نجعة المرتاد

- الشيخ محمد رضا النجفي الأصفهاني المزيد...
520 /
323

[مقدمۀ محقق]

نجعة المرتاد علّامه ابو المجد شيخ محمّد رضا نجفى (1362 ه‍. ق) تحقيق: رحيم قاسمى

علّامۀ محقق آية اللّه العظمى شيخ ابو المجد محمّد رضا نجفى اصفهانى فرزند عالم عارف ربّانى آية اللّه العظمى شيخ محمّد حسين نجفى فرزند فقيه بزرگ آية اللّه العظمى شيخ محمّد باقر نجفى فرزند فقيه اصولى محقّق نامدار، عالم عارف ربانى آية اللّه العظمى شيخ محمّد تقى رازى (صاحب حاشيۀ معالم «هداية المسترشدين») از مفاخر علمى شيعه در قرن اخير است كه در مراتب علمى، كمتر نظيرى براى او مى‌توان سراغ گرفت.

وى در علوم فقه، اصول، كلام، تفسير، حديث، فلسفه، رياضيات، هيئت و نجوم تبحّرى بسزا داشته، تبحّر او در علوم ادبى به حدّى بوده كه استاد جلال همايى مى‌نويسد: نگارنده تا كنون كسى را در إنشاء و حفظ اشعار عربى و تبحّر و احاطه در احوال و آثار شعراى عرب بدان پايه و مايه نديده و محتمل است كه بعد از اين هم در رجال اصفهان مانند او نبيند. (1) به نوشتۀ مرحوم سيّد مصلح الدين مهدوى وى در معاشرت و حسن خلق بر بسيارى از معاصرين خود امتياز داشت. (2) وجود مبارك اين عالم بزرگوار در دوران نكبت‌بار حكومت پهلوى يكى از عوامل بقا و پويايى حوزۀ علميۀ كهن سال‌

____________

(1) تاريخ اصفهان: 117.

(2) دانشمندان و بزرگان اصفهان: 329.

324

اصفهان بوده، و پرورش دهها عالم فاضل كه اسامى بيش از يك‌صد نفر از آنان را مرحوم مهدوى در تاريخ علمى و اجتماعى اصفهان ياد كرده از آثار تلاش طاقت‌فرساى ايشان است.

متأسّفانه بسيارى از آثار ارزشمند و كم‌نظير اين عالم فرهيخته به سرنوشت كتابخانۀ مهمّ و كم‌نظير او دچار شده و جز اندكى از آنها به چاپ نرسيده است.

معروف‌ترين آثار منتشر شدۀ او عبارتند از: 1- وقاية الاذهان، در اصول فقه 2- نقد فلسفۀ داروين، در دو جلد 3- رسالۀ روضة الغنّاء 4- رسالۀ امجديّه (1). اثر مهمّ فقهى علّامۀ نجفى «ذخائر المجتهدين» نام داشته كه با كمال تأسّف اثرى از آن تا كنون يافت نشده است.

كتاب «نجعة المرتاد» يا «كبوات الجياد فى حواشى ميدان نجاة العباد» شرح و به عبارت بهتر جرحى عالمانه بر رسالۀ فقهى علّامه شيخ محمد حسن اصفهانى نجفى صاحب «جواهر الكلام» است كه در آن آراء برخى از اعاظم فقهاى شيعه كه بر نجاة العباد حاشيه‌اى نگاشته‌اند نيز مورد نقد و بررسى قرار گرفته، و چنانچه علّامه سيّد حسن صدر كاظمى فرموده: كتابى است مانند مؤلّف آن بى‌نظير.

تنها نسخۀ ناقص موجود اين كتاب توسّط استاد معظّم حجّة الاسلام و المسلمين حاج شيخ هادى نجفى- حفظه اللّه تعالى- جهت تصحيح در اختيار مصحّح قرار گرفت كه با وجود اغلاط موجود در آن با كوشش فراوان، تحت ارشاد استاد معظّم، تصحيح و تحقيق گشته و به چاپ مى‌رسد. گفتنى است كه تعليقه‌اى از فقيه حكيم نامدار مرحوم آية اللّه العظمى علّامه حاج آقا رحيم ارباب- (رضوان اللّه عليه)- در نسخۀ خطى موجود بود كه در جاى خود نقل شد.

و الحمد للّه ربّ العالمين‌

____________

(1) جهت آشنايى بيشتر با احوال و آثار صاحب عنوان رجوع شود به تاريخ علمى و اجتماعى اصفهان جلد 2 و قبيلۀ عالمان دين نوشتۀ استاد معظّم آقاى شيخ هادى نجفى.

325

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

326

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

327

تقريظ العلّامة آية اللّه السيّد حسن الصدر الكاظمي (قدّس سرّه)

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الّذي جعل العلماء ورثة الأنبياء، و فضّل مدادهم على دماء الشهداء، و الصلاة على خير الرواة عن ربّ السموات محمّد و آله الهداة.

و بعد، فقد نظرت في هذا الشرح الجليل للفاضل النبيل، نابغة العصر، و وحيد الدهر، الفقيه على التحقيق، و المحقّق لكلّ غامض دقيق، الشيخ أبي المجد محمّد الرضا الأصفهاني، فوجدته كصاحبه بلا ثاني، فهو بين الكتب كالسبع المثاني، محكم المباني، دقيق المعاني، مضطلع بعلم الحديث و الرجال، و واحد رجاله عند المجال.

و قد سألني- سلّمه اللّه- تحمّل ما صحّ لي روايته عن مشايخي- رضي اللّه تعالى عنهم- تأسّيا بالسلف، و هو نعم الخلف، فأجزت له- سلّمه اللّه- أن يروي جميع كتب الأخبار الساطعة الأنوار، سيّما «الكافي» و «الفقيه» و «التهذيب» و «الاستبصار»، المشتهرة في هذه الأعصار اشتهار الشمس في رابعة النهار، للمحمّدين الثلاث الأوائل، و الكتب الثلاثة للمحمّدين الثلاثة الأواخر، «الوافي» و «الوسائل» و «البحار»، و سائر الخطب و المواعظ و القصص و الآثار، و جميع ما ألّف في الإسلام علماء الخاصّ و العامّ في فنون العلوم الشرعيّة،

328

و الرسوم المرعيّة، من العقليّة و النقليّة، و الأصوليّة و الفرعيّة، و التفسيريّة و الأدبيّة، عنّي عن عدّة من مشايخي الكرام، و الفضلاء العظام.

منهم: و هو أجلّهم شأنا، و أعظمهم مكانة و مكانا، و هو أوّل من أجازني، العالم العلم، و الفقيه الأقوم، قدوة الأنام، و علم الأعلام، زاهد العصر، فريد الدهر، جمال السالكين و المجاهدين، المؤيّد من اللّه بلطفه الخفيّ و الجليّ، الشيخ حاج مولى علي بن الحاج ميرزا خليل الرازي النجفي- تغمّده اللّه برحمته و رضوانه، و أسكنه بحبوحة جنانه- عن مشايخه الستّة:

أوّلهم: العلم العلّامة، الفقيه الفهامة الشيخ الولي، الشيخ عبد العلي الرشتي النجفي، صاحب الشرح على «الشرائع»، و عندي منه المجلّد الأوّل، و هو شرح تمام كتاب الطهارة بخطّه الشريف، و على ظهره إجازة شيخ الطائفة صاحب «كشف الغطاء» بخطّه الشريف، و إجازة السيّد العلّامة صاحب «الرياض» بخطّه الشريف له (قدّس سرّه)، و يروي عنهما و عن السيّد بحر العلوم الطباطبائى، جميعا عن الآقا المحقّق الوحيد الأصفهاني الشهير بالبهبهاني، عن أبيه الأفضل، المولى محمّد أكمل، عن العلّامة المجلسي بطرقه المثبتة في أوّل أربعينه و آخر بحاره.

و عن هؤلاء الأعلام الثلاثة، عن الشيخ الفقيه المحدّث صاحب «الحدائق»، عن المولى رفيع الدين الجيلاني الساكن بالمشهد الرضويّ، عن العلّامة المجلسي، و سائر طرقه المثبتة في لؤلؤته.

و ثانيهم: الشيخ صاحب الجواهر، عن السيّد الجواد، الرفيع العماد، الرأس الأوتاد، صاحب «مفتاح الكرامة»، عن السيّد بحر العلوم، عن مشايخه المذكورين في خاتمة «مستدرك الوسائل»، بطرقهم المذكورة هناك.

و ثالثهم: الشيخ الأعظم، و الركن الأقوم، كشّاف حقائق الفقه و الاصول بطريق من البيان لم يطمثهنّ انس قبله و جان، خلاصة العلماء العاملين، شيخ الإسلام و المسلمين، العالم الربّاني الشيخ مرتضى الأنصاري، عن شيخيه: الفاضل المتبحّر، المولى أحمد النراقى، و السيّد الإمام، العلّامة السيّد صدر الدين العاملي- (قدّس اللّه روحيهما)- و هما جميعا عن السيّد بحر العلوم، و السيّد الميرزا مهدي الشهرستاني، و الشيخ كاشف الغطاء النجفي، و الميرزا‌

329

أبو القاسم المحقّق القمي، جميعا عن الفاضل الشيخ محمّد مهدي الفتوني، و الشيخ يوسف البحراني بطرقهم المعروفة.

و رابعهم: الشيخ الفقيه الفاضل العماد، الشيخ جواد مولى كتاب النجفي، صاحب الشرح المبسوط على «اللمعة» إلى النكاح في عشر مجلّدات، عن السيّد جواد العاملي صاحب «مفتاح الكرامة»، عن السيّد بحر العلوم بطرقه المتقدّم إليها الإشارة.

و خامسهم: الشيخ الفاضل الفقيه، شارح «الشرائع»، الشيخ رضا بن الشيخ زين العابدين العاملي النجفي- صهر السيّد جواد العاملي- عن السيّد العلّامة المتبحّر السيّد عبد اللّه بن السيّد العلّامة السيّد محمّد رضا الشبّر الكاظمي، المصنّف المكثّر، صاحب «جامع الأحكام» و هو نحو «البحار»، و غيره، عن شيخ الطائفة الشيخ جعفر كاشف الغطاء، و السيّد العلّامة صاحب «الرياض»، و الشيخ العلّامة المتبحّر الأوّاه الشيخ أسد اللّه صاحب «المقابيس» بطرقه المذكورة في أوّل مقابيسه.

و سادسهم: السيّد الفاضل السيّد محمّد بن السيّد العلّامة السيّد جواد العاملي، عن أبيه السيّد جواد صاحب «مفتاح الكرامة»، عن السيّد بحر العلوم بطرقه السبعة المعروفة المتقدّم إليها الإشارة.

و منهم: و هو ثاني من أجازني العالم العامل و الفاضل الكامل خرّيت علم الحديث و الآثار، المشتهر بالفضل و التقوى كعلم على نار، المولى العلّامة النوري الحسين بن العلّامة التقيّ الطبرسي، صاحب «مستدرك الوسائل»، عن عدّة من الشيوخ الّذين ذكرهم في خاتمة «المستدرك» بطرقهم المذكورة هناك.

و منهم: و هو ثالث من أجازني العالم المتبحّر، خرّيت طريق التحقيق، و مالك أزمّة الفضل بالنظر الدقيق، ذو الفكر الصائب و الحدس الثاقب، السيّد الفقيه المحدّث العالم الميرزا محمّد هاشم بن الميرزا زين العابدين الخوانساري الأصفهاني صاحب «اصول آل الرسول» و «فوائد الفرائد»، عن جماعة من الأعلام: أجلّهم السيّد العلم الإمام العلّامة السيّد صدر الدين العاملي، بكلّ طرقه الّتي أجلّها ما يرويه عن أبيه السيّد العلّامة السيّد صالح، عن‌

330

أبيه السيّد الإمام العلّامة السيّد محمّد بن السيّد العلّامة السيّد ابراهيم ابن السيّد العلّامة السيّد زين العابدين بن السيّد العلّامة السيّد نور الدين- أخي السيّد محمّد صاحب «المدارك»- عن الشيخ الفاضل المتبحّر المحدّث الشيخ محمّد بن الحسن صاحب «الوسائل» بطرقه المذكورة في آخر «الوسائل».

ح: و عن الميرزا محمّد هاشم المذكور، عن السيّد المحقّق المير سيّد حسن المدرّس، عن الميرزا زين العابدين الخوانساري، عن السيّد حجّة الإسلام السيّد محمّد باقر الرشتي الأصفهاني، عن السيّد علي صاحب «الرياض»، عن الآقا البهبهاني.

ح: و عن الميرزا محمّد هاشم المذكور، عن الشيخ الفقيه الشيخ مهدى ابن الشيخ المحقّق الشيخ علي بن شيخ الطائفة الشيخ جعفر كاشف الغطاء، عن عمّه الشيخ الفقيه العلم العلّامة الشيخ حسن صاحب «أنوار الفقاهة»، عن أبيه، عن السيّد بحر العلوم، و الشيخ مهدي الفتوني، و الشيخ يوسف البحراني، و الآقا محمّد باقر البهبهاني بطرقهم المعروفة.

و منهم: و هو رابع من أجازني السيّد العالم العلم العلّامة، المصنّف المكثّر الفهامة، صاحب الكرامة السيّد مهدي بن السيّد حسن القزويني الحلّي النجفي، عن عمّه العالم الربّاني السيّد باقر القزويني صاحب الصندوق و الشباك و القبّة في محلّة العمارة في الغري، عن السيّد بحر العلوم.

ح: و يروي السيّد مهدي القزويني المذكور عن السيّد الفاضل العالم الجليل السيّد محمّد تقي القزويني، عن أستاذه السيّد الجليل السيّد محمّد صاحب «المفاتيح» بن السيّد صاحب «الرياض»، عن أبيه السيّد المير سيّد علي بطرقه المتقدّم إليها الإشارة.

و منهم: و هو خامس من أجازني فقيه عصره، الحاج ميرزا حسين بن الميرزا خليل النجفي طاب ثراه، عن الشيخ العلّامة المتبحّر الآخوند محمّد تقي الگلپايگاني، عن جدّكم العلّامة الشيخ محمّد تقي صاحب «الهداية»، عن جدّكم كاشف الغطاء.

ح: و يروى الحاج ميرزا حسين ابن الميرزا خليل المذكور عن خال أمّكم، السيّد العلم العلّامة الأوّاه، السيّد أسد اللّه، عن أبيه السيّد حجّة الإسلام السيّد محمّد باقر، عن جماعة من‌

331

مشايخه المذكورين في إجازاته المتقدّم إلى بعضهم الإشارة.

و بيان جميع الطرق و الأسانيد لا تسعه هذه الورقة، و قد ذكرنا شيئا و نحيل الباقي إلى إجازاتنا المبسوطة.

فليرو- أدام اللّه تأييده- عنّي، عن مشايخي المذكورين، بالطرق المذكور في «لؤلؤة البحرين»، و أوّل «الأربعين» للعلّامة المجلسي، و في آخر «البحار»، عن العلّامة صاحب «البحار»، عن أبيه، عن الشيخ البهائي، عن أبيه، عن الشهيد الثاني بطرقه المثبتة في إجازته الكبيرة.

ح: و عن الشهيد الثاني، عن علي بن الشيخ عبد العالي الميسي، عن المحقّق ابن المؤذّن الجزينى، عن الشيخ ضياء الدين علي، عن أبيه الشيخ شمس الدين الشهيد الأوّل بطرقه المثبتة في إجازته الكبيرة لابن الخازن الّتي منها: عنه، عن ضياء الدين عبد اللّه بن محمّد بن علي بن محمّد الأعرج الحسيني، عن خاله العلّامة جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر بطرقه المذكورة في إجازته لبني زهرة الكبيرة الّتي منها: عنه، عن السيّدين رضي الدين و جمال الدين ابني طاوس، عن الشيخ نجيب الدين السوراوي، عن الشيخ الحسين بن هبة اللّه بن رطبه السوراوي عن الشيخ أبي علي، عن أبيه شيخ الطائفة (قدّس سرّه) بطرقه المثبتة في «فهرست كتب الشيعة»، و في آخر «التهذيب».

ح: و بالأسانيد، عن الشيخ الطوسي جميع مصنّفات و مرويّات السيّد المرتضى، و الشيخ المفيد.

ح: و بالإسناد، عن الشيخ المفيد جميع مصنّفات و مرويّات الشيخ الصدوق ابن بابويه و طرقه المذكورة في آخر «الفقيه».

ح: و جميع مرويّات ابن قولويه.

ح: و عن المفيد، عن ابن قولويه جميع مرويّات ثقة الإسلام الكليني.

ح: و بالإسناد عن الشيخ الطوسي عن الشيخ المفيد، عن ابن قولويه، عن محمّد بن يعقوب الكليني بكلّ طرقه و عدده و أسانيده في جامعه المهذّب الصافي المعروف بالكافي.

332

فليرو- دام بقاه- بكلّ هذه الطرق، و أسأله الدعاء عند مظانّة الإجابة، و أسأله الأخذ بما هو أنجى و أحوط في كلّ شي‌ء و في كلّ حال.

فأسأل اللّه تعالى أن يحيي به الدين كما أحيا بآبائه الأكرمين.

حرّره العبد الراجي فضل ربّه ذوي المنن، ابن الهادي حسن، المعروف بالسيّد حسن صدر الدين في ليلة السبت رابعة عشر ذي القعدة سنة 1333.

333

[متن كتاب نجاة العباد]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

كتاب الصلاة

الّتي تنهى عن الفحشاء و المنكر، و عمود الدين، إن قبلت قبل ما سواها، و إن ردّت ردّ ما سواها.

و فيه مقاصد:

المقصد الأوّل: في المقدّمات، و هي ستّ:

المقدّمة الأولى: في أعداد الفرائض، و مواقيت اليوميّة منها، و نوافلها، و جملة من أحكامها.

و فيها مباحث:

المبحث الأوّل: الصلاة واجبة و مندوبة، و الواجبة الآن خمسة

اليوميّة، و تدخل فيها الجمعة، و الآيات، و الطواف الواجب، و ما التزم بنذر أو إجارة أو غيرهما، و صلاة الأموات.

و اليوميّة خمس فرائض: صبح ركعتان، و مغرب ثلاثة، و ظهر و عصر و عشاء، كلّ منها‌

334

أربع ركعات للحاضر الآمن، و للمسافر و الخائف ركعتان، كما أنّ من صلّى الجمعة ركعتين أجزأته عن الظهر.

و الوسطى منها- الّتي أمرنا بالمحافظة- عليها الظّهر على الأصحّ.

و أمّا المندوبة فهي أكثر من أن تحصى، منها: الرواتب اليوميّة الّتي هي في غير يوم الجمعة أربع و ثلاثون ركعة: ثمان قبل الظهر، و ثمان قبل العصر، و أربع بعد المغرب، و ركعتان من جلوس (1) بعد العشاء، يعدّان بركعة، تسمّى بالوتيرة، و ركعتا الفجر.

و إحدى عشر صلاة الليل: ثمان ركعات، ثم ركعتا الشفع، ثمّ ركعة الوتر، و هي مع الشفع أفضل صلاة الليل، و لكن ركعتا الفجر أفضل منهما.

و يجوز الاقتصار على الشفع و الوتر منها، بل على الوتر خاصّة، و لها آداب كثيرة مذكورة في محالّها.

و على كلّ حال فقد ظهر لك أنّ النوافل مع الفرائض للحاضر إحدى و خمسون ركعة.

و تسقط عمّن فرضه القصر ثمانية الظهر، و ثمانية العصر، و الوتيرة على الأقوى (2).

و أمّا يوم الجمعة فيزاد على الستّة عشر أربع ركعات، و يأتي التعرّض لغيرها ان شاء اللّه تعالى.

و الأقوى ثبوت الغفيلة (3)، و هي ركعتان بين العشاءين، و يستحبّ قراءة وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنٰادىٰ فِي الظُّلُمٰاتِ أَنْ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنْتَ سُبْحٰانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّٰالِمِينَ فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ وَ نَجَّيْنٰاهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ بعد الحمد في أوليهما، و وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ لٰا يَعْلَمُهٰا إِلّٰا هُوَ وَ يَعْلَمُ مٰا فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مٰا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّٰا

____________

(1) و يجوز فيهما القيام، بل هو الأفضل، و إن كان الجلوس أحوط. (السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي)

(2) في أقوائيّته إشكال، و الأولى الإتيان بها رجاء. (الشيخ محمّد كاظم الخراساني)

(3) فيه إشكال إلّا أن يجعلهما من نافلة المغرب. (الشيخ الأنصاري) أو يأتي بها رجاء، و كذا الحال في صلاة الوصيّة. (الخراساني) و الأولى أن يأتي بالركعتين من نافلة المغرب بهذه الصورة، و بركعتين منها بالصورة الّتي تأتي في صلاة الوصيّة، من غير تعرّض لكونها غفيلة و وصيّة، بل يقصد بها نافلة المغرب، و يحتمل أن يكون مراده (رحمه اللّه) ذلك أيضا و إن لم يساعده ظاهر العبارة. (الميرزا الشيرازي)

335

يَعْلَمُهٰا وَ لٰا حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ الْأَرْضِ وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ بعده أيضا في ثانيتهما.

و الوصيّة (1)، و هي ركعتان بينهما أيضا، يقرأ في أوليهما إِذٰا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزٰالَهٰا ثلاثة عشر مرّة بعد الحمد، و في الثانية التوحيد، خمس عشر مرّة، بعدها أيضا.

لكن مع أنّ الاحتياط يقتضي عدم فعلهما (2) ليستا من الرواتب الّتي هي عند الأولياء كالواجب.

المبحث الثاني: في مواقيتها

يدخل وقت الظهر بزوال الشمس، فإذا مضى منه مقدار أدائها اشترك معها العصر، إلى أن يبقى من المغرب مقدار أدائه، فيختصّ حينئذ هو به أيضا.

ثمّ يدخل وقت المغرب، فإذا مضى منه مقدار أدائه اشترك معه العشاء، إلى أن يبقى من انتصاف الليل مقدار أربع ركعات، فيختصّ هو به أيضا و يخرج حينئذ وقت المختار.

و أمّا المضطرّ لنوم، أو نسيان، أو حيض، أو غيرها من أحوال الاضطرار (3) فالأظهر (4) بقاء الوقت له إلى طلوع الفجر، و أنّه يختصّ العشاء من آخره بالأربع أيضا، بخلاف المغرب من أوّله على الأقوى.

و الأولى عدم التعرّض في النيّة للأداء و القضاء، بل الأولى ذلك حتى في العامد.

____________

(1) حكمها حكم مطلق النافلة الغير الراتبة في وقت الفريضة، و ستعرف الإشكال فيها، إلّا أن يجعلها من نافلة المغرب، كما عرفت في الغفيلة. (الشيخ الأنصاري).

(2) بل فعلهما رجاء. (الخراساني)

(3) بل و كذا في العامد، و إن كان آثما في التأخير. (السيّد اليزدي)

(4) الأظهريّة في غير المضطرّ لإحدى الأحوال الثلاث محلّ تأمّل، فالأحوط له عدم التعرّض في النيّة للأداء و القضاء. (الخراساني)

336

ثمّ يدخل وقت الصبح بطلوع الفجر الصادق الّذي كلّما زدته نظرا أصدقك بزيادة حسنه المستطير في الأفق أي المعترض المنتشر فيه كالقبطيّة البيضاء، و كنهر سورى، لا الكاذب المستطيل في السماء المتصاعد فيها الّذي يشابه ذنب السرحان على سواد يتراءى من خلاله و أسفله، و لا يزال يضعف حتى ينمحي أثره، و يمتدّ وقته إلى طلوع الشمس في أفق ذلك المصلّي.

و المراد بالاختصاص عدم صحّة خصوص الشريكة فيه، مع عدم أداء صاحبة الوقت مطلقا، من غير فرق بين السهو (1) و عدمه، و القضاء و عدمه.

أمّا صلاة غير الشريكة فيه قضاء (2) مثلا، أو صلاة الشريكة فيه أداء بعد فرض أداء صاحبته بوجه صحيح فالظاهر الصحّة (3)، كما يصحّ مزاحمة الشريكة للأخرى، إذا فرض بقاء ركعة من الوقت، فتصلّي حينئذ و إن وقع جملة منها في وقت الاختصاص، فلو بقي من الغروب خمس ركعات، أو من نصف الليل صلّى الظهرين و العشاءين، و لا يصلّي المغرب لو لم يبق إلّا مقدار أربع ركعات.

و يعلم الزوال بزيادة ظلّ الشاخص المنصوب معتدلا في الأرض المعتدلة بعد نقصانه، أو حدوثه بعد انعدامه.

و المغرب بذهاب الحمرة المشرقيّة على الأصحّ، بل يقوى اعتبار ذهابها إلى أن تتجاوز سمت الرأس، بل الأحوط مراعات ذهابها من تمام المشرق الّذي هو ربع الفلك.

و ليس لنصف الليل حدّ في الشرع معلوم، و لكن يعرف بالنجوم و غيرها، نعم منتهاه طلوع الفجر الصادق، لا الشمس (4)،

____________

(1) الأقوى صحّة الشريكة مع السهو. (السيّد اليزدي)

(2) فيه إشكال. (الشيخ الأنصاري) أقواه ما في المتن. (الخراساني)

(3) و إن كان الأحوط عدم التعرّض فيها للقضاء و الأداء. (الشيخ الأنصاري- السيّد اليزدي)

(4) محلّ تأمّل. (السيّد اليزدي)

337

نعم لو أوجب التطوّع عليه بسبب من الأسباب كالنذر و نحوه خلص (1) من الإشكال عن أصله، و لكن ينبغي الإطلاق في النذر و إن كان وقع منه في وقت الفريضة، أمّا لو قيّده في وقتها فإشكال، أقواه عدم الجواز بناء على الحرمة.

المبحث الثالث: في الأحكام.

إذا حصل للمكلّف أحد الأعذار المانعة من التكليف بالصلاة كالجنون، و الحيض، و الإغماء و قد مضى من الوقت مقدار فعل تمام صلاة المختار له (2) بحسب حاله في ذلك الوقت- من الحضر و السفر و غيرهما- وجب عليه القضاء، و إلّا لم يجب عليه على الأصحّ، من غير فرق بين التمكّن من الأكثر و عدمه، و بين التمكّن من الطهارة خاصّة دون باقي الشرائط و عدمه (3).

و لو ارتفع العذر و قد أدرك مقدار ركعة كذلك وجب، و يكون مؤدّيا لا قاضيا و لا ملفّقا، و إلّا لم يجب على الأقوى، من غير فرق بين الفرائض، و لا بين الطهارة و غيرها من الشرائط (4).

____________

(1) لا يخلص بذلك من الأشكال و إن أطلق النذر. (الخراساني)

(2) يعني ما وجب عليه بحسب تكليفه الفعلي من حيث المرض و الصحّة، و التيمّم و الوضوء و الغسل، و نحو ذلك.

(السيّد اليزدي)

(3) الأحوط* القضاء مع كونه متطهّرا جامعا للشرائط عند الزوال، و طروّ العذر بعد مضيّ مقدار فعله الواجب في حقّه، سواء كان صلاة المختار أو غيرها. (الشيخ الأنصاري- السيّد اليزدي)

* بل الأقوى. (الخراساني)

(4) لو أدرك الطهارة دون سائر الشرائط، بل الطهارة الترابيّة فلا ينبغي ترك الاحتياط. (الشيخ الأنصاري- السيّد اليزدي)

338

و المراد بالركعة في كلّ مقام علّق الحكم عليها القيام المشتمل على القراءة و الركوع و السجود كمّلا، فتنتهي حينئذ برفع الرأس من السجدة الأخيرة على الأصحّ (1)

و يعتبر العلم لغير ذوي الأعذار بالوقت في الدخول بالصلاة، و الأقوى الاكتفاء بالبيّنة، بل و خبر العدل (2)، لكنّ الأحوط خلافها (3)

و لا يكفي الأذان و إن كان من عدل عارف، و لا غيره من الأمارات، نعم يكفي الظنّ من أين ما حصل لذوي العذر بعمى أو حبس أو نحوهما، و في الغيم و نحوه، مع أنّ الأفضل، و الأحوط (4) التأخير حتّى يعلم.

و لو انكشف الخطأ حتّى بأن له سبق الصلاة تماما على الوقت استأنف.

و إن كان قد انكشف له الخطأ، و قد دخل عليه الوقت الّذي تصحّ فيه الصلاة المتلبّس بها و هو في اثنائها و لو التسليم لم يعد على الأقوى.

و الشكّ في الدخول، بل و الظنّ به كالعلم بالعدم في وجوب الاستيناف.

و متعمّد التقديم و لو لجهل بالحكم يستأنف على كلّ حال، و كذلك الناسي و الظانّ بدخول الوقت مع عدم اعتبار ظنّه، أمّا لو كان قاطعا فكالمعذور بظنّه في التفصيل السابق.

و لو دخل في الصلاة غافلا عن المراعات، و لم يتفطّن إلى الفراغ، و قد صادف تمام فعله الوقت صحّت صلاته على الأقوى، و الأحوط الإعادة و كذلك الجاهل بالحكم إذا كان بحيث تقع منه نيّة القربة.

و لو تفطّن الغافل المزبور في الأثناء، و لم يتبيّن له الوقت استأنف، و الأحوط له إتمام ما في يده، ثمّ الإعادة.

____________

(1) الاكتفاء هنا بإتمام الذكر في السجدة الأخيرة لا يخلو عن قوّة. (الشيخ الأنصاري- السيّد اليزدي) بل لا يخلو الاكتفاء بمجرّد السجود بها عن وجه، و إن كان الأحوط عدم التعرّض للأداء و لا للقضاء إذا لم يدرك الذكر، بل و لو أدرك. (الخراساني)

(2) في خبر العدل إشكال، نعم الاكتفاء بأذان العدل العارف لا يخلو عن قوّة. (السيّد اليزدي)

(3) بل الأقوى عدم الاكتفاء بالعدل الواحد. (الشيخ الأنصاري)

(4) هذا الاحتياط لا يترك. (السيّد اليزدي)

339

و يجب الترتيب بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء، فمن تركه عمدا و لو جهلا بالحكم أعاد ما قدّمه.

أمّا الساهي فلا يعيد إذا كان قد وقع في الوقت (1) المشترك، و لو ذكر في الأثناء عدل بنيّته و إن كان ما وقع منه في وقت الاختصاص في وجه، إلّا أنّ الأحوط إن لم يكن أقوى الإعادة بعد الاتمام، و إنّما يصحّ له العدول إذا لم يتجاوز محلّه، بأن يكون قد ركع في رابعة العشاء مثلا، و المنسيّ المغرب.

و لا عدول بعد الفراغ في متساوي (2) العدد، فضلا عن غيره، و كذلك الحكم في ما يجب فيه الترتيب من الفوائت.

أمّا العدول من الحاضرة إلى الفائتة فغير واجب (3)، نعم هو جائز، بل مستحبّ.

و الأفضل له صلاة كلّ فريضة في أوّل وقت فضيلتها، إلّا عصري الجمعة و عرفة، فيعجّلهما فيهما بعد الظهر، و عشائي من أفاض من عرفات، فيؤخّرهما إلى المزدلفة، و لو إلى ربع الليل، بل و لو إلى ثلثه.

و من خشي الحرّ يؤخّر الظهر إلى المثل ليتبرّد بها.

و من لم يكن له إقبال يؤخّر الفرض إلى حصوله، لكن لا ينبغي أن يتّخذ ذلك عادة.

و من كان منتظرا للجماعة يؤخّرها إلى حصولها، إذا لم يقتض ذلك الإفراط في التأخير بحيث يكون مضيّعا للصلاة.

و الصائم الّذي تتوق نفسه إلى الافطار يؤخّرها إلى ما بعده، و كذا من كان له أحد ينتظره.

____________

(1) الأقوى أنّه لا فرق في الصحّة بين الإتيان في الوقت المشترك و المختص، و حينئذ فإن تذكّر في الأثناء عدل، و إن تذكّر بعد الفراغ ففي الظهرين يعدل أيضا على الأقوى، و إن كان الأحوط أن ينوي ما في الذمّة في الصلاة الثانية، و في العشاءين صحّ ما أتى به فيأتي بالمغرب بعد ذلك. (السيّد اليزدي)

(2) الأقوى جوازه في المتساوي كما أشرنا إليه، و إن كان الأحوط ما ذكرناه من قصد ما في الذمّة في الصورة الثانية. (السيّد اليزدي)

(3) في نفي الوجوب تأمّل، فلا ينبغي ترك الاحتياط. (الشيخ الأنصاري)

340

و المستحاضة الكبرى تؤخّر الظهر و المغرب إذا أرادت جمعها مع العصر و العشاء بغسل واحد.

و المربّية للصبيّ تؤخّر الظهرين إلى آخر الوقت، لتجمعها مع العشاءين بغسل واحد للثوب.

و يؤخّر أيضا ذوو الأعذار، و لو لغيم و نحوه، مع رجاء زوال العذر في آخر الوقت.

و مدافع الأخبثين، بل كلّ ممنوع بنحو ذلك.

و المتنفّل يؤخّر الفرض للنافلة، و المسافر المستوفر، و من كان عليه قضاء يؤخّر إلى حصول الضيق.

و لا يجب التأخير في شي‌ء من ذلك على الأصحّ (1).

و يكره الشروع (2) في النّوافل المبتدأة عند طلوع الشمس، و عند غروبها، و عند قيامها، و بعد صلاة الصبح، و بعد صلاة العصر، دون ذوات الأسباب كالزيارة، و الطواف، و الحاجة، و نحوها، و دون إتمام المبتدأة لو كان متلبّسا بها، و دخل وقت الكراهيّة. و اللّه أعلم.

____________

(1) وجوب التأخير على ذوي الأعذار مع رجاء زوال العذر لا يخلو عن قوّة. (الشيخ الأنصاري) وجوب التأخير في ذوي الأعذار، مع عدم اليأس من الزوال لا يخلو عن قوّة، نعم يجوز البدار في التيمم و لو مع الرجاء. (السيّد اليزدي)

(2) في الحكم بالكراهة في المواضع المذكورة إشكال، بل الأقوى عدمها. (السيّد اليزدي)

341

[شرح كتاب نجاة العباد (نجعة المرتاد)]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه و الصلاة على محمّد و آله‌

كتاب الصلاة

(الّتي تنهى) من أتى بها بجميع حدودها (عن) جميع أقسام (الفحشاء و المنكر) (1) فما يشاهد من ارتكاب كثير من المصلّين لهما فإنّما هو لعدم إقامتها بحدودها الّتي ورد في بعض النصوص أنّها أربعة آلاف (2).

أو أنّ في الصلاة اقتضاء المنع عنهما، فيترتّب الأثر عليها إذا لم تزاحمها الأفعال الّتي خاصيّتها البعث عليهما من غير قسمي الفحشاء و المنكر، أو المتقدّم منهما وجودا على الصلاة، لئلّا يلزم المحال.

أو يلتزم بعدم منعها لجميع أقسامهما، و يمنع الوجدان عن ارتكاب بعض المصلّين جميع أقسام الفحشاء و المنكر.

و الوجه الأوّل أحسن، و في النصوص ما يدلّ عليه تلويحا، بل تصريحا.

و ما يقال من أنّ المراد أنّ المصلّي لا يتمكّن حال اشتغاله بالصلاة الصحيحة من فعلهما، فيه- مع البعد- من السماجة و الفساد ما لا يخفى، فإنّ الآية الشريفة واردة في مدح الصلاة و بيان فضلها قطعا، و على هذا لا يبقى لها مزيّة على فعل من الأفعال حتّى الكبائر، فإنّ من اشتغل بأحدها لم يتمكّن من سائر أضدادها المحرّمة.

و أيضا إن قنع هذا المجيب بمنعها و لو عن بعض أقسام الفحشاء و المنكر فالإشكال مندفع‌

____________

(1) إشارة إلى الآية 45 من سورة العنكبوت.

(2) تهذيب الأحكام 2: 258 ح 956 و الفقيه 1: 195 ح 599.

342

بنفسه من غير احتياج إلى هذا الجواب، لما عرفت من عدم قيام الوجدان على ارتكاب المصلّين جميع أقسامهما.

و إن أراد عدم تمكّن المصلّي من جميع أقسامهما فظاهر الفساد، فإنّ المصلّي يتمكّن حال الصلاة من النظر إلى الأجنبيّة، و لطم اليتيم، و سرقة ما يقرب منه من الأموال، و نحو ذلك.

(و) هي (عمود الدين) بمعنى أنّها (إن قبلت قبل ما سواها) من الأعمال الصالحة الواجدة لشرائط الصحّة، و إن كانت فاقدة لشرائط القبول (و إن ردّت) لعدم اجتماع شرائط الصحّة و القبول معا فيها (ردّ ما سواها) و إن كانت واجدة لشرائطهما.

و هذا هو الوجه في تشبيهها بالعمود، فكأنّ الأعمال الصالحة خباء، رفعها قبولها، و تقويضها ردّها، و هما منوطان بها إناطة بناء البيت و تقويضه بالعمود.

ثمّ إنّ قبول صلاة واحدة سبب لقبول جميع الأعمال، لا لأنّ المراد بها الطبيعة و هي صادقة بصدق فرد منها، لعدم إرادة مثل ذلك في الجملة الثانية المتّحدة في السياق معها، للزوم التهافت بين الجملتين في ما لو قبلت صلاة و ردّت اخرى، مع منافاته لفضل اللّه الّذي تجري معاملة العباد عليه، بل لأنّ قبول صلاة واحدة يوجب قبول بقيّة الصلوات كما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي في الكافي (1)، و قبول جميعها يوجب قبول بقيّة الأعمال.

فظهر أنّ ردّ جميع الصلوات موجب لردّ جميع الأعمال، لا فرد منها، و اندفع استبعاد كون ردّ صلاة واحدة في جميع العمر موجبا لعدم قبول جميع أعمال الحسنة في جميع العمر أيضا، من غير احتياج إلى تخصيص الأعمال بالنوافل، أو التقييد بأعمال اليوم الّذي ردّت صلاته، و نحو ذلك.

ثمّ إنّه ورد في عدّة من النصوص ما يستفاد منه أنّ قبول كثير من الصلوات موقوف على النوافل، و ردّ بما يخصّص الأعمال بغير النوافل حذرا من لزوم الدور؛ و لا وجه لهذا التخصيص، و الدور يمكن دفعه بأن تكون النوافل في مرتبة صحّتها موجبة لقبول الفريضة،

____________

(1) الكافي 3: 269.

343

و قبول الفريضة موجبا لقبول النافلة، فلا دور.

ثمّ إنّ الجملة الأولى وردت بلفظها في رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) المرويّة في الكتابين (1) و لكنّها خالية عن الجملة الثانية، و لكن مع كون ذلك لازم التشبيه المتقدّم، يستفاد مضمونها من بعض الروايات، كقوله (عليه السلام): « [مثل] الصلاة مثل عمود الفسطاط، إذا ثبت العمود نفعت الأطناب و الأوتاد و [الغشاء و] إذا انكسر [العمود] لم ينفع طنب و لا وتد و لا غشاء» (2).

و فيه مقاصد:

المقصد الأوّل: في المقدّمات، و هي ستّ

المقدمة الأولى: في أعداد الفرائض و مواقيت اليوميّة منها

و قوله: (و نوافلها) صالح للعطف على كلّ من الجملتين السابقتين، و قوله: (و جملة من أحكامها) يعنى أحكام المواقيت، أو أحكام الصلاة من حيث المواقيت، و الأوّل أظهر، و الثاني أنسب بسوق الكلام.

و فيها مباحث:

المبحث الأوّل: (الصلاة) تنقسم ابتداء إلى (واجبة و مندوبة)

و ذلك مع قطع النظر عن الخصوصيّات العارضة لها، و إلّا فقد تعرض لها الحرمة و الكراهة بمعناهما المصطلح، أو بمعنى آخر كما مرّت الإشارة إليه في كتاب الطهارة.

(و الواجبة) منها (الآن) أي في زمان الغيبة (خمسة) كذا في النسخ، و الصواب: خمس‌

____________

(1) الكافي 3: 268، تهذيب الأحكام 2: 255 ح 946.

(2) وسائل الشيعة 4: 33 الباب (8) من أبواب أعداد الفرائض ح 6.

344

صلوات: (اليوميّة، و تدخل فيها الجمعة) لكونها بدلا عن الظهر، بناء على وجوبها و لو تخييرا (و الآيات، و الطواف الواجب، و ما التزم به) المكلّف (بنذر أو إجارة أو غيرهما) كالعهد و اليمين، و ما أمر به الوالد، بناء على أنّه يجب بذلك، و (صلاة الأموات) بناء على كونها من الصلاة بالمعنى المصطلح.

و هذا التقسيم غير حسن و لا مستقيم، و المختار عنده في كتابه الكبير عدّها أربعة (1) و لا فائدة في إطالة الكلام في ما يرد على مختاره في الكتابين طردا و عكسا بعد وضوح المراد، و لكن لا بدّ من إدراج صلاة الاحتياط الواجبة في الاولى- بتقريب لا يخفى على المتأمّل- إن أمكن، أو عدّها مستقلا و جعل الأقسام ستّة.

و اختار الماتن في كتابه الكبير إدراجها في الرابعة، و قال: «لأنّ الشكّ أيضا من الملزمات». (2) فتأمّل فيه، فإنّه من غريب الكلام.

(و اليوميّة) الواجبة منحصرة عندنا في (خمس فرائض) و لا واجب سوى الفرائض عندنا، خلافا لأبي حنيفة فإنّه يرى الفريضة خمسا و يقول بوجوب الوتر.

و لا يرد عليه ما قال له حمّاد بن زيد: كم الفرائض؟ قال: خمس، و عدّها. فقال حمّاد: و الوتر؟ قال: واجب. قال حمّاد: لا أدري الخطأ في الإجمال أو التفصيل؟

قال الفاضل في المنتهى: و الإنصاف أنّ هذا الاستهزاء غير لائق بأبي حنيفة (3).

و صدق في ذلك، فإنّ أبا حنيفة يرى الفريضة ما ثبت بالدليل القطعي، و لم تثبت به سوى هذه الخمس، و الوتر واجب عنده بالدليل الاجتهادي، فلا منافاة بين عدّه الفريضة خمسا و قوله بوجوب الوتر، فإنّه مبنيّ على الاصطلاح الّذي لا مشاحة فيه.

____________

(1) قال في الجواهر: بل قد يقال: ينبغي عدّها حينئذ خمسة بإدراج الجمعة في اليوميّة، بل أربعة اقتصارا على الفرائض الأصليّة. جواهر الكلام 7: 11.

(2) جواهر الكلام 7: 11.

(3) قال محقّق كتاب مفتاح الكرامة: ليست هذه العبارة موجودة في المنتهى المطبوع جديدا، و لا في المطبوع قديما، إلّا أن في المطبوع قديما ما يدلّ على سقوطها عن الطبع أو عن قلم الناسخ، فإنّه بعد أن حكى عنه العبارة «قال حمّاد بن زيد- إلى قوله:- أو في التفضيل» قال: «و هذه»، ثمّ شرع في مسألة أخرى. و هذه قرينة على سقوط عبارة: «و هذه السخرية غير لائقة بأبي حنيفة». مفتاح الكرامة 5: 15.

345

و بعض شرّاح هذا الكتاب ردّ على الفاضل في ذلك، و صوّب إشكال حمّاد، غفلة عن حقيقة الحال.

(صبح ركعتان، و مغرب ثلاثة) لكلّ المكلّفين، و العبارة سمجة كما لا يخفى.

(و ظهر و عصر و عشاء، كلّ منها أربع ركعات للحاظر الآمن، و للمسافر و الخائف ركعتان).

و قوله: (كما أنّ من صلّى الجمعة ركعتين أجزأته عن الظهر) واضح، و إن كان ارتباطه بالمقام لا يخلو عن خفاء، و لو بنى على التكلّف فبيانه سهل.

(و) الصلاة (الوسطى منها الّتي امرنا بالمحافظة عليها) زيادة على غيرها في قوله تعالى: حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ (1) هي (الظهر على الأصحّ) المشهور بين الأصحاب، و الروايات الدالّة عليه مستفيضة، و لا إشكال فيه، و إن نقل عن السيّد أنّها العصر (2) و لكن مستنده في غاية الضعف.

و الوجه في تسميتها بذلك، كونها وسطى بين صلاتي النهار، و كون وقتها وسط النهار، و صرّح بذلك في عدّة من الروايات، فلا حاجة مع ذلك إلى ما تكلّفه في كتابه الكبير من كونها بين نافلتين متساويتين (3).

ثمّ إنّه نقل فيه أيضا في عداد أقوال العامّة عن بعض الزيديّة أنّها الجمعة في يومها، و الظهر في سائر الأيّام، و حكم على الجميع بكونه اعتبارا و استحسانا و تهجّسا لا يجوز أن يكون مستندا لحكم شرعي (4).

و هو خطأ، بل القول بذلك متعيّن، للتصريح بذلك في غير واحد من الروايات، مضافا إلى أنّ لازم كونها الظهر مطلقا أن لا يكون حيث يتعيّن صلاة الجمعة صلاة وسطى فيها، و هو بعيد جدّا.

____________

(1) البقرة: 238.

(2) جواهر الكلام 7: 13.

(3) جواهر الكلام 7: 13.

(4) جواهر الكلام 7: 14.

346

و بالجملة، فالّذي يستفاد من تلك الروايات مع ما ورد في وجه الاهتمام بها أنّ الوسطى اسم لكلّ فريضة تصلّى وسط النهار، ظهرا كانت أو جمعة، و يساعده الاعتبار.

(و أمّا) الصلوات (المندوبة فهي) كثيرة، و قوله: (أكثر من أن تحصى) فيه مبالغة مردودة.

(منها: الرواتب اليوميّة الّتي هي) أهمّها و أفضلها، و هي في مجموع اليوم و الليلة (في غير يوم الجمعة) ضعف الفرائض، أي (أربع و ثلاثون ركعة) موزّعة على الأوقات:

(ثمان) بعد الزوال و (قبل) صلاة (الظهر، و ثمان قبل) صلاة (العصر) و بعد الظهر إلى دون الذراعين، على مختار الماتن، و يأتي تحقيقه قريبا، إن شاء اللّه (و أربع بعد) صلاة (المغرب) إلّا ليلة المزدلفة لمن كان فيها، فإنّها تؤخّر إلى بعد العشاء (و ركعتان) تصلّيان (من جلوس) متورّكا، أو متربّعا (بعد العشاء) و هما (تعدّان بركعة) في الفضل، أو عند عدّ ركعات النوافل، و هذه الصلاة (تسمّى بالوتيرة) لكونها بدلا عن الوتر لمن لم يفعلها، مع نقصانها عنه في الفضل، بل و في المقدار، بناء على كون الوتر اسما للركعات الثلاث كما ستعرف، إن شاء اللّه.

(و ركعتا الفجر) المسمّيتان بالدساستين و المشهورتين (و إحدى عشر) ركعة، مجموعها (صلاة الليل) أو خصوص (ثمان ركعات) منها هي صلاة الليل (ثمّ ركعتا الشفع، ثمّ ركعة الوتر) بل الثلاثة وتر، و الأخيرة تعرف بمفردة الوتر، على الاصطلاح الشائع في الأخبار، و في مفتاح الكرامة: إنّه تفوق أربعين خبرا. (1)

و الماتن في كتابه الكبير اعترف بكونه هو الشائع، و ذكر أنّ جملة الأخبار الدالّة على ذلك خمسون خبرا أو أكثر (2)، فكان عليه أن يعبّر به هنا.

و ما ذكره من عدد النوافل هو المشهور، بل المسلّم عند الأصحاب، و الروايات الدالّة على ذلك مستفيضة، و لا إشكال في ذلك، و ورد في بعض الروايات أقلّ من ذلك، و لكنّه‌

____________

(1) مفتاح الكرامة 5: 29.

(2) جواهر الكلام 7: 61.

347

محمول على تأكّد الاستحباب، كما يشهد له التعبير في بعضها بأنّه الّذي يستحبّ أن لا يقصر عنه (1)، و يظهر من بعضها الرخصة في ترك الزائد لذوي الأعذار، كالرواية الّتي موردها التاجر الّذي يختلف و يتّجر (2).

نعم، ورد في غير واحد منها عدم صلاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الوتيرة، و ورد الوجه في ذلك، و هو أنّ تشريعها لمّا كان لأجل أن يكون بدلا عن الوتر لو مات قبل أن يصلّيها، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حيث كان يأتيه الوحي يعلم أنّه يموت أم لا، و غيره لا يعلم، و لأجل ذلك لم يصلّهما و أمر بهما (3).

هذا، و الوجه في ما ذكره من الجلوس في الوتيرة ظاهر، لوقوع التصريح به في أكثر النصوص.

و للسيّد الاستاذ- دام ظلّه- (4) حاشية في المقام، و هي قوله: «و يجوز فيهما القيام، بل هو الأفضل على الأقوى».

و الوجه في الجواز ما في رواية الحارث بن المغيرة من قول الصادق (عليه السلام): «و ركعتان بعد العشاء الآخرة كان يصلّيهما أبي و هو قاعد، و أنا أصلّيهما و أنا قائم» (5).

و ما في رواية سليمان بن خالد من قوله (عليه السلام): «و ركعتان بعد العشاء الآخرة، يقرأ فيهما مائة آية قاعدا أو قائما، و القيام أفضل، و لا تعدّهما من الخمسين» (6).

و من الثانية يظهر وجه الأفضليّة المذكورة، بل و من الاولى أيضا، إذ لا ينافي ذلك مواظبة أبيه (عليه السلام) على الجلوس فيهما، إذ الظاهر أنّه كان لمشقّة القيام عليه كما في خبر سدير‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 59 الباب (14) من أبواب أعداد الفرائض ح 2.

(2) وسائل الشيعة 4: 59 الباب (14) من أبواب أعداد الفرائض ح 1.

(3) وسائل الشيعة 4: 97 الباب (30) من أبواب أعداد الفرائض ح 8.

(4) هو العلّامة الفقيه السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدّس سرّه).

(5) وسائل الشيعة 4: 48 الباب (13) من أبواب أعداد الفرائض ح 9.

(6) وسائل الشيعة 4: 51 الباب (13) من أبواب أعداد الفرائض ح 16.

348

مذ قال لأبي جعفر (عليه السلام): «أ تصلّي النوافل و أنت قاعد؟ قال: «ما اصلّيها إلّا و أنا قاعد منذ حملت هذا اللحم، و بلغت هذا السنّ» (1).

و مع ذلك كلّه فلا ريب أنّ الجلوس فيهما أحوط، و إن كان القيام أفضل، كما ذكره- دام ظلّه- للاقتصار عليه في أكثر النصوص مع كونها في مقام البيان، و عدم خصوصيّة للوتيرة حينئذ، إذ جواز الجلوس في جميع النوافل ثابت لا ينازع فيه أحد سوى الحلّي (2)، فلا يبقى وجه صالح لتخصيص الوتيرة بهذا التقييد، على أنّ الرواية الثانية غير صريحة في كون الركعتين فيها هما الوتيرة، إذ من المحتمل استحباب غيرها بعد العشاء.

و قد ورد في صحيح آخر أنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) كان يصلّي ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية، و لا يحتسبهما، و ركعتين و هو جالس يقرأ فيهما بالتوحيد و الجحد. و لكن في آخره ما يشعر بكون الأولى هي الوتيرة، فليراجع (3).

ثمّ إنّ البحث عن أفضليّة بعض هذه النوافل على بعض ممّا لا يترتّب عليه ثمرة مهمّة، إذ أكثرها ممّا لا يقع التزاحم بينها غالبا، مع صعوبة الجزم بالتفضيل فيها، لقصور الأدلّة، و اختلاف كلمات الأصحاب.

و قد قال الماتن في كتابه الكبير: «و الأولى ترك البحث عن ذلك، إذ النصوص في فضل كلّ منها وافية، و لكلّ خصوصيّة لا تدرك بغيرها» (4).

و يا حبّذا ما ذكره لو جرى على ذلك في هذا الكتاب، و لم يقل في الرسالة الموضوعة لأن يذكر فيها خصوص ما يحتاج إليه المقلّد في مقام العمل: (هي مع الشفع أفضل صلاة الليل).

و لعلّه خصّ ذلك بين النوافل بالذكر لوقوع المزاحمة بينها و بين صلاة الليل عند ضيق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 491 الباب (4) من أبواب القيام ح 1.

(2) كتاب السرائر 1: 309 قال: و الأولى عندي ترك العمل بهذه الرواية، لأنّها مخالفة لاصول المذهب، لأنّ الصلاة لا تجوز مع الاختيار جالسا إلّا ما خرج بالدليل و الإجماع، سواء كانت نافلة أو فريضة إلّا الوتيرة.

(3) وسائل الشيعة 4: 253 الباب (44) من أبواب المواقيت ح 15.

(4) جواهر الكلام 7: 23.

349

الوقت. و لكنّ النصّ قد دلّ على تقديم الوتر على صلاة الليل كذلك، و تقديم مفرداها على شفعها، و هو كاف في المقام، للأفضليّة كانت أو غيرها.

و هذا الاعتذار لا يجري في قوله: (و لكن ركعتا الفجر أفضل منهما) إلّا بتكلّف، على أنّه مخالف لما استجوده في كتابه الكبير من أفضليّة صلاة الليل من غيرها (1)، إلّا أن يكون مبنيّا على دخولهما في صلاة الليل.

و (يجوز الاقتصار على الشفع و الوتر منها) بل إذا صلّاها مع ركعتي الفجر تكتب له صلاة الليل؛ كما في خبر معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (2).

(بل على) مفردة (الوتر خاصّة) لقوله (عليه السلام): «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة، إنّ اللّه عزّ و جلّ يحبّ الوتر، لأنّه واحد».

و لكنّ الرواية عامية، رواها في العلل عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (3)، إلّا أن يجرى دليل التسامح، و فيه تسامح، و يظهر من صدرها كون الرواية مسوقة لبيان حكم آخر غير المقام، على أنّها مختصّة بخوف ضيق الوقت، فلا تدلّ على الإطلاق الّذي ذكره.

و لا يحضرني رواية سواها تدلّ على ما ادّعاه، فهو مشكل، إلّا أن يدّعى أنّ كلّا من الشفع و الوتر نافلة مستقلّة، و لكلّ منهما عنوان مستقلّ، و ليس لمجموعهما عنوان ثالث، أو أنّ المجموع أيضا عبادة اخرى، إذ لا مانع من تركّب عبادة من عبادتين، و هذا و إن كان ممكنا و لكن إثبات ذلك لا يخلو عن صعوبة.

و شيخنا الفقيه (قدّس سرّه) (4) حاول ذلك بما في رواية الأعمش، حيث قال فيها عند تعداد الركعات المسنونة: «و ثمان ركعات في السحر، و هي صلاة الليل، و الشفع ركعتان، و الوتر‌

____________

(1) جواهر الكلام 7: 24.

(2) وسائل الشيعة 4: 258 الباب (46) من أبواب المواقيت ح 3.

(3) وسائل الشيعة 4: 260 الباب (46) من أبواب المواقيت ح 11.

(4) هو الفقيه المحقّق الحاج آقا رضا الهمدانى صاحب مصباح الفقيه.

350

ركعة» (1)، و بما في رواية الفضل بن شاذان، قال: فإنّ سوقهما يشهد بأنّ الأعداد المفصّلة كلّها نوافل مستقلّة. (2)

و الظاهر أنّه يريد بها المرويّة في العلل عن الفضل، عن الرضا (عليه السلام) و فيها: «و ثمان ركعات في السحر، و الشفع و الوتر ثلاث ركعات، تسلّم بعد الركعتين و ركعتا الفجر» (3).

و في استفادة المقصود من هاتين الروايتين و ما ضارعهما نظر واضح، إذ لا وجه لها إلّا عدّ كلّ منها مستقلّا، و هذا لا يدلّ على الاستقلال، بل هكذا تعدّ أجزاء العبادة الواحدة.

ثمّ أيّد ذلك بما تقدّم من قيام الوتيرة مقام الوتر، مدّعيا أنّ الوتر الّذي تقوم الركعتان مقامه ليس إلّا الركعة الأخيرة، لا الثلاث ركعات، لأنّ الركعتين من جلوس لا تقومان مقام ثلاث ركعات [من قيام] (4)، انتهى.

و حكمه بعدم قيام الركعتين مقام الثلاث لم يظهر لي وجهه، و غاية ما ثبت من النصوص الدالّة على جواز الجلوس في النوافل و غيرها قيام الركعتين من جلوس مقام الواحدة، لا عدم قيامهما مقام الثلاثة كما في المقام.

على أنّ البدليّة في المقام قيام عبادة مقام عبادة اخرى في الفضل و نحوه، بخلاف غيره.

على أنّه لو سلّم جميع ذلك، فلا يلزم من كون الوتيرة بدلا عن مفرد الوتر كونها مستقلّة في الطلب، إذ من الممكن كون عمدة الفضل لها و الركعتان قبلها بمنزلة الشرط لصحّتها، لاعتبار وقوعها بعدهما.

و الماتن في كتابه الكبير زاد على ما ذكره هنا جواز الاقتصار على ما شاء من أبعاض صلاة الليل تبعا لصاحب المصابيح. و استدلّ على ذلك بالأصل، و تحقّق الفصل المقتضي للتعدّد، و عدم وجوب إكمال النافلة بالشروع، و أنّها شرّعت لتكميل الفرائض، فيكون‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 57 الباب (13) من أبواب أعداد الفرائض ح 25.

(2) مصباح الفقيه 9: 34.

(3) وسائل الشيعة 4: 55 الباب (13) من أبواب أعداد الفرائض ح 23.

(4) مصباح الفقيه 9: 34.

351

لكلّ بعض قسط منه، فيصحّ الإتيان به وحده، كما يجوز الإتيان بنافلة النهار دون الليل، و أنّ المنساق إلى الذهن عدم اشتراط الهيئة الاجتماعيّة في الصحّة (1).

و هذه الوجوه لا يخفى ضعفها للمتأمّل، فلا فائدة في إطالة الكلام بذكر ما يرد عليها.

و لقد أحسن شيخنا الفقيه (قدّس سرّه) البحث معه في ذلك، فليرجع إلى كتابه من شاء، و لكنّه منع الأصل حتّى البراءة، و لو قيل بجريانه حتّى في المستحبّات، و ذكر أنّه لا معنى لأصالة البراءة بعد إذ علم تعلّق الطلب بمجموع الثمان و شكّ في أنّ المجموع هل هو مطلوب واحد، فيكون المكلّف به ارتباطيّا؟ أو أنّه غير ارتباطي، فيكون الطلب المتعلّق به قائما مقام طلبات متعدّدة؟ بل الأصل في مثل المقام عدم تعلّق طلب نفسيّ بالأبعاض كي يصحّ إتيان كلّ بعض منها مستقلّا بقصد امتثال أمره. و لا يقاس ما نحن فيه بمسألة الشك في الجزئيّة، فإنّ التكليف بالجزء المشكوك في تلك المسألة غير محرز، فينفيه أصل البراءة، و أصالة عدم وجوب الجزء المشكوك، و أصالة عدم وجوب الأكثر، و لا يجري في جانب الأقلّ شي‌ء من هذه الأصول حتّى تتحقّق المعارضة، لأنّ وجوبه المردّد بين النفسي و الغيري محرز، فلا يجري فيه شي‌ء من الاصول سوى [عدم كونه واجبا نفسيّا، أي عدم كونه من حيث هو متعلّقا للطلب، و هو معارض ب‍] أصالة عدم كون الأكثر أيضا كذلك، فيتساقطان، و يرجع إلى الاصول المتقدّمة النافية لوجوب الأكثر السالمة عن المعارض. و أمّا في ما نحن فيه فلا يجري شي‌ء من الاصول المتقدّمة، لا في الأقلّ، و لا في الأكثر، لأنّ مطلوبيّة الجميع معلومة، إلّا أنّ كون الأقلّ مطلوبا نفسيّا غير معلوم، فينفيه الأصل، و لا يعارضه في المقام أصالة [عدم] كون الأكثر كذلك، لأنّ الطلب المعلوم تعلّقه بالأكثر نفسيّ بلا شبهة، و إنّما الشك في أنّ متعلّقه عبادة واحدة أو عبادات متعدّدة حتّى تكون أبعاضه أيضا واجبات نفسيّة (2)، انتهى مع اختصار، بحذف ما لا يضرّ إسقاطه.

لكن ما ذكره (قدّس سرّه) إنّما يتم في ما لو علم تعلّق أمر واحد نفسيّ بمجموع الثمان بحيث يكون المجموع عنوانا واحدا، و كلّ ركعتين منه أجزاء له، فإنّ تعلّق الأمر الواحد النفسي بالمجموع‌

____________

(1) جواهر الكلام 7: 29.

(2) مصباح الفقيه 9: 38- 37.

352

حينئذ معلوم، و تعلّق أمر آخر نفسيّ بأجزائه غير معلوم، فينفى بالأصل كما ذكره.

و الفرق بين المقام و مسألة الأقلّ و الأكثر ظاهر بما أفاده.

و أمّا إذا لم يعلم ذلك، بل علم إجمالا بتعلّق أمر بالثمان، و شكّ في كونه على نحو العامّ المجموعي أو الأفرادي، و فرض عدم إمكان تعيين ذلك بالقواعد اللفظيّة، فالظاهر كونه من موارد مسألة الأقلّ و الأكثر، و جريان البراءة فيه، لأنّ الأمر المردّد بين النفسيّ و الغيري ثابت لكلّ ركعتين منه، و اشتراط امتثاله بضمّ بقيّة الركعات إليه مشكوك، فيدفع بالأصل.

و بمثل هذا التقريب تقرّر بقيّة الاصول الّتي يتمسّك بها هناك، و يجاب عن الإشكالات الّتي تورد عليها بعين ما يجاب عنها هناك.

و لا يضرّ بما نحن فيه معلوميّة الأمر بباقي الركعات كما يظهر من كلامه، لأنّ المناط مشكوكيّة كونه مأمورا به بعين الأمر المتعلّق بالجزء، و هو حاصل في المقام، و كونه معلوما و لو بامر آخر لا يضرّ بالمقصود، كما في كثير من الموارد المسلّمة لتلك القاعدة، كما لو شك في اشتراط الصلاة بالسورة، و الحجّ بالاختتان، مع أنّ استحباب السورة و وجوب الاختتان نفسا معلومان، و كون الأمر المتعلّق بالمجموع واحدا في اللفظ لا ينافي تعدّد الأوامر بعد انحلاله إلى أوامر عديدة لو كان على نحو الأفرادي.

فتأمّل في ما ذكرناه و ذكره (قدّس سرّه) فإنّه دقيق نافع في كثير من المقامات.

و لعلّه يجعل المقام من الصورة الاولى، و يرى مفروغيّة كون المجموع مأمورا به بأمر واحد شخصي، و الشك في تعلّق أمر آخر بالأبعاض، و حينئذ فلا إشكال في ما ذكره كما عرفت، و لكن هذا الحمل بعيد من كلامه، بل أوّل كلامه يكاد أن يكون صريحا في خلافه، مضافا إلى أنّ المقام من قبيل الصورة الثانية كما لا يخفى.

ثمّ إنّه جعل العمدة في إثبات الجواز، النصوص الدالّة على جواز الاقتصار على البعض في نافلة العصر، و هي لا إطلاق لها، فيختصّ بموردها؛ و بمغروسيّة محبوبية طبيعة الصلاة في النفس، و كون كلّ فرد منها عبادة مستقلّة، و كون الحكمة المقتضية لتشريعها مناسبة لتعلّق الطلب بذواتها، و نحو ذلك ممّا هو مشارك في الضعف لما أورده الماتن، و لا يمكن الاستناد إليها في الأحكام الشرعيّة.

353

فالأحوط- إن لم يكن أقوى- الاقتصار على ما دلّ النصّ على جواز الاقتصار عليه.

نعم، لا إشكال في استقلال مجموع كلّ نافلة، و عدم توقّف صحّة نافلة العصر مثلا على ضمّ نافلة الظهر أو المغرب إليها.

(و لها آداب كثيرة) و أدعية مأثورة (مذكورة في محالّها) من كتب العبادات.

(و على كلّ حال فقد ظهر لك أنّ النوافل مع الفرائض للحاضر) في غير يوم الجمعة (إحدى و خمسون ركعة) ثلثها فرائض، و ثلثاها نوافل.

(و تسقط عمّن فرضه القصر) نوافل الفرائض المقصورة، فتسقط (ثمانية الظهر و ثمانية العصر) بلا إشكال و لا خلاف، و النصوص الكثيرة دالّة عليه، و في بعضها التعليل بأنّه «لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة»، و لكن يظهر من غير واحد من الأخبار تخصيص ذلك بمن سافر قبل الوقت، و ثبوتها لمن سافر بعده، و لا بأس بالعمل بها، و يظهر من بعضها استحباب قضائها في الليل، و يظهر من بعضها عدم استحباب ذلك، و الشيخ في التهذيب حملها على محلّ بعيد. (1)

و الظاهر أنّ هذا الاختلاف نشأ من اختلاف السائلين عنهم، و إرادتهم (عليهم السلام) الإرفاق ببعضهم.

قال معاوية بن عمّار: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أقضي صلاة النهار بالليل في السفر؟ فقال:

«نعم»، فقال له إسماعيل بن جابر: أقضي صلاة النهار بالليل في السفر؟ فقال: «لا»، فقال:

إنّك قلت: نعم، فقال: «إنّ ذلك يطيق و أنت لا تطيق» (2).

(و) كذا (الوتيرة على) المشهور، و هو (الأقوى) عند الماتن، و الوجه في ذلك إطلاق عدّة من الأخبار، و التعليل المستفاد من قوله (عليه السلام): «لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة» و كونها نافلة لصلاة مقصورة فتسقط، و الإجماع المنقول.

____________

(1) تهذيب الأحكام 2: 17.

(2) وسائل الشيعة 4: 84 الباب (22) من أبواب أعداد الفرائض ح 1.

354

و ذهب الشيخ (رحمه اللّه) و جماعة منهم الشهيد في الذكرى إلى عدم السقوط (1) لما رواه الشيخ (رحمه اللّه) و الصدوق عن الفضل بن شاذان- مع اختلاف يسير في اللفظ- عن الرضا (عليه السلام) قال: «إنّما صارت العشاء مقصورة ليس نترك ركعتيها، لأنّهما زيادة في الخمسين تطوعا ليتمّ بهما بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتان من التطوّع» (2).

و التوقّف في سندها لاشتماله على ابن عبدوس (3) و القتيبي (4) غفلة عمّا ثبت في فنّ الحديث من عدم احتياج المشايخ إلى التوثيق، مضافا إلى أنّ لهذين الشيخين مدائح جليلة لا تقصر عن التوثيق، مذكورة في محلّها، و قد صحّح العلماء كالعلّامة و غيره أخبارا كثيرة مشتملة أسانيدها عليهما (5).

و قد رواها الصدوق في العيون بسند آخر، و هو: عن الحاكم جعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمّه أبي عبد اللّه محمّد بن شاذان، عن الفضل (6).

و أمّا دلالتها: فهي صريحة، فبها تقيّد تلك الإطلاقات- لو سلّمت دلالتها- و التعليل المتقدّم أيضا، على أنّ هذا التعليل مختصّ بنافلة الفريضة المقصورة، و مثبت للملازمة بين قصر الفريضة و سقوط نافلتها، و الروايات الكثيرة و منها رواية الفضل هذه دلّت على عدم كون الوتيرة نافلة للعشاء، فهذه الرواية حاكمة عليه، بل التعليل المتقدّم أجنبيّ عن المقام، لا سيّما لو كان لفظ الرواية كما نقله الماتن في كتابه هكذا: «لو صلحت النافلة بالنهار تمّت الفريضة» (7). و لكنّ الظاهر أنّه سهو من الماتن، بل لفظ النهار موجود في السؤال، فأدرجه في الجواب، فليراجع.

____________

(1) ذكرى الشيعة 2: 298.

(2) وسائل الشيعة 4: 95 الباب (29) من أبواب أعداد الفرائض ح 3.

(3) و هو عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس.

(4) هو على بن محمّد بن قتيبة.

(5) راجع: منتهى المقال 5: 69 و 4: 275.

(6) عيون اخبار الرضا (عليه السلام) 2: 199 باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان.

(7) جواهر الكلام 7: 44.

355

و أمّا الاستدلال بكونها نافلة مقصورة فتسقط، فهو ممنوع صغرى و كبرى:

أمّا الصغرى: فلما عرفت من عدم كونها نافلة للعشاء، بل هي صلاة مشروعة لإكمال عدد الضعف للنوافل، و كونها بدلا عن الوتر إن لم يتمكّن المكلّف منه.

و لا يحضرني إلّا رواية تدلّ صريحا على كونها نافلة للعشاء، و إضافتها إلى العشاء لكون وقتها بعد العشاء و نحوه، لا لكونها نافلة لها، كما يشهد له رواية الفضل هذه و أخبار كثيرة.

و أمّا منع الكبرى: فلأنّ الظاهر من الروايات أنّ سقوط النوافل في السفر لأحد أمرين:

إمّا لعدم صلاحيّة نهار السفر للنافلة، و لهذا استحبّ قضاؤها كما عرفت.

أو كونها نهاريّة، و نافلة لصلاة مقصورة.

و على الأوّل يكون عدم سقوط نافلة الصبح إمّا للدليل، أو لكونها من صلاة الليل، كما يستفاد من غير واحد من الأخبار. و على الثاني يكون خروجها على الأصل.

و على التقديرين تخرج نافلة العشاء، لأنّ المسلّم سقوط نافلة النهار على الأوّل، و نافلة المقصورة النهاريّة على الثاني، و الوتيرة خارجة منهما.

و لعلّ الثاني هو الظاهر من رواية الفضل عن الرضا (عليه السلام) قال: «و إنّما ترك تطوّع النهار، و لم يترك تطوّع الليل، لأنّ كلّ صلاة لا يقصر فيها، لا يقصر في ما بعدها من التطوّع» (1). فإنّ الجمع بين أوّل الرواية و آخرها يقتضي ما ذكرناه، فليتأمّل.

على أنّه لو فرض قيام دليل معتبر على كون الوتيرة نافلة للعشاء فلا إشكال في لزوم تقييده بهذه الرواية.

و أمّا الإجماع المنقول فحاله معلوم، خصوصا مع معارضته بما نقله في الخلاف من الإجماع على عدم السقوط (2)، و بما عن الأمالي من أنّ من دين الإماميّة أنّه لا يسقط شي‌ء من نوافل الليل (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 87 الباب (24) من أبواب أعداد الفرائض ح 5.

(2) الخلاف 1: 586.

(3) أمالي الصدوق: المجلس 93.

356

فالقول بعدم السقوط متعيّن، لا سيّما مع ملاحظة الأخبار الواردة في الحثّ على الوتيرة، فإنّه لا يخفى على الفقيه المتأمّل فيها أنّ سياقها يأبى التخصيص.

و لذا قد أحسن الشيخ الأستاذ (1)- دام ظلّه- في حاشية المقام حيث قال: «في أقوائيّته إشكال، و الأولى الإتيان بها رجاء».

هذا، و قد استدلّ على عدم سقوط الوتيرة برواية رجاء بن أبي الضحّاك المرويّة في العيون، فإنّ فيها أنّ الرضا (عليه السلام) كان يصلّي الوتيرة في السفر.

و لكنّ النسخ الّتي اطّلعنا عليها من العيون، خالية من ذلك، و لعلّ المستدل اطّلع على نسخة تشتمل على ذلك.

و قد وقع هنا غلط لبعض أهل العصر لا بدّ من التنبيه عليه، لكي لا يتبعه أحد على خطأه، و هو أنّه سمع نقل التوقّف عن صاحب المدارك و غيره في سند خبر الفضل لاشتماله على ابن عبدوس و القتيبي (2)، و رأى استدلالهم بخبر ابن أبي الضحّاك، فنسب إلى صاحب المدارك ضعف خبر ابن أبي الضحّاك، لاشتمال سنده على ابن عبدوس و القتيبي.

و هذا غلط ظاهر، إذا الخبر المشتمل سنده عليهما خبر الفضل، و خبر ابن أبي الضحّاك لم ينقله صاحب المدارك أصلا، و لا يشتمل سنده عليهما، بل نقله الصدوق عن تميم بن عبد اللّه، عن أبيه، عن أحمد بن عبد اللّه الأنصاري، عنه (3).

هذا، و لازم عبارة المتن عدم سقوط النافلة عن المخيّر بين القصر و التمام و إن اختار القصر، و كذلك عن المسافر الّذي فرضه التمام، و هذا أحد الأقوال، و المسألة غير خالية عن الإشكال.

و الماتن في كتابه الكبير بعد ما ذكر أنّ ظاهر المحقّق كغيره سقوط النوافل المزبورة حتّى في الأماكن الأربعة قال: «و فيه نظر إذا اختار المكلّف إيقاع فرائضه على وجه التمام الّذي هو‌

____________

(1) هو العلّامة المولى محمد كاظم الخراسانى صاحب الكفاية.

(2) مدارك الأحكام 3: 27.

(3) وسائل الشيعة 4: 55 الباب (13) من أبواب أعداد الفرائض ح 24.

357

مستلزم لصلاحيّة الإتيان بالنافلة». و لم يذكر وجها، لهذا الاستلزام. ثمّ تجاوز عن ذلك، و قال: «بل لعلّ من التمام صحّة فعلها». و لم يذكر لهذه الدعوى وجها.

و بعد ما نقل تصريح جماعة بعدم السقوط، و نقل تصريح الحلّي بعدم الفرق بين أن يتمّ الفريضة أم لا، و لا بين أن يصلّي الفريضة خارجا عنها و النافلة فيها، أو يصلّيهما معا فيها قال: «و لعلّه لما أشرنا إليه من تبعيّتها لصلاحيّة الإتمام في الفريضة لا لوقوعه منه، كما يؤمي إليه خبر الحنّاط» (1)، انتهى.

و قوله (عليه السلام) في خبر الحنّاط: «لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة» (2) أجنبيّ عن المقام، إذ الملازمة المستفادة منه لو تمّت فإنّما هي بين صلاحيّة النافلة و التمام، و المطلوب في المقام إثبات عكس ذلك، و هو الملازمة بين التمام و صلاحيّة النافلة.

و كان الأولى له التمسّك بخبر الفضل الآتي قريبا، و لعلّه ترك الاستدلال به لطعنه قريبا في سنده، و ان استدلّ به في مواضع اخر.

ثمّ أقول: «ما هكذا تورد يا سعد الإبل» (3)، بل المتعيّن في المقام ملاحظة الأدلّة الدالّة على سقوط النوافل في السفر، و هي على قسمين:

منها: ما كان من قبيل قوله (عليه السلام): «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعد هما شي‌ء» (4) و نحو ذلك، ممّا ذكر فيه سقوطها قبل الصلاة المقصورة و بعدها بالخصوص.

و منها: غير ذلك، كرواية صفوان بن يحيى، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن التطوّع بالنهار و أنا في السفر، فقال: «لا» (5) و نحوها.

و القسم الثاني يشتمل صورتي إتمام الفريضة و قصرها، و عمومات وجوب القصر‌

____________

(1) جواهر الكلام 7: 50.

(2) وسائل الشيعة 4: 82 الباب (21) من أبواب أعداد الفرائض ح 4.

(3) أي ما هكذا يكون القيام بالأمور، و المثل لمالك بن زياد مناة ابن تميم، رأى أخاه سعدا أورد الإبل و لم يحسن القيام عليها، فقال ذلك. المنجد في اللغة و الأعلام (فرائد الأدب): 1012.

(4) وسائل الشيعة 4: 81 الباب (21) من أبواب أعداد الفرائض ح 2.

(5) وسائل الشيعة 4: 82 الباب (21) من أبواب أعداد الفرائض ح 5.

358

للمسافر إذا تخصّصت في مورد لا يستلزم تخصيص أدلّة سقوط النافلة في ذلك المورد.

و منع شمول هذا القسم لمثل المقام لدعوى الانصراف لا يصغى إلى مدّعيه.

و أمّا القسم الأوّل: فيمكن منع شمولها للمقام، لأنّه لم يذكر فيه سقوط النافلة مطلقا، بل نفى النافلة قبل الركعتين و بعدها، فتبقى القضيّة مهملة بالنسبة إلى الصلاة الّتي تصلّى أربعا.

و بعبارة اخرى: أخبار هذا القسم دلّت على سقوط النوافل في السفر الّذي يقصر فيه، لا مطلقا، فتبقى أدلّة ثبوتها سالمة عن المقيّد، إلّا أن يقال: إنّ تلك الأخبار اشتملت على حكمين مستقلّين، و القيد وارد مورد الغالب؛ و فيه تأمّل، بل منع.

فعلى هذا فأخبار هذا القسم- و هي الأكثر- لا يشمل المقام إلّا على وجه عرفت منعه.

نعم، لشموله خصوص ما إذا اختار القصر وجه ليس بالبعيد، و لكنّ القسم الثاني يشمل المقام، و مقتضاه سقوط النافلة مطلقا، و فيه الكفاية.

فالأظهر سقوطها خصوصا إذا اختار القصر، فإنّ أخبار القسم الأوّل يشمله على وجه عرفته.

نعم، يمكن الاستدلال على عدم السقوط في خصوص ما إذا اختار التمام- بل مطلقا- بما في العلل الّتي رواها الفضل عن الرضا (عليه السلام) من قوله: «و إنّما ترك تطوّع النهار و لم يترك تطوّع الليل، لأنّ كلّ صلاة لا يقصر فيها لا يقصر في ما بعدها من التطوّع» (1).

و ذلك لأنّ المغرب لا يقصر فيها فلا يقصر في ما بعدها من التطوّع، و كذلك الغداة لا تقصر فيها فلا تقصر في ما قبلها؛ و لكن في دلالتها على ما نحن فيه تأمّل.

و أمّا ثبوت النافلة في السفر الّذي يتعيّن فيه التمام فقد جزم الماتن في كتابه أيضا بعدم السقوط (2)، لتلك الملازمة الّتي عرفت حالها.

و الأولى فيه التفصيل بين ما يظهر من الدليل عدم كونه سفرا في نظر الشارع، كما في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 4: 87 الباب (24) من أبواب أعداد الفرائض ح 5.

(2) جواهر الكلام 7: 50- 51.

359

الملّاح و الأعراب، حيث ورد فيهم: «إنّ بيوتهم معهم» (1) فيقال بعدم السقوط، و بين ما ليس كذلك كالمسافر اللّاهي بصيده، فيقال بالسقوط، لأنّ غاية ما ورد تعليل الإتمام فيه بعدم كونه مسير حقّ، فيظهر منه أنّ موضوع الإتمام ليس مطلق السفر، بل السفر بحقّ، و ذلك لا يستلزم تخصيص موضوع سقوط النافلة بذلك.

و أمّا لو وجب عليه القصر للخوف فقدم جزم الماتن أيضا في كتابه بسقوط النافلة (2) لما تقدّم، و لا يخفى أنّ خبر الحنّاط المتقدّم لو دلّ على مرام الماتن من تبعيّة النافلة لصلاحيّة الإتمام فإنّما يدل على ما كان القصر للسفر لا لسبب آخر كما هو ظاهر.

و قد سبق الماتن في ذلك الشهيد (رحمه اللّه) في الروض و قال بعد نقل الخبر المتقدّم: «و فيه إيماء إلى سقوطها بالخوف الموجب للقصر أيضا» (3) و لا يحضرني الآن وجه لذلك، و لا لترديد الشهيد (رحمه اللّه) في الدروس فيه (4)، و لا لجزم الفاضل في الإرشاد به (5).

نعم لو فرض بقاء الخوف حال النفل فللسقوط وجه، و لكن لا لخبر الحنّاط و نحوه، فليتأمّل.

هذا، و من الظريف جدّا الفرض الّذي زاده بعض المحشّين على الفروض المذكورة في المقام (6)، و هو فرض وقوع الفرض و النافلة معا خارج المواطن الأربعة، فلينظر ما ذا ربطه بالمقام؟

(و أمّا يوم الجمعة فيزاد على الستّة عشر) نوافل الظهرين على المشهور، خلافا للمنقول عن الصدوقين، فلم يفرّقا بينها و بين سائر الأيّام (7)، و اختلف الأوّلون في مقدار‌

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 486 الباب (11) من أبواب صلاة المسافر ح 5.

(2) جواهر الكلام 7: 51.

(3) روض الجنان 2: 477.

(4) الدروس الشرعية 1: 137 و في السفر و الخوف تتنصّف الرباعيّات، و تسقط نوافلها سفرا، و في الخوف نظر.

(5) قال في الإرشاد: و تسقط نوافل الظهرين و الوتيرة في السفر. و زاد الشهيد الثاني في حاشية الإرشاد بعد قوله في السفر: و الخوف.- غاية المراد و حاشية الإرشاد 1: 95.

(6) في المقام سقط، يراجع و يصحّح، إن شاء اللّه، مصنّفه كان اللّه له.

(7) مختلف الشيعة 2: 261.

360

الزيادة، و المشهور أنّها (أربع ركعات) خلافا للإسكافي فجعلها ستّا، و يأتي الكلام في ذلك في محلّه، إن شاء اللّه.

(و يأتي التعرّض لغيرها) أي غير الرواتب إن شاء اللّه، و الظاهر أنّه تعالى لم يشأ ذلك، إذ لم نجد لها ذكرا في جميع النسخ الّتي بأيدينا. نعم، ذكر هنا صلاتي الغفيلة و الوصيّة بقوله:

(و الأقوى ثبوت الغفيلة، و هي ركعتان) وقتهما (بين العشاءين، يستحبّ قراءة) قوله تعالى: (وَ ذَا النُّونِ- إلى قوله- وَ كَذٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ بعد الحمد في اولاهما و) قوله تعالى: (وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ) إلى آخر الآية (بعده أيضا في ثانيتهما) و إذا فرغ من القراءة رفع يديه و قال: «اللّهمّ إنّى أسألك بمفاتح الغيب الّتي لا يعلمها إلّا أنت أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تفعل بى كذا و كذا» و يقول: «اللّهمّ أنت وليّ نعمتي، و القادر على طلبتي، تعلم حاجتي، أسألك بمحمّد و آله (عليهم السلام) لمّا قضيتها لى».

و ما ذكره الماتن و ذكرناه مذكور جميعه في رواية هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و في أوّلها: «من صلّى بين العشاءين ركعتين» و في آخرها- بعد ذكر ما عرفت-: «و سأل اللّه حاجته أعطاه اللّه ما سأل» (1).

و لا يظهر منها كون ما تضمّنته هي صلاة الغفيلة، بل لعلّ الظاهر منها كونها من أقسام صلاة الحاجة، و لهذا جعلها في الذكرى مغايرا لها (2)، و لكن روى هذه الرواية بعينها في فلاح السائل عن هشام بن سالم أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مع زيادة في آخرها و هي قوله (عليه السلام): «فإنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا تتركوا ركعتي الغفيلة، و هما بين العشاءين» (3). و هذه الزيادة تجعلها صريحة في الاتّحاد.

و الأمر سهل، و إنّما المهمّ بيان أنّ ما تضمّنته هذه الرواية و غيرها من الروايات الكثيرة الآمرة بصلوات بين العشاءين هل المراد منها نافلة المغرب، و تلك الأخبار واردة في الحثّ عليها؟ أو أنّها صلوات غيرها، فللمصلّي أن يجمع بين ما شاء منها؟ فنقول:

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 121 الباب (20) من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ح 2.

(2) ذكرى الشيعة 2: 313.

(3) فلاح السائل: 431.

361

إنّ تلك الروايات على قسمين:

قسم منها لا يشتمل على كيفيّة مخصوصة، بل يتضمّن الأمر بالنفل في ساعة الغفلة، كموثّقة سماعة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليه السلام) قال (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تنفّلوا [في] ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفتين، فإنّهما تورثان دار الكرامة» (1).

و قسم يشتمل على تلك من قراءة آية أو دعاء، كالرواية السابقة.

أمّا القسم الأوّل: فلا ينبغي الإشكال في تعيّن حملها على النوافل، إذ ليس مفادّها إلّا كراهة الغفلة في تلك الساعة، أو استحباب الصلاة فيها، بل مطلق الذكر، كما يظهر ممّا رواه في الفقيه عن الباقر (عليه السلام) (2)، فهي مؤكّدات لفعل النافلة، و لا يثبت بها الأمر بصلاة اخرى- كما في سائر الموارد- بل مقتضى إطلاقها الاكتفاء بالنافلة، و احتمال لزوم إتيان فرد آخر تقييد منفيّ بالإطلاق.

و لا ينافي ما ذكر ما تضمّنته الرواية السابقة من الاكتفاء بالركعتين، إذ نافلة المغرب كما عرفت سابقا يجوز الاكتفاء بركعتين منها، بل الإضراب في تلك الرواية مؤيّد لكون المراد منها نافلة المغرب، و مبعّد لكون المراد منها الغفيلة، إذ هي على القول بها ركعتان فقط، فلا موقع للإضراب، فتأمّل.

و لا ينافيه أيضا اختلاف مصلحة الأمرين، إذ الظاهر من أخبار النافلة أنّ المصلحة فيها إتمام نقصان الفرائض، و الظاهر من هذه الأخبار أنّ المصلحة فيها كون وقتها ساعة الغفلة، و ساعة بثّ الشيطان جنوده جنود الليل، إذ الاختلاف في ذلك لا يوجب تعدّد العنوان، بل يوجب تأكّد الاستحباب. و قد ورد مثل ذلك في غيرها من النوافل، كموافقة أربع ركعات من الزوال لصلاة الأوّابين (3) و نحو ذلك.

و أمّا القسم الثاني: فكذلك الحال فيها بعد التأمّل، إذ ورود أدعية خاصّة أو آداب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 120 الباب (20) من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ح 1.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 502- 501 ح 1442.

(3) وسائل الشيعة 4: 94 الباب (28) من أبواب أعداد الفرائض ح 4.

362

كذلك للنوافل بل الواجبات غير عزيز، و نظائره كثيرة جدّا، خصوصا على ما سمعت من الماتن من كون ذلك مستحبّا فيها، لا شروطا لها.

و بالجملة، فلعلّ المسألة محتاجة إلى تنقيح كامل، و لا يسعه المجال، و لو لا شبهة حرمة التطوّع في وقت الفريضة لكان الاحتياط لمن أراد ذلك في الإتيان بها مستقلّا.

بل و لعلّ دليل التسامح كان يثبت استحبابها- كما قيل- و إن كان فيه مسامحة لا يخفى وجهها، و لكن مراعات حرمة التطوّع يوجب كون الاحتياط في تركها، أو فعلها بحيث لا يوجب التطوّع الزائد على النافلة المعلومة خروجها، و لهذا قال الشيخ (قدّس سرّه) (1) في الحاشية:

«فيه إشكال، إلّا أن يجعلهما من نافلة المغرب» و على هذه الحاشية إشكال لبعض مشايخنا، و هو: «إنّ الغفيلة بناء على ثبوتها تكون صلاة مستقلّة، و لها عنوان مستقلّ مباين للنافلة، فلا يحصل العنوان بفرد واحد».

و هذا الإشكال ضعيف جدّا، بناء على ما ثبت في محلّه من حصول امتثال أوامر متعدّدة بفرد واحد إذا كان مصداقا للجميع، ما لم يكن أحدهما مشروطا بما ينافي الآخر. بل عرفت قبيل هذا أنّ ذلك لازم إطلاق الدليل.

نعم، هاهنا إشكال آخر، و هو أنّ المراد بجعلهما من نافلة المغرب إن كان مجرّد قراءة الآيتين و الدعاء المأثور فيهما فلا إشكال في الجواز و صحّة نافلة المغرب، لأنّ نافلة المغرب غير مشروط بعدم ذلك، و لكن لا يحصل المطلوب في المقام، و هو امتثال صلاة الغفيلة على تقدير ثبوت الأمر بها مستقلّا، لعدم قصدها حينئذ.

و إن كان المراد جعلهما منها بقصدهما معا فلا إشكال في حصول الامتثال لكلا الأمرين على تقدير ثبوت الغفيلة، لما عرفت من ضعف الإشكال السابق، و لكن يبقى احتمال حرمة التطوّع على حاله، إذ الفرد الواحد حينئذ يكون مصداقا لمخصّص آخر للتطوّع لم يثبت خروجه من عمومات حرمة التطوّع.

و بعبارة اخرى: الفرد الواحد مصداقا للغفيلة بقصدها، و حينئذ فإن كانت ثابتة بحسب‌

____________

(1) هو الفقيه المحقّق العلّامة الشيخ مرتضى الأنصاري (قدّس سرّه).

363

الواقع، و خارجة من حرمة التطوّع، يحصل امتثال الأمرين معا، و إن لم تكن الغفيلة مأمورة بها تكون حينئذ مصداقا لفرد آخر من التطوّع غير خارج من عمومات الحرمة، فيجتمع في المقام الأمر و النهي، فيغلب جانب النهى، أو يبنى الصحّة و الفساد على مسألة جواز الاجتماع، و يبقى احتمال الحرمة على حاله.

و بالجملة، فالمطلوب بالاحتياط في المقام هو القطع بامتثال أمر الغفيلة على ما في الواقع، مع الأمن من حرمة التطوّع، و هذا غير حاصل بما ذكره (قدّس سرّه) لما عرفت.

و الجواب عن هذا الإشكال لا يخلو عن صعوبة، و لم أجد أحدا تنبّه له، فضلا عن الجواب عنه.

نعم، للسيّد (قدّس سرّه) (1) حاشية في المقام لعلّ الوجه فيها ما ذكرناه من الإشكال.

قال (قدّس سرّه): «و الأولى أن يأتي بالركعتين من نافلة المغرب بهذه الصورة، و بركعتين منها بالصورة الّتي تأتي في صلاة الوصيّة، من غير تعرّض لكونها غفيلة أو وصيّة، بل يقصد بها نافلة المغرب، و يحتمل أن يكون مراده (رحمه اللّه) ذلك أيضا و إن لم يساعده ظاهر العبارة».

فإنّ اعتباره قصد نافلة المغرب، و عدم قصد الصلاتين لا وجه له إلّا ما ذكرناه، فيظهر منه أنّه حمل كلام الشيخ على المعنى الأوّل من المعنيين المتقدّمين، و على هذا يرتفع احتمال حرمة التطوّع، و يبقى الإشكال الأوّل و هو عدم حصول امتثال الغفيلة على تقدير ثبوت الأمر بها مستقلّا.

و لا يترتّب على ذلك حينئذ فائدة سوى حصول الخواصّ الذاتيّة إن كانت، و هو غير مهمّ في المقام، على أنّ حصولها أيضا غير معلوم، إذ لعلّها مشروطة بكونها في ضمن الغفيلة لا مطلق الصلاة، و لعلّ لذلك ضرب على هذه الحاشية في كثير من النسخ.

و أخبرني بعض الأعاظم من أصحابه من أنّه (رحمه اللّه) كتب هذه الحاشية قبل أن يظفر بحاشية الشيخ، و بعد ذلك أمر بمحوها؛ و لكن هذا النقل لا يكاد يصحّ مع ملاحظة آخر العبارة، و احتماله أن يكون ما أفاده مراد الشيخ (قدّس سرّه).

____________

(1) هو العلّامة المجدّد السيّد محمد حسن الحسيني الشيرازي (قدّس سرّه).

364

و يمكن أن يكون مراد الشيخ من جعلهما من نافلة المغرب أن يقصد أمر نافلة المغرب، و يقصد ما هو المراد من الأمر بالغفيلة إجمالا من غير تعيين لكونها صلاة مستقلّة أم لا، فيحصل الامتثال على جميع التقادير، و يرتفع احتمال التطوّع من أصله.

و لكن فيه تكلّف، على أنّه لا يلزم على هذا التقدير قصد نافلة المغرب أصلا؛ لأنّه على تقدير كون الغفيلة مستقلّة في الطلب يحصل امتثاله من غير توقّف على نافلة المغرب، و على التقدير الآخر ينطبق ما قصده عليها قهرا.

و الأولى إبقاء كلام الشيخ على ظاهره من كون المراد قصد الصلاتين معا.

و حسم الإشكال من أصله بأن يقال: و على حاشية الشيخ حاشية للشيخ الأستاذ- دام ظلّه- و هي قوله: «أو يأتي بهما رجاء، و كذا الحال في صلاة الوصيّة».

و الوجه فيها ظاهر، بناء على ما يذهب إليه من جواز التطوّع في وقت الفريضة كذلك كما ستعرف.

و حاشية اخرى لشيخنا الفقيه (قدّس سرّه) و هي قوله: «لا ينبغى الإشكال في شرعيّتها، و لو جمع بينها و بين النافلة أخّرها عن النافلة، و لو قدّمها احتسبها منها».

فإن كان مراده بالمشروعيّة ثبوتها في الجملة و لو بكون المراد منها نافلة المغرب فهو كذلك، إذ الأخبار الدالّة عليها لا كلام فيها من حيث السند، لتظافرها، بل الإشكال في دلالتها، و الشيخ (قدّس سرّه) لا ينكره.

و إن كان مراده من المشروعيّة ثبوت صلاة اخرى غير النافلة، فلا أدري كيف صحّ له ذلك مع أنّه قد اعترف في كتابه بوجود هذا الاحتمال، بل صرّح بأنّ الأحوط، بل الأقوى- بناء على حرمة التطوّع- عدم الجمع بين النافلتين. و لا بأس بنقل عبارته بعينها، قال (رحمه اللّه):

هذا إن لم نقل بالمنع عن التطوّع في وقت الفريضة و لو بالنسبة إلى صلاة العشاء قبل وقت فضيلتها، و إلّا فلا يخلو القول بجواز الإتيان بأزيد من أربع ركعات بين العشاءين عن إشكال، لاحتمال أن تكون صلاة الغفيلة بالذات هي نافلة المغرب مشتملة على خصوصيّة موجبة لزيادة فضلها، فإنّه لا يستفاد من مثل قوله (عليه السلام): «من صلّى بين العشاءين ركعتين أو‌

365

أربع ركعات بكيفيّة خاصّة فله كذا و كذا من الأجر» إرادة نافلة اخرى غير المغرب، و إن كان مقتضى إطلاقه جواز الإتيان بالصلاة بهذه الكيفيّة بعد نافلة المغرب أيضا، لكن تقييده بمن لم يصلّ نافلة المغرب- كما لعلّه المنساق إلى الذهن من مورده- ليس بأبعد من تخصيص «لا تطوّع في وقت الفريضة» بالنسبة إليها، بل مقتضى أصالة عدم التخصيص في «لا تطوّع في وقت الفريضة» حمل مثل هذه الرواية على إرادة الإتيان بنافلة المغرب بهذه الكيفيّة.

فالأحوط، بل الأقوى- بناء على المنع عن التطوّع في وقت الفريضة- عدم الجمع بين النافلتين، و الأولى الإتيان بالركعتين بقصد امتثال كلا الأمرين (1)، انتهى.

و الوجه في ما ذكره في تأخيرها عن النافلة أو احتسابها منها مع التقديم: ما ذكره في كتابه أيضا من أنّ:

مقتضى إطلاق الأمر بالصلاة بهذه الكيفيّة استحباب فعلها مطلقا و لو بعد نافلة المغرب، لكن لو قدّمها احتسبها من نافلة المغرب، إذ لم يعتبر في نافلة المغرب خلوّها عن الآيتين، كما لو قال المولى: «أعط زيدا درهما أيّ درهم يكون» و قال: «أعط زيدا درهما خاصّا» فلو أعطاه أوّلا هذا الدرهم الخاصّ سقط الأمران، و لو أعطاه درهما آخر سقط الأمر الأوّل، و عليه إعطاء هذا الدرهم؛ خروجا عن عهدة الأمر الثاني. و قد عرفت أنّ كون ما نحن فيه تعبّديّا لا يصلح فارقا بعد ما أشرنا إليه من أنّ الأوامر التعبّديّة [أيضا] كالتوصّليّة تسقط قهرا بحصول متعلّقاتها بداعي التقرّب، كما لو أتى بها طلبا لمرضات اللّه، أو بداعي الشكر، من غير التفات، بل و لا علم بتعلّق الأمر بها.

اللّهم إلّا أن يكون لنافلة المغرب خصوصيّة اخرى زائدة عن طبيعة كونها مسنونة في هذا الوقت، من ارتباطها بالفريضة و نحوه، فحينئذ لا تحسب منها هاتان الركعتان إلّا أن يقصد بفعلهما امتثال كلا الأمرين، فله حينئذ الإتيان بكلا الركعتين بقصد التداخل، و الإتيان بكلّ من النافلتين مستقلّة بقصد امتثال أمرهما بالخصوص (2)، انتهى.

و بعد هذا الكلام ذكر الكلام المتقدّم، و قد نقلنا كلامه (قدّس سرّه) بطوله لكونه في غاية المتانة، نافعة في أصل المسألة و في خصوص المقام، و لأنّه بحسب بدو النظر لا تخلو عدّة مواضع منه‌

____________

(1) مصباح الفقيه 9: 53.

(2) مصباح الفقيه 9: 53- 52.

366

من التهافت و عدم الملائمة لما ذكره في الحاشية، و لم أتجرّأ على الاعتراض، لضيق المجال عن التأمّل الّذي يقتضيه كلام مثله، و المتأمّل الخبير يدرك تلك المواضع، و تأمّله هو الفصل و الحكم العدل بين ورود الاعتراض و عدمه.

هذا، و لا يخفى أنّ كثيرا ممّا ذكره (قدّس سرّه) و ما يظهر من غيره مبنيّ على كون الكيفيّة المتقدّمة شرطا في الغفيلة، و قد سمعت من الماتن خلاف ذلك، و قد جرى دأب الفقهاء في أمثال المقام بجعل ما يرد من أمثال هذه الكيفيّات من قبيل المستحبّات فيها، لا شرائط لها، فليتأمّل.

و هنا حاشية اخرى لبعض، و هي قوله: «الغفيلة مصغّرة من صلاة الغفلة، و هي نافلة المغرب، و الوصيّة إنّما هي بصلاة الغفلة، و الاختلاف في الكيفيّة، فمن أراد الاختصار اقتصر على الغفيلة، و من أراد الأفضل صلّى صلاة الوصيّة، و الأفضل زيادة ركعتين عليها».

و الوجه في جعله صلاة الغفيلة نافلة المغرب بعينها تقدّم وجهه، و كذلك في الوصيّة.

و قوله: «و من أراد الاختصار اقتصر على الغفيلة» يريد به الغفيلة بمعنى نافلة المغرب المجرّدة عن الكيفيّة المتقدّمة، و إلّا فليس بين كيفيّتي الغفيلة و الوصيّة تفاوت معتدّ به.

و بالجملة فالّذي يظهر من هذا المحشّي عدم الاعتناء بالكيفيّة المتقدّمة في صلاة الغفيلة، بخلاف الآتية في صلاة الوصيّة، و لا أدري وجه ذلك، مع أنّ الاولى مسند، و سندها جيّد، و الثانية مرسلة.

و حكمه بأفضليّة إلحاق الركعتين لا يخلو عن سخافة، لأنّ حاصل ما ذهب إليه أنّ نافلة المغرب لها كيفيّتان: إحداها: أن تكون أربع ركعات مجرّدة عن الكيفيّة الخاصّة، و ثانيتها: أن تكون ركعتان مع تلك الكيفيّة. فإلحاق ركعتين من الكيفيّة الاولى بالكيفيّة الثانية سمج جدا.

و أيضا مع اختيار هذا الأفضل لا يتمّ الاختصار الّذي ذكره، و تقريره ما عرفت.

و بالجملة، هذه الحاشية جيّدة بحسب أوّلها، ساقطة بحسب آخرها.

(و) صلاة (الوصيّة، و هي ركعتان) أيضا (بينهما أيضا، يقرأ في أوليهما) سورة إِذٰا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزٰالَهٰا (ثلاثة عشر مرّة بعد الحمد، و في) الركعة (الثانية) سورة (التوحيد خمسة عشر مرّة بعدها أيضا) و المستند فيها مرسلة الشيخ في المصباح عن‌

367

الصادق (عليه السلام) عن آبائه، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و في آخرها: «و إن فعل ذلك [في] كلّ شهر كان من المتّقين، فإن فعل [ذلك] في كلّ سنة كان من المحسنين، فإن فعل ذلك في كلّ جمعة [مرّة] كان من المصلّين (1)، فإن فعل ذلك كلّ ليلة زاحمني في الجنّة، و لم يحص ثوابه إلّا اللّه [تعالى]» (2).

و رواها السيّد ابن طاوس (قدّس سرّه) في فلاح السائل بسند فيه عدّة مجاهيل عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3).

و الروايتان متّفقتان في الكيفيّة المذكورة و إن اختلفتا لفظا و مدلولا.

و الحال في هذه الصلاة كالحال في سابقتها، بل الإشكال فيها أقوى، لكون السند فيها أضعف، و لهذا قال الشيخ (قدّس سرّه) في الحاشية: «حكمها حكم مطلق النافلة الغير الراتبة في وقت الفريضة» و ستعرف الإشكال فيها. اللّهم إلّا أن يجعلها من نافلة المغرب، كما عرفت في الغفيلة.

و قال الماتن: (لكن مع أنّ الاحتياط يقتضي عدم فعلهما) لما عرفت (ليستا من الرواتب الّتي عند الأولياء) مستحبّ (كالواجب) و ذلك واضح، و لا أظنّ أحدا احتمل كونهما من الرواتب، و لا وجه لذلك بعد تظافر الأخبار بحصر الرواتب و عدّها، فلا وجه لتوضيح الماتن هذا الواضح، إلّا أن يكون إشارة إلى أنّه ينبغي عدم الاهتمام بهما، و تركهما، و الاهتمام بالرواتب الّتي هي أهمّ منهما.

و اعلم أنّه وردت في الروايات صلوات كثيرة بين العشاءين غيرهما، كالمرويّة بعدّة طرق في تفسير قوله تعالى: إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا (4) من أنّها ركعتان بعد المغرب، و ذكر لها كيفيّة خاصّة (5) و في بعضها ذكر دعاء بعدها.

و ما رواه أيضا عن الرضا (عليه السلام) قال: «من صلّى المغرب و بعدها أربع ركعات و لم يتكلّم‌

____________

(1) فى النسخة: المخلصين.

(2) مصباح المتهجّد: 107.

(3) فلاح السائل: 432.

(4) المزّمّل: 6.

(5) وسائل الشيعة 8: 118 الباب (16) من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ح 2.

368

حتّى يصلّي عشر ركعات، يقرأ في كلّ ركعة بالحمد و قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ كانت عدل عشر رقاب» (1).

و كصلاة ليلة الخميس، و غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع، و لا يحتمل في مجموعها الاحتمال المتقدّم في الصلاتين من كون المراد بها نافلة المغرب، بل بعضها صريح في خلاف ذلك كالثانية من الصلوات الّتي نقلناها.

فالوجه في جميع ذلك أن يقال: إنّه بناء على جواز التطوّع لا إشكال في جواز الإتيان بجميعها و لو رجاء، أو من باب التسامح في أدلّة المستحبّات، و أمّا بناء على المنع فلا بدّ من الاقتصار على ما ثبت بدليل معتبر، كالركعات الثمانية الواردة بعد المغرب و قبل العشاء من نوافل شهر رمضان.

ثمّ إنّ الّذي فهمه أكثر الأصحاب أنّ المراد كونها بين صلاة المغرب و صلاة العشاء، و لو قيل بأنّ المراد بين الوقتين- كما ذهب إليه الشيخ بهاء الدين (قدّس سرّه) (2) و الإنصاف أنّه الظاهر من عدّة روايات- فيمكن الإتيان بهما حتّى مع المنع من التطوّع، بأن يقدّم العشاء على غروب الشفق.

المبحث الثاني: في مواقيتها

و لنقدّم مقدّمة تشتمل على فوائد نافعة:

أوّلها: أنّ الوقت المبحوث عنه هنا مقدار معيّن من الزمان، عيّنه الشارع لإيقاع الصلاة فيه، لأجل خصوصيّة فيه بالنسبة إلى تلك الصلاة لا توجد في غيره من أجزاء الزمان، و هذا هو المعنى الحقيقي للوقت في المقام، و في سائر الموارد الشرعيّة و العرفيّة.

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 117 الباب (16) من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ح 1.

(2) مفتاح الفلاح: 545 قال فيه: و لا يخفى أنّ الظاهر أنّ المراد بما بين المغرب و العشاء ما بين وقت المغرب و وقت العشاء أعني: ما بين غروب الشمس و غيبوبة الشفق ... لا ما بين الصلاتين.

369

و قد يطلق بنحو من التوسعة على ترتّب فعل على فعل آخر بإيقاعه قبله، أو بعده، أو مقارنا له، كقول الطبيب: وقت استعمال الإطريفل قبل النوم، أو بعد العشاء مثلا. و هذا ليس من التوقيت الحقيقي في شي‌ء، لفقدان الخصوصيّة بين الفعل و الزمان، بل هو من قبيل اشتراط الشي‌ء بتقدّم شي‌ء عليه، أو تأخّره عنه، فهو كالوضوء و نحوه.

نعم لو كان الفعل المترتّب عليه موقّتا حقيقيّا و له مقدار حقيقي، يكون موقّتا بالتبع، كما لو أمر بشي‌ء عند انقضاء الصوم، بل هذا عبارة اخرى عن توقيته بغروب الشمس في المثال.

و بالجملة، الوقت الحقيقي هو الزمان المعيّن الّذي يتوقّف مصلحة الشي‌ء أو مرتبة من مراتبها عليه من حيث كونه زمانا، و أمّا من حيث كونه قبل شي‌ء أو بعده فهو من قبيل سائر الشرائط غير الوقت.

و احتمال تأثير ذلك الفعل في الوقت بأن يجعله صالحا للفعل بحيث لو لا ذلك لم يكن له صلاحيّة الفعل- إن فرض إمكانه- فظاهر أنّه في غاية البعد، بل مقطوع بعدمه في جميع الموارد.

ثانيها: أنّه كما يمكن تعيين وقت واحد لفعل واحد يسعه، كذلك يمكن تعيين وقت واحد لفعلين أو أكثر بشرط تقديم أحدهما على الآخر أم لا.

أمّا الثاني فواضح، و أمّا الأوّل فمعناه كون الوقت صالحا لكلا الفعلين، و لكن تقدّم فعل عليه أو تقدّمه عليه شرط كسائر الشروط.

نعم، لا بدّ في ترتّب فائدة عمليّة على ذلك صحّة وقوع المشروط بدونه و لو في بعض الصور، و إن لم يكن ذلك شرطا في حقيقة التوقيت، إذ لا مانع في هذه الصورة من حيث الوقت، و إن لم يمكن تحقّقه فيه لفقدان شرط غيره فالحال فيه كسائر الشرائط المفقودة الّتي يستدعي حصولها مضيّ مقدار من الوقت.

و لكن قد يطلق الوقت على الوقت الّذي يمكن إيقاع الفعل فيه، و نفيه عن الزمان الّذي لا يمكن أن يقع الفعل فيه و لو لفقدان الشرط، و هذا الإطلاق شائع في العرف، موجود في الأخبار، كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى.

و لا نضايق من تسمية الثاني بالوقت الفعلي، و الأوّل بالأصليّ، نظرا إلى إمكان وقوع‌

370

الفعل فعلا في الثاني، و عدم إمكانه في الأوّل.

و كذلك قد يتساوى العبادتان بالنسبة إلى الوقت، و لكن أهميّة أحدهما مطلقا أو في الجملة توجب تخصيص الوقت الفعلي بالأهمّ، مع تساوي المصلحة الوقتيّة إليهما معا.

ثالثها: أنّه يمكن جعل أوقات متعدّدة مختلفة في الاعتبار لفعل واحد، كأن يكون بعضها للأفضل، و بعضها للفضل، و بعضه للإجزاء، و بعضها للاضطرار، و هكذا لكلّ مرتبة مرتبة منها، كأوقات متعدّدة لمراتب الفضل، بل الإجزاء، على تأمّل في إمكانه، بل الظاهر المنع إلّا إذا رجع بعضها إلى بعض مراتب كراهة الترك في البعض الآخر.

و كذلك يمكن جعل أوقات متعدّدة لفعل واحد في مرتبة واحدة، و لكن في المتّصلة منها يحتاج إلى فائدة مصحّحة لاعتبار التعدّد.

و يمكن أيضا أن تكون لمرتبة من المراتب مصلحة ملزمة توجب الأمر بها وجوبا، و يكون الوقت بعده باقيا، فأداء الفعل فيه أداء، و إن حصل العصيان بترك الوقت الأوّل.

و يمكن أيضا وجود مصلحة خارجة عن ذات الوقت توجب تعيين مقدار منه للفعل ندبا أو وجوبا، و إن كان غير ذلك المقدار مساويا معه في المصلحة الوقتيّة، بل و كونه أفضل منه من هذه الحيثيّة، لكن ما لم يصل إلى مرتبة المصلحة الخارجيّة، فإنّه حينئذ مع المساوات يلزم التخيير، و مع زيادة المصلحة الوقتيّة على الخارجيّة يلزم أفضليّة غير ذلك المقدار من الوقت، و تلك المصلحة الخارجيّة قد تكون عامّة لجميع المكلّفين، و قد تكون مختصّة بنوع أو فرد منهم، فيتبعه التكليف حينئذ، و يكون عمومه أو خصوصه بحسبه.

و يمكن أيضا اختلاف أصل الوقت و مقداره بحسب المكلّفين، فيكون الوقت للمستعجل و المضطرّ مثلا غير الّذي تعيّن لغيرهما أصلا أو مقدارا.

رابعها: أنّ لفظ الوقت مهما أطلق إن كان مقترنا بما يتعيّن المراد منه من حيث المرتبة فلا إشكال، كما لو قيل: وقت فضيلة الظهر و وقت إجزائه كذا.

و إن اطلق اللفظ بدون ذلك فاللفظ محتمل لجميع المراتب المتقدّمة، قابل للصدق على كلّ واحد منها على سبيل التواطي، فلا يفهم منه خصوص مرتبة منها.

نعم، الإجزاء هو المتيقّن من جميع المراتب، لأنّ جعل الوقت في أيّ مرتبة كان لازمه‌

371

الإجزاء، فيؤخذ به بهذا المعنى، لا بالمعنى الّذي هو قسيم لسائر المراتب.

خامسها: أنّه يظهر للمتأمّل ممّا ذكرناه أنّ الأصل الّذي ينبغي أن يعوّل عليه في باب المواقيت، و يرفع به اختلاف الأخبار هو أنّه متى وردت مواقيت متعدّدة لصلاة واحدة أن تحمل على اختلاف المراتب من الفضل و الإجزاء، أو لما بعده من مراتب الكراهة بحسب ما يظهر من خصوصيّات الدليل الوارد في المقام، و لا يحكم بالتعارض، لعدم معلوميّة اتّحاد المورد، و عدم ظهور لفظ الوقت في مرتبة خاصّة منها.

و غاية ما يستفاد من مفهوم الغاية في نحو قولهم: الوقت إلى القدمين أو الأربعة مثلا انتهاء الوقت بالمعنى المراد منه، فلا يرفع اليد لأجله عن قولهم: الوقت إلى الغروب، الّذي عرفت أنّه صريح في الإجزاء بالمعنى المشترك.

و دعوى ظهور لفظ الوقت في عدم إجزاء غيره- فيعارض هذا الظهور الدليل الآخر- يظهر ضعفه بما عرفت من عدم دلالة اللفظ إلّا على كونه وقتا في الجملة، بمعنى كون الصلاة فيه أداء لا قضاء، و دلالة المفهوم على عدم الإجزاء فرع استعمال اللفظ في الوقت الّذي ينافي المعنى المشترك بين جميع المراتب، و بمجرّد احتماله لا يرفع اليد عن صريح الآخر.

و المقام من هذه الجهة يشبه ما لو فرض ورود دليل على جواز وطي ذات القرء المحتمل لأن يكون المراد منه ذات الطهر، أو ذات الحيض، ثمّ ورود دليل على عدم جواز وطي ذات الحيض، فلا يرفع اليد عن صريح الثاني بمجرّد احتمال كون المراد من الأوّل ذلك أيضا، بل السليقة المستقيمة تحكم بكون الأوّل من قبيل المجمل، و الثاني من قبيل المبيّن.

و الّذي له انس بالخطابات العرفيّة لا يشكّ في أنّ أهل العرف يجعلون الثاني مبيّنا للأوّل، و يعيّنون به المراد من الأوّل، و لهذا حمل الفقهاء كثيرا من الأخبار المختلفة في باب المواقيت و غيرها على ما ذكر، و إن وقع الخلاف في بعضها إمّا لعدم إتقان هذه القاعدة و إجزائها في جميع الموارد، أو لتوهّم وجود خصوصيّة مناف لها في بعض المقامات، إذ هذه القاعدة مختصّة بالموارد الّتي لا يقترن الدليل بما تنافيها.

و أمّا إذا اقترن بما يجعله ظاهرا أو صريحا في خلافه- كالتصريح بفوت الصلاة بفوات ذلك الوقت، أو كون الصلاة في غيرها قضاء- فاللازم أن يحمل ما يدلّ على كون ما بعده وقتا‌

372

على المضطرّ و نحوه إن أمكن و وجد له شاهد، و إلّا يحكم بالتعارض.

و إن لم يقترن بذلك، بل اقترن بما ظاهره وجوب إيقاع الفعل فيه، و ثبوت العقاب على مخالفته فاللازم أن يحمل على وجوب إيقاعه من ذلك الوقت، دون الحكم بفوت الصلاة بفوته، لما عرفت من عدم الملازمة بين وجوب مرتبة من الوقت و ثبوت مرتبة اخرى لها.

ثمّ لا يخفى أنّ من جعل أوقات متعدّدة و إن لم يمكن تعيين المراتب و الخصوصيّات المحتملة و لكن يظهر من غير واحد من الأخبار قاعدة، و هي كون الأقرب إلى أوّل الوقت هو الأفضل، و ما بعد منه أقلّ فضلا ممّا قبله، و أكثر فضلا ممّا بعده، فاللازم أن يحمل الأوقات المتعدّدة الواردة على هذا الترتيب حتّى ينتهي إلى مرتبة الإجزاء المحضة، أو ما بعدها من مراتب كراهة الترك، بحسب ما يظهر من الدليل الوارد في كلّ مقام، و ربّما ورد دليل في خصوص بعض المقامات يدلّ على خلاف ذلك، فيؤخذ به، و يجعل مخصّصا للعموم الدالّ على فضل المسارعة، كما في صلاة العشاء قبل غروب الشفق و بعده، و غيره مما تطّلع عليه إن شاء اللّه تعالى.

إذا عرفت ذلك فنقول:

لا خلاف، و لا إشكال في أنّه (يدخل وقت) صلاة (الظهر بزوال) تمام قرص (الشمس) عن دائرة الزوال. فما في بعض العبائر من جعل الوقت وصولها إلى الدائرة المذكورة خطأ، أو مسامحة ظاهرة.

و كذلك ما في كشف الغطاء من اعتباره زوال المركز (1)، فإنّ المعتبر شرعا بشهادة العرف هو ما عرفت. و أمّا اعتبار المركز فهو عند المنجّمين خاصّة.

و وجّهه بعض الأفاضل بعد ما ذكرت له ذلك بأنّ انتصاف النهار يتحقّق بزوال المركز.

فقلت: إنّ المعتبر شرعا زوال الشمس، لا انتصاف النهار، و يلزم دخول وقت الظهر حينئذ‌

____________

(1) كشف الغطاء 3: 116 قال فيه: الثاني: وقت الظهر، و مبدؤه: انحراف الخطّ المنصّف لقرص الشمس المنطبق على خطّ نصف النهار عنه بالميل إلى الجانب الأيمن.