كلمة التقوى - ج6

- الشيخ محمد أمين زين الدين المزيد...
588 /
5

الجزء السادس

المعاملات

كتاب الدين

و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول في أحكام الدين

المسألة الأولى:

الدين هو مال تشتغل به ذمة إنسان لإنسان آخر، لأحد الأسباب التي توجب ذلك، كاقتراض مال يبقى عوضه في ذمة المقترض، و ابتياع شي‌ء يكون ثمنه في ذمة المشتري، و بيع شي‌ء موصوف مؤجل إلى أجل في ذمة البائع كما في بيع السلف، و كالتزويج بامرأة يؤجل صداقها في ذمة الزوج، و استئجار عين أو أجير يبقى بدل إجارته في ذمة المستأجر، و فدية خلع أو مبارأة تبقى في ذمة المرأة المختلعة، و ضمان مال بسبب إتلاف أو عيب أو غير ذلك من موجبات الضمان، و نحو ذلك من أسباب اشتغال ذمة الإنسان بالمال، و هذا هو الدين الذي يبحث عنه و عن أحكامه في كتاب الدين.

و يطلق الدين أيضا على ما تشتغل به ذمة الإنسان من الأموال و الحقوق لجهة عامة أو جهة خاصة، كالزكاة و الخمس و الكفارات و النذور، و أشباهها، و هي ديون خاصة يبحث عنها و عن أحكامها في مواضعها المختصة بها من فقه الشريعة و لا تدخل في مباحث هذا الكتاب.

المسألة الثانية:

الدين اما حال، و هو الذي حان وقت وفائه، و لذلك فيجوز لمالك الدين أن يطالب المدين به، و يجب على المدين أداؤه إذا طالبه الدائن به، و كان المدين موسرا متمكنا من الوفاء، و اما مؤجل، و هو الذي ضرب له أجل مسمى، و لذلك فلا يحق لمالك الدين أن يطالب المدين به،

6

و لا يجب على المدين أن يؤديه إلا بعد حضور أجله، سواء كان التأجيل باشتراط المتداينين أو باشتراط أحدهما، أم كان بحكم الشارع بذلك، كما في أقساط الدية التي تبين في كتاب الديات.

المسألة الثالثة:

إذا حان أجل الدين أو كان الدين بنفسه حالا غير مؤجل، و أراد المدين دفعه لصاحبه ليفرغ ذمته منه، وجب على صاحب الدين أن يأخذه منه، و لا يجوز له الامتناع بغير عذر يسوغ له ذلك.

المسألة الرابعة:

إذا كان الدين مؤجلا و لم يحضر وقت أدائه، و أراد المدين تعجيل وفائه قبل حلول الأجل، فالظاهر انه يجب على الدائن أن يقبل ذلك منه، الا أن تكون في تعجيل الوفاء منة لا يتحملها الدائن، أو تدل قرائن خاصة على أن تأجيل الدين في المقام حق من حقوق الدائن كما هو حق من حقوق المدين، و قد ذكرنا هذا في المسألة الثلاثمائة من كتاب التجارة.

المسألة الخامسة:

إذا حضر أجل الدين و دفعه المدين، و امتنع الدائن من قبضه من غير عذر يسوغ له ذلك، جاز للحاكم الشرعي أن يجبره على القبض إذا طلب المدين من الحاكم ذلك، و إذا تعذر إجباره على القبض رفع المدين أمره الى الحاكم و أمر الحاكم المدين أن يحضر المال و يمكن الدائن منه بحيث يكون مستوليا عليه و في قبضته في نظر أهل العرف، فإذا حصل ذلك بأمر الحاكم و بمراجعته، برئت ذمة المدين من الدين، و إذا ترك المدين المال كذلك و انصرف، فلا ضمان عليه إذا تلف المال أو حدث فيه عيب، فهو من مال الدائن.

و إذا لم يمكن ذلك جاز للمدين أن يدفع المال الى الحاكم، فإذا قبل الحاكم ذلك منه و قبض المال أو أمر بقبضه برئت ذمة المدين، و يشكل الحكم بوجوب قبول الحاكم للمال إذا دفعه المدين اليه.

و كذلك الحكم إذا حضر أجل الدين و كان صاحبه غائبا لا يمكن إيصال المال اليه، فإذا أراد المدين براءة ذمته دفع المال الى الحاكم،

7

فإذا قبله منه و قبضه برئت ذمته، و يشكل الحكم بوجوب قبول الحاكم للمال كما في الفرض المتقدم.

المسألة السادسة:

يجوز للإنسان أن يتبرع بوفاء الدين عن غيره، سواء كان المدين المتبرع عنه حيا أم ميتا، و سواء كان التبرع و الوفاء باذن المدين أم بغير اذنه، بل الظاهر جواز ذلك و ان لم يرض المدين بتبرعه عنه، و إذا وفى المتبرع عنه برئت ذمة المدين في جميع هذه الفروض، و وجب على الدائن قبول الوفاء منه.

المسألة السابعة:

إذا قصد المتبرع بتبرعه في أداء الدين المنة على المدين، أو قصد إهانته و إذلاله بذلك أشكل تناول الأدلة له، فلا تجري الأحكام المذكورة في المسألة السابقة مع قصد أحدهما.

المسألة الثامنة:

إذا عين المدين الدين في مال مخصوص لم يتعين بذلك و لم يصبح ملكا للدائن حتى يقبضه الدائن وفاء عما يستحقه في ذمة المدين، و يستثنى من هذا الحكم ما ذكرناه في المسألة الخامسة، و نتيجة لذلك فإذا كان الرجل مدينا لأحد خمسة دنانير مثلا، و أخرجها من ماله ليدفعها اليه، ثم تلفت قبل أن تصل إلى الدائن، لم تبرأ ذمة المدين من دينه و كان التلف من مال المدين، و كذلك إذا دفعها الى وكيله ليوصلها إلى الدائن، فتلفت في يد الوكيل قبل أن يوصلها، و إذا دفعها الى وكيل الدائن المفوض منه في قبض الدين و تلفت في يد هذا الوكيل برئت ذمة المدين.

المسألة التاسعة:

إذا مات الشخص المديون حلت بموته ديونه التي في ذمته و ان كانت مؤجلة و كان موته قبل حلول أجلها، و إذا مات الشخص الدائن لم تحل بموته ديونه المؤجلة التي يستحقها في ذمم المديونين، فلا يجوز لورثته مطالبتهم بهذه الديون حتى تحل أوقاتها المعينة لها.

8

فإذا مات الرجل و في ذمته مهر زوجته المؤجل وجب على ذريته دفع مهر الزوجة من التركة و ان لم يحضر أجله بعد، و إذا ماتت الزوجة و لها في ذمة الزوج مهر مؤجل لم يحق لورثتها أن يطالبوا الزوج بمهرها حتى يحضر الأجل التي اشترط للوفاء به.

المسألة العاشرة:

لا تحل الديون المؤجلة في ذمة الشخص إذا قصرت أمواله الموجودة لديه عن الوفاء بديونه، فأصبح مفلسا، فإذا حجر عليه للفلس قسمت أمواله الموجودة على ديونه الحالة و لم يشارك في الأموال أصحاب الديون المؤجلة و سنذكر هذا في كتاب الحجر ان شاء اللّٰه تعالى.

المسألة 11:

يجوز للشخص ان يبيع الدين بمال حاضر، فإذا كان له في ذمة زيد من من الحنطة جاز للدائن أن يبيع دينه على زيد نفسه أو على غيره بثمن حاضر نقدا، سواء كان الثمن من جنس الدين المبيع أم من غير جنسه، و سواء كان الثمن أقل من المبيع أم مساويا له في المقدار أم أكثر منه، و لا يجوز ذلك إذا لزم منه الربا، و هو ما إذا باع الدين بثمن من جنسه أقل منه أو أكثر، و كان العوضان مما يكال أو يوزن، فلا يمنع من البيع إذا كان الثمن من غير جنس المبيع، و لا يمنع منه إذا كانا من جنس واحد و كان العوض أو المعوض غير مكيل و لا موزون.

المسألة 12:

لا يجوز للشخص أن يبيع الدين بالدين، و هو أن يكون المبيع و الثمن كلاهما دينا في الذمة قبل بيع أحدهما بالآخر، سواء كانا مؤجلين أم كانا حالين أم كانا مختلفين على الأقوى في جميع ذلك.

و هو يقع على صور، فقد يكون البيع بين المتداينين، و مثال ذلك أن يكون لزيد من من الحنطة في ذمة عمرو، و يكون لعمرو من من الأرز في ذمة زيد، فيبيع زيد من الحنطة الذي يستحقه في ذمة عمرو، على عمرو نفسه، و يكون ثمن المبيع هو من الأرز الذي يستحقه عمرو في ذمة زيد.

الصورة الثانية: أن تكون لزيد وزنة من الحنطة في ذمة شخص ما، و تكون لعمرو وزنة من الأرز في ذمة ذلك الشخص أيضا، فيبيع زيد‌

9

على عمرو وزنة الحنطة التي يستحقها في ذمة الشخص المدين بوزنة الأرز التي يملكها عمرو في ذمة ذلك الشخص المدين نفسه.

الصورة الثالثة: أن تكون لزيد وزنة من الحنطة في ذمة شخص ما، و يكون لعمرو وزنة من الأرز في ذمة شخص آخر فيبيع زيد حنطته التي يملكها في ذمة الشخص الأول، على عمرو، و يكون الثمن وزنة الأرز التي يملكها عمرو في ذمة الشخص الثاني، فلا يجوز البيع في جميع هذه الصور.

و كذلك الحكم على الأحوط لزوما إذا صار العوضان دينا بعد العقد، و كانا مؤجلين.

و مثال ذلك أن يبيع زيد على عمرو وزنة من الحنطة يدفعها له بعد شهر مثلا، بعشرة دنانير يدفعها له عمرو بعد مضي عشرين يوما، فلا يجوز ذلك على الأحوط.

و مثله ما إذا كان أحد العوضين دينا قبل العقد، و العوض الثاني دينا بعد العقد، و مثال هذا ان تكون لزيد في ذمة عمرو وزنة من الحنطة إلى أجل معين، فيبيع زيد على عمرو هذه الوزنة التي يملكها في ذمته بعشرة دنانير تبقى في ذمة عمرو إلى مدة شهر، فلا يجوز ذلك أيضا على الأحوط، و تراجع المسألة الثلاثمائة و التاسعة و التسعون و ما بعدها من كتاب التجارة في ما يتعلق ببيع المال المسلم فيه و تراجع ما بعدهما في بيع المال المسلم فيه بعد حلول أجله.

المسألة 13:

إذا كان للرجل على احد دين إلى أجل مسمى، جاز للمتداينين أن يتراضيا بينهما على تعجيل الدين بإسقاط بعضه، فإذا كان الدين مائة دينار إلى مدة ستة أشهر، صح لهما أن يتراضيا فيدفع المديون لمالك الدين ثمانين دينارا معجلة و يسقط الدائن عنه بقية الدين.

و لا يجوز لهما أن يؤجلا الدين إذا كان حالا بزيادة فيه، و ان تراضيا على ذلك، و مثاله أن يكون لزيد في ذمة عمرو مائة دينار حالة، فيطلب المدين من زيد أو يطلب زيد من المدين أن يجعل الدين مائة‌

10

و عشرين دينارا، و يؤجله فيه الى مدة شهرين، و كذلك الحكم إذا كان الدين مؤجلا إلى مدة فلا يجوز للمدين أن يزيد الدائن في مقدار الدين ليزيده الدائن في مقدار الأجل، فيضيف إليه عشرة دنانير مثلا ليؤجله الدائن إلى شهرين بعد ان كان مؤجلا إلى شهر، و مثله أن يطلب الدائن ذلك.

المسألة 14:

يجوز للمدين إذا كان الدين عليه حالا، أن يشترط على الدائن أن يؤجله في الدين إلى مدة معلومة فإذا كان الشرط في ضمن عقد لازم و قبل الدائن بالشرط لزم الشرط و وجب عليه الوفاء به و مثال ذلك ان يبيع المدين على الدائن سلعة بثمن معين و يشترط عليه في ضمن عقد البيع أن يؤجله بدين حال آخر، يستحقه في ذمته إلى مدة شهر، و يجوز له كذلك أن يشترط عليه زيادة الأجل في الدين المؤجل فإذا اشترط ذلك عليه في عقد لازم لم تجز للدائن المطالبة بالدين حتى يحل الوقت المشترط في كلا الفرضين، و كذلك إذا اشترط أحدهما في ضمن عقد جائز فيجب الوفاء بالشرط ما دام ذلك العقد باقيا، و إذا انفسخ العقد سقط وجوب الشرط.

المسألة 15:

لا تجوز قسمة الدين بين الشركاء فيه، فإذا كان لرجلين دين مشترك في ذمة أحد أو في ذمم أشخاص لم يجز للشريكين أن يقتسما الدين فيجعلاه سهمين مثلا، فالقسط الأول الذي يدفعه المدين في شهر محرم يكون لزيد، و القسط الثاني الذي يدفعه في شهر صفر يكون لعمرو، أو يكون ما في ذمة أحد المدينين للأول و ما في ذمة المدين الثاني للشريك الثاني، بل يكون الدين مشاعا، فكل ما يحصل منه فهو للشريكين معا، و ما يتأخر منه يكون عليهما و قد ذكرنا هذا في المسألة السادسة و الخمسين من كتاب الشركة.

المسألة 16:

إذا غاب الدائن غيبة انقطع فيها خبره و لم يعلم أ حي هو أم ميت، وجبت على المدين نية وفاء الدين متى تمكن من إيصاله إلى الدائن،

11

و تجب عليه الوصية به عند ظهور أمارات الموت عليه ليعلم وارثه بذلك، و إذا علم بموت الدائن وجب عليه أن يدفع الدين إلى ورثة الدائن، و إذا لم يعرفهم وجب عليه الفحص عنهم حتى يعرفهم و يؤدي إليهم حقهم، فإذا أيس من معرفتهم تصدق بالمال عنهم باذن الحاكم الشرعي، و إذا علم ان الدائن الميت لا وارث له كان ميراثه للإمام (ع)، فيجب دفع الدين إليه.

المسألة 17:

إذا حل ميعاد الدين و طالب الدائن بالوفاء به، وجب على المديون أن يبذل جهده في أداء دينه و براءة ذمته ببيع عقار أو أمتعة أو أعيان يملكها و لا تدخل في مستثنيات الدين، أو إجارة أملاك له، أو تحصيل ديون له عند الناس، و يلزمه على الأحوط لزوما التكسب لذلك بما يليق به في شرفه و قدرته و منزلته الاجتماعية.

المسألة 18:

يستثنى من الحكم بوجوب البيع لوفاء الدين كل شي‌ء يكون ضروريا للمدين بحسب حاله و شرفه و منزلته في المجتمع، و ما يكون بيعه موجبا لوقوع المدين في عسر أو حرج أو منقصة، فلا يجب عليه بيع شي‌ء من ذلك أو المعاوضة عليه بغير البيع لوفاء الدين، و من ذلك داره التي يحتاج إليها في السكنى، و الثياب التي يحتاج إليها و لو للتجمل، و الدابة التي يفتقر الى ركوبها، و الخادم الذي يحتاج إليه في قضاء حوائجه إذا كان من شأنه أن تكون له دابة أو خادم، بل و السيارة التي يفتقر إليها في ركوبه و تنقلاته إذا كان من شأنه ذلك، و أثاث منزله و أدواته و آلاته و أوانيه و ظروفه المختلفة لأكله و شربه و طبخه، و فرش البيت و فرش النوم و اغطيته و ملاحفه له و لعياله و زواره و ضيوفه، و تسمى هذه مستثنيات الدين.

و المدار فيها هو ما ذكرناه في أول المسألة، و لذلك فهي لا تختص بما ذكرناه، و منها الكتب التي يحتاج إليها و تعد من ضروراته أو يلزمه العسر و الحرج أو المنقصة إذا فقدها.

12

المسألة 19:

إذا كانت لدى المديون دور متعددة و هو يحتاج إليها جميعا للسكنى فيها لكثرة عياله، فهي بحكم الدار الواحدة، فلا يجب عليه بيعها لوفاء الدين، و كذلك إذا احتاج الى أكثر من خادم واحد، و الى أكثر من دابة واحدة أو احتاج الى أكثر من سيارة، و مثله الحكم في الفرش المتعددة و الثياب، فالمدار في ذلك على مقدار ما تتأدى به الضرورة و ينتفي به العسر و لا يتأدى بأقل منه.

و إذا كانت لديه دار للسكنى تزيد في سعتها على مقدار حاجته تخير بين أن يسكن منها ما يفي بحاجته، و يبيع منها ما زاد على ذلك، و أن يبيع الدار الواسعة و يشتري دارا تفي بحاجته و لا تزيد، و إذا كانت الدار التي يسكنها أرفع في القيمة و المنزلة مما يحتاج اليه باعها و اشترى دارا تناسب شأنه، و صرف الزائد من ثمنها في وفاء الدين و كذلك في السيارة و الخادم و الأثاث.

المسألة 20:

إذا كانت لديه دار موقوفة أو موصى بها لجهة تنطبق عليه و هي تكفي لسكناه و تناسبه في حاله و شرفه، و له دار مملوكة، فالأحوط أن يبيع داره المملوكة و يفي بثمنها الدين و يكتفي بما عنده من الدار الموقوفة أو الموصى بها.

المسألة 21:

انما تكون دار السكنى من المستثنيات في الدين، إذا كان المدين موجودا، فإذا مات و لم يترك شيئا إلا دار سكناه، أو ترك معها غيرها و كان دينه يستوعب الجميع، أو كان الدين بمقدار لا يمكن وفاؤه إلا ببيع الدار وجب بيع الدار في جميع هذه الصور، و صرف الثمن في وفاء الدين.

المسألة 22:

لا يجب على المدين أن يبيع المستثنيات التي تقدم ذكرها ليفي به دينه، و لا يجبر على ذلك، و إذا رضي المدين بذلك فباعها باختياره و صرف أثمانها في قضاء دينه صح له ذلك، و جاز لصاحب الدين أن‌

13

يقبض ما يدفعه اليه من ذلك، غير أنه يستحب للدائن أن يترفع عن ذلك و يتنزه، فلا يكون سببا لبيع المدين داره و ان كان البيع برضاه، و قد تستفاد كراهة ذلك من خبر عثمان بن زياد عن أبي عبد اللّه (ع).

المسألة 23:

إذا حل موعد الدين و طالب به صاحبه، و عرض المدين عقاره و أمتعته الموجودة لديه- مما يزيد على المستثنيات- ليبيعها في وفاء دينه، فوجد أنها لاتباع إلا بأقل من أثمانها، وجب عليه بيعها، و لم يجز له الانتظار حتى ترتفع القيمة أو يوجد الراغب. و إذا كان التفاوت في القيمة كثيرا يكون البيع معه تضييعا للمال و إتلافا له في نظر العقلاء، فلا يبعد عدم وجوب البيع في هذه الصورة، و خصوصا إذا لزم منه الضرر أو الحرج على المدين.

المسألة 24:

يحرم على المدين أن يماطل صاحب الدين في قضاء دينه مع قدرته على الوفاء، و قد عد في بعض النصوص المعتمدة حبس الحقوق الواجبة من غير إعسار من المعاصي الكبيرة، و قد أشرنا الى ذلك في تعداد الكبائر من بحث صلاة الجماعة، و عن النبي (ص): (من مطل على طي حق حقه و هو يقدر على أداء حقه فعليه كل يوم خطيئة عشار)، و إذا أعسر المدين و لم يقدر على الوفاء وجبت عليه نية القضاء بأن يعزم في نفسه انه يؤدي الدين متى قدر على وفائه، و إذا تجددت له الاستطاعة وجب عليه القضاء و لم تجز له المماطلة.

المسألة 25:

تكثرت الأدلة على وجوب انظار المدين إذا ثبت إعساره، و في الآية الكريمة (وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ)، و عن الإمام أبي عبد اللّه (ع): (إياكم و إعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بشي‌ء يكون لكم قبله و هو معسر، فإن أبانا رسول اللّه (ص) كان يقول:

ليس للمسلم أن يعسر مسلما، و من أنظر معسرا أظله اللّه يوم القيامة لظله يوم لا ظل الا ظله)، و قد تنوعت الأدلة في التعبير عن ذلك.

14

المسألة 26:

لا يسقط الدين بعدم مطالبة الدائن به و ان طالت المدة، و لا بنسيان الدائن أو المدين له فمتى ذكره لزمه القضاء، و إذا نسيه المدين حتى مات و علم به وارثه بعد موته وجب عليه قضاؤه من تركة الميت.

الفصل الثاني في القرض و أحكامه

المسألة 27:

القرض هو أن يملك الإنسان غيره مالا و يضمنه عوضه، مثله أو قيمته، يقال: أقرضه المال إذا ملكه إياه و ضمنه عوضه، فدافع المال مقرض، و آخذه مقترض و طالبه مستقرض.

المسألة 28:

يكره للإنسان أن يستقرض أو يستدين مع عدم الحاجة كراهة شديدة، ففي الحديث عن أبي عبد اللّه (ع) عن آبائه (ع)، عن علي (ع):

(إياكم و الدين، فإنه مذلة بالنهار مهمة بالليل، و قضاء في الدنيا و قضاء في الآخرة) و عن أبي جعفر (ع): (كل ذنب يكفره القتل في سبيل اللّه، الا الدين، فإنه لا كفارة له الا اداؤه أو يقضي صاحبه، أو يغفر الذي له الحق)، و إذا حصلت الحاجة الى الاستقراض و الاستدانة خفت الكراهة، و كلما تزايدت الحاجة ازدادت خفة الكراهة حتى تزول، و عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع): (من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه و عياله كان كالمجاهد في سبيل اللّه (عز و جل)، و ان غلب عليه فليستدن على اللّه (عز و جل) و على رسوله ما يقوت به عياله).

المسألة 29:

إذا لم يكن لدى الإنسان ما يفي به دينه إذا هو استدان، و لا يترقب أن يحصل له ما يفي به فالأحوط له أن لا يقترض و لا يستدين الا مع الضرورة التي تحتم عليه ذلك، أو مع علم الدائن بحاله و طيب نفسه بالاستدانة منه.

15

المسألة 30:

يستحب للمؤمن أن يقرض أخاه المؤمن استحبابا مؤكدا، و يتضاعف تأكيده و يعظم ثوابه و أجره عند الحاجة و في أوقات الشدة، فقد ورد عن الرسول (ص): (من أقرض مؤمنا قرضا ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة، و كان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه اليه)، و عن أبي عبد اللّه (ع): (لأن أقرض قرضا أحب الي من ان أتصدق بمثله) و قال (ع): (من أقرض قرضا و ضرب له أجلا، و لم يؤت به عند ذلك الأجل كان له من الثواب في كل يوم يتأخر عن ذلك الأجل مثل صدقة دينار واحد كل يوم).

المسألة 31:

القرض أحد العقود، و لذلك فيعتبر فيه الإيجاب من المقرض و القبول من المقترض، و إيجابه أن يقول للمقترض: أقرضتك المبلغ المعين أو يقول: ملكتك المبلغ و عليك أن ترد لي عوضه إلى أجل كذا، و يكفي فيه أي لفظ يؤدي المعنى المقصود، و ان كان بلغة غير عربية، و قبوله أن يقول المقترض: قبلت أو رضيت، و يكفي أي لفظ يدل على ذلك و ان لم يكن عربيا.

و يصح وقوعه بالمعاطاة، فيدفع المقرض المال بقصد إنشاء القرض، و يتسلمه المقترض بقصد القبول، و يشترط في المقرض و المقترض أن يكونا بالغين و عاقلين و قاصدين و مختارين و غير محجور عليهما لفلس أو سفه، كما هو الشأن في كل متعاقدين.

المسألة 32:

يشترط في مال القرض على الأحوط أن يكون عينا، فلا يصح أن يكون دينا، فيقول له: أقرضتك الدين الذي أملكه في ذمة زيد، و يجوز للمقرض أن يوكل المستقرض في قبض الدين من زيد، فإذا قبضه منه جاز أن يقرضه إياه، و لا يصح أن يكون مال القرض منفعة، فيقول له: أقرضتك سكنى داري مدة شهر أو مدة شهرين، أو يقول له:

أقرضتك سكنى دار زيد التي استأجرتها منه.

16

و يشترط في المال أن يكون مملوكا، فلا يصح أن يقرضه مالا يملكه المسلم كالخمر و الخنزير، و لا يصح أن يقرضه شيئا يملكه غيره، و إذا أقرضه مال غيره كان فضوليا، فان أجازه مالك المال صح، و ان لم يجزه كان باطلا.

المسألة 33:

يصح للرجل أن يقرض صاحبه أمرا كليا في الذمة، فيقرضه خمس وزنات من الأرز أو من الحنطة، في ذمته، ثم يدفع اليه فردا شخصيا، فيقبضه المقترض، أو يقرضه خمس وزنات كلية من هذه الصبرة ثم يزن له من الصبرة المقدار المعين فيدفعه اليه و يحصل القبض.

المسألة 34:

إذا كان مال القرض من المثليات كالحبوب و الأدهان و سائر المثليات فيشترط في صحة قرضه أن يكون مما يمكن ضبط أوصافه و خواصه التي يكون اختلافها موجبا لاختلاف القيمة و الرغبة في المال بين المتعاملين من الناس، و إذا كان المال من القيميات لم يشترط فيه ذلك على الأقوى، فيكفي في صحة قرضه علم المتداينين بقيمته، و ان لم يمكن ضبط صفاته و خصائصه كما اشترطناه في المثليات، فيصح إقراض الغنم و الجواري و العبيد و غيرها من القيميات إذا علم الطرفان بقيمتها و ان لم تضبط أوصافها في العقد، أو لم يمكن ذلك فيها كاللئالي و الجواهر و أمثالها.

المسألة 35:

يشترط في مال القرض أن يكون معينا، فلا يصح أن يكون أمرا مبهما غير معين، كما إذا قال الرجل لصاحبه: أقرضتك أحد هذين المبلغين، أو أحد هذين الثوبين.

و يشترط أن يكون المال معلوم المقدار، بأن يعلم مقدار كيله إذا كان مما يكال، و مقدار وزنه إذا كان مما يوزن، و مقدار عدده إذا كان مما يعد، فلا يصح أن يقرضه الطعام الموجود من غير أن يعرف وزنه أو كيله، و لا يكفي أن يقدره بغير المقياس الذي يتعارف تقديره به، فيقرضه مل‌ء هذا الوعاء أو هذا الإناء بيضا من غير أن يعرف عدده.

17

المسألة 36:

إذا أقرض الرجل صاحبه المال مما يكال، و قدره بكيلة معينة من غير المكاييل المعروفة بين الناس، فلا يبعد الحكم بصحة القرض، و يجب أن يقدر العوض عند الوفاء بتلك الكيلة المعينة، و كذلك إذا أقرضه المال مما يوزن، و اعتمد في تقديره على صخرة أو حديدة معينة من غير المعايير التي يتعارف الوزن بها، فيصح القرض و يقدر وزن العوض عند الوفاء بتلك الصخرة أو الحديدة التي وزن مال القرض بها، و الأحوط استحبابا اجتناب ذلك.

المسألة 37:

يشترط في صحة القرض أن يسلم المقرض المال و أن يستلمه المقترض، فلا يملك المقترض مال القرض حتى يقبضه، و لا يشترط في ملكه للمال أن يتصرف فيه.

المسألة 38:

الظاهر أن القرض من العقود اللازمة، فإذا تم العقد من الإيجاب و القبول و حصل القبض، لم يجز للمقرض أن يفسخ العقد و يرجع بالعين التي أقرضها، و لم يجز للمقترض أن يرد العين التي اقترضها إذا كانت من القيميات، نعم، إذا كان القرض غير مؤجل إلى أجل معين، فللمقرض أن يطالب المقترض بوفاء دينه و ان لم تمض عليه مدة بعد القرض، و يجوز للمقترض أن يرد المال الذي أخذه إذا كان من المثليات، على أن يكون ذلك وفاء بالدين، لا فسخا للعقد.

المسألة 39:

إذا تم عقد القرض و حصل الإقباض و القبض بين المتداينين، اشتغلت ذمة المقترض بعوض المال، فإذا كان مال القرض من المثليات، ثبت للمقرض في ذمة المقترض مثل المال، و قد بينا في ما تقدم ان ما تنتجه المعامل و المصانع الحديثة من الأشياء المتماثلة في كل جهة يكون بحكم المثليات، فإذا أقرض الإنسان صاحبه شيئا منها ثبت له في ذمة المقترض مثله.

18

و إذا كان مال القرض من القيميات ثبتت للمقرض في ذمة المقترض قيمة ذلك المال، و إذا اختلفت قيمته فالمدار على قيمة المال يوم دفعه الى المقترض على الأقرب.

المسألة 40:

إذا كان المال الذي اقترضه الرجل مثليا، ثبت في ذمته مثله كما قلنا، و معنى ذلك أن يكون وفاؤه للقرض هو ان يدفع للمقرض ما يماثل المال في جنسه و صفاته سواء ارتفعت قيمته في السوق عن قيمته في يوم الاقتراض أم نقصت عنها، أم ساوتها، فإذا دفع الرجل المثل الى المقرض وجب عليه قبوله و لم يكن له أن يمتنع عنه، و ان نقص سعره نقصانا كبيرا عن سعره في يوم الاقتراض، و إذا طالب به المقرض عند حلول وقته وجب على المقترض أن يدفعه اليه و لم يجز له أن يمتنع عن أدائه و ان ارتفع سعره كثيرا عن قيمته يوم الاقتراض.

و إذا طلب أحد المتداينين من صاحبه أن تؤدى قيمة المثل بدلا عنه أو يدفع عنه من غير جنسه لم يجز ذلك إلا بالتراضي من الطرفين فلا يجبر أحدهما إذا امتنع عن قبول ذلك.

المسألة 41:

إذا كان المال الذي اقترضه الرجل قيميا، ثبتت في ذمة الرجل قيمته كما ذكرناه قريبا، و المراد أن يكون الوفاء بدفع مقدار قيمة المال السوقية من النقد المتداول بين الناس في معاملاتهم من دراهم أو دنانير أو أوراق نقدية أو غير ذلك، فإذا دفع المدين القيمة من ذلك الى المقرض وجب عليه قبولها و لم يجز له ان يمتنع عن القبول، و إذا طالب بها المقرض عند حلول وقت الدين وجب على المقترض دفعها اليه و لم يكن له أن يمتنع عن الدفع.

و إذا طلب أحدهما أن تؤدى قيمة المال من جنس آخر أو من نقود أخرى غير متداولة في البلد لم يجز ذلك إلا بالتراضي بينهما، فلا يجبر أحدهما إذا امتنع عن قبول ذلك.

و إذا كانت العين المقترضة بذاتها موجودة فطلب المقرض أو أراد المقترض أن يكون وفاء الدين بدفع العين نفسها لم يصح ذلك إلا‌

19

بالتراضي، فلا يجبر الممتنع منهما عن قبولها.

المسألة 42:

إذا وجب على المقترض أن يدفع مثل المال وفاء عما في ذمته للمقرض، و تعذر وجود المثل، وجب عليه ان يدفع له قيمة المثل في يوم دفعها.

المسألة 43:

يجوز للمتداينين مع التراضي في ما بينهما أن يتقابلا في القرض، فإذا تقايلا وجب على المقترض أن يدفع العين التي اقترضها الى مالكها إذا طلبها، و إذا لم يطلبها منه فهي أمانة في يده لا يجوز له التصرف فيها.

المسألة 44:

إذا اقترض ذمي من مسلم مالا أو استدان منه دينا، ثم باع الذمي بعض المحرمات في الإسلام كالخمر و الخنزير، و دفع الى المسلم من ثمنها وفاء لدينه، جاز للمسلم أن يقبض دينه منها، و إذا باع الذمي شيئا منها و بقيت أثمانها في ذمة المشتري، ثم أسلم الذمي، جاز له أن يقبض الأثمان بعد إسلامه، و لا يسقط حقه من المطالبة بها.

المسألة 45:

الدراهم المسكوكة من المثليات، فإذا اقترضها الرجل ثبت للمقرض في ذمته مثلها، و كذلك الدنانير المسكوكة، و الأوراق النقدية التي تعتبرها الدولة نقدا رسميا تجري به المعاملات في البلد، فإذا أقرض الرجل صاحبه مبلغا منها، ثبت في ذمة المقترض مثل ذلك المبلغ، سواء اتحد سعرها في النقود الأخرى و في الأجناس غير النقود أم اختلف.

و إذا ألغت الدولة اعتبار دراهمها أو دنانيرها أو عملتها الورقية، فان سقطت بسبب ذلك الدراهم أو الدنانير أو العملة الورقية عن المالية أصلا، وجب على المدين أن يدفع للدائن قيمتها في آخر أزمنة ماليتها و لم يجز له أن يدفع عينها، و ان لم تسقط بسبب ذلك عن المالية، كفاه أن يدفع له مثل ما في ذمته من تلك الدراهم أو الدنانير المسكوكة التي ألفتها الدولة، أو العملة الورقية و ان قلت قيمتها عن قيمتها يوم اقتراضها بسبب إلغاء الدولة.

20

الفصل الثالث الربا في القرض

المسألة 46:

لا يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض دفع زيادة على عوض المال الذي اقترضه منه، سواء كان الشرط صريحا مذكورا في ضمن العقد أم دلت عليه القرائن الحافة فهو كالصريح، أم علم أن ذلك من قصد المتداينين بحيث يكون عقد القرض بينهما مبنيا على هذا الشرط، و إذا شرط ذلك بطل الشرط خاصة، و لم يبطل عقد القرض على الأقوى، و نتيجة لذلك فيصح العقد و يملك المقترض مال القرض، و يثبت عوض المال في ذمته و يحرم على المقرض أخذ الزيادة التي شرطها عليه.

و هذا أحد نوعي الربا الذي حرمه الإسلام، و قد صرحت الأدلة الكثيرة بتحريمه و تعاضدت في الدلالة عليه من الكتاب الكريم و السنة المطهرة و على التشديد في أمره، و قد تقدم في الفصل الحادي عشر من كتاب التجارة ذكر النوع الآخر منه، و هو الربا في المعاملة.

المسألة 47:

لا يختص تحريم هذا النوع من الربا بما يكال أو يوزن من أجناس المال، بل يجري في مطلق ما يقترض من الأموال، حتى في المعدود منها، كالدراهم و الدنانير، و العملات المسكوكة الأخرى، و الأوراق النقدية و الجوز و البيض، فإذا اشترطت فيها زيادة في العوض على المال المقترض كانت من الربا المحرم، و حتى الأعيان القيمية التي يكتفى في صحة قرضها بالمشاهدة، كالغنم و الدواب و الجواري و الأرض و غيرها مما يصح اقتراضه و تثبت في الذمة قيمته يوم الاقتراض كما تقدم، فإذا أقرض شيئا منها و اشترط في العقد زيادة على مقدار العوض، و هو القيمة التي تثبت في الذمة، كان ذلك من الربا المحرم.

المسألة 48:

لا يجوز في القرض أن تشترط فيه زيادة على العوض، سواء كانت‌

21

الزيادة المشترطة عينية، و كانت من جنس مال القرض، و مثال ذلك أن يقرض زيد عمرا عشرة دنانير و يشترط عليه أن يؤدي له اثني عشر دينارا، أم كانت الزيادة عينية من غير جنس المال، و مثال ذلك أن يقرضه عشرين دينارا و يشترط عليه أن يدفع له عوض ذلك عشرين دينارا و سلعة معينة أخرى غير الدنانير، أم كانت الزيادة المشترطة منفعة أم عملا أم انتفاعا، و مثال ذلك أن يقرضه عشرين دينارا و يشترط أن يؤدي له عوض ذلك عشرين دينارا مع سكنى دار المقترض أسبوعا أو مع خياطة ثوب، أو مع انتفاع المقرض بالعين المرهونة عنده على الدين المذكور، و كذلك إذا أقرضه عشرين درهما مكسورا و اشترط عليه أن يدفع له عشرين درهما صحيحا، فلا يصح الشرط في جميع الفروض المذكورة، و إذا اشترطه كان من الربا المحرم.

المسألة 49:

إذا أقرض الرجل صاحبه مقدارا من المال و اشترط عليه أن يدفع له عوض المال و ان يؤجره مع ذلك داره المعينة بأقل من أجرتها، أو اشترط عليه أن يدفع له العوض و أن يبيعه شيئا من أملاكه بأقل من ثمنه، كان ذلك من اشتراط الزيادة فيكون من الربا المحرم.

المسألة 50:

لا فرق في تحريم الربا بين أن يشترط على المقترض زيادة تعود الى المقرض نفسه كما في الأمثلة المتقدم ذكرها أو تعود الى شخص آخر، فلا يجوز له أن يقرض المدين عشرين دينارا و يشترط عليه أن يؤدي له عشرين دينارا و يعطي زيدا دينارا أو يهب له كتابا أو سلعة معينة.

و لا يجوز له أن يقرضه مبلغا من المال و يشترط عليه أن يؤدي له المبلغ و أن يصرف في تعمير مسجد معين أو في إقامة مأتم خاص أو في تعميره كذا دينارا.

المسألة 51:

ليس من الربا أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤدي ما لا يجب على المقترض اداؤه، و مثال ذلك أن يقول له: أقرضتك عشرين دينارا و اشترطت عليك ان تدفع لي عشرين دينارا عوض القرض و أن تؤدي‌

22

زكاة مالك لمستحقها أو تقضي الدين الذي يستحقه عليك فلان، و ليس من الربا إذا قال له في عقد القرض: بشرط أن تؤدي صلاتك أو صيامك أو حجك، أو بشرط أن تذكرني في دعائك أو تستغفر لأبي في صلاتك.

المسألة 52:

لا تكون الزيادة محرمة إذا لم تكن مشترطة في العقد، فإذا دفع المقترض للدائن زيادة على عوض المال الذي اقترضه منه من غير اشتراط من الدائن، بل دفعها اليه من تلقاء نفسه، جاز للمقترض دفعها و حل للمقرض أخذها، سواء كانت زيادة عينية أم غيرها، و في بعض النصوص دلالة على استحباب ذلك للمقترض و أنه من حسن القضاء، و أن خير الناس أحسنهم قضاء.

و في بعضها دلالة على كراهة قبولها للمقرض، و في رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (ع): أن رجلا أتى عليا (ع) فقال له: ان لي على رجل دينا فأهدى الي هدية، قال (ع): احسبه من دينك عليه، و هذه الرواية محمولة على استحباب ذلك للمقرض.

المسألة 53:

الربا المحرم في الإسلام: هو أن يشترط على المقترض دفع الزيادة للمقرض، و ليس من الربا إذا اشترطت الزيادة للمقترض، فيصح اشتراط ذلك و يحل للمقترض أن يأخذها، و مثال ذلك أن يقرض زيد عمرا عشرين دينارا مثلا، و يشترط على المقترض- لبعض الأغراض الخاصة- أن يؤدي له عوض دينه ثمانية عشر دينارا فقط، فتكون الزيادة و هي الديناران مشترطة للمقترض لا للمقرض فلا تكون من الربا المحرم.

و من ذلك ما إذا احتاج الإنسان إلى تحويل مبلغ من المال الى بلد آخر، فيدفع ذلك الإنسان إلى تاجر في بلده مائة دينار مثلا، ليحوله التاجر بثمانين دينارا منها على وكيله أو على البنك في البلد الآخر المقصود، فيكون ذلك الإنسان قد أقرض التاجر مائة دينار، و استلم منه عوضها في ذلك البلد المقصود ثمانين دينارا فقط، و تكون العشرون‌

23

دينارا و هي الزيادة مشترطة للمقترض و هو التاجر، فيحل له أخذها و لا تكون من الربا المحرم.

المسألة 54:

يجوز للرجل أن يقرض غيره مالا مثليا، كالدراهم و الدنانير و الحبوب، و يشترط على المقترض أن يدفع عوض ذلك المال من غير جنسه، فيصح الشرط و يلزم العمل به إذا كان العوض الذي اشترط دفعه مساويا للمال المقترض في القيمة أو أقل منه، و لا يصح الشرط إذا كان العوض المشترط أكثر من المال في القيمة.

المسألة 55:

إذا اشترط التأجيل في أداء عوض القرض إلى أجل معين، و كان الاشتراط في ضمن عقد لازم كالبيع و الإجارة و الصلح، صح الشرط و وجب الوفاء به، و كذلك إذا اشترط تأجيله في ضمن عقد القرض على الأقوى، فيجب الوفاء به، و لا يجوز للمقرض أن يطالب المقترض بعوض القرض قبل أن يحل الأجل، و إذا اشترط التأجيل في ضمن عقد جائز وجب الوفاء بالشرط ما دام العقد الذي اشترط ذلك في ضمنه موجودا، فإذا فسخ العقد سقط الشرط و لم يجب الوفاء به.

المسألة 56:

يصح للمقرض أن يشترط على المقترض أن يدفع اليه العوض في بلد معين، فإذا شرط عليه ذلك نفذ الشرط و وجب العمل به و ان كان في حمل المال الى ذلك البلد مؤنة، فإذا دفع المقترض عوض القرض في بلد آخر لم يجب على المقرض قبوله منه، و إذا طالب الدائن المقترض بالعوض في بلد آخر لم يجب عليه الأداء فيه.

المسألة 57:

إذا أطلق المقرض العقد و لم يعين موضعا خاصا لتسليم الدين فيه انصرف العقد الى البلد الذي وقع فيه القرض، فيجب على المقترض أداء الدين إذا طالبه المقرض به في ذلك الموضع، و يجب على المقرض القبول إذا دفعه المقترض فيه، الا إذا قامت قرينة على عدم ارادة ذلك‌

24

الموضع و مثال ذلك أن يقرضه المال و هما غريبان عن بلد القرض و يريدان مفارقته.

المسألة 58:

يجوز للمقرض أن يشترط على المقترض أن يجعل عنده رهنا لدينه، فيلزم المقترض الوفاء بالشرط و يجوز للمقرض أن يشترط عليه أن يقدم له ضامنا للمال، أو كفيلا للمقترض، فيلزم الوفاء بالشرط كذلك، و يجوز له أن يشترط على المقترض أي شرط يريده إذا كان الشرط جامعا لشرائط الصحة و لم يوجب نفع المقرض بما يعد زيادة في العوض.

المسألة 59:

إذا اقترض زيد من عمرو مبلغا معينا من المال ثم رهن عليه رهنا، و اشترط المرتهن على الراهن في ضمن العقد أن يستوفي المرتهن منافع العين المرهونة مجانا مدة رهنها، فيسكن الدار، أو يستعمل الفراش، أو يركب السيارة، لم يصح ذلك فإنه من اشتراط الزيادة في عوض القرض، فيكون من الربا المحرم.

و كذلك الحكم إذا لم يكن الرهن على قرض، و لكنهما اشترطا أن تكون المنفعة المستوفاة من هذا الرهن زيادة في عوض قرض، فيكون من الربا المحرم.

25

كتاب الرهن

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

كتاب الرهن و فيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول في الرهن و شروطه

المسألة الأولى:

الرهن وضع شي‌ء و حبسه عند أحد تأمينا له على دينه، و من ذلك جعلت كلمة الرهن في عرف المتشرعة اسما للمعاملة التي يجعل بها الشي‌ء وثيقة للدائن على دينه، و الراهن هو المدين الذي دفع ذلك الشي‌ء، و أجرى عليه المعاملة و وثق به دين الدائن، و المرتهن هو الدائن الذي أخذ الشي‌ء من صاحبه و استوثق به لدينه، و المرهون هو الشي‌ء الذي جعل كذلك، و يطلق عليه اسم الرهن أيضا، و يجمع على رهون و رهان، و منه قوله تعالى فَرِهٰانٌ مَقْبُوضَةٌ، و قد ذكرنا في كتاب التجارة ان الرهن من الإيقاعات و هو الأقوى، و لكن إجراء شرائط العقود و بعض أحكامها عليه أحوط، و من أجل ذلك أطلقنا عليه كلمة العقد في هذا الكتاب و اعتبرنا فيه شروطه و أجرينا ما يوافق الاحتياط من آثاره، فلا تغفل.

المسألة الثانية:

الرهن عقد من العقود كما ذكرناه، و هذا العقد قد ينشأ باللفظ، فيكون محتاجا إلى إيجاب و قبول لفظيين، و يكون الإيجاب من الراهن، و يكفي فيه كل لفظ يدل على جعل الشي‌ء المعين وثيقة عند المرتهن على دينه في ذمة الراهن، و منه أن يقول له: رهنتك هذا الشي‌ء على دينك في ذمتي، أو يقول له: هذا الشي‌ء وثيقة لديك على الدين، أو يقول له:

جعلت هذا الشي‌ء رهنا عندك لتتوثق به على دينك في ذمتي،

28

و يكون القبول من المرتهن، و يكفي فيه أي لفظ يكون دالا على الرضا بما أنشأه الراهن في إيجابه، و منه أن يقول: قبلت، أو رضيت، أو ارتهنت، و الأحوط أن ينشأ عقد الرهن باللغة العربية.

و لا يصح أن يقدم القبول على الإيجاب، و نتيجة لهذا، فإذا كان الرهن شرطا في عقد لازم مثلا، فقال الموجب: زوجتك ابنتي فلانة على ألف دينار مؤجل إلى سنة، و اشترطت عليك أن ترهن دارك عندي على المهر المؤجل المذكور، فقال الزوج: قبلت تزويج ابنتك فلانة لنفسي على الصداق المعين، و رهنتك داري على مهر ابنتك المؤجل، فلا بد و أن يقول الموجب الأول بعد ذلك: قبلت الرهن، و لا يكتفي بالشرط الذي ذكره في عقد النكاح.

المسألة الثالثة:

يصح أن ينشأ عقد الرهن بالفعل، إذا كان الفعل دالا في متفاهم أهل المحاورة على المعنى المقصود، فإذا دفع الراهن الشي‌ء المعين و قصد بدفعه إنشاء الرهن على الدين الخاص، و قبض الدائن الشي‌ء المدفوع اليه بقصد قبول الرهن، صح العقد و ثبتت أحكامه.

المسألة الرابعة:

يشترط في الراهن أن يكون بالغا، فلا يصح ان يرهن الصبي غير البالغ ماله بغير اذن وليه، و ان كان الصبي مميزا، و يشترط فيه أن يكون عاقلا، فلا يصح الرهن من المجنون، و يصح الرهن منه إذا كان جنونه أدوارا و كان رهنه للشي‌ء في دور إفاقته، و يشترط في الراهن أن يكون مختارا في فعله، فلا يصح رهنه إذا كان مكرها عليه، و يشترط في الراهن أن يكون قاصدا للإنشاء في إجرائه للمعاملة، فلا يصح الرهن إذا كان غافلا أو هازلا في معاملته، و يشترط في المرتهن أيضا أن تجتمع فيه الشروط الآنف ذكرها، فتجري فيه أحكامها كما تقدم في الراهن.

و يشترط في الراهن أن يكون غير محجور عليه لسفه أو لفلس، و لا يمنع السفه و لا الفلس الرجل أن يرتهن مال غيره إذا كان هو الدائن.

29

المسألة الخامسة:

يجوز للولي إذا كان الطفل مدينا لأحد أن يرهن مال الطفل عند دائنه إذا اقتضت المصلحة ذلك، و يجوز للولي إذا كان الطفل هو الدائن أن يرتهن عنده بعض أموال المدين توثيقا لدين الطفل عليه، و يتعين ذلك إذا كان حفظ مال الطفل يتوقف على الرهن، و إذا كان الولي هو الأب أو الجد للأب كفى في صحة تصرفهما في مال الطفل برهن أو بغيره عدم وجود المفسدة فيه، و لم يشترط وجود المصلحة، نعم يعتبر التوثق الكامل من حفظ ماله. و تجري الأحكام الآنف ذكرها جميعا في ولي المجنون إذا حصلت للولي الفروض المذكورة في مال المولى عليه.

المسألة السادسة:

إذا أكمل الولي بنفسه المعاملة لرهن مال الصبي عند دائنه أو للارتهان عند الصبي من مال المدين له و توفرت لدى الولي شروط صحة المعاملة جاز له أن يوكل الصبي- إذا كان مميزا- ليجري بنفسه صيغة الرهن لماله عند الدائن بالوكالة عن الولي، أو ليتولى قبول الرهن عنده من المدين بالوكالة عن الولي أيضا، و تنفذ المعاملة إذا أجرى الصيغة على الأقوى، و قد تقدم نظير هذا في فصل شرائط المتعاقدين من كتاب التجارة.

المسألة السابعة:

يصح أن يتولى الصبي غير البالغ معاملة الرهن لغيره، بالوكالة عن ذلك الغير إذا كان الصبي مميزا و تنفذ معاملته إذا أجراها على الوجه الشرعي الصحيح، سواء كان ذلك الغير راهنا أم مرتهنا، و لا يشترط أن يستأذن ولي الصبي بذلك.

المسألة الثامنة:

يشترط في صحة الرهن على الأحوط أن يقبض المرتهن العين المرهونة، و أن يكون قبضه إياها بإقباض من الراهن أو بإذن منه.

و إذا كانت العين في يد الرجل وديعة أو عارية، ثم رهنها مالكها عنده، فان دلت القرائن على أن الراهن أقر القبض الموجود حال الرهن، و اعتبره قبضا للرهن، كفى ذلك في تحقق شرط الرهن، و لم يحتج إلى‌

30

إذن جديد و لا الى قبض آخر و ان لم تدل القرائن على ذلك، فالأحوط لزوما أن يأذن الراهن في القبض بعد العقد و يمضي زمان يتحقق فيه القبض بعد الاذن، و كذلك الحكم إذا كانت العين مغصوبة عند الرجل ثم رهنها المالك عنده، فيأتي فيها التفصيل المذكور.

المسألة التاسعة:

إذا كانت للرجل حصة مشاعة من دار أو عين أخرى مشتركة بينه و بين غيره، و رهن حصته عند دائنه، فلا يجوز للرجل تسليم الحصة المرهونة للمرتهن إلا بإذن شريكه بتسليم العين و رضاه، و إذا تعدى فسلم العين الى المرتهن من غير اذن شريكه، تحقق القبض بذلك و صح الرهن، و ان كان آثما بعدوانه على حصة الشريك.

المسألة العاشرة:

إذا وقع القبض بعد عقد الرهن تحقق الشرط بذلك و ثبتت الصحة، فإذا أخذ الراهن العين المرهونة بعد ذلك من يد المرتهن أو وضعها بيد شخص ثالث، أو غصبها منه أحد لم يقدح في صحة عقد الرهن و لم يبطل بذلك رهن العين، فلا تفتقر صحة الرهن الى استمرار القبض.

و لا يجوز أخذ العين المرهونة من يد المرتهن إلا بإذنه من غير فرق بين أخذ الراهن و غيره، كما لا يجوز وضعها بيد شخص ثالث إلا بإذن مالك العين إلا إذا اشترط عليه ذلك في ضمن العقد فيكون الشرط نافذا.

المسألة 11:

إذا اشترط الراهن على المرتهن في ضمن العقد أن تكون العين بيد الراهن مدة الرهن، أو أن تكون بيد شخص ثالث، فان كان المقصود من الشرط أن تكون العين في جميع المدة بيد الراهن أو بيد الشخص الثالث بحيث لا يقبضها المرتهن بعد العقد لم يصح هذا الشرط، فقد تقدم ان القبض شرط في صحة الرهن فلا يصح الرهن إذا لم يقبض المرتهن العين، فإذا اشترط عليه عدم القبض كان الشرط ملغى.

و ان كان المراد أن يقبض المرتهن العين بعد العقد حتى يتحقق الشرط ثم يسترجعها الراهن في بقية المدة أو يجعلها بيد الشخص الثالث، فالظاهر صحة الشرط و نفوذه، و قد ذكرناه قريبا.

31

المسألة 12:

يشترط في المال الذي يراد رهنه أن يكون عينا و هذا على القول المشهور بين الأصحاب (قدس اللّٰه أرواحهم)، و بناء على هذا القول، فلا يصح رهن الدين، و لا يصح رهن المنفعة، و للمناقشة في أدلة هذا القول مجال متسع، و لكنه أحوط و لا ينبغي تركه، فإذا كان للرجل دين على زيد مبلغ من المال، لم يصح له ان يجعله رهنا عند عمرو على دين له، و إذا كانت له دار معينة فلا يصح له ان يجعل سكنى داره مدة معلومة رهنا عند عمرو على دينه.

و يشترط في المال أيضا ان يكون مملوكا، و بناء على ذلك فلا يصح ان يرهن الحر، و لا الخمر و لا الخنزير، فإنها غير قابلة للتملك، و لا يصح أن ترهن الأرض الخراجية، و هي الأرض التي فتحها المسلمون عنوة، و الأرض التي صالح أهلها المسلمين على أن تكون الأرض ملكا للمسلمين و تبقى بأيدي أهلها و يدفعون خراجها لإمام المسلمين، فإذا تقبل هذه الأرض أحد من ولي أمر المسلمين لم يملكها و لم يصح له رهنها على دين.

و لا يصح رهن العين الموقوفة سواء كانت أرضا أم دارا أم غيرهما من سائر الموقوفات، و سواء كانت موقوفة وقفا عاما أم خاصا، و يشترط أن يكون المال مما يمكن قبضه و يصح بيعه، فلا يصح أن يرهن الطير المملوك إذا طار فلم يمكن قبضه و لم يؤمل عوده، أو يرهن السمك المملوك إذا ذهب في الماء فلم يمكن الاستيلاء عليه بعد انطلاقه.

المسألة 13:

يجوز لمتقبل الأرض الخراجية أن يرهن ما غرس فيها من شجر و ما أنبت فيها من زرع و ما اقام فيها من بناء، و لا يصح على الأقرب أن يرهن الأرض معه بالتبعية، و اما رهن الأرض مستقلة فقد ذكرنا في المسألة المتقدمة أن الأقوى عدم صحته.

المسألة 14:

إذا رهن الإنسان على دينه ما يملكه هو و ما يملكه غيره، صح الرهن في ما يملكه و كانت الصحة في ما يملكه غيره موقوفة على اجازة مالكه، فإذا أجاز مالكه الرهن صح، و ان لم يجزه كان باطلا، و مثال ذلك ان‌

32

يكون زيد مدينا لأحد، فيرهن على الدين الذي في ذمته دارا مشتركة بينه و بين مالك آخر، فيكون الرهن في حصته من الدار صحيحا نافذا، و يكون الرهن في حصة شريكه من الدار فضوليا أو هو بحكم الفضولي، فتتوقف الصحة فيه على اجازة الشريك، فإذا أجازه صح رهنا على دين الراهن.

المسألة 15:

إذا استدان زيد من خالد مبلغا من المال و لم يجعل على دينه رهنا، فرهن عمرو بعض أموال زيد- و هو المدين- على الدين المذكور و لم يستأذن زيدا في ذلك، كان رهنه فضوليا، فان أجازه زيد كان صحيحا و ان لم يجزه كان باطلا.

المسألة 16:

يجوز للإنسان أن يتبرع بالرهن، فيجعل ماله رهنا لدين غيره، سواء رضي المدين بتبرعه عنه أم لم يرض بذلك، بل الظاهر صحة رهن المتبرع و ان منعه المدين من الرهن، و إذا كان في تبرعه منة لا يتحملها المدين، لم يصح الرهن حين ذاك، و كذا إذا قصد به إذلاله أو الحط من مكانته و كرامته.

و إذا تبرع الرجل فرهن ماله لدين غيره و لم يستأذن من المدين، ثم بيع المال بالدين، فليس للمتبرع الرجوع على المدين بعوض ماله، و خصوصا إذا كان المدين قد منعه من الرهن.

المسألة 17:

إذا كان الدين على الرجل مؤجلا إلى مدة معلومة، و رهن على الدين عينا يدركها الفساد قبل حلول أجل الدين، فان شرط الراهن أو المرتهن في ضمن العقد أن يباع المال المرهون قبل أن يصيبه الفساد، و يجعل ثمنه رهنا على الدين حتى يحل الأجل، صح الرهن و عمل بالشرط، فيتولى الراهن بيع المال قبل أن يعرض له الفساد، و يجوز له أن يوكل المرتهن في ذلك أو يوكل شخصا آخر يتفقان عليه فينفذ تصرف الوكيل.

و إذا امتنع الراهن من بيع المال و خيف على الرهن الفساد أجبره الحاكم الشرعي على بيعه و ان لم يمكن جبره تولى الحاكم البيع، و إذا لم‌

33

يوجد حاكم شرعي أو لم يمكن الوصول اليه، تولى المرتهن بيع المال و جعل الثمن رهنا على الدين.

و كذلك الحكم إذا دلت القرائن الحافة بالعقد على اشتراط بيع المال و جعل الثمن رهنا فيجري فيه جميع ما تقدم، و إذا شرط عدم بيع المال قبل حلول الأجل كان الرهن باطلا.

المسألة 18:

إذا كان الدين مؤجلا إلى مدة معلومة و رهن المدين عليه عينا لا يدركها الفساد بحسب العادة، و لكن طرأ عليها ما جعلها مظنة لعروض الفساد و التغير، و مثال ذلك أن يرهن على الدين حنطة أو أرزا أو غيرهما من الحبوب فيصيبه المطر أو الرطوبة، فلا يبطل الرهن بحدوث ذلك، سواء شرط بيع المال قبل حلول الأجل أم شرط عدم البيع، أم لم يشترط في عقد الرهن شيئا، فيباع المال المرهون، و يستبقي ثمنه رهنا حتى يحل أجل الدين.

المسألة 19:

يشترط في المال الذي يراد رهنه أن يكون معينا، فلا يصح أن يرهن شيئا مرددا مبهما، و مثال ذلك أن يرهن عند دائنه أحد العبدين، أو إحدى العينين، فإذا رهن إحداهما لا على وجه التعيين كان الرهن باطلا.

المسألة 20:

يصح أن يكون المال المرهون كليا في المعين إذا كانت الأفراد متساوية في الصفات و في المالية و مثال ذلك أن يرهن عند الدائن وزنة من صبرة معينة من الحنطة المتساوية في الأجزاء، أو يرهن عنده عددا معلوما من الأواني أو الأشياء الأخرى الموجودة في محله مما انتجته المعامل الحديثة متساوي الصفات و المالية، فإذا رهن الكلي من هذه الأفراد المتساوية الموجودة ثم عين الراهن فردا من الكلي و قبضه المرتهن، صح الرهن و كان نافذا، و يتحقق قبض الكلي بقبض ذلك الفرد. و يتحقق قبض الكلي في المعين أيضا بأن يدفع اليه جميع الأفراد الموجودة لديه من الكلي، فإذا دفع له جميع الصبرة المعينة و قبضها المرتهن فقد قبض الكلي و تحقق الشرط و صح الرهن.

34

و إذا كانت أفراد الكلي مختلفة في الصفات أو في المالية أو في كليهما، أشكل الحكم بصحة رهن الكلي منها.

المسألة 21:

يصح أن يرهن المدين كليا في الذمة على الأقوى إذا كان جنسه و نوعه مما تتساوى الأفراد منه في الصفات و المالية كما اشترطنا في المسألة السابقة، و يتحقق القبض بقبض المصداق الذي يعينه الراهن بعد ذلك، فإذا عين فردا من الكلي و قبضه المرتهن صح الرهن و ترتبت آثاره و أحكامه، و إذا تفاوتت أفراد الكلي في صفاتها و ماليتها أشكل الحكم بجواز رهن الكلي منها كما تقدم في نظيره.

المسألة 22:

إذا كان المال الذي يراد رهنه معلوم الجنس و الصفات و كان مجهول المقدار فالظاهر صحة رهنه، إذا كان مشاهدا، و مثال ذلك ان يرهنه صبرة معينة من الحنطة المعلومة، و هما لا يعلمان مقدار وزنها و كيلها.

المسألة 23:

إذا رهن الرجل عند دائنه شيئا مجهولا، فلا يعلم أن الشي‌ء المرهون مما له مالية أو لا، لم يصح رهنه و مثال ذلك أن يرهنه شيئا موجودا في الحجرة و هو لا يعلم أي شي‌ء فيها، و كذلك على الأحوط إذا رهن عنده شيئا يعلمان أنه مما له مالية و لكنهما يجهلان صفاته و خصائصه، أو كان أحدهما يجهل ذلك، و مثال ذلك ان يرهن عند صاحبه ما في الصندوق من المال و هما يجهلان اي نوع من المال يحتويه الصندوق، أو كان أحدهما يجهل ذلك، فلا يصح الرهن على الأحوط.

المسألة 24:

يشترط في الحق الذي يرهن عليه أن يكون دينا ثابتا في ذمة المدين بالفعل، فلا يصح أن يجعل الرهن وثيقة على مبلغ سيستقرضه بعد هذا أو على ثمن شي‌ء سيشتريه في الذمة، أو على ما سيبيعه سلفا على زيد، أو على صداق مؤجل لامرأة سيتزوجها، أو على مال اجارة لدار سيستأجرها من مالكها أو نحوها من الديون التي لم تثبت في ذمته و لكنها تثبت في ما يأتي عند ما تتحقق أسبابها، فلا يصح الرهن عليها قبل‌

35

ثبوتها، و ان تحققت بعد ذلك كما إذا رهن على الدين المقبل ثم استدان أو رهن على الصداق المؤجل قبل التزويج ثم تزوج.

المسألة 25:

لا يصح أن يجعل الرهن على الدية قبل أن تستقر في ذمة القاتل بموت المقتول و ان علم بأن السبب الذي جناه القاتل يؤدي الى الموت، و لا يصح الرهن على مال الجعالة قبل شروع المجعول له في العمل المجعول عليه، و لا بعد الشروع فيه و قبل إتمامه.

المسألة 26:

إذا تحقق سبب الدين و ثبت المال في الذمة، صح طلب جعل الرهن عليه من الدائن، و صح جعل الرهن عليه من المدين، سواء كان الدين حالا أم مؤجلا.

المسألة 27:

إذا استأجر الإنسان الدار أو المحل من مالكه، و كان مال الإجارة دينا في ذمة المستأجر جاز للمؤجر أن يطلب الرهن عليه كما ذكرنا، و إذا استأجر الرجل أجيرا على عمل في ذمته جاز للمستأجر أن يطلب من الأجير رهنا على العمل الثابت في ذمته، إذا أمكن استيفاء العمل المستأجر عليه من الوثيقة و مثال ذلك أن يستأجر الأجير على عمل في الذمة و لا يشترط عليه المباشرة، فإذا انقضت المدة المحددة للعمل و لم يقم الأجير به أو علم منه الامتناع عن الوفاء بالإجارة، بيع الرهن و استؤجر بثمنه عاملا يأتي بالعمل المطلوب، و إذا لم يمكن استيفاء العمل من الرهن لم يصح، كما إذا اشترطت على العامل المباشرة في العمل.

المسألة 28:

إذا اشترى الرجل سلعة أو متاعا و بقي الثمن دينا في ذمة المشتري، صح له ان يجعل السلعة أو المتاع الذي اشتراه رهنا على الثمن الباقي في ذمته من ذلك الشراء.

المسألة 29:

لا يبعد أنه يجوز جعل الرهن على الأعيان التي يستقر ضمانها على‌

36

الإنسان شرعا، لقوله (ص) (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) و أمثاله، كالأعيان التي يستولي عليها الإنسان غصبا، و الأعيان التي يقبضها بالعقود الفاسدة أو يقبضها بالسوم، و كالعارية التي يحكم الشارع بضمانها، و نحو ذلك، فإذا رهن الضامن في بعض هذه الموارد شيئا على العين التي حكم الشارع عليه بضمانها، و لم يؤد العين المضمونة لصاحبها حتى تلفت، بيع الرهن و أخذت قيمة العين التالفة من ثمنه.

المسألة 30:

إذا باع الرجل عينا شخصية على أحد، و سلم العين المبيعة للمشتري، كانت العين المذكورة في عهدة بائعها، فإذا استبان أن العين مملوكة لغيره كان عليه ضمانها، فيرد الثمن على المشتري إذا كان الثمن باقيا و يرجع عليه بدله إذا كان تالفا، و كذلك إذا اشترى سلعة من أحد بثمن شخصي معين، فالثمن المذكور في عهدة المشتري على النهج المذكور في المبيع، و مثله مال الإجارة إذا استأجر الدار أو الأرض بأجرة شخصية، و عوض الصلح إذا صالح على الشي‌ء بعوض شخصي، فتكون الأعواض الشخصية المذكورة التي جرت عليها المعاوضة في عهدة دافعها و ضمانه، فإذا ظهر انها مملوكة لغيره وجب عليه رد عوضها إذا كان موجودا و لزمه رد بدله إذا تلف.

و يشكل الحكم بصحة جعل الرهن على هذه العهدة، بل الظاهر عدم جواز ذلك قبل أن ينكشف أمر العين المضمونة أ هي مستحقة للغير أم لا، و إذا انكشف ان العين مملوكة لمالك آخر، فالظاهر صحة الرهن عليها.

المسألة 31:

لا يمنع رهن العين على دين من أن ترهن تلك العين نفسها على دين آخر للمرتهن الأول، فإذا استدان الرجل من أحد مبلغا من المال، و رهن عليه عشرين مثقالا من الذهب مثلا، ثم استدان منه أيضا دينا آخر يساوي الدين الأول في المقدار أو يزيد عليه أو ينقص عنه أو يخالفه في الجنس، و أراد أن يجعل الذهب المرهون على الدين الأول رهنا على الدينين معا جاز له ذلك، و كذلك إذا كان الرجل مدينا لزيد بدينين مستقلين فجعل على أحدهما رهنا معينا ذهبا أو غيره، ثم جعل ذلك الشي‌ء‌

37

رهنا على الدين الآخر أيضا، و لا يمنع ذلك من أن يجعله رهنا أيضا على دين ثالث أو رابع مثلا للمرتهن نفسه سواء كانت الديون التي يرهن عليها متجددة أم سابقه على الرهن الأول، فيصح له ذلك في جميع الصور.

المسألة 32:

إذا رهن الرجل شيئا معينا على دين لزيد، ثم أراد أن يجعل على الدين نفسه رهنا ثانيا توثيقا لزيد على دينه الواحد جاز له ذلك فيكون كل واحد من الشيئين رهنا مستقلا على ذلك الدين الواحد.

و إذا أراد أن يفسخ الرهن الأول و يجعل الشيئين معا رهنا واحدا على الدين صح ذلك إذا فسخ المرتهن الرهن الأول أو تقايلا بينهما فأبطلا الرهن الأول و اتفقا على إنشاء الرهن الثاني.

المسألة 33:

إذا رهن الرجل شيئا معينا على دين عليه لزيد، ثم أراد أن يرهن ذلك الشي‌ء نفسه على دين في ذمته لعمرو، صح له أن يفعل ذلك إذا رضي الدائنان و اتفقا معه عليه، فيصبح الشي‌ء رهنا على كل واحد من الحقين، فإذا أدى أحد الدينين أو أبرأه صاحبه منه بقي الشي‌ء رهنا بالدين الآخر.

و إذا رضي الدائن الأول ففسخ رهنه و رهن الشي‌ء على الدين الثاني وحده صح ذلك، و إذا فسخ رهن الأول ثم جعل الشي‌ء رهنا مشتركا على الدينين صح ذلك إذا اتفق جميعهم عليه.

المسألة 34:

إذا استدان كل واحد من زيد و عمرو دينا خاصا من دائن واحد، و رهنا عنده على الدينين دارا مشتركة بينهما بعقد واحد أو بعقدين، أصبحت حصة كل واحد منهما من الدار رهنا خاصا على دينه الذي في ذمته، فإذا أدى أحدهما دينه الخاص انفكت حصته من الدار من رهنها، و بقيت حصة شريكه مرهونة بدينه سواء تفاوت الدينان في المقدار أم تساويا، و سواء اختلفت حصتاهما من الدار في المقدار أم تساوتا، و سواء كان معهما شريك ثالث في الدار أم لا.

38

المسألة 35:

إذا استدان زيد من عمرو مبلغا من المال، ثم استدان من خالد مبلغا آخر، و جعل داره رهنا عندهما على الدينين، فان كان الدينان متساويين في مقدارهما، فظاهر ذلك ان نصف الدار رهن عند عمرو على دينه و نصفها الآخر رهن عند خالد على دينه.

و إذا اختلف الدينان في المقدار، فالظاهر منه أن رهن الدار بينهما يكون بنسبة حق الدائن إلى مجموع الدينين، فإذا كان دين عمرو مائة دينار مثلا، و كان دين خالد مائتي دينار كانت حصة عمرو من الدار المرهونة الثلث و كانت حصة خالد الثلثين منها، و هذا هو مقتضى ظاهر مناسبة الرهن مع الدين في كلا الفرضين، الا أن تدل قرينة خاصة على ان المراد غير ذلك فيجب اتباعها.

المسألة 36:

إذا استدان زيد من عمرو مبلغا من المال و رهن عنده داره على دينه، ثم مات الراهن و هو زيد، و خلف من بعده ولدين، فأدى أحد الولدين ما يصيبه من دين أبيه، لم تنفك حصته من الدار عن رهنها حتى تؤدى بقية الدين.

و إذا مات المرتهن و هو عمرو في الفرض المذكور، و خلف من بعده ولدين، فدفع الراهن و هو زيد حصة أحد الولدين من الدين لم ينفك الرهن عن حصته من الدار كذلك حتى يدفع جميع الدين لصاحبه.

المسألة 37:

إذا رهن الإنسان بقرة أو شاة أو دابة لم يدخل حملها الموجود في بطنها في الرهن و لا ما يتجدد منه بعد العقد، الا إذا اشترط في العقد أن يدخل الحمل في الرهن، فيتبع الشرط، أو كان دخول الحمل هو القاعدة المتعارفة بين الناس في ذلك فيكون التعارف قرينة على الدخول.

و كذلك الثمر في الشجر و التمر في النخيل، فلا يدخل الموجود منه في رهن الأصل، و لا ما يتجدد منه بعد عقد الرهن الا مع الشرط أو يكون ذلك هو المتعارف بين الناس فيثبت ذلك فان المتعاقدين يقصدان ما هو المتعارف بين الناس.

39

المسألة 38:

إذا رهن الإنسان على دينه جملا أو بقرة أو شاة أو غيرها من الحيوان، فالظاهر دخول وبر الحيوان و صوفه و شعره في رهن الحيوان من غير فرق بين الموجود منه و ما يتجدد، و إذا رهن الشجرة دخل في الرهن أوراق الشجرة و أغصانها الخضراء و اليابسة.

و لا يدخل مغرس الشجرة في رهنها و مغرس الشجرة هو موضع غرسها من الأرض، و لا يدخل أس الجدار في رهن الجدار و هو موضع أساسه من الأرض.

و يشكل الحكم بدخول اللبن الموجود في الضرع في رهن البقرة و الشاة و الناقة، و كذلك ما يتجدد منه و الأحوط الرجوع فيه الى المصالحة، و ان كان الأقوى عدم الدخول في الرهن الا مع الاشتراط.

الفصل الثاني في لزوم الرهن و جوازه

المسألة 39:

عقد الرهن لازم من جانب الراهن، و هو جائز من جانب المرتهن، فلا يصح للراهن أن يفسخ الرهن أو يأخذ العين المرهونة من المرتهن بغير رضاه، و يجوز للمرتهن أن يسقط حقه من الرهن، فإذا أسقط حقه منها جاز للراهن أخذ العين و التصرف فيها و ان لم يرض المرتهن و لم يأذن بالتصرف بعد إسقاط حقه، و مثل ذلك ما إذا أدى الدين أو فرغت ذمته منه بإبراء أو مصالحة أو هبة أو غيرها فيسقط حق المرتهن و يجوز للراهن التصرف.

المسألة 40:

إذا برئت ذمة المدين من بعض الدين لم ينفك الرهن بذلك، و لم ينفك منه شي‌ء على الأقوى بل يبقى الجميع رهنا حتى يؤدي جميع الدين، أو تبرأ ذمته منه بأحد المبرئات.

و إذا شرط الراهن في العقد أن ينفك من الرهن بمقدار ما يؤدى من الدين نفذ الشرط، فإذا أدى نصف الدين انفك نصف الرهن و بقي‌

40

نصفه رهنا على بقية الدين، و إذا شرط أن تكون العين مرهونة على مجموع الدين نفذ ذلك، فإذا أدى بعض الدين انفك جميع الرهن.

المسألة 41:

لا يجوز للراهن أن يتصرف في العين المرهونة تصرفا ينافي حق المرتهن كالبيع و الإجارة و نحوهما من التصرفات التي تنقل العين أو المنفعة إلى ملك غيره و كالوقف و التحبيس و الصدقة، و يجوز له أن يتصرف فيها تصرفا لا ينافي حق المرتهن، و لا يخرجها من يده على الأقوى كسقي الشجر المرهون و علف الدابة و تعمير الدار و مداواة المريض، بل يجوز استخدام العبد و الأمة و ركوب السيارة و الدابة و سكنى الدار إذا لم تخرج العين بتصرفه عن يد المرتهن أو كان التصرف باذنه و رضاه.

المسألة 42:

إذا أتلف الراهن العين المرهونة لزمه أن يؤدي قيمتها، فتوضع القيمة رهنا مكان العين التالفة و إذا آجر الراهن الدار المرهونة كانت صحة الإجارة موقوفة على اجازة المرتهن، فان ردها بطلت، و ان أجازها صحت و لم يبطل رهن الدار بذلك، و كانت الأجرة المسماة للمالك الراهن.

المسألة 43:

إذا باع الراهن العين المرهونة توقفت صحة البيع على اجازة المرتهن، فإذا هو رد العقد بطل البيع و بقي الرهن، و إذا أجاز العقد صح البيع و بطل الرهن، إلا إذا باع الراهن العين على أن يكون ثمنها رهنا في موضع العين و أجاز المرتهن البيع كذلك، فيصح البيع و يبقى الثمن رهنا كما اشترط.

و كذلك الحكم إذا أذن المرتهن في بيع العين فباعها الراهن، فيصح البيع و يبطل الرهن، و إذا باع العين على أن يكون ثمنها رهنا في موضع العين، و قد أذن له المرتهن كذلك صح البيع و لم يبطل الرهن بل يبقى الثمن رهنا كما اشترط و تراجع المسألة المائة و التاسعة و العشرون من كتاب التجارة في بقية من فروض هذه المسألة.

41

المسألة 44:

لا يجوز للمرتهن أن يتصرف في العين المرهونة إلا بإذن مالكها، فإذا ركب السيارة أو الدابة المرهونة عنده، أو سكن الدار أو اكتسب في الدكان بغير اذن المالك كان آثما بتصرفه، و كان ضامنا للعين إذا تلفت فيضمنها بمثلها إذا كانت مثلية و بقيمتها يوم التلف إذا كانت قيمية، و يجب عليه أن يدفع للمالك أجرة المثل للمنفعة التي استوفاها من ماله.

المسألة 45:

إذا باع المرتهن العين المرهونة، كان بيعه فضوليا، فلا يصح الا بإجازة المالك الراهن، فان أجازه صح، و ان رده كان باطلا.

و إذا أجاز المالك بيع المرتهن، و كان بيعه للعين مشروطا بأن يكون ثمنها رهنا، و قد أجازه المالك كذلك صح البيع و بقي الثمن رهنا مكان العين كما اشترط.

و إذا باع المرتهن العين و لم يشترط في البيع شيئا ثم أجاز الراهن البيع صح البيع و بطل الرهن و لا يكون الثمن رهنا على الدين الا بعقد جديد.

المسألة 46:

إذا آجر المرتهن الدار المرهونة بغير اذن مالكها كان عقد الإجارة فضوليا، فان أجازه المالك صحت الإجارة و كان بدل الإجارة له لا للمرتهن، و ان رده كانت الإجارة باطلة، و بقيت العين رهنا على حالها في كلتا الصورتين.

المسألة 47:

منافع العين المرهونة و نماءاتها تابعة للعين في الملك، فإذا كانت العين مملوكة للراهن كما هو الغالب، فمنافعها و نماءاتها كلها للراهن، فسكنى الدار المرهونة، و العمل و التكسب في الدكان المرهون و خدمة العبد و الأمة المرهونين، و استعمال الفرش و الأواني و الأثاث و الأمتعة و ركوب السيارة و الدابة إذا كانت هذه الأشياء مرهونة، و كل منفعة من منافعها، و أجرتها إذا استؤجرت كلها للراهن و كذلك نماءاتها كنتاج الحيوان و لبنه و دهنه و بيضه و سمنه إذا سمن، و ثمر النخيل‌

42

و الشجر و نموه و فسيلة، فجميع ذلك للراهن، و لا ينتقل شي‌ء منه الى المرتهن و لا يدخل في الرهن إلا إذا اشترط دخوله أو دلت قرينة أو عرف على دخوله، و قد ذكرنا ما يدخل في الرهن و ما لا يدخل فيه في المسألة السابعة و الثلاثين و المسألة الثامنة و الثلاثين، فليرجع إليهما من يريد الوقوف على ذلك.

و إذا كانت العين المرهونة ملكا لغير الراهن فمنافعها و نماؤها لمالك العين و قد ذكرنا في المسألة السادسة عشرة حكم من يتبرع بالرهن، فيجعل ماله رهنا على دين غيره.

المسألة 48:

يصح للمالك أن يرهن ثمرة الشجرة دون أصلها، و يصح له أن يرهن الأصل و الثمرة معا فإذا أدركت الثمرة و حل أجل الدين في وقت واحد، أو كان الدين حالا لا أجل له، أجريت على الثمرة أحكام الرهن عند حلول الأجل، سواء كانت مرهونة مع الأصل أم على انفرادها.

و إذا كان الدين مؤجلا و أدركت الثمرة قبل حلول أجله، فإن كانت الثمرة مما يحفظ بتجفيف و نحوه حتى يحل أجل الدين، صنع بها كذلك و بقيت رهنا، و ان لم يمكن حفظها، جرى عليها حكم رهن العين التي يسرع إليها الفساد قبل حلول الدين، و قد ذكرناه في المسألة السابعة عشرة فلتراجع لتطبيق حكمها في المورد.

المسألة 49:

إذا كان على الشخص دين حال، أو كان الدين مؤجلا فحل وقته، و رهن عليه رهنا، و شرط الراهن أو المرتهن في ضمن العقد، أن يستوفي الدائن المرتهن منفعة العين المرهونة مجانا ليؤجل الدين إلى مدة معينة لم يصح ذلك، و كذلك الحكم إذا كان الدين مؤجلا إلى مدة، فرهن عليه رهنا، و شرط أن يستوفي المرتهن منفعة العين مجانا ليزيد في مدة الأجل، فلا يصح ذلك في الصورتين، و قد ذكرنا في المسألة الثلاثمائة و الخامسة و ما بعدها من كتاب التجارة نظيري هذين الحكمين.

المسألة 50:

يجوز للدائن المرتهن أن يشترط في العقد على الراهن أنه يستوفي‌

43

منفعة العين المرهونة مجانا. في مدة رهنها عنده، إذا لم يكن استيفاء المنفعة المذكورة زيادة في عوض قرض، كما ذكرناه في المسألة التاسعة و الخمسين من كتاب الدين، و لم يكن عوضا لتأجيل دين حال، أو عوضا لزيادة في أجل دين مؤجل كما ذكرناه في المسألة السابقة، فإذا لم يكن استيفاء منفعة الرهن راجعا الى ذلك، صح للمرتهن اشتراطه و إذا شرطه في الرهن لزم العمل به ما دامت المدة المشترطة باقية.

الفصل الثالث في استيفاء الحق من الرهن

المسألة 51:

لا يتعين على الراهن أن يبيع العين المرهونة لوفاء دينه، و لا يحق للمرتهن أن يجبره على بيعها و وفاء الدين من ثمنها إذا كان يستطيع وفاءه من مال آخر، أو ببيع عين أخرى أو بالاستدانة من دائن آخر، فيكون مخيرا في الوفاء من اي سبيل أراد، إلا إذا انحصر سبيل ذلك ببيع العين، فيتعين عليه بيعها حين ذاك و يجبر عليه إذا امتنع.

المسألة 52:

إذا رهن الرجل بعض أمواله عند الدائن يوثق به دينه، فقد يجعل الراهن صاحب الدين وكيلا عنه في بيع العين المرهونة عند حضور أجل الدين و في استيفاء حقه من ثمنها، و قد لا يوكله في ذلك بل يجعل أمر بيع الرهن و وفاء الدين لنفسه لا للمرتهن، و إذا وكله في البيع و الاستيفاء، فقد يجعل وكالته مطلقة في ذلك بمجرد حلول وقت الوفاء، و قد يجعل وكالته مقيدة بمراجعة الراهن في تسديد الدين، فلعله يوفي الدين من جهة أخرى غير جهة الرهن، فإذا لم يوف الراهن الدين من ناحية أخرى كان المرتهن وكيلا عنه في البيع و الاستيفاء.

فإذا حضر أجل الدين أو كان حالا غير مؤجل، و أراد المرتهن أن يستوفي حقه جاز له أن يعمل بموجب وكالته إذا كان وكيلا و جاز له ان يطالب الراهن بالوفاء إذا لم يوكله في ذلك.

44

المسألة 53:

إذا حضر أجل الدين أو كان الدين حالا غير مؤجل، و كان المرتهن وكيلا عن المديون في أن يبيع العين المرهونة و يستوفي دينه من ثمنها، و كانت وكالته مطلقة بمجرد حلول الدين، جاز له أن يتولى بيع العين و استيفاء الدين و لم يجب عليه أن يراجع الراهن في ذلك، و يلزمه أن يقتصر في تصرفه على ما تتناوله وكالته في نظر العقلاء فلا يجوز له أن يراعي حق نفسه من غير مراعاة لمصلحة موكله في كل من البيع و الاستيفاء.

و يحسن ان يراجع الراهن قبل البيع و في البيع و في الاستيفاء، و ان لم يجب عليه ذلك إذا كانت الوكالة مطلقة و كان مراعيا لشؤون الوكالة كما بينا.

المسألة 54:

إذا كانت وكالة المرتهن في بيع العين مقيدة بمراجعة الراهن قبل البيع كما ذكرنا في المسألة الثانية و الخمسين وجب عليه أن يراجع الراهن أولا، فإذا لم يحصل منه على الوفاء من جهة أخرى جاز له أن يتولى البيع و يستوفي حقه من الثمن على نهج ما بيناه في المسألة المتقدمة.

المسألة 55:

إذا شرط المرتهن على الراهن في ضمن العقد أن يكون وكيلا عنه في بيع العين و استيفاء الحق من ثمنها لزم الشرط و ثبتت وكالة المرتهن عن الراهن في ذلك، و لم ينعزل إذا عزله الراهن، حتى يتحقق البيع و الاستيفاء منه أو من الراهن باذن المرتهن أو إجازته، أو يحصل الوفاء للدين من طريق آخر، و إذا وكل الراهن المرتهن في بيع العين بعد أن تم عقد الرهن و لم يشترط ذلك في ضمنه جاز للراهن أن يعزله قبل أن يحصل البيع.

المسألة 56:

إذا حضر أجل الدين أو كان حالا غير مؤجل، و لم يكن المرتهن وكيلا عن الراهن في بيع العين لم يجز له أن يتولى البيع بنفسه، بل يطالب الراهن بوفاء الدين بأحد السبل التي يختارها في ذلك فيبيع العين‌

45

المرهونة، أو يوكل المرتهن أو غيره في بيعها، أو يؤدي الدين من مال آخر، و إذا باع الراهن العين توقفت صحة البيع على اذن المرتهن أو إجازته كما تقدم، و كذلك إذا وكل الراهن غير المرتهن فباعها فتتوقف صحة البيع على اذن المرتهن أو إجازته.

المسألة 57:

إذا امتنع الراهن من وفاء الدين و من بيع الرهن و التوكيل في بيعه، رفع المرتهن الأمر إلى الحاكم الشرعي، فألزمه الحاكم ببيع العين و وفاء الدين من ثمنها، أو أدائه من وجه آخر.

و إذا امتنع على الحاكم أن يلزمه بشي‌ء، لغيبة و نحوها، تولى الحاكم بيع الرهن و وفاء الدين، أو وكل غيره في ذلك، و يجوز ان يتولى المرتهن ذلك بالوكالة عن الحاكم الشرعي و اذنه.

المسألة 58:

إذا فقد الحاكم الشرعي أو تعذر الاستئذان منه، جاز للمرتهن، أن يتولى بيع الرهن بنفسه فيستوفي دينه من الثمن، و إذا زاد الثمن على الدين بقيت الزيادة امانة في يد المرتهن، يجب عليه ان يوصلها الى مالك العين.

المسألة 59:

لا يجوز للمرتهن أن يتولى البيع بنفسه في الصورة المتقدم ذكرها مع تمكنه من استئذان الحاكم الشرعي و ان كان الحاكم غير قادر على إلزام الراهن بالبيع و الوفاء لعدم بسط يده، فلا بد من استئذانه.

المسألة 60:

إذا كانت العين المرهونة بيد المرتهن و امتنع الراهن من بيعها و من وفاء الدين، و تعذر على المرتهن إثبات دينه عند الحاكم لعدم البينة الشرعية، و خشي إذا هو رفع أمره الى الحاكم الشرعي ان يجحد الراهن الدين فلا يستطيع هو إثباته لعدم وجود البينة، فتؤخذ منه العين المرهونة لاعترافه بها و عدم ثبوت حقه، جاز له أن يبيع الرهن و يستوفي دينه من ثمنه من غير مراجعة للحاكم الشرعي.

46

و كذلك الحكم إذا مات الراهن و خاف المرتهن أن يجحد وارث الراهن الدين، و لا بينة للمرتهن على إثبات حقه، فإذا رفع الأمر إلى الحاكم لم يستطع إثبات الدين عنده، فتؤخذ منه العين المرهونة كما في الفرض السابق، فيجوز له أن يبيع الرهن و يستوفي الدين من غير مراجعة للحاكم.

المسألة 61:

إذا جاز للمرتهن أن يبيع العين المرهونة من غير مراجعة للحاكم الشرعي كما في الصور الآنف ذكرها، و كان بيع بعض الرهن كافيا في وفاء الدين كله فالأحوط للمرتهن لزوما ان لا يبيع جميع الرهن، بل يقتصر على بيع ما يكفيه من الرهن في تسديد الدين، و يبقى بقية الرهن أمانة شرعية في يده يوصلها الى مالكها، و هو الراهن.

و إذا تعذر عليه أن يبيع بعض الرهن لعدم إمكان التفكيك بين أجزائه أو لعدم وجود الراغب مثلا أو كان بيع البعض يوجب ضررا للراهن جاز له ان يبيع جميع الرهن، فيستوفي مقدار دينه من الثمن و يبقى الباقي منه امانة في يده يوصله الى الراهن.

المسألة 62:

إذا رهن الرجل عند دائنه بعض الأعيان التي جعلها الإسلام من المستثنيات في وفاء الدين، و هي الأمور التي تقدم ذكرها في المسألة الثامنة عشرة من كتاب الدين، جاز للمرتهن أن يبيعها و يستوفي دينه من ثمنها، و الأحوط أن لا يبيع دار سكناه، ففي الخبر عن أبي عبد اللّه (ع): أعيذك باللّه أن تخرجه من ظل رأسه.

المسألة 63

إذا كان لزيد في ذمة عمرو دينان يستقل أحدهما عن الآخر، و قد جعل عمرو على الدين الأول منهما بخصوصه، أو على الثاني بخصوصه رهنا، اختص الرهن بالدين المقصود منهما، فإذا وفاه المدين انفك رهنه، و لم يجز للمرتهن ان يحتبس الرهن بالدين الآخر، و إذا وفى الدين الآخر الذي لا رهن عليه برئت ذمته منه، و بقي الرهن محبوسا حتى يؤدي الدين الذي ارتهن عليه.

47

و إذا دفع للدائن مبلغا و لم يعين عند دفعه انه وفاء عن الدين الأول أو عن الثاني، لم ينفك الرهن بذلك على الأقوى حتى يعلم فكه.

المسألة 64:

المرتهن أمين على العين المرهونة في يده، و لذلك فلا يكون ضامنا لها إذا تلفت في يده أو نقصت أو أصابها عيب أو عوار، إلا إذا تعدى عن الحد المأذون فيه، فتصرف في العين تصرفا غير مأذون فيه أو فرط في حفظها فيكون ضامنا لما يحدث فيها، كما ذكرناه في المسألة الرابعة و الأربعين.

المسألة 65:

إذا كانت العين في يد الرجل و هي مضمونة عليه كما إذا كان غاصبا لها أو كان قد قبضها بالسوم أو بعقد فاسد أو كانت عنده عارية مضمونة أو أمانة قد فرط فيها فأصبحت مضمونة عليه، ثم رهنها مالكها عنده، فان أذن له مالك العين في بقائها في يده أو كان رهنها عنده دليلا على اذنه و رضاه بذلك أو دلت عليه قرينة أخرى ارتفع الضمان عنه بذلك و أصبح أمينا، و ان لم يأذن له المالك صريحا و لم تدل القرائن على الاذن، فالضمان الأول لا يزال باقيا بحاله حتى يحصل ما يرفعه.

المسألة 66:

إذا أدى الراهن الدين الذي جعل الرهن عليه، أو أبرأ الدائن ذمة المدين منه أو تبرع أحد بأدائه عنه انفك الرهن، و بقيت العين أمانة عند المرتهن، فإذا طالبه المالك بها وجب عليه أن يسلمها له، و لا يجب عليه تسليمها إذا لم يطالبه بها.

المسألة 67:

إذا كانت العين المرهونة بيد المرتهن و ظهرت عليه أمارات الموت، و علم أو خشي انه ان لم يوص بها لم يوصلها الوارث من بعده الى صاحبها، لأن الوارث لا يعلم بها أو هو يخشى من نسيان الوارث لها، أو لأن الباعث له على أداء الأمانة إلى أهلها ضعيف في نفسه، فإذا لم يوص بها لم يؤدها الوارث أو هو يخشى منه ان لا يؤديها، فتجب عليه‌

48

الوصية بها و التعريف بها و بصاحبها و الاشهاد عليها، و إذا لم يوص بها في هذا الفرض أو لم يشهد كان مفرطا و ضامنا لها، و كذلك إذا خشي من بعض الورثة أن يجحد، و يقع النزاع بينهم، فلا يصل الحق الى صاحبه فتجب عليه الوصية و الاشهاد و إذا علم أو اطمأن بأن وارثه يوصل الحق إلى أهله، و كان الوارث عالما بالرهن و عارفا بالعين المرهونة و بأهلها و بالحق الذي رهنت عليه لم تجب عليه الوصية بها على الأقوى، و الأحوط استحبابا عدم تركها.

المسألة 68:

لا يبطل الرهن بموت الراهن، بل تنتقل العين ملكا لورثته من بعده و تبقى مرهونة بالدين الذي اشتغلت به ذمة مورثهم حتى تبرأ ذمته من الدين، و لا يبطل الرهن بموت المرتهن، بل ينتقل الحق إلى ورثته من بعده فتكون العين رهنا عند الورثة على دين مورثهم في ذمة الراهن.

و إذا لم يأتمنهم الراهن على العين المرهونة جاز لهم أن يتفقوا معه فيضعوها بيد أمين، فان لم يتفقوا على ذلك رفعوا الأمر إلى الحاكم الشرعي، فوضع العين بيد شخص يرتضيه، فان لم يوجد الحاكم الشرعي قام بالأمر عدول المؤمنين.

المسألة 69:

إذا أذن الراهن للمرتهن في بيع العين المرهونة قبل أن يحل أجل الدين، فباعها المرتهن كان ثمنها أمانة بيده، و لم يجز له أن يتصرف فيه، و لم يجز له أن يستوفي منه الدين حلول الأجل إلا بإذن الراهن.

و إذا حل الأجل و أذن الراهن للمرتهن باستيفاء الدين من الثمن جاز له ذلك، و يجوز للراهن أن يتولى ذلك، فيأخذ المال و يوفي الدين منه أو من غيره.

و إذا لم يأذن الراهن للمرتهن في الاستيفاء و لم يؤده بنفسه رجع الى الحاكم الشرعي فالزم الراهن بالوفاء و إذا امتنع تولى الحاكم أو وكيله وفاء الدين من المال، و إذا تعذر عليه ان يرجع الى الحاكم الشرعي جاز للمرتهن أن يستوفي دينه من المال الموجود بيده بغير إذن.

49

المسألة 70:

إذا رهن الرجل بعض أمواله عند أحد على دين معين ثم أصبح مفلسا و حجر على أمواله لكثرة ديونه، اختص المرتهن بالعين المرهونة و لم يشاركه باقي الغرماء فيها حتى يستوفي دينه المذكور منها، و إذا كان للمرتهن دين آخر على المفلس لا رهن فيه شارك الغرماء الآخرين بالضرب معهم في بقية أموال المفلس بنسبة دينه الآخر، و إذا فضل من الرهن شي‌ء بعد استيفاء دين المرتهن اقتسمه الغرماء بالحصص بنسبة ديونهم كسائر أموال المفلس و منهم المرتهن في دينه الآخر، و إذا زاد دين المرتهن الذي كان الرهن عليه على ثمن الرهن، أخذ الثمن و ضرب مع الغرماء بالباقي من دينه في أموال المفلس الأخرى.

المسألة 71:

إذا مات المرتهن و بيده العين المرهونة جرت فيه الصور الست التي ذكرناها و فصلنا أحكامها في المسألة المائة و الثانية عشرة و المسائل التي بعدها من كتاب المضاربة فليرجع إليها من أراد و لا حاجة الى إعادة ذكرها في المقام.

المسألة 72:

يصح للمرتهن ان يشتري العين المرهونة عنده سواء كان المتولي لبيعها هو الراهن أم وليه أم وكيله غير المرتهن، و إذا كان الوكيل في بيع العين هو المرتهن نفسه، أشكل الحكم بالجواز، من حيث الإشكال في الصحة إذا اتحد الموجب و القابل في العقد، فإذا وكل المرتهن أحدا في قبول الشراء عنه، فباع هو بالوكالة عن الراهن، و قبل وكيله الشراء بالوكالة عنه، فالظاهر الصحة.

المسألة 73:

إذا تلفت العين المرهونة أو نقصت أو ظهر فيها عيب، فادعى الراهن ان المرتهن قد تعدى في الأمانة أو فرط في حفظها، فيكون ضامنا لما حدث فيها و أنكر المرتهن ذلك كان القول قول المرتهن مع يمينه لأنه منكر، و لأنه أمين.

50

المسألة 74:

إذا تنازع المرتهن و الراهن في قدر الدين الذي وضع عليه الرهن، فادعى المرتهن ان العين قد رهنت عنده على ألف دينار مثلا، و قال الراهن، هي مرهونة على ثمانمائة، فالقول قول الراهن مع يمينه لأنه منكر.

المسألة 75:

إذا استوفى المرتهن دينه ثم اختلف الراهن و المرتهن في رد العين المرهونة إلى مالكها، فقال المرتهن اني رددتها عليك و أنكر الراهن ردها، فالقول قول الراهن المنكر مع يمينه.

المسألة 76:

إذا كان زيد مدينا لعمرو بدين و قد جعل عليه رهنا معينا، و له عليه دين آخر لم يجعل عليه رهنا، ثم أدى زيد أحد الدينين المذكورين، و قصد في نفسه أن ما أداه وفاء عن الدين الأول المرهون عليه، أو عن الدين الثاني الذي لا رهن عليه اتبع قصده و كان المبلغ المدفوع وفاء عما قصده في نفسه، و إذا اختلف هو مع الدائن في انه عين أحد الدينين أم لا، فالقول قوله، و كذلك إذا اختلفا في ان الدين الذي قصد الوفاء عنه هل هو الأول الذي جعل الرهن عليه أو الثاني الذي لا رهن عليه؟

فيكون القول قوله لأنه أبصر بنيته.

و إذا أدى المبلغ و لم يقصد انه وفاء عن أيهما، تخير في التعيين بعد ذلك فإذا عين أحد الدينين تعين و كان المبلغ وفاء عنه.

51

كتاب الضمان

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

كتاب الضمان و فيه أربعة فصول:

الفصل الأول في الضمان و شروطه

المسألة الأولى:

ضمن الإنسان المال أو الشي‌ء: تعهد به و تكفل، فهو ضامن و ضمين، و الشي‌ء الذي تعهد به: مضمون و الشخص أو الجهة التي تعهد لها بالشي‌ء: مضمون له، و الشخص أو الجهة التي تعهد عنها بالشي‌ء:

مضمون عنه.

و الضمان الذي يقصده الفقهاء في هذا الكتاب هو أن يتعهد الإنسان لأحد بمال يكون له في ذمة شخص آخر، فالإنسان المتعهد بالدين ضامن، و الشخص الأول و هو الدائن مضمون له، و الشخص الثاني و هو المدين مضمون عنه، و الدين المتعهد به مضمون.

المسألة الثانية:

لا بد في الضمان من الإيجاب، و هو إنشاء التعهد بالمال المضمون للشخص المضمون له، و يكون الإيجاب من الضامن، و يكفي فيه أي لفظ يكون دالا على تعهد الضامن بالمال سواء كانت دلالته بالصراحة أم بالظهور العرفي و لو بنصب قرائن تتم بها دلالة اللفظ على المعنى المراد، و من الألفاظ المستعملة في الإيجاب أن يقول الموجب للمضمون له: ضمنت لك الدين الذي تستحقه في ذمة زيد، أو تعهدت لك به.

و لا يشترط فيه القبول على الأقرب، بل يكفي في ترتب الأثر رضي المضمون له بتعهد الضامن له بالدين سواء كان رضاه سابقا على إيجاب الضامن أم لاحقا له، نعم يعتبر فيه على الأحوط لزوما أن يكون للرضى‌

54

مبرز يدل عليه من قول أو فعل، و لا يكتفى بالرضى القلبي المجرد من غير دلالة عليه.

المسألة الثالثة:

الظاهر ان التعهد بما في ذمة المضمون عنه مما لا تمكن الدلالة عليه بالأفعال، و لذلك فلا يصح الإيجاب بها من الضامن، و يمكن أن يكون الفعل دالا على الرضى، و لذلك فيكتفى بدلالته على رضى المضمون له كما قلنا.

المسألة الرابعة:

لا يعتبر في صحة الضمان أن يرضى به الشخص المضمون عنه، فيصح التبرع بضمان ما في ذمته من الدين و ان لم يأذن بذلك و لم يرض به كما تقدم في وفاء الدين عنه و كما تقدم في صحة الرهن على الدين الذي في ذمته و لا يصح ذلك إذا أوجب له حرجا أو ضررا أو منة عليه لا تحتمل بحسب العادة أو أوجب له ضعة لا تناسب منزلته الاجتماعية، فلا يصح التبرع بالضمان عنه في هذه الفروض كما لا يصح التبرع بالرهن عنه و لا بوفاء دينه، و قد ذكرنا ذلك في كتاب الدين و كتاب الرهن.

المسألة الخامسة:

يشترط في الضامن أن يكون بالغا، فلا يصح ضمان الصبي و ان كان مميزا أو كان مراهقا أو أذن له وليه بالضمان على الأحوط لزوما في الأخير، و يشترط فيه أن يكون عاقلا، فلا يصح ضمان المجنون، إلا إذا كان جنونه أدوارا و كان ضمانه للدين في دور إفاقته، و يشترط فيه أن لا يكون سفيها فلا يصح ضمانه إذا كان كذلك إلا إذا كان ضمانه باذن وليه، و يشترط فيه أن يكون مختارا، فلا يصح ضمانه إذا كان مكرها.

المسألة السادسة:

يشترط في الشخص المضمون له كذلك أن يكون بالغا و أن يكون عاقلا، و ان يكون مختارا و ان لا يكون سفيها.