مباحث فقهية - الوصية، الشركة، صلة الرحم

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
389 /
9

تقديم

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و خاتم المرسلين، محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، و على آله الحجج على الخلق أجمعين، و اللعن الدائم المؤبد على أعدائهم و الراضي بفعلهم من الآن إلى قيام يوم الدين.

و بعد: فإن الفقه الإسلامي بما امتاز به من قوة البناء، و رسوخ الأركان، و تعدد الحقول، و سعة الآفاق، و المصادر و الأحكام، في شتى المجالات، و على جميع الأصعدة و الميادين. لذا احتاج إلى صياغة متقنة مترابطة كاملة، من خلالها يتعرف الإنسان على معرفة أحكامه في جميع ميادين الحياة، سواء ما يخص دائرة الفرد بخصوصه، أو ما يتعلق بعلاقاته الأخرى، التي تربطه مع‌

10

خالقه عزّ و جلّ، و مع أفراد نوعه و مجتمعه، فلا ترى مجالا من مجالات الحياة على مر العصور و الأزمنة، إلّا و للفقه الإسلامي دور فعال في بناء الفرد و المجتمع.

فحينئذ لا بد من التعرف على مبادئه، و أسسه العامة، لكي يستطيع الإنسان من النفاذ إلى أغوار الأحكام الفقهية، التي تنطوي على تفصيلات متشعبة، تنفتح منها نوافذ واسعة، يطل من خلالها على الأحكام المتفرعة، من أصولها المتأصلة، في جذور راسخة.

و هذا كله لا يتسنى للفرد إلّا ان يستقي ذلك من ينبوع نمير، صاف، عميق، قد تأصلت فيه القواعد الكلية، التي من واقعها تبرز الأسرار الشرعية.

و لا تجد ذلك كله إلّا في مصدر الحق، و العدالة، و الإمامة، أعني بذلك قوما قد قال الله سبحانه و تعالى في حقهم: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1)

فهؤلاء هم الذين عرفوا الفقه بحقيقته الأساسية، التي شرّعها المولى عزّ و جلّ لعباده في جميع شئونهم، عند ما بعث لهم رسولا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ و يعلمهم و يزكيهم ...

و كيف لا يكون كذلك و قد نزل التشريع الإلهي في بيوتهم.

____________

(1) الاحزاب: 33

11

فإذا: الرائد الأول لهذه المسيرة العلمية، و الواضع البنية الأساسية لها هو النبي (صلى اللّه عليه و آله)؛ فإنه حمل على عاتقه تعليم الأمة الإسلامية منذ ان بعثه الله عزّ و جلّ لهداية البشرية جمعاء، و ما زال الرسول (صلوات الله و سلامه عليه) يبلغ رسالة ربه حتى جعل قومه خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ، بعد ان كانوا لا يفقهون شيئا.

و من الطبيعي جدا لا بد لهذه المدرسة من رائد يقوم مقام النبي (صلى اللّه عليه و آله)؛ لكي تستمر المسيرة العلمية على مدى الأيام و السنين، حتى يبعث الله مَنْ فِي الْقُبُورِ.

و لا يقوم بأعبائها إلّا رجل قد خصه الله سبحانه و تعالى بذلك؛ إذ جعله خليفة لخاتم الأنبياء و الرسل، فهو الصدر الذي تلقى علومه من وعاء الوحي و الرسالة، حيث قال رسول الله (صلى اللّه عليه و آله) في حقه: «أنا مدينة العلم و علي بابها و هل تدخل المدينة إلا من بابها» (1)

و قال أمير المؤمنين (صلوات الله و سلامه عليه): «علمني رسول‌

____________

(1) البحار: 10/ 117، مستدرك الحاكم: 3/ 127، الجرح و التعديل: 3/ 99، تهذيب التهذيب: 7/ 296- 374، لسان الميزان: 1/ 180- 197- 423، لسان الميزان: 2/ 123، لسان الميزان: 3/ 138، اسد الغابة: 4/ 22، تذكرة الحافظ: 4/ 1231، فتح الملك العلي: 24- 29- 44.

12

الله (صلى اللّه عليه و آله) ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب» (1).

و هكذا راح أمير المؤمنين (عليه السلام) يشيد أركان المدرسة العظمى في جميع حقولها، و في شتى ميادينها، مناديا: سلوني قبل أن تفقدوني (2)

حتى رسّخ قواعدها، و جعلها منارا و مشعلا ينير الطريق لرواد العلم و الفضيلة، و استمر على ذلك حقبة من الزمن، حتى غادر الدّنيا مثلا عظيما شامخا قد سطع نوره في جميع الآفاق.

و هكذا تعاقب أئمة الهدى (صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين)، على حمل هذه المسيرة لهداية البشرية بما سنحت لهم الظروف، حتى جاء دور الإمام الباقر (عليه السلام) فنشر علوم آبائه و أجداده بشكل واسع النطاق، محلّقا بذلك في الأفق؛ و ليس ذلك إلّا لتهيأ بعض الظروف الملائمة له، و إلّا فهم نور واحد، حيث انهم موضع الرسالة، و مهبط الوحي، و معدن الرحمة، و خزّان العلم.

و عند ما شع نوره في أنحاء المعمورة، هرع له كل عطشان للعلم لكي يروي ظماه، حيث يجد ينبوعا غزيرا لا تنقص مياهه كلما غرف منه،

____________

(1) البحار: 22/ 470، فتح الملك العلي: 48.

(2) مستدرك الحاكم: 2/ 352- 466، كنز العمال: 13/ 165، كنز العمال: 14/ 612، تاريخ اليعقوبي: 2/ 193.

13

و يجد أيضا ضالته التي يبحث عنها.

يحدثنا عن ذلك عبد الله بن عطاء المكي، حيث يقول: «ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)، و لقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه» (1).

و يقول باقر علم الأولين و الآخرين في هذا المضمار: «لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عزّ و جلّ حملة لنشرت التوحيد، و الإسلام، و الايمان، و الدين، و الشرائع من الصّمد، و كيف لي و لم يجد جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) حملة لعلمه» (2)

و لما انتهى دور الإمام الباقر (عليه السلام)، جاءت الظروف التي جعلت نجله الإمام الصادق (صلوات الله و سلامه عليه)، يحمل مشعلا يشع منه نور وضاء يسطع في أفق سماء الكرة الأرضية، لكي يهتدي بنوره رواة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) حتى التف حوله كواكب لامعة، اقتبست من نوره (عليه السلام)، و به نشرت علومهم في أنحاء المعمورة، و صارت تلك الأحاديث هي المصادر الأساسية للتشريع الإلهي بعد القرآن الكريم.

____________

(1) الإرشاد: 263، البحار: 46/ 286، ح 2، و غيره من المصادر الاخرى.

(2) البحار: 3/ 225، ح 15.

14

و هكذا مارس الرواة دورهم في نشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) فترة من الزمن، إلى أن جاء عصر الغيبة الكبرى، و عندها انقطع دور الرواة و جاء دور الفقهاء.

و كما برز في دائرة الرواة رجال أفذاذ كزرارة بن أعين، و محمد بن مسلم، و أبي بصير ليث المرادي، و بريد بن معاوية العجلي، كذلك برز في دائرة الفقهاء رجال استخرجوا القواعد الكلية، و الأسس العامة، من مصادرها الأساسية، ألا و هي روايات أهل البيت (عليهم السلام)، التي من خلالها استطاع الفقهاء استنباط الأحكام الشرعية.

و من هؤلاء الأعاظم من الرعيل الأول الشيخ المفيد (قدس الله نفسه الزكية)، و الشريف المرتضى علم الهدى (رحمه اللّه) و الشيخ الطوسي شيخ الطائفة (قدّس سرّه) و بعدهم العلامة الحلي «طاب ثراه»، الذي كان له دور كبير في تطوير بعض العلوم.

و غيرهم من العلماء الأبرار الذين أسسوا علوما من خلالها يستطيع الفقيه ان يستخرج الحكم الشرعي، كعلم أصول الفقه الذي أخذ من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، التي انطوت على ظوابط كلية، و قواعد اساسية، كالاستصحاب، و البراءة، و قانون التعادل و التراجيح، و غير ذلك من الأصول.

و في الحقيقة ان معرفة قواعد أصول الفقه أمر ضروري لاستنباط الأحكام الشرعية، و فهمها، و إدراكها؛ فإنه الركيزة الأساسية للاجتهاد؛

15

إذ يتناول البحث في مصادر الشريعة و قواعدها العامة، و بينه و بين الفقه تلازم وثيق.

و من العلوم أيضا علم الرجال و الحديث، الذي يتناول دراسة في الأخبار؛ لتوثيق الصحيح منها، و استبعاد الدخيل أو الموضوع عنها.

إلى غير ذلك من العلوم التي يحتاجها الباحث؛ لكي تتكون عنده الملكة الفقهيه؛ لذا برز في كل عصر من العصور علماء استطاعوا بما وهبهم المولى عزّ و جلّ ان يطور العلم بنظرياتهم التي تذلل للباحث طريق الاستنباط، و تحل له الصعاب التي يعاني منها الطالب في هذا المضمار.

و من هؤلاء الأعاظم الذين برزوا على الساحة العلمية في زماننا المعاصر، سماحة سيدنا الأستاذ آية الله العظمى السيد تقي الطباطبائي القمي دام فضله، حيث شهدت له الساحات العلمية انطلاقا من كربلاء المقدسة، و النجف الأشرف، حتى قم المشرفة، باحثا و فقيها و كاتبا و ناقدا.

و من نعم الله سبحانه و تعالى عليّ ان وفقني لأن أكون طالبا صغيرا بين يديه، حتى شملني بعنايته الخاصة، لكي يفيض عليّ من علومه.

و لأجل هذه الرعاية وفقت لأن أكتب جميع الأبحاث التي حضرتها في مجلس درسه و هي كما يلي:

16

1- البيع و الخيارات.

2- الاستصحاب.

3- بحوث في التعادل و التراجيح.

4- دورة كاملة في الأصول من بحث الأوامر حتى النهاية.

5- رسالة في الطلب و الإرادة.

6- الصوم.

7- الوصية.

8- الشركة.

9- صلة الرحم.

10- الخمس.

11- النكاح.

12- الإجارة.

و بقية الأبحاث التي ما زالت على طريق الإعداد.

و السبب في إخراج هذه الأبحاث يعود إلى أمرين:

أ- أداء لبعض حقوق سيدنا الأستاذ حفظه الله.

ب- لكي يستفيد اخواني الفضلاء في جامعة أهل البيت (عليهم السلام) الكبرى، للدراسات الإسلامية العليا، من نظريات سيدنا الأستاذ، لذا قمت بإبراز بعضها إلى عالم النور و هي، الوصية، و الشركة، و صلة الرحم، التي بين يديك؛ لما تشتمل عليه من نظريات و مطالب دقيقه، مراعيا في‌

17

ذلك تسهيل بعض المطالب العلمية بصياغة عصريه بين العبارات الحوزوية و العبارات الأكاديمة؛ لكي لا تفقد صبغتها العلمية الكلاسيكية‌

و حاولت أيضا لتذليل بعض الصعاب ان أكثر الأمثلة التوضيحية تسهيلا لفهم المراد.

و كنت خلال كتابة هذه الأبحاث أعرضها على سيدنا الأستاذ دام ظله، لكي يلاحظها بتمامها، فتفضل بذلك شكر الله سعيه.

و وضعت هذه الأبحاث التي بين يديك تحت عنوان «مباحث فقهية» لكي تكون في المستقبل القريب مع التوفيق شاملة لجميع الأبحاث الفقهية الأخرى.

و الله أسأل أن يتم النفع بما بذلت فيه من مجهود، راجيا منه سبحانه ان يلهمني الرشد و الصواب، ببركة سيد العباد و آله الأمجاد.

و في الختام التمس من القارئ الكريم غض البصر عما يقع فيه القلم من سقطات أو زلات؛ لأن الكمال لله تعالى وحده، و العصمة لأهلها، و آخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين، و آله الطيبين الطاهرين.

زهير يوسف الدّرورة 15 شعبان 1419 ه‍‌

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

المبحث الأوّل الوصيّة

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* كتاب الوصية و هي إما مصدر «وصى يصي» بمعنى الوصل، حيث ان الموصي يصل تصرفه بعد الموت بتصرفه حال الحياة، و إما اسم مصدر بمعنى العهد من «وصى يوصي توصية» أو «أوصى يوصي إيصاء» و هي اما تمليكية أو عهدية به (1)

و بعبارة أخرى: إما تمليك عين أو منفعة، أو تسليط على حق، أوفك ملك، أو عهد متعلق بالغير، أو عهد متعلق بنفسه كالوصية بما يتعلق بتجهيزه و تنقسم انقسام الأحكام الخمسه.

قد تعرض الماتن (قدّس سرّه) في المقام لأمرين:

الامر الأول: في تحقيق معنى الوصية:

____________

(1) فأفاد (قدّس سرّه) بقوله: إما مصدر وصى يصي، بمعنى الوصل، و إما اسم‌

22

..........

____________

مصدر بمعنى العهد، من (وصى يوصي توصية) أو (أوصى يوصي إيصاء) و الظاهر أن الأخذ بالمعنى الثاني- كما عليه المشهور- لا ينافي الأول، كما إذا أوصى المكلف بشي‌ء ما،- سواء على نحو التمليك، أو التوصية و الإيصاء، أو العهد- بعد موته فلا إشكال أن إطلاق الوصية‌

على مثل هذا شامل له، و تصبح الوصية من مصاديق المعنى الثاني، و في عين الوقت لا ينافي المعنى الأول؛ إذ المراد من المعنى الأول هو عبارة عن وصل شي‌ء بشي‌ء آخر، فيكون التصرف موصولا لما بعد الموت، فلا منافاة في البين بين هذا المعنى و بين العهد بالمعنى الثاني، و لا مجال لما قيل في المقام من عدم الاستعمال.

و بعبارة أوضح، أنه لا تنافي و لا تضاد بين كلا المعنيين و المعنى المراد في كتاب الوصية، فهو من الواضحات الأولية، و لا يحتاج إلى البحث و الاطناب فيه؛ إذ المراد إمّا توصية بأمر، و إمّا جعل شي‌ء مورد الاعتبار على أقسامه.

و في المقام أمر لا أدري على أي شي‌ء يحمل، و هو أنهم قد عبروا في كلماتهم بأن العهد معنى من المعاني في الوصية بالمعنى الثاني، و الحال أن معنى الوصية المراد في المقام كما يعرف من كلماتهم- و من‌

23

..........

____________

جملتها عبارة الماتن (رحمه اللّه)- تقسيم الوصية إلى قسمين: الوصية التمليكية و العهدية، و هذا التقسيم لا يتمشى مع تعريفهم للوصية؛ إذ لا يمكن أن يكون قسم الشي‌ء قسيما له.

و بعبارة أخرى أنهم يفسرون الوصية بالعهد، و العهد عبارة عن التوصية و الأمر بالشي‌ء، فبناء على هذا لا يمكن أن يكون مقسما للعهدية و التمليكية، فعلى ضوء ما بيناه لا مجال للجمع بين التقسيم و التفسير الوارد للوصية، و على كل حال فالأمر سهل، و بعد أن اتضح ما قلناه، ننتقل الى ما يستفاد من عرف الفقهاء و المتشرعة فنقول: إن للوصية معنيين:

أ- تطلق الوصية و يراد منها العهد الذي يعهده الموصي للوصي، بتنفيذ أمر ما بعد الموت، و هو أعم من كون هذا الأمر إرشاديا كوصية الإمام لابنه الحسن (عليهما السلام) أم مولويا، لا فرق في ذلك، فالجامع هو الامر بالشي‌ء و التوصية به، كما ورد في القرآن الكريم، و إليك بعض الشواهد على ذلك:

24

..........

____________

1- قال الله عز و جل: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ إِحْسٰاناً (1)

2- و قال عز من قائل: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ ... (2)

3- و قال سبحانه و تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ* (3)

إلى غير ذلك من الشواهد القرآنية و الشواهد الواردة في السنة، و امّا الوصية الارشادية فكوصية الآباء الى الأبناء، و الموالي الى عبيدهم، إلى غير ذلك ..

ب- الوصية عبارة عن تعلق اعتبار الموصي بشي‌ء من التمليك أو نحوه كما هو مقرر في محله ...

إذا: فالوصية لها معنيان، و لكن لا بد أن نرى هل أن لفظ الوصية مشترك اشتراكا لفظيا بين المعنيين، أم مشترك معنويا.

لنا أن نقول: بأن لفظ الوصية موضوع للجامع بين هذين المعنيين، فعلى هذا يكون الاشتراك اشتراكا معنويا لا لفظيا.

____________

(1) الاحقاف: 15.

(2) البقرة: 180.

(3) النساء: 11.

25

..........

____________

و صفوة القول: أن الوصية عبارة عن مفهوم جامع بين كلا المعنيين، و موضوعا على نحو الاشتراك المعنوي لا اللفظي، هذا كله ما يرجع إلى الأمر الأول.

الامر الثاني: تقسيم الوصية إلى التمليكية و العهدية.

قسم المصنف (قدّس سرّه) الوصية إلى قسمين، التمليكية و العهدية، و هذا ما سلكه المشهور و قد نسب ذلك الى أكثر الأصحاب (رضوان الله عليهم)، و يمكن القول: بأن الفارق بين التمليكية و العهدية، أن الاولى تتضمن تمليك الموصى له شيئا ما، سواء كان الشي‌ء عينا أو منفعة، و تعلقها يكون بالامور الاعتبارية.

و أما الثانية فهي تتعلق بالأفعال الخارجية، كما اذا عهد زيد لعمرو عهدا بأن يتولى بعض الأعمال الخارجية- مثلا- كتجهيزه بعد موته، الى غير ذلك من الأفعال ...

و أمّا بالنسبة الى كونها تنقسم الى الأحكام الخمسة، فتارة تكون واجبة كالوصية بحقوق الناس، و أخرى مستحبة كالوصية بالإنفاق على الأرحام و الأقارب، و ثالثة تكون مباحة إذا لم تكن فيها جهة موجبة‌

26

[مسألة] (1): الوصية العهدية لا تحتاج إلى القبول (1)

____________

لرجحان أحد الطرفين، و رابعة تكون محرمة، و هو فيما اذا تعنونت بعنوان موجب لحرمتها و خامسة تكون مكروهة، و هي فيما اذا تعنونت بعنوان يوجب كراهتها.

[أحكام الوصية]

[مسألة 1: عدم احتياج الوصية العهدية إلى القبول]

(1) الظاهر من كلامه (قدّس سرّه) أنه ناظر الى عدم احتياج القبول بالنسبة الى الوصي فلا إشكال حينئذ في صحة الوصية، و لا يشترط القبول فيها، و أمّا الجمع بين اشتراط الوصية بالقبول من ناحية، و من ناحية اخرى أن الوصية العهدية لا تحتاج الى القبول،- و عليه يبحثون في كون الوصية على إطلاقها هل هي من العقود أو الإيقاعات-، فالظاهر أنه جمع بين المتنافيين و الضدين؛ اذ لو كانت الوصية على اطلاقها من العقود أو يحتمل كونها من العقود لا يمكن الجزم و القطع بعدم اشتراط القبول فيها.

و بتعبير أخر، لا تخلو الوصية من أمرين إما أن تكون من العقود أو الإيقاعات، فعلى الأول لا إشكال في اشتراط القبول؛ و ذلك لما تعلم بأن قوام العقد بالإيجاب و القبول، فالإيجاب يتحقق من الطرف الأول و هو الموجب، و القبول من الطرف الثاني و هو القابل، و أما على الثاني- الإيقاع- فلا حاجة إلى القبول، و لا ثالث في البين.

27

..........

____________

و الحق أن يقال: بأن الوصية العهدية من الايقاعات لا العقود، خلافا للمشهور، حيث أنهم جعلوها من العقود، فعلى هذا لا تحتاج الوصية العهدية للقبول، و الوجه فيه:- مضافا لما أفاده سيد المستمسك، حيث قال: هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه- ... الخ كلامه- (1).

ان مقتض القاعدة ما أفاده (قدّس سرّه)؛ و ذلك من خلال إطلاق الآيات و الروايات الدالة على تنفيذ الوصية و الإيصاء من دون شرط شي‌ء يذكر، حتى نقول: أن الوصية لا تتحقق إلا بالقبول، و توضيحا للمراد نطرح هذا المثال، و هو: إذا فرضنا أن شخصا أمر شخصا أخر بشي‌ء، أو أوصى لغيره بشي‌ء، بلا إشكال يصدق مفهوم الوصية في المقام، و على هذا الفرض يتحقق مصداق الوصية في الخارج، و يكون مشمولا لإطلاق الدليل.

و ربما يقال: أنه إذا كان للفظ الوصية معنيان؛- إذ تارة يراد منه الإيصاء و الأمر، و اخرى يراد منه التمليك و الاعتبار-، فكيف يمكن في مقام الاستدلال أن يؤخذ بإطلاق الدليل، و الحال أنه لا خلاف بينهم في‌

____________

(1) لاحظ مستمسك العروة: 14/ 536.

28

..........

____________

أن اللفظ المشترك بين معنيين إذا استعمل يكون مجملا، و الإجمال مضاد للإطلاق؟

قلت: قد تقدم في بداية البحث عند تعريف الوصية، بأن لفظ الوصية مشترك معنوي، فبناء على هذا إذا فرضنا أن المولى استعمل هذا اللفظ و رتب عليه حكما كما هو كذلك في كتاب الله و سنة نبيه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و أولياءه «(عليهم السلام)»، فلا مجال إذا لهذا الإشكال، و لا ريب بالأخذ بالإطلاق كما في بعض الموارد.

مثلا: إذا فرضنا أن لفظ البيع له معنيان، و لكن وضع للجامع بينهما، و أراد المولى من البيع من دون نصب قرينة في المقام، مرتبا على هذا المفهوم حكما من الأحكام، فلا مانع من الأخذ بالإطلاق في كلا القسمين.

و هذا أمر سار في جميع الموارد؛ إذ في كل مورد يكون اللفظ موضوعا للجامع بين معان متعددة، إذا استعمله المولى في مقام البيان و تمت مقدمات الحكمة نأخذ بالإطلاق، و نجري الحكم بالنسبة إلى جميع أفراده، و المقام داخل في مصاديق هذا الكلي.

و خلاصة القول: أن لفظ الوصية موضوع للجامع بين العهد‌

29

و كذا الوصية بالفك كالعتق (1).

____________

و التمليك، و إذا نفّذ المولى الوصية تنطبق الكبرى على الصغرى، فنقول:

إن العهد مصداق للوصية، و بمقتضى تنفيذ الوصية كتابا و سنة فهذا نافذ، فيترتب عليه الحكم بلا إشكال.

و في نهاية المطاف نجزم بأن الوصية العهدية لا تحتاج إلى القبول، وفاقا مع المصنف (رحمه اللّه).

[عدم احتياج الوصية بالفك إلى القبول]

(1) من اللازم عدم التعرض لهذا؛ إذ لا فرق بين الوصية العهدية و الوصية بالفك، فكما أنه لا تحتاج العهدية للقبول كذلك الوصية بالفك لا تحتاج إلى القبول أيضا، و الأمر كما أفاده (قدّس سرّه).

و الوجه فيه: أن العتق عبارة عن الإيقاع،- أي فك الرقبة- و هي جعل العبد حرا، و من الظاهر أن المالك للعبد يقوم بفك عبوديته و يصبح حرا في حال حياة المالك، فإذا قال له: أنت حر فلا إشكال في كونه حرا، و كذلك الحال إذا أبرأ ذمة شخص من الاشخاص، كما إذا كان في ذمته حق للموصي تكون بلا إشكال ذمته بريئة مما تعلق فيها، و تكون النتيجة في حال الحياة على نحو التنجيز.

و امّا إذا علّقها على الموت فتكون تعليقيه و هذا واضح ظاهر لا يخفى‌

30

و أما التمليكية فالمشهور على أنه يعتبر فيها القبول (1) جزءا و عليه تكون من العقود.

____________

على المتتبع للروايات الصادرة من منبع الوحي؛ إذ المستفاد من الأدلة أنه كلما كان له حق في حياته يكون له كذلك بعد مماته على نحو التعليق، و على نحو القضية الشرطية.

و صفوة القول: أنه كما يكون تنجيزه مؤثرا في حال حياته كذلك تعليقه أيضا و لا يحتاج إلى القبول؛ إذ هو من الإيقاعات و يكون نافذا بمقتضى نفوذ الوصية.

[احتياج الوصية التمليكية الى القبول]

يقع الكلام في موضعين:

(1) 1- في ما تقتضيه القاعدة الأولية، و الأصل الأولي.

2- في ما ذكر من الوجوه لتقريب الاستدلال على اشتراط القبول و كونها من العقود.

الموضع الاول [في ما تقتضيه القاعدة الأولية، و الأصل الأولي]

فأمّا الاول: فإن مقتضى الأصل الأولي الاشتراط؛ إذ عند ما يحصل الشك بكون الوصية هل توجب تملك العين أم لا؟ فمقتضى الاستصحاب عدم التملك، و لكن لا بد من الخروج عن هذا الأصل الى الدليل‌

31

..........

____________

الاجتهادي، و هو إطلاق أدلة نفوذ الوصية، كتابا و سنة، فإن دليل نفوذ الوصية من الكتاب و السنة يقتضي صحة الوصية على الإطلاق، و بهذا تكون التمليكية داخلة في دائرة الإطلاق، فلا وجه إذا للاشتراط.

إن قلت: لا مجال للتمسك بالإطلاق؛ و ذلك لعدم كون المولى في مقام البيان؟

قلت: إن هذا الإشكال موهون و لا صحة له.

و الوجه فيه: أن القاعدة الأولية في المحاورات و الألفاظ هي كون المولى في مقام البيان، و امّا عدم كونه في مقام البيان فهذا الذي يحتاج إثباته إلى الدليل.

و بعبارة أوضح: أن الإهمال يحتاج إلى الدليل؛ لأن مقتضى الأصل الأولي- «أصالة الإطلاق»- محكم في جميع موارد المحاورات و الألفاظ الصادرة من المتكلم، اعم من أن يكون من الموالي او غيرهم، و يدل على هذا مضافا الى الاصل الأولي الاستثنائات الواقعة في أدلة الوصية، و إليك مثالا: و هو نلاحظ في أدلة الوصية أن الشارع الأقدس قد استثنى الوصية الزائدة على الثلث بالنسبة الى ما تركه الميت، و لا ريب أن الاستثناء و التخصيص فرع التعميم، و من خلال هذا و غيره نعلم أن المولى في مقام‌

32

..........

____________

البيان.

و لو خليّ الدليل و طبعه لاستفدنا منه العموم و الإطلاق من دون شك و لا ريب، فالشبهة في هذا المضمار واهية لا يلتفت إليها.

و صفوة القول: أن القاعدة الأولية تقتضي عدم نفوذ الوصية، و مقتضى الدليل الاجتهادي نفوذها، و الحكم بكون الوصية التمليكية من الإيقاعات لا العقود، فعلى ضوء هذا لا تحتاج إلى القبول.

الموضع الثاني [في ما ذكر من الوجوه]

و اما الثاني فما يمكن أن يذكر في وجه الاشتراط أو ذكر أمور:

الأمر الأول: الإجماع

و يرد عليه أن المشهور و المحقق في محله عدم حجية الإجماع المنقول، و أما المحصّل منه فغير حاصل، و على فرض حصوله فهو محتمل المدرك، فلا يمكن بحسب الصناعة العلمية الاعتماد عليه، و الاستناد اليه، أضف إلى ذلك كله أنه تارة يقوم الإجماع على اعتبار او اشتراط القبول في الوصية، و أخرى أنها من العقود، فإذا كان لسان الإجماع على كون الوصية من العقود يرد عليه أن هذا الإجماع فاسد‌

33

..........

____________

قطعا؛ إذ العقد مركب من الإيجاب و القبول و شد أحد الالتزامين بالآخر، و الحال أنه في الوصية ما دام الموصي موجودا فلا موضوع لتحقق الوصية كما هو ظاهر، و أما بعد موته فلا وجود له، حتى يقال: بحصول القبول و عدمه؛ إذ لا بقاء لاعتباره في نظر العقلاء، فإذا قلنا: أن هذا عقد لزم أن يتحقق الإيجاب من طرف و انتفاءه من طرف أخر، كما في البيع، إذا قال البائع للمشتري بعتك هذا بثمن كذا، و قبل القبول مات فهل يمكن أن يقال: باتصال القبول مع الإيجاب؟ كلا ثم كلا، و المقام كذلك.

فتحصل مما قلناه: أن الإجماع المزبور لا يرجع إلى محصّل صحيح، و في نهاية المطاف أن هذا الوجه ساقط عن الاعتبار و لا يمكن الاستناد إليه.

الأمر الثاني: أن غاية ما يستفاد من دليل نفوذ الوصية ان تكون نافذة بالنسبة إلى الموصي،

و اما الموصى له فلا وجه لنفوذها في حقه؛ إذ كل شخص مسلط على نفسه، و لا يحق لأي أحد أن يتصرف في غيره، و بعبارة أوضح، أن نفوذ الوصية بالنسبة إلى الموصي على طبق القاعدة؛ إذ هو مسلط على نفسه، و اما بالنسبة الى الغير فيفتقر إلى الدليل.

34

..........

____________

و يلاحظ عليه:

أنه يكفي لنفوذها بالنسبة الى. غير الموصي اطلاق أدلتها، و لا دليل على سلطنة كل شخص على نفسه على نحو الاطلاق.

و على كل حال، لا يخلو المقام من شقين، إما قيام دليل في المقام على المدعى، و اما عدم قيام دليل عليه، فإذا فرضنا عدم وجود دليل على تسلط الشخص فالامر واضح ظاهر؛ إذ لا معارضة في البين، بينه و بين دليل نفوذ الوصية؛ و ذلك لوجود المقتضي و فقدان المانع.

و اما لو فرضنا قيام دليل في المقام، فتقع المعارضه بينه و بين دليل نفوذ الوصية، فيا هل ترى ما هو الدليل المرجح في حالة التعارض؟ لا إشكال في أن الترجيح مع دليل نفوذ الوصية؛ و ذلك لكونه من الكتاب، و كما حقق في محله فأيّ دليل يخالفه يضرب به عرض الجدار، فتصبح النتيجة: أن هذا الوجه لا يرجع إلى محصّل صحيح و هو كسابقه في الضعف.

الأمر الثالث: أن التصرف في نفس الغير من دون اختياره منعدم النظير في الشرع الأقدس،

فعلى هذا لا يمكن الالتزام به.

35

..........

____________

و يرد عليه:

أولا: أن الأمر ليس كذلك بل له نظائر في الشرع الاقدس، و إليك بعضها:

أ- ما ورد في باب الإرث، بأن الوارث يتملك ما تركه الميت من دون اختيار؛ إذ كل شخص اذا استحق من الإرث حصة منه لا مانع من تملكه بلا إشكال،- و لا داعي لرضاه و عدم رضاه، و قبوله و عدم قبوله، و ارادته و عدم ارادته،- بل يتملك حصته بمقتضى الكتاب و السنة.

ب- أن الشخص المجني عليه، يتملّك الشي‌ء المعلوم له في الشريعة المقدسة ممّا له في ذمة الجاني، و هذا التملك اعم من كونه راض أو غير راض لا فرق في ذلك.

و بهذين الموردين غنى و كفاية لنقض ما ذكر في الوجه الثالث، إذا:

ليس الأمر كما أدعي بانعدام النظير، بل النظائر موجودة فعلى ضوء ما ذكرناه اتضح أن الالتزام بهذا لا ريب فيه.

ثانيا: لو تنزلنا و سلمنا بهذه المقالة، فلا يلزم عدم العمل به عند قيام دليل في المقام من الكتاب و السنة عليه؛ إذ عند قيام الدليل يجب العمل على ضوئه، و لا يصغى لهذه المقالة و نظائرها، و لو لم يكن له اي‌

36

..........

____________

نظير في الفقه من أوله حتى أخره، إنما المحكم في مقام الاستدلال هو قيام الدليل لا غير، و كما قلنا: أن المستفاد من الكتاب و السنة بحسب الإطلاق يقتضي نفوذ الوصية التمليكة من دون اشتراط القبول، فتحصّل أن هذا الوجه كغيره من الوجوه الواهية.

الأمر الرابع: مقتضى الأصل العملي عدم التملك مع الشك.

و هذا الوجه بطبيعة الحال صحيح و لكن لا يمكننا العمل به؛ إذ لا تصل النوبة للعمل على ضوء الدليل الفقاهتي مع وجود الدليل الاجتهادي و هو دليل نفوذ الوصية فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أن المقتضي لنفوذ الوصية من دون الاشتراط موجود و المانع مفقود، و لكن على فرض التنزل و القول بأن الوصية من العقود، و مشروطة بالقبول، يقع التساؤل في المقام، و هو: هل يكون القبول الصادر من الموصى له بعد موت الموصي كاشفا أم ناقلا؟

قبل الاجابة عن هذا التساؤل، نتعرض لما أفاده سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) في المقام حيث استشكل على كلا القولين من الكشف و النقل، فأمّا على القول بالنقل فهكذا قال: أنه عندنا قاعدة كلية قد نقحت في مضانها، و هي‌

37

..........

____________

قاعدة العقود تابعه للقصود، فعلى ضوئها إذا لم يكن الإمضاء الشرعي تابع لقصد الطرفين لا يمكن العمل به، و في المقام- على القول بالنقل- نرى أنه مخالف لهذه القاعده، فيكون من قبيل ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع.

و دعوى: أن الاختلاف و التفاوت بين المنشأ و الممضى واقع في موارد من الأبواب الفقهيه، نظير الهبه حيث ان المنشأ فيها هو التمليك الفعلي، في حين ان الإمضاء متعلق بالتمليك بعد القبض.

مدفوعة: بأن ذلك و ان كان ممكنا في نفسه، إلّا انه يحتاج الى دليل خاص، لعدم شمول الأمر بالوفاء له، لما عرفت من ان المنشأ لم يمضه الشارع، و ما يدعى إمضاؤه له لم ينشأ، و هو مفقود.

و توهم: أن تأخره عن القبول لا ينافي شمول أدلة الوفاء بالعقد له لأنه، موجود في جميع المعاملات، حيث يكون هناك فاصل زماني- و لو كان قليلا جدا- بين الايجاب و القبول، لا محالة من غير أن يقال: أن ما أنشأه المنشئ لم يتعلق به الإمضاء و ما تعلق به الإمضاء لم ينشأ:

و حيث ان الوصية كسائر العقود، و إن كان زمان الفصل فيها أطول، كان حكمها حكم غيرها في شمول أدلة الوفاء بالعقد لها. مدفوع: بأن المنشأ‌

38

..........

____________

في سائر العقود- كالبيع مثلا- ليس هو الملكية في زمان الإنشاء، و انما هو الملكية على تقدير القبول، فإنه مبادلة مال بمال، و معاملة بينهما بالتراضي، فلا ينشئ البائع الملكية للمشتري، سواء قبل أم لم يقبل، بخلاف الوصية حيث ان المنشأ مقيد بالزمان- اعني زمان الموت- و هو لم يتعلق به الإمضاء، على ما اختاره الشيخ الأعظم (رحمه اللّه) من أن القبول ناقل لا كاشف و ما تعلق به لم ينشأ، فالفرق بين الوصية و غيرها ظاهر، هذا بناء على القول بالنقل.

و امّا بناء على الكشف، بانه يحكم بالقبول بالملكيه من حين الموت فهو لو فرضنا امكانه و سلمنا صدق العقد عليه مخالف لما هو المعهود في العقود، و المرتكز في الأذهان، من تأخر الأثر عن القبول- بناء على اعتباره-، ففرض تحقق العقد و كون الأثر قبله، مما لا يمكن المساعده عليه، انتهى كلامه رفع في علو مقامه (1)

و يلاحظ على ما أفاده (رحمه اللّه) عدة أمور:

1- أن القاعده التي تعرض لها- و هي العقود تابعه للقصود‌

____________

(1) مباني العروة الوثقى: 2/ 363، 364.

39

..........

____________

لا يوجد دليل يمكن الاستدلال به عليها، لا من الكتاب و لا من السنة، و لا يخفى على المتتبع الدقيق لروايات أهل البيت (عليهم السلام) ذلك، و انما هي متصيدة من مجموع الأدلة الواقعة في العقود و الإيقاعات.

2- قال سيدنا الاستاذ: بأن الإيجاب في البيع ليس على نحو الإطلاق و إنما هو الملكية على تقدير القبول، فإنه مبادلة مال بمال و معاملة بينهما بالتراضي، فلا ينشئ البائع الملكية للمشتري سواء قبل أو لم يقبل.

و هذا يستلزم الدور الصريح!!.

إذ لا يعقل أن يتصور القبول إلّا بعد الإيجاب، حيث أشرب في مادة القبول أن يكون قبله شي‌ء ما حتى يتقبل القابل هذا المعنى، اذا: القبول متوقف على الإيجاب، و على ضوء هذا- و هو ما افاده (قدّس سرّه) من ان الإيجاب متوقف و مشروط بالقبول كما هو صريح كلامه- يلزم الدور الصريح، و هو ان يكون القبول متوقف على الإيجاب، و توقف الإيجاب على القبول، و من الظاهر البديهي أن الدور باطل من دون أدنى شك يذكر.

و على أي حال، لا أدري بأي وجه يحمل كلامه، و على أي جادة يمكننا توجيهه، مع العلم أنه مشار اليه في القضايا الصناعية و هو خريتها.

40

..........

____________

3- أنه إذا كان عقد البيع كذلك، فما هو الفارق بين عقد البيع و سائر العقود، فإذا فرضنا أن العقد يتحقق باشتراط الموجب القبول، فأي فرق بين ايجاب في عقد و ايجاب آخر في عقد آخر؟ فإذا كان إيجاب البائع متوقف على قبول القابل، فالمقام أيضا كذلك؛ إذ حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد.

فلا وجه إذا لما ذكره من التفصيل بين البيع و الوصية في هذه الدائرة، فتحصّل أنه دعوى بلا دليل.

و بعد أن تعرضنا الى ما أفاده سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) إليك التفصيل في المقام فنقول: إن عقد البيع و سائر العقود بحسب الارتكاز العرفي متكونة من موجب و قابل، و الموجب سواء كان بايعا، أو مزوجا، أو مؤجرا، الى غير ذلك في بقية العقود، لا يخلو إمّا أن يكون إيجابه مطلقا أو مقيدا، و سواء كان التقييد في دائرة زمنية متقدمة أو متأخرة لا فرق في البين؛ و ذلك لعدم القول بالإهمال لأنه محال.

و لتوضيح ذلك نذكر مثالا: و هو لو باع زيد داره من عمرو بثمن ما فإما أن نقول: باهماله في الواقع و هذا لا يعقل؛ لما تعلم أن الاهمال في الواقع محال.

41

..........

____________

و إمّا يملّكه الدار قبل زمان العقد و هذا غير معهود و لا متعارف بين المتشرعة، و لذا لو قام شخص بمثل هذا البيع لا إشكال في الحكم بالبطلان، و إمّا ان يكون الإيجاب بعد ساعة أو ساعتين، و هذا أيضا بحسب الارتكاز لا يكون صحيحا- مثلا- يقول: البائع للمشتري بعتك هذه الدار (بالف دينار) و المشتري يقول: قبلت هذا المبيع، فتارة يقبل من حين الإيجاب و اخرى يتعلق القبول بما أوجبه البائع، فعلى الأول- أي من حين القبول- فالأمر ظاهر و لا إشكال فيه؛ لان القاعدة المعروفة عندهم- و هي العقود تابعة للقصود- منطبقة عليه فيكون حينئذ من مصاديقها؛ و ذلك أن مقصود المتعاقدين من هذا العقد هو كون هذه العين ملكا للمشتري، و يكون الثمن ملكا للبائع بعد تمامية العقد، فعلى هذا لا إشكال في المقام حتى يقال: أن القاعدة قد انخرمت و انثلمت.

و أما على الثاني- اي القبول يتعلق بالإيجاب من حينه- فنلتزم بملكية العين للمشتري و ملكية الثمن للبائع على نحو الكشف الحكمي الانقلابي لا الكشف الحقيقي.

هذا كله ما يرجع الى مقام التصور، فمن حيث الإمكان لا مانع منه، و لكن بحسب السيرة الخارجية لا يلتزمون بذلك، و لذا نرى لو باع البائع‌

42

..........

____________

بقرة حاملا على زيد و قبل قبول المشتري- و هو زيد- وضعت البقرة حملها، فهل يا ترى ما ذا يرى العرف في هذه الحالة هل يرى المولود ملك للبائع أم للمشتري؟ الظاهر أنه للبائع بلا شك و لا ريب، و السيرة الخارجية مبتنية على ذلك. فإذا فرضنا أن السيرة الخارجية كذلك و المستفاد من أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ الصحة؛ إذ هو دليل الصحة و المستفاد من أَوْفُوا بِالْعُقُودِ اللزوم، فإذا: الشارع ناظر الى ما يكون في العرف، و بهذا البيان لا يبقى اشكال في البين و من خلال ما بيناه نقول: إذا فرضنا أن الوصية من العقود و أن القبول شرط- و أغمضنا النظر عما قلناه- نلتزم بالنقل في الوصية و كذلك في البيع؛ إذ لا فرق بينهما، اللهم إلا أن يقال:

قد قام إجماع أو تسالم على أن الملكية حاصلة سابقا، فإذا ثبت هذا لا مانع من الخضوع له و العمل على ضوئه، هذا كله ما يرجع الى النقل، و أما على القول بالكشف فايضا لا يمكن الركون لما ذكره سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) من عدم الالتزام بقوله؛ إذ الأثر بحسب كلا الارتكازين: العرفي و الشرعي حاصل بعد القبول، فكيف يمكننا أن نلتزم بالكشف.

فما أفاده لا يمكننا القول به؛ إذ لا تنافي بين القبول بالكشف و تحقق الأثر بعده.

43

أو شرطا- على وجه الكشف أو النقل- فيكون من الإيقاعات (1)

____________

و توضيح ذلك: تارة نقول: بتحقق المعنى المزبور قبل القبول، و هذا لا يمكن القول به؛ إذ المفروض أن القبول له أثر. و اخرى نقول: أن الأثر الشرعي يترتب على القبول قبل قبوله و لكن الأثر يكون بنحو الكشف، فإذا كان مقتضى الدليل هكذا فأي إشكال في الالتزام بهذا، و أي مانع من الالتزام بالكشف حتى لا تنثلم قاعدة «العقود تابعة للقصود»، و أيضا فإن ما بيناه لا ينافي الارتكاز المتشرعي؛ إذ الارتكاز المتشرعي إمّا أن تكون الملكية فيه حاصلة في زمان الموت و معناه إنكار اشتراط القبول و اثبات كون الوصية من الإيقاعات، و إمّا على التنزل- كما هو يتنزل بأنها عقد و مركب من الإيجاب و القبول، و القبول يحصل من الموصى له، و لو بعد يوم فيكون قبولا لذلك الإيجاب- فما المانع من أن نقول: بأن القبول يتحقق في يوم السبت و يكشف عن الملكية من يوم الجمعة، و هذا ليس على الكشف الحقيقي حتى يقال: بعدم الالتزام به، بل بالكشف الحكمي الانقلابي. و في نهاية المطاف تحصّل: أنه لا وجه لإشكاله و ليس واردا لا على القسم الأول و لا الثاني. و الحق ما ذكرناه و فصلناه.

[اعتبار القبول في الوصية التمليكية]

(1) يقع الكلام في مقامين:

44

..........

____________

المقام الاول: الثبوت.

المقام الثاني: الإثبات.

[المقام الاول: الثبوت.]

فأما بالنسبة الى مقام الثبوت، فيمكن القول به على كلا القسمين، الكشف أو النقل. إذ يمكن أن يقال بأن القبول شرط لصحة الوصية، تارة بنحو الكشف و أخرى بنحو النقل.

[المقام الثاني: الإثبات.]

و أمّا بالنسبة الى مقام الإثبات، فلا يمكننا القول به، و مجرد امكان شي‌ء في مقام الثبوت لا يكفي للحكم به في مقام الإثبات.

و لذا قلنا فيما سبق أنه لا يشترط القبول في الوصية لا على نحو الشرطية و لا الجزئية، و على هذا تكون الوصية من الإيقاعات لا العقود، و ذلك أن مقتضى إطلاق أدلة نفوذ الوصية كتابا و سنة، نفي القبول شرطا أو جزءا في الصحة، و لا فرق بين كون الوصية تمليكية أو عهدية، و مما يؤيد المدعى ما رواه محمد بن قيس، «عن ابي جعفر (عليه السلام) قال:

قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لأخر و الموصى له غائب، فتوفي الموصى له- الذي أوصي له- قبل الموصي،

قال: الوصية لوارث الذي أوصي له،

قال: و من أوصى لأحد شاهدا كان أو غائبا فتوفي الموصى له قبل‌

45

و يحتمل (1) قويا عدم اعتبار القبول فيها، بل يكون الرد مانعا (2)، و عليه تكون من الإيقاع الصريح

____________

الموصي فالوصية لوارث الذي أوصي له، إلا أن يرجع في وصيته قبل موته» (1)

فيستفاد من إطلاق هذه الرواية صحة الوصية مع غياب الموصى له، و لم يصله الخبر و لم يفرض في متنها قبوله أورده، و مع ذلك حكم الامام (عليه السلام) بكون المال لوارثه.

فإذا كان القبول شرطا، أو جزءا، يلزم ذلك بطلان الوصية لا صحتها، و ذلك لانتفاء الشرط، و كما تعلم أن انتفاء الشرط يلزم انتفاء المشروط، و المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزاءه، و من الظاهر الواضح أن ما حكم به الامام (عليه السلام) ينفي كون القبول شرطا أو جزءا، بل ليس له أي مدخلية في صحة الوصية، فتحصّل من خلال الوجوه المتقدمة: عدم مدخلية القبول في صحة الوصية.

[عدم كون الرد مانعا]

(1) بل الأظهر و الأقوى.

(2) يقع الكلام في جهتين:

____________

(1) الوسائل: 19/ 333- ب 30 من ابواب الوصايا: ح 1.

46

..........

الجهة الاولى: الإجماع

____________

ادعي الإجماع بكلا قسميه في المقام، على أن الرد يكون مانعا، و صرح بذلك جملة من الاصحاب، منهم صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، و اخرى الاتفاق عليه، كما في عبارة الشيخ البحراني في حدائقه، فأمّا الاجماع فحاله ظاهر بكلا قسميه، فإذا ثبت الحكم بالتسالم فلا مانع من القول به، و الا فلا.

الجهة الثانية: مقتضى الصناعة العلمية

فأمّا ما تقتضيه الصناعة العلمية فلا أثر لرده و عدمه، و ذلك من خلال الأدلة، و لكي يتضح المراد لا بد لنا من التفصيل و التوضيح.

فنقول: تارة يكون عدم الرد شرطا في صحة الوصية على نحو الشرط المتأخر، و اخرى تكون الوصية تامة و الرد يكون فسخا، و على كلا التقديرين ترتفع الوصية بالرد؛ إذ إمّا ينكشف فساده من أول الأمر أو ترتفع من حينه كما في موارد الفسخ، و بهذا يترتب الأثر على أحد التقديرين دون الآخر.

فعلى ضوء كونه من قبيل الشرط المتأخر نطرح هذا المثال: فنفرض‌

47

..........

____________

أن العين الفلانية كان لها في الفاصل الزماني نماء، و النماء لا ينتقل إلى الموصى له، لان المفروض أن انتقال العين إليه مشروط بعدم رده، و كما تعلم فإن المشروط عدم عند عدم شرطه، فعلى هذا لا يمكن للموصى له ان يتملك العين فكيف بنمائها، و ينبثق من خلال هذا المثال سؤال و هو لمن يكون النماء في هذه الحالة هل يكون للميت أم للوارث؟

الظاهر من عبارة سيدنا الاستاذ كون النماء للميت (1)، و الذي يجول في الذهن أن مقتضى القاعدة انتقاله للوارث؛ و ذلك بمقتضى الأدلة الدالة على أن ما تركه الميت فهو لوارثه.

و قد خرج منه مورد الوصية بالمقدار المعين الذي قدّره الشارع، فإذا فرضنا أن هذه الوصية صارت باطلة كما هو كذلك في المقام، فما الوجه في عود هذا المال أو انتقاله الى الميت، إذ لا دليل على أن مقدار الثلث يبقى في ملك الميت، و المقدار الموجود على فرض صحة الوصية لا ينتقل الى الوارث.

و اما إذا فرضنا أنه ليس على نحو الشرط المتأخر كما إذا كان‌

____________

(1) مباني العروة: 2/ 367.

48

..........

____________

للموصى له حق الفسخ.

فهل يمكننا الحكم بفساد الاحتمال المزبور- إذ هو أعم من أن يكون على نحو الشرط المتأخر او الفسخ- أم لا؟

فأمّا بالنسبة الى احتمال الشرط المتأخر فالأمر ظاهر واضح؛ و ذلك بمقتضى إطلاقات أدلة نفوذ الوصية كتابا و سنة، فإنها تقتضي عدم اشتراط صحة الوصية بعدم الرد.

و أمّا بالنسبة إلى كون الفسخ مانعا أم لا؟ ربما يقال: لا يمكن الأخذ بالإطلاق حتى يدفع هذا الاحتمال، إذ لا تنافي بين تحقق الوصية و ثبوتها، أو دوامها، و ارتفاعها بالفسخ، و لا تنافي بين الأمرين؛ فعلى هذا لا وجه للتمسك بالإطلاق حتى نحكم بعدم تأثير الفسخ.

نعم إذا شككنا في صحة الفسخ و عدمه يكون مقتضى الأصل عدم تأثيره، فنحكم ببقاء الوصية على حالها، و بقاء الملكية أيضا، و لا وجه لانخرامها بالفسخ.

إن قلت: قد ثبت في الأصول أن الاستصحاب لا يجري في الأحكام الكلية؛ و ذلك لمعارضته باستصحاب عدم الجعل الزائد، و الشبهة في المقام شبهة حكمية، لا موضوعية، و بناء على هذا فلا مجال لجريان‌

49

..........

____________

الاصل.

قلت: لا بد ان تلاحظ الفرق بين جريان الاستصحاب في نفس الحكم أو إحراز الحكم ممتدا و بين وقوع الشك في الرافع.

بيان ذلك: تارة نشك في مقدار الجعل كشكنا في أن وجوب صلاة الجمعة مختص بزمان الحضور أو يشمل زمان الغيبة أيضا، فهذا مورد جريان الاستصحاب في المجعول، و جريانه في عدم الجعل الزائد، و بهذا يحصل التعارض بين الاستصحابين، فالنتيجة التعارض بين كلا الاستصحابين و المحصّل تساقطهما.

و اخرى يكون امتداد الحكم في عمود الزمان محرزا، و ارتفاعه بواسطة الرافع محتملا فعلى هذا لا شبهة في جريان الاصل بالنسبة الى الرافع، بلا فرق بين كون الشبهة موضوعية- كما لو شك في ارتفاع الطهارة بحدوث الحدث- أو تكون الشبهة حكمية كما في المقام.

و مما نحن فيه فلا إشكال في جريان الاستصحاب؛ و ذلك لتمامية أركانه، و بعدم جريان الاستصحاب في عدم حدوث الرافع نحكم ببقاء الحكم للأبد؛ لأن الأصل الجاري في السبب حاكم على الأصل الجاري في المسبّب، و بذلك لا تصل النوبة الى جريان ذلك الأصل أصلا.

50

..........

____________

هذا كله بالنسبة إلى هذه الجهة، و هي إذا شككنا في رافعيته و عدمها و امّا بالنسبة الى الجهة الاخرى، و هي كون الفسخ مؤثرا أم لا فيمكننا في المقام أن نثبت فساد الفسخ بنفس الإطلاقات الواردة في الوصية.

و توضيح ذلك: بعد ما انعقد الإطلاق في أدلة الوصية كتابا و سنة فإن من الامور المحتملة كون الفسخ مؤثرا، و بناء على تأثيره لا بقاء للملكية بعد الفسخ.

و هذا غير صحيح؛ إذ كيف يعقل أن يكون الفسخ مؤثرا و الملكية مرتفعة و هي مع ذلك باقية، و هذا لا يمكن القول به لدخوله في دائرة الجمع بين المتنافيين.

فمن خلال إطلاق صحة الوصية و نفوذها الى الأبد وقع الرد أم لم يقع نحكم ببقاء الوصية و بفساد الفسخ، إلّا أن يقوم دليل في المقام.

و على ضوء ما بيناه لا نرى مانعا من الأخذ بالاطلاق في مقام الحكم، و لا حاجة لجريان الأصل في عدم تأثير الرافع.

و بعبارة واضحة جلية فإن مجرد الإطلاق كاف لا ثبات المدعى.

و هذا الامر نفيس في حد نفسه، و من خلاله لا حاجة في اثبات اللزوم- في باب كلية العقود سواء كان في البيع او غيره- الى قوله تعالى‌

51

و دعوى: أنه يستلزم الملك القهري و هو باطل في غير مثل الارث مدفوعة: بأنه لا مانع منه عقلا، و مقتضى عمومات الوصية ذلك، مع أن الملك القهري موجود في مثل الوقف (1)

[مسألة] (2): بناء على اعتبار القبول في الوصية يصح إيقاعه بعد وفاة الموصي بلا إشكال و قبل وفاته على الأقوى (2)

____________

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) بل نلتزم باستفادة اللزوم من نفس إطلاقات أدلة النفوذ، فنقول: أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (2) يقتضي صحة البيع و إحلاله محله، و من المفروض أن مقتضى إطلاق تمليك البائع عدم اشتراط هذا التمليك و الملكية بشي‌ء له لا بالفسخ و عدمه، فإذا كان الامر كذلك و دليل الإمضاء شاملا له فبنفس دليل الإمضاء نثبت الصحة و اللزوم معا.

و بهذا نلتزم في كلية العقود و الايقاعات على هذا النهج، إلّا أن يقوم دليل على خلافه فلا مانع من الرجوع الى الدليل و الركون إليه.

(1) ما أفاده تام و لا خدشة فيه.

[مسألة 2: كفاية قبول الوصي حال حياة الموصي]

(2) ما أفاده تام و لا ريب فيه فقد تعرض (قدّس سرّه) لجهتين:

____________

(1) المائدة: 1.

(2) البقرة: 275.

52

..........

____________

الجهة الاولى: بعد الوفاة.

الجهة الثانية: قبل وفاة الموصي.

[الجهة الاولى: بعد الوفاة.]

فأمّا بعد وفاة الموصي- على القول باشتراطه- فيكون موجبا للصحة و هذا هو القدر المتيقن.

[الجهة الثانية: قبل وفاة الموصي.]

و أمّا إذا كان القبول قبل الموت فهل يكون تاما أم لا؟

الظاهر لا مانع من القول به، كما أفاد المصنف (طاب ثراه) و عبر عنه بالأقوائيّة، و لا وجه لقياس المقام بالقبول قبل الوصية؛ إذ قبل الوصية لا إنشاء و لا ايجاب، فعلى هذا لا موضوع للقبول، و أما بعد الوصية فالايجاب و الإنشاء محقق، غاية الأمر وزان الوصية و زان الواجب المشروط، ففي الواجب المشروط لا مجال لأن يقال: أن الإنشاء معلق على شي‌ء غير موجود، بل موجود؛ إذ لا يعقل ذلك، ففي الاحكام الشرعية الإنشاء موجود من حين التشريع، و إليك مثالا يتضح من خلاله المطلوب قال تعالى: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (1) ففي هذه الاية الكريمة لا‌

____________

(1) آل عمران: 97.

53

..........

____________

إشكال في وجودية الإنشاء، غاية ما في الباب يقع الكلام حول المتعلق عليه، فتارة يكون موجودا، و أخرى غير موجود، و في المقام كذلك؛ إذ الإنشاء موجود، و انما الملكية تتوقف على موت الموصي، و في الفرض عدم تحقق الموت، و لا فرق في تحققه و عدمه.

و بعد أن فرضنا وجود الانشاء فلا مانع من قبوله، فإذا قلنا بتحقق الإيجاب ثم تحقق القبول يتحقق العقد، و بمقتضى الإطلاقات المحكمة في المقام تكون الوصية صحيحة.

و أما ما ذكره سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) (1) في المقام من التمسك بإطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) حيث انه يقتضي صحة الوصية فلا مجال للقول به؛ و ذلك لما تقدم منا مرارا حول اطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، حيث قلنا أنه لا يمكن أن يكون دليلا للصحة، و لا بأس بتوضيح ذلك على نحو الاختصار فنقول: لا اشكال أن الإهمال في الواقع محال، فإذا فرضنا أن الشارع الأقدس قد حكم في موضوع ما بقوله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ينبثق من واقعه سؤال، و هو هل الخطاب الموجه في المقام تكليفي أم إرشادي؟

____________

(1) لاحظ مباني العروة: 2/ 369.

(2) آل عمران: 97.

54

..........

____________

فعلى القول بكونه تكليفيا معنى ذلك حرمة الفسخ، و هل يمكن لأحد أن يتفوه بهذه المقالة؟

بطبيعة الحال كلا.

فإذا نفينا كون الخطاب تكليفيا، ثبت كونه ناظرا إلى الجهة الوضعية، بمعنى (أيها المكلف فسخك لا أثر له)، و هذا العقد لازم، فعلى ضوء ما بيناه يقع التساؤل في المقام، فنقول: الحكم باللزوم على اي شي‌ء يعرض؟ هل يعرض على الصحيح؟ أم الفاسد؟ أم كليهما؟ أم لا هذا و لا ذاك؟

إذا: لا يخلو الامر من أربعة أقسام:

1- الصحيح.

2- الفاسد.

3- الصحيح و الفاسد.

4- الإهمال.

فأمّا الاهمال فغير معقول، و امّا الثاني فمحال أيضا؛ و ذلك للزوم اجتماع الضدين؛ إذ كيف يمكن أن يكون العقد فاسدا و مع ذلك يكون لازما، و أمّا على الثالث- و هو الاطلاق- فلا يمكن القول به أيضا؛ لأن‌

55

..........

____________

معنى الإطلاق هو الشمولية و العمومية للعقد الصحيح و الفاسد، و هذا لا يمكن التفوه به، فيبقى الأول- و هو الصحيح- فيكون على هذا العقد الصحيح لازما، و بناء على هذا يلزم إحراز كون العقد صحيحا، ثم يعرض اللزوم عليه.

إن قلت: إن الحكم باللزوم يستلزم الحكم بالصحة؛ إذ كيف يمكن أن يكون العقد لازما و مع ذلك لا يكون صحيحا؟

قلت: إنما يتوجه الإشكال على القضية الخارجية؛ و ذلك بدليل الاقتضاء، فعلى ضوئه إذا حكم المولى بلزوم عقد ما نستكشف صحته، و اما إذا كانت القضية حقيقية- كما هو كذلك- فلا مجال للقول بهذا الإشكال؛ إذ كل حكم من الاحكام لم يتعرض لموضوعه فإحرازه و عدم إحرازه و كذلك الشك فيه راجع إلى المكلف.

و بتعبير اخر: أن وزان الحكم المعلق و زان الواجب المشروط في القضية الشرطية، و التالي فيها تابع إلى المقدم، فإذا تحقق المقدم يعرض عليه التالي.

فعلى هذا إذا فرضنا وجود عقد صحيح في الخارج نلتزم بلزومه، و أما إذا شككنا في صحة عقد و عدمه فمقتضى الاصل عدم الصحة، و من‌

56

و لا وجه لما عن جماعة (1) من عدم صحته حال الحياة، لأنها تمليك بعد الموت، فالقبول قبله كالقبول قبل الوصية، فلا محل له، و لأنه كاشف أو ناقل و هما معا منتفيان حال الحياة.

إذ نمنع عدم المحل له، إذ الإنشاء المعلق على الموت قد حصل، فيمكن القبول المطابق له.

و الكشف و النقل إنما يكونان بعد تحقق المعلق عليه، فهما في القبول بعد الموت لا مطلقا (2).

____________

خلال ما بيناه اتضح أنه لا مجال لما أفاده سيدنا الاستاذ في المقام، و ما أفاده الماتن (قدّس سرّه) فلا غبار عليه.

(1) لعله إشارة لما أفاده العلامة الحلي في القواعد، حيث قال:

(و تفتقر الى إيجاب)، و المحقق الثاني في (جامع المقاصد).

(2) الأمر كما أفاده (قدّس سرّه)؛ إذ لا مانع من القبول قبل موت الموصي كما تقدم في طي البحث.

و في المقام اشكالان:

1- كيف يمكن القبول قبل موت الموصي؟

57

قد تقدم الجواب عن هذا الإشكال مفصلا فلا مجال للإعادة.

2- القبول إمّا أن يكون على نحو الكشف أو النقل، و على كلا النحوين لا بد من فرضية الموت في المقام، و أما قبل الموت فلا يمكن ذلك.

الجواب:

إن الكشف و النقل إنما يتصوران في حالة الموت، و هذا لا إشكال فيه، و لكن لا يكون مانعا عن ضحة القبول قبل الموت، و بتعبير آخر: تارة يقع الكلام في صحة القبول و أخرى في أثر القبول، فأمّا صحة القبول فلا إشكال فيها من حينه، و أمّا أثر القبول فيظهر بعد الموت، فعلى هذا لا تنافي بين الأمرين، و ما أفاده الماتن هو الصحيح و لا إشكال فيه.

58

[مسألة 3: تضيق الواجبات الموسعة بظهور أمارات الموت]

[مسألة] (3): تتضيق الواجبات الموسعة بظهور أمارات الموت، مثل قضاء الصلوات، و الصيام، و النذور المطلقة، و الكفارات، و نحوها، فيجب المبادرة إلى اتيانها مع الإمكان، و مع عدمه يجب الوصية بها، سواء فاتت لعذر أو لا لعذر، لوجوب تفريغ الذمة بما امكن في حال الحياة، و إن لم يجز فيها النيابة، فبعد الموت تجري فيها و يجب التفريغ بها بالايصاء، و كذلك يجب رد أعيان أموال الناس التي كانت عنده، كالوديعة و العارية، و مال المضاربة، و نحوها.

و مع عدم الإمكان يجب الوصية بها، و كذا يجب أداء ديون الناس الحالة، و مع عدم الإمكان أو مع كونها مؤجله يجب الوصية بها، إلا إذا كانت معلومة أو موثقة بالإسناد المعتبرة، و كذا إذا كان عليه زكاة أو خمس أو نحو ذلك، فإنه يجب عليه أداؤها أو الوصية بها، و لا فرق فيما ذكر بين ما لو كانت له تركه أو لا، إذا احتمل وجود متبرع أو أداؤها من بيت المال (1).

____________

(1) تنطوى هذه المسألة على عدة فروع:

الفرع الاول: أن الواجبات الموسعة تتضيق بأمارات الموت فيجب الإتيان بها مع الإمكان.