صلاة الجمعة

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
333 /
3

[مقدمة التحقيق]

باسمه تعالى

نبذة مختصرة من حياة المؤلّف «قده»

____________

إنّ مرور الزمان بما فيه من رفع و خفض يأتي فيما يأتي عليه على أسماء و سمات كثير من الشخصيات البارزة فيغمرها في طياته، و يودع كثيرا من الحوادث التاريخيّة إلى سلال النسيان و الإهمال، فلا يبقى منها بعد حين أثر أو عين.

إلّا أنّ أولياء اللّٰه من نماذج الإنسانيّة يستثنون من هذا الأصل، لما لهم من صلابة و عظمة، فلا تنساهم الخواطر «أعيانهم مفقودة، و أمثالهم في القلوب موجودة».

صحيح أن «الشمس و القمر يبليان كلّ جديد» كما عن النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، إلّا أن أولياء اللّه من رجال العلم و الفضل و التقوى و الأخلاق، الّذين خدموا المجتمع الإسلاميّ بصدق، مستثنون من هذا الأصل، و لا يزالون أحياء قد احتلّوا قمّة عالية في قلوب الناس، و ستبقى تلك الآثار الكبيرة التي ترتّبت على حياتهم و موتهم باقية في أوساط المجتمع تذكر فتشكر.

و من تلك النماذج النادرة- الّتي لا تمحو الأيّام ذكراه عن الخواطر و القلوب- هو المرحوم آية اللّه الحاج الشيخ مرتضى الحائريّ، الولد الأرشد لمشيّد الحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة المرحوم آية اللّه العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائريّ اليزديّ «(قدّس سرّهما)».

فتح هذا الفقيد السعيد عينه على الحياة في اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجّة الحرام عام ألف و ثلاثمائة و أربع و ثلاثين هجرية قمرية، في مدينة أراك، في بيئة علميّة فاضلة، و هكذا قرّت عيون أسره المرحوم الحائري بأوّل نجل و شبل.

4

..........

____________

كان المرحوم الحائريّ الكبير قد ألقى رحل إقامته منذ عام 1332 هجريّة قمريّة بمدينة أراك لتأسيس الحوزة العلميّة فيها، و في أيّام النوروز المصادف لشهر رجب من عام 1340 هجريّة قمريّة (1301 هجريّة شمسيّة) تشرّف بزيارة المرقد الطاهر للسيّدة فاطمة المعصومة «(سلام اللّه عليها)» بمدينة قم المقدّسة، و على أثر الطلب الأكيد من قبل علماء و جماهير المؤمنين من أهالي هذه المدينة صمّم على السكنى بها و تأسيس الحوزة العلميّة فيها. و لهذا دعا أهله للّحوق به، و كذلك غادر أراك الى قم طلّابه و تلامذته.

و بصحبة والده العظيم أقام الفقيد السعيد بمدينة قم المقدّسة و بدأ بدراسة العلوم العربيّة و الأصول و الفقه. حتى درس كتاب «فرائد الأصول» للشيخ الأعظم الأنصاريّ لدى آية اللّه السيّد الگلپايگانيّ «مدّ ظلّه» و كتاب «المكاسب» لدى المرحوم آية اللّه السيّد محمّد تقيّ الخوانساريّ، و كتاب «كفاية الأصول» لدى المرحوم آية اللّه المحقّق الداماد «(قدّس اللّه روحهما)» ثم حضر حوزة دروس «الخارج» الفقه و الأصول لدى والده المعظّم و أفاد من بيدر علوم ذلك الرجل الإلهيّ الّذي تأسّست هذه الحوزة المباركة على يديه الكريمتين.

و بعد ارتحال آية اللّه المؤسّس في سنة 1355 هجرية قمريّة حضر دروس الفقيه الكبير المرحوم آية اللّه السيد محمّد الحجّة الكوهكمريّ- و الّذي كان قد حظي بفخر مصاهرته من قبل- و أفاد من دروسه في الفقه و الأصول «الخارج» كثيرا.

و في عام 1364 هجريّة قمريّة- و بناء على طلب أفاضل الحوزة العلميّة بقم المقدّسة- ألقى رحل الإقامة فيها المرحوم آية اللّه البروجرديّ «(قدّس اللّه سرّه)» فأوجد بها تموّجا جديدا في العلوم الإسلاميّة لا سيّما الفقه و الرجال. فحضر لديه المرحوم آية اللّه الحائريّ في دروس الفقه و الأصول و أفاد من ذلك الفقيه العظيم.

تدريساته:

كان المرحوم آية اللّه الحاج الشيخ مرتضى الحائريّ أحد الأساتذة البارزين في الحوزة، من الّذين لمع اسمهم في تدريس «السطوح» العالية في الفقه و الأصول، و في حوالي سنّ الثلاثين بدأ بتدريس «الخارج» و أفاد من بيدر علمه جماعة من الأفاضل‌

5

..........

____________

الّذين هم اليوم من علماء الحوزة أو من المسؤولين في الجمهوريّة الإسلاميّة.

و كان معروفا بين ذوي المقامات العالية من أساتذة الحوزة بالدقّة و عمق النظر.

استمرّ أكثر من ثلاثين عاما مستندا مسند تدريس «الخارج» و أفاض من علومه على تلامذته، و لم تنقطع أواصر علاقاته الدراسيّة بتلامذته حتّى اشتدّ عليه مرضه في هذه الأواخر.

و الى جانب التزاماته بالتدريس و التأليف، و إرشاد الناس و هدايتهم، لم يكن ليغفل عن تفقّد الأيتام و الفقراء. و كان في الزهد و قلّة الرغبة فيما ينال من المال، و في الوقار و التواضع، و التنزّه عن الهوى صورة ذات شعاع عن حياة المرسلين و الأولياء المقرّبين. و كان يلمس هذه الحقيقة من كان يأنس بقربه بصورة بيّنة محسوسة.

وفاته:

و أخيرا. و بعد عمر كثير الثمار و البركات لبّى داعي الحقّ بعد داء ممتدّ نسبيّا، ليلة الخميس الرابع و العشرين من شهر جمادى الثانية من سنة 1406 هجريّة قمريّة المصادف للخامس عشر من شهر إسفند من سنة 1364 هجريّة شمسيّة.

و انتشر خبر وفاته من وسائل الإعلام الجماعيّة الرسميّة، فأثار موجة من الحزن و الأسى في كافّة أنحاء البلاد، و انهالت الجماهير الّتي كانت قد هرعت لتشييع جثمانه الطاهر من داخل مدينة قم و خارجها، انهالت إلى جهة داره، فازدحم الناس حولها و الشوارع المجاورة لها، فكان يوما مشهودا قلّ ما تحتفظ هذه المدينة في ذاكرتها تشييعا عظيما و مهيبا، و في هالة من نور المعنويّة و الروحانيّة، نقل جثمانه الطاهر بمزيد من الأسى و الأسف إلى حرم السيّدة فاطمة المعصومة (سلام اللّه عليها)، فأودع في جوارها في الرواق فوق الرأس تحت رجلي والده العظيم، و كأنّهم قد دفنوا بدفن ذلك الجسد جبلا من التقوى و النزاهة و العلم و الفقاهة.

و نحن كلّما قلنا في عظمة هذه الشخصيّة السامية، و أثر فقدانه العميق، فقليل قليل. و ليس في مقدور القلم أن يرسم ذلك. يكفيه فخرا أنّ قائد الأمّة آية اللّه العظمى الإمام الخميني «دام ظلّه» قال في رثائه‌

6

..........

____________

«إنّ خبر ارتحال حضرة آية اللّه الحاجّ الشيخ مرتضى الحائريّ «رحمة اللّه عليه» أثّر أثرا بالغا و أسفا شديدا. إنّه كان في العلم و العمل حقّا خلفا جليلا للمرحوم آية اللّه العظمى الأستاذ المعظّم حضرة الحاجّ الشيخ عبد الكريم الحائريّ «(رضوان اللّه تعالى عليه)» و كفى بذلك شرفا و سعادة.

إنّني منذ أوائل تأسيس الحوزة العلميّة المباركة في قم المقدّسة- الّتي تأسّست على يد والده العظيم، و أورثت تلكم البركات الكثيرة- كانت لي به معرفة، و بعد مدّة عاشرته من قريب فكنّا صديقين حميمين، فلم أشاهد منه في جميع مدّة معاشرتي الطويلة معه إلّا خيرا و سعيا في أداء تكاليفه و وظائفه الدينيّة و العلميّة. إنّ هذا الرجل العظيم كان- بالإضافة إلى مقام فقاهته و عدالته- يتمتّع بصفاء الباطن و حسن الطويّة، و كان منذ أوائل النهضة الإسلاميّة في إيران من المتقدّمين في هذه النهضة المقدّسة، فجزاه اللّه عن الإسلام خيرا.

و لذلك فإنّي أتقدّم بالتعازي الى الشعب الايرانيّ الكريم خصوصا أهالي مدينة قم الأوفياء، و حضرات العلماء الأعلام و المدرّسين العظام للحوزة العلميّة بقم المقدّسة.

و أدعو اللّه تعالى لاسرته المقدّسة و أقاربه الكرام خصوصا حضرة حجّة الإسلام الحاجّ الشيخ مهدي الحائريّ أعزّه اللّه، أدعو لهم بالصبر الجميل و الأجر الجزيل، و أرجو أن تكون عنايات حضرة بقيّة اللّه «روحي و أرواح العالمين لمقدمه الفداء» تشملهم و تشمل كلّ المسلمين، و السلام على عباد اللّه الصالحين».

15 إسفند 64 المطابق 24 جمادى الثانية من سنة 1406 هجريّة قمريّة روح اللّه الموسويّ الخميني أمّا آية اللّه العظمى الگلپايگاني فقد أبدى مدى تأثّره و تقديره لذلك العالم الربّانيّ حيث قال في تأبينه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ.

إنّ الثلمة الّتي لا يسدّها شي‌ء الناشئة من رحلة آية اللّه الحاجّ الشيخ مرتضى الحائريّ «(قدّس سرّه)» الّذي كان من الشخصيّات العلميّة و الأساتذة الكبار للحوزة العلميّة. قد أورثت الأسى و الأسف الشديدين و التأثّر العميق. إنّ الفقيد السعيد‌

7

..........

____________

كان من الأطواد العظيمة للروحانيّة، و كان في مكارم الأخلاق و الزهد و التواضع نموذجا في عصرنا هذا، و كان في رعاية أرباب الحوائج و تأسيس المؤسّسات الخيريّة و دور الأيتام و سائر أمور البرّ مصدر خدمات مشكورة، و كانت له في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إبطال البدع و الدفاع عن أحكام الإسلام و الغيرة الدينيّة و إظهار الحقّ مواضع محمودة، فكان حقّا خلف صدق و صالح عن والده العظيم حضرة الأستاذ الأكبر آية اللّه العظمى الحائريّ «(قدّس سرّه)». فرحمة اللّه عليهما رحمة واسعة و حشرهما اللّه تعالى مع أوليائه الكرام.

أتقدّم بالتعازي بهذه المصيبة الكبرى إلى الساحة المقدّسة لحضرة بقيّة اللّه أرواحنا فداه، و حضرات العلماء الأعلام و الحوزات العلميّة و الأسرة الكريمة لذلك المرحوم، أسره العلم و الفقاهة. و أسأل اللّه أن يرفع درجاته، و أن يمنّ على ذويه بالأجر الجزيل و الصبر الجميل».

24 جمادى الثانية 1406 ه‍. ق.

محمّد رضا الموسويّ الگلپايگاني‌

تأليفاته:

أثمرت أبحاثه و تدريساته سلسلة من آثار ثمينة طبع بعضها، و بقي أكثرها مخطوطا، و لتسجيل التاريخ نأتي نحن هنا بأسماء العمدة منها:

1- ابتغاء الفضيلة: دورة فقهيّة استدلاليّة حول المكاسب المحرّمة و البيع و الخيارات، قد طبع مجلّد واحد منها و نشر.

2- رسالة في الطهارة.

3- رسالة في صلاة المسافر.

4- رسالة في صلاة الجمعة «هذا الكتاب».

5- رسالة الخلل الواقع في الصلاة.

6- رسالة في الخمس.

7- دورة في أصول الفقه- 3 أجزاء.

8

هذا الكتاب:

____________

دوّن المؤلّف الكريم متن هذا الكتاب «صلاة الجمعة» على أساس كتاب «قواعد الأحكام» للمرحوم العلّامة الحلّيّ «(رضوان اللّه عليهما)»، و فيما لم ير بعض الفروع اللازمة فيه فمن كتابه الآخر «التذكرة» أو كتاب شيخه المحقّق الحلّي «شرائع الإسلام» أو شرحه ل‍ «جواهر الكلام».

و بطلب عدد من أفاضل طلّاب الحوزة العلميّة بدأ بتدريس صلاة الجمعة في يوم الثلاثاء الموافق للعشرين من شهر رجب المرجّب سنة 1390 هجريّة قمريّة، فكان ضمن تدريسه يضيف بعض المطاليب المكمّلة أو التوضيحيّة الى مسودّاته السابقة.

و قد فرغ منه يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر صفر المظفّر سنة 1391 من الهجرة النبويّة.

و قبل وفاته بمدّة أذن لحجّة الإسلام و المسلمين الحاجّ الشيخ محمّد حسين أمر اللّهي بالإشراف على طبع هذا الكتاب و سائر كتبه في كتاب خاصّ، و به بدأ العمل في استنساخ هذا الكتاب، و من غريب الصدف أن تمّ ذلك مع تمام عمر المؤلّف «(قدّس سرّه)».

و قد روعيت الدقّة التامّة في تحقيق و طبع هذا الكتاب بعد وفاته و قوبل عدّة مرّات و كذلك في استخراج المصادر و الإرجاعات، و تطبيق العبارات المنقولة مع مصادرها.

و قد ميّزنا في الطبع ما أخذ عن غير «قواعد الأحكام» بعلامات خاصّة.

إنّ ما صرف على طبع هذا الكتاب أكثر من أن يسدّ بربع بيعه، و لكنّ هذه المؤسّسة تأمل أن توفّق لنشر جميع الآثار و الآراء العلميّة اللازمة، و ذلك بمساعدة الساعين في نشر المعارف الإسلاميّة في الحوزة العلميّة.

مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة‌

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[كتاب الصلاة]

كتاب الصلاة

[المقصد الثالث في باقي الصلوات]

المقصد الثالث في باقي الصلوات

[الفصل الأول في صلاة الجمعة]

الفصل الأول في صلاة الجمعة قال العلّامة (رحمه اللّه) في القواعد: المقصد الثالث في باقي الصلوات و فيه فصول:

الأول: في:

[صلاة] الجمعة و فيه مطالب:

[ [المطلب] الأوّل: [في] الشرائط]

[المطلب] الأوّل: [في] الشرائط

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بسم اللّه الرّحمن الرحيم

[في] الشرائط: و هي ستّة زائدة على شرائط اليوميّة.

[ [الشرط] الأوّل: الوقت، و أوّله زوال الشمس]

[الشرط] الأوّل: الوقت، و أوّله زوال الشمس (1)

____________

نصّا و إجماعا، على ما عن كشف اللثام (1). و في الجواهر: «فلا تصحّ الركعتان قبل الزوال على المشهور، شهرة عظيمة، بل قد يظهر من التذكرة الإجماع عليه،. و المحكيّ من إجماع المنتهى: وقت الجمعة زوال الشمس، فضلا عن دعوى الإجماع ممّا عدا المرتضى على ذلك من غير واحد» انتهى (2).

و لم ينقل الخلاف في ذلك إلّا عن الشيخ- (قدّس سرّه)- في الخلاف: إنّه قال:

«في أصحابنا من قال: إنّه يجوز أن يصلّي الفرض عند قيام الشمس، يوم الجمعة‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 134، كشف اللثام ج 1 ص 241.

(2) الجواهر ج 11 ص 135.

14

..........

____________

خاصّة، و هو اختيار المرتضى» [(رحمه اللّه)] (1)، و حكي عن أبي عليّ بن الشيخ موافقته (2)، و لكن عن السّرائر: «لم أجد للمرتضى تصنيفا و لا مسطورا بما حكاه شيخنا عنه، (بل بخلافه (3))، و لعلّه سمعه منه في الدّرس و عرفه مشافهة» انتهى ملخّصا (4).

أقول: قد حكي- كما في مصباح الفقيه- (5) عن المرتضى (قدّس سرّه) في كتاب جمل العلم و العمل: أنّه قال: «وقت الظهر يوم الجمعة خاصّة وقت زوال الشمس» و هو صريح في موافقة المشهور. و يظهر وجه الخصوصيّة ممّا يأتي في خلال البحث إن شاء اللّه تعالى.

و يدلّ على المشهور جملة من الأخبار:

1- صحيح ربعيّ و فضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّ من الأشياء أشياء موسّعة و أشياء مضيّقة، فالصّلاة ممّا وسّع فيه، تقدّم مرّة و تؤخّر أخرى، و الجمعة ممّا ضيّق فيها، فإنّ وقتها يوم الجمعة ساعة تزول، و وقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها» (6).

2- صحيح زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنّ من الأمور أمورا مضيّقة و أمورا موسّعة، و إنّ الوقت وقتان، و الصّلاة ممّا فيه السّعة، فربّما عجّل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و ربّما أخّر، إلّا صلاة الجمعة، فإنّ صلاة الجمعة من الأمر المضيّق، إنّما لها وقت واحد حين تزول، و وقت العصر يوم الجمعة وقت الظّهر في سائر الأيّام» (7).

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 135، مصباح الفقيه ج 2 ص 429.

(2) الجواهر ج 11 ص 135، مصباح الفقيه ج 2 ص 429.

(3) لم نجده في الجواهر و ان كان موافقا لما نقل في مصباح الفقيه.

(4) الجواهر ج 11 ص 135، مصباح الفقيه ج 2 ص 429.

(5) مصباح الفقيه ج 2 ص 429.

(6) وسائل الشيعة ج 5 ص 17 ح 1 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(7) وسائل الشيعة ج 5 ص 17 ح 3 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

15

..........

____________

3- صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- يصلّي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك، و يخطب في الظلّ الأوّل، فيقول جبرئيل: يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد زالت الشمس، فانزل فصلّ، و إنّما جعلت الجمعة ركعتين، من أجل الخطبتين. فهي صلاة حتّى ينزل الإمام» (1).

قال في الوافي: «أريد بالظلّ الأوّل ما قبل الزّوال» (2).

أقول: و الشراك سير من سيور النعل أي قدّة من الجلد. و ليس المقصود بحسب الظاهر التّحديد، فإنّه قد ورد في خبر محمّد بن أحمد عن الفطحيّة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «وقت صلاة الجمعة إذ زالت الشمس شراك أو نصف» (3).

و في خبر سماعة: «فإذا استبنت فيه الزّيادة فصلّ الظهر» (4).

4- صحيح إسماعيل بن عبد الخالق قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، عن وقت الظهر، فقال: بعد الزّوال بقدم أو نحو ذلك، إلّا يوم الجمعة أو في السّفر، فإنّ وقتها حين تزول الشمس» (5).

قال (قدّس سرّه) في الوافي- بعد نقل صحيح زرارة المتقدّم: «بيان: إنّما كان وقتها في السّفر و الحضر واحدا، لسقوط النّافلة فيه بعد الزّوال، كسقوطها في السّفر، فلا تؤخّر الفريضة فيه لأجل النّافلة، كما لا تؤخّر في السّفر» (6) انتهى.

و يدلّ على الحكم المذكور أيضا روايات أخر ذكرها في الوسائل في الباب‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 4 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) الوافي باب وقت صلاة الجمعة و عصرها.

(3) الوافي باب وقت صلاة الجمعة و عصرها نقله عن التهذيب.

(4) وسائل الشيعة ج 3 ص 119 ح 1 من باب 11 من أبواب المواقيت.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 7 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(6) الوافي، باب وقت صلاة الجمعة و عصرها.

16

..........

____________

المذكور (1)، و فيما ذكرناه كفاية.

و ليس ما يتوهّم كونه معارضا لمدلولها إلّا أمران:

أحدهما: صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا صلاة نصف النّهار إلّا يوم الجمعة» (2). الظاهر في جواز الصّلاة يوم الجمعة حين وصول الشمس إلى دائرة نصف النّهار و لو لم تزل عنها.

و الجواب عنه: أنّ المحتمل فيه أن لا يكون المقصود هو النّصف الحقيقيّ، في قبال أوّل وقت الزوال. و لا فرق بينهما عرفا و عقلا إلّا في مقدار قليل من الزّمان، و لعلّه يقرب من دقيقتين، من جهة أنّ نصف النّهار الحقيقيّ إنّما هو وقت وصول نصف الشمس إلى دائرة نصف النّهار، لا ابتدائها.

و الّذي يؤيّد ذلك الجمع: كون الرّاوي للصّحيح و لبعض ما يدلّ على أنّ وقتها حين الزّوال، هو عبد اللّه بن سنان، و من المحتمل أو المظنون صدور الجملتين منه (عليه السلام) في مجلس واحد، فكان كلاما واحدا يفسّر بعضه بعضا، و لكنّ الرّاوي قطّع الكلام و جعله روايتين.

و أجيب عنه في الجواهر (3) و مصباح الفقيه (4) بوجوه أخر لا تخلو عن البعد، و الأظهر فيه ما ذكرناه و اللّه العالم.

ثانيهما: ما في الجواهر من خبر سلمة بن الأكوع (5) قال: «كنّا نصلّي مع النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- صلاة الجمعة، ثمّ ننصرف و ليس للحيطان في‌ء» (6).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 6 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) الجواهر ج 11 ص 135.

(4) مصباح الفقيه ج 2 صلاة الجمعة ص 430.

(5) صحيح مسلم ج 3 ص 9 و فيه سلمة بن الأكوع عن أبيه (ذيل الجواهر).

(6) الجواهر ج 11 ص 135.

17

و آخره إذا صار ظلّ كلّ شي‌ء مثله (1)

____________

و الجواب عنه بوجوه:

1- ضعف السند.

2- احتمال كون المقصود عدم حصول في‌ء كثير يستظلّ به في الطريق، فيكون المقصود بيان تحمّل المشقّة في شهود الجمعة.

3- احتمال أن يكون المقصود أنّه: كنّا نصلّي معه (صلّى اللّه عليه و آله) في شدّة الحرّ و هي حين انعدام الظلّ، في منتصف النّهار، فيكون كناية أيضا عن تحمّل المشقّة في شهود جماعته (صلّى اللّه عليه و آله).

فالظّاهر أنّ المسألة كادت أن تكون من الواضحات و المسلّمات نصّا و فتوى و اللّه العالم.

في المسألة أقوال:

القول الأوّل: ما في المتن، ففي الجواهر: «أنّه حكى غير واحد عليه الشهرة، بل في المعتبر: أنّه مذهب أكثر أهل العلم. بل في المحكيّ عن المنتهى: الإجماع عليه» (1). إلّا أنّه قال بعد ذلك: «قد يناقش في الإجماع و النّسبة إلى أكثر أهل العلم المزبورين، بأنّا لم نجد أحدا صرّح به قبل المصنّف، عدا ما يحكى من عبارة المبسوط» (2) ثمّ حكى عبارة المبسوط، و هي أيضا ليست بصريحة فيما ذكره (قدّس سرّه)، و قد اعترف غير واحد بعدم ورود نصّ بذلك، كما في منظومة الطباطبائي:

و وقتها الزوال للمثل على * * *مشتهر فتوى، عن النصّ خلى

و ما يستدلّ به للمشهور يلخّص في أمور:

الأوّل: الشهرة.

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 136.

(2) الجواهر ج 11 ص 136.

18

..........

____________

الثاني: الإجماع المتقدّم حكايته عن المنتهى.

الثّالث: ما عن المنتهى أيضا: أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يصلّي في ذلك الوقت (1).

الرّابع: ما ورد في غير واحد من الأخبار المعتبرة- كما في صحيح زرارة المتقدّم- (2) من أنّ وقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الأيّام، بضمّ أمرين آخرين:

أحدهما: أنّه ليس المراد من وقت الظّهر في سائر الأيّام هو وقت فضيلته، لأنّه من الزّوال إلى أن يصير ظلّ كلّ شي‌ء مثله، على ما ينسب إلى المشهور، فلا يكون ذلك وقت العصر في يوم الجمعة، فلا بدّ أن يكون المراد به وقته الثّاني الذي يكون ظرفا للإجزاء من دون أن يكون واجدا للفضيلة، و أوّله بعد أن يصير ظلّ كلّ شي‌ء مثله، فالمتحصّل من ذلك: أنّ وقت العصر يوم الجمعة بعد أن يصير ظلّ كلّ شي‌ء مثله.

ثانيهما: أنّ مقتضى تصريح بعض الروايات (3)، من أنّه: «إذا زالت الشمس دخل الوقتان، إلّا أنّ هذه قبل هذه» أنّه لا وجه لتأخير العصر إلّا كون ما قبله ظرفا للمكتوبة الّتي لا بدّ أن يؤتى بها قبله، فكون وقت العصر بعد أن يصير ظلّ كلّ شي‌ء مثله، لا وجه له إلّا كون ما قبل ذلك الزّمان ظرفا للظّهر الّذي هو صلاة الجمعة في يومها.

الخامس: ما عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أوّل وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضي ساعة تحافظ عليها، فإنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- قال: لا يسأل اللّه عزّ و جلّ فيها عبد خيرا إلّا أعطاه اللّه» (4).

____________

(1) المستند ج 1 ص 418 كتاب الصلاة، صلاة الجمعة، البحث الخامس في وقتها.

(2) في ص 14

(3) وسائل الشيعة ج 3 ص 91 باب 4 من أبواب المواقيت.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 20 ح 19 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

19

..........

____________

تقريب الاستدلال به أنّ المقصود من «ساعة» في قوله: «تمضي ساعة» زمان معيّن، و لا تعيّن في البين إلّا بلحاظ المثل المعهود عند المسلمين. و قد أرسله الصّدوق في الفقيه على ما في الوسائل إلّا أنّ فيه «فحافظ» (1).

السّادس: خبر إسماعيل بن عبد الخالق، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت الصلاة، فجعل لكلّ صلاة وقتين، إلّا الجمعة في السّفر و الحضر، فإنّه قال: وقتها إذا زالت الشّمس، و هي في ما سوى الجمعة لكلّ صلاة وقتان، و قال:

و إيّاك أن تصلّي قبل الزّوال، فواللّه ما أبالي بعد العصر صلّيتها أو قبل الزّوال» (2).

و الاستدلال به من وجهين:

أحدهما: ادّعاء أنّ الظّاهر منه: أنّ الفرق بين الجمعة و غيرها من حيث الوقت ليس إلّا أنّ لغيرها وقتان و لها وقت واحد، الظّاهر في اشتراكها معها في الوقت الأوّل الّذي هو من الزّوال إلى صيرورة الظلّ في كلّ شي‌ء مثله.

ثانيهما: ما في الجواهر من ادّعاء كون المراد بالعصر وقته، و المقصود من قوله (عليه السلام) «بعد العصر» بعد أوّل وقت العصر و هو ما ذكر.

و ما ذكرناه من الوجوه مأخوذ من الجواهر (3) و المستند (4) و مصباح الفقيه (5)، و لا يخفى ما فيها من الضعف.

فإنّ الأوّلين غير متحقّقين من حيث الصّغرى، كما تقدّم في صدر المسألة عن الجواهر، مع ما فيهما من عدم دليل يدلّ على حجّيّتهما كما هو مقرّر في محلّه، مع أنّه قد يقال: بأنّ ظهور عبارة المنتهى في الإجماع على آخر الوقت ممنوع بل هو ناظر إلى أوّله.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 19 ح 13 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 20 ح 18 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) الجواهر ج 11 ص 136.

(4) المستند ج 1 ص 418 كتاب الصلاة، الصلاة الجمعة، البحث الخامس في وقتها.

(5) مصباح الفقيه ج 2 ص 431 في صلاة الجمعة.

20

..........

____________

و أمّا الثّالث: فمردود بما في المستند (1) عن الذكرى: «إنّ الوقت الّذي كان يصلّي (صلّى اللّه عليه و آله) سلّم فيه، كان ينقص عن هذا القدر غالبا، و لم يقل أحد بالتوقيت بذلك الناقص» (2) هذا، مع أنّ العمل مجمل من جهات.

و أمّا الرّابع: فلأنّه ليس المراد من الجملة المذكورة أنّ أوّل وقت فضيلة العصر في يوم الجمعة مساوق لأوّل وقت الإجزاء للظهر، لأنّه لا يختصّ بيوم الجمعة، بل في جميع الأيّام تكون القضيّة المذكورة صادقة، فلا بدّ أن يكون المراد أنّ أوّل وقت فضيلة العصر في يوم الجمعة مساو لأوّل وقت فضيلة الظهر في غيره، و هو بعد مضيّ قدمين، أي سبعي في‌ء الشاخص، و ذلك لورود النّافلة بعد الزّوال بخلاف الجمعة، فإنّ نافلتها تكون قبل الزّوال، فيكون ما ذكر دليلا على القول الآخر المنقول عن المجلسيين قدّس سرّ هما لو لا ما يأتي فيه من الإيراد أيضا- إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا الخامس: فلأنّه يمكن أن يكون المقصود هو السّاعة الاصطلاحيّة، بشهادة ما دلّ من النّصوص (3) على أنّ اللّيل و النّهار أربعة و عشرون ساعة، و يمكن أن يكون المعيّن له نفس الفعل، فتمضي السّاعة بمضيّ الفعل.

و أمّا السّادس: فلعدم وضوح ما ادّعي من الظّهورين.

و هنا وجه سابع لم أر ذكره في كتب الأصحاب- و لعلّ نظر المشهور أو القائلين بالمقال المذكور إلى ذلك- و هو أن يقال: إنّه مقتضى بعض النّصوص كصحيح البزنطيّ، قال: «سألته عن وقت صلاة الظّهر و العصر فكتب [(عليه السلام)]: قامة للظّهر و قامة للعصر» (4). فإنّ المقصود بالقامة هو صيرورة الفي‌ء مثل الشاخص، و مقتضى إطلاق ذلك أنّ الوقت للظّهر حتّى في يوم الجمعة ذلك، خرج عنه الظّهر‌

____________

(1) المستند ج 1 ص 418 كتاب الصلاة، الصلاة الجمعة، البحث الخامس في وقتها.

(2) الذكرى ص 235 في صلاة الجمعة، الشرط السادس: الوقت.

(3) البحار ج 59 ص 1 باب الأيّام و الساعات و الليل و النهار «طبعة الآخوندى».

(4) وسائل الشيعة ج 3 ص 105 ح 12 من باب 8 من أبواب المواقيت.

21

..........

____________

في غير يوم الجمعة، و ليس ذلك من التخصيص المستهجن بعد دخوله في العموم المذكور، لكن على وجه الاستحباب فتأمّل. و بقي الظهر في يوم الجمعة الّذي هو صلاة الجمعة تحت الإطلاق، و ما دلّ على التّضييق لا ينافي ذلك، بل قد عرفت أنّه يمكن أن يقال: إنّ المنساق من بعض أدلّته «أنّ لصلاة الجمعة وقتا واحدا» أنّ المقصود به هو أحد وقتي الظّهر في غير الجمعة، و إطلاق الظّهر على صلاة الجمعة كثير في الأخبار، كما لا يخفى على المتتبّع، و هي صلاة و الظّهر حقيقة في ذاك اليوم.

القول الثّاني: ما حكي عن الجعفيّ- كما في مصباح الفقيه- (1) أنّ وقتها ساعة من النّهار، فكأنّه أراد ساعة من الزّوال. و قد ظهر وجهه ممّا مرّ، فإنّه يمكن الاستدلال عليه بما مرّ (2) من خبر زرارة- المنقول عن الشّيخ و الصّدوق مرسلا- بتقريب أنّه ظاهر في السّاعة النّجوميّة عرفا، أو بقرينة ما ورد في النّصوص المتقدّمة الإيماء إليها، و ذلك لا ينافي التضيّق العرفيّ الوارد في الرّوايات، لكنّه مردود، بإرسال الخبر و عدم الاعتماد باستقرار الاصطلاح في عصر الصّدور بالنّسبة إلى السّاعة المصطلحة النّجوميّة.

القول الثّالث: ما عن المجلسيّين (3) و اختاره في الحدائق (4)، من أنّ آخره القدمان، و ذلك لما ورد في غير واحد من الأخبار كصحيح زرارة المتقدّم (5) من أنّ «وقت العصر يوم الجمعة وقت الظّهر في سائر الأيّام» فإنّه لا معنى له إلا أنّ وقت العصر فيه بعد القدمين، و هو أوّل وقت فضيلة الظّهر في سائر الأيّام بملاحظة الإتيان بالنّوافل.

و الإيراد على ذلك: بأنّ المستفاد منه أنّ وقت العصر يوم الجمعة وقت الظّهر في‌

____________

(1) مصباح الفقيه ج 2 في صلاة الجمعة ص 430.

(2) في ص 19.

(3) مصباح الفقيه ج 2 ص 430، في صلاة الجمعة.

(4) الحدائق الناضرة ج 10 ص 138.

(5) في ص 14.

22

..........

____________

سائر الأيّام، و هذا لا يدلّ على أنّ وقت الجمعة يمتدّ إلى وقت العصر. مدفوع:

بأنّ الظّاهر من مجموع الأخبار الواردة في الأوقات أنّ تأخير الظّهر عن الزّوال بقدمين و كذا تأخير العصر عن الزّوال بمثل الشّاخص ليس إلّا لمراعاة الصّلوات الّتي لا بدّ من الإتيان بها أو ينبغي أن يؤتى بها، فالحكم بأنّ العصر في يوم الجمعة إنّما هو يعد مضيّ قدمين ليس إلّا من جهة مراعاة الجمعة المتقدّمة عليه، و الفرق بينه و سائر الأيّام عدم النّوافل بعد الزّوال فيه، بخلاف سائر الأيّام، فهو كاد أن يكون صريحا في جواز امتداد الجمعة إلى القدمين.

نعم، الإنصاف أنّه لا يدلّ على التضييق بذلك المقدار و حرمة التأخير عن مضيّ القدمين، لأنّه يكفي في صدق القضيّة المذكورة كون ذلك سنّة، فإنّ الإتيان بالعصر في أوّل وقتها- الّذي هو في الجمعة أوّل وقت الظهر- لا يكون إلّا على وجه الاستحباب، فكيف يستفاد منه وجوب الإتيان بالجمعة في ذاك الوقت؟! كما أنّه لا يدلّ أيضا على عدم لزوم التلبّس بها عند الزّوال المستفاد من الأخبار الأخر فيكفي في ذلك استحباب إتمام الجمعة قبل ذلك.

القول الرّابع: ما حكي عن السيّد بن زهرة و أبي الصّلاح من أنّ وقتها من الزّوال بمقدار ما يتّسع للأذان و الخطبتين و صلاة الجمعة (1). قال في المستند: «بمعنى وجوب التلبّس به في أوّل الوقت و أنّ تفاوت آخره بالنّسبة إلى بطء القراءة و سرعتها و اختصار الخطبة و السورة و القنوت و الأذكار و تطويلها، لا بمعنى أنّ الوقت بقدر أطول ما يمكن، و لا بمعنى أن الوقت بقدر أقلّ الواجب منها» (2).

أقول: فعلى هذا يفوت الجمعة بعدم المبادرة إليها أوّل الزّوال.

و قد يظهر من بعض أنّ المقصود: سعة الوقت من أوّل الزّوال بمقدار ما يسع‌

____________

(1) مصباح الفقيه ج 2، في صلاة الجمعة ص 430.

(2) المستند ج 1 ص 418 كتاب الصلاة، صلاة الجمعة، البحث الخامس في وقتها.

23

..........

____________

للأذان و الخطبتين و الصّلاة بحسب ما هو المتعارف، لكنّ الأوّل أقرب إلى مفهوم ما تقدّم من الرّوايات المصرّحة بتضيّق الوقت، فإنّ مقتضى الثّاني عدم وجوب المبادرة إذا تمكّن بعد ذلك من إقامة الجمعة بأقلّ ما هو الواجب الخارج عن المتعارف.

و يستدلّ على ذلك بجملة من الرّوايات الّتي تقدّم بعضها (1) الدّالّة على أنّ وقت الجمعة حين تزول الشّمس و أنّها من المضيّق و أنّ جبرائيل كان يخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سلّم بأنّه قد زالت الشمس فانزل و صلّ، إلى غير ذلك من الرّوايات. و في بعضها أنّه «إذا كنت شاكّا في الزّوال فصلّ الركعتين، فإذا استيقنت الزّوال فصلّ الفريضة» (2) و في بعضها «أمّا أنا فإذا زالت الشّمس بدأت بالفريضة» (3).

القول الخامس: ما حكي عن ابن إدريس و الشّهيد في الدّروس و البيان و عن ظاهر الرّوضة و جامع الشّرائع و المسالك: من كون صلاة الجمعة كصلاة الظهر في يومها من حيث الفضل و الإجزاء (4)، فيمتدّ وقتها إلى الغروب، و هو الّذي مال إليه في الجواهر (5) و اختاره في مصباح الفقيه «لو لا عدم معهوديّة التوسعة في صلاة الجمعة في الشريعة المقدّسة» (6).

وجه ذلك أنّ المقصود من غير واحد من الأخبار الدّالّة على تضيّق وقت الصّلاة في يوم الجمعة، هو خصوص الظّهر أو الأعمّ منه و من الجمعة.

أمّا الأوّل: فمثل ما تقدّم آنفا من قوله (عليه السلام): «أمّا أنا فإذا زالت الشمس بدأت بالفريضة» مع وضوح أنّ الإمام لم يكن يصلّي الجمعة باختيار منه، فالمقصود‌

____________

(1) في ص 14 و 15.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 19 ح 10 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 9 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) الجواهر ج 11 ص 140.

(5) الجواهر ج 11 ص 141.

(6) مصباح الفقيه ج 2، في صلاة الجمعة ص 431.

24

..........

____________

به صلاة الظهر الّتي كان (عليه السلام) يصلّيها فرادى.

و أمّا الثّاني: فمثل ما تقدّم من صحيح إسماعيل بن عبد الخالق، و ذلك لقوله في الصّدر: سألته (عليه السلام) عن وقت الظهر، فقال (عليه السلام): «بعد الزّوال بقدم أو نحو ذلك إلّا يوم الجمعة» (1) فإنّ المقصود من الظّهر في المستثنى منه لا يمكن أن يكون خصوص صلاة الجمعة، و كذا قوله في الذّيل «إلّا يوم الجمعة أو في السّفر» و ذلك لسقوط الجمعة في السّفر، فالمقصود به بالنّسبة إلى السّفر هو صلاة الظّهر، فإذا كان كذلك و كان المقصود أعمّ من الجمعة و الظّهر فلا بدّ أن يكون المقصود من التضيّق إنّما هو بالنّسبة إلى وقت الفضيلة من حيث عدم الإتيان بالنّافلة في يوم الجمعة و في السّفر. فتلك قرينة على أنّ التضيّق في سائر الأخبار الدالّة عليه- المخصوصة بصلاة الجمعة- إنّما هو بالنّسبة إلى وقت الفضيلة. هذا.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من الرّوايات أمران: أحدهما: التضيّق من جهة عدم الإتيان بالنّافلة بعد الزّوال. ثانيهما: التضيّق من جهة نفس كون الصّلاة المأتيّ بها صلاة الجمعة.

و كون بعض الأخبار دالّا على الأمر الأوّل لا ينافي دلالة بعضها الآخر على الثّاني الخالي عن القرينة المذكورة، كصحيح فضيل و ربعيّ المتقدّم (2) المخصوص بصلاة الجمعة، و صحيح عبد اللّه بن سنان المتقدّم (3). و مقتضى كون الفوريّة من ناحية صلاة الجمعة واجبة- لو لا النوافل- وجوب الإتيان بها في أوّل الوقت، كما أنّ مقتضى أفضليّة الفوريّة من ناحية صلاة الظّهر- لو لا النوافل- استحباب الإتيان بها بعد الزّوال في يوم الجمعة في السّفر أو عند فقد شرائط صلاة الجمعة.

مع أنّ في بعض الروايات قرائن كاد أن يكون صريحا في ذلك، مثل صحيح زرارة، قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ من الأمور أمورا مضيّقة‌

____________

(1) تقدّم في ص 15.

(2) في ص 14.

(3) في ص 15.

25

[ [مسألة 1:] لو خرج الوقت متلبّسا بها و لو بالتّكبير أتمّها جمعة]

[مسألة 1:] لو خرج الوقت متلبّسا بها و لو بالتّكبير أتمّها جمعة (1)

____________

و أمورا موسّعة، و إنّ الوقت وقتان، و الصّلاة ممّا فيه السّعة فربّما عجّل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) سلّم- و ربّما أخّر إلّا صلاة الجمعة، فإنّ صلاة الجمعة من الأمر المضيّق، إنّما لها وقت واحد حين تزول.» (1) فإنّ قوله (عليه السلام): «إنّ الوقت وقتان» ليس المقصود به وقت الفضيلة، فإنّه ليس وقت الفضيلة منقسما إلى الوقتين بالنّسبة إلى غير الصّلاة في الظهر الجمعة، فلا بدّ أن يكون المقصود به أصل الوقت، فالتضيّق الملحوظ في الذّيل، لا محالة يكون بالنسبة إلى أصل الوقت، لا بالنّسبة إلى وقت الفضيلة. هذا.

مضافا إلى ما في مصباح الفقيه (2) و غيره: من عدم معهوديّة التوسعة في صلاة الجمعة في الشريعة المقدّسة. و أنّه لو جاز فعلها في آخر الوقت لاتّفق حصوله أو التّصريح بجوازه من النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سلّم و أوصيائه (عليهم السلام)، و لو عند قدومهم من الأسفار، أو حدوث بعض الأعذار و الأمراض، و لو اتّفق لنقل، فهذا يكشف عن عدم المشروعيّة.

أقول: و ما ذكره جيّد، و يدلّ عليه أيضا ظاهر الآية الشّريفة (3) فإنّ المستفاد منها: هو وجوب السّعي بصرف النّداء، و لو لم يكن فوريّا لم يكن لوم عليهم في الاشتغال بالتّجارة ثمّ إقامة الجمعة بعد ذلك بإذن منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فتأمّل.

فالإنصاف: أنّ القول الرّابع وجيه، و الأحوط عدم تطويلها إلى أكثر من قدمين.

و اللّه العالم بالحقائق و منه التوفيق.

في المسألة أقوال ثلاثة:

الأوّل: ما في المتن، و في الجواهر أنّه: «نسبه في البيان إلى كثير. بل في المحكيّ‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 17 ح 3 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) مصباح الفقيه ج 2، في صلاة الجمعة ص 431.

(3) سورة الجمعة، الآية 9.

26

..........

____________

عن نهاية الأحكام: صحّت الجمعة عندنا» (1).

و وجه ذلك على ما نقل عن كشف اللثام أنّها: استجمعت الشّرائط و انعقدت جمعة بلا خلاف فوجب إتمامها، للنّهي عن إبطال العمل، و صحّت جمعة كما إذا انفضّت الجماعة في الأثناء (2).

و فيه: أنّ عدم سعة الوقت لتمام الفعل يكشف عن كون العمل باطلا من أوّل الأمر، فانعقادها جمعة ممنوع، مع أنّه على فرض انعقادها جمعة يبطل عند خروج الوقت، و بطلانها بخروج الوقت قهرا غير الإبطال الاختياريّ المنهيّ عنه.

و يمكن أن يوجّه ذلك: بأنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على سعة وقت صلاة الظّهر الشامل لصلاة الجمعة أيضا- كما عرفت- سعة صلاة الجمعة أيضا كالظّهر في سائر الأوقات، و القدر المتيقّن من التضيّق إنّما هو بالنّسبة إلى ابتداء الفعل.

و فيه ما لا يخفى، فإنّ مقتضى دليل التضييق هو التضييق بالنّسبة إلى مجموع الصّلاة لا أوّلها. مع أنّ مقتضاه جواز التّأخير عمدا إلى آخر الوقت، و لا أظنّ منهم الالتزام بذلك.

الثّاني: ما عن جامع المقاصد نسبته إلى المعظم، و عن بعضهم نسبته إلى المشهور، و عن الذكرى و غيرها أنّه المناسب لأصول مذهبنا (3)، من أنّها تصحّ جمعة إذا أدرك ركعة منها في وقتها، و اختاره في الجواهر (4) و مصباح الفقيه (5)، و وجهه عموم دليل «من أدرك.» (6).

الثّالث: القول بالبطلان إذا لم يقع جميع صلاة الجمعة في الوقت، كما حكاه في الذكرى عن بعضهم (7)، و قال في الجواهر بعد ذلك: لا شاهد له، بل هو خلاف‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 141.

(2) الجواهر ج 11 ص 141

(3) الجواهر ج 11 ص 141.

(4) الجواهر ج 11 ص 142.

(5) مصباح الفقيه ج 2 ص 432 في صلاة الجمعة.

(6) وسائل الشيعة ج 3 ص 157 باب 30 من أبواب المواقيت.

(7) الذكرى ص 235، في صلاة الجمعة الشرط السادس.

27

إماما كان أو مأموما (1).

____________

ذلك العموم عموم من أدرك (1).

أقول: لعلّ مبنى ذلك أنّ وقت صلاة الجمعة مضيّق بالمعنى المتقدّم نقله عن المستند (2): من لزوم التلبّس بها أوّل الزّوال، فلو زالت الشمس و لم يتلبّس بها فاتت، لأنّه مقتضى كون التضيّق المذكور شرطا في الصّلاة، و هو الظاهر من الأخبار المتقدّم بعضها من انّ وقتها مضيّق و هو حين تزول الشمس (3).

و من ذلك يظهر أنّ الثالث أوفق بما اخترناه في المسألة المتقدّمة.

و أمّا قاعدة «من أدرك» فموضوعها ما إذا تمكّن المكلّف من إدراك ركعة منها في الوقت، بحيث لو كانت الصّلاة ركعة واحدة لكفى الوقت لها، و بعد الإخلال بالفوريّة ليس الوقت صالحا لدرك ركعة منها أيضا في الوقت، هذا على ما اخترناه.

و أمّا وجه البطلان على مسلك المشهور فلأنّه لا وجه للصّحّة إلّا قاعدة «من أدرك» و شمولها للمقام غير معلوم، كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

و ملخّص وجه عدم شمولها عدم عموم في البين يصحّ الاعتماد عليه، و ما ورد فيه المعتبر من صلاة العصر و الغداة لا عموم له بالنّسبة إلى المورد، من جهة كون القضاء و الأداء واحدا فيهما، بخلاف ما نحن فيه، فإنّه على فرض فوت الجمعة لا يقضى جمعة بل يقضى ظهرا. و على فرض وجود العموم فلعلّ الظّاهر من قوله (عليه السلام):

«من أدرك» هو الدّرك الفعليّ المفروض صحّة الصّلاة فيه، مع قطع النّظر عن الحكم المجعول فيها.

إذ لا فرق بينهما فيما ذكر من الدّليل، و أمّا على الثّالث المختار- من فوت الجمعة بصرف عدم المبادرة إليها أوّل الوقت- فهو مخصّص بما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى، من الأدلّة الدالّة على دركها المأموم بدرك ركعة منها، فإنّ الجمعة المنعقدة من‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 142.

(2) في ص 22.

(3) تقدّم في ص 14 و 15.

28

[ [مسألة 2:] تفوت الجمعة بفوات الوقت]

[مسألة 2:] تفوت الجمعة بفوات الوقت ثمّ لا تقضى جمعة (1) «شرائع الإسلام» [بل يجب الظّهر].

____________

تلك الحيثيّة بمنزلة الجمعة الوارد أيضا.

قال (قدّس سرّه) في الجواهر: إجماعا بقسميه، بل في المدارك انّه إجماع أهل العلم انتهى (1).

أقول: فوت الجمعة إمّا من باب عدم درك الجمعة المنعقدة و إمّا من باب عدم انعقاد الجمعة.

أمّا الأوّل: فيدلّ على الحكم المذكور في المتن، صحيح الحلبيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الرّكعة الأخيرة فقد أدركت الصّلاة، و إن أدركته بعد ما ركع فهي أربع بمنزلة الظّهر» (2) و غير ذلك من الصّحاح و غيرها.

و أمّا الثّاني: فقيل عمدة مستنده الإجماع.

أقول: يمكن أن يستدلّ عليه أيضا بأمرين آخرين:

أحدهما: إطلاق ذيل صحيح البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أدرك الرّجل ركعة فقد أدرك الجمعة، و إن فاتته فليصلّ أربعا» (3) فإنّ قوله (عليه السلام) «و إن فاتته.» يشمل صورة فوت الجمعة من باب عدم عقدها، و كون القضيّة السّابقة عليه محتاجة إلى فرض الجمعة المنعقدة لا يقتضي أخذ ذلك في الموضوع، خصوصا بالنّسبة إلى كلتا القضيّتين.

ثانيهما: مقتضى إطلاق غير واحد من الرّوايات (4): أنّ الظّهر أربع ركعات.

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 142.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 40 ح 1 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 41 ح 2 و 4 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 3 ص 31 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض.

29

..........

____________

و هو المؤيّد أيضا ببعض ما ورد في صلاة الجمعة من أنّ الخطبتين بمنزلة الرّكعتين (1). فيعلم من ذلك أنّه لو لا قيام الدّليل على صلاة الجمعة كان مقتضى إطلاق دليل وجوب صلاة الظّهر أربع ركعات أن يصلّى كذلك، خرجنا عن الإطلاق المشار إليه بالنّسبة إلى من لم تفته الجمعة، و أمّا من فاتته الجمعة فمقتضى إطلاق ما يدلّ على وجوب الإتيان بصلاة الظهر أربعا هو أن يصلّى أربعا. و غير خفيّ على من لا حظ الأدلّة أنّ المكلّف به صلاة واحدة، و أنّها إمّا أن يؤتى بها ركعتين مع الخطبتين، و إمّا أن يؤتى بها أربعا، فالمكلّف به في يوم الجمعة هو الظّهر الّذي له فردان، لكن يجب على المكلّف ابتداء اختيار خصوص الرّكعتين، و إذا لم يأت بها فمقتضى الدّليل هو الإتيان بالظهر أربعا، فلم يفت صلاة ظهر الجمعة حتّى يشمله دليل وجوب قضاء ما فات، و أمّا فوت الخصوصيّة الواجبة في مقام الإتيان بصلاة ظهر الجمعة فلا يمكن أن يكون مشمولا لدليل وجوب قضاء ما فات بعد الإتيان بصلاة الظّهر. فهو كمن نذر أن يقنت في صلاة الغداة مثلا فصلّاها من دون القنوت عمدا أو سهوا، فإنّه لا يتمكّن حينئذ من تدارك القنوت في صلاة الصّبح، لعدم إمكان الإتيان بها، لسقوط الأمر بها. أو نذر أن يأتي بصلاة الظّهر في سائر الأيّام في أوّل الوقت جماعة فلم يأت بها كذلك نسيانا أو عصيانا.

و الحاصل: أنّه لا يجب الإتيان بصلاة الجمعة بعد مضيّ وقته و قبل الغروب بعنوان أنّه صلاة ظهر الجمعة، لعدم فوت ظهر الجمعة بما دلّ على الإتيان بها بعد فوتها أربعا، و لم يكن مأمورا به بعنوان مستقلّ في قبال ظهر الجمعة حتّى يؤتى بها مستقلا، فليس في البين إلّا أمر واحد، فإن أتى به فهو، و إلّا قضاها أربعا، كما هو واضح.

هذا كلّه، مع إمكان أن يقال: إنّه لا إطلاق لما دلّ على أنّ: من فاتته فريضة أو‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 14 باب 6 و ص 17 باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

30

[و إن لم يصلّ الظّهر يقضيها خارج الوقت أربعا و لا يقضي الجمعة (1)].

[ [مسألة 3:] لو وجبت الجمعة فصلّى الظهر وجب عليه السّعي]

[مسألة 3:] لو وجبت الجمعة فصلّى الظهر وجب عليه السّعي «شرائع الإسلام» (2).

____________

صلاة فليقضها كما فاتته (1)، لاحتمال أن يكون في مقام بيان أنّه لا بدّ أن يكون القضاء على طبق ما فات، و ليس بصدد وجوب قضاء كلّ ما فات، لكنّ الإطلاق غير بعيد في بعض روايات بابه، كحسن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2).

كما صرّح بذلك في الجواهر (3) أيضا. و ذلك لإطلاق صحيح البقباق المتقدّم (4)، و لأنّ ما تحقّق الفوت بالنّسبة إليه هو ما تنجّز عليه حين الفوت، و ليس ذلك إلّا صلاة الظّهر أربع ركعات.

لكن في ذلك إشكال، إذ ترك الجمعة أوّل الوقت و ترك الأربع بعد ذلك كلاهما دخيل في صدق الفوت، فلا مرجّح لإضافة الفوت إلى خصوص الأخير، فلو كان الوجه منحصرا في ذلك لكان مقتضى القاعدة هو التخيير. و من هنا يعلم وضوح الاحتياط في المسألة، و أنّ قضاء الظّهر أربعا مسقط للتكليف قطعا، بخلاف قضائها ركعتين.

هذا كلّه، مع وضوح الحكم بحسب السيرة المستمرّة بين المسلمين، و إلى الآن لم يعهد قضاء الجمعة في السّبت مثلا. مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ استناد الفوت إلى تركهما، غير ما وقع الفوت عليه، فإنّ سبب الفوت غير ما هو الفائت.

قال (قدّس سرّه) في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل في محكيّ‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 359 باب 6 من أبواب قضاء الصلوات.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 359 ح 4 من باب 6 من أبواب قضاء الصلوات.

(3) الجواهر ج 11 ص 142.

(4) في ص 28.

31

فإن أدركها، و إلّا أعاد الظّهر «شرائع الإسلام» (1)

____________

التّذكرة و المنتهى و جامع المقاصد و ظاهر المعتبر: الإجماع عليه، و عن أبي حنفية و صاحبيه أنّه يسقط بذلك الجمعة (1).

أقول: الوجه فيما ذكره الأصحاب واضح، إذ هو مقتضى إطلاق دليل وجوب الجمعة على نحو التعيين، بعد اجتماع جميع شرائطه المعروفة، كما هو المفروض.

بلا خلاف يعرف. و الوجه في ذلك: أنّ الجمعة في الفرض واجب تعيينيّ، و ليس وجوبه في قبال الظّهر، بأن احتمل وجوب كلتا الصّلاتين متعيّنا، بل مقتضى الدّليل أنّ صلاة الظّهر في يوم الجمعة لا بدّ أن يؤتى بها كذلك، و ليس الوجوب المذكور تكليفيّا محضا- كما هو المعروف في المركّبات- فيصير ملخّص الأمر بها كذلك، إلّا أنّه يشترط في صلاة الظّهر في يوم الجمعة أن يؤتى بكيفيّة الجمعة، و مقتضى ذلك عدم صحّة غير ذاك الفرد، كما في الأمر بسائر الشّرائط و الموانع.

و الحاصل: أنّ دليله مركّب من ثلاث مقدّمات:

1- أنّ وجوب الجمعة تعيينيّ بالفرض.

2- أنّ متعلّق الوجوب هو إتيان الظّهر في يوم الجمعة بالكيفيّة الخاصّة.

3- أنّ الأمر المذكور إرشاد إلى اشتراط صحّة الطبيعة بأن يؤتى بها في الفرد الخاصّ، و لا ريب أنّ نتيجة تلك المقدّمات بطلان صلاة الظّهر حينئذ.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ المقدّمة الثّالثة قابلة للمناقشة، لا من حيث منع ظهور الأمر في الإرشاد، بل من حيث إمكان أن يقال: إنّه يمكن أن يكون إرشادا إلى أنّ الفرد المرشد إليه هو الكامل، كما في الأوامر المتعلّقة بالمركّبات على وجه الاستحباب. غاية الأمر أنّ الفرق بينهما أنّ الكمال المرشد إليه في مقام فرض الوجوب، لازم الاستيفاء، فيكون محصّل الأمر أنّ الطّبيعة لا بدّ أن يؤتى بها في‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 143.

32

[ [مسألة 4:] لو لم يكن شرائط الجمعة مجتمعة لكن يرجو اجتماعها يجوز له تعجيل الظهر]

[مسألة 4:] لو لم يكن شرائط الجمعة مجتمعة لكن يرجو اجتماعها يجوز له تعجيل الظهر (1) (1). و يجتزأ به لو لم تتمّ الشرائط (2)

____________

ضمن الفرد الكامل، و أنّ الفرد الكامل اللزوميّ هو الإتيان بكيفية صلاة الجمعة.

و لو شكّ في ذلك فمقتضى إطلاق الأمر بالأربع- في فرض ترك الرّكعتين مع الخطبة- هو الوجوب و الحصّة، فالظّهر و الجمعة مأمور بهما في آن واحد، على نحو التعيّن، من دون الأمر بالجمع، كما هو معهود في مسألة الترتّب، و مقتضى ذلك صحّة الظّهر المأتيّ به أربعا في ظرف ترك الجمعة عصيانا أو نسيانا، إلّا أنّ الاحتياط لا يترك بإعادة الظهر في المفروض، لعدم الاحتمال المذكور في كلام الأصحاب (رضوان اللّه عليهم و علينا).

لكنّ الإنصاف: أنّ الإرشاد إلى الفرد الكامل خلاف الظاّهر جدّا، بل الظّاهر في الأوامر الإرشاديّة- في الماهيّات الشرعيّة- هو دخالة متعلّق الأمر في ماهيّة المركّب لا في كماله، كيف و لازم ذلك الحمل على الكمال و تعدّد المطلوب في جميع الأوامر الراجعة إلى المركّبات، و الحمل على النّقص مع حفظ أصل الماهيّة في جميع النواهي، و مقتضى ذلك لزوم فقه جديد. و مع التّوجّه إلى ذلك يقطع بصحّة ما أفنوا به الأصحاب، من البطلان و لزوم إعادة الظّهر. و اللّه العالم.

إذ يؤتى به حينئذ رجاء، فظهره واجد لقصد القربة، و المفروض عدم اجتماع شروط الجمعة واقعا، فهو أيضا واجد لشرطه الواقعيّ، و هو عدم التمكّن من الجمعة، فلا وجه لعدم جواز التّعجيل، خلافا لما عن المدارك، فاختار عدم الجواز، و علّله بأنّ الواجب بالأصل، الجمعة. و إنّما يشرع فعل الظهر إذا علم عدم التمكّن من الجمعة في الوقت (2). و فيه ما لا يخفى.

قد مرّ في التعليق المتقدّم ما هو الوجه للاجتزاء به، و ملخصه: كونه واجدا‌

____________

(1) هذه المسألة بتمامها متّخذة من الجواهر ج 11 ص 143.

(2) الجواهر ج 11 ص 143.

33

و لا يجتزء به إذا اجتمعت (1)

____________

لجميع شرائط الصحّة، فلا وجه لعدم الاجتزاء به.

هذا، بناء على ما تقدّم في المسألة السّابقة: من بطلان الظّهر على تقدير التمكّن من الجمعة، و قد عرفت أنّه غير واضح.

ثمّ لا يخفى وضوح الفرع المذكور على مبنى القوم من امتداد الوقت، بما تقدّم في المتن، أو بغير ذلك: من القدمين أو السّاعة النّجوميّة، و أمّا على مسلكنا- من فوت الجمعة بصرف عدم الشّروع فيها بعد الزّوال فورا- فيتصوّر حينئذ بالنّسبة إلى المأموم، فإنّه ربما لا يعلم بأنّه يصير حاضرا بقدر ما يدرك الجمعة و لو بركعة، أو يتمكّن من المصير إلى الجمعة المنعقدة من أوّل الزّوال. فافهم.

فرع: لو علم باجتماع شرائط الجمعة و مع ذلك صلّى الظّهر، و تمشّى منه قصد القربة، إمّا من جهة تخيّل التّخيير، و إمّا من جهة الجهل بوجوبها، ثمّ انكشف عدم اجتماع الشرائط، فالظاهر صحّة صلاته، و وجهه واضح.

و لو انعكس الأمر بأن تخيّل عدم وجود الشرائط فصلّى الظّهر و بان وجودها ففيه وجهان: من بطلان الظّهر، لعدم وجود شرط صحّته- الّذي هو عدم وجود شرائط الجمعة- و من صحّته لجريان حديث «لا تعاد الصّلاة إلّا من خمس» و ليس الفساد من جهة الوقت حتّى يكون داخلا في المستثنى، بل من جهة عدم شرط صحّته، و مقتضى «لا تعاد الصّلاة» هو الصّحّة، إذا كان الشّروع في الصّلاة غير مستند إلى الحكم المستفاد من حديث «لا تعاد».

و منه يظهر الكلام في فرع آخر و هو ما لو شكّ في اجتماع شرائط الجمعة، و كان مقتضى الأصل عدمه، فصلّى الظّهر، فبان اجتماعها، و هو الّذي تعرّض له في الجواهر، و اختار عدم صحّة الظهر (1). و قد عرفت أنّ الأصحّ هو الصّحّة، لحديث‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 143.

34

[ [مسألة 5:] لو تيقّن أنّ الوقت يتّسع للخطبة و ركعتين خفيفتين]

[مسألة 5:] لو تيقّن أنّ الوقت يتّسع للخطبة و ركعتين خفيفتين وجبت الجمعة (1) و إن تيقّن أو غلب على ظنّه أنّ الوقت لا يتّسع لذلك فقد فاتت الجمعة (2) و يصلّي ظهرا (3) «شرائع الإسلام».

____________

«لا تعاد» كما تقدّم. فتأمّل.

غير خفيّ أنّه واضح التصوير، بناء على مبنى القوم من امتداد الوقت إلى أمد خاصّ، و أمّا بناء على أنّه يشترط في صحّة الجمعة الشروع فيها بعد الزّوال فورا- من دون اشتراط آخره بأمد مخصوص- فهو غير متصوّر بالنّسبة إلى اتّساع الوقت من حيث هو، نعم هو متصوّر بالنّسبة إلى آخره، إذا لم يتمكّن من الامتداد على النّحو المتعارف، لخوف أو تقيّة أو غير ذلك. و على أيّ حال فالحكم واضح، للتمكّن من الواجب، فلا وجه لعدم وجوبه.

الحكم واضح بالنّسبة إلى صورة اليقين، و كذا الظنّ الاطمئنانيّ الّذي هو بمنزلة العلم عرفا، بناء على ما تقدّم منّا: من عدم جريان «من أدرك ركعة» في المقام، فإنّه لا بدّ أن يكون الفرض في تلك المسألة ما إذا تلبّس بها أوّل الزّوال و تيقّن عدم الوفاء، لا بناء على ما تقدّم من جهة الوقت أو من جهات أخر توجب عدم التمكّن من إدامة صلاة الجمعة، فلا بدّ في الفرض المذكور من الانتقال إلى الظهر.

و لكن يشكل ما في المتن كما في الجواهر (1) على مبنى القوم- بأن يكون لآخره أمد خاصّ من صيرورة ظلّ كلّ شي‌ء مثله أو مثل ذلك كالقدمين أو الإتيان بالجمعة المتعارفة، أو السّاعة النجوميّة- بأمرين:

أحدهما: أنّه قد تقدّم منهم في المسألة الأولى: «انّ من تلبّس بالجمعة و لو بتكبيرة يتمّها جمعة» و مقتضى ذلك أنّه لو كان الوقت متّسعا لتكبيرة من الجمعة أتى بها، و لا ينتقل تكليفه إلى أربع ركعات.

____________

(1) ج 11 ص 145.

35

..........

____________

ثانيهما: أنّه لو أغمض عنه النّظر لا بدّ أن يقال: بكفاية درك ركعة من الجمعة، بأن يكون الوقت كافيا للخطبتين بنحو الاختصار، و ركعة من الصّلاة لقاعدة «من أدرك» بل يحتمل كفاية درك إحدى الخطبتين لأنّها بمنزلة الركعة.

و يجاب عن الأوّل: بعدم المنافاة بين ما حكموا به في المسألة الاولى و المقام، من جهة أنّ الموضوع هناك هو التلبّس بالجمعة بتخيّل وفاء الوقت، و الموضوع في المقام فرض عدم التلبّس بها، فيبحث عن جوازه و عدمه، و إن كان الدّليل في المقامين غير واضح.

و عن الثّاني: بأنّه يمكن أن يقال: إنّ الظّاهر من قوله «من أدرك ركعة.» هو الإدراك الفعليّ، بأن يوقع الصّلاة مع قطع النّظر عن الحكم الوارد في من أدرك ركعة منها في الوقت، و لا ريب أنّ مقتضى ذلك فرض صحّة الصّلاة المأتيّ بها على كلّ حال، مع قطع النّظر عن الحكم الوارد في القاعدة، و لا يصدق ذلك إلّا إذا صحّت قضاء أيضا، فكانت الصّلاة المأتيّ بها صحيحة على كلّ حال، و يكون مفاد حكم «من أدرك» أنّه في حكم الأداء، و لازم ذلك وجوب المبادرة إليها لمن لم يصلّ. و كيف كان فبعد عدم وضوح المبنى لا يهمّنا تطويل الكلام في ما يتفرّع عليه.

هذا كلّه بالنّسبة إلى صورة اليقين أو ما هو بمنزلته من الظّنّ الاطمئنانيّ.

و أمّا مطلق الظّنّ بالضيق، فالظاهر أنّه في حكم الشّكّ في ذلك، و ملخّص الكلام في صورة الشّكّ أو الظّنّ الغير المعتبر بالضّيق: أنّه إمّا أن يكون الشّكّ في مقدار الوقت و أنّه خمس دقائق أو ستّ، و إمّا أن يعلم بمقدار الوقت و أنّه خمس دقائق و لكن لا يعلم أنّه كاف لأقلّ الواجب في الخطبتين و الرّكعتين أم لا، و على كلّ حال إمّا أن يكون وجوب الجمعة معلوم السّبق، و إمّا لا يكون تكليف معلوم قبل ذلك.

و يمكن أن يقال: إنّ الحكم في جميع ذلك هو وجوب الإتيان بالجمعة لأحد‌

36

..........

____________

الوجوه الآتية على سبيل منع الخلوّ:

1- استصحاب بقاء الوقت إلى آخر الفعل، على تقدير الإتيان به.

2- استصحاب وجوب الجمعة.

3- العلم الإجماليّ بوجوب الجمعة أو الظّهر.

4- وجوب الاحتياط في مورد العلم بالملاك و الشكّ في الحكم الفعليّ لاحتمال العجز، فإنّ الشكّ في القدرة مورد للاحتياط، كما قرّر في محلّه.

و تفصيل الكلام في صورة الشّكّ في التمكّن يتمّ بذكر مسائل إن شاء اللّه تعالى.

المسألة الاولى: أنّه هل يجب المبادرة في فرض الشّكّ في التمكّن أم لا؟ فيه تفصيل، لأنّه:

إن كان منشأ الشكّ، هو الشكّ في وجود الشّرط الشرعيّ للوجوب، ككونه على رأس فرسخين مثلا، أو العدد- بناء على كونه شرطا للوجوب- فلا يجب على المكلّف إحضار العدد للجمعة، فلا يجب المبادرة إلّا إذا كان الحال السّابق هو وجود الشّرط، فيستصحب إلى وقت الجمعة، فيجب المبادرة إليها.

و إن كان منشأه الأمور الخارجيّة، بعد فرض وجود الشرائط الشرعيّة للوجوب، فيجب المبادرة إذا كان المكلّف مسبوقا بالقدرة، أو لم يكن له حالة سابقة معلومة، و ذلك لحجّيّة العلم بالإرادة اللبّيّة في صورة الشكّ في القدرة العقليّة، كما تقرّر في محلّه.

إنّما الإشكال في صورة كونه مسبوقا بعدم القدرة، كما أنّه لو كان محبوسا فأطلق في زمان يشكّ فيه في إدراك الجمعة.

و وجه الإشكال هو الإشكال في جريان استصحاب عدم القدرة.

و ما يمكن أن يورد به عليه أمور:

37

..........

____________

1- أنّ في المخصّص اللبّيّ لا بدّ أن يرجع إلى عموم العامّ الدالّ على وجوب المبادرة.

و فيه: أنّه لا فرق بين اللّفظيّ و اللبّيّ في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.

2- أنّ العلم بالإرادة اللبّيّة، على كلّ حال، حجّة على البعث، فلا يجرى الاستصحاب لوجود الدّليل.

و فيه: أنّ ما هو المعلوم هو حكم العقل بالاشتغال في مورد الشكّ في القدرة، و أمّا كونه من باب أماريّة الإرادة اللبّيّة فهو غير معلوم.

3- أنّ ترتّب عدم الوجوب على عدم القدرة عقليّ.

و فيه: أنّه لا يضرّ ذلك بإطلاق دليل الاستصحاب، إذا كان الأثر شرعيّا.

4- و هو العمدة في الإشكال، أنّ ما هو الشرعيّ هو البعث، و عدم البعث مع العلم بالإرادة اللبّيّة اللّزوميّة لا أثر له، فإنّ عدم البعث في فرض عدم القدرة واقعا معلوم، و في فرض القدرة واقعا غير مفيد- مع العلم بعدم الخلل في الإرادة اللبّيّة على تقدير القدرة- فالظاهر وجوب المبادرة و عدم الاتّكاء على الاستصحاب.

المسألة الثّانية: في صحّة ما أتى به من الظّهر في حال الشكّ في التمكّن، و عدمها:

لا إشكال في الحكم بالبطلان ظاهرا في ما إذا كان الحال السّابق اجتماع الشرائط الشرعيّة، فلو أتى به رجاء و انكشف عدم وجود الشرائط فالظّاهر الصّحّة إن تمشّي منه قصد القربة، و البطلان الواقعيّ إذا انكشف وجود الشرائط واقعا، طبقا للظاهر، و أمّا البطلان الظاهريّ فهو على التقديرين.

و كذا إذا كان مسبوقا بالتمكّن و شكّ في بقائه مع القطع باجتماع الشرائط الشرعيّة من غير فرق بين كون التمكّن من الجمعة بنفسه موضوعا لبطلان الظهر، أو كان ذلك من باب وجوب الجمعة و كان وجوبها تعيينا موجبا لبطلانه، كما لا يخفى.

38

..........

____________

كما أنّه لا إشكال في الحكم بصحّته لو كان مسبوقا بعدم اجتماع الشرائط الشرعيّة. و هذا من غير فرق بين كون صحّة الظهر مترتّبة على عدم اجتماع شرائط الجمعة، أو كانت مترتّبة على عدم التمكّن من الجمعة الصحيحة في جميع وقتها، أو كانت مترتّبة على عدم وجوب الجمعة تعيينا، فإنّ مقتضى الاستصحاب عدم الشرائط و عدم التمكّن و عدم وجوبها، فلا موجب لإتعاب النّفس في تنقيح ذلك بالنّسبة إلى تلك الصّورة، كما في مصباح الفقيه (1).

و أمّا صورة السبق بعدم التمكّن: ففي استصحابه و الحكم بصحّة الظهر إشكال من وجوه:

1- عدم معلوميّة صحّة الظّهر في فرض القطع بعدم التمكّن إلّا مع انقضاء الوقت، فإنّ مقتضى الدّليل أنّ تكليفه ذلك، تمكّن أم لم يتمكّن، فكيف بصورة الشكّ فيه. لكن يدفع ذلك بأنّ مقتضى ما ورد في المريض و الكبير و في حال المطر:

من السقوط (2)- الظّاهر في سقوط ما هو ثابت من اشتراط الظّهر بإتيانه على الكيفيّة الخاصّة المسمّاة بالجمعة، لا سيّما مع عدم التنبيه على وجوب الصّبر و عدم الإتيان بالظّهر إلى انقضاء وقت الجمعة- هو صحّة الظّهر مع فرض عدم التمكّن واقعا.

2- ما تقدّم من أنّ استصحاب عدم التمكّن لا يثبت عدم وجوب الجمعة، فيجب السّعي إليها، فكيف يحكم بصحّة الظّهر. و فيه: أنّ وجوب السّعي من باب العلم بالإرادة اللبّيّة، و أمّا الحكم بعدم البعث الفعليّ إلى الجمعة المترتّب صحّة الظّهر عليه أو على عدم التمكّن، فلا إشكال في إثباته به.

3- أنّه إن كانت صحّة الظّهر مترتّبة على عدم التمكّن، فالأمر كما ذكر: من جريان الاستصحاب، لأنّه بالنّسبة إليه شرط شرعيّ، و أمّا إن فرض كونها مترتّبة‌

____________

(1) مصباح الفقيه ج 2 ص 432، في صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 2 و 37 باب 1 و باب 23 من أبواب صلاة الجمعة.

39

..........

____________

على عدم وجوب الجمعة فعلا، فترتّبها على استصحاب عدم التمكّن يكون بواسطة- عدم الوجوب الّذي يكون ترتّبه على عدم التمكّن عقليّا. و فيه ما تقدّم: من كفاية الأثر الشرعيّ في شمول إطلاق النّهي عن نقض اليقين بالشكّ، و إن كان الترتّب عقليّا. فتأمّل.

فالظاهر صحّة الاستصحاب و الحكم بصحّة الظّهر و إن كان الواجب عليه السّعي إلى الجمعة، كما تقدّم في المسألة السابقة.

و أمّا صورة توارد الحالتين- من التمكّن و عدمه و من اجتماع الشرائط الشرعيّة و عدمه- فصحّة الظّهر موقوفة على كونها مترتّبة على عدم وجوب الجمعة، حتّى يقال:

إنّ مقتضى الاستصحاب عدم وجوب الجمعة المتيقّن قبل الوقت، فيحكم بوجوب الظّهر و صحّته، و هو غير ثابت، بل الظاهر من الدّليل خلافه، فإنّ مقتضى الاستثناء تخصيص الحكم بما لم يكن معنونا بعنوان المخصّص، لا التخصيص بما لا يكون محكوما بحكمه، فإنّ مقتضى «لا تكرم الفسّاق من العلماء» تخصيص وجوب إكرام العالم بمن لا يكون فاسقا، لا بمن لا يكون محرّم الإكرام من أجل الفسق، و لا خصوصيّة في المقام يقتضي خلاف ذلك.

نعم قد تصدّى (قدّس سرّه)، في مصباح الفقيه لتوجيه ترتّب وجوب الظّهر و صحّته على عدم وجوب الجمعة بالتّمسّك بصحيح [فضل بن] عبد الملك قال:

«سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا كان قوم في قرية، صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب لهم، جمّعوا إذا كانوا خمس نفر.» (1) بدعوى ظهوره في أنّ اجتماع شرائط الجمعة يكون شرطا شرعيّا للتكليف بالجمعة، و الظهر واجبة عند عدم تحقّق هذا التكليف (2). انتهى ملخّصا.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 10 ح 2 من باب 3 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) مصباح الفقيه ج 2 ص 432، في صلاة الجمعة.

40

..........

____________

لكن فيه: أنّ قوله (عليه السلام) «فإن كان لهم من يخطب» إمّا أن يكون بصدد بيان اشتراط تبديل الظّهر بصلاة الجمعة، فالشرط يكون لهما إذ التبديل عبارة أخرى عن عدم وجوب الظهر و وجوب الجمعة، و إمّا أن يكون في مقام ذكر ما هو الشرط لوجب الجمعة، مع السّكوت عن وجوب الظّهر و عدمه، قال يدلّ على الاشتراط أصلا. و كيف كان فهو أجنبيّ عن بيان اشتراط وجوب الظّهر بعدم وجوب الجمعة.

المسألة الثّالثة: في بيان الاكتفاء بما أتى به من الظّهر في حال الشكّ.

لا إشكال في الاكتفاء به إذا تبيّن بعد ذلك عدم اجتماع شرائط الجمعة إذا كانت شرعيّة، و كذا إذا تبيّن عدم التمكّن الخارجيّ على إشكال فيه قد تقدّم (1) دفعه إذا أتى بقصد القربة.

و كذا لا إشكال في عدم الاكتفاء إذا لم يكن في البين حكم ظاهريّ يحكم بصحّة الظهر من استصحاب عدم اجتماع الشرائط أو عدم التمكّن و انكشف بعد ذلك اجتماعها كما هو واضح.

إنّما الإشكال في صورة وجود حكم ظاهريّ حاكم بالصحّة، ثمّ انشكف وجود شرائط الجمعة المقتضي للبطلان. وجه الإشكال هو الإشكال في جريان دليل «لا تعاد» من حيث احتمال انحصار مدلوله بصورة السّهو أو ما يماثله، لكن قد عرفت أنّ الأرجح جريان «لا تعاد الصّلاة» بالنّسبة إلى ذلك. و اللّه العالم.

المسألة الرّابعة: لو كان الشكّ في التمكّن من جهة الشكّ في سعة الوقت في الأوّل أو في الآخر، فلا يبعد الحكم بالوجوب لاستصحاب السّعة، و لكونه من الشكّ في التمكّن الذي هو مجرى للاشتغال بلا إشكال إذا فرض العلم بتحقّق الإرادة اللبّيّة.

و لا يبعد الحكم بالصحّة أيضا إذا لم يعلم وقوعها خارج الوقت، و ذلك‌

____________

(1) في ص 38.

41

[ [مسألة 6:] لو لم يحضر الخطبة في أوّل الصّلاة و أدرك مع الإمام ركعة]

[مسألة 6:] لو لم يحضر الخطبة في أوّل الصّلاة و أدرك مع الإمام ركعة (1) «شرائع الإسلام»

____________

لاستصحاب كون الوقت الّذي تقع الصّلاة فيه، هو الوقت السّابق، لا لاستصحاب بقاء الوقت، لأنّه لا يثبت كون الوقت المقارن هو وقت الصّلاة.

و كذا يمكن التمسّك باستصحاب بقاء الوجوب في المسبوق به للحكم بالصّحّة، من جهة أنّ الصحّة هو الموافقة للأمر، و هي محرزة بالوجدان، و كون الأمر باقيا يثبت بالأصل. فتأمّل.

و يمكن أيضا إجراء الاستصحابين في صورة عدم السّبق بالوجوب أيضا كمن بلغ أو طهر من الحيض بعد دخول الوقت، أمّا استصحاب السّعة فواضح، و أمّا الوجوب فلا مانع من التّعليقيّ منه.

و كذا يمكن إجرائهما في من لم يكن متمكّنا أوّل الوقت و تمكّن و شكّ في السّعة، بل يجرى هنا استصحاب آخر و هو بقاء الإرادة اللبّيّة، فيحكم بالصحّة للتطابق المحرز بالوجدان للإرادة اللبّيّة المحرزة بالأصل.

و الظاهر أنّه لا فرق في استصحاب السّعة بين ما إذا لم يكن معلوما بعنوان الدّقائق، أو كان معلوما بالعنوان المذكور لكن لم يعلم السّعة، و ذلك لكفاية الشكّ في الاستصحاب ببعض العناوين، و لو كان معلوما بعنوان آخر.

و ملخّص الكلام: هو الحكم بالصّحّة و الوجوب في جميع الفروض، لوجوه على سبيل منع الخلوّ:

1- استصحاب بقاء الوقت.

2- استصحاب كون الوقت الواقع فيه الصّلاة هو وقتها المضروب لها.

3- استصحاب الوجوب.

4- استصحاب الوجوب التعليقيّ.

5- استصحاب بقاء الإرادة اللبّيّة، فافهم و تأمّل.

قال (قدّس سرّه) في الجواهر [في مقام تفسير العبارة]: «قبل الشروع في‌

42

صلّى جمعة «شرائع الإسلام» (1)

____________

ركوعها بأن دخل في الصّلاة قبل تكبير الإمام لركوعه» (1).

لكن مقتضى إطلاق صحيح (2) الحلبيّ و حسنه (3) و غيرهما عدم اعتبار ذلك، بل اللازم على هذا القول إدراك الإمام قبل أن يركع، و لو كان بعد التكبيرة للرّكوع. و أمّا صحيح محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا أدركت التكبيرة قبل ان يركع الإمام فقد أدركت الصلاة» (4) فلا يدلّ على لزوم إدراك التكبيرة. و ذلك لعدم اعتبار ذلك في الجماعة قطعا كما يشهد به ما يجي‌ء إن شاء اللّه، و لأن المنساق منه: أنّ الملاك هو «قبل أن يركع» و التكبيرة مشيرة إلى ذلك، خصوصا مع استحباب تكبيرة الرّكوع، و ربما لا يقولها الإمام أصلا، فلا إشكال ظاهرا من تلك الجهة.

بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر (5). و يدلّ عليه:

1- صحيح فضل بن عبد الملك المرويّ في الوسائل عن الصّدوق و الشّيخ، بطرق مختلفة، فعن الفقيه، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا أدرك الرّجل ركعة فقد أدرك الجمعة، و إن فاتته فليصلّ أربعا» (6). و عن الشيخ عنه و عن أبى بصير جميعا عنه (عليه السلام)، قال: «إذا أدرك الرّجل ركعة فقد أدرك الجمعة فإن فاتته فليصلّ أربعا» (7). و عنه أيضا بطريق آخر، عن الفضل بن عبد الملك، قال:

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 147.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 40 ح 1 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 41 ح 3 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 440 ح 1 من باب 44 من أبواب صلاة الجماعة.

(5) الجواهر ج 11 ص 147.

(6) وسائل الشيعة ج 5 ص 41 ح 2 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(7) وسائل الشيعة ج 5 ص 41 ح 4 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

43

..........

____________

«قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): من أدرك ركعة فقد أدرك الجمعة» (1).

أقول: لعلّ ما صدر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، لم يكن إلّا حكما واحدا في دفعة واحدة، و الاختلاف إنّما حصل من نقل كلامه (عليه السلام) على ما هو المفهوم من ألفاظه.

2- صحيح عبد الرّحمن العرزميّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا أدركت الإمام يوم الجمعة و قد سبقك بركعة فأضف إليها ركعة أخرى و أجهر فيها، فإن أدركته و هو يتشهّد، فصلّ أربعا» (2).

3- الصحيح أو الحسن بإبراهيم، المرويّ عن المشايخ الثلاثة عن الحلبيّ عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)- و المتن على ما عن الكافي- أنّه قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة، قال [(عليه السلام)]: يصلّى ركعتين فإن فاتته الصّلاة فلم يدركها فليصلّ أربعا، و قال [(عليه السلام)]: إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الرّكعة الأخيرة فقد أدركت الصّلاة و إن أنت أدركته بعد ما ركع، فهي الظّهر أربع» (3).

4- خبر محمّد بن عبد الرّحمن العرزميّ عن أبيه عبد الرحمن، عن جعفر عن أبيه عن علىّ (عليهم السلام)، قال: «من أدرك الإمام يوم الجمعة و هو يتشهّد فليصلّ أربعا، و من أدرك ركعة فليضف إليها أخرى يجهر فيها» (4).

و لا يعارض تلك الرّوايات المعتبرة الصّريحة المورد لعمل الأصحاب بمصحّح ابن سنان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الجمعة لا تكون إلا لمن أدرك‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 41 ح 6 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 41 ح 5 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 41 ح 3 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 42 ح 8 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

44

..........

____________

الخطبتين» (1). و ذلك لصراحة الرّوايات المتقدّمة في إدراك الجمعة بإدراك ركعة منها، فالجمع العرفيّ بينهما إنّما هو بحمل الثّاني على نفى الكمال، و أنّ من لا يدرك الخطبة قد حرم من فيض عظيم، و جمعته بالنّسبة إلى مدرك الخطبتين من حيث الفضيلة و الكمال بحكم المعدوم، أو يحمل على التقيّة لموافقته لمذهب عمر و عطاء و طاوس و مجاهد على ما في الجواهر (2)، أو يقال: إنّ المقصود: الإرشاد إلى عدم لزوم الحضور لجمعتهم حينئذ من جهة موافقة تركه لفتوى غير واحد من فقهائهم، أو يقال: إنّ ما يؤتى به من الجمعة بإدراك الرّكعة أو الرّكعتين لا يكون جمعة كاملة حقيقة، بل هو بعض صلاة الجمعة، و الاكتفاء به من باب أنّ «الميسور لا يسقط بالمعسور» و سقوط الظّهر بذلك غير الإتيان بصلاة الجمعة بجميع ماله من الأجزاء و الشرائط.

و من هنا يمكن أن يقال: إنّ مقتضى إطلاق وجوب الجمعة الّتي هي مركّبة من الخطبتين و الرّكعتين لزوم درك الخطبتين و حصول العصيان بترك المبادرة عمدا، كما هو الظاهر من الآية المباركة الدالّة على وجوب السّعى بصرف النّداء، و اللّوم على الاشتغال باللّهو و التّجارة عن حضور خطبة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) (3). أو يقال: إنّ المقصود أنّ وجوب السّعى ليس على من لا يدرك الخطبة إذا صلّى الغداة في أهله. فتأمّل. هذا.

مع أنّه على تقدير التّعارض يمكن أن يرجع إلى إطلاق بعض الرّوايات الواردة في مطلق الجماعة و أنّها تدرك بإدراك ركعة منها، كمصحّح سليمان بن خالد عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «في الرّجل إذا أدرك الإمام و هو راكع و كبّر الرجل و هو مقيم صلبه ثمّ ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه، فقد أدرك‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 42 ح 7 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) الجواهر ج 11 ص 147 و 148.

(3) سورة الجمعة الآية 9 و 11.

45

و كذا لو أدرك الإمام راكعا في الثّانية على قول «شرائع الإسلام» (1)

____________

الرّكعة» (1).

إلّا أن يشكل في ذلك بأنّ مقتضى مثل الإطلاق المذكور صحّة الصلاة و الجماعة من حيث إنّها صلاة، و أمّا من حيث الخطبتين اللّتين هما بمنزلة الرّكعتين فلا يقتضي الاكتفاء بها عنها، فيمكن التّمسّك بذلك بالنّسبة إلى من سمع الخطبتين ثمّ انصرف إلى شغل فأبطأ فأدرك الإمام راكعا في الرّكعة الثانية.

و من ذلك يظهر أنّ إدراك الإمام قبل الرّكوع، أو راكعا في الرّكعة الثانية إذا أدرك الخطبتين خال عن أيّ إشكال من حيث النّصّ و الفتوى. فإنّ مصحّح ابن سنان المتقدّم (2) لا يقتضي في هذه الصّورة البطلان، بل مقتضى المفهوم هو الحكم بحصول الامتثال و درك الجمعة، و إن كان فيه تأمّل.

قال (قدّس سرّه)، في الجواهر: هو مشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة نقلا و تحصيلا، بل في الخلاف: الإجماع عليه، و لم يحك الخلاف إلا عن المفيد في المقنعة و الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار، و القاضي؛ لكن لم أجده في المقنعة، و في مفتاح الكرامة أنّه لم يجده فيها، و حصر الخلاف في المحكىّ عن السّرائر في الشيخ (قدّس سرّه)، و أمّا الشيخ فقد يقال: إنّه عدل عنه في بعض موارد تهذيبه، و في الخلاف المتأخّر تصنيفه، ادّعى الإجماع على المشهور. انتهى محرّرا و ملخّصا (3).

أقول: يدلّ على المشهور أمور:

1- صحيح عبد الرّحمن العرزميّ المتقدّم (4) إذ لا ريب في ظهور قوله (عليه السلام)- على ما في الذّيل-: «فإن أدركته و هو يتشهّد فصلّ أربعا» في الاكتفاء بها حال الرّكوع.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 441 ح 1 من باب 45 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) في ص 43.

(3) الجواهر ج 11 ص 148.

(4) في ص 43.

46

..........

____________

إن قلت: ليست دلالته على المقصود إلّا بالمفهوم و هو معارض.

أوّلا: بمفهوم الصّدر: «إذا أدركت الإمام يوم الجمعة و قد سبقك بركعة فأضف إليها ركعة أخرى» فإنّ مفهومه أنّه إذا كان سبق الإمام أكثر من ركعة واحدة فلا يكتفى بضمّ ركعة أخرى، و مقتضى ذلك عدم الاكتفاء بهما إذا أدرك الإمام راكعا.

و ثانيا: لا يكون الذّيل بصدد التحديد و بيان المفهوم و إلّا لاقتضى الاكتفاء بإدراك الإمام في إحدى السّجدتين فالتقيّد بالتشهّد ليس إلّا لبيان أنّ الّذي يكون بصدد بيانه حكم ما قبل الرّكعة و ما بعدها و لا يكون بصدد بيان حكم إدراك الإمام في أثناء الرّكعة.

قلت: يمكن أن يقال: إنّ الخبر الشريف ليس بصدد حدّ الإدراك، بل بصدد بيان ما يترتّب على الإدراك و عدمه، و أنّه يضمّ في الصّورة الأولى ركعة يجهر بها و في الصّورة الثّانية يكون تكليفه الإتيان بالأربع. فالاستدلال به من جهة جعل التشهّد مثالا لمن لم يدرك، لا من جهة كونه في مقام التحديد. و ليس له نكتة إلّا كونه أوّل مالا يمكن معه الإدراك فإنّه- كما ذكروه في الجماعة- يمكن إدراك الجماعة في السجود أيضا، و حينئذ لا يكون تكليفه الأربع، بل هو بزيادة السّجدتين. فتأمّل فإنّه لا يخلو عن غموض.

2- المستفيضة الدالّة على أنّ: من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة، المنقول عن البقباق و أبي بصير بطرق مختلفة و قد تقدّم (1) بضمّ ما دلّ على إدراك الرّكعة بإدراك الإمام راكعا كصحيح سليمان بن خالد المتقدّم (2) و صحيح الحلبيّ و فيه: «إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبرت و ركعت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الرّكعة» (3) و غير ذلك.

____________

(1) في ص 42.

(2) في ص 44.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 441 ح 2 من باب 45 من أبواب صلاة الجماعة.

47

..........

____________

3- كفاية إدراك الرّكوع في صحّة الجماعة الشّامل بإطلاقه لصلاة الجمعة، مثل ما نقل عن الفقيه بإسناده عن زيد الشّحّام: أنّه «سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل انتهى في الإمام و هو راكع، قال [(عليه السلام)]: إذا كبّر و أقام صلبه ثمّ ركع فقد أدرك» (1) و غيره كخبر معاوية ابن ميسرة المرويّ عنه صحيحا (2)، و لا يبعد اعتباره من جهة معاوية أيضا.

و يمكن الاستدلال لما نسب إلى المفيد و الشّيخ و القاضي بما تقدّم (3) من صحيح الحلبيّ و الحسن أو الصّحيح المرويّ عن المشايخ الثلاثة، و لا ريب في ظهور قوله (عليه السلام) «قبل أن يركع» في ما ذكروه، و حمله على ما قبل تماميّة الرّكوع خلاف الظّاهر جدّا، كظهور قوله (عليه السلام): «و إن أنت أدركته بعد ما ركع» في ما ذكروه أيضا، إذ فرق واضح بين قولنا «بعد ركوعه» و «بعد ما ركع» و السرّ في ذلك أنّه ليس مفاد فعل الماضي إلّا تحقّق الفعل، و ليس عنوان المضيّ مأخوذا فيه، و تحقّق الفعل الممتدّ لا يلازم المضيّ. و الحاصل: أنّ ظهور الصّحيح صدرا و ذيلا في ما ذكروه غير قابل للإنكار.

و أمّا معارضته بأدلّة المشهور فيمكن الجواب عنها: أمّا بالنّسبة إلى صحيح العرزميّ المتقدّم (4) فلما أشير إليه في طيّ الاستدلال.

و ملخّص الجواب عنه:

أوّلا: أنّه يمكن أن لا يكون الصّحيح في مقام بيان حدّ درك الجمعة، بل في مقام بيان كيفيّة الصّلاة في فرض درك الرّكعة و في فرض عدمه، و أنّه يضمّ ركعة أخرى يجهر بها في الصّورة الاولى، و يصلّي أربعا في الصّورة الثّالثة.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 442 ح 3 من باب 45 من أبواب صلاة الجماعة

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 442 ح 4 من باب 45 من أبواب صلاة الجماعة

(3) في ص 42 و 43.

(4) في ص 43.

48

..........

____________

و ربما يؤيّد ذلك قوله في خبر آخر عنه أيضا: «و من أدرك ركعة فليضف إليها أخرى يجهر فيها» و قد تقدّم (1) و هو أوضح في كونه بصدد بيان حكم الصّلاة بعد فرض دركها، فيكون ملخّص مفاده على ذلك أنّه إن أدركت الرّكعة بأن سبقك الإمام بركعة فأضف إليها أخرى، و إن لم تدركها مثل أن كان الإمام متشهّدا فليصلّ أربعا، و حينئذ لا يكون في مقام تحديد الدّرك حتّى يؤخذ بمفهوم الذّيل.

و ثانيا: على فرض كونه في مقام بيان حدّ درك الجمعة- عدم التّناسق بين الصّدر و الذّيل دليل عرفا على سكوته عن حكم إدراك الإمام في أثناء الرّكعة الثّانية، و أنّه بصدد بيان حكم ما قبل الرّكوع و حكم ما بعد التشهّد.

و ثالثا:- على فرض كونه في مقام بيان المفهوم- يقع التّعارض بين الصّدر و الذّيل من حيث المفهوم. فتأمّل.

و رابعا:- على فرض التّحديد و عدم التّعارض- يمكن أن يكون الملاك هو الذّيل و يكون بصدد تحديد ما يدرك به فضيلة الجماعة من دون الاكتفاء بها و هو يكون قبل التّشهّد.

و أمّا بالنّسبة إلى ما دلّ على إدراك الجمعة بإدراك الرّكعة، و إدراك الرّكعة بإدراك الرّكوع، فلأنّ ما يدلّ على الثّاني ليس إلّا مطلقا يشمل الجمعة فيقيّد بمثل الصّحيح الظّاهر في ما ذكر الوارد في خصوص الجمعة، فيقال: إنّ الجمعة و إن كانت مشتركة مع سائر الصّلوات المأتيّ بها جماعة في أنّ إدراكها يحصل بإدراك ركعة منها إلّا أنّ إدراك الرّكعة في خصوص الجمعة ليس إلّا بإدراك الإمام قبل الرّكوع، و لا بعد في ذلك أصلا.

و على فرض التّعارض يرجع إلى ما دلّ على اشتراط صحّة الجمعة بالجماعة الظّاهر في أنّ الشّرط المذكور لا بدّ من مراعاته من أوّل الصّلاة إلى آخرها، خرجنا‌

____________

(1) في ص 43.

49

..........

____________

عن الإطلاق المذكور بالنّسبة إلى الرّكعة الاولى، و أمّا الرّكعة الثانية فيشكّ في الاشتراط بالنّسبة إلى قبل الرّكوع، و مقتضى الأخذ بالإطلاق المذكور ذلك.

و ممّا ذكر يظهر الجواب عن الدّليل الثّالث الّذي تقدّم للمشهور. و منه يظهر قوّة الثّاني. و لعلّه لذلك حكى في الجواهر نفي بعده عن الصّواب في المحكيّ عن التّذكرة و النّهاية و تردّد كاشف الرّموز في المحكيّ عنه (1) و هو الّذي يظهر من المحقّق- (قدّس سرّه)- فيما نقلناه من المتن.

لكن لا يترك الاحتياط بلحوق الجمعة إذا أدرك الإمام راكعا، لا سيّما عند الاشتغال بذكر الرّكوع و إتمام الصّلاة جمعة ثمّ الإتيان بالظّهر. و اللّه العالم بحقائق الأحكام.

مسألة: لو كان إدراك المأموم لركعة من صلاة الإمام مستلزما لوقوع بعض صلاته خارج الوقت، إمّا من باب القول بمقالة المشهور أو ما يشابهه من التّقدير بالقدمين، و إمّا من باب فرض شروع الإمام من أوّل الوقت و إدامتها إلى بقاء مقدار أربع ركعات من غروب الشّمس المختصّ بالعصر، فهل يحكم بصحّة صلاته مطلقا؟ أو يحكم بفسادها مطلقا؟ أو يفصّل بين كون ركعة منه في الوقت فتصحّ، و عدمه فلا تصحّ؟ وجوه:

أمّا الوجه الأوّل: فلإطلاق ما دلّ على أنّ: من أدرك ركعة فقد أدرك الجمعة.

و فيه: أنّه ليس المقصود أنّ كلّ من أدرك ركعة من الجمعة الصّحيحة فقد أدرك الجمعة و لو مع ترك الرّكعة الثانية و الاكتفاء بركعة واحدة، أو الإخلال بجميع شرائط الرّكعة الثانية أو بعضها اختيارا، أو إذا لم يقدر على التّحصيل، لأنّ ذلك كلّه خلاف الضّرورة، و خلاف المنساق من الدّليل، بل المقصود بيان عدم‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 149.

50

و لو كبّر و ركع ثمّ شكّ: هل كان الإمام راكعا أو رافعا لم يكن له جمعة و صلّى الظّهر «شرائع الإسلام» (1)

____________

مانعيّة الخلل الموجود في الرّكعة الثّانية من حيث فقدها للجماعة إذا كانت الرّكعة الأولى واجدة للشّرط المذكور.

و الحاصل: أنّه لا فرق بين الوقت و سائر الشّرائط و الأجزاء من حيث عدم كونه في مقام التّوسعة بالنّسبة إليها.

و قد يقال- بناء على المشهور-: إنّه لا دليل على تضيّق آخر الوقت بالنّسبة إلى المأموم المسبوق، لأنّ عمدة الدّليل هي السّيرة، فلا بأس بكون بعض صلاته بعد صيرورة ظلّ الشّاخص مثله، من جهة كونه واقعا في الوقت بالنّسبة إليه.

و فيه: أنّ ما استدلّوا به من الأدلّة اللّفظيّة مطلق من حيث الإمام و المأموم، و عدم دلالته على المطلوب ليس إلّا كعدم دلالة السّيرة على مطلوبهم.

و أمّا وجه التفصيل فلعموم «من أدرك ركعة من الوقت»، و قد تقدّم عدم شموله للمقام.

فالحكم بعدم صحّتها مطلقا قويّ، بحسب الظّاهر. و اللّه العالم.

الظّاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في البناء على صحّتها جمعة و جماعة في الفرض المذكور في المتن، الّذي يكون الشّكّ فيه بعد الدّخول في الصّلاة بقصد عقد الجماعة و الجمعة، إذا احتمل كونه متذكّرا حين الاقتداء و مراقبا لدرك شرط صحّة الاقتداء، خصوصا إذا كان الشّكّ المذكور بعد الفراغ عن الصّلاة، فإنّ الحكم فيه واضح.

و أمّا في صورة كون الشّكّ في حال الرّكوع- كما هو الظّاهر من العبارة- فللفراغ عن عقد الاقتداء و إحداثه، فهو كمن شكّ في نهار رمضان: هل دخل في أوّل الفجر في الصّوم الصّحيح أم لا؟ أو شكّ في حال رؤية نفسه مقتديا و ناويا له: هل نوى الاقتداء حين التكبيرة أم لا‌

51

..........

____________

و دعوى أنّ المفروض في الجمعة هو الشّكّ في صحّة تلك الرّكوع، إذ لو لم تصحّ- الجماعة لم تصحّ الجمعة، لعدم صحّتها فرادى، و المفروض في تلك الصّورة كون الشكّ في حال الرّكوع، فيكون الشّكّ في الشّي‌ء قبل التّجاوز عنه.

مدفوعة بأنّه ليس المقصود هو الحكم بصحّة الرّكوع الّذي هو مشتغل به حتّى لا يكون الشّكّ فيه بعد الفراغ، بل المقصود هو الحكم بصحّة حدوث الرّكوع الّذي هو محقّق لقصد الجمعة و الجماعة، و الشّكّ في صحّة ما بيده مسبّب عن الشّكّ في صحّة الاقتداء و قد فرغ عنه، فتجري قاعدة الفراغ بلا إشكال ظاهر.

نعم قد يشكل الأمر في ما لو كان قاطعا بالغفلة و الذّهول و عدم كونه بصدد تأمين شرط صحّة الاقتداء، و هو إشكال سار في جميع موارد قاعدة الفراغ، و قد بيّنّا في محلّه أنّ الأصحّ هو جواز التّمسّك بإطلاق ما يدلّ على القاعدة، و إن كان الاحتياط لا يترك بضمّ الظّهر إلى الجمعة في هذا الفرض. و هو العالم.

و لو شكّ قبل الاقتداء في أنّه هل يبقى الإمام في الرّكوع في ظرف ركوعه، أو شكّ حين الاقتداء في كون الإمام راكعا، فهل يحكم بصحّة الاقتداء، لاستصحاب بقاء الإمام في الرّكوع حين ركوعه؟ أو يحكم ببطلانه لاستصحاب عدم تحقّق ركوعه حين كون الإمام في الرّكوع؟ أو يفصّل بين كون ركوعه معلوم التّاريخ، فيحكم بالصحّة، لاستصحاب بقاء الإمام في الرّكوع حين ركوعه المعلوم تاريخه، و بين كون ركوعه مجهول التاريخ- فتأمّل- فيحكم بالبطلان إمّا من جهة استصحاب عدم وقوع ركوعه حين ركوع الإمام إن كان ركوع الإمام معلوم التّاريخ و إمّا من جهة التّعارض إن كان كلّ منهما مجهولي التاريخ؟

لا يبعد تعيّن الاحتمال الثّاني و هو الحكم بالبطلان مطلقا، لا لما ذكر من الوجه، بل لتعارض استصحاب بقاء الإمام في الرّكوع آن تحقّق ركوع المأموم، لاستصحاب عدم ركوع المأموم في زمان بقاء الإمام في الرّكوع في جميع الموارد، حتّى في صورة علم المأموم بتاريخ ركوعه، فإنّه بهذا العنوان مشكوك و إن كان معلوما‌

52

..........

____________

بعنوان آخر، و لا يقتضي ذلك كون المستصحب هو مجموع عدم الرّكوع المضاف إلى زمان بقاء الإمام في الرّكوع، بل المستصحب هو عدم الرّكوع. و الزّمان المشار اليه إنّما هو ظرف بالنسبة إليه، و عروض الشّكّ للمستصحب إنّما يكون بهذا العنوان الّذي يكون موردا للأثر، و بعد التّعارض يرجع إلى استصحاب عدم تحقّق الرّكوع المتّصف بكونه حين ركوع الإمام، بنحو يكون المستصحب هو عدم المقيّد لا عدم الرّكوع في الظّرف المخصوص.

و لو لا التّعارض المذكور لكان استصحاب بقاء الإمام في الرّكوع- حين ركوع المأموم- حاكما على استصحاب عدم الرّكوع المتّصف بكونه في حال ركوع الإمام، لكون أصالة بقاء الإمام في الركوع بضمّ قيام الوجدان بتحقّق ركوعه يثبت الموضوع، و هو الرّكوع بقصد الايتمام عند بقاء الإمام في الرّكوع، فيرفع الشّكّ في حصول المقيّد و عدمه بالحكم بحصوله، بخلاف العكس، فإنّ استصحاب عدم المقيّد بما هو مقيّد لا يثبت عدم ذات المقيّد عند فرض وجود القيد، و إن كان يستلزمه عقلا مع فرض وجوده. فتأمّل فإنّه لا يخلو عن الدقّة [1].

و مخالفة ذلك للمشهور بين الأصوليّين في أمرين.

أحدهما: التّعارض، و لو كان أحد الحادثين معلوم التّاريخ، و الوجه في ذلك‌

____________

[1] و فيه: أنّ استصحاب بقاء الشرط حين وجود المشروط، كما يكون حاكما على استصحاب عدم تحقّق المشروط بعنوانه، يكون حاكما على استصحاب عدم تحقّق ذات المشروط في ظرف وجود الشرط و ذلك لأنّ الاستصحاب في جانب الشرط يرفع الشكّ عن المشروط، فإنّ وجود المشروط محرز بالوجدان، و وجود الشرط بالأصل، فهو موجود حين وجود الشرط، بخلاف استصحاب عدم المشروط حين وجود الشرط، فإنّه لا يثبت من حيث الشرط إلّا كونه موجودا حين عدم المشروط، و لا يترتّب على ذلك أثر، إذ الأثر مترتّب على وجود الشرط حين وجود المشروط فيحكم بصحّة المشروط، و على عدمه حين وجود المشروط فيحكم ببطلان المشروط. نعم يترتّب عقلا على عدم وجود المشروط حين وجود الشرط مع فرض العلم بوجود المشروط في الجملة، أنّه وجد في ظرف عدم شرطه، و هو غير ثابت بالاستصحاب.