن اشترط فانّ عليه الحج من قابل» (4).

بيان الاستدلال عليه: انّه جعل فائدة الاشتراط المعهود بينهم سقوط الحج عنه من قابل.

بيان الاستدلال عليه: انّه جعل فائدة الاشتراط المعهود بينهم سقوط الحج عنه من قابل.

و استشكل عليه بأنه أجنبي عمّا نحن فيه لأنّ كلامنا في المحصور الممنوع عن الاتمام بمرض و نحوه و هذا الصحيح مورده المتمكّن من الأعمال و المناسك و الطواف و لكن فاته الموقفان لضيق الوقت و الغفلة و نحو ذلك، فهذه الفائدة مختصة به.

و فيه: أن الظاهر منه أن الاشتراط موجب لسقوط الحج عنه كما يترتب عليه سائر الاحكام كالتحليل و التفصيل بين حكمه بسقوط الحج من قابل ان فاته الموقفان لاجل ضيق الوقت أو الغفلة و عدمه ان كان ذلك بالحصر بعيد لا يوافقه العرف.

و اشكل ايضا بما هو المحكي عن العلامة (قدس سره) في المنتهى بأن الحج الفائت ان كان واجبا لم يسقط فرضه في العالم القابل بمجرد الاشتراط و ان لم يكن واجبا لم يجب بترك الاشتراط و قال: (الوجه في هذه الرواية حمل الزام الحج في القابل مع‌

____________

(1)- السّراد من اصحاب الاجماع جليل القدر له كتب كثيرة من السادسة.

(2)- له اصل كبير كوفى جليل القدر له كتب كثيرة من السادسة.

(3)- ضريس بن عبد الملك بن اعين خير فاضل من الخامسة.

(4)- تهذيب الاحكام كتاب الحج، ح 100/ 38/ 23.

46

ترك الاشتراط على شدة الاستحباب و هو حسن.

هذا و ان لم يكن الاستدلال بالصحيح مردودا بما ذكر يكون و صحيح ذريح معارضين لما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي بصير يعني ليث بن البختري (1) قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحج ان حلّني حيث حبستني عليه الحج من قابل؟ قال: نعم» (2).

و بعد المعارضة، الترجيح يكون مع صحيح ابي بصير لموافقته مع الكتاب و السنة.

و اما الجمع بينهما بحمل ما دل على السقوط على الحج المندوب و ما دلّ على الوجوب على الحج الواجب فهو حمل لا شاهد له و لا قرينة تدل عليه.

و امّا الاستشهاد على هذا الجمع بذيل رواية رواها الحلّي يحيى بن سعيد في كتابه الجامع عن كتاب المشيخة لابن محبوب عن صالح (3) عن عامر بن عبد اللّه بن جذاعة (4) عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) كما فعله السيّد الگلپايگانى (قدس سره)، ففيه: ان محل الاستشهاد كما هو الظاهر ليس من الرواية بل هو من الكتاب و هو كلام الحلّي فراجع ان شئت (5). و اللّه العالم.

هذا و اختار بعضهم ان ثمرة الاشتراط ادراك الثواب و هو مستحب تعبدى كما يشهد له بعض الروايات و اختار ذلك السيد في العروة و قال: (هو الاظهر) و‌

____________

(1)- احد الاوتاد الاربعة و محمد بن مسلم و يزيد بن معاوية و زرارة من الخامسة.

(2)- وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب الاحرام، ح 1.

(3)- ابن رزين كوفى له كتاب ذكره اصحاب الرجال ... عنه الحسن بن محبوب من السادسة او الخامسة.

(4)- مختلف فيه و الاقوى الاعتماد عليه من الخامسة.

(5)- الجامع للشرائع/ 222.

47

تبعه بعض المحشين كما منع الاظهريّة بعض آخر و لا ريب انه احوط.

[الثاني من واجبات الإحرام التلبية]

الثاني من واجبات الإحرام التلبية

و لا خلاف في وجوبها بل الاجماع كما في الجواهر بقسميه عليه مضافاً إلى النصوص الكثيرة كما أنّه لا خلاف بينهم في أنّها لا تجزي بأقل من الأربعة و لا تجب الزيادة عليها ايضاً بالإجماع و النص و أمّا وجوب الزائد على الأربعة كما ربما يكون ظاهر الاقتصاد للشيخ (قدس سره) فهو مردود بصريح ما في سائر كتبه قال في الاقتصاد. (ثمّ يلبّى فرضاً واجباً فيقول: لبيك اللّهمّ لبيك لبيك إنَّ الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبَّيك لبَّيك بحجة و عمرة أو حجّه مفردة تمامها عليك لبَّيك ثمّ قال و ان اضاف إلى ذلك ألفاظاً مروية من التلبيات كان أفضل (1) و قال في النهاية بعد ذكر التلبيات الأربع؟ فهذه التلبيات الاربع فريضة لا بدّ منها، و إن، زاد عليها من التلبيات الآخر كان فيه فضل كثير) (2).

و قال في الجمل و العقود في أفعال الإحرام المفروضة: و التلبيات الأربع الَّتي بها ينعقد الإحرام. (3)

و قال في المبسوط: و التلبية فريضة ... و المفروض الأربع تلبيات (4). فنسبة القول بوجوب الزائد على الأربع إلى الشيخ ليس في محلّه و حكى عن المهذب البارع عن بعض وجوب الزائد على الأربع (5).

____________

(1)- الاقتصاد/ 301.

(2)- النهاية/ 215.

(3)- الينابيع ج 7 ص 227.

(4)- المبسوط ك 1/ 316 ..

(5)- المهذب البارع: 2/ 166.

48

و كيف كان فالقول بوجوب الزائد لم يثبت عن واحد منهم و لا مجال لاحتماله‌

بعد تصريح الكلّ على عدم وجوبه و صراحة النص على وجوب الأربع.

نعم اختلفوا في صورتها على أقوال ذكرها في العروة:

أحدها أن يقول: لبيك اللّهمّ لبيك لبيك لا شريك لك لبيك. (1)

الثاني: أن يزيد على العبارة المذكورة إنَّ الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك. (2)

و الثالث: لبيك اللّهمّ لبيك، لبيك إنّ الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك. (3)

الرابع: مثل الثالث غير انّه يقدم فيه (الملك) على كلمة (لك). (4)

الخامس: كما في الثالث غير انّه يذكر (لك) قبل (الملك) و بعده جميعاً (5) و هذا غير مذكور في العروة.

المستند للقول الأوّل صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال فيه: «و التلبية أن تقول: لبيك اللّهمّ لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إنّ الحمد و النعمة لك‌

____________

(1)- و هو المحكى عن ظاهر التحرير و المنتهى بل هو خيرة الكركي و المدارك و الاصبهانى و غيرهم. راجع جواهر الكلام: 18/ 228.

(2)- هذا القول منسوب الى ابن بابويه في رسالته، و بعض نسخ المقنعة و القديمين و الامالى و الفقيه و المقنع و الهداية و ظاهر المختلف. راجع جواهر الكلام: 18/ 229.

(3)- و هذا القول محكى عن جمل السيد و شرحه و المبسوط و السرائر و الكافى و الغنية و الوسيلة و القواعد و الارشاد و التبصرة و الجامع راجع جواهر الكلام: 18/ 229.

(4)- و هذا محكى عن المهذب راجع جواهر الكلام: 18/ 229.

(5)- محكى عن النهاية و الاصباح راجع جواهر الكلام: 18/ 229.

49

و الملك لا شريك لك لبيك لبيك ذا المعارج لبيك» (إلى أن قال) «و اعلم إنّه لا بدّ لك من التلبيات الأربعة الَّتي كن في أوّل الكلام و هي الفريضة و هي التوحيد و بها لبّى المرسلون» الحديث. (1)

و الظّاهر انّ ما لابد منه في التلبية، التلبيات الأربعة الَّتي ذكرها في أوّل كلامه (عليه السلام) فما بعدها ليس مما لا بد منه فيجوز تركها و بهذا الصحيح يحمل ما بظاهره وجوب الأزيد على الأربع على الاستحباب، مضافاً إلى دلالة سياق كثير منه على ذلك.

و المستند للقول الثاني ما رواه الحميرى (2) في قرب الإسناد عن محمد بن عبد الحميد العطّار (3) عن عاصم بن حميد (4) «يقول: إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لمّا انتهى إلى البيداء حيث الميل قربت له ناقة فركبها فلمّا انبعثت به لَبّى بالأربع فقال: لبَّيك اللّهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إنَّ الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك ثمّ قال: هاهنا يخسف بالأخابث. ثمّ قال: إنَّ الناس زادوا بعد و هو حسن» (5)

____________

(1)- التهذيب ج 5 كتاب الحجّ ح/ 300/ 108. و الوسائل ب 40 من ابواب الاحرام ح 2.

(2)- عبد الله بن جعفر شيخ القميين صنف كتباً كثيرة من الثامنة.

(3)- كثير الرواية من السادسة و عُمِر حتى عاصر السابعة.

(4)- في جامع الرواة عاصم بن حميد و هو ثقة عين.

(5)- قرب الاسناد ص 125 ح 438 و في الوسائل هكذا: ان الحمد و النعمة و الملك لك لا شريك لك. الوسائل ب 36 من ابواب الاحرام ح 6.

50

و لم نطلع بوجه تعبير بعض الأعاظم منه بالصحيح (1) و على فرض الاعتماد عليه يمكن الجمع بينه و بين صحيح معاوية بن عمار إن قوله (عليه السلام): «إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك» من تمام التلبيات الأربع.

الّا ان يقال: بأن خلو صحيح عمر بن يزيد عن هذه الزيادة يدل على عدم وجوبها و أنَّها مستحبة مثل ما بعد ذلك من التلبيات.

هذا و قد ردّ الاستدلال برواية عاصم بن حميد على القول الثاني بعض الأعاظم بأنّها (غير منطبقة على هذا القول لاشتمالها على ست أو خمس تلبيات، مضافاً إلى أنّ كلمة «الملك» متقدمة على «لك» فيها و القائل بهذا القول التزم بالعكس بل لم يقل أحد بوجوب تقديم «و الملك» على «لك» على أنّها تحكى فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و قد عرفت أن مجرد حكاية فعله (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يدل على الوجوب). (2)

و فيه: أمّا ما ذكره من أنَّه لم يقل أحد بوجوب تقديم «الملك» على «لك» فهذا الصهرشتي (3) يقول في الاصباح بذكر «لك» قبل الملك و بعده و أمّا أنَّها غير منطبقة على هذا القول لاشتمالها على ست أو خمس تلبيات، ففيه: أنّها ليست مشتملة إلا على أربع على نسخة المصدر (قرب الإسناد و على نسخة الوسائل)

و أما كلمة «الملك» ففى قرب الإسناد متأخرة عن لك و في الوسائل المطبوعة‌

____________

(1) راجع معتمد العروة: 2/ 521.

(2)- معتمد العروة: 2/ 521.

(3)- الاصباح/ 151.

51

الأخيرة: «إنَّ الحمد و النعمة (و الملك لك) لا شريك لك» فالاعتماد على الأصل.

و أما ما قال من انها تحكي مجرد فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فلا يدلّ على الوجوب، ففيه: أنّ الظّاهر من المقام أنَّ الإمام (عليه السلام) كان جالساً على كرسى بيان الحكم لا بيان الوقائع التاريخيّة و السيرة و إلا فلا يستفاد من جميع ما أفاده (عليه السلام) هنا إلا رجحان التلبية.

نعم: الاستدلال بصحيح عبد الله بن سنان المشتمل أيضاً على حكاية فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على وجوب هذه الزيادة لا يتم، لا لما ذكره بل لأنّه مشتمل على ما هو‌

مستحب بالاتفاق و هو «لبيك ذي المعارج لبيك» (1).

فتلخّص من جميع ما ذكر كفاية التلبية بالصورة الاولى الّتي اتفقت عليها صحيح معاوية بن عمار و رواية عاصم بن حميد و صحيحة عبد الله بن سنان المشتملتين على ما يزيد على ما في الصحيح، إلا ان الزيادة التى في صحيح ابن سنان مستحبّة بالإجماع و ما في رواية عاصم بن حميد محمول على الاستحباب لما ذكر.

و مع ذلك مقتضى الاحتياط سيّما في أمر الحج الَّذي هو من أركان الدِّين أن يضيف إلى ما في صحيح معاوية بن عمَّار الزيادة المذكورة في رواية عاصم «إنَّ الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك» و أحوط منه أن يضيف إليه «لبيك» كما في رواية الفقيه (2) عن ابن سنان على النسخة المنقولة عنه في الوسائل و لكن ليست في النسخة المطبوعة أخيراً إلا أنه يوجد في غيره من الرّوايات.

و أمّا الصورة الثالثة و الرابعة و الخامسة فليس في الرّوايات ما يدل عليها و الله العالم.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب الاحرام ح 4.

(2)- من لا يحضره الفقيه ج 2/ 325 ح 2578.

52

[مسألة 11] لزوم الاتيان بالتلبية على الوجه الصحيح

مسألة 11: يجب الإتيان بالتلبية على الوجه الصحيح المطابق للقواعد العربية و يجب على المكلف تعلم ذلك أو الإتيان بها صحيحاً بتلقين الغير و إن لم يتمكن عن الإتيان بها إلا بالملحون فإن كان لا يتمكن منه مطلقاً يجب عليه الحجّ في عام الاستطاعة و إن هو يصير متمكنا منه إلى السنة

القادمة بالتعلّم، فهل يجوز له التأخير إلى السنة الآتية المسألة محل الإشكال إلا إذا ادّعى جواز الاستنابة مطلقاً في كل واحد من الأعمال إذا عجز عنه.

و بعد ذلك يقع الكلام في أن العجز عن التلبية إلا بالملحون هل موجب لسقوطها و الاكتفاء بسائر الأجزاء أو ينتقل تكليفه إلى الملحون منها أو إلى الاستنابة؟

الظّاهر انّ الشكّ واقع في التكليف و إثبات أنّ وظيفته في هذا الحال أدائه بالملحون أو الاستنابة لها يحتاج إلى الدليل و الاستدلال للاجتزاء بقاعدة الميسور فيه ما فيه من عدم تماميتها فمقتضى الأصل البراءة عن كليهما.

اللهمّ إلا أن يقال: بأنا نعلم في أجزاء الحج أنّ المكلّف إذا عجز عن جزء يجب عليه إمّا الإتيان بالميسور منه كالأخرس الّذي يأتي بها بتحريك لسانه و الإشارة بالمباشرة و إمّا بالاستنابة له و الّذي يمكن الاستدلال به للاكتفاء بالملحون اولوية الاكتفاء به من تحريك اللسان و الإشارة كما هو المأمور به في الأخرس.

و ما يمكن أن يستدل به على وجوب الاستنابة دعوى وجوب الاستنابة في‌

53

كل عمل لم يتمكن من إتيانه و ما رواه شيخنا الكليني (قدس سره) عن محمّد بن يحيى (1) عن محمّد بن أحمد (2) عن محمد بن عيسى (3) عن محمّد بن يحيى (4) عن ياسين‌

الضرير (5) عن حريز (6) عن زرارة: (7) «إنّ رجلا قدم حاجّاً لا يحسن أن يلبّي فاستفتى له أبو عبد الله (عليه السلام) فأمر له أن يلبّى عنه» (8).

و فيه: إنَّه أمّا دعوى وجوب الاستنابة مطلقاً فلم يثبت و لو ثبت لكان في العجز المطلق لا في مثل مسئلتنا هذه و خبر ياسين الضرير ضعيف به لا يعتمد عليه فالأقوى كفاية الإتيان بها بالملحون و إن كان لا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع بينها و بين الاستنابة و الله هو العالم بأحكامه.

ثمّ ان الظّاهر ان الحكم بوجوب الترجمة إذا لم يقدر أصلا على العربى حتى بالملحون أولى من الحكم بوجوب تحريك اللسان و الإشارة على الأخرس و لكن هنا ايضاً لا ينبغي ترك الاحتياط و أمّا الأخرس فهو كما أشرنا إليه يشير إليها باصبعه مع تحريك لسانه و هو المحكى عن المشهور كما في الجواهر و عن الأثر في غيره و ذلك لما رواه شيخنا الكليني (قدس سره) عن على بن إبراهيم (9) عن (10) أبيه عن‌

____________

(1)- ابو جعفر العطار القمي شيخ أصحابنا ... من الثامنة.

(2)- ابن يحيى القمي ثقة في الحديث الا انه يروى عن الضعفاء ... من كبار الثامنة.

(3)- ابن عبد الله الاشعري شيخ القميين ... من السادسة.

(4)- ليس هو في المصدر (الكافي) و هو يزيد على السند.

(5)- لم يرد فيه مدح بالتوثيق من السادسة.

(6)- ابن عبد الله البجستاني ثقة كوفي و فيه ... من كبار الخامسة.

(7)- غنى عن المدح من الرابعة.

(8)- وسائل الشيعة: ب 39 من أبواب الاحرام ح 2.

(9)- ابن هاشم ابى الحسن معروف بجلالة القدر من صغار الثامنة.

(10)- ابو اسحاق الكوفى ثمّ القمى يعتمد على مثله من السابعة.

54

عن النوفلى (1) عن السكونى (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): «إنّ عليّاً (صلوات اللّٰه عليه) قال: تلبية الأخرس و تشهّده و قراءة القرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته باصبعه (3) و السند معتبر لا يرد بالسكوني لمذهبه فكأنه كان موثوقا به أو كانت رواياته عن الإمام (عليه السلام) بالخصوص عندهم مقرونة ببعض القرائن الموجب للاطمينان بالصدور و كيف كان فالخبر دالّ على وظيفة الأخرس و مع ذلك فالأولى كما في العروة الجمع بينهما و بين الاستنابة.

أمّا الصبي غير المميّز فيلبّى عنه بلا إشكال لما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليها السلام) قال: إذا حجّ الرّجل بابنه و هو صغير فإنّه يأمره أن يلبّى و يفرض الحج فإن لم يحسن أن يلبّى لبّوا عنه و يطاف به و يصلّى عنه الحديث. و روى الكلينى و الشيخ مثله (4).

أمّا المغمى عليه فما يدل على حكمه ما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم (5)

____________

(1) الحسين بن يزيد ابى عبد الله النوفلى النخعى يعتمد عليه من السادسة.

(2)- اسماعيل بن ابى زياد السكونى الكوفى الشعيرى العامى و الظاهر انه كسابقه موثق من الخامسة.

(3)- الكافى كتاب الحج ب التلبية 2 و من تعبيره عن مثل الامام ابى عبد الله الصادق (عليه السلام) بجعفر يظهر كونه عامياً و الكلينى روى الحديث كما وصل إليه حفظاً للامانة في النقل الذى كان مشايخنا (رضوان اللّٰه عليهم) ملتزما به و مع ذلك رواه في باب قراءة القرآن ح 7 عن ابى عبد الله (عليه السلام) و في التهذيب أيضاً عن جعفر بن محمد كتاب الحج 305 و ليس هذا اول قارورة كسرت في الاسلام و في القوم كالبخارى من يروى عن ألدّ اعداء أهل بيت النبي (عليه السلام) و لا يروى عن مثل الامام الصادق (عليه السلام) نصباً و عداوة و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

(4)- وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب أقسام الحج ح 5.

(5)- ثقة جليل ... من السابعة.