نتائج الأفكار في نجاسة الكفار

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
246 /
3

كلمة المؤلّف

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي منّ علينا ان هدانا للإسلام- وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لٰا أَنْ هَدٰانَا اللّٰهُ- و طهّرنا من أدناس الكفر و عبادة الأوثان و الأصنام التي هي أكبر الجرائم و الآثام و أعظم المعاصي العظام. و أفضل الصلاة و السلام على المبعوث إلى كافّة الأنام الذي علّمنا معالم الحلال و الحرام، و على آله الأئمة الأبرار الكرام ما كرّ الليالي و الأيّام و من الآن الى يوم القيام.

و بعد فإنّ أعظم خطر كان يهدّد الإنسانيّة منذ بدء الحياة و نشئ الإنسان هو خطر الكفر و الإلحاد، و أكبر داء يقضى على سعادة البشر و كيانه هو الشرك، و الانحراف عن مبدأ حياته، و أخطر فساد يعتري الكون و هذا النوع، الغفلة عن الخالق، و إنكاره، و اصطناع آلهة دون اللّه يعبدون.

و اىّ خطر أعظم من سقوط الإنسان عن سماء عظمة الإنسانية إلى حضيض أحطّ من عالم البهائم الّتي لا تعقل شيئا و أيّ خسارة أعظم من ابتعاده عن الخالق العظيم و التحاقه بالشياطين و دخوله أبواب الشقاء نار جهنّم خالدا فيها؟

و على هذا الأساس قال اللّه تبارك و تعالى وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً

4

فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخٰاسِرِينَ (1) و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فمن يبتغ غير الإسلام دينا تتحقّق شقوته و تنفصم عروته و تعظم كبوته و يكن مآبه الى الحزن الطويل و العذاب الوبيل. (2)

و قد تصدّى المكاتب السماوية لمحاربة الأديان الباطلة و المذاهب المفتعلة الواهية الّتي تجمعها كلمة الكفر، كي يتخلّص الإنسان من أنياب العقائد السخيفة الهدّامة، و يتشرّف بشرف التوحيد، و الإقبال الى اللّه تعالى، الذي ليس له مثيل و لاعنه بديل، و من طالع ما جاء به مكتب الوحي حول الكفّار و قرّره الدين في المنحرفين عن التوحيد، يرى انّ صفة الكفر الخبيثة تستتبع آثارا خطيرة سيئة في الدنيا و الآخرة:

امّا في الآخرة فهو ما وعد اللّه تعالى لهم من العقوبات العظيمة و العذاب الدائم، و قد اقسم اللّه سبحانه ان يملأ جهنّم من الكافرين من الجنّة و الناس أجمعين، و يحبسهم في إطباق النار و يعذّبهم أشدّ العذاب. و إليك نبذا من الآيات الكريمة القرآنية الواردة في هذا الشأن:

قال اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ مٰاتُوا وَ هُمْ كُفّٰارٌ أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّٰهِ وَ الْمَلٰائِكَةِ وَ النّٰاسِ أَجْمَعِينَ. (3)

و قال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ مٰاتُوا وَ هُمْ كُفّٰارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‌ءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدىٰ بِهِ أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ. (4)

و قال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذٰابِ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ مٰا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ، يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّٰارِ وَ مٰا هُمْ بِخٰارِجِينَ مِنْهٰا وَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُقِيمٌ. (5)

____________

(1). سورة آل عمران الآية 85.

(2). نهج البلاغة الخطبة 161.

(3). سورة البقرة الآية 161.

(4). سورة آل عمران الآية 91.

(5). سورة المائدة الآيات 37- 36.

5

و قال وَ وَيْلٌ لِلْكٰافِرِينَ مِنْ عَذٰابٍ شَدِيدٍ. (1)

و قال إِنّٰا أَعْتَدْنٰا جَهَنَّمَ لِلْكٰافِرِينَ نُزُلًا. (2)

و قال الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمٰنِ وَ كٰانَ يَوْماً عَلَى الْكٰافِرِينَ عَسِيراً. (3)

و قال إِنّٰا أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ سَلٰاسِلَ وَ أَغْلٰالًا وَ سَعِيراً. (4)

الى غير ذلك من الآيات القارعة النازلة في شأن الكافرين في الآخرة و شدّة عذابهم و عقوباتهم.

و امّا في الحياة الدنيا فقد خذل اللّه الكفّار و الملحدين، و حرمهم من الكرامات، و شرع أحكاما للتعامل معهم و الوقاية من شرّهم و شقائهم، كتحريم التناكح بينهم و بين المسلمين، و منع دفنهم في مقابر المسلمين، الى غير ذلك.

و من تلك الأحكام، الحكم بنجاستهم الذي حمل حكما بالغة، و اسرارا و مصالح ظاهرة و فوائد مهمّة قيّمة قال اللّه الحكيم إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (5) و أنت تعرف مدى تأثير هذا الحكم في الجوانب المختلفة: السياسيّة و الثقافيّة و الاجتماعيّة.

و لا يزال المسلمون في ظلال تعاليم الإسلام السامية يرون الكفّار أنجاسا يجتنبون مجالستهم و مزاولتهم- إلّا في حدود ما سمح به الحكم الشرعي- و قد روى عن عمر بن عبد العزيز انّه كتب: امنعوا اليهود و النصارى من دخول مساجد المسلمين و اتبع نهيه قول اللّه تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ الآية (6) و امّا أصحابنا الإماميّة (رضوان اللّه عليهم أجمعين) الذين كانوا ممثّلى جوهر الإسلام- فقد دأبوا على تطبيق هذا الحكم الشرعيّ المقدّس طوال القرون‌

____________

(1). سورة إبراهيم الآية 3.

(2). سورة الكهف الآية 102.

(3). سورة الفرقان الآية 26.

(4). سورة الدهر- الإنسان- الآية 4.

(5). سورة التوبة الآية 28.

(6). مجمع البيان ج 3 ص 20

6

و الأعصار، بيد انّه وقع نوع اختلاف فنّىّ من بعض العلماء بالنسبة الى بعض الكفّار و هم الكتابيون كما نسب القول بطهارتهم الى بعض آخرين و ان لم يتحقّق ذلك.

و نحن لم نعثر على من صرح بطهارة هذه الفرقة منهم، جزما [1] الّا المرجع الكبير الراحل السّيّد الحكيم (قدّس اللّه روحه الطاهرة و نوّر اللّه مرقده الشريف) فورد في مجلّة عربيّة تحت عنوان: فتاوى تهمك:

س 3- سمعت أنّ سماحتكم ترون طهارة أهل الكتاب فهل صحيح ذلك؟ و في أيّة حدود؟

ج- نعم الذي أراه طهارة أهل الكتاب طهارة ذاتيّة و ان كانت أبدانهم تنجس عرضا بملاقاة النجاسة كالبول و الدم و المنى و غيرها من النجاسات فلو طهّر بدنه في الماء طهر و جازت مساورته و لا يتنجّس (1) الّا ان هذا الرأي مهما كان مستدلا فهو خلاف ما هو المشهور بين الأصحاب قديما و حديثا بل لعلّه خلاف المجمع عليه بينهم في الأعصار و الأمصار.

و قد اسهبوا البحث و استقصوا الكلام في نجاسة الكافر مطلقا سواء أ كان كتابيّا أو غير كتابيّ و استدلّوا عليه و شيّدوا بنيانه بأدلّة عديدة و براهين سديدة، بل و قد ألّفوا و صنّفوا في خصوص الموضوع رسائل مستقلّة. [2]

____________

[1]. و الّا فقد مال إليها بعض آخر ايضا و منهم المحقّق الكبير الآخوند الخراساني (قدّس سرّه) قال في اللمعات النيّرة عند ذكر النجاسات: ثامنها الكافر بأيّ سبب من أسبابه و قد استدل على النجاسة بأخبار كثيرة واردة في أهل الكتاب و غيرهم.

لكنّه بعد ذلك قد قوّى هو بنفسه أخبار الطهارة الّا انّه قال أخيرا: و مع ذلك كان الفتوى على خلافهم جسارة و جرأة، و الاحتياط طريق النجاة انتهى.

[2]. منها: (فصل الخطاب و كنه الصواب) في نجاسة أهل الكتاب و النصاب لشيخ سليمان بن عبد اللّه البحراني م 1121، الذريعة الى تصانيف الشيعة ج 16 ص 233 و منها رسالة في نجاسة ذبائح الكفّار و صنائعهم، للبهائي م 1031، الذريعة ج 24 ص 65 و منها رسالة في نجاسة الكافر فارسية مطبوعة لسيّد بنده حسن بن سلطان العلماء محمد النقوى م 1295 ألّفها في جواب سؤال ورد من لندن فأجاب عنه، الذريعة. ص 66 و منها رسالة في نجاسة الكافر فارسيّة مطبوعة لممتاز العلماء. و هي أيضا في الجواب عن السؤال المذكور، الذريعة. ص 66

____________

(1). رسالة الإسلام عدد 201

7

و اقتداء بهم (قدس اللّه أسرارهم) كتبت هذه الرسالة التي بيدك ايّها القارئ الكريم.

و هي نبذة من محاضرات علميّة و دراسات فقهيّة لسيّد الفقهاء و المجتهدين الذي لم يأل جهدا في خدمة الإسلام و كيان المسلمين، سماحة المرجع الأعلى و أستاذنا الأكبر، آية اللّه العظمى، السيّد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني مد ظلّه العالي، و قد ألقاها على جمّ غفير و جماعة كثيرة من روّاد العلم و عشّاق الفضيلة الذين كانوا يجتمعون حوله و يحضرون مباحثه و دروسه العالية في الحوزة العلميّة بمدينة قم المقدّسة، في سنة 1388 من الهجرة النبويّة، و هي درر لامعة، و جواهر ثمينة، التقطتها من بحر علم فقيه كبير قلّ ما يأتي الزمان له من نظير، صانه اللّه عن المخاطر و الحدثان و ادام اللّه ظلّه ذخرا لحوزة الإسلام و دفاعا عن القرآن الكريم.

و قد سمّيت كتابي هذا ب‍ (نتائج الأفكار) في نجاسة الكفّار، و أرجو من اللّه تعالى- الذي لا يرجى الّا هو- ان يجعله بفضله و إحسانه خدمة علميّة تستتبع رضوانه و قبول القارئ المحترم.

قال اللّه تعالى وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اللّٰهِ أَكْبَرُ. (1)

و قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): الا و انّ اللّسان الصالح يجعله اللّه تعالى للمرء في الناس خير له من المال يورّثه من لا يحمده (2) أكرمنا اللّه بالاهتداء بهداه و حرّية النفس و التحرير من مكائد الأجانب‌

____________

و منها رسالة في نجاسة الكافر لتاج العلماء. م 1311 فارسيّة مطبوعة، الذريعة. ص 66 و منها رسالة في نجاسة الكافر، فارسيّة لميرزا محمد على صاحب الهندي و هي جواب استفتاء، ط 1286 الذريعة. ص 66 و منها رسالة في نجاسة الكافر لناصر حسين الجنفورى م 1313 الذريعة. ص 66 و منها رسالة في نجاسة الكافر للقاضي نور اللّه المرعشي. الذريعة. ص 66 و منها رسالة في نجاسة المشركين بالذات و الصفة ليوسف الفقيه العاملي. الذريعة. ص 66.

____________

(1). سورة التوبة الآية 72

(2). نهج البلاغة الخطبة 118

8

و الكفّار، عملة الابالسة و الشياطين، و أبادهم عن وجه الأرض و جعلهم عبرة للناظرين.

جمادى الأولى سنة 1412 ه‍ على الكريمي الجهرمى‌

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف بريّته ابى القاسم محمّد و على أهل بيته الطيّبين الطاهرين المعصومين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن الى قيام يوم الدين [1]

من جملة النجاسات الّتي بحث عنها الفقهاء، الكافر

، فإنّهم (قدّس اللّه أسرارهم) قالوا: النجاسات عشرة أنواع: الأوّل و الثاني: البول و الغائط ممّا لا يؤكل لحمه إذا كان له نفس سائلة. الثالث: المنى من كل حيوان ذي نفس سائلة. الرابع:

الميتة كذلك. الخامس: الدم، السادس و السابع: الكلب و الخنزير. الثامن:

المسكرات، التاسع: الفقاع. العاشر: الكافر.

قال المحقّق في الشرائع: و ضابطه كلّ من خرج عن الإسلام أو من انتحله و جحد ما يعلم من الدين ضرورة كالخوارج و الغلاة (1)

____________

[1]. نلفت انظار القرّاء الكرام الى انّ سماحة سيّدنا الأستاد الأكبر دام ظله الشريف لا يزال يفتتح دراساته و ابحاثه العالية بهذه الخطبة الشريفة نصّا

____________

(1). راجع الشرائع طبع تهران ج 1 ص 53- 51

12

و قد استدلّ على نجاسة الكافر بأمور: الكتاب و السّنّة و الإجماع امّا الكتاب فبآيات كريمة منه.

منها قول اللّه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شٰاءَ إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. (1)

هذه الآية الكريمة من سورة التوبة المعروفة بالبراءة أيضا لأنّها افتتحت بها و نزلت بإظهار البراءة من الكفّار سنة تسع من الهجرة النبويّة (صلّى اللّه عليه و آله) و كانت سنة ذات حركات مهمّه و نهضات عظيمة تجاه الكفّار، و كانت لها ذكريات خالدة.

و من جملة تلك الذكريات الّتي لها أهميّة كبيرة في تاريخ الإسلام انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دفع هذه السورة الى ابى بكر أوّلا كي يقرأها على الناس بمكّة ثمّ بعث عليّا (عليه السلام) خلفه (2) ليأخذها منه و يقرأها بنفسه على الناس بها فجاء و قرأها عليهم و نادى بالبراءة من المشركين، و قطع العصمة و الموالاة، بينهم، كما انّ اللّه تعالى في هذه السّنة و في نفس السّورة منع الكفّار عن عمارة المساجد أو المسجد الحرام، و أمر ان يكون ذلك بأيدي المسلمين (3) ثمّ قال سبحانه بعد ذلك يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ.

وجه الاستدلال بها انّ اللّه تعالى نصّ فيها على نجاسة المشركين. و هم جميع أصناف الكفار من الملحد و عابد صنم و يهوديّ و نصرانيّ و مجوسيّ و‌

____________

(1). سورة التوبة الآية 28

(2) ففي فصول المهمّة لابن صبّاغ المالكي ص 24: روى الترمذي انّه (ع) بعث ببراءة، أو قال:

سورة التوبة، مع ابى بكر ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد ان يبلغ عنّي إلّا رجل من أهل بيتي أو قال:

لا يذهب بها الّا رجل هو منّى و انا منه فدعا عليّا فأعطاه إيّاها.

(3) قال اللّه تعالى مٰا كٰانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسٰاجِدَ اللّٰهِ شٰاهِدِينَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ وَ فِي النّٰارِ هُمْ خٰالِدُونَ إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ.

13

زنديق و غيرهم. [1]

و قد أورد عليه بأنّ الآية تدلّ على نجاسة صنف خاصّ من الكفار و هو المشرك، اى القائل بالشريك للّه سبحانه، لا جميع أصنافهم، كمن أنكر وجود الواجب و جحد مبدأ العالم أساسا أو من أنكر النبوّة و الرسالة، لعدم كون إنكار المبدء أو الرسالة من قبيل الإشراك للّه تعالى، فانّ المتبادر من معنى المشرك هو من اعتقد مع اللّه إلها آخر أو عبده، و الحاصل انّ الدليل أخصّ من المدّعى لانّ المدّعى نجاسة كل كافر و الدليل لا يثبت إلّا نجاسة خصوص المشرك منهم.

قال صاحب المدارك (قدّس سرّه) موردا على المحقّق- في استدلاله بالآية الكريمة: اللّازم من ذلك نجاسة المشرك خاصّة و هو أخصّ من المدّعى، إذ من المعلوم انّ من افراد الكافر ما ليس بمشرك قطعا فلا يصلح لإثبات الحكم على وجه العموم. [2]

و فيه انّ المفهوم من لفظ المشرك هو من جعل للّه سبحانه ندّا و نظيرا و‌

____________

[1]. يقول المقرّر: و قد استدلّ بها على نجاسة مطلق الكافر كثير من الاعلام و الأساطين كالسيّد ابن زهرة و العلّامة و غيرهما قال السيّد في الغنية: و الكافر نجس بدليله- الإجماع- و بقوله تعالى

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

و هذا نصّ و كل من قال بذلك في المشرك قال به فيمن عداه من الكفّار و التفرقة بين الأمرين خلاف الإجماع انتهى كلامه و قال العلّامة في التذكرة ص 8: الكافر عندنا نجس لقوله تعالى

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

.

لا فرق بين ان يكون الكافر أصليّا أو مرتدا و لا بين ان يتديّن بملّة أولا و لا بين المسلم إذا أنكر ما يعلم ثبوته من الدّين ضرورة و بينه، و كذا لو اعتقد المسلم ما يعلم نفيه من الدين ضرورة انتهى و قال المحقّق القميّ في جامع الشتات ج 1 ص 12: المعروف من مذهب الأصحاب نجاسة أهل الكتاب و المجوس ايضا و الأقوى عندي ذلك و ادّعى جمع من علمائنا إجماع الشيعة على نجاستهم و الآية الشريفة يعني قوله تعالى

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ

و الأحاديث الكثيرة تدلّان على ذلك انتهى

[2]. مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام الطبع القديم ص 101 و الطبع الجديد ج 2 ص 295- 294 يقول المقرّر: و قد يجاب عن هذا الإيراد بعدم القول بالفصل كما أشير إليه في عبارة الغنية الّتي نقلناها في التذييلات السابقة الّا انّه أورد عليه بعض بأنّه خروج عن التّمسك بالآية.

14

اتّخذ له مثلا و شريكا، و هذا مفهوم واسع له جوانب مختلفة و إبعاد متعدّدة فالشرك غير مختصّ بمقام الذات بل يجري في ناحية الصفات، و كذا في الأفعال كالخلق و الرزق، و في العبادة، حيث انّه على وزان التوحيد الذي ينقسم على أربعة أقسام، و له أربعة معان: توحيد الذات، و توحيد الصفات، و توحيد العبادة، و توحيد الخلق.

فالمشرك تارة يعتقد الشريك له تعالى في ناحية الذات الذي هو واجب الوجود و يقول بأصلين قديمين بالذّات.

و اخرى يقول به في مقام الصفات بان كان يرى صفات اللّه تعالى زائدة على ذاته.

و ثالثة في مقام العبادة بأن يجعل العابد في عبادته نصيبا لغير اللّه و لو بان يعبد غير اللّه لزعمه أنّه واسطة بينه و بين اللّه تعالى و مقرّبه اليه كعبدة الأصنام و الأوثان الذين كانوا يجعلونها وسائل و ذرائع الى الخالق و قد بيّنهم اللّه تعالى في القرآن الكريم بقوله وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلّٰا لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اللّٰهِ زُلْفىٰ إِنَّ اللّٰهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مٰا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. (1)

و رابعة بالنسبة إلى مقام الصنع و تدبير النظام و في مقام الخلق و الرزق بان يسند الخلق أو الأفعال الخاصّة باللّه تعالى الى غيره، فإذا أنكر كون اللّه خالقا لكلّ المخلوقات فلا بدّ من ان يسند الخلق الى غيره سبحانه لعدم إمكان تحقّق الممكن و وجوده بدون علّته، و اسناد الخلق الى غيره تعالى هو اشراك الغير مع اللّه تعالى في الخلق واقعا، و نسبة عمل خاص باللّه الى غيره شرك حقيقة سواء أثبته للّه تعالى أيضا أم لا، بل و ان أنكر أصل وجوده تعالى فيجري عليه حكم المشرك، و من المعلوم انّ هذا المفهوم الواسع العامّ الذي ذكرناه للمشرك شامل لجميع الكفّار‌

____________

(1). سورة زمر الآية 3

15

أو أكثرهم فيدخل في هذا العنوان: الدّهريّة و المجوس و اليهود و النصارى و غيرهم بواحد من معانيه و نواحيه.

و ان شئت فقل انّه و ان أطلق المشرك لكنّه أريد منه الكافر مطلقا و ان لم يطلق عليه المشرك اصطلاحا.

و يؤيّد ذلك قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدِ افْتَرىٰ إِثْماً عَظِيماً (1) فقد صرّح بأنّه لا يغفر كبيرة الشرك، فهل ترى من نفسك ان لا يغفر اللّه لمن أشرك به و جعل له ندّا و نظيرا و لكنّه سبحانه يغفر من أنكر أصل وجوده تعالى و لم يعتقد بالصانع و الخالق كالدهريّة الذين يقولون مٰا هِيَ إِلّٰا حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا [1]؟ فهو ايضا كمن أشرك باللّه و لذا لا نتمسّك هنا بالأولويّة على ما تمسّك به البعض، فلعلّها مستهجنة بل نقول: انّ المراد من الشرك هو مطلق الكفر و يكون هو اسما و اصطلاحا لجميع أصنافه، و عنوانا مشيرا إليها، كما يظهر ذلك من التأمل في سياق الآية الكريمة حيث وقعت في ذيل الخطاب بأهل الكتاب، قال اللّه تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ آمِنُوا بِمٰا نَزَّلْنٰا مُصَدِّقاً لِمٰا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهٰا عَلىٰ أَدْبٰارِهٰا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمٰا لَعَنّٰا أَصْحٰابَ السَّبْتِ وَ كٰانَ أَمْرُ اللّٰهِ مَفْعُولًا إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ.

و الحاصل: انّ الكفر ذنب لا يغفر اىّ صنف من أصنافه كان، و مطلق الكفر على اختلاف اشكاله و مجرّد التديّن بغير دين اللّه شرك، و يترتّب عليه أحكامه، فتارة يحكم على المتّصف به بالنجاسة و اخرى بمنع دخول المساجد و ثالثة‌

____________

[1]. سورة الجاثية الآية 24 و مثلها قوله تعالى حكاية عن قولهم

إِنْ هِيَ إِلّٰا حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا وَ مٰا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

، سورة المؤمنون الآية 37

____________

(1). سورة النساء الآية 48

16

بوجوب مقاتلته، فترى انّه تعالى يقول قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ (1) فإنه قد حكم بقتال جميع هذه الأصناف و من له هذه الأوصاف، فالأوصاف المذكورة كفر و هي أيضا شرك. و الحكم بالنجاسة، و المنع من دخول المسجد، و وجوب المقاتلة، و غيرها أحكام مترتّبة على الكفر.

و ان شئت زيادة توضيح و تأييد في المقام فدقق الفكر في سائر آيات هذه السورة و أمعن النظر في قوله تعالى فيها مٰا كٰانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسٰاجِدَ اللّٰهِ شٰاهِدِينَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ. (2) فقد ابتدأ بذكر المشركين و وصفهم بقوله شٰاهِدِينَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ فلو لم يكن المراد من المشرك هو الكافر لكان اللّازم ان يقول: شاهدين على أنفسهم بالشرك، و على هذا فيستفاد منه انّ السبب الوحيد في منع المشركين عن عمارة مساجد اللّه هو الكفر.

و انظر الى قوله تعالى وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوٰاهِهِمْ يُضٰاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا إِلٰهاً وٰاحِداً لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ (3) فانّ من المعلوم انّ هؤلاء الذين ذمّهم اللّه تعالى و عيّرهم باتخاذ الأحبار و الرهبان أربابا و لامهم على ذلك لم يتّخذوا الأحبار و الرهبان شركاء للّه في ذاته أو في خلقه بل اتّخذوهم أربابا في العبادة نظير ما صدر عنهم في مورد المسيح و‌

____________

(1). سورة التوبة الآية 29

(2). سورة التوبة الآية 17

(3). سورة التوبة الآية 31- 30

17

تشريع الأحكام و تحريم الحلال و تحليل الحرام و قد سمّى اللّه تعالى عملهم شركا و قال سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ.

و الحاصل: انّ اليهود و النصارى مشركون في صريح القرآن [1] و لذا قال العلّامة في التذكرة ج 1 ص 442 في ضمن عدّ شرائط الذمّة: و لا يظهروا شركهم في عيسى و عزير انتهى.

و على هذا الجملة فاتخاذ غير اللّه في قبالة معبودا و مطاعا ايضا شرك، كما انّ اتّخاذ الشريك له في ذاته و جعل الابن و الأنداد و الأمثال له تعالى شرك.

____________

[1]. قال الفاضل المقداد (رضوان اللّه عليه) عند الحكم بتحريم نكاح الكتابيّة و الاستدلال عليه: انّهن مشركات و كلّ مشركات نكاحهنّ حرام فنكاح اليهوديّات و النصرانيّات حرام اما الصغرى فلقوله تعالى

وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ

الى قوله سبحانه

عَمّٰا يُشْرِكُونَ

و امّا الكبرى فلقوله تعالى

وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ حَتّٰى يُؤْمِنَّ

(سورة البقرة الآية 220) و الجمع المعرّف بلام الجنس للعموم.

ان قلت: الصغرى ممنوعة إذ لا قائل اليوم من اليهود بذلك بل كان شرذمة و انقرضوا فلا يتناول الحكم الموجودين اليوم.

قلت: الحجّة في قوله تعالى لا في قولهم و قد أخبر اللّه تعالى عنهم بذلك إذ الجمع المحلّى باللّام للعموم كما تقرّر في الأصول إلى آخر كلامه فراجع التنقيح الرائع ج 3 ص 97 أقول: هذا مضافا الى انّ قولهم بالتّثليث: الأب و الابن و روح القدس، معروف.

و حكى الشيخ محمّد عبده عن كتاب إظهار الحق: نقل انّه تنصّر ثلاثة أشخاص و علّمهم بعض القسّيسين العقائد الضرورية سيّما عقيدة التثليث و كانوا في خدمته فجاء محبّ من أحبّاء هذا القسّيس و سأله عمّن تنصّر، فقال: ثلاثة أشخاص تنصّروا فسأل هذا المحبّ: هل تعلّموا شيئا من العقائد الضروريّة؟ فقال: نعم، و طلب واحدا منهم ليرى محبّة فسأله عن عقيدة التثليث فقال:

إنك علّمتني انّ الآلهة ثلاثة: أحدهم الذي هو في السماء، و الثاني الذي تولّد من بطن مريم العذراء، و الثالث الذي نزل في صورة الحمامة على الإله الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة فغضب القسّيس و طرده و قال: هذا مجهول، ثم طلب الآخر منهم و سأله فقال: إنّك علّمتني انّ الآلهة كانوا ثلاثة و صلب واحد منهم فالباقي إلا هان فغضب عليه القسّيس ايضا و طرده، ثم الثالث و كان ذكيّا بالنسبة إلى الأوّلين و حريصا في حفظ العقائد فسأله فقال: يا مولاي حفظت ما علّمتني حفظا جيّدا و فهمت فهما كاملا بفضل السيّد المسيح: انّ الواحد ثلاثة و الثلاثة واحد و صلب واحد منهم و مات فمات الكلّ لأجل الاتّحاد و لا إله الآن و الّا يلزم نفى الاتّحاد انتهى راجع المنار، ج 6 ص 458

18

و بعبارة أخرى كما انّ المجوس القائلين بفاعلين فاعل الخير المسمّى عندهم ب‍ (يزدان) و فاعل الشّر المسمّى عندهم ب‍ (اهريمن) و المعتقدين بالنور و الظلمة مشركون، كذلك من اتّخذ إلها و معبودا آخر سوى اللّه يكون مشركا، و كما يتحقّق الشرك بالقول بتعدّد واجب الوجود، كذلك يتحقّق بإنكار اللّه تعالى و جعل ما كان له سبحانه لغيره.

و ان أبيت مع ذلك كلّه عن قبول كون الثاني من الشرك و التزمت بكونه كفرا في الحقيقة لا شركا فالذي يسهّل الخطب هو استعمال الشرك في الكفر و الكفر في الشرك في القرآن الكريم، و التعبير عن كلّ واحد منهما بالآخر [1] من باب استعمال اللّفظ الموضوع للخاصّ في العام، و بالعكس، و فيما نحن فيه استعمل الشرك في الكفر، و القرينة القطعيّة قائمة على ارادة الكفر من الشرك، و هي عدم مناسبة منع المشرك المصطلح اعنى من اتّخذ شريكا للّه سبحانه عن دخول المسجد مع تجويز ذلك لمن أنكر اللّه تعالى و نفاه من أصله و جحد مبدأ الكون رأسا.

و بعبارة أخرى لا ملائمة بين منع المشرك، و بين إباحته بالنّسبة إلى المنكر.

و ممّا يشهد لإطلاق الشرك على الكفر ما روى عن الفضل: دخل على ابى‌

____________

[1]. فترى انّ اللّه تعالى يقول

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اللّٰهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قٰالَ الْمَسِيحُ يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ اعْبُدُوا اللّٰهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْوٰاهُ النّٰارُ

سورة المائدة الآية 75، فقد أطلق الشرك على ما هو كفر اصطلاحا و عبّر عنه بالكفر أوّلا في نفس الآية، و قال تعالى

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قٰالُوا إِنَّ اللّٰهَ ثٰالِثُ ثَلٰاثَةٍ وَ مٰا مِنْ إِلٰهٍ إِلّٰا إِلٰهٌ وٰاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّٰا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ

سورة المائدة الآية 76. ترى انّه أطلق الكفر على القول بأنّ اللّه ثالث ثلاثة الذي هو شرك صريح، و هذه الآية مشعرة بأنّ اللّه عند اليهود ثاني اثنين، قال في الجواهر: و لا خفاء في انّ القول بكون اللّه ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة شرك محض و مع ذلك يقول اللّه تعالى

لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ

انتهى.

19

جعفر (عليه السلام) رجل محصور عظيم البطن فجلس معه على سريره فحيّاه و رحب به فلمّا قام قال: هذا من الخوارج كما هو قال: قلت: مشرك فقال: مشرك و اللّه مشرك. (1)

ترى انّ الامام أبا جعفر (عليه السلام) أطلق المشرك على هذا الذي كان من الخوارج مع أنّهم مؤمنون باللّه يوحّدونه و لا يشركون به شيئا بظاهر حالهم و مقالاتهم و لا يعتقدون في اللّه شيئا يخالف عقيدتنا بل شعارهم الخاص بهم الذي قالوا تجاه أمير المؤمنين على (عليه السلام) مخاطبين له: لا حكم الّا للّه، هذا.

و لكنّ الإنصاف انّه على فرض كون الشرك و الكفر شيئين و انّ الأوّل أخصّ من الثاني فمجرّد إطلاق المشرك على الكافر في بعض الموارد لا يوجب و لا يقتضي ظهور الآية الكريمة أيضا في ذلك.

اللّهمّ الّا ان يقال باستفادة ذلك بمناسبة الحكم و الموضوع، فانّ العرف إذا سمع قول اللّه تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، و قوله تعالى وَ قٰاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، يفهم بارتكازه انّ ما هو المناط في نجاستهم هو الكفر و انّ الملاك في وجوب مقاتلتهم ذلك ايضا فحيثما وجد و تحقّق هذا المعيار اعنى الكفر يترتّب عليه حكم النجاسة و وجوب المقاتلة، و لا يفهم انّ هذين الحكمين اختصّا بالمشرك بمعناه الخاص و الّا لكان منكر المبدأ خارجا عنه، و على الجملة فالعرف لا يرى له خصوصيّة أصلا بل يفهم انّ الكافر نجس و يجب مقاتلته و انّ هذين الحكمين و كذا غيرهما من الأحكام تجري على كلّ فرد من افراد الكافر.

نعم قد يحكم الشارع بحكم خاص على صنف خاص من الكفّار دون غيره لمصالح خاصّة نظير وجوب القتل المختصّ بالكافر الحربي دون غيره لانّ حفظ المملكة الإسلامية و كيان المسلمين و إعلاء كلمتهم و سياسة النظام و تدبير‌

____________

(1). ذكري الشيعة للشّيخ الشهيد ص 13، و ضبط اسم الراوي فضيلا.

20

الأمور و جريانها تقتضي قتل الحربيّ دون المتسالم الذي يعطى الجزية، و من المعلوم انّ هذه الأحكام معدودة مضبوطة مستفادة من أدلّة خاصّة و الّا فلا فرق بين أصناف الكفّار، هذا، و قد فسّرت الآية في كلمات المفسّرين على نحو ما ذكرناه.

ان قلت: فإذا كان المشركون نجسا لا لخصوصية شركهم بل بملاك كفرهم كما ذكر فما وجه العدول عمّا هو الملاك التّام إلى غيره؟ و لما ذا لم يقل اللّه تعالى: انّما الكافرون نجس؟.

نقول: لعلّ ذلك لانّ الكافر الذي كان يدخل المسجد الحرام و كان بينه و بين المسلمين ارتباط و مواصلة و يتكاتفون معه في التجارات و ترويج الأسواق و الّذي ابتلى به المسلمون كان كافرا خاصّا و هو المشرك و امّا الآخرون فلم يكن لهم اهتمام بالمسجد بل كانوا- كما تعلم- يأتون بالفيل لهدم أساسه و تخريب بنيانه قال اللّه سبحانه أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحٰابِ الْفِيلِ. (1)

و الحاصل: انّ الآية نازلة حسب حوائجهم و ابتلائاتهم و مطابقة لشئونهم و حالاتهم و الّا فالكفر بواقعة ملّة واحدة في أيّ صورة و حالة و على اختلاف شعبه و تشتّت مناهجه و أغصانه و منهما تغيّر شكله و تبدّلت ألوانه.

و امّا ما ترى من قبول الجزية من اليهود و النصارى دون غيرهما من أصناف الكفّار فهو لمكان اعترافهم باللّه و قبول الأنبياء و الكتب السماوية خصوصا بلحاظ احتوائها لاخبار خاتم النبوّات فهم لا محالة في معرض الانتباه و الاستبصار، و ينتظر منهم الرجوع، و إقبالهم إلى الإسلام و اعتناقهم به بخلاف المشركين و الملحدين فإنّه لا يظنّ بهم و لا يرتجى منهم ذلك غالبا. فالجزية و غيرها من الأحكام الخاصّة الأخرى الجارية في خصوص اليهود و النصارى لا‌

____________

(1). سورة الفيل الآية 1

21

تقتضي خروجهم عن المشركين و الكفار، كما تقدّمت الإشارة الى ذلك ايضا.

ان قلت: انّ في بعض الآيات الكريمة اشعارا بالاختصاص، و انّ المشركين هم عبدة الأصنام و الأوثان مثلا، و لا يعمّ غيرهم.

منها قوله تعالى مٰا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ وَ لَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ. (1)

و منها قوله تعالى وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً. (2)

و منها قوله تعالى لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّٰاسِ عَدٰاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا. (3)

و منها قوله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هٰادُوا وَ الصّٰابِئِينَ وَ النَّصٰارىٰ وَ الْمَجُوسَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا. (4)

و منها قوله عزّ و جلّ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّٰى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. (5)

فإنّ عطف المشركين على أهل الكتاب بالواو في الآية الاولى و الخامسة، و عطف «الذين أشركوا» على «الذين أوتوا الكتاب» في الثانية، و «على اليهود» في الثالثة، و «على الذين هادوا في الرابعة مشعر بالتّغاير و التّقابل.

نقول: انّه كلّما ذكرا معا فهو كذلك الّا انّ الكلام في ذكر المشرك وحده فانّ المراد منه حينئذ مطلق الكافر. [1]

____________

[1]. قال السيّد في المدارك الطبع الجديد ج 2 ص 296: و ربّما كان في الآيات المتضمّنة لعطف المشركين على أهل الكتاب و بالعكس بالواو إشعار بالمغايرة

____________

(1). سورة البقرة الآية 105

(2). سورة آل عمران الآية 186

(3). سورة المائدة الآية 82

(4). سورة الحج الآية 17

(5). سورة البيّنة الآية 1

22

ثمّ انّ كلمة (إنّما) الدّالّة على الحصر، المذكورة في صدر الآية لا تضرّ بالاستدلال بالآية فإنّ الحصر هنا إضافي بالنسبة إلى الطهارة، و من باب قصر الموصوف على الصفة مثل: انّما زيد قائم حيث يفيد انّ القيام فقط ثابت لزيد لا القعود و نحوه فهو لإثبات خصوص القيام لزيد و نفى ما سواه عنه، و هذا بخلاف قولنا: انّما القائم زيد حيث يثبت القيام لزيد، و ينفى عمّن سواه، كعمرو و بكر، فمفاد الآية انّ المشركين نجس فقط لا طاهر، فلا يكون لهم من الصفتين إلّا النجاسة.

و العجب من الفخر الرازي حيث انّه فسّرها بعكس ذلك و انّ النجس من أصناف الإنسان هو المشرك وحده، و غير المشرك منه يكون طاهرا، و بما انّ أبا حنيفة كان يقول بطهارة المشركين و يفتي بنجاسة أعضاء المحدث و عليه بنى نجاسة الماء المستعمل في الحدث الأكبر و الأصغر فقد طعن عليه الفخر في تفسيره بأنّ كلامه في الموضعين مخالف للآية الكريمة [1] حيث انّ المستفاد منها انّ المشرك نجس، و المؤمن لا ينجس، و الحال انّ أبا حنيفة و من سلك مسلكه يقولون: المشرك طاهر و المؤمن في حال الحدث نجس فقلّبوا الأمر.

و الحاصل انّ الرازي قال: معنى الآية انّ المشرك وحده نجس لا غيره.

____________

[1]. أقول هذه عبارته في تفسيره ج 4 ص 614: المسئلة الرابعة قال أبو حنيفة و أصحابه: أعضاء المحدث نجسة نجاسة حكمية و بنوا عليه انّ الماء المستعمل في الوضوء و الجنابة نجس ثم روى أبو يوسف انّه نجس نجاسة خفيفة و روى الحسن بن زياد انّه نجس نجاسة غليظة و روى محمّد بن الحسن انّ ذلك الماء طاهر. و اعلم انّ قوله تعالى

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

يدلّ على فساد هذا القول لانّ كلمة انّما للحصر و هذا يقتضي ان لا نجس الّا المشرك فالقول بأنّ أعضاء المحدث نجسة مخالف لهذا النص و العجب انّ هذا النص صريح في انّ المشرك نجس و في انّ المؤمن ليس ينجس ثمّ انّ قوما قلبوا القضيّة و قالوا: المشرك طاهر و المؤمن حال كونه محدثا أو جنبا نجس و زعموا انّ المياه الّتي استعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهّرة و المياه التي يستعملها أكابر الأنبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة و هذا من العجائب.

23

و لكن قد اشتبه عليه الأمر، و استفاد من الآية خلاف ما كانت الآية بصدده، فإنّها تفيد عدم حصول الطهارة لهم في آن من الآنات ما دام الوصف العنواني ثابتا لهم، اى ما داموا مشركين و متّصفين بهذا الوصف، و كلامه صحيح لو كانت العبارة: إنّما النجس المشركون، فكم فرق بين قولنا: انما زيد شاعر و بين قولنا: انّما الشاعر زيد، فالأوّل يقال لمن أراد مثلا تعلّم الفقه أو الأصول من زيد فيقال له: انّما زيد شاعر يعنى انّه ليس فقيها و لا أصوليّا كي تتعلّم منه ذلك، فليس هو الّا شاعرا و امّا الثاني فإنّه يقال لمن أراد استماع الشعر و تعلّمه من زيد و عمرو و بكر فيقال له: انّما الشاعر زيد، اى انّ غير زيد ليس شاعرا بل الشاعر زيد فقط.

و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل بل هو من قبيل الأوّل لأنّه قال إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ و لم يقل: انّما النجس المشركون، و الحاصل انّه لا إشكال أصلا من ناحية الحصر.

ما هو المراد من النجس؟

النجس و النجاسة بحسب اللّغة مطلق القذارة، و بحسب الشرع قذارة خاصّة تترتّب عليها أحكام معيّنة، و هذا لا كلام فيه، و انّما الكلام في انّ إطلاق النجاسة على هذا المعنى هل هو بعنوان الحقيقة الشرعية و انّه كان يتبادر منه المعنى المزبور عند نزول الآية الكريمة، أو لم يكن كذلك بل الشارع أفاد هذا المعنى بمعونة القرائن و لا يزال هو كذلك، كي لا يمكن الحمل على هذا المعنى الّا مع ثبوت القرينة؟

ادّعى كثير من الاعلام انّ استعمال النجاسة في هذا المعنى كان منذ زمن النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بنحو الحقائق الشرعية، كما انّ الطهارة‌

24

أيضا كذلك فمتى ورد حكم من الأحكام المربوطة بها استفيد منها هذا المعنى أعني الطهارة الشرعيّة و هي إحدى الطهارات الثلاث: الوضوء، و الغسل، و التيمّم، أو الحالة الحاصلة للمتطهّر عقيب احدى تلك الثلاث مثلا، فكان المسلمون عند سماع قول اللّه تعالى وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1) أو قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (2) يستفيدون- باعمال الشارع و تصرّفه من أوّل الأمر- الطهارة الشرعية من الحدث أو الخبث و كما انّ الصحابة كانوا يتبعون نبيّهم الموحى إليه في أحكام الكتاب و السنة و غيرها، كذلك كانوا يتبعونه في حقائق هذه الألفاظ، و ممّن ادّعى الحقيقة الشرعيّة و بالغ عليه كثيرا هو صاحب الحدائق (قدّس سرّه). (3)

و أورد بعضهم بأنّ دلالة الآية على نجاسة الكفّار و ان كانت تامّة غير قابلة للإنكار الّا انّ المراد من النجاسة هو القذارة أي المعنى اللّغوي فلا حقيقة شرعيّة في البين.

و فيه انّ الظاهر منها هو النجاسة المصطلحة اى العينيّة الذاتيّة.

هذا مضافا الى انّه منقوض أوّلا في خصوص بعض بل و كثير من الكفّار حيث انّه في غاية النظافة الظاهريّة بحيث لا يرى في ظاهره قذارة أصلا.

و ثانيا بأنّ بعض المسلمين ايضا غير نظيف و بالجملة فالنجاسة اللغويّة و العرفيّة لا تختصّ بالمشركين بل يشاركهم فيها غيرهم من المسلمين. [1]

و قد ظهر ممّا ذكرنا انّ ما أصرّ عليه الفقيه الهمدانيّ (قدّس سرّه) من الإيراد على صاحب الحدائق مدّعيا انّ المراد من النجاسة هو المعنى اللّغوي، في غير‌

____________

[1]. يقول المقرّر: و هنا وجه آخر في الجواب عنه و هو انّ بيان النجس العرفي أي القذارة خلاف وظيفة الشارع أو انّه ليس من وظيفته.

____________

(1). سورة الفرقان الآية 48.

(2). سورة المائدة الآية 6

(3). راجع الحدائق الناضرة ج 5 ص 165

25

محلّه.

و التحقيق ان يقال: انّه لا حاجة في إثبات المطلوب إلى إثبات الحقيقة الشرعيّة، فإنّ ظهور النجس في النجاسة الشرعيّة ممّا لا يقبل الإنكار، و هذا يكفينا في إثبات ما نحن بصدده سواء كان ذلك من باب المجاز الشائع أو من قبيل استعمال المشترك المعنويّ في أحد افراده.

و يمكن ان يقال هنا ايضا تثبيتا للمرام و تتميما للكلام انّه رتّب النهى عن قربهم من المسجد الحرام- في الآية الكريمة- على نجاستهم حيث قال إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا. و النهى في الحقيقة متوجّه إلى المؤمنين و هم مأمورون بمنع المشركين عن قربهم من المسجد، و العلّة في ذلك بمقتضى فاء التفريع هو شركهم فنضمّ هذا إلى الإجماع القائم على عدم جواز إدخال النجس في المسجد و ننتج منهما انّ المشرك نجس بالمعنى المصطلح حيث انّه هو الذي منع عن إدخاله في المسجد.

ان قلت: انّ كلمة (نجس) مصدر و لا يمكن حمل المصدر على الذات و لا يصحّ وصف الجثّة بالمصدر فحينئذ لا بدّ من ان يقدّر معه (ذو) تصحيحا للحمل و فرارا عن الاشكال فالتقدير انّما المشركون ذو نجس و قد صرّح الزمخشري بذلك قائلا: نجس مصدر. و معناه ذوو نجس لانّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس و لأنهم لا يتطهّرون إلخ (1) و هذا يساعد النجاسة العرضيّة و يناسبها و من المعلوم انّهم لا يجتنبون عن النجاسات كالخمر و الخنزير و غير ذلك و اين هذا من إثبات نجاستهم بذواتهم و أعيانهم الّتي هي المدّعى؟

نقول: انّ بلاغة الكلام و لطافة التعبير في المقام تقتضي كونه مصدرا محمولا على الذات من غير تقدير و لا تأويل، نظرا إلى المبالغة المطلوبة، فهم‌

____________

(1). الكشّاف ج 2 ص 146

26

متجسّمون بالنّجاسة كما في كلّ مورد أريد المبالغة من المصدر المحمول على الذّات نظير زيد عدل، فلو قدّر (ذو) في تركيب زيد عدل مثلا، فهناك لا تأكيد و لا مبالغة أصلا و هو خلاف المقصود و نقض للغرض المسوق له الكلام، و على الجملة فعلى تقدير كون النجس مصدرا فهو دالّ على المقصود جدّا بلا حاجة الى تأويل أو تقدير شي‌ء أصلا هذا.

مضافا الى إمكان كون النجس صفة مشبّهة [1] و على هذا فهي كسائر الصفات تحمل على الذوات بلا حاجة الى تقدير أو اعمال نكتة، و لا مجال للإشكال المذكور آنفا.

نعم يرد اشكال آخر و هو انّه كيف أخبر عن الجمع بالمفرد؟ فالموضوع اى المشركون جمع، و المحمول اعنى لفظ نجس مفرد، و لا يصحّ حمل المفرد على الجمع.

و يدفع بإرادة الجنس من النجس و الجنس يساعد معنى الجمع فهو و ان كان مفردا بحسب اللّفظ لكنّه جمع بحسب المعنى [2] و الإنصاف انّه لا حاجة أصلا إلى التمسّك بتلك الوجوه فانّ المقام شبيه قولهم: الكلب نجس و الخنزير نجس، و هو من أصرح التعبيرات عن النجاسة يعنى انّه من الأعيان النجسة و عليه فالمشركون ذوات نجسة و أعيان كذلك.

و قد يقال: انّ حكم القرآن الشريف بنجاستهم و عدم جواز دخولهم‌

____________

[1]. أقول: فإنّ فعل على وزن حسن من أوزانها قال في القاموس: النجس بالفتح و بالكسر و بالتحريك و ككتف و عضد ضدّ الطاهر. انتهى

[2]. قال علم التحقيق و التّقى الشيخ المرتضى في طهارته: النجس بفتح الجيم امّا مصدر. و امّا صفة مرادفة للنجس بالكسر. و يكون افراد الخبر مع كونه وصفا على تأويل انّهم نوع أو صنف نجس انتهى أقول: و يمكن ان يكون من قبيل الوصف الذي يستوي فيه الافراد و الجمع و الذكورة و الأنوثة كما نقل ذلك في اللغة أيضا فراجع و يستفاد من عبارة المجمع انّه يحمل عليه مع كونه وصفا باعتبار أصله الذي هو المصدر.

27

المسجد كان لأجل جنابتهم و عدم اغتسالهم منها، فانّ الجنب ممنوع عن الدخول فيه. [1]

و فيه: أوّلا: انّ هذا لا تساعده نسبة النجاسة إليهم الظاهرة في كونهم كذلك بالذات.

و ثانيا: لو كان المراد عدم دخولهم المسجد للجنابة فهذا غير مختصّ بالكفّار.

و ثالثا: انّه ربما يفرض كافر لا يكون جنبا كمن كان قد بلغ بالإنبات أو السنّ، حدّ التكليف جديدا و لم يمض من بلوغه كثير زمان و تأخر احتلامه مع انّه في هذه الفترة أيضا لا يجوز له دخول المسجد و لم يصدر منه لا قبل التكليف و لا بعده ما يوجب الجنابة وضعا.

و على هذا فالآية الكريمة تدلّ بظاهرها على انّهم أعيان نجسة [2] و ذوات قذرة شرعيّة بلا فرق بين افرادهم بحيث لو فرض مورد على خلاف ذلك فهو استثناء من الحكم الكلّي العامّ، و لو كان المراد من النجس هو القذارة أو الخباثة‌

____________

[1]. ممّن قال بذلك و جنح اليه هو قتادة فإنّه على ما حكاه الطبرسيّ قال: سمّاهم نجسا لأنهم يجنبون و لا يغتسلون و يحدثون و لا يتوضّؤن فمنعوا من دخوله المسجد لانّ الجنب لا يجوز له دخول المسجد.

[1]. أقول: لا يقال: انّ المراد من النجس النجاسة المعنويّة الموجبة للمنع عن دخول المسجد الحرام مثل القذارة المعنويّة الحاصلة من الجنابة أو الحيض المانعة من الدخول فيه فالنجاسة هنا هي القذارة القائمة بالنفس اعنى الكفر و هي كناية عن خبث اعتقادهم فانّ الكفر قذارة باطنيّة و نجاسة معنويّة و دخول الكافر في المسجد موجب لهتك حرمته.

لأنّا نقول: ظاهر الآية نجاسة البدن اعنى الهيكل الخاص لا نجاسة روحه و نفسه و صرفها إلى المنقصة في النفس و القذارة الباطنة تأويل لا دليل عليه قال ابن زهرة في الغنية: و قول المخالف:

المراد بذلك نجاسة الحكم، غير معتمد لأنّ إطلاق لفظ النجاسة في الشريعة تقتضي كظاهره نجاسة العين حقيقة و حمله على الحكم مجاز و اللّفظ بالحقيقة أولى من المجاز و لأنّا نحمل اللّفظ على الأمرين جميعا لانّه لا تنافي بينهما.

28

لكان معنى الآية انّ المشركين خبيثة قذرة و على ذلك كان يحتاج الحكم بالنجاسة الشرعية في الكفّار حتّى المشركين منهم الى دليل خاص غير هذا العموم و هذا خلاف الظاهر جدّا فإنّهم كانوا يحكمون بنجاسة الكفّار بمجرّد هذا الآية الكريمة و لأجل هذا العموم المذكور على لسان المولى سبحانه و تعالى، فانظر الى كلام الطبرسي في مجمع البيان، قال:

و اختلف في نجاسة الكافر فقال قوم من الفقهاء انّ الكافر نجس العين، و ظاهر الآية يدلّ على ذلك و روى عن عمر بن عبد العزيز انّه كتب: امنعوا اليهود و النصارى من دخول مساجد المسلمين و اتّبع نهيه قول اللّه تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ الآية و عن الحسن قال: لا تصافحوا المشركين فمن صافحهم فليتوضّأ انتهى.

و المراد من التوضّؤ هو غسل اليد و لا بدّ من ان يراد منه لزوم الغسل إذا تصافحا مع نداوة في يد أحدهما فإذا صافح المسلم المشرك «الكافر» مع رطوبة سارية فلا بدّ من غسل اليد لتنجّسها بالمساس و الملاقاة. الى غير ذلك ممّا ورد في الاخبار أو التواريخ، الظاهر في انّ استنادهم في الأحكام المقرّرة كان الى الآية الكريمة.

و امّا قوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ. فهذا في الحقيقة نهى متوجّه إلى المؤمنين لا إليهم، لعدم ايمانهم باللّه كي ينتهوا عمّا نهوا عنه، و الّا فالاجدر بهم أن يؤمنوا باللّه و يتركوا الأصنام و الأوثان، و يخرجوا من عبادتهم الى عبادة اللّه سبحانه، و على هذا فمعنى الآية الكريمة انّه يجب على المؤمنين ان يمنعوا المشركين عن دخولهم المسجد الحرام. [1]

____________

[1]. أقول: و لا ينافي هذا ما ذكروه من انّ الكفّار مكلّفون بالفروع كما انّهم مكلّفون بالأصول، و ذلك لانّ ما افاده دام ظله متعلّق بإجراء الحكم و تحقيقه و إنفاذه.

29

و هنا إشكال ينبغي التعرّض له و هو انّه سلّمنا دلالة الآية على نجاسة الكفّار و عدم جواز دخولهم المسجد لكن كيف يمكن التوفيق بين هذا و بين ما ثبت و تحقّق من انّ عدم جواز إدخال النجس في المسجد مشروط بكونه ذا رطوبة متعدّية و امّا النجاسة الجافّة غير المتعدّية فادخالها فيه غير ممنوع.

و الجواب عنه أوّلا: انّه يمكن ان يكون هذا تعبّدا محضا لا مستندا الى نجاستهم المقطوع بها، و ان كان الحكم ذا اسرار كثيرة و حكم بالغة عظيمة، لكنّها خافية علينا مستترة عن أفهامنا منا الضئيلة، و عقولنا الضعيفة، و لا يعلمها الّا اللّه تعالى.

و على الجملة فمن الممكن حرمة إدخال كلّ نجس في المسجد إذا كان رطبا ساريا الّا الكافر فإنّه يجب منعه عنه مطلقا تعبّدا في خصوص المورد و في هذا النجس الخاصّ.

و ثانيا: انّه يمكن ان يكون هذا لأجل دفع التوهين عن المسجد، الذي هو أشرف مكان معدّ لتعبّد المتعبّدين، و صلاة المصلّين، يتقرّب العباد فيه الى خالقهم، و يذكرون فيه اسم اللّه تعالى آناء الليل و أطراف النهار، و تعظيمه و تكريمه فرض على جميع المسلمين، و دخول الكافر فيه مناف لتعظيمه و إجلاله.

و ثالثا: انّه يمكن ان يكون وجه هذا التشديد في أمر الكفّار هو كونهم غير مأمونين عليه من التلويث فلربّما ينجّسون المسجد أو يتنجّس المسجد بهم قهرا بإلقاء النّخامة و النخاعة، و تأثّره و تنجّسه برطوباتهم لعدم مبالاتهم بالطهارة و النجاسة، و عدم اعتنائهم بشأن المسجد الرفيع و احترامه المخصوص. [1]

____________

[2]. قال الشهيد في الذكرى ص 157: لا يجوز لأحد من المشركين دخول المساجد على الإطلاق و لا عبرة بإذن مسلم له لأنّ المانع نجاسته للآية، فإن قلت: لا تلويث هنا قلت: معرض له غالبا و جاز اختصاص هذا التغليظ بالكافر. انتهى.

30

نكتة شريفة

ثمّ انّ في الآية الشريفة نكتة لطيفة ينبغي التعرّض لها فنقول: انّه يستظهر منها بدوا بحسب الفقاهة انّ السّر الوحيد و العلّة التامّة في منع المشركين عن دخول المسجد هو كونهم نجسا فيصطاد و يستفاد منها- بمقتضى كون العلّة معمّمة- عموم و هو عدم جواز قرب اىّ نجس من النجاسات من المسجد مطلقا و لكن الظاهر من جملة (فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ) بعد التأمّل فيها انّه حكم مختصّ بالمشركين و انّ نجاستهم ليست علّة حتّى يعمّ الحكم جميع النجاسات بل هي حكمة لذلك.

و ذلك لانّ النهي فيها عن قربهم من مسجد الحرام لا عن دخولهم فيه مع انّ مجرّد قرب النجاسة لا يوجب السراية و ليس هو سببا للنجاسة بل هي موقوفة على المماسّة و الملاقاة و تأثّر الملاقي بها فهذا التعبير حاك عن كمال اهتمام الشارع بعدم حصول اىّ صلة و ترابط بين المسلمين و الكفار و عزلهم عن اطار عيشهم و عشرتهم و على هذا فلا عموم أصلا.

و بعبارة أخرى لمّا كان الناس يستبعدون عدم جواز قرب المشركين من المسجد و يكبر عليهم هذا الحكم لا سيّما بلحاظ اناطة منافعهم بالتّبادل التجارىّ معهم، و اختلافهم، و تردّدهم إلى مكّة المعظّمة، فلذا بيّن حكمة هذا الحكم اعنى لزوم طرد الكفّار فقال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ. و هذه الحكمة تكشف عن عظمة تعاليم النّبي الكريم و سموّ دعوته، و تقوّى روح المؤمن و تشجّعه و تجعله عزيزا شديدا على الكفّار، غير مكترث بهم في جنب اللّه، لا يخاف في اللّه لومة لائم، و تعلو في ظلّها همتّه، فلا يودّهم و لا يتولّاهم و لا‌

31

يتّخذهم أولياء و بطانة و يكون صلب العود، قوىّ العزم، في مواجهة الكفّار، و لا يكون الدين عنده العوبة يعبث به فقد أراد اللّه تعالى ان يكون المسلم متصلّبا خشنا في ذات اللّه، و ان يجعل من الأمة الإسلاميّة رجالا شجعانا إبطالا يكون الكافر في أعينهم أصغر من ذبابة، و ان يكونوا بحيث لو اجمع العالم كلّه على الكفر و العناد و اتّفق اهله على الضلال و الإلحاد و لم يكن من ينتحل الإسلام إلّا واحدا فهذا المسلم الواحد يكون معتزّا بالإسلام معتدّا بشرفه لا يخاف و لا يستوحش بل يقوم وحده حذاء العالم المجمع على الكفر و يقول مخاطبا لهم لا تمسّونى و لا تقربوا منّى فإنّكم بأجمعكم- أيّتها الأمّة المجتمعة على الكفر و الضلال- نجس و آنا وحدي- في ظلال التوحيد و الإسلام- طاهر و فيه من رقىّ الإسلام و كيان المسلم و إعلاء كلمة الدين و تحرير الإنسان من الخضوع لغير اللّه و نفخ روح الرجولة و الجلادة فيه ما لا يخفى.

و الحاصل انّ اللّه تعالى يريد بذلك ان يلهم الأمّة الإسلاميّة الحماسة و الاعتماد على النفس و التّحفظ على استقلالهم و سؤددهم.

ثمّ انّه لمّا كان بين المسلمين و المشركين ارتباط تجاري و كان اقتصادهم بزعمهم منوطا بالمعاشرة معهم و المخالطة و الألفة بهم فكانوا يجدون في أنفسهم ضيقا من طرد المشركين على اثر حكم اللّه تعالى المزبور، و كان يقرء في صفحة وجوههم و جبينهم خطوط خوف الإملاق و النكبات الماليّة و الخسارات التجاريّة، فلذا وجّه حكمه السابق و عقّبه بقوله وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شٰاءَ يعنى و ان خفتم في إجراء هذا الحكم و إنفاذه الفقر و الحاجة و انقطاع المتاجر و تعطّل الأسواق و ذهاب التجارات بسبب منع المشركين عن دخولهم المسجد، فإنّه لا موجب لهذا الخوف، فلا تخافوا فسوف يغنيكم اللّه من فضله، و قد وفي اللّه بوعده هذا، و أنجز و أصلح أمورهم و‌

32

أغناهم من فضله العميم و لطفه الجسيم، و من أوفى بعهده من اللّه؟

ما هو المراد من المسجد الحرام؟

ثمّ انّ هنا بحثا في تعيين المراد من المسجد الحرام المذكور في الآية، فهل هو مجموع مساحة الحرم أو خصوص المسجد الشريف المحيط بالكعبة زادها اللّه شرفا و إجلالا؟

أقول: المناسب لقوله تعالى وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً. و المساعد لخوف الفقر و الحاجة، و ضنك المعيشة، و العوز المالي، هو الأوّل، فإنّه لا مجال لخوف المؤمنين من العسرة و العيلة إذا كان المشركون ممنوعين عن دخول المسجد فقط مع جواز دخولهم في مكّة و عدم المانع لهم عن ذلك، و انّما يصحّ هذا الخوف و له مورد عرفا إذا كانوا ممنوعين عن دخول مكّة مطلقا، حيث انّه بذلك تنقطع التجارات و يسدّ أبواب المعاملات. و يؤيّد ذلك ما ورد في الروايات من انّه فتحت للمؤمنين أبواب الأرزاق بعد منعهم المشركين عن دخول مكّة. (1)

هذا كلّه مضافا الى ما ورد من انّ الحرم كلّه مسجد. [1]

فتحصّل ممّا ذكرناه حول الآية الكريمة انّها تدلّ بالوضوح على المطلوب أي نجاسة مطلق الكفار حتّى أهل الكتاب و من البعيد ان لا يكون تسالم الأصحاب و كذا عدّة من أهل السنّة على نجاسة غير أهل الكتاب من الكفّار، و‌

____________

[1]. ففي الكشّاف ج 2 ص 147: و عن عطاء: ان المراد بالمسجد الحرام الحرم، و انّ على المسلمين ان لا يمكّنوهم من دخوله إلخ و في مجمع البيان ج 3 ص 20 عند شرح المسجد الحرام: قيل:

المراد به منعهم عن دخول الحرم، عن عطاء قال: و الحرم كله مسجد و قبلة.

____________

(1). راجع تفسير الصافي ج 1 ص 693

33

هكذا حكم الأصحاب- إلّا شاذّ منهم- بنجاسة أهل الكتاب ايضا مستندا الى الكتاب و مستفادا من الآية الشريفة.

و لذا ترى انّ المحقّق (قدّس سرّه) يقول في باب الأسئار من المعتبر ما حاصله انّ الكفّار قسمان: أحدهما أهل الكتاب ثانيهما غيره، مثل النواصب و الخوارج و الغلاة و المشركين و غيرهم. [1] و ادّعى عدم الخلاف في نجاسة الثاني، و لم يعترض عليه أحد، مع انّ مخالفة الخوارج لأهل الحقّ ليست إلّا في الولاية و الخلافة، و هم لا يدّعون في ناحية المبدء أو المعاد أو النّبوّة شيئا جديدا غير معهود من المسلمين، و لا أظنّ انّ أحدا قال بطهارتهم بل و لا مال إليها فهل ترى ذلك إلّا لأجل انّ العلماء استفادوا و استظهروا من الآية نجاسة الكفّار مطلقا نجاسة عينيّة ذاتيّة و اعتمدوا في افتائهم هذا على الآية الشريفة.

و امّا مخالفة شاذ منهم في نجاسة أهل الكتاب فهي لأجل أمور و استدلالات نذكرها فيما سيأتي و نجيب عنها إنشاء اللّه تعالى و قد ذكرنا أنّهم أيضا مشركون حقيقة و لا أقلّ من كونهم كذلك تنزيلا و بعبارة اخرى انّ منشأ حكم العلماء بنجاستهم بل و منشأ كلمات الأئمة الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و حكمهم بها هو القرآن الكريم، و هذه الآية الكريمة التي تنادي بنجاسة المشركين بأعيانهم، كما انّ أقدم المفسّرين ابن عبّاس يقول انّ نجاستهم كنجاسة الكلب و الخنزير [2] و اعتقد بذلك الشيعة.

____________

[1]. المعتبر الطبع الجديد ج 1 ص 95 و عبارته كذا: و امّا الكفّار فقسمان يهود و نصارى و من عداهما امّا القسم الثاني فالأصحاب متّفقون على نجاستهم.

[2]. و في التواريخ انّه قد مرّ أبو موسى الأشعري على عمر بحساب فدفعه الى عمر فأعجبه فقال لأبي موسى: اين كاتبك يقرء هذا الكتاب على الناس؟ فقال: انّه لا يدخل المسجد فقال: لم أجنب هو؟

قال: انّه نصراني فانتهزه و قال: لا تدنهم و قد أقصاهم اللّه و لا تكرمهم و قد أهانهم اللّه و لا تأمنهم و قد خوّفهم اللّه. أوثق عرى الإيمان ص 92.

34

نعم خالف جمع منهم مستدلّين بما رووه بإسنادهم من استعمال النّبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) أواني المشركين و الكفّار و أجاب عنه القائلون بالنجاسة منهم بأنّ هذا كان قبل نزول الآية الكريمة الناطقة بنجاستهم، و الحاصل انّه لا غبار على الاستدلال بالآية، و إنكار ذلك ليس في مورده.

حول معارضة آية الطعام

نعم يوجد هنا اشكال و حاصله: سلّمنا دلالة الآية على نجاسة الكفار حتى أهل الكتاب منهم، الّا انّها معارضة بآية الطعام في مورد أهل الكتاب و هي قوله تعالى الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ (1) فانّ لازم حلّ طعام أهل الكتاب للمسلمين هو طهارة أبدانهم، فإذا كان طعامهم الذي صنعوه و عالجوه بأيديهم حلالا للمسلمين فكيف يحكم بنجاستهم؟ و على الجملة فمفاد الآية الأولى نجاسة مطلق الكفّار حتّى اليهود و النصارى، و مفاد هذه الآية طهارة خصوص أهل الكتاب فتخصّص الاولى بهذه لأنّها أعمّ و هذه أخصّ.

و الجواب عن ذلك انّ آية الطعام ليست في هذا المقام، و ليس المراد منها ذلك، بل لمّا أمر اللّه تعالى المسلمين بالاجتناب عن الكفار و منع عن تردّدهم إلى مكّة، و قربهم من المسجد الحرام، و كان هذا معرضا لتوهّم المؤمنين وجوب الانقطاع عن الكفّار بكلّ وجه، و حرمة البيع منهم، و الاشتراء عنهم، و مظنّة لان يتخيّلوا عدم جواز المعاشرة معهم، و حظر طعام كلّ من الطائفتين على الأخرى على حسب ما تقرّره آية النجاسة فلذا نصّ القرآن الكريم- دفعا‌

____________

(1). سورة المائدة الآية 7

35

لهذا التوهّم و إبطالا لهذا الخيال- على انّ طعام أهل الكتاب حلّ لكم، و طعامكم ايّها المسلمون حلّ لهم، فلا تعطّل الأسواق لنجاسة الكفّار و لا تسدّ أبواب المعاملات و المبادلات لذلك على حسب ما تشير إليه آية الطعام.

إذا تلونا عليك هذا فاعلم انّه قد فسّر الطعام في كلام بعض اللّغويّين بالبرّ، اى الحنطة، و في كلام بعض آخر منهم بالحبوب، فقال الفيّومي في مصباحه: إذا أطلق أهل الحجاز لفظ الطعام عنوا به البرّ خاصّة انتهى.

و عن المغرب: انّ الطعام اسم لما يؤكل و قد غلب على البرّ و حكى عن ابن الأثير عن الخليل انّ الغالب في كلام العرب انّه البرّ خاصّة.

و قال الطريحي في مجمع البحرين: الطعام ما يؤكل و ربّما خصّ بالبرّ. الى غير ذلك ما كلمات اللّغويّين و قد وردت روايات ايضا تفسّر الطعام المذكور في الآية بالبرّ أو الحبوب مطلقا و فسرّها المفسّرون ايضا كذلك، و معلوم انّ البرّ و الحبوب يابسة لا تتنجّس بملاقاة أبدانهم، فأجاز الشارع بيع الحبوب لهم و اشترائه منهم لا لخصوصية فيها، بل لكونها يابسة لم تتنجّس، و يترتّب عليه بالطبع انّه لو كان لهم شي‌ء غير نجس ممّا يؤكل فهو ايضا يجوز شرائه منهم و اكله، و على ذلك فلا دلالة فيها على طهارة أهل الكتاب أصلا.

بل يمكن ان يقال- بلحاظ ما ورد في التفاسير مؤيّدا بقول أهل اللّغة و مستندا الى روايات أهل البيت (عليهم السلام) من كون الطعام بمعنى البرّ أو الحبوب- انّ في الآية اشعارا بنجاسة الكفّار من أهل الكتاب أو الدلالة على ذلك.

ثمّ لو فرض عموم الطعام و شموله لكلّ ما يطعم، فلا دلالة أيضا في آية الطعام على مراد الخصم، و لا معارضة بينها و بين الآية الأولى أصلا، لأنّ إطلاق هذه الآية الكريمة حيثىّ، فهي في مقام بيان حكم طعام أهل الكتاب بعنوان كونه طعاما لهم و بلحاظ هذه الحيثيّة فقط و لا إطلاق لها حتّى يكون طعامهم حلا‌

36

للمؤمنين كيفما كان و في أيّ شرط من الشرائط و حال من الحالات، و لا يشمل العناوين المتعدّدة و الحيثيّات المتكثّرة فإذا قيل: لحم الغنم حلال. فهل ترى من نفسك انّ معناه هو حليّة لحم الغنم مطلقا و ان كان مغصوبا أو مأخوذا بالسرقة و بغير رضا صاحبه؟ و كذا لو كان جلّالا و غير مذكّى؟ أو تقول انّ معناه انّ لحم الغنم في نفسه و في حدّ ذاته مباح و هذا لا ينافي ان يكون حراما من الجهات الطارئة و بالعناوين العارضة.

و لهذا لا يرى العرف تعارضا أصلا بين قولنا لحم الغنم حلال، و بين قولنا اللحم المغصوب حرام، و ليس الّا لعدم إطلاق للاوّل يشمل الحيثّيات و التطورات الحادثة.

فطعام أهل الكتاب في اطار كونه طعاما لهم حلّ للمؤمنين و ليس محرّما من المحرّمات، أو نجسا من النجاسات، نعم يمكن ان يحرم بالطوارئ و العوارض كما إذا لاقاه صاحبه مع الرطوبة و كما إذا لاقى هذا الطعام نجسا آخر معها.

هذا بالنسبة إلى حلّ طعام أهل الكتاب للمؤمنين المستفاد من قوله تعالى:

وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ.

و امّا بالنسبة إلى حلّ طعام المؤمنين لهم المستفاد من قوله تعالى وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ فلا اشكال فيه أصلا مضافا الى انّه ايضا حيثىّ.

و الحاصل: انّه ليس في هذه الآية أقلّ مرتبة من الدلالة على الطهارة فضلا عن ظهور أو صراحة فيها و ان أغمضنا النظر عن تفسير الطعام بالبرّ و الحبوب، و قلنا بشموله لهما و لغيرهما ممّا يساغ و يؤكل، و لا مخالفة و لا تهافت بين هذه الآية و الآية المبحوث عنها الدّالة على النجاسة، و سيوافيك الكلام في هذا الموضوع عند الجواب عن استدلال القائلين بالطهارة إنشاء اللّه تعالى.

فالإنصاف انّ الآية الكريمة تدلّ على نجاسة الكفار مطلقا بلا اى نقص‌

37

في دلالتها أو معارض يعارضها و بلا فرق بين أقسام الكفار بل ليس هنا إيضاح أبلغ من هذا الإيضاح.

الاستدلال بآية الرجس

و من الآيات الّتي قد يستدلّ بها لإثبات نجاسة الكفّار قوله تعالى:

كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ. [1]

فنقول في تقريب الاستدلال بها: انّ مفادها: انّ كلّ من لا يؤمن باللّه- سواء كان مشركا اصطلاحيا أو كان منكرا للّه تعالى أو غيرهما من أصناف الكفّار فقد كتب اللّه و جعل عليه الرّجس. و الرجس هو النجاسة. [2]

و لكنّ الإنصاف انّ هذه الآية ليست كالسابقة في- نهوضها لإثبات ما‌

____________

[1]. سورة الانعام الآية 125. أقول: و قد استدلّ بها العلّامة أعلى اللّه مقامه في التذكرة ج 1 ص 8 و في نهاية الأحكام ج 1 ص 273 و الشهيد في الدروس ص 13 و في الذكرى ص 13 على نجاسة الكافر مطلقا و المحقّق في المعتبر ص 24 على نجاسة من عدا اليهود و النصارى من الكفار، و ابن إدريس على نجاسة كلّ من لم يعتقد الحقّ الّا المستضعف، على ما حكاه العلامّة.

[2]. قال السيّد أبو المكارم بن زهرة في الغنية: معنى الرجز و الرّجس و النجس واحد بدلالة قوله تعالى

وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ

-

فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ

انتهى.

و قال الشيخ في التهذيب الطبع الجديد ج 1 ص 278: انّ الرجس هو النجس بلا خلاف.

و في مجمع البحرين بعد نقل هذا: و ظاهره انّه لا خلاف بين علمائنا في أنّه في الآية بمعنى النجس انتهى.

و قال في المختلف ص 58 في ضمن البحث عن نجاسة الخمر و التعرض لآية

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ

إلخ-: ان الرجس هو النجس.

و قال الشيخ البهائي (قدّس سرّه) في الحبل المتين ص 102 في ذيل آية الخمر: و الرجس و ان كان يطلق على غير النجس أيضا الّا انّ الشيخ في التهذيب نقل الإجماع على انّه هنا بمعنى النجس.

و حينئذ فامّا ان يكون خبر بقية المتعاطفات في الآية محذوفا أو يكون رجس هو الخبر عن الكلام من قبيل عموم المشترك أو عموم المجاز و مثله غير عزيز في الكلام انتهى كلامه.

38

نحن بصدده أي نجاسة الكفّار- فانّ كلمة (نجس) في الآية الأولى كانت ظاهرة في النجاسة الشرعيّة قطعا، بخلاف لفظ (الرّجس) فإنّه و ان أمكن ان يكون المراد منه النجس، الّا انّه لا يكون ظاهرا فيه [1] كما ترى انّه أريد به غير النجاسة المصطلحة في قول اللّه تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ. (1) فانّ الرجس هنا بقرينة المتعاطفات هو الخبيث و العمل القبيح.

و على الجملة فإن ثبت انّ المراد من الرجس في الآية المبحوث عنها هي النجاسة الشرعية فهي أيضا من أدلّة المطلب و الّا فهي أجنبيّة عن المقام، و لا يصحّ الاستدلال بها في إثبات المطلوب.

____________

[1]. أقول: خصوصا بلحاظ صدر الآية و هو قوله تعالى

فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ كَذٰلِكَ

.

____________

(1). سورة المائدة الآية 92.

39

الأخبار الدّالّة على نجاسة الكفّار

و قد استدلّ القائلون بالنجاسة أيضا بالأخبار المرويّة عن الأئمة (عليهم السلام) و نحن نورد منها ما يلي:

منها: موثّقة سعيد الأعرج فعلى نقل التهذيب و الكافي قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سؤر اليهودي و النصراني فقال: لا. و على نقل الفقيه:

سئل الصادق (ع) سعيد الأعرج عن سؤر اليهودي و النصراني أ يؤكل أو يشرب؟

فقال لا. (1)

وجه الاستدلال انّ ظاهر السؤال فيها هو السؤال عن الأكل أو الشرب من حيث الطهارة و النجاسة، و قد علمت انّ الامام (عليه السلام) نهاه عن أكل سؤره و‌

____________

(1). جامع أحاديث الشيعة الطبع القديم ج 1 ص 21، و في مرآت العقول ج 13 ص 40: حسن، و في المستمسك ج 1 ص 369: مصحّح سعيد الأعرج.

40

شربه، و ظاهر النهي الحرمة.

و القول بأنّ نهيه (عليه السلام) و حكمه بالتحريم تعبّد محض و لا يستلزم نجاسة سؤرهما فكأنّه قد حرّم الأكل و الشرب من سورهما مع طهارته توهّم لانّ الظاهر انّ تحريمه كان للنجاسة و ليس هذا الظهور في مورد الإنكار.

و منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل صافح مجوسيّا قال: يغسل يده و لا يتوضأ. هكذا نقل في التهذيب، و لكن في الكافي عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) في رجل صافح مجوسيا. (1)

وجه الاستدلال بها انّ الامام (عليه السلام) قال في شأن من صافح مجوسيّا:

يغسل يده. و هذه الجملة خبر يفيد الإنشاء، بل هو آكد منه حيث انّ المتكلم إذا أخبر في مقام الإنشاء فهو يرى الأمر واقعا محقّقا مفروغا عنه، و لا يفرض و لا يحتمل صورة عدمه بل يرى تركه غير محقّق، و على هذا فقد أوجب (عليه السلام) غسل اليد على هذا المصافح لأجل مصافحته المجوسي و من العيان المغني عن البيان انّ وجوب الغسل دليل النجاسة و كاشف عنها.

نعم يمكن المناقشة فيها بأنّ ملاقاة النجس مطلقا لا تكون سببا للنجاسة و وجوب الغسل، بل هي مشروطة بالرطوبة المتعدية بحيث يتأثّر الملاقي بالنجاسة، و معلوم انّ مجرّد مصافحة المجوسي لا يوجب سراية النجاسة من يده الى يد المسلم، و انّما تسرى إذا كانت يد أحدهما أعني يد المجوسي أو يد المسلم المصافح رطبة و الحال انّ مقتضى هذه الرواية وجوب غسل يده مطلقا بلا تقييد بما إذا كانت المصافحة و تلاقى اليدين مع رطوبة سارية في إحديهما.

و يمكن الجواب عنها و التخلّص منها بوجوه:

____________

(1). جامع أحاديث الشيعة الطبع القديم ج 1 ص 43، و الطبع الجديد ج 2 ص 113.

41

الأوّل: انّ الغالب في البلاد الحارّة و- منها الحجاز التي هي أرض النبوّة و مهبط الوحي و محلّ صدور تلك الرواية الشريفة- هو عدم خلّو يد واحد من المصافحين عن الرطوبة السارية، كما انّ هذا أمر مجرّب محسوس فيها بل و في غيرها من البلدان ايضا عند اشتداد الحرّ، فلذا اكتفى الامام (عليه السلام) بالغلبة التي هي قرينة واضحة مغنية عن ذكر الرطوبة.

و الثاني: انّ مراد الامام (عليه السلام) هو المصافحة المقيّدة برطوبة في يد أحدهما، الّا انّ القيد مذكور في الاخبار الأخر، أو هو معلوم غير محتاج الى ذكره، و على الجملة فلا يلزم ذكر المقيّد عند إلقاء المطلق و ذكره مطلقا و لا يستلزم ترك ذكره الإغراء بالجهل كما انّه لا بأس بذكر المطلق بلا قيد مع ارادة المقيّد اعتمادا على كون القيد معلوما.

الا ترى انّ المولى إذا طلب من عبده الماء و امره بإتيانه بلا تقييد بكونه باردا مع كون الهواء حارّا جدّا فانّ العبد يعلم بمقتضى الحال انّ المولى لم يطلب و لم يرد منه الّا الماء البارد أو المثلّج، و ان كان امره مطلقا، فإنّه قد اعتمد على علم العبد بذلك و لم ير حاجة الى ذكره.

و هنا وجه ثالث في الجواب عن المناقشة المذكورة، و دفعها عن الرواية، الّا انّه على ذلك لا دلالة لها على النجاسة، و هو ان يقال: انّه ليس ظاهر الأمر- الذي هو الوجوب- مرادا هنا بل المراد منه الاستحباب لكن هذا الاحتمال خلاف الظاهر، و الظاهر حملها على أحد الاحتمالين الأوّلين.

بقي الكلام هنا في قوله (عليه السلام): و لا يتوضّأ. فنقول: المراد منه انّ مصافحة المجوسي مع الرطوبة في اليد و إن كانت موجبة لتنجّس يد المسلم الذي صافحه الّا انّها لا توجب الحدث كي يحتاج في رفعه الى الوضوء.

و ربما يشعر هذا أو يظهر منه انّ المؤمنين و أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

42

كانوا يتوهّمون انّ مصافحة الكفار توجب الحدث لشدّة خباثتهم عندهم و تبرّيهم عنهم و عن طريقتهم فلذا صرّح الامام بعدم إيجابها الوضوء و لعلّه كانت بين الامام و صاحبه خصوصيّة أورثت و اقتضت ذلك من عدم المخالطة معهم و أمرهم (عليهم السلام) إيّاهم بقطع المراودة عنهم- على خلاف العامّة القائلين بطهارة أهل الكتاب و المعاشرين لهم- فنشأ من الخصوصيّة المذكورة التوهّم المزبور فردّهم (عليه السلام) عن توهّمهم، و أخبرهم بأنّه لا يتوضّأ المسلم المصافح معهم.

و منها رواية أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في مصافحة المسلم اليهوديّ و النصرانيّ قال: من وراء الثياب فان صافحك بيده فاغسل يدك. (1)

تقريب الاستدلال بها انّه (عليه السلام) أمر بغسل اليد لمصافحة اليهودي و النصرانيّ، و ليس ذلك الّا لنجاستهما و تنجّس يد المصافح بمصافحتهما.

و يمكن ان يورد عليها ما أورد على الرواية السابقة، و الجواب هو الجواب.

نعم هنا اشكال يختصّ بالمقام و هو انّه كيف لم يأمر الإمام (عليه السلام) بغسل الثياب الّتي صافحهما المسلم من ورائها و الحال انّه لو كانت يدهما تؤثّر النجاسة فلا فرق فيه بين يد المصافح و ثيابه؟

و يمكن الجواب عنه بوجوه:

أحدها: انّ الامام (عليه السلام) يريد ان لا تتنجّس يد المسلم و لا تتلوّث و لذا يرشده الى ما يحتفظ به على طهارة يده و هو المصافحة من وراء الثياب اى بقطعة من الثوب أو خرقة تكون حائلة بين يده و بين يد الكتابي و ان كان ذلك بان يأخذ المسلم شيئا من ثوب الكتابي نفسه و يصافحه من ورائه و بيده المغطّاة بثوبه لا بثوب نفسه كي لا يتنجّس، و على الجملة فلا يستفاد من قوله (عليه السلام) (من‌

____________

(1). جامع أحاديث الشيعة الطبع القديم ج 1 ص 42، و الطبع الجديد ج 2 ص 113

43

وراء الثياب) ان يأخذ الحائل من ثوب نفسه الملبوس بل اللازم هو الحيلولة بين يده و يد الكتابي حفظا ليده عن النجاسة.

ثانيها: سلّمنا شمول قوله (عليه السلام)، لثياب المسلم الملبوسة أيضا التي يصلّى فيها لكن من المعلوم، الفرق بين تنجّس اليد و الثوب فانّ تنجّس اليد يحصل بمجرّد رطوبة يسيرة و بلّة قليلة في يد أحدهما و لا يحتاج الى كثير مؤنة بخلاف تنجّس الثوب فإنّه يحتاج الى أكثر من هذا و لا يتحقّق إلّا برطوبة جليّة بيّنة و نداوة ظاهرة سارية كي يتأثر بها غاية الأمر انّه بعد المصافحة من ورائه يصير الثوب مشكوك النجاسة فربّما تكون الرطوبة سارية في شي‌ء و لا تكون كذلك في غيره، و من المعلوم انّ مشكوك الطهارة و النجاسة محكوم بالطهارة، كما انّ الاستصحاب أيضا يقتضي الطهارة في المقام، حيث ان الثوب كان مسبوقا بها.

ثالثها: انّ قوله (عليه السلام) بعد ذلك (فاغسل يدك) قرينة ظاهرة على لزوم غسل الثوب ايضا لو صافحه من وراء الثوب إذا أراد الصلاة فيه لأنّ غاية ما يقال في الأوّل هو عدم البيان حيث انّه (عليه السلام) لم يقل: ان صافحت مع الثوب فلا بأس أصلا، حتّى يقال انّه صريح أو ظاهر في طهارة الثوب، و يلزم الاشكال، بل هو اللّابيانيّة المحضة و حينئذ فالجملة الثانية بيان صريح و لا يصحّ رفع اليد عن الدليل الصريح و لا البيان الظاهر لأجل عدم البيان بل اللّازم بمقتضى الصناعة هو الأخذ بالبيان و رفع الاشكال و الإجمال به في مورد عدم البيان، فإذا قال: فان صافحك بيده فاغسل يدك. يعلم منه انّه ان صافح من وراء الثياب- ثياب المسلم- يجب غسله و تطهيره إذا أراد ان يصلّى فيه و بعبارة أخرى يفهم منه انّ الثياب ايضا نجسة. [1]

____________

[1]. أقول: و هنا وجه رابع و هو انّ شأن الناس بالنسبة إلى أثوابهم و أبدانهم مختلف فترى ان لهم

44

و منها: عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن آنية أهل الذمّة و المجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الّذي يطبخون و لا في آنيتهم الّتي يشربون فيها الخمر. [1]

تقريب الاستدلال بها انّ المقصود من طعامهم المطبوخ الذي نهى عن اكله على ما هو الظاهر، الطعام الرطب الذي باشروه بأبدانهم حين صنعه و طبعه فقلّما يتفّق طبخ غذاء مع عدم مباشرة يد الطابخ له بخلاف غير المطبوخ أو الفواكه، فلو أخذ المسلم من بيت الكتابي تفّاحا أو بطّيخا مثلا و شقّه بسكّين طاهر فلا اشكال فيه من ناحية الطهارة لعدم مباشرة بدنه له و امّا ما طبخه الذّميّ فهل يكون المسلم على وثوق و اطمئنان من ذلك؟ لا بل الاطمئنان حاصل بملاقاته و نجاسته و كذا آنيتهم نجسة لأجل مباشرتهم لها.

و امّا ما ترى من تقييدها في الرواية بقوله: الّتي يشربون فيهما الخمر. فهذا لنكتة خاصّة راعاها الامام (ع) و هي انّ فقهاء العامّة كانوا يقولون بطهارتهم، و سواد الناس و عوامهم يقلّدونهم طبعا في ذلك كما في سائر الأمور فكانوا هم ايضا يقولون بطهارتهم. و كان ائمة أهل البيت بصدد تحذير الناس عن مخالطة الكفّار، و الحكم بنجاستهم و كانوا صلوات إله عليهم أجمعين يهتمّون بمعايش العباد و صلاح الأمّة و الاحتفاظ على نفوس الشيعة و الدماء الزاكية و حيث انّه لم يمكن لهم مخالفة العامّة بالصراحة فلذا يحتالون في ذلك، و كان ذكر قيد (الّتي‌

____________

الألبسة الصّيفيّة، و الشتوية، و السفريّة، و الحضرية، و ثياب التجمّل، و العمل، و العبادة، فربّما يتعرّى من ثيابه التي قد تنجّست و لا يلبسها بعد ذلك مطلقا و ربّما لا يصلّى في هذا الثوب ابدا بل هو ثوب خاص لحالة خاصة و ان لم تكن متنجّسة بخلاف اليد فإنّه عضو من أعضاء الإنسان متّصل به و لذا ذكر الامام وجوب الغسل في اليد دون الثياب.

[1]. وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من أبواب النجاسات ح 1 أقول: و من العجب انّه استدل بها للقول بطهارة أهل الكتاب ايضا كما سيأتي إنشاء اللّه تعالى

45

يشربون فيها الخمر) من هذا الباب، فهو نحو احتيال في مخالفة العامّة و نوع فرار من شرّهم و أذاهم، لانّ الشيعة كانوا يجتنبون عن مطلق أوانيهم، و على الجملة فإنّ الإمام (عليه السلام) يظهر انّ الاجتناب عنها لأجل أنّهم يشربون فيها الخمر لا لكونها أواني لهم و انّهم نجس. [1]

فانقدح بذلك انّ دلالة هذه الرواية على نجاستهم تامّة جدّا و ليس فيها اىّ نقصان و ذلك للملازمة بين وجوب الاجتناب المستفاد من النهى و بين النجاسة.

و منها: ما عن علىّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال:

سألته عن فراش اليهوديّ و النصرانيّ ينام عليه؟ قال: لا بأس و لا يصلّى في ثيابهما، و قال: لا يأكل المسلم مع المجوسيّ في قصعة واحدة و لا يقعده على فراشه و لا مسجده و لا يصافحه قال: و سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للّبس لا يدرى لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: ان اشتراه من مسلم فليصلّ فيه و ان اشتراه من نصرانيّ فلا يصلّى فيه حتّى يغسله. (1)

تقريب الاستدلال انّه (عليه السلام) جوّز النوم على فراشهم و منع عن الصلاة في ثيابهم، و مقتضى الإطلاق المنع عن ذلك سواء كانت لها نجاسة عرضيّة أولا، و من المعلوم انّ النهى عن إتيان الصلاة فيها ليس إلّا لغلبة المماسّة الحاصلة بينها و بين أبدانهم مع الرطوبة، و لو علم عدم المماسّة فلا بأس بالصلاة فيه، الّا انّ الغالب هو الأوّل، و الإلحاق منزّل على الغالب، و هذه الغلبة كانت بحيث أوجبت الملازمة بين كون الثوب ثوبا لليهود و النصارى و منتحلا إليهم و بين كونه نجسا مع انّ ثوبهما ليس نظير السؤر في عدم انفكاكه عن مماسّة بدنه‌

____________

[1]. يمكن ان يقال: انّ حكمه (عليه السلام) في الجملة الاولى و الثانية خلاف التقيّة و هذا يبعّد حمل الثالثة عليها فتأمّل.

____________

(1). وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من أبواب النجاسات ح 10

46

مع الرطوبة.

ترى انّ الشارع قد وسّع في باب الطهارة، بحيث لم يعتبر الشك في النجاسة بل و لا الظنّ بها و قال: كلّ شي‌ء لك طاهر حتّى تعلم انّه قذر [1] و مع تلك التوسعة و النظر الوسيع في أمر الطهارة و النجاسة فقد نهى عن الصلاة في الثوب المزبور، و امّا الثوب المتعلّق بالمسلم الذي يستعيره الذمّي ثمّ يردّه اليه فيجوز الصلاة فيه من دون غسله، لانّه ليس مثل ثياب الذمّي نفسه في مظنّة النجاسة.

ثمّ انّه (عليه السلام) نهى بعد ذلك عن أكل المسلم مع المجوسيّ في قصعة واحدة أي في إناء واحد، و وجه ذلك انّ الأكل معه في صحفة [2] واحدة يلازم النجاسة فإنّه امّا ان يأكل بيده فالأمر ظاهر حيث انّه بمجرّد إدخال اليد فيها يتنجّس الطعام و امّا بالملعقة فإذا أدخلها في فمه و أخرجها فلا محالة هي متنجّسة لمباشرتها لفمه و شفتيه فإذا أدخل الملعقة في الصّحفة أو وضعها فيها يتنجّس الطعام طبعا كما يتنجّس الإناء أيضا، فعلى اىّ حال يلازم أكل المسلم معه الأكل من النجس، و لذا نهى الامام عن ذلك.

و امّا النهي عن إقعاده على فراشه في قوله (عليه السلام): (و لا يقعده على فراشه) فهو نهى تنزيهيّ، إرشادا إلى انّه يمكن ان تكون لواحد من أعضائه و أطرافه رطوبة و يتنجّس الفراش بجلوسه عليه، و ليس المراد منه انّه يتنجّس تحقيقا و على اىّ حال بمجرّد جلوسه عليه.

و يمكن ان يكون النهي لأجل عدم كرامة في جلوسه على فراش المسلم.

____________

[1]. وسائل الشيعة ج 2 ب 37 من أبواب النجاسات ح 4 عن ابى عبد اللّه (عليه السلام): كلّ شي‌ء نظيف حتّى تعلم انه قذر.

[2]. الصحفة إناء كالقصعة و الجمع صحاف مثل كلبة و كلاب، و قال الزمخشري: الصحفة قطعة مستطيلة، راجع المصباح المنير ص 403

47

و على هذين الوجهين ايضا يحمل نهيه (عليه السلام) عن إقعاده على مسجده و محلّ عبادته و سجوده.

و امّا قوله (عليه السلام): (و لا يصافحه) فقد علم وجهه ممّا ذكرناه، فراجع.

و امّا تجويزه (عليه السلام) الصلاة في الثوب الذي اشتراه من مسلم، دون ما اشتراه من نصرانيّ، فإنّه لا يصلّى فيه، فالوجه في ذلك انّ كونه مسلما امارة على الطهارة، و كونه نصرانيا امارة على النّجاسة، لا ان يكون النجاسة قطعيّة و من المعلوم انّ الثوب المشترى من النّصرانيّ في السوق تارة يكون من الجلود المحتاجة إلى التذكية، فحكمه واضح، و اخرى يكون متّخذا من غيرها كالقطن مثلا فالنجاسة هنا و ان لم تكن قطعيّة، الّا انّ يد الكفّار امارة على نجاسته.

و على الجملة فهذه المطالب ليست من باب التعبّد المحض بل الكافر نجس فلذا يتنجّس ثوبه الذي مسّه بيده و بدنه مع الرطوبة يقينا، فإذا علمنا انّ الثوب الخاصّ هو ثوبه، و لكن لم تعلم مسّه له كذلك، فمجرّد كون الثوب له و هو مالكه امارة على ذلك، و لذا يحكم بنجاسته كما لو كنّا نعلم نجاسته بالقطع و الوجدان.

و منها عن علىّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة و أرقد معه على فراش واحد و أصافحه؟

قال: لا (1) هذه ايضا ظاهرة في عدم جواز مؤاكلة المسلم المجوسي في قصعة واحدة، و منع الرقود معه على فراش واحد، و الاجتناب عن مصافحته، و هذه الأمور كلّها كاشفة عن كونه نجسا.

____________

(1). وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من أبواب النجاسات ح 6

48

و منها عن هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انّى أخالط المجوسي فآكل من طعامهم؟ فقال: لا (1) و دلالتها ايضا على المراد ظاهرة.

و منها: عن سماعة قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن طعام أهل الذمّة ما يحلّ منه؟ قال: الحبوب. (2)

معلوم انّ الحبوب لا يباشرها الكافر بجزء من بدنه مع الرطوبة، فلذا حكم الامام بحلّيّتها لطهارتها، و على الجملة فقد رخّص استعمال الحبوب و أكلها و كذا ما أشبهها مما لا يقبل النجاسة، و ان باشروها بأيديهم بخلاف الغذاء المطبوخ فإنّه لا محالة يباشره بيده رطبة فلذا لا يحل لكونه نجسا.

و منها: عن علىّ بن جعفر انّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن النصرانيّ يغتسل مع المسلم في الحمّام قال: إذا علم انّه نصرانيّ اغتسل بغير ماء الحمّام الّا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل. و سأله عن اليهوديّ و النصرانيّ يدخل يده في الماء أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا الّا ان يضطرّ اليه. (3)

و الظاهر منها انّ علىّ بن جعفر سأل أخاه الإمام عن الحياض الصغار الّتي تكون تحت مضخّة يدفع بها الماء و يصبّ منها في هذه الحياض و لم تكن كرّا و كان الناس يقومون على جنبها و يغتسلون من الجنابة مثلا، و لو كانت كرّا لم يكن اغتسال النصراني منها موجبا للنجاسة، و لذا قال الامام (عليه السلام): إذا علم انّ هذا الذي يغتسل معه نصرانيّ فيغتسل هذا المسلم بغير ماء الحمّام يعنى لا يغتسل بهذا الماء.

____________

(1). وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من أبواب النجاسات ح 7

(2). وسائل الشيعة ج 16 ب 51 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1

(3). وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من أبواب النجاسات ح 9

49

و امّا قوله (عليه السلام): (الّا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثمّ يغتسل) فالمقصود انّه لو كان النصراني في الحمّام و فرغ من تنظيفه و ذهب و أراد المسلم ان يغتسل في الحمام وحده فهنا يطهّر أطراف الحوض و نواحيه فانّ نفس الحوض و ماءه يتطهران بفتح المضخّة الممتّصة من البئر أو المتّصلة بالمادة فإذا صبّ الماء منها في الحوض يتطهّر الحوض و ماءه فلا حاجة الى أكثر من تطهير جوانب الحوض بخلاف ما إذا كان يغتسل مع النصراني فإنّه لا محالة يتنجّس الحوض و كذا يتقاطر من بدن النصراني و يترشح الى بدنه و الى نواحي الحوض و جوانبه و لا يتيسّر الاغتسال في تلك الظروف و الأحوال، و على الجملة فهذه الفقرات كلّها تدلّ على نجاسة النصراني «فتأمّل».

نعم ذيل الرواية أعني قوله (و سأله عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا الّا ان يضطرّ اليه) فهو محلّ البحث و الكلام حيث انّ الظاهر منه جواز الوضوء من الماء الذي أدخل النّصرانيّ يده فيه عند الاضطرار الى الوضوء منه في حين انّه لو كان قد تنجّس الماء بذلك فلا يصحّ الوضوء منه، لعدم جواز الوضوء بالماء النجس، فتجويز الامام الوضوء بهذا الماء لا يساعد نجاسة النصراني و بعبارة اخرى انّه كاشف عن طهارته.

لكن حملها الشيخ الطوسي (رضوان اللّه عليه) على التقية [1] بيان ذلك انّ التقيّة‌

____________

[1]. هكذا أفاد سيّدنا الأستاذ الأكبر مدّ ظلّه العالي كما أنّه المحكىّ في كلام شيخنا الأنصاري في طهارته و الفقيه الهمداني في طهارته أيضا.

لكنّي لم أجد ذلك في كتب الشيخ رغم الفحص البالغ و قد روى هذا الخبر في التهذيب ج 1 الطبع الجديد ص 223 و لم يقل في ذيله كلمة أصلا نعم روى بعده خبر عمّار الساباطي قائلا: و امّا الخبر الذي رواه سعد. عن عمّار الساباطي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل هل يتوضّأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب على انّه يهودي؟ فقال: نعم قلت فمن ذاك الماء الذي يشرب منه؟ قال: نعم. ثم قال الشيخ: فهذا محمول على انّه إذا شرب منه من يظنّه يهوديّا و لم يتحقّقه فيجب ان لا يحكم عليه بالنجاسة إلّا مع اليقين أو أراد به من كان يهوديّا ثمّ أسلم فامّا في

50

قسمان:

أحدهما: تقيّة الامام (عليه السلام) بنفسه لكنّه ليس هذه مراد الشيخ و لا يمكن القول بها فإنّ الإمام صرّح بنجاستهم قبل هذه الجملة بقوله: (إذا علم انّه نصرانيّ اغتسل بغير ماء الحمّام) و أنت ترى انّ هذه الجملة نصّ في مخالفة العامّة القائلين بطهارة النصارى فلو كان الامام (عليه السلام) بنفسه في مقام التقيّة لما تفوّه بهذه الجملة الناطقة بخلاف مذهبهم و مذاقهم.

ثانيها: تقيّة الشيعة و أصحاب الأئمة (عليهم السلام) فأجاز الإمام لهم عند الاضطرار، الوضوء من هذا الماء النجس حتّى يعملوا بهذا الدستور، و لا يتظاهروا بخلاف مذهب العامّة، فإنّهم لو اجتنبوا عن النصارى حتّى في حال الاضطرار معتنين و ملتزمين بذلك كيفما كانوا فلا محالة يراهم أهل السنة كذلك و يعرفون عند العامّة بالمخالفة لهم، و يكون هذا سببا هامّا لابتلائهم و اصابة السوء و الأذى منهم، و لذا استثنى صورة الاضطرار، و قال: الّا ان يضطرّ إليه.

يعني إذا اضطرّ الى استعماله و التوضّؤ منه فلا بأس به و يجوز هناك الوضوء من الماء الذي قد تنجّس بإدخال النصراني يده فيه فيوافق حكمه بذلك قوله:

(عليه السلام) التقيّة من ديني و دين آبائي. [1]

و على هذا فوظيفة المسلم التوضّؤ من الماء المزبور ما دامت التقية، فما دام مضطرا كان حكمه ذلك، و الوضوء من هذا الماء للمضطرّ إليه لأجل التقية كالوضوء من الماء الطاهر للمختار و من ليس له اضطرار، و واجد لتمام المصالح الّتي كانت في الوضوء من الماء الطاهر، و قد أتى هذا المتوضئ بما هو وظيفته، و‌

____________

حال كونه يهوديّا فلا يجوز التوضؤ بسؤره انتهى و لم يذكر هنا ايضا اسما من التقيّة أصلا. و لعلّه (قدّس سرّه) ذكره في موضع آخر لم اصادفه.

[1]. عن معمّر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن القيام للولاة فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): التّقية من ديني و دين آبائي و لا ايمان لمن لا تقيّة له. الوسائل ج 11 ص 460 ح 3

51

ما كان في عهدته، و ما قرّره اللّه عليه، و طلب منه.

و الحاصل: انّ هذا الوضوء و وضوء المختار بالماء الطاهر على حدّ سواء، و لا نقصان في الأوّل بالنسبة إلى الآخر أصلا حتّى في ترتّب الآثار الوضعيّة كالطهارة و النجاسة مضافا الى ترتّب الآثار التكليفية فهذا الماء طاهر الآن أي في حال التقية كماء لم يصبه الكافر أصلا بالنسبة إلى الآخرين.

اشكال الهمداني و الجواب عنه

ثم انّ الفقيه الهمداني (رضوان اللّه عليه) بعد تقريره حمل الأخبار الظّاهرة في الطهارة على التقيّة في مقام العمل- بان يعمل السائلون و غيرهم من الشيعة على ما يوافق مذهب العامّة اتّقاء شرّهم و كيدهم- استشكل في خصوص الآثار الوضعيّة قال:. فالّذي يحتمل قويا كونها صادرة لأجل التقية في مقام العمل بمعنى انّه قصد بها ان يعمل السائلون على ما يوافق مذهب العامّة كيلا يصيبهم منهم سوء، و لا مبعّد لهذا الاحتمال عدا الآثار الوضعيّة الثابتة للنجاسات فإنّه لو لم يكن لها إلّا الأحكام التكليفية الّتي يرفعها دليل نفي الحرج و نحوه لكان الأمر فيها هيّنا لكن على تقدير نجاسة الكتابيّ و تنجّس من خالطه و استلزام تنجّسه بطلان وضوئه و غسله المتوقّف عليهما صلاته و صومه و سائر عباداته المتوقّفة على الطهور لدى قدرته من تطهير بدنه و استعمال الماء الطاهر أو التيمّم بدلا منهما لدى العجز عن التطهير فمن المستبعد جدّا ان يأمر الإمام بمخالطتهم و مساورتهم من غير ان يبيّن لهم نجاستهم حتّى يتحفّظوا عنها في طهورهم و صلاتهم و لو بالتّيمم بدلا من الوضوء و الغسل مع انّ العادة قاضية بقدرتهم‌

52

على التيمم غالبا من غير ان يترتّب عليه مفسدة هذا (1) لكن لا وقع لهذا الاشكال بعد ما قرّرناه من انّ مقتضى كون التقيّة دين الامام و دين آبائه (عليهم السلام) هو ان يكون الوضوء بهذا الماء النجس من الدين و وظيفة شرعيّة إلهية لمن كان في معرض التقيّة فيترتّب على وضوئه كلّ الآثار المختلفة المترتبة على الوضوء بالماء الطاهر الواقعي للمختار سواء في ذلك الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة، لا التكليفيّة وحدها، و على هذا فلا إشكال أصلا.

و يؤيّد ما ذكرناه من ترتّب مطلق الأحكام و الآثار، حكمهم بكفاية الصلاة مع الوضوء نكسا عند التقيّة و انّه لا حاجة الى قضاءها بعد ذلك، فانّ هذا كاشف عن حصول الطهارة به التي هي حكم من الأحكام الوضعيّة، و الّا فلا صلاة بلا طهور.

و بهذا البيان يجمع بين نجاسة الماء، و جواز الوضوء منه، و عدم لزوم تنبيه الامام الشيعة أو السائلين على كونه متنجّسا بالملاقاة، و محصّل الكلام انّ امره (عليه السلام) بالوضوء منه كان للتّقيّة هذا.

لكن مع ذلك كلّه فهنا احتمال آخر ايضا غير الحمل على التّقية و هو العفو عن النجاسة عند الضرورة فيكون قوله (عليه السلام): (الّا ان يضطرّ اليه) يراد به انّ الوضوء من هذا الماء النجس لدى الاضطرار و عند الابتلاء به جائز، و قد عفى عن هذه النجاسة في هذه الحالة، و قد مال المحقّق الهمداني أيضا إليه في آخر كلامه فراجع.

و على الجملة فهذه الأخبار الشريفة و غيرها ممّا لم نتعرّض لها [1] تدلّ على‌

____________

[1]. أقول مثل ما رواه العلامة في التذكرة ص 8 و الشهيد في الذكرى ص 13 عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قد سئل أنّا بأرض قوم أهل كتاب نأكل من آنيتهم: لا تأكلوا فيها الّا ان لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها. و قال العلّامة أعلى اللّه مقامه في نهاية الأحكام ج 1 ص 273 عند ذكر

____________

(1). مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 561