كلمة التقوى - ج2

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
341 /
3

الجزء الثاني

تتمة العبادات

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، الرحمن الرحيم، و أفضل صلواته و تسليماته و رحماته المباركة الدائمة على سيد خلقه و خاتم أنبيائه محمد و آله الطيبين المطهرين المنتجبين المعصومين.

رَبَّنٰا أَتْمِمْ لَنٰا نُورَنٰا وَ اغْفِرْ لَنٰا إِنَّكَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ و بعد فهذا هو القسم (1) الأول من الجزء الثالث من رسالة كلمة التقوى و هو يحتوي على كتاب الصوم، و كتاب الاعتكاف، و كتاب الزكاة و كتاب الخمس و الأنفال و كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من كتب العبادات، و من الله سبحانه اسأل لنفسي و لجميع إخواني في ديني و أوليائي فيه أن يتم علينا نعمته، و يعمّنا بفضله و رحمته و أن يمدّنا بهداه و توفيقه، و يثبتنا على معرفته و يبلّغنا ما نرجو من خيره و برّه و رعايته و كفايته في دنيانا و آخرتنا انه ارحم الراحمين، و خير الغافرين، و أن يستجيب لعبده الضعيف المفتقر إلى فضله:

محمد أمين زين الدين‌

____________

(1) و هو الجزء الثاني حسب تجزئتنا في طبعتنا هذه، بعد أن جمعنا الطهارة و الصلاة في الجزء الأول، و خصصنا الجزء الثالث لكتاب الحج.

الناشر

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

كتاب الصوم

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الصوم الصوم احدى الدعائم الكبرى التي بني عليها الإسلام، كما تواترت به النصوص عن الرسول، و عن أهل بيته الطّاهرين (صلوات الله و سلامه عليه و عليهم أجمعين) و هو إحدى الفرائض العظمى التي فرضها الله سبحانه على عباده، لتتهذب و تسمو بها نفوسهم، و تطهر و تطمئن بها قلوبهم، و تطيب و تزكو بها أعمالهم، و تمحى و تكفّر بها خطيئاتهم، و تتوثق و تعمق بها صلات مجتمعهم، و تعظم و تقوى و ترسخ بها في نفوسهم و قلوبهم صلتهم الكبرى بربهم، و تشع هذه الصلة الكبرى من وراء الأعماق و الابعاد على جميع الصلات و القلوب و النفوس فتملؤها ببركة الصوم بالنور و الهدى، و المزيد من الطهر و الحباء و العطاء و الفضل الذي لا يعرف الحدود.

و الصوم احدى الضروريات في الدين التي يكفر منكرها، و يعزّر تاركها، و يقتل بعد إقامة التعزير عليه من أصرّ على تركها.

و الصوم هو الجنة الواقية للعبد من النار، و الوسيلة القريبة لقبول دعائه و استغفاره و توبته، و السبب المقوم لما شذّ من أخلاقه، و ما نشز من طباعه، و ما انحرف من أعماله و سلوكه، و قد اختار الله لعبادته هذه أفضل الشهور عنده، و أكرمها عليه، فكرّم شهره هذا و عظّمه و شرّفه بإنزال الكتاب الكريم فيه، و اختصّه بليلة القدر، و جعلها خيرا من ألف شهر، و ميزه بمضاعفة الحسنات فيه لمن عمل، و قبول الدعوات ممن توسّل، و نجح الطلبات لمن أمّل، ليكون الصوم العظيم و الشهر العظيم ربيعا للعبادة، و موسما للطاعة و القربى، و ليتسامى العباد في موسمهم هذا إلى المنازل، و يستبقوا إلى الخيرات، و يسارعوا إلى الغايات.

و في الحديث عن الرسول (ص): من صام شهر رمضان و حفظ فرجه و لسانه، و كفّ أذاه عن الناس، غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها و ما تأخر، و أعتقه من النّار، و أحلّه دار القرار.

و كتاب الصوم يشتمل على عدة فصول‌

8

الفصل الأول في النية

المسألة الأولى:

تجب النية في الصوم، و هي القصد إلى الإمساك عن جميع المفطرات متقربا به إلى الله (تعالى)، و يراد بالإمساك هنا أن يترك المكلف المفطرات المشار إليها، و سيأتي تعدادها و بيانها في الفصل الثاني- ان شاء الله تعالى-، و ان يكون تركه إياها عن عزم و تصميم نفساني، يكون به تركها اختياريا و مقصودا للإنسان، و من البيّن أن ترك الإنسان للشي‌ء لا يعدّ إمساكا عن فعله في نظر أهل العرف ما لم يكن تركه بعزم من الإنسان و اختيار.

و مثال ذلك: ان يترك الشخص فعل الشي‌ء لنوم أو غفلة عنه، أو لعدم وجود ذلك الشي‌ء لديه، فلا يعدّ ممسكا عنه، فإذا كان الإمساك عن المفطرات بداعي امتثال أمر اللّه و التقرب به إليه حصلت النية الواجبة في العبادة، و تحقق الصوم الواجب أو المندوب، و إذا كان الإمساك لغاية أخرى كان تابعا لتلك الغاية التي قصدها، و مثاله: أن يمسك عن فعل المفطر أو عن شي‌ء آخر، لوجود مرض يمنعه عن فعله، أو بقصد التوقّي من ضرر فيه، أو لبعض الدواعي الأخرى، فلا يكون صوما و لا يكون عبادة.

المسألة الثانية:

يعتبر في صحة الصوم- إذا كان واجبا أو كان مندوبا معيّنا-، ان يعين المكلف في نيته نوع ذلك الصوم الذي يريد الإتيان به، فيقصد في الصوم الواجب كونه قضاء عن شهر رمضان مثلا، أو كونه كفارة عن الإفطار، أو بدلا عن الهدي في حج التمتع، أو وفاء بنذر، أو ما سوى ذلك من أنواع الصوم الواجب، و يجب ذلك حتى في الواجب المعيّن على الأحوط، كما إذا نذر صوم يوم أو أيام معينة من الأسبوع أو من الشهر، و كما إذا أراد صيام الأيام الثلاثة بعد الإحرام بالحج بدلا عن هدي التمتع، و إذا كان صومه لإحدى الكفارات فعليه أن يعيّن انها أي الكفارات، حتى إذا كانت الكفارة الواجبة عليه واحدة غير متعددة.

و لا فرق في وجوب تعيين الصوم في النية بين شهر رمضان و غيره، نعم، يتميز شهر رمضان عن غيره بأنه متعين في ذاته، و ان أيام هذا الشهر لا تقبل صوما‌

9

سواه، فإذا صام المكلف في شهر رمضان و قصد في نيته ليلا الإتيان بالصوم الخاص بغد صح صومه و كفاه ذلك في التعيين و ان لم يذكر في نيته ان اليوم من شهر رمضان، و كذلك إذا قصد في نيته صوم غد امتثالا للأمر الخاص به فيصح الصوم، و يكفي في التعيين.

و كذلك الصوم المندوب المعين، فلا تترتب الآثار الخاصة لذلك الصوم من ثواب خاص و أثر وضعي معيّن، و نحو ذلك، إلّا إذا عيّن الصائم في نيته نوع الصوم المقصود، فيقصد به صوم الأيام البيض مثلا، أو صوم يوم المولود أو يوم الغدير.

و إذا صام اليوم المعيّن و قصد في نيّته طبيعة الصوم المطلقة و لم يقصد الخصوصية في اليوم، كان صوما مندوبا مطلقا، و لم تترتب عليه الآثار الخاصة للصوم المعيّن، المذكورة في الأحاديث الواردة فيه.

المسألة الثالثة:

لا تصح في أيام شهر رمضان نية صوم آخر، فإذا صام المكلف بعض أيام الشهر أو صام الشهر كله، و نوى بما أتى به صوما آخر غير صيام شهر رمضان، و كان الناوي جاهلا بأنه في شهر رمضان، أو ناسيا له، أو غافلا عنه، أجزأه ما أتى به عن شهر رمضان إذا كان ذلك المكلف ممن يجب عليه صوم الشهر، فلا يجب عليه قضاؤه بعد ذلك، و لم يكفه عن الصوم الذي نواه، سواء كان واجبا أم مندوبا.

و إذا صام في شهر رمضان و نوى صيام غيره، و هو يعلم بأنه في شهر رمضان لم يجزه ذلك عن الشهر، بل و لم يجزه عما نواه على الأحوط.

المسألة الرابعة:

إذا كان الصوم الذي يأتي به المكلف مما يفتقر في صحته إلى تعيين نوعه في النية، و هو الصوم الواجب، و الصوم المندوب المعيّن، و قد ذكرنا هذا الحكم في المسألة الثانية، كفى المكلف أن يعيّنه على وجه الإجمال، فإذا علم الشخص ان صوم يوم غد- مثلا- مما أمر اللّه به لبعض المميزات التي أوجبت الأمر بصومه كفاه في الصحة ان ينوي صوم غد امتثالا لأمر الله المتعلق به، و ان لم يعلم بالعنوان الخاص الذي تعلق به الأمر، و لا بالخصوصية المميزة التي أوجبت الأمر به، و إذا علم المكلف ان في ذمته يوما واحدا يجب عليه صيامه، كفاه في صحة‌

10

الصوم أن ينوي صوم اليوم وفاء لما في ذمته من التكليف، و ان لم يتذكر ان الصوم قضاء يوم من شهر رمضان مثلا أو أداء لنذر تعلّق به أو غير ذلك، أو تذكر ذلك و لم يقصده في النية على الخصوص، و إذا علم ان في ذمته واجبات متعددة، أجزأه في صحة الصوم أن ينوي الإتيان بالواجب الأول منها.

المسألة الخامسة:

إذا أراد المكلف أن يصوم صوما مندوبا مطلقا غير معين، و كان الزمان صالحا لذلك، كفاه في صحة صومه أن ينوي طبيعة الصوم المطلقة امتثالا لأمر الله (تعالى)، فإذا نوى الصوم كذلك صح منه، و المراد بكون الزمان صالحا للصوم المندوب ان لا يكون من الأيام التي منع الشارع من الصوم فيها، كيومي العيدين، و كأيام التشريق لمن كان بمنى و نحوها من الأيام التي حرم الله صومها.

و انما يكتفى في صحة الصوم المندوب المطلق بالنية التي ذكرناها إذا لم يكن المكلف مشغول الذمة بقضاء شهر رمضان، فإذا كانت ذمته قد اشتغلت بذلك لم يصح صومه بالنية المذكورة، بل لا يصح منه صوم مطلق النافلة بتلك النية و لا بغيرها سواء كانت من المندوب المطلق أم المندوب المعيّن.

و قد ذكرنا في هذه المسألة من الطبعة الأولى أنه يكفي في الصحة أيضا ان يقصد الصائم موضوع أمر الله المتعلق بالصوم و في ذلك خفاء يعسر تبيّنه على العامة من الناس و لأجل خفائه تركنا ذكره هنا.

المسألة السادسة:

لا يجب على المكلف أن يتعرض في نية الصوم لقصد الوجوب في الصوم الواجب و لا لقصد الندب في الصوم المندوب، بأن ينوي في نفسه: (أصوم غدا لوجوبه، أو لندبه قربة الى الله)، و لا يجب عليه ان يتعرض لقصد الأداء إذا أتى بالصوم في وقته المعين له و لقصد القضاء إذا أتى به بعد فوات وقته، إلا إذا توقف على ذلك تعيين الصوم الذي يأتي به، فيجب عليه قصده من أجل التعيين.

و لا يجب التعرض لسائر صفات الأمر أو المأمور به التي لا يفتقر إليها تعيين الصوم المنوي، و لا لسائر الأوصاف الأخرى، و مثال ذلك أن يأتي المكلف بصيامه الواجب عليه أو المستحب في أيام الصيف طلبا لمزيد الثواب بذلك، أو يأتي به في أوقات شريفة أو في أمكنة شريفة طلبا لزيادة التعبد فيها، فلا يلزمه قصد هذه الخصوصيات في نيته.

11

المسألة السابعة:

يكفي في صحة صوم المكلف- سواء كان واجبا أم مندوبا و مطلقا أم معينا- أن ينوي الإمساك عن جميع المفطرات التي نهاه الله- سبحانه- عن تناولها و ان لم يعلم بها و بعددها على التفصيل، بل و ان أخطأ في بعض المفطرات فزعم انه غير مفطر، كالقي‌ء و الحقنة بالمائع، فإذا نوى الإمساك عن كل مفطر يحرم تناوله على الصائم، و ترك الجميع حتى القي‌ء و الاحتقان و لم يتناول منها شيئا صح صومه، و لم يضرّه توهمه المذكور الذي أخطأ في اعتقاده به.

المسألة الثامنة:

إذا أراد الإنسان أن يصوم عن غيره، فيعتبر في صحة صومه أن يقصد النيابة في صومه عن الشخص الذي يريد الصيام عنه، و لا بد و ان ينوي امتثال الأمر المتوجه الى ذلك الشخص، سواء كان المكلف مستأجرا للصيام عنه أم كان متبرعا بالصوم عنه، و إذا علم النائب أن الميت مشغول الذمة بصوم واجب عليه، و لم يدر أن الصوم من قضاء شهر رمضان أو من واجب آخر واجب القضاء، كفاه ان يقصد بصومه النيابة عن الرجل الميت في امتثال الواجب الذي اشتغلت به ذمته.

و إذا علم المكلف ان عليه صوما واجبا قد اشتغلت به ذمته، و تردد في ذلك الصوم أنه مما وجب عليه لنفسه، أو مما وجب عليه بالنيابة عن غيره، كفاه في الصحة أن ينوي ما في ذمته من الواجب.

المسألة التاسعة:

إذا وجب على المكلف صومان من نوع واحد، و كان الصومان اللذان وجبا عليه غير مختلفين في الاحكام و لا في الآثار، كفاه في الصحة و حصول الامتثال عند الإتيان بأحد الصومين، أن ينوي الإتيان بذلك النوع الواحد الواجب عليه، و لا يحتاج إلى أن يعين ان الذي يأتي به اي الفردين الواجبين عليه من النوع، و مثال ذلك: ان يجب على الرجل قضاء صيام أيام متعددة من شهر رمضان، و يكون جميع تلك الأيام من سنته الحاضرة أو يكون جميعها من سنته الماضية، فلا يجب عليه في الامتثال أن يقصد أن ما يأتي به هو اليوم الأول مثلا من أيام القضاء الواجب عليه أو اليوم الثاني منها. و نظيره في الحكم أيضا ما إذا وجب عليه نذران من الصوم و كلا النذرين للشكر على نعمة حصلت له، أو لزجر نفسه عن الوقوع في أمر مرجوح، فلا يجب عليه عند الوفاء بالنذرين أن‌

12

ينوي أن ما يأتي به من الصوم هو وفاء النذر الأول أو الثاني، و يكفيه في الصحة ان يصوم اليوم وفاء للنذر، فيفي بأحدهما ثم يصوم يوما آخر بمثل تلك النية فيحصل الوفاء بالنذرين.

و إذا وجب على الإنسان صومان يختلف أحدهما عن الآخر في بعض الأحكام أو الآثار، افتقر في صحة الصوم و حصول الامتثال الى التعيين في النية عند الإتيان بالصوم، و من أمثلة ذلك ان يجب على المكلف قضاء صيام يوم أو أكثر من شهر رمضان في السنة الحاضرة، و يجب عليه مثل ذلك من السنة الفائتة، فإذا أراد أن يأتي بأحد القضاءين، فلا بد و ان يعين في نية صومه أن ما يأتي به هو امتثال قضاء السنة الحاضرة أو قضاء السنة الماضية لأن أحدهما يختلف عن الثاني في بعض الآثار.

و من أمثلة ذلك أن يجب على الإنسان صوم يوم أو أيام لنذر شكر، و يجب عليه مثل ذلك لنذر زجر، فلا بد من التعيين عند ارادة الوفاء بأحدهما لاختلاف الآثار بينهما.

المسألة العاشرة:

إذا نذر المكلف أن يصوم يوما معينا من أسبوع، لوجود خصوصية فيه تقتضي استحباب صوم ذلك اليوم، و نذر صوم يوم معين من شهر لوجود خصوصية فيه تقتضي استحبابه أيضا، فانعقد النذران للرجحان الخاص في صوم اليومين ثم اتفق اجتماعهما في يوم واحد، و مثال ذلك: أن ينذر صوم يوم الخميس المقبل، و ينذر صوم يوم المولود من هذا العام، و اتفق أن يكون يوم الخميس الذي عيّنه في نذره الأول هو يوم المولود الذي عيّنه في نذره الثاني، فيجب عليه أن يصوم ذلك اليوم و ان يقصد بصومه امتثال النذرين معا، و إذا صامه بهذه النية كان ما اتى به وفاء للنذرين كليهما.

و إذا صام اليوم و نوى بصومه امتثال أحد النذرين خاصة صح و كان وفاء لذلك النذر الذي نواه وحده، و الأحوط له ان يدفع الكفارة لعدم وفائه بالنذر الآخر.

و إذا نذر أن يصوم يوم الثلاثاء المقبل مثلا، لا لخصوصية فيه توجب رجحان صومه على التعيين، بل لانه يوم يستحب فيه الصيام بالاستحباب العام، و نذر أيضا أن يصوم اليوم العاشر من هذا الشهر لمثل ذلك، و اتفق حصولهما في‌

13

يوم واحد، فكان يوم الثلاثاء الذي نذر صومه هو بنفسه اليوم العاشر انعقد النذر السابق من النذرين و وجب على المكلف الوفاء به خاصة، و سقط النذر اللاحق منهما فلا يجب الوفاء به و لا تلزمه الكفارة بتركه.

المسألة 11:

وقت نية الصوم في شهر رمضان و في كل صوم واجب معيّن عند طلوع الفجر الثاني المعروف بالفجر الصادق، بحيث تحصل المقارنة بين النية و أول الصوم و لا تتأخر عنه، و يجوز للمكلّف أن يقدّمها على الفجر فيأتي بها في أي جزء يشاء من أجزاء الليل.

و إذا نسي المكلف أن يأتي بنية الصوم في شهر رمضان أو في غيره من الصوم الواجب المعيّن حتى تجاوز الوقت المذكور، وجب عليه أن يأتي بالنية متى تذكرها قبل مجي‌ء الزوال، إذا هو لم يتناول من المفطرات شيئا في حال نسيانه، و الأحوط له لزوما أن يقضي صوم ذلك اليوم من شهر رمضان و من الصوم الواجب المعين إذا كان مما يجب قضاؤه عند فوته.

و كذلك الحكم إذا نسي ان الواجب عليه في النية هو أن يأتي بها في الوقت المذكور، أو نسي الصوم نفسه أو جهل الحكم أو جهل الصوم، فترك النية حتى تجاوز وقتها، فعليه أن يأتي بالنية متى تذكر أو علم قبل مجي‌ء الزوال إذا لم يتناول مفطرا، و يلزمه الاحتياط بالقضاء كما ذكرنا.

و وقت النية في الصوم الواجب غير المعين عند طلوع الفجر الصادق أيضا، و يمتد وقتها الى زوال الشمس، فإذا كان على المكلف صوم يوم أو أكثر من قضاء شهر رمضان أو من نذر صوم غير معيّن أو سواهما من الواجبات غير المعينة، و أصبح و هو غير ناو للصوم في ذلك اليوم ثم بدا له أن يصوم فيه، فيجوز له- إذا كان قبل الزوال- أن ينوي صوم اليوم قضاء عما في ذمته من الشهر، أو وفاء لما عليه من النذر، و هذا إذا لم يكن قد تناول مفطرا بعد الفجر، و لم يطرأ عليه ما يفسد الصوم من رياء و شبهه، فإذا كان كذلك و نوى الصوم و أتم صيام اليوم أجزأه عما نواه من الواجب، و ان تضيق عليه وقت قضاء شهر رمضان الماضي بمجي‌ء شهر رمضان المقبل، و لا يجعله ذلك من الواجب المعين، و لا يشمله الاحتياط الذي ذكرناه في أول هذه المسألة للواجب المعين من لزوم القضاء بعد الإتمام، و يجوز للمكلف أن يقدم النية في الصوم الواجب غير المعين على الفجر‌

14

فيأتي بها في أي جزء من أجزاء الليل، كما سبق في الواجب المعين.

و يمتد وقت النية في الصوم المندوب ما دام النهار، فيصح للمكلف أن ينوي هذا الصوم إذا بقي من النهار شي‌ء و ان كان قليلا، و لم يكن قد تناول مفطرا أو أفسد صومه برياء و شبهه، و يصح بذلك صومه.

المسألة 12:

يجوز للمكلف إذا قدم نية الصوم في أثناء الليل أن يتناول بعض المفطرات قبل طلوع الفجر، و لا يضر ذلك بنيته إذا كان قصده للصوم في نهار ذلك اليوم لا يزال مستمرا، و لا فرق في ذلك بين الجماع و غيره من المفطرات، و لا بين الصوم الواجب و المندوب المعين منهما و غير المعين.

المسألة 13:

إذا قدّم المكلّف نية الصوم ليلا ثم نوى الإفطار بعد أن طلع الفجر و لم يتناول مفطرا، ثم بدا له فنوى الصوم قبل مجي‌ء الزوال، صح صومه إذا كان مندوبا أو واجبا غير معين، و وجب عليه صوم ذلك اليوم ثم قضاؤه بعد الإتمام- على الأحوط- إذا كان من شهر رمضان، أو كان واجبا معينا مما يجب قضاؤه كما تقدم.

المسألة 14:

إذا أفسد المكلف صومه بقصد رياء أو سمعة أو شبههما، ثم بدا له فجدّد نية الصوم قبل أن تزول الشمس، لم يصح بذلك صومه- على الأحوط- و ان لم يتناول من المفطرات شيئا.

و إذا صام الرجل في يوم يشك فيه انه من شعبان أو من شهر رمضان، ثم أفسد صومه بقصد الرياء أو السمعة، بطل صومه، و لم يصح إذا جدّد نيته قبل الزوال- على الأصح- و لا يكفيه صومه عن شهر رمضان إذا استبان بعد ذلك ان اليوم من شهر رمضان، و ان كان ثبوت ذلك قبل الزوال.

المسألة 15:

صوم كل يوم من أيام شهر رمضان عبادة مستقلة عن غيره من أيام الشهر، و يختلف بعضها عن بعض في الأحكام و الآثار، و لذلك فلا بد للمكلف في صيام كل يوم من نية، و الأحوط استحبابا ان يضم إلى نية كل يوم من أيامه نية صيام الشهر كلّه، و النية- على الأقوى- هي الدّاعي النفساني الّذي يحرّك الإنسان على‌

15

ان يفعل، و لذلك فهي في غاية البساطة و اليسر، و لا عسر في أمرها و لا تعقيد، و لا ينفك العاقل الملتفت عنها.

المسألة 16:

اليوم الذي يشك الإنسان فيه أنه من شهر شعبان أو من شهر رمضان محكوم شرعا بأنه من شهر شعبان، و لذلك فلا يصح للمكلف أن يصومه بنية انه من شهر رمضان، و إذا صامه بهذه النية ثم تبين أنه من شهر رمضان لم يجزه عن الواجب و لزمه قضاؤه.

و إذا صام المكلف يوم الشك بنية الندب أو صامه قضاء عما في ذمته أو وفاء بنذر و نحوه صح صومه، و إذا علم بعد ذلك انه من شهر رمضان أجزأه عنه، و إذا استبان له ذلك و هو في أثناء النهار جدّد النية عن صوم الشهر و ان كان قبل الغروب و أجزأه عنه.

المسألة 17:

إذا نوى المكلف الإفطار في يوم الشك، ثم علم في أثناء النهار ان اليوم من شهر رمضان، فان كان قد تناول بعض المفطرات فيه قبل علمه بثبوت شهر رمضان وجب عليه أن يمسك عن المفطرات في بقية النهار، و وجب عليه قضاء صومه بعد ذلك، و كذلك إذا علم بالثبوت بعد زوال الشمس من النهار، و ان لم يتناول شيئا من المفطرات فعليه الإمساك في بقية النهار ثم القضاء.

و إذا علم بثبوت شهر رمضان قبل أن تزول الشمس من يوم الشك، و لم يك قد تناول مفطرا في يومه، نوى الصوم فيه و أتم اليوم، و الأحوط لزوما أن يقضي صومه بعد ذلك، و لا فرق في جميع هذه الأحكام بين ان يكون قد عزم على الإفطار فيه من أول الأمر فلم ينو الصوم، و ان يصبح صائما بنية شهر شعبان ثم ينوي الإفطار فيه.

المسألة 18:

يشترط في صحة الصوم ان يستمر المكلف على نية الصوم الى آخر أجزاء النهار، فلا يبدل نيته بنية أخرى تنافيها، فإذا نوى المكلف في أثناء النهار أن يقطع صومه فعلا و لا يستمر بإمساكه، أو نوى أن يقطع صومه بعد فترة، أو نوى أن يتناول المفطر في وقته الحاضر أو في ما يأتي من النهار، و هو يعلم بأن ذلك الشي‌ء الذي نوى أن يتناوله مفطر من الصوم شرعا، بطل صومه، لعدم‌

16

استمراره على نية الصوم.

و يبطل صوم المكلف أيضا إذا حصل منه تردد في أن يتم صيام يومه إلى الليل أو لا يتمه، على وجه ينافي قصد الاستمرار فيه، و إذا حصل منه التردد على نحو لا ينافي قصد الاستمرار في الصوم، و لو برجاء أن يبقى مستمرا على الصوم إلى الليل، لم يبطل صومه بتردده.

و إذا كان المكلف صائما صياما واجبا غير معين، و عرض له بعض ما ذكرناه من منافيات الاستمرار في النية، فنوى قطع الصوم، أو نوى أن يتناول المفطر، أو تردد في أن يتم صيامه أو لا يتمه ترددا ينافي الدوام على النية و لم يتناول المفطر بالفعل، ثم جدّد نية صومه قبل ان تزول الشمس في ذلك اليوم صح صومه بتجديد نيته في وقتها.

و كذلك في الصوم المندوب إذا عرض له شي‌ء من ذلك و لم يتناول مفطرا، ثم جدد نية الصوم قبل غروب الشمس فيصح صومه بتجديد النية.

المسألة 19:

إذا نوى الصائم أن يتناول شيئا معينا، و كان يعتقد بأن تناول ذلك الشي‌ء في أثناء النهار من المفطرات شرعا للصائم، و كان مخطئا في اعتقاده فيبطل صومه لعدم استمرار نية الصوم منه، و ان كان الشي‌ء الذي نوى تناوله ليس من المفطرات الشرعية.

المسألة 20:

لا يشترط في صحة الصوم أن يكون المكلف الصائم ملتفتا إلى النية في آنات الصوم، فإذا نوى الرجل في الليل ان يصوم غدا متقربا إلى الله و نام في ليلته قبل أن يطلع عليه الفجر، و لم ينتبه من نومه طول نهاره حتى دخل الليل، كان صومه صحيحا سواء كان واجبا أم مندوبا، و كذلك إذا نوى الصوم في أثناء الليل ثم عرضت له غفلة عن الصوم و استمرت معه غفلته حتى انقضى النهار، أو نسي أنه صائم و لم يتذكر صومه الا بعد دخول الليل فان صومه صحيح في جميع هذه الفروض.

المسألة 21:

إذا نوى المكلف صوما خاصا، فالأحوط له ان لا يعدل في نيته بعد طلوع الفجر أو في أثناء النهار الى صيام آخر فيما عدا الفرضين الآتي ذكرهما‌

17

(الأول): إذا نوى الرجل صوما مندوبا، ثم تذكر في أثناء النهار ان في ذمته صوما واجبا غير معين كقضاء شهر رمضان، و الصوم المنذور غير المعين، فيجوز له ان يعدل عن صومه المندوب الى هذا الواجب غير المعين إذا كان عدوله اليه قبل زوال الشمس، و خصوصا إذا كان الصيام الواجب الذي تذكرة قد تضيق وقته.

(الثاني): إذا نوى الرجل صوما مندوبا مطلقا، ثم تذكر أو علم في أثناء النهار ان صوم هذا اليوم مندوب معين فيجوز له ان يعدل عن صومه المندوب المطلق الى المندوب المعين و ان كان عدوله إليه في آخر النهار.

و في التحقيق ان هذين الفرضين و أمثالهما لا تكون من باب العدول في النية، بل هي ابطال للصوم الأول و نية جديدة للصوم الثاني في وقت تصح نيته و القصد اليه.

الفصل الثاني في المفطرات

المسألة 22:

المفطرات التي يجب على الصائم أن يجتنبها و يمسك عن تناول شي‌ء منها عشرة أشياء:

(1) الأكل، (2) الشرب، (3) الجماع، (4) الاستمناء، (5) بقاء الصائم على الجنابة عامدا حتى يطلع عليه الفجر، (6) الكذب على الله أو على رسوله (ص) أو على الأئمة المعصومين (ع)، (7) الارتماس، (8) أن يدخل الصائم الغبار الغليظ الى جوفه عامدا، (9) أن يتقيأ عامدا، (10) ان يحتقن بالمائع.

[ (الأول و الثاني): الأكل و الشرب،]

المسألة 23:

(الأول و الثاني) من المفطرات الشرعية للصائم: الأكل و الشرب، و لا فرق في الحكم بين ما يتعارف أكله و شربه للإنسان من الأشياء و ما لا يتعارف له و لا يعتاد منها، و لا بين الكثير منه و القليل، حتى ما يخرج من بين الأسنان بتخليلها من بقايا الطعام بعد الأكل، فلا يجوز للصائم ابتلاعه سواء استخرجه بالخلال أو‌

18

اللسان أم خرج بنفسه، و حتى الرطوبة التي تبقى من الريق على السواك إذا استاك به الصائم، و على الخيط إذا بلّه الخياط بريقه مثلا ليدخله في سم الإبرة فإذا أخرج الصائم السواك أو الخيط من فمه و قد ابتل من ريقه، ثم أعاده إلى فمه، فلا يجوز له ان يبتلع ما عليه من الرطوبة، و إذا ابتلعها بطل صومه، و إذا امتزج ريق الصائم بهذه الرطوبة فالأحوط له لزوما ان لا يبتلع ريقه حتى تستهلك تلك الرطوبة التي امتزج بها و تكون معدومة عرفا.

المسألة 24:

إذا علم المكلف ان ترك تخليل أسنانه بعد أكله الطعام ليلا يؤدي إلى ابتلاع بعض بقاياه العالقة ما بين الأسنان في حال الصوم، أو اطمأن بذلك أو احتمله احتمالا يعتني به العقلاء، وجب عليه أن يخلل أسنانه بعد الأكل، و إذا ترك التخليل في هذه الفروض، فوصل بعض بقايا الطعام إلى جوفه و هو صائم بطل صومه، و لا يجب عليه تخليل أسنانه إذا احتمل ذلك احتمالا ضعيفا لا يعتنى بمثله، و لا يجب عليه التخليل أيضا إذا شك في احتماله أنه مما يعتني به العقلاء أو لا يعتنون به.

المسألة 25:

يجوز للصائم أن يبتلع ريقه المجتمع في فمه و ان كثر، و حتى إذا كان اجتماع الريق في فمه باختياره و عمده، الا أن يخرج الريق في كثرته عن الحدّ المألوف، كما في الناس المبتلين ببعض الأمراض، فالأحوط لزوما أن لا يبتلع الزائد عن المقدار المألوف في هذه الفروض إذا كان صائما.

المسألة 26:

يجوز للصائم أن يبتلع النخامة، و هي الخلط الذي يخرج من الصدر، بل و يجوز له ابتلاعها و ان وصلت إلى الفم على الأقوى، و لا يضرّ ذلك بصومه، و يجوز له ابتلاع الخلط الذي ينزل من الرأس أيضا إذا هو لم يصل الى الفم، و إذا وصل الى الفم فالأحوط لزوما للصائم عدم ابتلاعه.

و إذا خرجت النخامة إلى خارج الفم حرم ابتلاعها سواء كانت مما يخرج من الصدر أم مما ينزل من الرأس، و إذا ابتلعها الصائم بعد خروجها بطل صومه.

المسألة 27:

المفطر الذي يجب على الصائم الإمساك عنه هو ما يصل الى الجوف بما يسمى‌

19

أكلا أو شربا في نظر أهل العرف، فيعمّ ما يصل الى الجوف بطريق الأنف، فلا يجوز للصائم أن يبتلع الماء أو المائع الذي يستنشقه أو يدخله إلى الجوف بطريق أنفه بانبوب و نحوه، و يعم ما يصل الى الجوف بطريق منفذ حادث يتخذه الأطباء لإيصال الغذاء الى الجوف و لو مؤقتا، و الأحوط لزوم الاجتناب عما يصل بطريق التغذية الأخرى المعروفة من إبرة أو حاقنة في الوريد و نحوها.

المسألة 28:

لا يضر بصحة الصوم ما يصل إلى جوف الصائم بطريق لا يسمى أكلا و لا شربا في نظر أهل العرف، و من أمثلة ذلك أن يقطر الصائم الدواء في عينه أو في أذنه أو في جرحه النافذ فيصل الدواء من هذه المنافذ الى جوفه، و لا يضر بصحة الصوم ان يزرق الدواء بالإبرة في بعض عضلات الصائم أو في أحد عروقه، إذا كان ذلك للعلاج من بعض الأمراض أو الآلام و لم تكن للغذاء.

المسألة 29:

يجوز للصائم أن يدخل إصبعه أو أي جسم آخر في فمه و يخرجه عامدا و ان أوصله إلى حلقومه و لا يبطل بذلك صومه، و لا يبطل صومه إذا أنفذ هو أو غيره في جسده آلة جارحة: سكينا أو خنجرا أو غيرهما، حتى بلغت الآلة إلى جوفه و ان تعمد فعل ذلك، و يجوز للصائم الاستياك، و لكنه إذا أخرج عود السواك من فمه ثم أعاده إليه فلا يسوغ له أن يبتلع ما على السواك من رطوبة الفم الموجودة عليه، و لا يبتلع ريقه إذا امتزج بتلك الرطوبة على الأحوط، كما تقدم في المسألة الثالثة و العشرين.

إذا استعمل الصائم الفرشاة المألوفة لتنظيف الأسنان فاستاك بها من غير ماء و خالية من المساحيق و المعاجين جرى فيها حكم السواك الذي بيّناه، فلا يمنع من السواك بها، و يجب عليه التوقي من رطوبات الفم التي تكون عليها، فلا يجوز له ابتلاعها و لا ابتلاع ماء الفم الذي يتجمع فيه بسبب السواك بها، فإنه أكثر من الحد المألوف فيه، و لا يجوز له ابتلاع الريق إذا امتزج به، و الأحوط للصائم لزوما ان لا يستاك بالفرشاة مع المعاجين و المساحيق، بل و لا مع الماء الخالي منها، و يلاحظ الأمر السابع من الأمور التي تكره للصائم و سيأتي ذكرها في المسألة المائة و الثالثة عشرة.

20

المسألة 30:

انما يبطل صوم الصائم بالأكل أو الشرب أو بغيرهما من المفطرات، إذا كان المكلف الصائم عامدا مختارا في تناوله، فلا يبطل صومه إذا تناول المفطر ساهيا غير قاصد لتناوله، و لا يبطل صومه إذا تناول المفطر ناسيا للصوم، أو ناسيا لكون الشي‌ء الذي تناوله من المفطرات، و لا فرق في هذا الحكم بين الصوم الواجب و الصوم المندوب: المعين منهما و غير المعين.

المسألة 31:

إذا تناول الصائم بعض المفطرات و كان يجهل أن الشي‌ء الذي تناوله من المفطرات في حكم الشريعة، و يحسب ان تناوله مما يجوز له لم يبطل بذلك صومه، سواء كان قاصرا في جهله أم مقصرا، فلا يجب عليه القضاء و لا الكفارة. و ان كان الأحوط استحبابا له قضاء صوم ذلك اليوم، و يتأكد الاحتياط في الجاهل المقصر.

و إذا تناول الصائم المفطر و كان جاهلا مترددا في حكم الشي‌ء الذي تناوله: أ هو من المفطرات في حكم الإسلام أم لا، بطل صومه و وجب عليه قضاؤه، و كذلك الجاهل بالموضوع إذا تناوله و هو يعلم بوجوب الاجتناب عنه فيكون صومه باطلا بتناوله و يجب عليه قضاؤه.

المسألة 32:

لا يبطل صوم الصائم إذا قسره أحد اقتسارا، فأوقعه في المفطر من غير مباشرة منه و لا اختيار، و مثال ذلك أن يوجر أحد الماء أو الطعام في حلق الصائم فيبتلع الصائم ذلك من غير قصد، و ان يدفعه في النهر فيرتمس في الماء من دون خيرة له، فلا يبطل صومه، و يجب عليه ان يتم صوم ذلك اليوم و لا قضاء عليه.

و إذا أكره الصائم مكره على أن يتناول بعض المفطرات، فتناوله مكرها عليه بطل صومه و وجب عليه قضاؤه، و لا إثم عليه في إفطاره لأنه مكره غير مختار.

المسألة 33:

إذا تناول الصائم بعض المفطرات للتقية، فقد توجب التقية على الصائم أن يترك صيام ذلك اليوم و يفطر فيه مع من يخالفه في المذهب تقية منه، فإذا هو تناول المفطر في هذا الفرض بطل صومه و وجب عليه أن يقضي صوم ذلك‌

21

اليوم، و لا إثم عليه في إفطاره للتقية، و مثال ذلك: أن يفطر الصائم من الشيعة مع الجمهور في يوم عيد الفطر عندهم، و هو غير ثابت عند الشيعة، للتقية منهم، فيترتب عليه الحكمان المذكوران، و لا يأثم بإفطاره معهم، بل يأثم إذا خالف مقتضى التقية فلم يفطر.

و قد توجب التقية على الصائم أن يجاري من يتقي منهم، فيتناول بعض الأشياء المفطرة عند الشيعة و هي لا تضر بصحة الصوم عند من خالفهم، أو يجاريهم في صحة الإفطار في ذلك الوقت فيفطر معهم بعد سقوط قرص الشمس و قبل دخول وقت المغرب عند الشيعة، فيصح صومه في كلا الفرضين و لا يجب عليه القضاء بتناول المفطر للتقية.

و هذا كله في التقية من الجمهور الذين يخالفون الصائم الشيعي في المذهب، و إذا أفطر الصائم للتقية من غيرهم كان صومه باطلا في جميع الصور، و من أمثلة هذا ان يتقي الصائم من بعض الظالمين من الشيعة أو من غير المسلمين، فيتناول المفطر اتقاء منهم في الفروض المذكورة أو غيرها.

المسألة 34:

لا يمنع الصائم من أن يمص الخاتم أو الفص من العقيق و غيره أو يمص الحصاة الخالية من تراب و غيره، و أن يمضغ الطعام للصبي و أن يزق الطائر و يذوق المرق، شريطة أن لا يتعدى شي‌ء منها إلى الحلق، و إذا تحفظ عن ذلك جهده فسبق شي‌ء منها إلى حلقه من غير قصد و لا علم لم يفسد بذلك صومه.

و إذا علم الرجل الصائم بأنه لا يقدر على التحفظ و ان اجتهد، و أنه متى عمل هذه الأشياء سبقه شي‌ء منها إلى حلقه، فلا يجوز له فعلها و يكون عامدا بفعله، فإذا فعل شيئا من المذكورات في هذا الفرض و سبقه شي‌ء منها لزمه القضاء على الأحوط.

و لا بأس على الصائم في أن يمضغ العلك من اللبان و نحوه و ان يبتلع ريقه بعده و ان تأثر ريقه بطعم العلك أو برائحته، و لا يجوز له ذلك إذا كان تأثره بالطعم أو الرائحة لتفتت أجزاء العلك في الفم و امتزاجها بالريق فيبطل الصوم بابتلاعه، و لا بأس بأن يمصّ لسان الطفل و لسان الزوجة إذا لم تكن عليهما من رطوبة الريق أو غيرها.

22

المسألة 35:

يجوز للصائم أن يتمضمض بالماء و أن يستنشق به، شريطة أن يتحفظ جهده فلا يتعدى شي‌ء من الماء الى الحلق، و يستحبان له في الوضوء و الغسل، و ينبغي له بعد أن يمج الماء من فمه في المضمضة ان لا يبتلع ريقه حتى يبصق ثلاث مرات.

و تكره له المبالغة في المضمضة و الاستنشاق و ان كانا لوضوء أو غسل.

و إذا علم الصائم بأنه لا يمكنه التحفظ في مضمضته أو استنشاقه، و انه متى تمضمض أو استنشق سبقه الماء الى جوفه لم يجز له فعلهما و كان عامدا في فعله، فإذا تمضمض أو استنشق في هذا الفرض و سبقه شي‌ء من الماء الى الجوف لزمه القضاء على الأحوط.

المسألة 36:

إذا تمضمض الصائم فابتلع ماء المضمضة ناسيا لم يفسد بذلك صومه.

و إذا تمضمض فسبقة الماء الى جوفه من غير اختيار له فان كانت مضمضته لوضوء صلاة فريضة فلا شي‌ء عليه، سواء كانت الفريضة التي توضأ لها حاضرة أم فائتة، و يومية أم غيرها من الفرائض الواجبة، و ان كانت مضمضته لوضوء صلاة نافلة أو لغير ذلك من الوضوءات المستحبة، أو لغسل و ان كان لفريضة، أو للتداوي أو لتطهير الفم من نجاسة و ما أشبه ذلك من الضرورات، فالأحوط لزوما قضاء الصوم، و إذا كانت المضمضة لبعض الدواعي الأخرى غير الضرورية كالتبرد و تنظيف الفم و غسله و نحوها فلا بد من قضاء الصوم.

المسألة 37:

إذا تمضمض الصائم بغير الماء من المائعات فابتلعه ناسيا، أو سبقه إلى الجوف من غير قصد لم يبطل صومه بذلك و لم يجر عليه حكم المضمضة بالماء، و كذلك الحكم إذا استنشق الصائم بالماء أو بغير الماء سواء كان لوضوء أم لغيره فلا يبطل صومه إذا سبقه الماء أو المائع الذي استنشق به إلى جوفه من غير قصد أو ابتلعه ناسيا.

المسألة 38:

إذا تناول الصائم المفطّر و كان ناسيا، فظن أو اعتقد بأن صومه قد بطل بذلك، فتناول المفطر بعد ذلك عامدا أشكل الحكم بصحة صومه، و الأحوط له لزوما أن يتم صيام يومه ثم يقضيه بعد ذلك.

23

و إذا اعتقد بأن صومه مستحب يصح له الإفطار فيه فتناول المفطر، ثم تذكر أن صومه كان واجبا بطل صومه.

(الثالث من المفطرات: الجماع).

المسألة 39:

إذا جامع الصائم عامدا و أنزل الماء في جماعة بطل صومه، و يبطل صومه إذا جامع و قصد الإنزال بجماعة و ان لم ينزل بالفعل، لعدم استمرار نية الصوم منه، و لا فرق في الحكمين المذكورين بين أن يكون الوطء في القبل أو في الدبر، و أن يكون لأنثى أو لذكر، و أن يكون لحي أو لميت أو لبهيمة.

و يبطل صوم الصائم كذلك إذا جامع أنثى في قبلها فأدخل و ان لم ينزل الماء و لم يقصد الإنزال، و يبطل صومه أيضا على الأقوى إذا جامع الأنثى في دبرها فأدخل و لم ينزل و لم يقصد الإنزال.

و إذا وطأ غير الأنثى في الدبر و لم ينزل و لم يقصد الإنزال، ففي بطلان صومه بذلك إشكال، و لا يترك الاحتياط فيه بأن يتم الصوم و يقضيه، بل و يدفع الكفارة عنه، من غير فرق بين ان يكون الموطوء خنثى أو ذكرا أو بهيمة و حيا أو ميتا، و كذلك حكم الموطوء في الفرض المذكور إذا كان صائما.

و إذا شك في حصول الدخول و عدمه لم يبطل صومه، إلا إذا كان قد أنزل بالفعل أو قصد الإنزال، أو قصد الدخول في قبل الأنثى أو في دبرها، و لا يترك الاحتياط المتقدم إذا قصد الدخول في دبر غير الأنثى فيتم الصوم ثم يقضيه.

المسألة 40:

إذا أولج الصائم في غير القبل و الدبر، أو لامس المرأة في أعضائهما الجنسية من غير إدخال و لم ينزل و لم يقصد بفعله الإنزال، لم يبطل صومه، و إذا قصد بفعله الإنزال فسد صومه لانه نوى المفطر فلم تستمر منه نية الصوم، و ان لم ينزل بالفعل.

المسألة 41:

إنما يبطل الصيام بالجماع إذا كان الصائم متعمدا بفعله، فإذا اتفق له أن جامع نائما أو ناسيا للصوم لم يبطل صومه، و كذلك إذا اتفق أن حصل له الدخول من غير إرادة، كما إذا قصد التفخيذ و الملامسة الخارجية فحصل الدخول من غير اختيار، و كما إذا قسره قاسر على ذلك بغير اختياره، فلا يبطل صومه في مثل هذه الفروض.

24

المسألة 42:

إذا ارتفع العذر الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة عن الصائم في أثناء عمله، فاستيقظ من نومه أو تذكر بعد نسيانه أو انتبه من غفلته أو ارتفع عنه قسر القاسر و هو في أثناء الفعل وجب عليه الإخراج فورا، فان هو استمر في عمله بعد ارتفاع العذر بطل صومه، إلا إذا فقد الاختيار في الاستمرار.

(الرابع من المفطرات: الاستمناء)

المسألة 43:

الاستمناء: هو أن ينزل الإنسان المني من نفسه و هو عامد مختار، بان يفعل أفعالا أو حركات تؤدي إلى إنزال الماء بحسب العادة المعلومة بين الناس أو بحسب عادته هو خاصة، و ان لم يقصد بفعله الإنزال و إنما قصد الفعل المؤدي اليه، فإذا عبث الصائم بعضوه الجنسي، أو قبّل بشهوة، أو تفخذ، أو لمس أو نظر بشهوة، أو تخيل، أو فعل اي فعل يؤدي إلى الإنزال بحسب العادة التي توجب ذلك بين الناس أو بحسب عادته هو خاصة، فأنزل بطل صومه، و وجب عليه قضاء الصوم و دفع كفارته.

المسألة 44:

إذا قصد الصائم الاستمناء بفعل من الأفعال أو بحركة من الحركات و كان يعلم بان الاستمناء مفطر من الصوم، بطل صومه لانه قصد ارتكاب المفطر و لم تستمر منه نية الصوم، و وجب عليه القضاء و ان لم ينزل بالفعل، و لم يكن الفعل الذي أتى به و الحركة التي أجراها مما يؤدي إلى الإنزال.

المسألة 45:

إذا أتى الصائم بشي‌ء من تلك الأفعال أو الحركات عامدا، و كان يحتمل من نفسه انه ينزل المني عند ما يأتي بذلك الفعل أو الحركة، و هو يعلم بأن الإنزال مفطر من الصوم، فيبطل صومه لتردده في البقاء على نية الصوم، و ان كان غير قاصد للإنزال.

المسألة 46:

لا يبطل صوم الصائم بفعل أي شي‌ء من تلك الافعال أو الحركات، إذا هو لم ينزل المني بالفعل، و لم يقصد الإنزال و كان واثقا من نفسه بأنه لا ينزل، و لا يبطل صومه إذا سبقه المني من غير ان يفعل فعلا اختياريا يؤدي إليه.

25

المسألة 47:

يجوز للصائم ان ينام نهارا و ان كان يعلم من حالته انه متى نام يحتلم في نومه، و لا يعدّ ذلك من الاستمناء، سواء كان عليه حرج في ترك النوم أم لا، و لا يبطل صومه إذا نام كذلك فاحتلم، إلا إذا كان قاصدا للاستمناء.

المسألة 48:

يجوز للصائم إذا احتلم في النهار أن يستبرئ قبل غسله من الجنابة بالبول و الخرطات، و ان علم بخروج بقايا المني منه باستبرائه، و لا يعدّ ذلك من الاستمناء، و إذا احتلم في النهار و استيقظ من نومه في أثناء إنزاله لم يجب عليه أن يتحفظ من خروج المني عن المجرى.

نعم إذا استيقظ من نومه قبل أن تبتدئ حركة نزول المني في احتلامه وجب عليه في هذه الصورة ان يتحفظ من الإنزال، فلا يجوز له أن يستمر على ما يوجب ذلك من تخيل أو ضغط على بعض الأعضاء من جسده أو غير ذلك، و إذا استمر عليها عامدا حتى أنزل بطل صومه، لانه قد استمنى باختياره، بل و يبطل صومه إذا قصد الانزال باستمراره على تلك الحال و ان لم ينزل بالفعل، و شمله الحكم الذي بيناه في المسألة الرابعة و الأربعين و ما بعدها.

المسألة 49:

إذا احتلم الصائم في النهار و اغتسل من جنابته قبل أن يبول و يستبرئ، فلا يضرّ بصحة صومه أن تخرج منه بقايا المني بعد الغسل، إذا خرجت منه بنفسها من غير اختياره، نعم يبطل صومه في هذه الصورة إذا تبول أو تخرط عامدا فأخرج بقية المني منه قاصدا لإخراجها بالاستبراء، و لذلك فالأحوط له عند طروء مثل هذا الفرض، بل الأقوى ان يؤخر البول إلى الليل مع الإمكان.

(الخامس من المفطرات: أن يبقى الصائم على الجنابة عامدا حتى يطلع الفجر).

المسألة 50:

بقاء الصائم المجنب على جنابته عامدا الى أن يطلع عليه الفجر الصادق، من مفطراته من صومه إذا وقع ذلك له في صوم شهر رمضان و في قضائه، بل في كل صوم واجب على الأحوط، سواء كان الصوم الواجب معينا أم غير معين، و سواء كانت جنابة الصائم بجماع أم بإنزال من غير جماع، و سواء بقي المكلف‌

26

على جنابته يقظان أم نام بعد علمه بالجنابة و هو عازم على عدم الغسل.

و لا يضرّ تعمد البقاء على الجنابة بالصوم المندوب، و ان كان الأحوط استحبابا للصائم اجتناب ذلك في المندوب أيضا.

المسألة 51:

إذا تعمد الإنسان الجنابة قبل أن يطلع الفجر بزمان قصير لا يسع الغسل و لا التيمم، كان هذا المكلف متعمدا على البقاء على الجنابة، فيبطل صومه إذا كان صائما و كان صومه واجبا، و إذا وسع الوقت التيمم و لا يسع الغسل، وجب عليه ان يتيمم، فإذا تيمم عن جنابته قبل طلوع الفجر عليه كان صومه صحيحا، و إن كان آثما بتعمده إيقاع الجنابة مع علمه بضيق الوقت عن الغسل.

و إذا ترك التيمم في هذه الصورة حتى طلع الفجر بطل صومه و وجب عليه قضاؤه إذا كان الصوم مما يقضى، و لزمته الكفارة إذا كان مما تجب فيه الكفارة.

المسألة 52:

إذا أصبح الصائم فوجد نفسه جنبا من غير تعمد لذلك لم يبطل صومه بذلك إلا في قضاء شهر رمضان، فالأقوى فيه بطلان الصوم، و الأحوط استحبابا إلحاق كل صوم واجب غير معين بقضاء شهر رمضان في هذا الحكم فإذا أصبح فيه جنبا ترك صوم ذلك اليوم و أبدله بصيام يوم آخر.

و إذا تضيق الوقت في قضاء شهر رمضان بمجي‌ء شهر رمضان المقبل و عرضت للمكلف في صومه مثل هذه الحالة فالأحوط له الجمع فيصوم ذلك اليوم ثم يعيد قضاء اليوم بعد انتهاء شهر رمضان و يدفع عنه الفدية.

المسألة 53:

لا يبطل صوم الصائم إذا احتلم في أثناء النهار، سواء كان صومه واجبا معينا أم موسعا أم كان مندوبا معينا أم غير معين.

المسألة 54:

إذا طهرت المرأة من حيضها أو من نفاسها ليلا في شهر رمضان أو في غيره من الأزمان التي يجب عليها الصيام فيها وجب عليها أن تغتسل من حدثها قبل طلوع الفجر الصادق مع إمكان ذلك، و إذا كانت لا تستطيع الغسل لبعض الأعذار وجب عليها التيمم، و إذا تعمدت البقاء على حدثها فلم تغتسل و لم تتيمم حتى طلع عليها الفجر بطل صومها في شهر رمضان، بل و في قضائه و في كل صوم‌

27

واجب، سواء كان معينا أم غير معين على الأحوط في القضاء و ما بعده.

و إذا طهرت من أحد الدمين قبل طلوع الفجر بفترة وجيزة لا تسع الغسل و لا التيمم، نوت الصوم و صح صومها، و كذلك إذا طهرت من أحدهما و لم تعلم بطهرها حتى طلع الفجر، فيكون صومها صحيحا.

المسألة 55:

إذا كانت المرأة مستحاضة كثيرة الدم فلا يصح صومها إلا إذا أتت بأغسال الاستحاضة التي تجب عليها في نهار يوم الصوم، بل و لا يصح صومها إلا إذا أتت بغسل الليلة السابقة على ذلك اليوم على الأحوط، و لا يترك الاحتياط في المستحاضة المتوسطة فتلحق بالمستحاضة الكثيرة الدم في الحكم المذكور.

فإذا تركت المستحاضة الكبرى أو المتوسطة غسل الفجر أو غسل الظهرين مع وجوبهما عليها للصلاة بطل صومها في ذلك اليوم إذا كانت صائمة، و كذلك يبطل صومها إذا تركت غسل العشاءين في الليلة الماضية إلا إذا اتفق لها ان اغتسلت في تلك الليلة قبل الفجر لصلاة الليل، فيصح صومها في ذلك اليوم لمجيئها بهذا الغسل.

و انما يعتبر الإتيان بالأغسال النهارية في صحة صوم المستحاضة كما بينا، إذا كانت هذه الأغسال قد وجبت عليها للصلاة، و إذا لم تجب عليها أغسال النهار للصلاة في ذلك اليوم كان صومها فيه صحيحا و ان لم تغتسل، و مثال ذلك أن تصلي المرأة صلاة الفجر و هي نقية من الدم، فإذا استحاضت بعد الصلاة استحاضة متوسطة و أخرت الغسل الواجب إلى صلاة الغروب لم يبطل صومها في ذلك اليوم إذا كانت صائمة، و كذلك إذا صلت الظهرين و هي نقية من الدم، ثم استحاضت بعد ذلك استحاضة كبرى و تركت الغسل إلى صلاة العشاءين، فيصح صومها.

المسألة 56:

لا يجب على المرأة تقديم غسل الاستحاضة على الفجر للصوم، بل لا يكفي ذلك لصحة صومها إذا هي قدّمته، الا ان تعيد غسلها بعد الفجر، و لا يعتبر في صحة صوم المستحاضة أن تأتي ببقية الأعمال الواجبة عليها غير الغسل، من الوضوء لكل فريضة و تبديل القطنة و الخرقة.

28

المسألة 57:

إذا نسي المجنب غسل الجنابة في شهر رمضان و صام يوما منه أو أياما و هو جنب، بطل صوم تلك الأيام التي نسي الغسل فيها، و وجب عليه قضاء صومها و لا تجب عليه الكفارة، و الأحوط لزوما إلحاق قضاء شهر رمضان به في الحكم المذكور، فإذا نسي المكلف غسل الجنابة و صام يوما أو أياما من القضاء بطل صومها و وجبت عليه إعادتها.

و لا يلحق بشهر رمضان في الحكم المذكور غير قضائه من الصوم الواجب كالنذر المعين و شبهه، و لا يلحق بالجنابة حدث الحيض و النفاس، فإذا نسيت المرأة فلم تغتسل من حدثهما و صامت في شهر رمضان أو في قضائه لم يبطل صومها فيهما.

المسألة 58:

إذا كان المجنب من ذوي الأعذار عن الغسل للصوم وجب عليه ان يتيمم بدلا عن غسل الجنابة، فإذا ترك التيمم متعمدا بطل صومه، و قد ذكرنا هذا في المسألة الحادية و الخمسين، و كذلك الحكم إذا ترك المجنب غسل الجنابة متعمدا حتى ضاق الوقت عن أداء الغسل فإنه يجب عليه التيمم و إذا تيمم صح صومه و ان كان آثما بترك الغسل، و إذا ترك التيمم عامدا بطل صومه.

المسألة 59:

إذا كان المكلف المجنب من ذوي الأعذار عن غسل الجنابة، فتيمم قبل طلوع الفجر بدلا عن غسله جاز له أن ينام بعد تيممه حتى يصبح، و لا يجب عليه أن يبقى متيمما مستيقظا حتى الصباح و ان كان ذلك أحوط له استحبابا، و كذلك إذا تيمم من جنابته ثم أحدث بعد تيممه حدثا أصغر غير النوم، فلا يجب عليه أن يعيد التيمم بدلا عن الغسل، و ان كانت اعادة التيمم أحوط استحبابا.

المسألة 60:

إذا احتلم الصائم في النهار لم تجب عليه المبادرة إلى الغسل، فيجوز له أن يؤخر غسله من الجنابة ما لم يتضيق عليه وقت الصلاة، و لا يضر هذا التأخير بصحة صومه و ان كان الأحوط استحبابا له أن يبادر إلى الغسل.

المسألة 61:

يجوز لمن أجنب في ليل شهر رمضان أن ينام بعد جنابته و قبل أن يغتسل‌

29

إذا علم انه يستيقظ من نومه ليغتسل من جنابته قبل طلوع الفجر، و يجوز له ان ينام كذلك إذا احتمل انه يستيقظ للغسل قبل الفجر احتمالا يعتد به، و لا فرق في هذا الحكم بين النومة الأولى و الثانية و الثالثة و الأكثر من ذلك.

و إذا علم بأنه متى نام لم يستيقظ للغسل قبل الفجر، حرم عليه النوم على الأحوط، و إذا نام في هذه الصورة و لم يستيقظ للغسل حتى طلع الفجر فهو متعمد في البقاء على الجنابة، فيبطل صومه و يجب عليه القضاء و الكفارة، حتى إذا كانت نومته هي النومة الأولى.

و كذلك الحكم إذا كان يحتمل انه يستيقظ من نومه قبل الفجر احتمالا ضعيفا لا يعتني به العقلاء بحيث يعدّونه إذا نام مع هذا الاحتمال متعمدا في ترك الغسل و البقاء على الجنابة، فلا يجوز له النوم في هذه الصورة قبل الفجر، و إذا نام و لم يستيقظ حتى طلع عليه الفجر وجب عليه القضاء و الكفارة و ان كان في النومة الأولى.

المسألة 62:

إذا نام الجنب ليلا في شهر رمضان و هو عازم على ترك الغسل قبل طلوع الفجر، و استمر في نومه الى ان طلع الفجر كما عزم بطل صومه و وجب عليه القضاء و الكفارة و ان كان في نومته الأولى.

و إذا نام و هو متردد في أنه يغتسل قبل الفجر أو لا يغتسل، بحيث أوجب هذا التردد له ترددا في نية صومه، ثم استمر به النوم الى ان طلع عليه الفجر، بطل صومه و وجب عليه القضاء دون الكفارة، و الأحوط له التكفير استحبابا.

المسألة 63:

إذا نام المجنب ليلا و هو عازم على أن يغتسل من جنابته قبل الفجر، أو كان غافلا عن ذلك، و استمر به النوم الى الفجر، فان استمرت به نومته الأولى بعد أن علم بالجنابة فلم ينتبه منها- كما قلنا- حتى أصبح، صح صومه و لم يجب عليه القضاء، و ان استمرت به نومته الثانية أو الثالثة أو الأكثر من ذلك بعد ان علم بجنابته وجب عليه القضاء دون الكفارة، و الأحوط له استحبابا دفع الكفارة في النومة الثالثة و ما بعدها.

المسألة 64:

النومة الأولى أو الثانية أو الثالثة، هي التي تكون بعد علم المكلف بجنابته‌

30

كما ذكرنا، فلا تعدّ منها النومة التي احتلم فيها، و الظاهر ان حكم النومة الرابعة و ما بعدها هو حكم النومة الثالثة، و قد ذكرنا هذا في المسألة الثالثة و الستين.

المسألة 65:

لا يترك الاحتياط بإلحاق كل صوم واجب بشهر رمضان في الحكم المذكور سواء كان الصوم الواجب معينا أم غير معين، و قد ذكرنا هذا في المسألة الخمسين، و لا يترك الاحتياط بإلحاقه به في الحكم حتى في الكفارة إذا كان ذلك الصوم الواجب مما فيه الكفارة كالمنذور و شبهه.

المسألة 66:

إذا نقت المرأة الحائض و المرأة النفساء من دم الحدث ليلا و نامتا عن غسلهما قبل الفجر لم يشملهما حكم المجنب الذي تقدم ذكره في المسائل الماضية، بل يكون المدار في حكمهما على صدق التواني عن الغسل الواجب عليهما و عدم صدقه، فإذا صدق على المرأة أنها متوانية عن الغسل الواجب عليها من الحيض، أو النفاس بطل صومها و ان كان ذلك في النومة الأولى بعد علمها بنقائها من الدم، و ان لم يصدق عليها التواني لم يبطل صومها و ان تعدد نومها.

المسألة 67:

إذا نسي الصائم المجنب غسل الجنابة و صام أياما من غير غسل و شك في عدد الأيام التي صامها بين الأقل و الأكثر، فلهذا الفرض صور متعددة لا بد من مراعاتها و تطبيق أحكامها الآتية:

(الصورة الأولى): أن يعلم المكلف آخر أيام جنابته و يشك في أول حدوثها عليه، و مثال ذلك: ان يعلم الرجل بأنه قد اغتسل من الجنابة في آخر يوم من الشهر مثلا، و يشك في ان وقوع الجنابة كان في أي يوم من أيام الشهر، و الظاهر أن حكم المكلف في هذه الصورة صحة صومه في الأيام الأولى التي يحتمل حدوث الجنابة فيها و لا يتيقن وجودها، و يجب عليه قضاء المقدار الذي يعلم بوجود الجنابة فيه من الأيام و هو الأقل، فإذا شك في أنها خمسة أيام فقط أو أكثر من ذلك، وجب عليه قضاء الأيام الخمسة المتيقنة خاصة، و يصح صومه في المقدار الزائد عليها.

(الصورة الثانية): أن يعلم المكلف بأول أيام جنابته، و يشك في وقت نهايتها، و مثال ذلك ما إذا علم دون ريب بأنه قد أجنب في أول ليلة من الشهر‌

31

و شك في انه اغتسل من جنابته في نصف الشهر أو في العشرين منه، و حكم المكلف في هذه الصورة ان يقضي العدد الأكثر من الأيام التي يشك في وجود الجنابة فيها، فيجب عليه ان يقضي صوم عشرين يوما في المثال الذي ذكرناه.

(الصورة الثالثة): ان يعلم الإنسان بأيام معينة من الشهر كان ناسيا لغسل الجنابة فيها، و لكنه يشك في انه هل توجد قبل تلك الأيام المعينة أو بعدها أيام أخرى قد نسي الغسل فيها أيضا أم لا يوجد غيرها و مثال ذلك: ما إذا تيقن دون ريب انه كان مجنبا و ناسيا للغسل في اليوم العاشر من الشهر و في يومين بعده، و شك في حالته في ما قبل هذه الأيام الثلاثة و ما بعدها، و الحكم في هذه الصورة هو وجوب قضاء الصوم في تلك الأيام الثلاثة المتيقنة، و صحة الصوم في الأيام السابقة عليها، و لا يترك الاحتياط لزوما في قضاء الأيام المتأخرة من الأيام التي يحتمل وجود الجنابة فيها أيضا، بل الحكم بوجوب قضائها لا يخلو من قوة، فإذا احتمل انه قد نسي الغسل مع الأيام الثلاثة المتيقنة ثلاثة أيام أخرى لزمه قضاء ستة أيام.

(الصورة الرابعة): ان يعلم الرجل بأيام معينة من الشهر كان ناسيا لغسل الجنابة فيها، و يعلم أيضا ان معها أياما غيرها قد نسي الغسل فيها كذلك و لكنه لا يعلم بعددها على نحو القطع.

(الصورة الخامسة): ان لا يعلم المكلف شيئا عن جنابته لا عن ابتداء وقوعها و لا عن وقت نهايتها و لا عن أثنائها، و الظاهر ان الحكم في كلتا الصورتين الرابعة و الخامسة هو وجوب قضاء المقدار الذي يتيقن ببطلان الصوم فيه من الأيام و هو العدد الأقل، و ان كان الأحوط للمكلف استحبابا قضاء العدد الأكثر.

المسألة 68:

إذا كان الصائم المجنب عالما بعدد أيام جنابته في أول الأمر ثم نسي عددها بعد ذلك و شك فيه بين الأقل و الأكثر، فالأحوط له استحبابا قضاء العدد الأكثر مما يحتمله في جميع الصور التي تقدم ذكرها، و لكن الأقوى فيها هو ما ذكرناه من التفصيل.

و كذلك الحكم في قضاء الصلوات التي صلاها في تلك الأيام التي نسي فيها غسل الجنابة، فتجري فيها الصور التي تقدم ذكرها في المسألة المتقدمة و تنطبق أحكامها في قضاء الصلوات سواء بسواء.

32

و مثله ما إذا نسي المكلف غسل غير الجنابة من الأحداث التي يشترط في صحة الصلاة أن يغتسل منها، كغسل مس الميت و نحوه، فإذا نسي المكلف بعض هذه الأغسال و صلّى، ثم اغتسل من حدثه بعد ذلك، و شك في عدد الصلوات التي صلاها في أيام حدثه و قبل أن يغتسل منه، فتجري الصور المذكورة، و أحكامها في قضاء تلك الصلوات.

المسألة 69:

إذا علم المكلف بأنه كان جنبا، و شك في أنه اغتسل من جنابته تلك أو لم يغتسل منها، فهو مجنب يجب عليه الغسل، فإذا ترك الغسل متعمدا، و بقي على جنابته المستصحبة حتى أصبح بطل صومه إذا كان صائما و لزمه القضاء و الكفارة، و جرى فيه جميع الأحكام التي ذكرناها للجنابة المعلومة.

المسألة 70:

إذا أجنب المكلف ليلا و أراد أن يغتسل من جنابته لصوم واجب عليه، فان كان في آخر الوقت صح له أن ينوي في غسله الوجوب، و إذا أراد الغسل من الجنابة للصوم قبل آخر الوقت لم يقصد بغسله الوجوب على الأحوط، بل يأتي به بقصد القربة، و إذا أتى به بقصد القربة كفاه في صحة صومه، و كفاه للصلاة به إذا طلع عليه الفجر و دخل وقت الصلاة و لم ينقضه بحدث.

المسألة 71:

إذا كان المجنب فاقدا للماء و التراب اللذين يتطهر بهما من حدث الجنابة و كان في شهر رمضان أو في صوم واجب معين غيره، نوى الصوم و ان كان مجنبا و صح صومه لوجود العذر، و كذلك الحكم في المرأة الحائض و النفساء إذا فقدتا الماء و التراب فيصح صومهما مع الحدث لوجود العذر.

و إذا اتفق مثل ذلك للمجنب أو للحائض أو للنفساء في قضاء شهر رمضان أو في صوم واجب غير معين سواه ففي صحة صومهم إشكال.

المسألة 72:

يجوز للمكلف إذا مس الميت ليلا في شهر رمضان ان يؤخر غسل مس الميت عامدا حتى يصبح، و لا يضر ذلك بصحة صومه، و لا يضر صومه ان يمس الميت نهارا، و كذلك الحكم في غير شهر رمضان من الصوم الواجب أو المندوب سواء كان معينا أم غير معين.

33

المسألة 73:

إذا ظنّ المكلف أن في الوقت سعة يتمكن فيه من أن يجامع مختارا و يغتسل قبل طلوع الفجر، فجامع أهله باختياره ثم تبين له بعد الجماع ان الوقت ضيق لا يتسع لفعله، فان كان قد راعى الوقت قبل الفعل فحصل له الظن ثم انكشف له الخطأ، صح صومه، و ان فعل ذلك من غير مراعاة للوقت وجب عليه قضاء الصوم.

و إذا تمكن في هذا الفرض من التيمم قبل أن يطلع الفجر وجب عليه التيمم، فإذا تيمم قبل الفجر صح صومه و لم يجب عليه القضاء، و إذا أمكن له التيمم و تركه عامدا حتى طلع الفجر بطل صومه و لزمه القضاء و الكفارة كما سبق في المسألة الحادية و الخمسين.

(السادس من المفطرات: تعمد الكذب على الله أو على رسوله (ص) أو على الأئمة الطاهرين (ع).

المسألة 74:

تعمد المكلّف أن يكذب على الله سبحانه أو على الرسول (ص) أو على أحد الأئمة المعصومين (ع) من المفطرات على الأحوط، و كذلك تعمد الكذب على بقية الأنبياء و أوصيائهم و على الزهراء (ع) إذا رجع الكذب عليهم الى الكذب على الله، و الأحوط الإلحاق به في الحكم مطلقا و ان لم يرجع اليه.

و لا فرق في الكذب عليهم بين أن يكون ما نقله المكلف عنهم خبرا يتعلق بأمور الدين أو خبرا يتعلق بأمور الدنيا، و من الكذب ما إذا أفتى كاذبا و أخبر بفتواه عن الله (تعالى)، و من الكذب ما إذا وضع الخبر غيره من الناس، و أسنده هو في نقله الى الله أو الى احد المعصومين (ع) و هو يعلم بأن الخبر موضوع كاذب، و لا فرق بين ان يكون الكذب منه بالقول أو الكتابة، بل بكل ما يصدق معه الكذب عليهم، من إشارة أو كناية أو غيرها.

و من الأمثلة لذلك أن يسأله سائل: هل قال الرسول أو الإمام هذا القول؟

و الخبر المسؤول عنه صادق صحيح، فيقول: لا، أو يشير إشارة أو يكني كناية تدل على أن المعصوم (ع) لم يقل ذلك، و ان يسأله أحد عن خبر موضوع كاذب: هل قاله المعصوم (ع)؟ فيقول: نعم، أو يشير إشارة أو يكني كناية تدل على ان المعصوم قد قال ذلك، فيكون قوله أو إشارته أو كنايته كذبا متعمدا على الرسول‌

34

الرسول أو الامام و يبطل بها صومه إذا كان صائما.

و من الأمثلة لذلك: أن ينقل له ناقل قولا صادقا عن الرسول (ص) أو عن الامام فيكذّبه و يقول: ان المعصوم لم يقل هذا القول، و ان ينقل له قولا كاذبا عن أحدهما، فيقول: ان المعصوم قال ذلك، فيكون كاذبا و يبطل بذلك صومه، و كذلك إذا أخبر هو بالقول الصادق عنهم ثم كذّبه، أو أخبر ليلا بالقول الكاذب، ثم صدّقه نهارا و هو صائم.

المسألة 75:

إذا تعمد الصائم الكذب على الله أو على أحد المعصومين (ع) ببعض الوجوه التي بيّناها بطل صومه، و ان تاب بعد ذلك من كذبه، و استغفر، أو رجع عن كذبه بلا فصل، فان ذلك كله لا يوجب صحة صومه بعد بطلانه.

المسألة 76:

إذا قصد الصائم الصدق في اخباره، ثم علم بعد ذلك ان الخبر الذي نقله كاذب لم يبطل صومه بنقل ذلك الخبر، و إذا قصد الكذب في الحديث و أخبر به بهذه النية، ثم علم بعد نقله ان الخبر الذي نقله صادق غير كاذب، بطل صومه إذا كان يعلم بأن الكذب على الله من المفطرات، فإنه نوى الإتيان بالمفطر فلم تستمر منه نية الصوم، و إذا اضطر الى الكذب على الله أو على الرسول (ص) للتقية من ظالم لم يبطل صومه بذلك على الأقوى.

المسألة 77:

إذا نقل الصائم الخبر الكاذب هازلا في اخباره به فلم يقصد معنى الخبر الذي نقله، أو لم يقصد أنه مطابق للواقع أو أخبر به على نحو الهزء بمضمونه، أو أراد التبكيت بواضعة لم يبطل صومه بذلك.

المسألة 78:

إذا تعمد الصائم الكذب على العلماء من أهل الفتيا أو على رواة الحديث، فان كان المقصود له من ذلك الكذب على الله أو على المعصومين كان مبطلا للصوم، و ان لم يقصد به ذلك لم يبطل به صومه و ان كان حراما يوجب الإثم.

المسألة 79:

إنما يبطل صوم الصائم بالكذب على الله سبحانه أو على الرسول (ص) أو على بعض المعصومين (ع) إذا ارتكبه المكلف متعمدا لذلك، و لا يضرّ بالصوم إذا‌

35

فعله المكلف ساهيا أو صدر منه عن جهل مركب، و قد ذكرنا هذا في المسألة السادسة و السبعين.

المسألة 80:

الأخبار المودعة في الكتب من جوامع الحديث و غيرها انما يجوز الاخبار بها إذا كانت معلومة الثبوت، أو قامت على ثبوتها حجة شرعية معتبرة، و لا يجوز الاخبار بما لم يعلم ثبوته منها و لم تقم عليه حجة شرعية ثابتة، إلا إذا كان الاخبار به على سبيل النقل و الحكاية عن الكتاب، أو عن راوي القول، لا عن المعصوم المروي عنه.

(السابع من المفطرات: الارتماس في الماء).

المسألة 81:

ارتماس الصائم في الماء من المفطرات على الأحوط، و المراد به هنا رمس الإنسان رأسه،- و هو ما فوق الرقبة- سواء رمسه مع بقية بدنه، أم رمس رأسه وحده، و المفطر من الرمس هو ان يكون جميع الرأس في الماء في وقت واحد، و ان كان ذلك الوقت قليلا، و لا يبطل الصوم ان يغمس الصائم اجزاء رأسه في الماء جزءا بعد جزء على التعاقب، و ان استوعب الجميع، إذا لم تجتمع أجزاء الرأس كلها في الماء في وقت واحد، و لا يضر بصحة الصوم أن يغمس المنافذ من الرأس وحدها في الماء، فيغمس عينيه و أنفه و أذنيه في الماء و تكون منابت الشعر من الرأس خارجة منه.

المسألة 82:

إذا رمس الصائم رأسه كله في الماء حتى اجتمعت جميع أجزائه فيه بطل صومه و ان كان شعره في خارج الماء، كما إذا كان شعر الرأس طويلا فلم يدخله مع بشرة الرأس و المنافذ و المنابت في الماء، أو كانت رقبته في خارج الماء، كما إذا طأطأ رأسه في الحوض أو في الإناء المملوء فغمسه فيه و لم يدخل الرقبة معه.

المسألة 83:

لا يضر بصحة صوم الصائم أن يرتمس في الماء المضاف، أو في غير الماء من المائعات، و ان كان الأحوط له استحبابا أن يجتنب ذلك و خصوصا الارتماس في الماء المضاف.

36

المسألة 84:

يشكل الحكم بصحة صوم الصائم إذا طلى رأسه بالحنّاء مثلا أو بطين الرأس أو بشي‌ء آخر يمنع من وصول الماء إلى البشرة ثم رمسه كذلك في الماء، فلا يترك الاحتياط باجتناب الارتماس في مثل هذه الصور، و بقضاء الصوم إذا رمس الصائم رأسه كذلك.

المسألة 85:

لا يضر بصحة صوم الصائم أن يفيض الماء على رأسه بإناء أو غيره، و ان كان الماء كثيرا يغمر جميع الرأس في وقت واحد، إلا إذا صدق عليه الرمس في الماء عرفا، كما إذا رمس الصائم رأسه في شلال ينحدر ماؤه أو في نهر منصب من الأعلى، و أمثال ذلك من المياه المنحدرة من الأعلى بكثرة و قوة، فإذا رمس رأسه في مثل هذه الفروض بطل صومه على الأحوط.

المسألة 86:

إذا علم الصائم ان أحد هذين المائعين الموجودين لديه ماء مطلق و الثاني ماء مضاف مثلا، حرم عليه الارتماس في أي واحد منهما، و إذا ارتمس في كلا المائعين بطل صومه و وجب عليه قضاؤه، و كذلك إذا ارتمس في أحدهما فقط، فلا يبعد وجوب القضاء عليه أيضا.

المسألة 87:

انما يكون رمس الرأس في الماء من المفطرات للصائم إذا وقع ذلك منه عامدا، فلا يضر بصومه إذا ارتمس في الماء ساهيا أو ناسيا أو على غير اختيار منه، كما إذا وقع الرجل في النهر فانغمس فيه على غير إرادة منه، و كما إذا دفعه أحد في حوض الماء أو في النهر، فانغمس فيه مقسورا من غير اختيار منه، فلا يبطل صوم الصائم في هذه الفروض و ما أشبهها.

المسألة 88:

إذا ألقى الصائم بنفسه في الماء، و هو يحسب ان ذلك لا يوجب له الارتماس في الماء فارتمس فيه مقهورا من غير قصد، فان كان فعل ذلك مع الاطمئنان بعدم حصول الارتماس بإلقاء نفسه، لم يبطل صومه، و ان ألقى نفسه و هو غير مطمئن بذلك أشكل الحكم بعدم بطلانه، فلا يترك الاحتياط في هذا الفرض بأن يتم صومه ثم يقضيه بعد ذلك.

37

المسألة 89:

إذا ارتمس الصائم في الماء ساهيا أو ناسيا أو مقهورا على الارتماس من غيره، ثم ارتفع عنه العذر و هو مرتمس وجب عليه ان يبادر فيخرج رأسه من الماء، فان هو تباطأ و لم يبادر في إخراج رأسه مع قدرته على المبادرة فيه بطل صومه و وجب عليه قضاء الصوم.

المسألة 90:

إذا أكره الصائم مكره على أن يرتمس في الماء فارتمس فيه مكرها بطل صومه بالارتماس و ان كان غير آثم بفعله لأنه مكره عليه، فيجب عليه قضاء الصوم، و كذلك إذا وجب عليه الارتماس في الماء لإنقاذ غريق محترم النفس، فيبطل صومه للارتماس و يجب عليه قضاء الصوم و ان كان الارتماس واجبا عليه للإنقاذ.

المسألة 91:

إذا ارتمس الصائم في الماء ليؤدي أحد الأغسال الشرعية، فللمسألة صور مختلفة و لكل صورة منها حكمها كما سيأتي:

(الصورة الأولى): أن يكون الصوم الذي ارتمس المكلف في أثنائه واجبا معينا عليه كشهر رمضان و كالمنذور المعين، و أن يكون المكلف متذكرا لصومه حين ما ارتمس في الماء، و أن يكون متعمدا في ارتماسه، فيبطل صومه في هذه الصورة و يبطل غسله و يجب عليه قضاء الصوم.

(الصورة الثانية): أن يكون الصوم واجبا معينا على المكلف كما في الصورة الأولى، و ان يكون المكلف ناسيا لصومه حين ما ارتمس في الماء، و أن يكون متعمدا في ارتماسه، فيصح صومه و يصح غسله كلاهما معا في هذه الصورة.

(الصورة الثالثة): أن يكون الصوم واجبا غير معين على المكلف، كقضاء شهر رمضان و كالنذر المطلق، و أن يكون المكلف متذكرا لصومه حين ما ارتمس في الماء و أن يكون متعمدا في ارتماسه، فيبطل صومه، و يصح غسله.

(الصورة الرابعة): أن يكون الصوم واجبا غير معين على المكلف كما في الصورة الثالثة، و ان يكون المكلف ناسيا لصومه حين ما ارتمس في الماء، و ان يكون متعمدا في ارتماسه، فيصح صومه و يصح غسله كلاهما.

و كذلك الحكم و التفصيل إذا كان الصوم مندوبا، فإذا كان المكلف متذكرا لصومه و متعمدا في ارتماسه بطل صومه و صح غسله كما في الصورة الثالثة، و إذا‌

38

كان ناسيا لصومه و متعمدا في ارتماسه، صح صومه و صح غسله كلاهما كما في الصورة الرابعة.

و لا فرق في الحكم بين أن يكون ارتماسه لغسل واجب و غسل مندوب، و لا يأتي في المسألة فرض أن يكون المكلف غير متعمد للارتماس، لان المفروض في المسألة ان المكلف قد ارتمس لأحد الأغسال و لذلك فلا بد و ان يكون متعمدا و قاصدا للارتماس.

المسألة 92:

إذا وجب على الصائم أن يغتسل أحد الأغسال لجنابة أو غيرها، و لم يمكنه امتثال الأمر به الا بأن يأتي به بنحو الارتماس، فان كان صومه واجبا معينا عليه كشهر رمضان و النذر المعيّن فهو معذور شرعا عن الطهارة المائية، فلا يجب عليه الغسل و يلزمه الإتيان بالتيمم بدلا عنه، و ان كان صومه واجبا غير معيّن أو كان مستحبا وجب عليه أن يغتسل مرتمسا، و يكون تكليفه هذا بالارتماس مبطلا لصومه.

المسألة 93:

إذا ارتمس الصائم في الماء و كان ذلك في صيام قضاء شهر رمضان عند تضيق وقت القضاء بمجي‌ء شهر رمضان المقبل أو في الصيام الواجب المعين سواء كان نذرا أم غيره، فيجب على المكلف قضاء صوم ذلك اليوم كما تقدم في مطلق الصوم، و يلزمه على الأحوط مضافا الى ذلك إتمام صيام ذلك اليوم، و يلزمه دفع الفدية عن صيام القضاء بعد الإتيان.

و اما شهر رمضان نفسه فلا بد فيه من إتمام صيام اليوم منه إذا تناول فيه احد المفطّرات، من غير فرق بين الارتماس و غيره، مضافا إلى وجوب القضاء عليه.

(الثامن من المفطرات: ان يدخل الصائم الغبار الغليظ إلى جوفه عامدا).

المسألة 94:

إذا تعمد الصائم أن يوصل الغبار الغليظ إلى جوفه فسد صومه، بل و غير الغليظ منه على الأحوط، الا ما يعسر الاحتراز منه، فلا يكون وصوله الى الجوف مضرا بصحة الصوم، كما إذا انعقد الغبار و تلبد به الجوّ، و لم يمكن التحفظ منه، أو كان التحفظ منه عسرا شاقا.

39

و لا يضر بصحة الصوم ما يدخل من الغبار الى الجوف غفلة أو نسيانا أو قهرا على المكلف بغير ارادة منه، و يلزم الصائم التحفظ من دخوله الى جوفه مع الإمكان على الأحوط، الا مع الاطمئنان بعدم الوصول.

المسألة 95:

يلحق بالغبار الغليظ في حكمه المذكور البخار الغليظ الذي يوجب رطوبة ما يلاقيه، فإذا تعمد الصائم إيصاله إلى جوفه فسد صومه، و كذلك دخان التتن و نحوه فلا يجوز للصائم إدخاله إلى جوفه عامدا.

(التاسع من المفطرات: التقيؤ عامدا).

المسألة 96:

إذا تقيأ الصائم متعمدا في فعل ذلك بطل صومه و ان كان تقيؤه لضرورة أوجبت له ذلك من مرض و شبهه، و لا يقدح في صحة صومه أن يتقيأ ساهيا أو ناسيا أو يغلب عليه القي‌ء من غير اختيار منه.

و المبطل منه للصوم ما يعدّ في العرف قيئا، فلا يضر بصوم الصائم إخراج النواة و أشباهها إذا انزلقت الى حلقه من غير ارادة، و لا إخراج الذبابة و أمثالها من الحشرات إذا دخلت في حلقه فأن ذلك كله لا يعدّ من القي‌ء في نظر أهل العرف.

المسألة 97:

إذا تجشّأ الصائم فخرج بالتجشّؤ من جوفه شي‌ء من الطعام أو غيره من غير اختيار لم يضرّ خروج ذلك بصحة صومه، و يجب عليه التحفظ كيلا يرجع ما خرج منه الى جوفه، و يحرم عليه أن يبتلعه أو يبتلع شيئا منه إذا وصل الى الفم، فإذا ابتلعه الصائم عامدا بعد خروجه و وصوله الى الفم بطل صومه و وجب عليه القضاء و الكفارة، بل تلزمه كفارة الإفطار على المحرم و هي كفارة الجمع على الأحوط، و لا يضر بصوم الصائم ما خرج منه بالتجشؤ إذا رجع الى جوفه من غير اختيار، فلا يجب عليه قضاء و لا غيره.

المسألة 98:

إذا علم الصائم بأنه متى تجشّأ خرج معه القي‌ء من جوفه لم يجز له أن يتجشّأ عامدا، و لا يجوز له كذلك أن يتجشّأ اختيارا إذا أوجب له ترددا في استمراره على نية الصوم، و مثال ذلك أن يقصد التجشّؤ و ان صحبه القي‌ء، فلا يجوز له ذلك،

40

و إذا تجشّأ فسد صومه و ان لم يخرج معه قي‌ء لعدم استمراره على نية الصوم، و يجوز له التجشّؤ في ما عدا ذلك.

المسألة 99:

يحرم ابتلاع الذّباب و نحوه من الحشرات على المكلف، سواء كان صائما أم غير صائم، فإذا دخلت ذبابة في حلق الإنسان، وجب عليه أن يخرجها مع الإمكان، و قد قلنا آنفا: إن إخراجها من الحلق إذا دخلت اليه لا يعدّ من القي‌ء عرفا، فلا يكون مضرا بصومه إذا كان صائما.

و إذا دخلت الذبابة أو الحشرة في حلق الصائم و لم يمكن إخراجها من جوفه الا بالتقيؤ حرم عليه التقيؤ إذا كان في شهر رمضان و نحوه من الصيام الذي يعلم أو يحتمل أن المحافظة على صحته أكثر أهمية و أشد في الإسلام من هذا الواجب الآخر.

(العاشر من المفطرات: الاحتقان بالمائع).

المسألة 100:

إذا احتقن الصائم بشي‌ء من المائعات بطل صومه، و ان كان بماء خالص، أو كان الرجل مضطرا الى الاحتقان لمرض و نحوه، فيبطل صومه و يجب عليه قضاؤه إذا كان الصوم مما يقضى، و ان لم يأثم بفعله إذا كان مضطرا اليه، و الأقوى بطلان الصوم مع صدق الحقنة بالمائع و ان لم يصل المائع إلى الجوف، بل كان بمجرد الدخول في الدبر.

المسألة 101:

لا يضر بصحة الصوم ان يحتقن الصائم بشي‌ء من الجامدات و ان ذاب بعد دخوله بسبب حرارة الجسد، و لا يضرّ بصحة الصوم ان يحتقن بما يشك في كونه جامدا أو مائعا.

[مسائل]

المسألة 102:

لا يبطل صوم الصائم بتناول شي‌ء من المفطّرات الآنف ذكرها جميعا، إلا إذا كان عامدا في تناوله، ما عدا المفطر الخامس منها، و هو البقاء على الجنابة حتى يصبح، فلا يضرّ بصحة صوم الصائم أن يتناول شيئا من المفطرات التسعة الأخرى إذا كان ساهيا عند تناوله أو غافلا أو مقهورا على الفعل من دون اختيار منه، و قد ذكرنا هذا في المسألة الثلاثين و ما بعدها، و يبطل بها صوم الصائم إذا اتى‌

41

بشي‌ء منها عامدا، و ان كان مكرها على فعله من أحد أو مضطرا الى تناوله، نعم، يرتفع عنه الإثم و العصيان بسبب الإكراه و الاضطرار و قد تكرر ذكر هذا.

و اما البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر فقد فصلنا الحكم فيه في البحث عن المفطر الخامس فليرجع اليه من يشاء.

المسألة 103:

إذا تناول الصائم بعض المفطرات و هو جاهل بالحكم ففي ذلك صورتان يختلف الحكم فيهما.

(الصورة الأولى): أن يكون المكلف في حال أخذه للمفطر جاهلا يحسب ان تناول ذلك الشي‌ء مما يجوز له شرعا فلا يبطل صومه بتناوله للمفطّر في هذه الصورة و لا يجب عليه القضاء و لا الكفارة، سواء كان جاهلا قاصرا أم مقصرا، و يكون آثما بفعله إذا تناوله كذلك و كان جهله عن تقصير، و الأحوط له استحبابا قضاء الصوم في كلا الفرضين، إذا كان الصوم مما يقضى، و الاحتياط في الجاهل المقصر أشد تأكدا.

(الصورة الثانية): ان يكون المكلف حين تناول المفطر جاهلا مترددا في حكم تناول الصائم لذلك الشي‌ء، و حكمه في هذه الصورة حكم العامد فيبطل صومه و يلزمه القضاء و الكفارة، و قد سبق منا بيان هذا في المسألة الحادية و الثلاثين، و تقدم في المسألة الثالثة و الثلاثين حكم الإفطار للتقية، و تقدمت في غضون ذلك المبحث مسائل تتعلق بالمقام، فليرجع إليها من يريد.

المسألة 104:

إذا نسي المكلف أنه صائم فوضع اللقمة في فمه ليأكلها أو أخذ الجرعة من الماء ليشربها، ثم تذكر أنه صائم وجب عليه أن يخرجها من فمه، و إذا ابتلعها عامدا بعد تذكره للصوم بطل صومه و لزمه القضاء و الكفارة، و كذلك الحكم إذا اعتقد ان الليل لا يزال باقيا فوضع اللقمة من الطعام أو الجرعة من الماء في فمه، ثم علم بطلوع الفجر، فيجب عليه إخراج ما في فمه و يحرم عليه ابتلاعه.

المسألة 105:

إذا غلب العطش على الصائم حتى خشي منه الضرر، أو لزم من الصّبر عليه الحرج الشديد، جاز له أن يشرب من الماء مقدار ما يندفع به الضرر و يرتفع به الحرج، و لا إثم عليه في ذلك، و يبطل به صومه، فيجب عليه قضاء صوم ذلك‌

42

اليوم، و إذا كان في شهر رمضان وجب عليه أن يمسك عن المفطرات في بقية نهاره حتى عن تناول الماء بالمقدار الذي يزيد عن الضرورة و ما يرتفع به الحرج، و لا يجب ذلك في غير شهر رمضان و ان كان واجبا معينا.

المسألة 106:

لا يجوز للمكلّف إذا كان صائما صوما واجبا معينا عليه أن يذهب مختارا إلى موضع يعلم بأنه يكره فيه على الإفطار في صومه، أو يضطر إليه اضطرارا أو يقسره عليه أحد اقتسارا، و إذا ذهب مختارا إلى ذلك الموضع، فاضطر فيه الى تناول المفطّر- و لو بنحو القسر عليه- بطل صومه على الأحوط، بل الأحوط بطلان صومه بمجرد قصده الى ذلك الموضع إذا كان يعلم أو يطمئن بحصول الإفطار فيه متى وصل اليه، لعدم استمراره على نية الصوم.

المسألة 107:

لا يجوز للصائم أن يبتلع ريقه إذا امتزج بريقه دم أو غيره من المحرمات أو المحلّلات المفطرة، الا أن يستهلك ذلك الخليط في الريق، حتى يصدق في العرف أنه انما يبتلع ريقه وحده و لا يجوز له ان يتعمد مزج ذلك الخليط بريقه اختيارا حتى يستهلكه ليبتلعه، من غير فرق بين المحرّمات و المحلّلات المفطرة.

المسألة 108:

الوقت الذي يكون فيه الصوم هو النهار، و أوله طلوع الفجر الثاني الصادق، و آخره دخول الليل، و هو ذهاب الحمرة المشرقية من تمام ربع الفلك من طرف المشرق على الأقوى، فإذا استقبل الإنسان نقطة الجنوب و نظر الى جهة المشرق لم يجد أثرا للحمرة من مشرق الشمس إلى قمة رأسه.

و لا يضم الى النهار جزء من الليل، نعم لا بد للمكلّف من الإمساك عن المفطرات في جزء من الليل قبل طلوع الفجر، و في جزء من الليل بعد النهار ليحصل له العلم بأنه قد أمسك عن المفطرات في جميع أجزاء النهار و آناته و يستيقن بامتثال الأمر بالصوم الواجب.

المسألة 109:

لا يجوز للصائم أن يتناول شيئا من المفطرات حتى يعلم بدخول الليل، و يصح له ان يعتمد في دخول وقت الإفطار على إخبار بينة عادلة بأن الوقت قد دخل، و يصح له ان يعتمد في ذلك على أذان المؤذن الثقة العارف بالوقت.

43

و يصح له ان يعتمد فيه على الظن الذي يحصل له بالنظر و المراعاة للوقت، و هذا إذا كان في السماء غيم يمنع من الرؤية و من حصول العلم بالوقت، و لا يكتفى بالظن في غير هذه الصورة، و ان كانت في السماء علة أخرى تمنع الرؤية غير الغيم من قتام أو ضباب و شبههما، و لا يكتفى بالظن الذي يحصل للمكلف من غير النظر و المراعاة في صورة وجود الغيم على الأحوط.

فإذا أفطر الصائم و هو شاك في دخول الوقت و عدمه لزمه قضاء صوم ذلك اليوم مع الكفارة، إلّا إذا حصل له العلم بعد ذلك بان الوقت قد دخل عند إفطاره، أو يكون قد اعتمد على إخبار البينة أو على أذان الثقة العارف بالوقت، و ان لم يوجبا له قطعا و لا ظنا بالوقت، فلا يجب عليه القضاء و الكفارة في هذه الفروض.

و إذا أفطر اعتمادا على الظن في غير الصورة التي ذكرناها وجب عليه القضاء و الكفارة.

المسألة 110:

يجوز للمكلف أن يتناول المفطرات في آخر الليل حتى يعلم بطلوع الفجر الثاني، أو تشهد البينة العادلة بطلوعه، أو يسمع أذان المؤذن الثقة العارف بالوقت.

و إذا تناول المكلف بعض المفطرات و هو شاك في طلوع الفجر فلا شي‌ء عليه بذلك إذا لم يستبن له بعد ذلك طلوع الفجر و لا عدمه عند تناوله.

و إذا شهدت البينة العادلة بطلوع الفجر، أو سمع المكلف أذان المؤذن الثقة، فلم يعتمد على ذلك و تناول المفطر وجب عليه القضاء و الكفارة، و ان لم يتضح له بعد ذلك أنه أكل أو شرب بعد الفجر أو قبله.

المسألة 111:

لا يكتفى بخبر العادل الواحد إذا أخبر بدخول وقت الإفطار و لا بطلوع الفجر و لا ببقاء الليل، فإذا أخبر العادل الواحد مكلفا صائما بأن وقت الإفطار قد دخل لم يجز للصائم أن يفطر من صومه اعتمادا على خبره، بل و يشكل جواز تقليده في ذلك و ان كان المقلد أعمى لا يبصر أو محبوسا لا يمكنه الخروج لرؤية الوقت.

و إذا أفطر الصائم اعتمادا على خبر العادل بدخول الوقت وجب عليه القضاء و الكفارة عن ذلك اليوم إلا إذا أفاده قوله العلم بدخول الليل، أو ظهر له‌

44

بعد إفطاره أن قول ذلك العادل مطابق للواقع و أنه قد تناول المفطّر بعد دخول الليل، فيسقط عنه وجوب القضاء و الكفارة بعد وضوح الأمر.

المسألة 112:

إذا أخبر العادل الواحد بأن الفجر قد طلع و لم يحصل للصائم القطع بذلك من قوله، لم يحرم على الصائم أن يتناول المفطر بعد اخباره.

و إذا أنباه العادل بطلوع الفجر فلم يعول على خبره- كما قلنا- و تناول المفطّر بعد خبره، ثم ظهر له بعد ذلك أن المخبر صادق في قوله و أن الفجر كان طالعا حين ما تناول المفطر، فان كان قد راعى الوقت بنفسه قبل تناوله و لم يظهر له شي‌ء فلا إثم عليه بتناول المفطر، و لا قضاء للصوم، و ان تناول المفطر من غير مراعاة و لا نظر في الوقت لزمه قضاء الصوم، و هذا الحكم ثابت في نفسه و سيأتي تفصيله- ان شاء الله تعالى-، و لا مدخل لخبر العادل فيه، و قد مر ذكر بعض الفروض المشابهة له، و إذا أخبره العادل بطلوع الفجر و أفاده قول المخبر علما بطلوعه، حرم عليه أن يتناول شيئا مفطرا لأنه قد علم بالوقت، و ليس لإخبار العادل به.

المسألة 113:

تكره للصائم عدة أمور:

(1): أن يباشر زوجته أو أمته بمداعبة أو بتقبيل أو لمس بشهوة أو تفخيذ، أو ما يشبه ذلك، و هذا إذا كان واثقا من نفسه بأنه لا يغلب على أمره فيسبقه نزول المني منه بسبب هذه الافعال.

و إذا قصد إنزال المني بهذه المباشرة فسد صومه و ان لم ينزل منه شي‌ء بالفعل، لأنه نوى المفطر فلم تستمر منه نية الصوم، و إذا كان من عادته ان يحصل منه الإنزال بمباشرة المرأة بمثل ذلك حرمت عليه المباشرة على الأحوط إذا كان الصوم واجبا معينا، و في قضاء شهر رمضان بعد الزوال، و كذلك إذا أوجب ذلك ترددا في نية الصوم و قد سبق ذكر كل هذا مفصلا.

(2): يكره للصائم ان يكتحل بكحل يحتوي على مسك أو صبر، أو يكتحل بشي‌ء غيرهما مما يصل طعمه أو ريحه الى الحلق.

(3): يكره له أن يتناول سعوطا، و السعوط هو المائع الذي يصب في الأنف، و المكروه منه ما لا يعلم بوصوله الى الحلق، و اما ما يعلم بأنه يصل الى الحلق‌

45

فالأقوى تحريمه.

(4): يكره له أن يشم النرجس و الرياحين، و المراد بالرياحين كل نبات طيب الرائحة سواء كان من النبات نفسه أم من الأزهار.

(5): يكره له أن يحتقن بالجامد.

(6): يكره له أن يخرج من بدنه دما يوجب خروجه له الضعف، سواء كان إخراجه بفصد أم بحجامة أم بغيرهما و إذا علم ان ذلك يسبب له الإغماء كان حراما.

(7): يكره له أن يقلع ضرسه أو يدمي فمه و لو بسواك و شبهه.

(8): يكره له أن يدخل الحمام إذا خشي من دخوله الضعف.

(9): يكره له أن يبلّ الثوب على جسده، أو يلبس ثوبا مبلولا.

(10): يكره له أن يستاك بعود رطب.

(11): يكره للمرأة الصائمة أن تجلس في الماء.

(12): يكره له أن ينشد شعرا و هو صائم، سواء كان في شهر رمضان أم في غيره من أقسام الصوم، و يكره له أن ينشد الشعر في شهر رمضان و ان أنشده في الليل أو أنشده و هو غير صائم لبعض مسقطات الصوم، و كذلك الحكم في المرأة، و يستثنى من الشعر ما كان في مدح الرسول (ص)، و المعصومين (ع) و رثائهم، بل مطلق ما كان حقا كالدعاء و المناجاة و الموعظة و الحكمة و غيرها من الشعر الحق، فلا كراهة في إنشاده، بل قد يكون من العبادات المحبوبة التي توجب القرب الى الله.

(13): يكره للصائم ان يأتي شيئا من مكروهات الأعمال و الأخلاق و الآداب النفسانية، فإنها في حال الصوم و في شهر رمضان للصائم و غير الصائم تكون أشد كراهة منها في سائر الأحوال و الأوقات، كما ان المحرمات تكون فيهما أشد حرمة منها في بقية الأحوال و الأزمان‌

46

الفصل الثالث في الكفارات

المسألة 114:

إذا تناول الصائم بعض المفطّرات التي ذكرناها في الفصل الثاني و كان متعمدا في فعله، غير ساه و لا ناس للحكم و لا الموضوع، و لا مكره من أحد على تناول المفطّر و لا مجبر عليه، وجبت عليه الكفارة إذا كان صومه من الأنواع التي تجب الكفارة إذا أفسدها، و سيأتي ذكر هذه الأنواع في المسألة الآتية.

و وجوب الكفارة عند إفسادها شامل لجميع المفطرات التي تقدم ذكرها، حتى الاحتقان بالمائع على الأقوى و حتى الارتماس في الماء، و القي‌ء، و الكذب على الله و على رسوله و على المعصومين على الأحوط.

و اما نوم الصائم على الجنابة حتى يصبح فقد فصّلنا الحكم فيه في المسألة الحادية و الستين و ما بعدها، فلتراجع، و قد ذكرنا في المسألة الحادية و الثلاثين و المسألة المائة و الثالثة حكم من ارتكب بعض المفطرات جاهلا قاصرا أو مقصرا، و حسبنا هنا هذه الإشارة إلى تلك الموارد.

المسألة 115:

تجب الكفارة على الصائم إذا تناول مفطرا فأفسد صومه متعمدا كما قلنا في المسألة السابقة في أربعة أنواع من الصوم:

(1): صوم شهر رمضان، إذا أفطر فيه في أي جزء من أجزاء النهار.

(2): صوم قضاء شهر رمضان إذا أفطر فيه بعد زوال الشمس من النهار.

(3): الصوم المنذور إذا كان وقته معينا في أصل النذر.

(4): صوم الاعتكاف.

المسألة 116:

إذا أفطر الصائم يوما من أيام شهر رمضان متعمدا و لا عذر له في إفطاره، و كان إفطاره بتناول مفطر محلّل في شريعة الإسلام وجب عليه على نحو التخيير اما أن يعتق رقبة، و اما أن يصوم شهرين متتابعين، و اما أن يطعم ستين مسكينا، أو يدفع لكل واحد منهم مدا واحدا من الطعام.

و إذا أفطر يوما من الشهر و كان إفطاره بتناول مفطر محرّم في الإسلام وجب‌

47

عليه- على الأحوط- ان يدفع عن صومه كفارة الجمع، فيدفع الخصال الثلاث المذكورة جميعا، فيعتق رقبة و يصوم شهرين متتابعين و يطعم ستين مسكينا.

المسألة 117:

إذا أفطر المكلف الصائم في قضاء شهر رمضان متعمدا في فعله، و كان إفطاره بعد زوال الشمس من النهار، وجب عليه معيّنا ان يطعم عشرة مساكين أو يدفع لكل مسكين منهم مدا واحدا من الطعام كما تقدم، فان هو لم يقدر أن يطعمهم لبعض الأعذار وجب عليه ان يصوم بدلا عن ذلك ثلاثة أيام، و لا يجزيه صومها إذا كان قادرا على إطعام المساكين العشرة.

المسألة 118:

إذا أفطر المكلف متعمدا في صيام نذر معين، وجب عليه ان يدفع كفارة خلف النذر، و هي- على الأقوى- مثل كفارة خلف اليمين، فيجب عليه على- نحو التخيير- اما أن يطعم عشرة مساكين، و اما أن يكسوهم، و اما أن يعتق رقبة، فإن عجز عن الخصال الثلاث، و لم يقدر على الإتيان بواحدة منها، وجب عليه- على وجه التعيين- ان يصوم ثلاثة أيام بدلا عن ذلك.

المسألة 119:

إذا جامع الإنسان زوجته- نهارا- و هو صائم صوم الاعتكاف، وجب عليه أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، أو يدفع لكل مسكين مدا من الطعام، و كان مخيرا بين هذه الخصال الثلاث كما سبق في كفارة الإفطار في شهر رمضان على مفطر محلّل.

و تجب هذه الكفارة أيضا على من جامع زوجته ليلا في أيام اعتكافه، و إذا اعتكف الإنسان في أيام شهر رمضان و جامع زوجته فيه نهارا، وجب عليه أن يجمع بين الكفارتين، فيدفع كفارة الاعتكاف التي ذكرناها و يدفع معها كفارة الإفطار في شهر رمضان، و قد سبق ذكرها في المسألة المائة و السادسة عشرة.

و إذا كان اعتكاف الرجل في صوم آخر من الأنواع التي تجب فيها الكفارة، و جامع فيه نهارا وجب عليه أن يجمع بين كفارة الاعتكاف و كفارة الإفطار في الصوم الذي أفطر فيه، و لا تجب كفارة الاعتكاف على المعتكف بغير الجماع من بقية المفطرات، و يأتي تفصيل الحكم في كتاب الاعتكاف.

48

المسألة 120:

إذا ارتكب الصائم ما يوجب الكفارة في أيام متعددة، وجب عليه أن يأتي بالكفارة بعدد الأيام التي أفسد صومه فيها، سواء كان في شهر رمضان أم في غيره من أنواع الصيام التي تجب فيها الكفارة، و سواء كان المفطّر الذي تعمّد ارتكابه من جنس واحد أم من جنس مختلف، فأكل في اليوم الأول، و شرب في اليوم الثاني، و جامع في اليوم الثالث، و هكذا، و سواء تخلّل منه التكفير بين الأيام التي أفطرها، فأتى بعد كل يوم أفطره بكفارته أم لا، فلا بدّ لكل يوم أفطر فيه من كفارة مستقلة، و لا فرق في الحكم المذكور بين ان تكون الكفارة التي وجبت عليه كفارة مفردة لأنه أفطر على شي‌ء محلل، و أن تكون كفارة جمع، لأنه أفطر بتناول شي‌ء محرّم.

المسألة 121:

إذا فعل الصائم ما يوجب الكفارة أكثر من مرة واحدة في يوم واحد، فتناول المفطّر في يومه مرتين، أو أكثر عامدا، لم تتعدد عليه الكفارة لذلك اليوم الواحد، سواء كان المفطر الذي تناوله من جنس واحد، فأكل في يومه مرتين أو أكثر أم كان من جنس مختلف، فأكل في يومه و شرب و ارتمس، و سواء تخلل منه دفع الكفارة بين تناول المفطّرين أم لا، و هذا هو الحكم في غير الجماع من موجبات الكفارة.

و إذا تكرر الجماع من الصائم في يوم واحد فلا يترك الاحتياط بتعدد الكفارة عليه، فإذا جامع في يومه مرتين كفّر عنهما كفارتين، و إذا جامع ثلاثا كفّر ثلاثا، و لا فرق في لزوم الاحتياط في الحكم المذكور للجماع بين المحلّل منه و المحرم، فإذا تكرر الجماع المحلّل من الصائم في يوم واحد من شهر رمضان وجبت عليه الكفارة المخيّرة بين الخصال الثلاث بعدد ما جامع، سواء كان جماعه لزوجة واحدة أم لأكثر، و سواء تخلل التكفير منه بين الجماعين أم لا.

و إذا تكرر منه الجماع المحرم وجبت عليه كفارة الجمع- على الأحوط- بعدد ما جامع كذلك، و قد تقدم بيان هذه الكفارة في المسألة المائة و السادسة عشرة.

و كذلك الحكم- على الأحوط- إذا تناول في يومه مفطرا غير الجماع، ثم جامع فيه بعد ذلك فتتعدد الكفارة، و مثله ما إذا انعكس الفرض، و إذا تكرر‌

49

الجماع في الصورتين تعددت كفارته، و إذا تكرر المفطّر الآخر لم تجب فيه غير كفارة واحدة.

المسألة 122:

تجب على الصائم كفارة الجمع- على الأحوط- إذا أفطر في شهر رمضان على مفطر محرم، كما قلنا في المسألة المائة و السادسة عشرة، سواء كان المحرم الذي أفطر عليه محرما بالأصالة، كشرب الخمر و أكل اللحم غير المذكّى، و أكل الطعام المغصوب، أم كان محرما بالعارض كجماع الزوجة في أيام حيضها، و أكل ما يضره أكله و أكل لحوم الحيوانات الجلالة و شرب ألبانها.

المسألة 123:

إذا وجبت على الإنسان كفارة مخيرة بين خصال، ككفارة الإفطار في شهر رمضان على مفطر محلّل و كفارة الاعتكاف و تعذر عليه بعض الخصال من الكفارة تخير بين باقي الخصال المقدورة له، فإذا وجبت عليه كفارة الإفطار في شهر رمضان مثلا و تعذر عليه أن يعتق رقبة، تخير بين ان يصوم شهرين متتابعين و ان يطعم ستين مسكينا، و إذا لم تمكن له الا خصلة واحدة منها تعينت عليه تلك الخصلة المقدورة، فيتعين عليه إطعام المساكين إذا لم يقدر على العتق و الصيام.

و كذلك الحكم إذا وجبت على الشخص كفارة واحدة مخيرة من جهة و مرتبة في جهة ككفارة الإفطار في الصوم المنذور المعين و كفارة مخالفة اليمين و قد ذكرناهما في المسألة المائة و الثامنة عشرة، فإذا تعذر عليه بعض خصال التخيير من الكفارة، تخير بين باقي الخصال الممكنة منها، و إذا لم يقدر الا على خصلة واحدة منها تعينت عليه تلك الخصلة و لا ينتقل حكمه الى الخصلة المرتبة عليها إلا إذا عجز عن جميع خصال التخيير و قد بينا هذا في المسألة المشار إليها.

و إذا وجبت على المكلف كفارة الجمع ككفارة الإفطار في شهر رمضان على مفطر محرّم في الشريعة و تعذر عليه أن يأتي ببعض خصالها وجب عليه أن يأتي بالباقي المقدور من الخصال على الأحوط.

المسألة 124:

إذا أفطر المكلف الصائم في شهر رمضان على مفطر محلّل، ثم تناول من بعده في ذلك اليوم نفسه مفطرا محرّما وجبت عليه كفارة واحدة مخيّرة بين الخصال الثلاث بسبب إفطاره الأول، و لم تجب عليه كفارة الجمع بسبب تناول المفطّر‌

50

المحرم في اليوم نفسه، إلا إذا كان المفطّر الثاني الذي ارتكبه جماعا محرما، فتجب عليه كفارة مخيرة بإفطاره الأول، و تجب عليه كفارة جمع بالإفطار الثاني.

المسألة 125:

إذا علم المكلف الصائم بأنه قد تناول احد مبطلات الصوم، و لم يعلم أن المبطل الذي فعله مما يوجب عليه قضاء الصوم فحسب، أو هو مما يوجب عليه القضاء و الكفارة كليهما، وجب عليه قضاء الصوم فقط، و لم تجب عليه الكفارة، و إذا علم بأنه قد تناول أحد المفطّرات التي توجب عليه الكفارة، و لم يدر أن المفطّر الذي تناوله محلل يوجب عليه كفارة مفردة، أو هو محرم يوجب عليه كفارة الجمع وجبت عليه كفارة مفردة و لم تجب عليه كفارة الجمع.

المسألة 126:

إذا علم الشخص بأنه قد وجبت عليه كفارات متعددة و شك في عددها أ هي خمس كفارات أم ست مثلا؟ و مثال ذلك: أن يفطر أياما من شهر رمضان و تجب عليه لكل يوم كفارة، ثم يشك في عدد الأيام التي أفطرها و عدد ما وجب عليه في إفطارها من الكفارات أ هي العدد الأقل الذي يحتمله أم العدد الأكثر؟ فيكفيه أن يأتي بالقدر المتيقن وجوبه منها و هو العدد الأقل، و إذا كان سابقا قد علم بعدد ما وجب عليه من الكفارات، ثم نسي عددها بعد ذلك، فالأحوط له استحبابا ان يأتي بالعدد الأكثر، و ان كان الأقوى الاكتفاء بالأقل حتى في هذه الصورة أيضا.

المسألة 127:

إذا تناول الصائم المفطّر عامدا في يوم من أيام صومه الواجب وجبت عليه الكفارة بتحقق سبب وجوبها عليه، و لا يسقط وجوبها عنه إذا تعمد فسافر في ذلك اليوم، سواء سافر بعد الزوال أم قبله، و سواء قصد بسفره الفرار من الكفارة أم لم يقصد ذلك.

و إذا خرج المكلف الصائم إلى السفر لم يجز له الإفطار حتى يصل في سفره الى حد الترخص، فإذا تناول المفطر متعمدا قبل ان يبلغ الى حد الترخص وجبت عليه الكفارة و لم يسقط عنه وجوبها إذا بلغ حدّ الترخص في يومه الذي سافر فيه أو بلغ المسافة التامة فيه، و إذا وجبت الكفارة على الرجل الصائم أو على المرأة الصائمة، بحصول سبب وجوب الكفارة ثم طرأ لهما ما يسقط وجوب الصوم عنهما من مرض أو حيض أو نفاس أو غيرها لم يسقط وجوب الكفارة عنهما على‌

51

الأحوط.

المسألة 128:

إذا تعمّد المكلّف الإفطار في يوم الشك في آخر شهر رمضان وجبت عليه الكفارة بإفطاره، سواء اتضح له بعد ذلك أن اليوم من شهر رمضان أم لم يتضح له شي‌ء، و إذا ثبت بعد ذلك بوجه شرعي ان اليوم من شهر شوال سقط عن المكلف وجوب الكفارة، و استحق الإثم و العقوبة بجرأته على الإفطار فيه قبل الثبوت الشرعي للهلال.

و إذا أصبح المكلف في اليوم الذي يشك الناس فيه انه أول شهر رمضان أو آخر شهر شعبان، و حصل له العلم بان اليوم أول رمضان، فإذا تعمّد فيه الإفطار وجبت عليه الكفارة. و إذا استبان له بعد ذلك انه مخطئ في اعتقاده و أن اليوم من شعبان، سقط عنه وجوب الكفارة.

المسألة 129:

إذا استحل الإنسان الإفطار في شهر رمضان، و كان عالما بوجوب صومه في الإسلام و عامدا في استحلال الإفطار فيه كان مرتدا عن الإسلام، سواء أفطر بالفعل أم لم يفطر، و من أفطر فيه و كان عالما بالحكم عامدا في إفطاره و غير مستحل للإفطار، وجب تعزيره على فعله، فان كان إفطاره بجماع زوجته عزّره الإمام أو نائبه بخمسة و عشرين سوطا، و إذا كان إفطاره بغير الجماع من المفطرات أو بجماع غير زوجته عزّر بما يراه الامام (ع) أو نائبه.

المسألة 130:

من أفطر في شهر رمضان و كان عالما بالحكم و عامدا في إفطاره و غير مستحل لإفطاره عزر كما ذكرنا في المسألة المتقدمة، فإن هو عاد الى جريمته فأفطر في الشهر عالما عامدا بعد التعزير الأول عزّر مرة ثانية، فان عاد الى مثل الجريمة بعد التعزير الثاني فأفطر، قتل في المرة الثالثة، و الأحوط أن يعزّر في الثالثة، فإن عاد فأفطر كذلك بعد التعزير الثالث قتل في المرة الرابعة.

المسألة 131:

إذا أكره الرجل الصائم زوجته و هي صائمة أيضا فجامعها في شهر رمضان وجب على الرجل ان يدفع كفارة صيامه و كفارة صيام زوجته معا، و ان يعزر مرة عنه و مرة أخرى عنها، فيدفع كفارتين و يعزر مرتين فيضرب في كل تعزير منهما‌

52

خمسة و عشرين سوطا.

و إذا أكره الرجل الزوجة على الجماع في أول الأمر ثم إطاعته في أثناء العمل، فلا يترك الاحتياط بأن يدفع الرجل كفارتين و تدفع المرأة كفارة واحدة، و إذا هي أطاعته من أول الأمر لزم الرجل تعزيره و كفارته و لزم المرأة تعزيرها و كفارتها، و لا فرق في الأحكام التي بينّاها بين أن تكون الزوجة دائمة أو متمتعا بها.

المسألة 132:

يختص الحكم الذي ذكرناه في المسألة المتقدمة بالرجل و زوجته، و بما إذا أكرهها على الجماع و كانا كلاهما صائمين، و لذلك، فلا يتحمل الرجل عن أمته كفارة و لا تعزيرا إذا أكرهها على الجماع في مثل الفرض المذكور بل و لا يتحمل عن المرأة الأجنبية إذا أكرهها فجامعها و هما صائمان.

و لا يتحمل الرجل عن زوجته شيئا إذا أكرهها على الإفطار بغير الجماع من المفطرات الأخرى، فلا تلزمه كفارتها و لا تعزيرها، و لا يتحمل عن زوجته شيئا إذا أكرهها على الجماع و كان مفطرا غير صائم لمرض أو سفر و كانت هي صائمة، و لا تتحمل الزوجة عن زوجها شيئا إذا أكرهته على الجماع و هما صائمان، و لا يتحمل الرجل عن زوجته شيئا إذا أكرههما غيرهما على الجماع و هما صائمان، بل و لا يتحمل عنهما شيئا من أكرههما على ذلك و ان كان عاصيا آثما بما فعل.

المسألة 133:

إذا وجبت الكفارة المخيرة على المكلّف لافطار يوم من شهر رمضان فعجز عن الخصال الثلاث التي يتخير بينها، فلم يستطع أن يأتي بأي واحدة منها وجب عليه أن يتصدّق بما يطيق، و إذا وجبت عليه الكفارة المخيرة المذكورة لغير الإفطار في شهر رمضان من موجباتها الأخرى و عجز عن جميع خصالها كما ذكرنا، وجب عليه أن يصوم بدلا عنها ثمانية عشر يوما، فإذا عجز عن ذلك أيضا استغفر الله بدلا عن الكفارة.

فإن هو استطاع الإتيان بالكفارة بعد ذلك أو استطاع الإتيان ببعض خصالها وجب عليه الإتيان بها في كلا الفرضين على الأحوط.

المسألة 134:

تجب الكفارة على الإنسان إذا حصل له أحد الأسباب الموجبة لها وجوبا‌