مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ محمد تقي‏ الآملي المزيد...
489 /
1

-

2

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلوات الزاكيات على محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن الى قيام يوم الدين.

[تتمة كتاب الطهارة]

[فصل في النجاسات]

[فصل في شرائط صحة الصلاة الواجبة و المندوبة]

(فصل) يشترط في صحة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة إزالة النجاسة عن البدن حتى الظفر و الشعر و اللباس ساترا كان أو غير ساتر عدا ما سيجي‌ء من مثل الجورب و نحوه مما لا تتم الصلاة فيه و كذا يشترط في توابعها من صلاة الاحتياط و قضاء التشهد و السجدة المنسيين و كذا في سجدتي السهو على الأحوط و لا يشترط فيما يتقدمها من الأذان و الإقامة و الأدعية التي قبل تكبيرة الإحرام و لا فيما يتاخرها من التعقيب و يلحق باللباس على الأحوط اللحاف الذي يتغطى به المصلى مضطجعا إيماء سواء كان متسترا به أولا و ان كان الأقوى في صورة عدم التستر به بان كان ساتره غيره عدم الاشتراط و يشترط في صحة الصلاة أيضا إزالتها عن موضع السجود دون المواضع الأخر فلا بأس بنجاستها إلا إذا كانت مسرية الى بدنه أو لباسه.

في هذا المتن أمور يجب البحث عنها.

(الأول) يشترط في صحة الصلاة إزالة النجاسة عن ظاهر البدن و اللباس في الجملة‌

3

إجماعا بالمحصل منه و المنقول و قد دل عليه الاخبار الكثيرة الواردة في اخبار متفرقة مثل ما ورد في الثوب الذي أصابه الخمر أو لحم الخنزير.

ففي خبر خيران (1) الخادم قال كتبت الى الرجل (عليه السلام) اسأله عن الثوب يصيبه الخمر و لحم الخنزير أ يصلى فيه أم لا فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه فكتب (عليه السلام) لا تصل فيه فإنه رجس.

و موثق عمار لا تصل في ثوب قد اصابه خمر أو مسكر.

و موثقه الأخر عن الصادق (عليه السلام) قال (عليه السلام) لا تصل في ثوب اصابه خمر أو مسكر و اغسله ان عرفت موضعه فان لم تعرف موضعه فاغسل الثوب كله فان صليت فيه فأعد صلوتك و مرسل يونس عنه (عليه السلام) أيضا قال (عليه السلام) إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله ان عرفت موضعه و ان لم تعرف موضعه فاغسله كله و ان صليت فيه فأعد صلوتك.

و مثل ما ورد في وجوب اعادة من صلى مع النجس إذا لم يكن جاهلا به.

ففي خبر الحسن بن زياد قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يبول فيصيب جسده قدر نكتة من بوله فيصلي ثم يذكر بعد انه لم يغسله قال يغسله و يعيد صلوته.

و ما ورد من عدم وجوب الإعادة على من صلى و ثوبه أو بدنه نجس قبل العلم بالنجاسة و من عدم وجوب الإعادة على من نظر في الثوب قبل الصلاة فلم يجد فيه نجاسة و لم يعلم بها من قبل ثم وجدها بعد الصلاة و في وجوب الإعادة على من علم بالنجاسة في ثوبه أو بدنه فلم يغسلها ثم نسيها وقت الصلاة.

و في وجوبها أيضا على من صلى مع النجاسة عامدا عالما.

و ما ورد في حكم من علم بالنجاسة في أثناء الصلاة و في جواز الصلاة مع النجاسة إذا تعذرت الإزالة و ما ورد في وجوب طرح الثوب النجس مع الإمكان و الصلاة بالإيماء و لو عاريا قائما مع عدم الناظر و جالسا مع وجوده و تلك الأخبار كثيرة مذكورة في أبواب متفرقة لا حاجة الى نقلها بعد معلوميتها و كونها متظافرة فلا شبهة في اشتراط‌

____________

(1) خير ان بفتح الخاء المعجمة و سكون الياء المثناة من تحت و الراء المهملة و الالف و النون.

4

صحة الصلاة بإزالة النجاسة عن البدن و اللباس في الجملة.

الثاني لا فرق في الصلاة بين كونها واجبة أو مندوبة و لا في الواجبة بين أقسامها من اليومية و غيرها و ذلك لا طلاق ما يدل على اعتبارها في صحة الصلاة من غير تقييده بصلاة مخصوصة و مقتضاه عموم اعتبارها الا فيما ثبت عدمه فيه.

الثالث لا فرق فيما يعتبر ازالته عن البدن و اللباس بين النجس و المتنجس فكما يعتبر إزالة النجاسة عينها يعتبر ازالة المتنجس أيضا كما لا فرق في كل من النجس و المتنجس بين القليل و الكثير الا ما استثنى كما في بعض الدماء الذي اغتفر في أقل من الدرهم منه حسبما يأتي خلافا للمحكي عن ابن الجنيد فإنه قصر الحكم بوجوب ازالة النجاسات كلها فيما عدا دم الحيض و المنى على ما بلغ منها سعة الدرهم فصاعدا و سوى في دم الحيض و المنى بين القليل و الكثير و لم ينقل منه دليل على ما ذهب اليه. لكن العلامة استدل له في المختلف بالقياس الى الدم و رده بأن نجاسة المذكورات أغلظ من نجاسة الدم فقياس حكمها على المني أولى و لا يخفى ما في هذا الاستدلال و الجواب من الوهن و الأقوى عدم الاعتداد بمخالفة ابن الجنيد لما في خلافه من الضعف و عدم موافق له من الأصحاب كما صرح به بعدم معرفته له في المعالم و مخالفة قوله لما نطق به الاخبار.

ففي خبر الحسن بن زياد قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يبول فيصيب جسده قدر نكتة من بوله فيصلي ثم يذكر بعد انه لم يغسله قال يغسله و يعيد صلوته.

و خبر ابن مسكان قال بعثت بمسألة الى ابى عبد اللّه (عليه السلام) مع إبراهيم بن ميمون قلت سله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله و يذكر بعد ذلك انه لم يغسلها قال يغسلها و يعيد صلوته.

و يدل على عدم الفرق بين القليل و الكثير أيضا جملة من الاخبار المطلقة الواردة في بول الإنسان و بول غيره و في غير البول كالملاقى للكلب و الميتة و الخمر و الفقاع و غيرها هذا في غير دم الحيض و المنى و اما فيهما فلا خلاف في عدم الفرق بين القليل و الكثير حتى من الإسكافي أيضا و هو المصرح به في النص أيضا.

5

ففي رواية أبي بصير عن الصادق أو الباقر (عليهما السلام) قال لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فإن قليله و كثيره في الثوب ان رآه أو لم يره سواء.

و رواية سماعة قال سئلته عن المنى يصيب الثوب قال اغسل الثوب كله إذا خفي عليك مكانه قليلا كان أو كثيرا ثم انه وقع الخلاف في فهم مراد الإسكافي و قد نسب إليه جماعة بأنه قائل بالعفو عن قليل من النجاسات كما في الدم و استظهر جماعة منه بأنه يقول بعدم حصول النجاسة في الأقل من سعة الدرهم و لكن هذا البحث ليس بمهم بعد سقوط قوله من رأس.

الرابع لا فرق في البدن بين ما تحله الحيوة منه كالجلد و ما لا تحله الحيوة منه كالظفر و الشعر و لا في الظفر و الشعر بين ما كان على النحو المتعارف أو ما كان خارجا عنه كمسترسل اللحية لكن مع صدق التبعية عرفا و اما إذا كان خروجه عن المتعارف على نحو لا يصدق عليه تبعية البدن كما إذا كان الاسترسال على وجه خرج لحيته عن حد قامته و وقع شي‌ء منه على الأرض فلا يعتبر ازالة الخبث عما خرج منه عن صدق تبعية البدن في صحة صلوته و مع الشك في صدق التبعية فالأحوط إزالة الخبث عنه و لا يرجع الى البراءة لكون المقام من قبيل الشك في المحصل.

الخامس وقع التعبير في معظم النصوص المانعة من الصلاة في النجس بالثوب و اقتفاه كثير من الفقهاء فعبروا بالثياب و كثير منهم عبّروا باللباس و لا بد في تحقيق الحال من بسط في المقال فنقول ان هيهنا عناوين يحتمل اشتراط طهارتها في الصلاة تختلف بالعموم و الخصوص (الأول) و هو الأخص من الجميع عنوان الثوب (و الثاني) عنوان اللباس و هو أعم من الثوب إذ يصدق على العمامة الملفوفة بالكيفية المخصوصة مع انها لا يصدق عليها الثوب (الثالث) عنوان ما يصلى فيه بحيث يصدق عليه الصلاة فيه حقيقة و هو أعم من اللباس إذ يصدق على الغطاء إذا تغطى به انه مما يصلى فيه و ان لم يصدق عليه اللباس (الرابع) عنوان ما يصلى فيه أيضا لكن بحيث يصدق عليه الصلاة فيه بالظرفية الاتساعية التي هي أعم من الحقيقية.

فهل المعتبر في صحة الصلاة إزالة النجاسة عن الأول كما وقع التعبير به في‌

6

النصوص و كثير من عبارات الأصحاب و قد اختاره في المدارك حيث يقول في البحث عما لا يتم به الصلاة منفردا بانتفاء ما يدل على اعتبار طهارة ما عدا الثوب و قال و العمامة الملفوفة بالكيفية المخصوصة لا يصدق الثوب عليها عرفا مع كونها على تلك الكيفية المخصوصة.

أو إزالتها عن اللباس بحمل الثياب في النصوص على ارادة المثال أو ما يجرى مجرى العادة في مقام التعبير و ذلك للقطع بعدم مدخلية الثوب في الحكم بل المناط طهارة ما يتلبس به و ان كان قطنا أو صوفا غير منسوج ملفوفا على جسده كما اختاره في الجواهر.

أو إزالتها عن مطلق ما يصلى فيه بالظرفية الاتساعية الا ما استثنى حسبما يأتي كما عليه الشيخ الأكبر في الطهارة (وجوه) أقواها الأخير.

و ذلك لما ورد من المنع عن الصلاة في الحديد معللا بأنه نجس كما في رواية أبي بصير قال (عليه السلام) لا تصل في شي‌ء من الحديد فإنه نجس ممسوخ فإن النهي الوارد فيه و ان كان محمولا على التنزيه و يكون المراد من النجاسة هو الخباثة الا انه يستفاد منه مانعية ما كان من الحديد مع المصلى لو كان نجسا حقيقيا.

و ما ورد من ان السيف بمنزلة الرداء كما في خبر وهب بن وهب السيف بمنزلة الرداء تصل فيه ما لم تر فيه دما.

و ما ورد في جواز الصلاة فيما لا يتم الصلاة به إذا كان نجسا كما في خبر ابن سنان كلما كان على الإنسان أو معه مما لا يجوز الصلاة فيه فلا بأس ان يصلى فيه و ان كان فيه قذر مثل القلنسوة و التكة و الكمرة و النعل و الخفين: فإنه بمفهومه يدل على ثبوت البأس في كلما يكون على الإنسان أو معه مما يجوز الصلاة فيه و إطلاق هذا المفهوم و ان كان يقيد بما يدل على عدم البأس في المحمول المتنجس حسبما يأتي الا انه مع ذلك يدل على الظرفية الاتساعية و يترتب على ما ذكرناه أمور.

الأول اعتبار إزالة النجاسة عن اللحاف الذي يتغطى به إذا لم يكن متسترا به بان كان له ساتر غيره فضلا عما إذا كان متسترا به لانه يصدق عليه الصلاة فيه بالظرفية الاتساعية بمعنى تلبس الصلاة به لا مطلق مصاحبته معها و لعل ما اختاره المصنف قده‌

7

من عدم الاشتراط فيما لم يتستر به لأجل اختياره اعتبار طهارة اللباس فقط لا مطلق ما يصدق الصلاة فيه بالظرفية الاتساعية أو دعوى عدم صدق الصلاة فيه إذا لم يكن ساترا و لو مع اعتبار طهارة ما يصدق الصلاة فيه و لكن على الاحتمال الأخير ينبغي الفرق بين الالتفاف به بحيث يصدق معه الصلاة فيه و بين عدمه باشتراط طهارته في الأول دون الأخير من غير فرق فيهما بين ما كان ساترا أم لا لا الفرق بين ما يتستر به و بين ما لم يتستر به إذ المدار ح على صدق الصلاة و هو يتحقق مع الالتفاف و لو لم يكن ساترا و لا يتحقق مع عدمه و لو كان ساترا.

الثاني لا فرق فيما يشترط طهارته بعد صدق الصلاة فيه بين ما كان ساترا بالفعل و بين ما لم يكن كالثياب المتعددة التي بعضها فوق بعض لكون المدار على صدق الصلاة فيه و لو لم يكن ساترا بالفعل.

الثالث لا فرق بعد صدق التلبس به حال الصلاة بين ما كان على النحو المتعارف أو كان ملفوفا على جسده كالقطن الغير المنسوج و ذلك لصحة إطلاق الصلاة فيه لكن إذا لم يصدق المحمول عليه و اما مع صدق المحمول عليه ففيه بحث يجي‌ء الكلام فيه في البحث عما يعفى عنه.

الرابع لا فرق في اللباس بين ما إذا كان بقدر القامة أو زائدا عنها زيادة غير خارجة عن المعتاد و اما مع خروجها عن المعتاد بحيث كان موضع النجس منه مطروحا على الأرض فلا إشكال في صحة الصلاة معه مع عدم صدق الصلاة فيه كما إذا كان ذيل العباء طويلا بمقدار اذرع بحيث لا يعد من الملبوس عرفا و اما مع الشك في الصدق العرفي ففي جواز الصلاة معه اشكال و الأحوط الاجتناب عنه.

الخامس لا إشكال في وجوب التجنب عن اللباس المتنجس إذا صار متنجسا بالملاقاة و اما مع ملاصقة النجس به مع عدم تأثره عنها لم يجب إزالتها إلا مع المنع عن المحمول حسبما يأتي.

السادس من الأمور التي يجب البحث عنها انه كما يشترط إزالة النجاسة عن البدن و اللباس في صحة الصلاة يشترط إزالتها عنهما في توابعها مما ذكر في المتن.

8

اما صلاة الاحتياط فللمطلقات الدالة على اشتراطها في الصلاة إذا الصلاة الاحتياط أيضا صلاة و ان كانت مرددة بين الجزئية و الاستقلالية بل لها حظ منها فيدل على اعتبار الطهارة بل جميع شرائط الصلاة فيها كلما دل على اعتبارها في الصلاة.

و اما الاجزاء المنسية فلأنها عبارة عن نفس أجزاء الصلاة الا انها تقع في غير موقعها لا انها خارجة عن الصلاة و تقيم بدلا عنها فجميع ما دل على اعتبارها في تلك الاجزاء إذا وقعت في محلها يدل على اعتبارها فيها إذا أزلقت عن محلها و تأخرت عن موضعها كما لا يخفى.

و اما سجدتا السهو ففي اعتبار شرائط الصلاة فيهما (وجهان) من كونهما من متممات الصلاة فيعتبر فيهما ما يعتبر فيها و لذا يجب أدائهما فورا المشعر بخلل تخلل المنافي بينهما و بين الصلاة و من ان تتميمهما للصلاة لا تدل على اعتبار شرائط الصلاة فيهما و الفورية أعم من ذلك و لا دليل على اعتبار شرائط الصلاة فيهما و هذا الأخير هو الأقوى و ان كان الأول الأحوط.

الأمر السابع لا يشترط إزالة النجاسة عن البدن و اللباس فيما يتقدم الصلاة من الأذان و الإقامة و الأدعية التي قبل تكبيرة الإحرام و لا فيما يتأخرها من التعقيب لعدم الدليل على اعتبارها فيها حتى في الإقامة على القول بوجوبها بل و شرطيتها للصلاة أيضا الا ان القدر المتيقن هو وجوبها أو شرطيتها نفسها للصلاة.

و امّا اعتبار طهارة البدن و اللباس فيها فليس عليه دليل نعم لو قيل بجزئيتها للصلاة لكان الدليل على اعتبار ما يعتبر في الصلاة دالا على اعتباره فيها لكن جزئيتها لم يذهب الى وهم و ان كان المحكي عن بعض السادة هو ان نسبتها إلى الصلاة كالدهليز الى الدار و الرواق الى الحرم حيث انهما يعدان من الدار و الحرم و ان كان خارجين عنهما.

الأمر الثامن يشترط في صحة الصلاة أيضا إزالة النجاسة عن موضع السجود اعنى ما يستقر عليه الجبهة دون المواضع الأخر من مواضعها السبعة اما اعتبار إزالتها عن موضع السجود فقد ادعي عليه الإجماع في السنة جملة من الأصحاب و نوقش على‌

9

دعواه بما حكاه في المعتبر عن الراوندي و الوسيلة من ان الأراضي و البواري و الحصير إذا أصابها نجس و جففتها الشمس لا يطهر بذلك لكن يجوز عليها السجود و استجوده المحقق و لا يخفى ان ما حكاه المحقق عنهما يدل على ذهابهما الى عدم جواز السجود على النجس إلا إذا كان أرضا أو من البواري و الحصير و جففتها الشمس فهو يؤكد الإجماع على عدم جواز السجود على النجس غاية الأمر انهما خالفا في كيفية تأثير الشمس على على ما أشرقت عليه و انه هل هو في الطهارة أو في العفو عن السجود عليه فالظاهر تمامية دعوى الإجماع.

و يدل على الحكم المذكور مع قطع النظر عن الإجماع النصوص المشتملة على اشتراط الصلاة على البواري أو السطح بتجفيف الشمس بناء على ارادة ما يشمل السجود عليها من الصلاة فيها حيث ان المفهوم منها عدم جواز السجود عليها إذا لم تجففها الشمس و ان جفت بغيرها ففي صحيح زرارة قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن البول يكون على السطح و في المكان الذي يصلى فيه فقال (عليه السلام) إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر و الاشكال بكون السؤال عن المكان الذي يصلى فيه و هو لا يصدق على ما يسجد عليه مدفوع بظهور الجواب في ما يسجد عليه من قوله (ع) إذا جففته الشمس فصل عليه.

و صحيح ابن محبوب عن الرضا (عليه السلام) انه كتب إليه يسأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى يجصص به المسجد أ يسجد عليه فكتب اليه ان الماء و النار قد طهراه و في فقد هذا الخبر إشكال يأتي في باب الاستحالة من المطهرات لا يضر بالاستدلال به في المقام لدلالته على مفروغية الحكم بعدم جواز السجود على المتنجس قبل طهره فان الظاهر من قوله (عليه السلام) ان الماء و النار قد طهّراه انه لو لا طهره بهما لم يجز السجود عليه و ان لم نعلم كيفية حصوله بهما و انه هل يحصل بهما معا أو بالنار فقط و ان ضم في الجواب معه الماء لكن لما كان المعلوم من الخارج ان الماء الذي يوضع في الجص للبناء ينجس لملاقاته للنجس و الإجماع قائم على عدم حصول الطهر للمتنجّس بممازجة ماء القليل معه يكون ذكره من المطهر في الجواب من باب المجاز أو بالماء فقط بإرادة‌

10

ماء المطر منه و كون المسجد غير مسقف فيحصل طهره به فعدم العلم بحصول الطهر بهما أو بأحدهما و عدم العلم بكيفية حصوله لا يضر بما نريد إثباته به في المقام من عدم جواز السجود على المتنجس قبل طهره كما لا يخفى.

و موثقة ابن بكير عن الصّادق (عليه السلام) في الشاذكونة يصيبها الاحتلام أ يصلى عليه قال (عليه السلام) لا قال في الوافي الشاذكونة بالفارسية الفراش الذي ينام عليه و الاحتلام كناية عن المنى لخروجه به و في روض الجنان الشاذكونة حصير صغير و ظهورها في كونها في مقام المنع عن السجود و على المتنجس لمكان التعبير في السؤال بقوله أ يصلى عليه غير قابل للإنكار فلا يحتاج الى الحمل إليه بقرينة ما ورد من نفى البأس من الصلاة عليه كما سيأتي.

و موثقة عمار عن الصادق (عليه السلام) قال سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس و لكنه قد يبس الموضع القذر قال (عليه السلام) لا يصلى عليه و اعلم موضعه حتى تغسله و عن الشمس هل تطهر الأرض قال إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة و ان أصابته الشمس و لم ييبس الموضع القذر و كان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس و ان كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس و ان كان غير الشمس اصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك.

و بالجملة فالإجماع المذكور بضميمة النصوص المذكورة كاف في إثبات الحكم المذكور و لو فرض عدم ظهور الموثقتين في السؤال عن السجود عليه لوقوع السؤال عن الصلاة عليه لا عن السجود عليه فلا أقل من دلالتها على اعتبار طهارة موضع السجود بالإطلاق و ان كان التحقيق حملهما على خصوص موضع الجبهة بقرينة الأخبار النافية عن البأس عن نجاسة موضع الصلاة على نحو الإطلاق بحمل الأخبار النافية على موضع غير الجبهة بجعل صحيح ابن محبوب المعبر فيه أ يسجد عليه بدل أ يصلى عليه شاهدا على الحمل هذا تمام الكلام في موضع السجود.

و اما غيره من بقية المواضع السبعة فالمعروف المشهور عدم اعتبار طهارتها‌

11

و جواز الصلاة عليها ما لم تكن رطبة و عن ابى الصلاح اشتراط طهارتها أيضا كموضع السجود و عن المرتضى اشتراط طهارة مكان المصلى مطلقا حتى في غير المواضع السبعة من السجود.

و الأقوى ما عليه المشهور للأخبار النافية للبأس عن الصلاة على المتنجس بعد حملها على غير موضع الجبهة.

ففي صحيحة على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أ يصلى عليها قال إذا يبست فلا بأس.

و صحيحته الأخرى عن البواري يصيبها البول هل يصح الصلاة عليها إذا جفت من غير ان تغسل قال نعم لا بأس.

و صحيحته الثالثة عن البيت و الدار لا يصيبهما الشمس و يصيبهما البول و يغتسل فيهما من الجنابة أ يصلى فيهما إذا جفا قال (عليه السلام) نعم.

و موثقة عمار قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البارية يبلّ قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها فقال إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها.

و صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن الشاذكونة عليها الجنابة أ يصلى عليها في المحمل قال لا بأس.

و خبر ابن ابى عمير قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أصلي على الشاذكونة و قد أصابتها الجنابة قال (عليه السلام) لا بأس.

هذا ما استدل به لما عليه المشهور من عدم اعتبار طهارة ما عدا موضع السجود و اما المحكي عن ابى الصلاح ففي غير واحد من العبارات الاعتراف بعدم دليل عليه و قد يستدل له بالنبوي جنبوا مساجدكم النجاسة بناء على ان يكون المراد بالمساجد مواضع السجود كما يؤيده تفسير المساجد بها في قوله تعالى وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ و لكن الأقرب إرادة الأماكن المعهودة للصلاة فيها لا مواضع السجود و على تقدير ارادة مواضع السجود فالمتبادر منها هو موضع الجبهة دون سائر المواضع لكون السجدة هي وضع الجبهة على الأرض و وضع بقية المواضع شرائط لصحتها لا انها مقومات لماهيتها‌

12

و استدل له أيضا بصحيح ابن محبوب المتقدم نقله بتقريب انه لو لا ان الماء و النار طهر الجص لا يجوز السجود عليه و إطلاق نفى الجواز يشمل السجود على بقية الأعضاء السبعة أيضا.

و لا يخفى ما فيه فإنه يكفي في عدم الجواز كون الطهارة شرطا لجواز السجود في الجملة و لو في خصوص موضع الجبهة مع ما عرفت من ان وضع الجبهة هو حقيقة السجود و ما سواه انما هو شرط لصحته لا انه مقوم لمهيته.

و استدل لما ذهب اليه السيد قده بما ورد من النهي عن الصلاة في المجزرة و هي المواضع التي تذبح فيها الانعام و المزبلة و الحمامات و بموثقة ابن بكير و موثقة عمار المتقدمتين الناهية عن الصلاة في موضع المتنجس من الشاذكونة و غيرها.

و يرد على الأول ان النهي عن الصلاة في المذكورات نهى تنزيه فلعله من جهة استقذار تلك الأماكن الدالة على مهانة نفس من يستقر فيها فلا يلزم التعدية إلى غيرها و لو علم دلالتها على اعتبار الطهارة فلا تدل على اعتبارها مطلقا و بالنسبة الى جميع مساقط البدن أو ما يلاصقه و ان لم يسقط عليه بل لا يدل على اعتبارها إلا في الجملة فلعله بلحاظ كونها شرطا بالنسبة إلى موضع الجبهة لا مطلقا.

و يرد على الثاني ما تقدم من ظهورهما لا سيما موثقة عمار في اعتبار طهارة موضع الجبهة لا مطلق مساقط أعضاء السجود فضلا عن جميع مساقط البدن و على فرض تسليم إطلاقهما لا بد من حملهما على خصوص موضع الجبهة جمعا بينهما و بين النصوص المتقدمة الصريحة الدلالة على الجواز أو حملهما على الكراهة أو غير ذلك من المحامل و على فرض عدم إمكان الجمع بينهما و بين النصوص المصرحة بالجواز بإحدى طرق الحمل فالمتعين رفع اليد عنهما بواسطة إعراض المشهور عن العمل بهما و قيام الشهرة على العمل بالنصوص المصرحة بالجواز فتصيران موهونا بالاعراض عنهما فالمتعين هو الأخذ بما عليه المشهور و عليه المعول.

فلا بأس بنجاسة ما عدا موضع الجبهة ما لم تكن مسرية الى بدنه أو لباسه و اما لو كانت مسرية الى بدنه أو لباسه فلا إشكال في مانعيتها عن صحة الصلاة‌

13

في الجملة و هل هي من جهة اشتراط طهارة مساقط بدنه أو من جهة سراية النجاسة إلى بدنه أو لباسه الموجبة لانتفاء شرط الصحة و هو طهارة البدن أو اللباس (وجهان) المحكي عن ظاهر الفخر هو الأول بل المحكي عن إيضاحه انه حكى عن والده دعوى الإجماع على عدم صحة الصلاة في المسرية و ان كانت معفوا عنها و الأقوى هو الأخير و ذلك لعدم ما يدل على اشتراط خلو المكان عن النجاسة المسرية من حيث هو مكان و صحيحة على بن جعفر الأولى التي فيها قوله (عليه السلام) إذا يبست فلا بأس الدال بمفهومه على ثبوت البأس لو لم تكن يابسة و كذا موثقة عمار التي صرح في موضعين منها بعدم جواز الصلاة على الموضع المتنجس إذا لم تكن نجاسة يابسة و ان دلتا على اشتراط خلو الموضع عن النجاسة الرطبة لكن ليست فيهما دلالة على كونه من حيث هو مكان لا من حيث السراية بل لعل المناسبة المغروسة في الذهن توجب صرفها الى كون المدار في اشتراطه هو سراية النجاسة إلى البدن أو اللباس و لا يبعد دعوى انصراف إطلاقات الفتاوى إليه أيضا و عليه فلا يتم دعوى الإجماع من العلامة على كونها الاشتراط من حيث هو مكان إذ الظاهر ان دعواه ناشئة من ملاحظة إطلاق كلماتهم لا انهم صرحوا بكون اشتراط خلو الموضع عن النجاسة المسرية لأجل كونه مكانا و موضعا للصلاة لا لأجل السراية و تظهر الفائدة في اطراد الحكم بالاشتراط بالنسبة إلى النجاسات التي عفى عنها في الثوب و البدن كالدم الأقل من الدرهم أو المتعدية الى ما لا تتم الصلاة فيه كالتكة و الجورب فعلى الأول فلا عفو عنها لعدم الدليل على ثبوت العفو عن النجاسات المعفوة بالنسبة إلى اشتراط خلو المكان عن النجاسة المسرية و انما الثابت هو العفو عنها في اشتراط خلو البدن و اللباس عنها و دعوى أولوية العفو عن المكان عن العفو عن البدن و اللباس أو تنقيح المناط غير مسموعة بعد كون الأحكام تعبدية لا بد في إثباتها من مثبت و على الثاني يجب الاقتصار على اشتراط خلوه عن النجاسة الغير المعفوة إذ المدار على اشتراطه ح هو عدم تسرية النجاسة إلى البدن أو اللباس و المفروض ثبوت العفو عنها قال الشهيد الثاني قده في الروض و لو تعدى منها اليه ما يعفى عنه في الصلاة كدون الدرهم من الدم المعفو عنه لم يضر إذ لا يزيد ذلك على ما هو على المصلى و كيف كان‌

14

إشكال في اشتراط خلو المكان عن النجاسة المسرية الغير المعفوة لما عرفت من صحيحة على بن جعفر المتقدمة و موثقة عمار الدالتين على اشتراطه مضافا الى إطلاقات الأدلة الدالة على اشتراط طهارة الثوب و البدن.

[مسألة 1 إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر و بعضه نجس صح]

مسألة 1 إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر و بعضه نجس صح إذا كان الطاهر بمقدار الواجب فلا يضر كون البعض الأخر نجسا و ان كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه و يكفى كون السطح الظاهر من المسجد طاهرا و ان كان باطنه أو سطحه الأخر أو ما تحته نجسا فلو وضع التربة على محل نجس و كانت طاهرة و لو سطحها الظاهر صحت الصلاة.

في هذه المسألة أمران (الأول) هل المعتبر من طهارة موضع الجبهة هو مقدار ما يجب السجود عليه فلو طهر هذا المقدار و نجس الباقي مما يقع عليه الجبهة بنجاسة غير متعدية أو معفو عنها لم يضر أو أن المعتبر طهارة مجموع موضع الجبهة (وجهان) قد يقال بالأخير لأن الذي ينسبق الى الذهن من إطلاق كلمات الأصحاب و معاقد إجماعاتهم المحكية التي هي العمدة في مستند الحكم باعتبار طهارة موضع الجبهة هو اشتراط طهارة ما يقع عليه السجود و لا يتحقق هذا المعنى عرفا إلا إذا كان مجموع ما يقع عليه الجبهة طاهرا إذ لو كان بعضه نجسا لا يقال انه سجد على أرض نظيفة بل يقال انه سجد على أرض نجسة إذ لا يعتبر استيعاب النجاسة في صدق السجدة على النجس و يعتبر استيعاب الطهارة في صدق السجود على الموضع الطاهر و الشاهد على ذلك هو العرف.

و قياس المقام على ما لو وضع الجبهة على ما يصح السجود و ما لا يصح حيث لا إشكال في الصحة مع فرض تحقق مقدار الواجب منها قياس مع الفارق لان وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه من الأمور المعتبرة في السجود و وضعها على الطاهر من الموضع من الأمور المعتبرة في المسجد و هما مختلفان في الحكم لدى العرف.

فلو قيل يشترط في السجود وقوعه على الأرض أو على جسم نظيف يصدق ذلك عند كون بعض ما يقع عليه السجود كك حيث يصدق على بعضه أنه أرض أو نظيف و قد‌

15

وقع عليه و على غيره السجود و اقتران الغير غير قادح في صدق اسم السجود عليه و هذا بخلاف ما إذا قيل يشترط ان يكون ما يقع عليه السجود أرضا أو نظيفا فان المتبادر منه كونه شرطا في مجموع ما يقع عليه السجود لا في خصوص المقدار الذي يتوقف عليه مهية السجود هذا.

و لكن الأقوى هو الأول كما هو المحكي عن المحقق الثاني و غيره و ذلك لعدم تحقق المنافي لأنه و ان كان يصدق وضع الجبهة على الموضع النجس لكنه يصدق أيضا وضعها على الموضع الطاهر بما يكفي في تحقق مقدار الواجب منه و ما قيل في عدم اعتبار استيعاب النجاسة في صدق السجدة على النجس و اعتبار استيعاب الطهارة في صدقها على الطاهر لا يرجع الى محصل و الاستشهاد بفهم العرف مردود بأنا أنفسنا من أهل العرف و لا نفرق بين المقامين كما ان الفرق بين كون الوضع على الطاهر من الأمور المعتبرة في السجود و بين كونه في الأمور المعتبرة في المسجد بعدم اعتبار استيعاب طهارته في الأول دون الأخير خفي جدا يأباه الفهم العرفي، و كون الوضع الموجود في الخارج وضعا شخصيا يصدق عليه انه الوضع على النجس غير ضائر بعد كونه مصداقا للوضع على الطاهر أيضا مع فرض كفاية ما وضع من الجبهة على الطاهر في الصحة و اما إطلاق معاقد الإجماعات على اشتراط طهارة محل الجبهة ففيه انه منصرف الى المعتبر من محل الجبهة المفروض طهارته و قد عرفت ان العمدة في دليل اعتبار طهارته هو الإجماع و من المعلوم عدم الإجماع على طهارة مجموع ما تقع عليه الجبهة فمع القطع بعدمه كيف يتمسك بإطلاق معاقد الإجماعات على طهارة الزائد عما يعتبر من محلها فالحق عدم اعتبار طهارة جميع ما يقع عليه الجبهة و كفاية طهارة مقدار الواجب منه و لكن الأحوط طهارة الجميع.

الأمر الثاني المعتبر في طهارة مسجد الجبهة هو السطح من محل السجود الذي يقع عليه الجبهة و تتلاصق الجبهة به فيكفي طهارة ظاهره و ان كان باطنه نجسا فضلا عما إذا كان ظاهره و باطنه طاهرا و وضع على شي‌ء متنجس أو نجس كالتربة الموضوعة على فرش متنجس مثلا فإنه تصح معه الصلاة قال الشهيد قده في الذكرى و لا يشترط‌

16

طهارة كل ما تحته فلو كان المكان نجسا ففرش عليه طاهر صحت الصلاة و قد رواه عامر القمي عن الصّادق (عليه السلام) (انتهى) و قال في محكي كشف الغطاء و لا بأس بنجاسة ما تحت المباشر ما لم يناف الاحترام كالملوث لأسفل التربة الحسينية أو لأسفل قرطاس مكتوب في وجهه الأسفل شي‌ء من القرآن أو الأسماء المحترمة.

و يدل على ذلك عدم الدليل على اشتراط الزائد عن سطح الظاهر من محل الجبهة الماس معها و مع عدم الدليل عليه يكون الأصل عدم اعتباره لو شك فيه.

[مسألة 2 يجب إزالة النجاسة عن المساجد]

مسألة 2 يجب إزالة النجاسة عن المساجد داخلها و سقفها و سطحها و طرف الداخل من جدرانها بل و الطرف الخارج على الأحوط الا ان لا يجعلها الواقف جزء من المسجد بل لو لم يجعل مكانا مخصوصا منها جزءا لا يلحقه الحكم و وجوب الإزالة فوري فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي و يحرم تنجيسها أيضا بل لا يجوز إدخال عين النجاسة فيها و ان لم تكن منجسة إذا كانت موجبة لهتك حرمتها بل مطلقا على الأحوط و اما إدخال المتنجس فلا بأس به ما لم يستلزم الهتك.

في هذه المسألة أمور يجب البحث عنها (الأول) يجب إزالة النجاسة عن المساجد إذا تلوثت بها للإجماع على حرمة إدخال النجاسة فيها كما عن القواعد و الإرشاد و المنتهى بل عن السرائر انه لا خلاف في حرمته بين الأمة و كلما كان إدخالها فيها حراما فازالتها عنها واجبة.

و استدل له مضافا الى الإجماع المذكور بالكتاب الكريم و السنة فمن الأول قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ (الآية).

و نوقش في الاستدلال بها (تارة بأن المعروف من النجس ليس هو المعنى المعهود منه بل النجاسة لغة هي القذارة و لم يثبت كون المعنى المصطلح عليه حقيقة شرعية (و اخرى) انه لو سلم ارادة المعنى المصطلح فيحتمل قصر الحكم على خصوص المشركين لغلظة نجاستهم (و ثالثة) انه لو سلم اشتراك ما سواهم من النجاسات معهم في ذاك فباحتمال قصر الحكم بالمسجد الحرام فلا يعم غيره من المساجد كما لعله يؤيد الاختصاص به‌

17

من حيث الجنبة السياسية في منع المشركين عن الإدخال في مسجد الحرام كما انهم يمنعون عن الدخول في الحجاز و جزيرة العرب.

و أجيب عن الأول بالمنع عن عدم معروفية المعنى المعهود أولا و على تقدير تسليمه فبقيام القرينة على ارادة المعنى المعهود في المقام و لو مجازا و هي حرمة قربهم من المسجد الحرام إذ لا يجب تجنب المساجد عن غير النجس الشرعي إجماعا.

و عن الثاني بثبوت الحكم لسائر النجاسات بعدم القول بالفصل و كذا عن الثالث إذ كل من قال بعدم جواز دخول المشركين في مسجد الحرام يقول بعدم جواز دخولهم في سائر المساجد هذا و لكن الأجوبة المذكورة لا يخلو عن المناقشة و الانصاف عدم ظهور الآية في كون المنع عن دخولهم من جهة نجاستهم لعدم ظهور النجس في المعنى الاصطلاحي و عدم إمكان إثبات عموم النجاسات و المساجد بعدم القول بالفصل و الحق هو صرف النظر عن الاستدلال بالاية الكريمة لإثبات حرمة إدخال النجاسة في المسجد و لا لإثبات وجوب إزالتها عنه لو تلوث بها، و قوله تعالى وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ بناء على ان يكون المراد طهره من النجاسة و بعدم القول بالفصل يثبت العموم لكل مسجد لو كان المراد من البيت المضاف اليه تعالى هو بيت اللّه الحرام مع إمكان ان يكون المراد به كل مسجد من المساجد و لا يخفى ما فيه فان هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه و آله و سلّم) و لعل المراد به هو الطهر عن دنس الكفر و الشرك و عبدة الأوثان مع ان الأمر بالتطهير فيها انما هو للطائفين و هو مغاير مع وجوبه لنفسه مع انه على فرض وجوبه لنفسه انما هو في مورد الاحتياج الى تطهيره الذي هو في صورة التلويث فلا يكون دليلا على حرمة إدخال الغير المسرية من النجاسات فيها.

و من الثاني أعني السنة بالنبوي جنبوا مساجدكم النجاسة و أورد عليه بعدم ظهور المساجد فيه للمساجد المعهودة لاحتمال ارادة موضع الجبهة منها كما تقدم فيكون مجملا لا يصلح للاستناد و اما الاستشهاد لأظهرية ارادة موضع الجبهة من اضافة المساجد الى ضمير الجمع ففيه انه لا شهادة في ذلك على ارادته لعدم تأبّى إرادة المساجد المعهودة مع تلك الإضافة خصوصا مع تحقق الاشتهار في انتساب المساجد‌

18

إلى الطوائف البانين لها و بصحيحة الثمالي عن الباقر (عليه السلام) قال (عليه السلام) اوحى اللّه الى نبيّه ان طهر مسجدك و اخرج منه من يرقد بالليل و مر بسدّ الأبواب.

و بالخبر المروي عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال قلت له ان طريقي الى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه و ليس علىّ حذاء فيلصق رجلي من نداوته فقال (عليه السلام) أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة قلت بلى قال (عليه السلام) فلا بأس ان الأرض يطهر بعضها بعضا بناء على ان يكون المراد من نفى الباس نفيه عن الدخول في المسجد و لكنه يرد عليه احتمال ان يكون نفيه عن الدخول في الصلاة و معه فلا ظهور فيه في ثبوت البأس عن إدخال النجاسة في المسجد.

و بخبر القداح المروي عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلّم) تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم فإنه يفهم منه زيادة الاحتياط في التحفظ عن تنجيس المسجد الكاشف عن عدم جوازه و المناسب مع تعظيمه و في دلالته على وجوب التعاهد نظر و لو سلم وجوبه فلا يدل على حرمة إدخال النجاسة فيه و لا على وجوب إزالتها لو صار متلوثا بها.

و بمرسل العلاء بن الفضيل المروي عن الباقر (عليه السلام) قال (عليه السلام) إذا دخلت المسجد و أنت تريدان تجلس فلا تدخله الا طاهرا و في دلالته ما لا يخفى و لعل الأظهر منه هو النهي عن الدخول الا مع الطهارة الحدثية و هذه جملة ما استدل به للحكم المذكور و لا يخفى ما في الكل منها الا ان الإجماع المذكور مع التأييد بتلك الأدلة و مناسبته مع التعظيم و قيام الإجماع على منع الكفار عن الدخول فيه الذي لا باعث له ظاهرا سوى نجاستهم و ما ورد من منع المجانين و الصبيان و منع الجنب و الحائض عن المكث فيه الظاهر في كونه لأجل تلوثهم كاف في إثبات الحكم المذكور فلا ينبغي الإشكال في أصل الحكم المذكور في الجملة.

الأمر الثاني لا فرق بحسب الظاهر بين ارض المسجد و حائطه من داخله و سقفه و سطحه فان المتبادر من وجوب تجنب المسجد عن النجاسة هو تجنب جميع ما ذكر عنها و في وجوب إزالتها من الطرف الخارج عن جدرانه تأمل لإمكان دعوى انصراف‌

19

الأدلة عنه لكن الأحوط تجنبه عنها الا ان لا يجعله الواقف جزء من المسجد فلا يشمله حكمه التابع لتحقق موضوعه و لذا لو لم يجعل مكانا مخصوصا منه جزء من المسجد لا يلحقه حكمه و هو ظاهر.

الثالث وجوب الإزالة فوري و قد نفى عنه الخلاف في الجواهر و قال بل لعله إجماعي كما حكاه بعضهم صريحا و في المدارك انه مما قطع به الأصحاب.

و يدل عليه مضافا الى نفى الخلاف فيه ان منشأ الوجوب هو التعظيم و هو ينافي مع التراخي و ان الدال على وجوب الإزالة انما هو ما يدل على حرمة الإبقاء و هو الأدلة المتقدمة الدالة على حرمة التنجيس حدوثا و بقاء و ان المقصود من وجوب الإزالة ليس هو وجودها و لو بعد حين و في زمن من الأزمنة بل انما هو رفع النجاسة عن المسجد بحيث يكون المطلوب هو خلوه عنها مطلقا و في جميع الأوقات و هذا المعنى يستفاد من مناسبة التعظيم و الاحترام.

الأمر الرابع قد ظهر مما ذكرناه في الأمر الأول عدم الإشكال في تحريم تنجيس المسجد و إدخال النجاسة المسرية فيه و هو القدر المتقين من معاقد الإجماعات المحكية و ادعى الإجماع عليه غير واحد من الأصحاب و لم ينقل فيه الخلاف من احد عدا ما يشعر به ما في المدارك من الميل الى الخلاف حيث يقول بعد نقله ذهاب جمع من المتأخرين الى عدم تحريم إدخال النجاسة الغير المتعدية الى المسجد أو فرشه.

و لا بأس به اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق ان تم انتهى ففي قوله ان تم اشعار بعدم تمامية الوفاق عنده في المتعدية و لا يخفى ما فيه لما عرفت من ان صورة التعدي هي القدر المتقين من معاقد الإجماعات و لا ينبغي التشكيك فيها و ان الأدلة المتقدمة تدل عليها بضميمة الإجماع و في الحدائق بعد اعترافه بالاتفاق على تحريم إدخال النجاسة المتعدية قال قده و لا اعرف لهم دليلا سواه ثم قال الا انه قد روى عمار في الموثق أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال سئلته عن الدماميل تكون في الرجل فتنفجر و هو في الصلاة قال يمسحه و يمسح يده بالحائط أو بالأرض و لا يقطع الصلاة فإن إطلاقها شامل لما لو كانت الصلاة في المسجد بل هو الغالب انتهى.

20

و لا يخفى ما فيه فان الخبر المذكور مسوق لبيان حكم الصلاة مع الدماميل و لا نظر له في حكم تنجيس المسجد أصلا كما لا نظر له في حكم تنجيس حائط الغير فلا يصح التمسك بجوازه بإطلاقه كما هو أوضح من ان يخفى و بالجملة فلا ينبغي التأمل في حرمة إدخال النجاسة المسرية فيه كما لا ينبغي التأمل في حرمته إذا كان إدخالها فيه موجبا لهتك حرمة المسجد لا من جهة حرمة إدخالها فيه بل بمناط حرمة هتك المسجد فإنه حرام و لو كان الهتك بإدخال الأعيان الطاهرة فيه كما إذا جعله مجمع القذارات الصورية و محلا للزبالة مثلا.

انما الكلام فيما إذا لم يكن إدخال النجاسة فيه موجبا لتلويثه و لا لهتكه فقد وقع فيه الخلاف فعن العلامة في أكثر كتبه هو المنع عنه بل قال في التذكرة و لو كان معه خاتم نجس و صلى في المسجد لم تصح صلوته و نسبه بعض الى المشهور و عن الشهيدين و المحقق الثاني و غيرهم اختصاص المنع بالتعدية و نسبه في الروض إلى الأكثر و استدل للأول بإطلاق الأدلة السابقة من الآية و الرواية و بظهور اتفاقهم حتى ممن اعتبر التلويث على منع المشرك و ان لم يلوث و احتمال الفرق بغلظ النجاسة في المشرك ممنوع لو سلم اغلظيتها في المشرك عن مثل دم الحيض و نحوه و بظهور معقد إجماع السرائر في ذلك أيضا و بأنه أبعد عن التلويث المعلوم حرمته و بالسيرة المستمرة على إزالة أعيان النجاسات من المساجد و ان لم تكن موجبا للتلويث كالعذرة اليابسة مثلا.

و لا يخفى ما في الكل اما إطلاق الأدلة المتقدمة فلما عرفت من عدم تماميتها في الدلالة على الوجوب في المتعدية فضلا عن غيرها و ان العمدة في الدليل عليه هو الإجماع و ان اتفاقهم على منع المشرك لو سلم فإنما لمكان الهتك في دخولهم في المسجد أو انه حكم ادبى مثل منعهم عن الدخول في الحجاز و ان إلا بعدية عن التلويث لا يستلزم حرمة إدخال ما ليس بملوث و ان ظهور معقد إجماع السرائر لا تصلح للتمسك به بعد القطع بتحقق الخلاف في المسألة و السيرة المستمرة على إزالة أعيان النجاسات لا يدل على حرمة إدخال الغير الملوث فيها‌

21

و الأقوى هو القول بعدم المنع عن إدخال الغير الملوثة فيها اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن و هو المتعدية التي قام الإجماع على المنع من إدخالها و لجواز اجتياز الحائض و النفساء من غير المسجدين من سائر المساجد مع ملازمتهما غالبا مع النجاسة و لمعلومية حضور ذوي الجراحات الدّموية و القروح السائلة و المسلوس بعد وضع الخريطة الجماعات في المساجد مع تصريح القائل بعدم الفرق بين الملوثة و غيرها بالمنع عن دخول من في بدنه أو ثوبه النجاسة متمسكا بظاهر الأدلة و لظهور أدلة المستحاضة في دخولها المسجد بعد فعالها.

ففي موثقة عبد الرحمن عن الصادق (عليه السلام) فان ظهر (اى الدم) على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا أخر ثم تصلي فإذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلاة إلى الصلاة ثم تصلى صلوتين بغسل واحد و كل شي‌ء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها و لتطف بالبيت و دلالتها على جواز دخول المستحاضة بالاستحاضة الكبرى المسجد و ان كان دمها سائلا غير قابل للإنكار و الحمل على صورة الاضطرار بتوهم اختصاص الجواز بالطواف الواجب بعيد خصوصا مع عطف الطواف بالبيت على إتيان زوجها الذي لا يختص بصورة الاضطرار قطعا و لعل ظهورها في جواز الدخول على المستحاضة مطلقا و لو في حال الاختيار هو المنشأ لاستثناء بعض القائلين بالمنع المستحاضة عن الحكم بالمنع و قال بجواز الدخول لها لكن اختصاص الجواز بها مما لا وجه له و في صحيحة معاوية بن عمار في المستحاضة و إذا لم يثقب الدم الكرسف توضأت و دخلت في المسجد و صلت كل صلاة بوضوء بناء على كون المراد من المسجد فيها هو المسجد المعهود لا مصلاها كما ربما يؤيده التعبير بالمسجد و إلا لكان الأليق أن يقول مسجدها بدل المسجد و لاستقرار السيرة على عدم منع الصبيان و المجانين عن الدخول في المسجد مع العلم بنجاستهم غالبا الا ان الاحتياط بترك إدخال النجاسات مطلقا خصوصا الأعيان النجسة منها مما لا ينبغي تركه لا بعديته عن الهتك كما لا يخفى نعم ينبغي القطع بجواز إدخال المحمول المتنجس و ما عفى عنه في الصلاة من دم القروح و الجروح لاستقرار السيرة على عدم التجنب منه و بعده عن الهتك عرفا و انصراف الأدلة المتقدمة عنه لو سلم تمامية‌

22

دلالتها على المنع كما لا يخفى.

الأمر الخامس لا فرق بين عين النجاسة و المتنجس بها في الحكم بحرمة الإدخال في المسجد أو وجوب إزالتها عنه على ما هو الظاهر أو الصريح من معقد إجماع السرائر ففي كل مورد يحرم إدخال عين النجاسة أو يجب إزالتها كما في النجاسة المسرية يحرم إدخال المتنجس بها و يجب ازالته و ذلك لان النجاسة في النص و الفتوى و معاقد الإجماعات يشمل المتنجس و الظاهر انتقال حكم النجس الى ما تنجس به و في كلّ مورد لا يحرم إدخال عينها و لا يجب إزالتها كما في غير المتعدية الذي لا يوجب إدخالها أو إبقائها الهتك فلا يحرم إدخال المتنجس بها و لا يجب ازالته فالتفكيك بينهما بالحكم بعدم جواز إدخال عين النجاسة و جواز إدخال المتنجس بها كما يشعر به ما في المتن مما لا وجه له.

و ربما يستدل للفرق بينهما باختصاص الدليل على المنع بعين النجاسة و يكون الأصل في غيرها هو الجواز لكن الدليل كما عرفت كان هو الإجماع و الظاهر من إطلاق معقده عدم الفرق بينهما بل لا يبعد دعوى شمول الآية الكريمة أعني قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ للمتنجس لو تم الاستدلال بها على حكم المسجد بناء على ان يكون النجس بفتح الجيم بمعنى النجس بالكسر و اما لو كان بمعنى المصدر و كان حمله على المشركين من باب المبالغة فشموله للمتنجس لا يخلو عن خفاء لكون الحمل للمبالغة كما في مثل زيد عدل و لا إشكال في ان المبالغة في حمله على النجس أظهر من حمله على المتنجس كما لا يخفى.

[مسألة 3 وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي]

مسألة 3 وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي و لا اختصاص له بمن نجسها أو صار سببا فيجب على كل احد.

و ليعلم أولا ان الوجوب الكفائي في عالم الثبوت عبارة عما كان الواجب على كل مكلف لا مطلقا سواء صدر عن الآخرين أم لا بل في الجملة و منشئه قد يكون من كون الموضوع اعنى المكلف مأخوذا فيه على نحو صرف الوجود بمعنى ان التكليف تعلق الى صرف الوجود من المكلفين و لازمه هو حصول الامتثال و سقوط الطلب به‌

23

بإتيان أول وجود من طبعية المكلفين و لو كان المتعلق اعنى الفعل الذي تعلق به الطلب قابلا للتكرر كالصلاة على الميت فح فاما يصدر الفعل عن افراد المكلفين دفعة واحدة بحيث يكون وجوده عن كل واحد عند وجوده عن آخرين كما إذا صلوا جميعا على ميت دفعة و اما يصدر عنهم تدريجا.

فعلى الأول فما يوجد من كل واحد منهم دفعة يتصف بالوجوب لان المكلف بالفعل هو صرف الوجود من المكلفين و صرف الوجود ينطبق على أول الوجود و المفروض كون الوجودات الدفعية بتمامها أول الوجود.

و على الثاني يكون كل واحد من تلك الوجودات التدريجية قابلا لان ينطبق عليه صرف الوجود لقابليته لان يكون أول الوجود على البدل و إذا أتى به واحد منهم لا يبقى مورد لإتيان الباقين لانطباق صرف الوجود عليه و معه فلا يصدق على المأتي به ثانيا بعد ما اتى به الأول.

و لما كان امتثاله بإتيان صرف الوجود من المكلفين المتحقق بإتيان أول وجود منهم بنحو الإيجاب الجزئي كان عصيانه بعدم إتيانه بالكلية لأن نقيض الموجبة الجزئية هو السلب الكلى فمخالفته بترك الجمع فيعاقب الكل بتركه بناء على ما هو التحقيق من كون المدار في تعدد الثواب و العقاب على تعدد الإطاعة و المخالفة مع وحدة الغرض أو تعدده.

و الحاصل انه في الدفعى يتعدد الثواب بفعل كل واحد بواسطة تعدد الإطاعة بتعدد الوجودات كما يتعدد العقاب بترك الكل بواسطة تعدد المخالفة بتعدد التروك و في التدريجي يختص الثواب بمن صدر الفعل عنه أوّلا و لا يبقى معه مورد لترتب الثواب على فعل الباقين لعدم إمكان حصول الامتثال منهم و لكنه يستحق كل منهم العقاب عند ترك الجميع لتحقق المخالفة عن كل واحد منهم في ظرف تحققها من الآخرين.

و الأليق أن يعبر عن هذا القسم من الكفائيّة بكون الكفائيّة ناشئة من ناحية الملاك مع قابلية المتعلق اعنى فعل المكلف للتكرر.

و قد يكون منشئه من جهة التزاحم في ناحية الخطاب لمكان استحالة تكرر‌

24

الفعل مثل قتل المرتد مثلا أو ازالة النجاسة عن المسجد التي هي محل البحث في المقام أو المتعددين من الجنب المجتمعين على ماء واحد مباح بالأصل حيث ان كل واحد منهم مكلف بحيازته لكن لا يمكن امتثال الجميع و لو دفعة فلا محالة يكون إطلاق الخطاب بكل واحد منهم مقيدا بعدم إتيان الآخرين بناء على ما هو التحقيق من ان المرتفع في باب التزاحم هو سقوط إطلاق الخطاب لا سقوطه رأسا و تعلق خطاب آخر بصرف الوجود المنتج لتعلق التكليف بكل على البدل.

إذا تبين ذلك فنقول وقع البحث في ان وجوب الإزالة هل هو كفائي ناش عن تزاحم الخطاب من جهة استحالة تكرر الفعل و لو دفعة فيما إذا لم يكن صدوره عن الجميع ممكنا أو عن عدم تحقق الملاك بعد صدوره عن واحد منهم تدريجا فيما إذا أمكن صدوره عن الجميع دفعة بان اشتغلوا جميعا بالإزالة في زمان واحد على كلام فيه لان كل قطعة من قطعات المسجد متعلق بخطاب مستقل بالإزالة نظير الخطاب بالاجتناب عن شرب الخمر الذي يتعدد بتعدد قطراتها بحيث يكون كل قطرة متعلقا لخطاب مستقل يكون في امتثاله الثواب و في مخالفته العقاب و من المعلوم ان كل قطعة من القطعات لا يعقل إزالة النجاسة عنها من الجميع دفعة فيكون المقام نظير حيازة الماء المباح التي لا يمكن صدورها عن الجميع دفعة أو هو واجب عيني يختص بمن نجسة أو صار سببا لتنجيسه و لا يكون واجبا على الجميع أو انه واجب على الجميع ممن نجسه و غيره الا انه يجب على من نجسه عينا و على من عداه كفاية نظير الإنفاق الواجب على الوالد الذي يجب على ولده عينا و على من عداه كفاية (وجوه و احتمالات) المحكي عن ذكري الشهيد هو الاحتمال الثاني قال في محكيها و لو أدخلها مكلف تعين عليه الإخراج و قال في المدارك بعد حكايته هذا و ظاهره عدم مخاطبة غيره بالإزالة ثم احتمله و قال و هو محتمل بعد ان نقل قطع الأصحاب بكون وجوبها على الكفاية لعموم الخطاب لكن مع توقفه فيه حيث قال و فيه توقف و كيف كان فيرد عليه انه لو كان الواجب عينيا على من نجسة أو صار سببا لتنجيسه لكان اللازم سقوطه بموته أو فقده أو امتناعه و قد لا يكون إدخالها من فعل المكلف أصلا مع انه لا خلاف في وجوب‌

25

إزالتها عنه على جميع الناس في شي‌ء من تلك الفروض و دعوى الوجوب على الجميع كفاية بعد سقوطه عمن وجب عليه عينا بالموت و نحوه بعيد في الغاية إذ ليس الدليل المثبت على الجميع الأشياء واحدا يثبته عليهم ممن نجسه و غيره لا انه يجب على غيره كفاية بعد سقوطه عنه عينا كما لا يخفى.

و المصرح به في الروض هو الأول حيث يقول و يستفاد من الحديث (يعني النبوي المتقدم (جنبوا مساجدكم النجاسة) وجوب إزالتها عن المساجد كفاية لعموم الخطاب و ان تأكد الوجوب على مدخلها.

و لعل الأقوى هو الأخير (فإن قلت) كون الواجب عينيا على المدخل و كفائيا على غيره و ان أمكن ثبوتا لكن ليس لإثباته طريق لان وجوب الإزالة يستفاد من أدلة وجوب التجنب الشامل لجميع المكلفين و لا يمكن استفادة الوجوب العيني على بعض و الكفائي على بعض آخر من دليل واحد فقياس المقام بوجوب الإنفاق على الولد عينيا و على غيره كفائيا مع الفارق إذ الثابت في مسألة الإنفاق وجوبه على الولد من ناحية الدليل الدال على وجوبه بالقرابة البعضية و على غيره من جهة وجوب حفظ النفس المحترمة على التلف و يكون كلّ ثابتا بدليل غير الدليل المثبت للآخر (قلت) قيل في المقام أيضا دليل المثبت لوجوب الإزالة عينا على المدخل مغاير مع ما يدل على وجوبها على غيره كفاية إذ الأول يثبت بما دل على حرمة التنجيس بالأعم من الأحداث و الإبقاء فيجب على المدخل رفعها تخلصا عن التنجيس المحرم كما انه يجب عليه و على غيره إزالتها كفاية للأمر بالتجنب الشامل للجميع و لكنه لا يخلو عن المنع لما عرفت من ان الدليل على وجوب الإزالة ليس الا ما يدل على حرمة التنجيس و ان كلما يحرم إدخاله يجب ازالته مضافا الى ان كون الإزالة واجبة بالوجوبين على المدخل عينا مختصا به و كفائيا مشتركا بينه و بين غيره مستلزم لاجتماع الوجوبين بالنسبة إلى المدخل مع ما في الجمع بينهما من التهافت إذ العينية بمعنى الوجوب على المدخل سواء فعل الغير أو لم يفعله لا يجتمع مع الكفائية بمعنى الوجوب في ظرف ترك الغير مع ان الكفائية في المقام كما عرفت ناشئة عن عدم قبول المتعلق للتكرر فكيف يمكن ان يكون‌

26

عينيا على المدخل بمعنى ثبوته عليه و لو مع فعل الغير مع انه على تقدير فعل الغير لا يبقى محل لفعله اللهم الا ان يقال ان فعل الغير مسقط لفعله لا انه بدل عنه و كيف كان فالصواب هو كون وجوبها كفائيا على الجميع من غير فرق بين المدخل و غيره نعم في ضمان المدخل إذا توقف التطهير على بذل المال كلام يأتي في المسألة الثانية عشر إنشاء اللّه تعالى.

[مسألة 4 إذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة يجب المبادرة إلى إزالتها]

مسألة 4 إذا رأى نجاسة في المسجد و قد دخل وقت الصلاة يجب المبادرة إلى إزالتها مقدما على الصلاة مع سعة وقتها و مع الضيق قدمها و لو ترك الإزالة مع السعة و اشتغل بالصلاة عصى لترك الإزالة لكن في بطلان صلوته اشكال و الأقوى الصحة هذا إذا أمكنه الإزالة و اما مع عدم قدرته مطلقا أو في ذلك الوقت فلا إشكال في صحة صلوته و لا فرق في الاشكال في الصورة الأولى بين ان يصلى في ذلك المسجد أو في مسجد أخر و إذا اشتغل غيره بالإزالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقق الإزالة.

في هذه المسألة أمور يجب البحث عنها (الأول) إذا علم نجاسة المسجد و كان في وقت الصلاة تجب المبادرة إلى إزالتها مقدما على الصلاة مع سعة وقتها و يقدم الصلاة على الإزالة مع ضيق وقت الصلاة اما وجوب المبادرة إلى الإزالة في سعة وقت الصلاة فلكون التزاحم بين الصلاة و بين الإزالة من باب التزاحم بين المضيق و الموسع و التقديم للمضيق و ان كان ملاك الموسع أهم من المضيق الا انه لمكان إمكان الجمع بينهما بتقديم المضيق يجب تقديمه على الموسع و اما وجوب تقديم الصلاة في ضيق وقتها فلكون التزاحم بينهما من قبيل التزاحم بين المضيقين مع أهمية الصلاة و انها لا يترك بحال من الأحوال فيجب صرف القدرة في إتيان الأهم و ترك المهم على ما هو الحكم في تزاحمهما.

الثاني لو ترك الإزالة في سعة وقت الصلاة و اشتغل بالصلاة مع التمكن من الإزالة عصى لترك الإزالة و في صحة صلوته أو بطلانها (قولان) أقواهما الأول اما من جهة كفاية الإتيان بداعي ملاك الأمر في صحة العبادة و ان لم يكن أمر بالفعل أو بداعي امتثال‌

27

الأمر الفعلي بناء على تعقل الأمر بالمهم مشروطا بعصيان الأمر بالأهم على ما حقق في الأصول و ذهب صاحب الجواهر قده إلى الأخير لبطلان الخطاب الترتبي عنده و عدم كفاية الإتيان بداعي الملاك في صحة العبادة.

الثالث لو لم يتمكن من الإزالة و اتى بالصلاة في وقت عدم التمكن من الإزالة فلا ينبغي الإشكال في صحة صلوته حتى عند القائل بالبطلان عند التمكن من الإزالة لأن المانع عن صحتها مع التمكن من الإزالة هو العجز عن إتيانها عجزا تشريعيا ناشيا عن وجوب صرف قدرته في الإزالة فتكون فعلية الخطاب بالإزالة موجبة لوجوب صرف القدرة عن الصلاة فشاغله عن الصلاة هو الأمر الفعلي بالإزالة الذي يكون شاغلا للمكلف الى متعلقة فيكون شاغليته عن غير متعلقة بإشغاله إياه إلى متعلقة إذ ما لم يكن شاغلا له بنفسه لا يكون شاغلا له عن غيره و مع العجز عن إتيان الإزالة لا يكون الخطاب بها فعلا شاغلا له بنفسه و إذا لم يكن شاغلا له بنفسه لا يكون شاغلا له عن الصلاة فالأمر بالصلاة (ح) باق على ما هو عليه فيصح الإتيان بها بداعيه و لو لم نقل بصحة الترتب أو كفاية الإتيان بداعي الملاك في صحة العبادات.

الرابع لا فرق في الاشكال في صحة الصلاة مع التمكن من الإزالة بين ان يصلى في ذلك المسجد أو في مسجد آخر لكون الصلاة في مسجد آخر أيضا ضدا للإزالة الموجب لسقوط الأمر عنها فيجي‌ء الإشكال في صحتها عند من يعتبر في صحة العبادة الأمر بها مع ذهابه ببطلان الترتب.

الخامس إذا اشتغل غيره بالإزالة فلا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقق الإزالة و استدل له في متمسك العروة بتحقق امتثال الواجب الكفائي بفعل غيره فلا مزاحمة و لا يخفى ما فيه فان سقوط الواجب بالامتثال يتوقف على تحققه بصيغة الماضي و هو انما يتحقق بالفراغ عن الامتثال لا بالشروع فيه و لذا لو صلى الشخص على الميت في حال اشتغال آخر بالصلاة عليه كان صلاة الثاني أيضا واجبا فالأولى ان يقال بان الطلب من الثاني و ان لم يسقط بشروع الأول الا انه يسقط فعليته بشروعه و يصير مراعى بإتمام الأول و الفراغ عن امتثاله و ما هو المزاحم مع فعلية الخطاب بالمهم هو‌

28

فعلية الخطاب بالأهم و باعثيته بالبعث الفعلي و إشغاله المكلف بصرف قدرته في إيجاد متعلقة الموجب لصرفه و إشغاله عن صرف قدرته في إيجاد المهم و مع إيقاف الخطاب بالأهم عن فعليته و صيرورته مراعى بإتمام من اشتغل به و سقوطه بفراغه عنه صحيحا و حصول الامتثال أو تحريكه و باعثيته لو لم يحصل من المشتغل بالاعراض عنه في أثناء العمل أو موته أو جنونه أو صيرورته مغمى عليه و نحو ذلك من الأمور المانعة عن إتمام العمل فلا مانع عن المبادرة إلى فعل الصلاة و بعبارة أوضح ليس الخطاب بالأهم بوجوده الواقعي مانعا بل المانع فعليته و حكم العقل بلزوم صرف القدرة من المكلف في إيجاد متعلقة و هذا المانع في حال اشتغال الغير مفقود و ان بقي الخطاب و لم يتحقق الامتثال.

و لا يخفى ان ما ذكرناه يتم فيما إذا لم تكن معاونة الثاني للمشتغل الأول دخيلة في صدور الإزالة منه فورا بالفورية العرفية و الا فيجب معاونته و يصير الخطاب الفعلي بمعاونته أهم و يقع صحة صلوته ح مورد الإشكال.

[مسألة 5 إذا صلى ثم تبين له كون المسجد نجسا كانت صلوته صحيحة]

مسألة 5 إذا صلى ثم تبين له كون المسجد نجسا كانت صلوته صحيحة و كذا إذا كان عالما بالنجاسة ثم غفل و صلى و اما إذا علمها إذ التفت إليها في أثناء الصلاة فهل يجب إتمامها ثم الإزالة أو إبطالها و المبادرة إلى الإزالة وجهان أو وجوه و الأقوى وجوب الإتمام.

إذا صلى ثم تبين له نجاسة المسجد أو كان عالما بنجاسته لكنه غفل عنها و صلى ثم تذكر تكون صلوته صحيحة و ذلك لما عرفت في المسألة المتقدمة من ان الخطاب بالأهم بوجوده الواقعي لا يكون شاغلا مولويا للمكلف عن الإتيان بالمهم بل انما هو بإشغاله إياه إلى إتيان متعلقة المتوقف على تنجزه و مع الجهل به أو الغفلة عنه لا يكون منجزا فلا يكون شاغلا للمكلف الى صرف قدرته في إتيان متعلقة فلا يكون شاغلا له عن صرف قدرته في إتيان المهم و حيث ان الأمر بالمهم باق مع الابتلاء بالأهم و لا يكون الخطاب بالأهم منجزا فيصلح الإتيان بالمهم بداعي أمره و لو لم نقل بالترتب و لا بصحة العبارة بداعي الإتيان بالملاك فيما لم يكن أمر في البين.

29

و لو علم بالنجاسة أو تذكر بها في أثناء الصلاة فهل يجب إتمامها ثم المبادرة بالإزالة أو يجب ابطالها و المبادرة إلى الإزالة فيما إذا لم يتمكن منها في أثناء الصلاة أو يتخير بين إتمامها ثم الإتيان بالإزالة أو ابطالها (وجوه) أقواها ثانيها لكن لو عصى و لم يبطلها الى ان اتى بآخرها صحت صلوته بالخطاب الترتبي.

و ليعلم ان الالتفات إلى النجاسة في أثناء الصلاة يتصور على صور.

(الاولى) ان يكون وقوع النجاسة في المسجد و الالتفات الى نجاسته كلاهما قبل الصلاة و قد شرع في الصلاة عمدا بعصيان الأمر بالإزالة.

(الثانية) ان يكون وقوعها و الالتفات إليها كلاهما في أثناء الصلاة.

(الثالثة) ان يكون وقوعها قبل الصلاة و الالتفات إليها في أثناء الصلاة (الرابعة) ان يكون وقوعها و الالتفات إليها كلاهما قبل الصلاة لكنه غفل عنها و شرع في الصلاة ثم تذكرها في أثنائها و الحكم في جميع هذه الصور هو وجوب الابطال و المبادرة إلى الإزالة و صحة الصلاة مع العصيان بإتمامها.

و ذلك اما صحتها لو أتمها فهي اما بالملاك أو بالخطاب الترتبي و اما وجوب رفع اليد عنها فلان شيئا من المصححين اعنى الملاك و الخطاب الترتبي لا يقتضي حرمة ابطالها بعد الشروع بها اما الملاك فواضح و اما الخطاب الترتبي فلأنه في التدريجيات يحتاج الى خطابات ترتبية متعددة بعدة احاد اجزاء الصلاة كلا منها مشروطا بعصيان خطاب الإزالة و معلوم ان مثل هذه الخطابات المتأخرة عن العصيان و المشروط به لا تقتضي حفظ العصيان ففي كل آن من آنات الصلاة و عند كل جزء من اجزائها هو مكلف من ناحية خطاب الإزالة بهدم العصيان برفع اليد عن الصلاة و بالخطاب الترتبي يكون مكلفا بإتيان الصلاة على تقدير عدم انهدام العصيان و من المعلوم ان مثل هذا الخطاب الترتبي لا يقتضي حرمة إبطال الصلاة لكونه متأخرا بالرتبة عن عصيان الخطاب المتوجه الى رفع اليد عنها فما يكون في المترتبة متأخرة عن عصيان الخطاب بإبطال الصلاة لا يعقل ان يكون مقتضيا لحرمة ابطالها من غير فرق فيما ذكرناه بين الصور المتقدمة غاية الأمر فيما إذا شرع في الصلاة مع العلم بالنجاسة و وجوب إزالتها يكون‌

30

الخطاب الترتبي من أول الشروع فيها إلى أخرها بعدة احاد اجزائها و فيما إذا تنجز الخطاب بالإزالة في الأثناء كما في بقية الصور يكون الخطاب الترتبي من حين تنجز الخطاب بالإزالة في الرتبة المتأخرة عن عصيان الخطاب بالإزالة إلى آخر الصلاة بعدة احاد اجزائها أيضا من حين تنجز الخطاب بالإزالة الى أخر الصلاة و مما ذكرناه يظهر الخلل فيما اختاره المصنف قده في المتن من وجوب الإتمام.

و قد استدل له في مبحث عدم جواز قطع الفريضة من كتاب الصلاة بأن دليل الفورية قاصر الشمول عن مثل المقام فدليل حرمة القطع يكون بلا مزاحم و لا يخفى ما فيه لأن الصلاة التي يكون الأمر بها في الرتبة المتأخرة عن الأمر بهدمها و رفع اليد عنها لا يعقل ان تصير مشمولة لدليل حرمة القطع لكي يكون دليل حرمتها بلا مزاحم أو معه فاندراجها في مؤدى دليل حرمة القطع مستحيل عقلا فيكون خروجها عنه عقليا بالتخصص و قصور دليل الفورية عن شموله مثل المقام أيضا ممنوع لان دليل الفورية كما عرفت ليس الا ما يستفاد من نفس دليل وجوب الإزالة من مبغوضية وجود النجاسة في المسجد حدوثا و بقاء و ركاكة مطلوبية إزالتها في وقت من الأوقات و لو بعد حين و هذا المعنى المستفاد من مناسبة الحكم و الموضوع و كون الوجوب ناشيا عن تعظيم المسجد و كون بقاء النجاسة فيه هتكا هو الدليل على فورية وجوب الإزالة فدليل الدال على وجوبها بعينه يدل على فورية وجوبها فلا قصور في شموله مثل المقام و الحاصل ان دليل الفورية يشمل المقام بلا مزاحم لتماميته في المقام و عدم جريان دليل حرمة القطع فيه مع قطع النظر عن اجراء دليل الفورية فيكون المورد من مجاري دليل الفورية بلا مزاحم هذا ما تيسر لي في هذه المسألة و الحمد للّه.

[مسألة 6 إذا كان موضع من المسجد نجسا لا يجوز تنجيسه ثانيا]

مسألة 6 إذا كان موضع من المسجد نجسا لا يجوز تنجيسه ثانيا بما يوجب تلويثه بل و كذا مع عدم التلويث إذا كانت لثانية أشد و أغلظ من الاولى و الا ففي تحريمه تأمل بل منع إذا لم يستلزم تنجيس ما يجاوره من الموضع الطاهر لكنه أحوط.

قد تقدم في المسألة التاسعة من الفصل المعقود في كيفية تنجيس المتنجسات بعد‌

31

عدم الإشكال في عدم تأثير ملاقاة المتنجس بملاقاته مع النجس ثانيا إذا لم تكن النجاسات مختلفة في الحكم ان في عدم تأثير ملاقاته الثانية في الحكم احتمالين.

(أحدهما) ان يكون من باب التداخل في المسبب نظير التداخل في الأغسال و لازم ذلك تأثير المحل بالملاقاة الثانية الا أنه يكتفى في غسله بما وجب بالملاقاة الاولى فيكون التداخل في المقام في المطهر و المزيل بلا تداخل في المزال.

(و ثانيهما) ان يكون من باب التداخل في السبب نظير تداخل الأحداث في باب الوضوء و لازم ذلك عدم تأثير المحل بالملاقاة الثانية فيكون التداخل في المزال لا في المطهر و المزيل و ان شئت فعبر عن الأول بالتداخل في الحكم بعد الفراغ عن تعدد موضوعه و عن الثاني بالتداخل في الموضوع الذي لا محل معه لتعدد الحكم.

و ليعلم ان الأصل في المقام هو عدم التداخل لا في الحكم و لا في موضوعه بل اللازم هو وجوب تعدد المطهر بتعدد المطهر و المزال الا ان الإجماع قام على عدم اعتبار تعدد المزيل و المطهر فيمكن ان يكون باعتبار التداخل فيه كما يمكن ان يكون باعتبار التداخل في المزال فان ثبت أحدهما بالدليل فهو و الا فالأصل يقتضي كونه باعتبار التداخل في المزيل لان الاكتفاء بما وجب بالملاقاة الاولى متيقن و انما الشك في كونه من جهة التداخل في الحكم أو التداخل في الموضوع و مقتضى الأصل عدم التداخل في الموضوع لكونه مشكوكا كما ان الأصل عند الشك في التداخل هو عدم التداخل رأسا.

إذا عرفت ذلك فنقول إذا كان موضع من المسجد نجسا فتنجيسه ثانيا لا يخلو عن صور.

(الاولى) ان يكون تنجيسه الثاني موجبا لتلويثه.

(الثانية) ان يكون تنجيسه الثاني بنجاسة أشد و أغلظ من الأولى.

(الثالثة) ان يكون تنجيسه الثاني موجبا لهتكه و لو لم يستلزم تلويثه و لا نجاسة أشد و أغلظ.

(الرابعة) ان يكون مستلزما لتنجيس ما يجاور المحل الأول بتنجيس جديد‌

32

و لا ينبغي الإشكال في عدم جواز تنجيسه ثانيا في هذه الصور.

(الخامسة) ما إذا لم يكن شي‌ء من هذه الصور ففي تحريمه ح تأمل و لعل منشئه هو كون المقام من قبيل التداخل في الموضوع و ان الملاقاة الثانية لا يؤثر في تنجيس المحل شيئا أو انه من قبيل التداخل في الحكم فعلى الأول فلا يحرم التنجيس الثاني و على الأخير فينبغي البناء على تحريمه و قد عرفت انه مع الشك في ذلك يكون مقتضى الأصل هو التداخل في الحكم و عليه فينبغي البناء على حرمة التنجيس ثانيا إذا انتهى الى الشك في كونه من قبيل تداخل الأسباب أو المسببات.

[مسألة 7 لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز]

مسألة 7 لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز بل وجب و كذا لو توقف على تخريب شي‌ء منه و لا يجب طم الحفر و تعمير الخراب نعم لو كان مثل الآجر مما يمكن رده بعد التطهير وجب.

في هذه المسألة أمور ينبغي ان يبحث عنها.

الأول لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه أو تخريب شي‌ء منه فهل يجب الحفر أو التخريب لتوقف التطهير الواجب عليه أو لا يجوز التطهير (ح) لتوقفه على مقدمة محرمة و هي حفر أرضه أو تخريب شي‌ء منه فالمقام من باب ما توقف الواجب على مقدمة محرمة و يكون قسما من أقسام التزاحم إذ هو على أقسام منها ما كانت المقدمة محرمة و ذيها واجبا كالدخول في الدار الغصبية لإنقاذ الغريق و الحكم فيه هو انه مع أهمية مفسدة المقدمة يجب ترك ذي المقدمة لأجل التجنب عن الإتيان بالمقدمة و مع أهمية مصلحة ذي المقدمة يجب إتيانه بإتيان المقدمة المحرمة و مع تساويهما في الملاك فاما تكون المقدمة و ذيها متقارنين بالزمان كما في الضدين لو كان وجود أحدهما مقدمة لترك الأخر و تركه مقدمة لوجود الأخر أو تكونا مختلفين بالزمان كالدخول في الدار المغصوبة لإنقاذ الغريق و الحكم في الأول هو التخيير و في الثاني ترك المقدمة و لو انتهى الى ترك ذيها حسبما حقق في الأصول.

و لا بد في المقام من ان ينظر في ان مصلحة إزالة النجاسة عن المسجد آكد من مفسدة تخريب شي‌ء منه أو حفر أرضه أو تكون مفسدتمها آكد من مصلحة إزالة‌

33

النجاسة عنه أو انهما متساويان فان كانتا متساويين أو يكون مفسدة التخريب أو الحفر آكد يحرم التخريب و الحفر و لا يجب الإزالة و ان كانت مصلحة الإزالة آكد تجب الإزالة و يسقط حرمة الحفر و التخريب.

و ليعلم ان مورد البحث انما هو فيما إذا لم يكن متبرع للتعمير بعد خراب شي‌ء منه أو للطم بعد حفر أرضه و لم يكن في التخريب و الحفر مصلحة أخرى سوى حصول طهارة المسجد و الا فلا إشكال في جواز الحفر و التخريب بل وجوبهما لأجل الإزالة.

و الانصاف عدم إحراز أهمية الإزالة عن مفسدة التخريب و الحفر بل يحتمل تساويهما كلما يحتمل أهمية كل واحد منها عن الأخر و معه فالحق عدم جوازهما لأجل الإزالة اللهم الا ان يكون الهدم و الحفر يسيرين بحيث لا يعدان مفسدة فيخرج المورد عن محل التزاحم (ح) و تجب الإزالة من غير إشكال.

الثاني إذا حفر أرضه أو خرب شيئا منه للتطهير فهل يجب عليه طمه أو تعميره أم لا و إذا كان في طمه أو تعميره مؤنة فهل هي عليه أم لا (احتمالان) أقواهما الأخير لأصالة البراءة عن الوجوب و استصحاب عدم الضمان و لا يمكن التمسك بقاعدة الإتلاف في إثبات الضمان في المقام لاختصاصها بما إذا لم يكن الإتلاف لمصلحة المالك فلو كان كذلك فلا ضمان لانه محسن و ليس على المحسنين سبيل و ذلك كما في السفينة المشرفة على الغرق المملوة من مال مالكها فإن إلقاء شيئا منها في البحر لا يوجب الضمان إذا كان لحفظ السفينة عن الغرق و التخريب أو الحفر في المقام لأجل مصلحة المسجد و هو طهره عن النجاسة و إزالتها عنه.

الثالث لو كان المتنجس منه مما يمكن رده بعد التطهير الى المسجد فهل يجب رده أم لا (احتمالان) أقواهما الأول و ذلك لما ورد مما يدل على حرمة أخذ الحصى و التراب من المسجد و انه ان فعل ذلك وجب رده اليه أو الى مسجد آخر.

ففي خبر وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال إذا أخرج أحدكم الحصاة من المسجد فليردها مكانها أو في مسجد أخر فإنها تسبح فلعل الرد الى مسجد أخر بعد تعذر الرد الى مكانها.

34

و خبر زيد الشحام قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) اخرج من المسجد حصاة قال فردها أو اطرحها في مسجد.

و خبر معاوية بن عمار قال قلت لأبي عبد اللّه انى أخذت سكا من سكّ المقام و ترابا من تراب البيت و سبع حصيات فقال اما التراب و الحصى فرده و الحكم بحرمة إخراج الحصى و التراب عن المسجد و وجوب ردهما اليه أو الى مسجد أخر عند تعذر الرد اليه بهذه الاخبار و ان لا يخلو عن المنع حسبما يأتي في أحكام المساجد الا ان في مثل ما مثل المصنف قده به من الآجر مما له استقلال في الوجود مما لا إشكال في حرمة إخراجه بلا مصلحة فيه و انه لو اخرج محرما أو عن مصلحة فيه و لم يكن حراما كتطهيره مثلا يجب رده اليه ان أمكن.

[مسألة 8 إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره]

مسألة 8 إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره أو قطع موضع النجس منه إذا كان ذلك أصلح من إخراجه و تطهيره كما هو الغالب.

و في وجوب إزالة النجاسة عن حصير المسجد و فرشه و آلاته و عدمه (احتمالان) من تبعيتها للمسجد بإضافتها اليه و تحقق تحقيره بتحقيرها و تعظيمه بتعظيمها ما دامت فيه و إمكان صدق تلويث المسجد بتلويثها و دعوى شمول قوله (عليه السلام) جنبوا مساجدكم النجاسة لها و من عدم صدق تلويث المسجد بتلويثها حقيقة ما لم تتعد النجاسة منها الى المسجد بل انما تلويثها كتلويث ثوب الإنسان و بدنه نجاسة غير متعدية و الأول هو الأقوى و عليه الأكثر بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه لتبعية فرش المسجد عليه فلا فرق بين الحصير المفروش فيه و التراب أو الحصاة المطروح عليه فان المتبادر من وجوب تجنب المساجد عن النجاسة هو ما يعم الجميع من ترابه و الحصاة المطروحة فيه و الفرش المفروشة فيه و سائر آلاته كما لا يخفى لكن إزالة النجاسة عن حصيرة لا ينحصر بإخراجه منه و تطهيره بل يحصل به و بقطع موضع النجس منه و يتعين الأخير إذا كان أصلح من إخراجه و تطهيره كما هو الغالب.

[مسألة 9 إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه اجمع]

مسألة 9 إذا توقف تطهير المسجد على تخريبه اجمع كما إذا كان الجص الذي عمر به نجسا أو كان المباشر للبناء كافرا فان وجد متبرع بعد الخراب جاز و الا فمشكل.

35

هذا نظير ما مر في المسألة السابعة الا ان المذكور فيها هو اناطة التطهير على خراب شي‌ء منه و في هذه المسألة على خراب جميعه و كيف كان فالحكم حكم المتقدم من انه مع وجود المتبرع للتعمير بعد الخراب يجب تخريبه لتطهيره من غير فرق من خراب شي‌ء منه أو جميعه و مع عدم المتبرع فالأقوى سقوط تطهيره و عدم جواز تخريبه لعدم إحراز أهمية التطهير في هذه الصورة بل لعل عدم جوازه فيما إذ توقف التطهير على تخريب جميعه أظهر مما إذا توقف على تخريب شي‌ء منه.

[مسألة 10 لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا]

مسألة 10 لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا و ان لم يصل فيه حد و يجب تطهيره إذا تنجس.

لا إشكال في بقاء مسجدية المسجد بعد خرابه و عطلته و لو لم يصلّ فيه أحد إذا لم يتغير عنوان المسجد و صدق عليه عنوانه (فح) لا يجوز تنجيسه و يجب تطهيره إذا تنجس و اما مع تغيير عنوان المسجد بان صار دارا أو دكانا أو حماما فيأتي حكمه في المسألة الثالثة عشر.

[مسألة 11 إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه]

مسألة 11 إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه ان أمكن إزالته بعد ذلك كما إذا أراد تطهيره بصب الماء و استلزم ما ذكر.

و لعل الوجه في ذلك هو كون تنجيس بعض المواضع مقدمة للتطهير فهو و ان كان في نفسه محذور لا يجوز ارتكابه الا انه أقل من محذور بقاء نجاسة موضع النجس منه و يلزم ارتكاب أقل المحذورين عند الدوران و التزاحم.

[مسألة 12 إذا توقف التطهير على بذل مال وجب]

مسألة 12 إذا توقف التطهير على بذل مال وجب و هل يضمن من صار سببا للتنجيس وجهان لا يخلو ثانيهما من قوة.

اما وجوب بذل المال إذا توقف التطهير عليه فلان التطهير الواجب متوقف عليه فيكون مقدمة للواجب فيجب مع التمكن فيه إذا لم يكن في بذله ضرر أو حرج و اما عدم ضمان من صار سببا للتنجيس فلان الضمان يتوجه الى السبب لو كان الإتلاف من المباشر لا عن اختيار منه كما إذا حفر بئرا فوقع فيه آخر بغير اختيار منه أو وضع كاس‌

36

غيره عند نائم فانقلب عليه فكسره حيث ان الضمان على الحافر أو الواضع لا على المباشر و اما إذا كان صدور الفعل من المباشر اختياريا كما إذا القى نفسه في البئر أو كسر كأس غيره الموضوع عنده بالاختيار فلا يكون ضمانه على السبب و المقام من هذا القبيل لان المباشر للتطهير يبذل المال في التطهير بالاختيار اللهم الا ان يقال بعد وجوبه عليه يخرج عن تحت اختياره خروجا تشريعيا و ان كان باختياره تكوينا و لذلك يقال عليه الواجب من جهة لزوم الفعل عليه و لصوقه به تشريعا و ان لم يكن كذلك تكوينا كما يقال على الحرام الشرعي انه حرام من جهة حرمان الفاعل عن إتيانه و محروميته عنه تشريعا و ان لم يكن كك تكوينا لكن الكلام في اقوائية السبب (ح) من المباشر إذا كان البذل منه بالاختيار تكوينا و ان خرج عن اختياره تشريعا و المسألة بعد يحتاج التي التأمل.

[مسألة 13 إذا تغير عنوان المسجد بان غصب و جعل دارا أو صار خرابا]

مسألة 13 إذا تغير عنوان المسجد بان غصب و جعل دارا أو صار خرابا بحيث لا يمكن تعميره و لا الصلاة فيه و قلنا بجواز جعله مكانا لزرع ففي جواز تنجيسه و عدم وجوب تطهيره كما قيل اشكال و الأظهر عدم جواز الأول بل وجوب الثاني أيضا.

في هذه المسألة أمور ينبغي ان يذكر.

الأول ان وقف المسجد فك ملك نظير تحرير العبد لا تمليك بالمسلمين المصلين فلو سكنه احد بغير حق فليس عليه اجرة المثل لان ركن الضمان هو مالية المضمون فما لا يكون مالا لا يكون في الاستيلاء عليه ضمان فلو خرب المسجد أو خربت القرية و انقطعت المارة أو غصب و جعل دارا أو دكانا لم يجز بيعه و صرف ثمنه في احداث مسجد آخر أو تعميره و يجب ترتيب أحكام المسجد عليه فلا يجوز مكث الجنب و الحائض فيه و ان صار من الآجام أو استولى عليه الماء و استتر به و قد نفى الشيخ الأكبر قده الخلاف في عدم جواز بيعه و عدم خروجه عن المسجدية بذلك لكن المصنف قده ادعى في كتاب الوقف إمكان دعوى خروجه عن المسجدية قال قده و لو فرض في صورة الإطلاق و عدم الشرط خرابه على وجه لا يمكن الصلاة فيه ابدا و لا يرجى عوده أو عرض مانع‌

37

من الصلاة فيه ابدا مع عدم خرابه أمكن دعوى خروجه عن المسجدية أيضا و لكن الأحوط إجراء أحكامه عليه و كذا لو غصبه غاصب لا يمكن الانتزاع منه ابدا بل يمكن ان يقال بجواز بيعه و إخراجه عن المسجدية إذا غلب الكفار عليه و جعلوه خانا أو دارا أو دكانا بل الاولى ان يباع إذا جعلوه محلا للكثافة أو جعلوه بيت خمر مثلا صونا لحرمة بيت اللّه عن الانتهاك و الحاصل انه لا دليل على ان المسجد لا يخرج عن المسجدية أبدا (انتهى).

و لا يخفى ما فيه بعد فرض تسليم كون وقف المسجد تحريريا لا تمليكيا حيث ان العود الى الملك يحتاج الى سبب يصير به ملكا ثبوتا و الى طريق يثبت به ملكيته إثباتا و كلاهما مفقود و مع الشك يكون مقتضى الاستصحاب أيضا هو عدم عوده الى الملك ثم ما ذكره أخيرا من أولوية بيعه إذا صار محلا للكثافة صونا لحرمته عن الانتهاك لا يخلو من الغرابة إذ الكلام في صحة بيعه و مصححه فإذا لم يكن بيعه صحيحا فكيف يصان به عن الانتهاك و عدم الدليل على عدم خروج المسجد عن المسجدية لو سلم لا يكون دليلا على خروجه عنها فما افاده قده مما لا يمكن المساعدة عليه.

الثاني حكى عن كشف الغطاء انه بعد اعترافه بعدم صحة بيع الوقف العام مستدلا بعدم تمامية الملك بل لعدم أصل الملك لرجوعها الى اللّه تعالى و دخولها في مشاعره ذكر انه مع اليأس عن الانتفاع به في الجهة المقصودة يوجر للزراعة و نحوها مع المحافظة على الآداب اللازمة لها ان كان مسجدا مثلا و أحكام السجلات لئلا يغلب اليد فيقضى بالملك دون الوقف المؤبد.

و لا يخفى ما فيه فإنه مع فرض تسليمه كون الوقف العام تحريرا للملك لا تمليكا كما علل عدم جواز البيع بعدم أصل الملك كيف يمكن الحكم بصحة الإجارة مع اعتبار الملك فيها أيضا كالبيع.

الثالث هل يجوز لأحد ان يتصرف في المسجد الذي زال عنه عنوان المسجدية بالزراعة و نحوها مما لا ينافي مسجديته بعد ان لم يصح بيعه و لا إجارته لانتفاء المالية عنه أم لا (وجهان) من أصالة البراءة عن حرمته عند الشك فيها و من ان الأصل في الأموال عند الشك في حليتها هو الحرمة و هذا الأخير هو الأقوى.

38

الرابع إذا قلنا بجواز جعله مكانا لزرع فهل يجوز تنجيسه و لا يجب تطهيره أو انه لا يجوز الأول و يجب الثاني أو يفصل بين الأول فيقال بعدم جواز تنجيسه و بين الثاني فيقال بعدم وجوب تطهيره (وجوه) من ان المسجدية و ان كانت من الملكات الا ان صدقها منوط بالاستعداد و هو اى الاستعداد منتف مع تعذر الفعلية و من انها من الاعتبارات القائمة بالمكان و يكفى فيها مجرد الصلاحية و يمنع توفقها على الاعداد و يترتب عليه حرمة تنجيسه و بالتلازم بين حرمة تنجيسه و بين وجوب إزالة النجاسة عنه يثبت وجوبها أيضا و من ان دليل الدال على حرمة تنجيس المسجد الدال بالملازمة على وجوب الإزالة عنه منصرف عن مثل المقام فينتهي إلى الرجوع الى الأصول و الأصل في الشك في حرمة تنجيسه هو استصحاب حرمته الثابتة قبل خرابه و زوال عنوان المسجدية عنه و في وجوب إزالة النجاسة عنه هو استصحاب بقاء وجوبها على تقدير نجاسته و استصحاب الحرمة الثابتة قبل الخراب تنجيزي و استصحاب بقاء وجوب الإزالة تعليقي و من منع عن إجرائه يفصل بين حرمة تنجيسه و بين وجوب الإزالة عند ثبوت الأول بالاستصحاب و عدم الثاني للرجوع فيه الى البراءة بعد المنع عن اجراء الاستصحاب التعليقي و من قال بصحة إجرائه يقول بوجوب الإزالة عنه كما يقول بحرمة تنجيسه كما عليه المصنف قده في المتن و لعل هذا هو الأقوى.

[مسألة 14 إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد]

مسألة 14 إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها و الا فالظاهر وجوب التأخير الى ما بعد الغسل لكن يجب المبادرة إليه حفظا للفورية بقدر الإمكان و ان لم يمكن التطهير الا بالمكث جنبا فلا يبعد جوازه بل وجوبه و كذا إذا استلزم التأخير الى ان يغتسل هتك حرمته.

إذا راى الجنب نجاسة في المسجد فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها في غير المسجدين و لا يحتاج (ح) الى الغسل و لا الى التيمم لجواز المرور عليه و اما في المسجدين فالحكم فيهما كما لو توقف على المكث في غيرهما مما سنبين و ان لم يتمكن من إزالتها في حال المرور أو كان المرور حراما عليه كما‌

39

في المسجدين فان تمكن من الغسل و كان زمانه مساويا مع التيمم أو أقصر يجب التأخير الى ما بعد الغسل و يجب المبادرة إلى الغسل حفظا للفورية بقدر الإمكان.

و قال في متمسك العروة يكون وجوب المبادرة إليه عقليا من باب لزوم الجمع بين غرضي الشارع في وجوب تطهير المسجد و حرمة مكث الجنب لا شرعيا لان التطهير لا يتوقف على الغسل لا مكان تحقق التطهير من الجنب و فيما افاده نظر لان التطهير كما عرفت متوقف على المكث في المسجد و الجنب ممنوع منه شرعا و الممنوع الشرعي كالممنوع العقلي و مع التمكن من رفعه يجب عليه الرفع سواء كان المنع عقليا كانداد باب المسجد حيث عليه فتحه أو شرعيا ككونه جنبا فيجب رفع المنع عن المكث بإزالة الجنابة عن نفسه بالغسل فالغسل مقدمة لجواز المكث فإذا كان المكث واجبا فيجب رفع المنع عنه بالغسل فيصير الغسل مقدمة للإزالة بواسطة توقفها على المكث المتوقف جوازه على الغسل و لعل هذا ظاهر.

و ان لم يتمكن من الغسل و كان متمكنا من التيمم فظاهر المتن عدم وجوبه حيث لم يتعرض له و احتمل في فصل أحكام المسجد من كتاب الصلاة وجوبه و هو الأقوى لوجوب غايته التي هو المكث لأجل الإزالة و لو لم يتمكن من التيمم أيضا فالظاهر وجوب المكث جنبا لتزاحم إزالة النجاسة الواجبة مع المكث المحرم و أهمية الإزالة عن المكث و لو تمكن من الغسل و التيمم معا و كان زمانهما متساويين فلا إشكال في تعيين الغسل و عدم جواز التيمم و لو كان زمان التيمم اقصر فهل يجوز التيمم حفظا للفورية أو يتعين الغسل (ح) أيضا لعدم ثبوت مشروعية التيمم (ح) (وجهان) أقواهما الأول خصوصا إذا كان زمان الغسل طويلا بحيث ينتهى معه الى هتك حرمة المسجد عرفا.

[مسألة 15 في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى اشكال]

مسألة 15 في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى اشكال و اما مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فرقهم.

و لعلّ وجه الإشكال في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى هو صدق المسجد عليها حقيقة و ان لم تسم باسم المسجد بل سمى بالبيعة أو الكنيسة لان المسجد بيت وضع و أعدّ لأن يعبد اللّه سبحانه فيه و بعبارة أخرى هو عبارة عن بيت العبادة هذا لكن‌

40

الأقوى جوازه و عدم وجوب تطهيرها لان الدليل على حرمة التنجيس و وجوب الإزالة كما عرفت في المسائل المتقدمة هو الإجماع و من المعلوم عدم انعقاده في حرمة تنجيسها و وجوب الإزالة عنها و لو سلم تمامية الأدلة اللفظية على حرمة التنجيس و وجوب الإزالة من الايات و الاخبار المتقدمة فليس لهما إطلاق يشمل مساجدهما و امّا مساجد المسلمين مع اختلاف فرقهم فلا ينبغي التأمل في شمول الحكم لها و عدم اختصاصه بمسجد دون مسجد.

[مسألة 16 إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزء من المسجد لا يلحقه الحكم]

مسألة 16 إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزء من المسجد لا يلحقه الحكم من وجوب التطهير و حرمة التنجيس بل و كذا لو شك في ذلك و ان كان الأحوط اللحوق.

اما مع العلم بعدم جعل الواقف شيئا منه مسجدا فلان المسجدية انما تتحقق بجعل الواقف و قصده سواء احتاج معه إلى إجراء الصيغة أم قلنا بتحققها بقصد البناء و إيقاع صلاة فيه و مع قصد عدم مسجدية شي‌ء منه لا يصير مسجدا.

و اما في صورة الشك في جعله فلعل ظهور بنائه بصورة المسجد كاف في إثبات مسجديته إذا كان المشكوك مما يعد من المسجد عرفا مثل سقفه و جدرانه و شيئا من صحنه و سطحه الأعلى المعد للصلاة فيه في الصيف و بالجملة ما يعد منه عرفا يحكم بمسجديته عند الشك فيها و ما يعد خارجا منه عرفا كدهليزه لا يحكم عليه بالمسجدية إلا مع العلم بها.

[مسألة 17 إذا علم بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما]

مسألة 17 إذا علم بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما.

و ذلك لقاعدة العلم الإجمالي بوجوب الموافقة القطعية في أطرافه المعلوم بالإجمال.

[مسألة 18 لا فرق بين كون المسجد عاما أو خاصا]

مسألة 18 لا فرق بين كون المسجد عاما أو خاصا و اما المكان الذي أعده للصلاة في داره فلا يلحقه الحكم.

و ليعلم أو لا ان المسجد عبارة عن المكان الموقوف على كافة المسلمين للصلاة‌

41

فيه و لا إشكال في تحققها إذا قصد في وقفه ذلك و لو خص بعضا منهم كما إذا وقفه على ان يصلى فيه خصوص طائفة كاولاده مثلا نسلا بعد نسل أو الفقهاء و نحوهم ففي صحته و وقوعه كذلك أو بطلان التخصيص و صحة الوقف عاما قهرا على الواقف أو بطلان الوقف رأسا (وجوه و أقوال) فعن العلامة في التذكرة صحة الوقف و التخصيص معا و عن القواعد صحة الوقف و بطلان التخصيص و عن الفخر و المحقق الثاني بطلانهما معا و تردد في الدروس في صحة التخصيص و عدمها ثم على البطلان قال في صحة الوقف و عدمها وجهان.

و الأقوى بطلانهما معا اما التخصيص فلان وقف المسجد كما عرفت في المسائل الماضية وقف تحرير و فك ملك لا وقف تمليك و التحرير لا يتصور فيه التخصيص كما في مثل العتق حيث لا يعقل ان يكون المعتق حرا بالنسبة إلى طائفة و مملوكا بالنسبة إلى أخرى و منه يعلم صيرورة الواقف أجنبيا عن المسجد بعد الوقف كما يصير المعتق أجنبيا عن المعتق بعد العتق إلا إذا ثبت له حكم بالخصوص بالدليل مثل ولاء العتق.

و اما الوقف فلعدم كونه على نحو العموم مقصودا للواقف و معه فلا دليل على صحته قهرا على الواقف.

و اما المكان الذي أعده للصلاة في داره المسمى (بنمازخانه) من غير ان يوقفه على المسلمين عاما أو خاصا فهو خارج عن المسجد شرعا فلا يلحقه حكمه و ان صدق عليه المسجد لغة.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان قول المصنف قده أو خاصا يمكن ان يكون إشارة الى المسجد الموقوف على طائفة خاصة كما هو الظاهر كما هو مختاره صريحا في المسألة الثانية عشر من مسائل المسجد المذكورة في كتاب الصلاة و يمكن ان يكون إشارة الى المسجد السوق و القبيلة مما كان الداعي في بناء الصلاة طائفة خاصة و وقع وقفه عاما لكنه بعيد عن العبارة و كيف كان فلا إشكال في إجراء أحكام المسجد على ما كان عاما كعدم إجرائها عليه إذا كان مما أعده في داره للصلاة فيه من دون ان يجعله عاما أو خاصا و اما المسجد الخاص فإجراء أحكام المسجد عليه منوط بصحته خاصا‌

42

أو عاما و مع القول بعدم صحة وقفه عاما أو خاصا فلا يلحقه حكم المسجد.

[مسألة 19 هل يجب اعلام الغير إذا لم يتمكن من الإزالة الظاهر العدم]

مسألة 19 هل يجب اعلام الغير إذا لم يتمكن من الإزالة الظاهر العدم إذا كان مما لا يوجب الهتك و الا فهو الأحوط.

اعلم انه لا إشكال في وجوب إرشاد الجاهل بالحكم مع التمكن منه و يدل عليه آية النفر الدالة على وجوب الإنذار و نحوها من الايات و الاخبار و اما إرشاد الجاهل بالموضوع ففيما إذا كان ملاك متعلق الحكم مما يوجب مطلوبية فعله أو تركه من كل احد و ان الشارع مما لا يرضى بمخالفته و لو من الجاهل الغافل به يجب فيه الإرشاد كما في مثل قتل النفس المحترمة أو شرب الخمر و نحوهما و فيما إذا علم بمطلوبيته فعل شي‌ء أو تركه ممن تنجز الخطاب اليه بمنجز من علم أو امارة أو أصل منجز للتكليف عند الشك فيه لا يجب إرشاد الجاهل و إيقاظ الغافل و هذا أصل كلى يجي‌ء تفصيله في المسألة الثانية و الثلاثين من هذا الفصل.

إذا عرفت ذلك فنقول البحث عن وجوب اعلام الغير بالنجاسة تارة يقع من جهة إرشاده إلى تكليفه الجاهل به و اخرى من حيث كونه تكليف المرشد حيث انه لا يتمكن من تطهير المسجد بالمباشرة فيطهرّه بالتسبيب فالارشاد مرتبة من التطهير منه لكونه تسببيا اليه فعلى الأول فالحق عدم وجوب الإعلام إلا إذا كان بقاء النجاسة في المسجد هتكا اما فيما لا يوجب الهتك فلان الظاهر كون الإزالة مما تكون مطلوبة ممن تنجز عليه الخطاب بها و ليس مما يكون مطلوبة من كل احد و لا يرضى اللّه سبحانه تبركها مطلقا و اما إذا أوجب بقائها الهتك فلان الهتك مبغوض منه تعالى و لو ممن لا يعلم بها غاية الأمر عدم العقاب على الجاهل به إذا لم يكن مقصرا.

و على الثاني الظاهر وجوب الاعلام فيما إذا علم ترتب الإزالة عليه أو احتمله لان الواجب من الإزالة هو الأعم من المباشرة أو التسبيب إذ المطلوب حصولها في الخارج و لو من كل احد كما هو مقتضى كون وجوبها كفائيا و لا يجب فيما إذا علم بعدم ترتبها على الاعلام لان وجوبه لمكان كونه سببا لوقوع الإزالة في الخارج و مع العلم بعدم ترتبها عليه لا يبقى محل لوجوبه كما لا يجب لو علم بوقوعها في الخارج من دون اعلام كما إذا‌

43

كان المسجد معرضا لإيقاع الكر فإنه لا يجب معه الاعلام كما لا يخفى.

[مسألة 20 المشاهد المشرفة كالمساجد في حرمة التنجيس]

مسألة 20 المشاهد المشرفة كالمساجد في حرمة التنجيس بل وجوب الإزالة إذا كان تركها هتكا بل مطلقا على الأحوط لكن الأقوى عدم وجوبها مع عدمه و لا فرق فيها بين الضرائح و ما عليها من الثياب و سائر مواضعها إلا في التأكد و عدمه.

حكم الشهيدان و المحقق الثاني و غيرهم بإلحاق الضرائح المقدسة و الصحف المكرمة بالمسجد في حرمة تنجيسها و وجوب إزالة النجاسة عنها قال في الجواهر و هو جيد: لكن الأولى إناطة الحكم بكلما ثبت في الشريعة وجوب تعظيمه و حرمة إهانته و تحقيره كالتربة الحسينية و السبحة و ما أخذ من طين القبر للاستشفاء و التبرك به و قبول الأئمة (عليهم السلام) و ما عليها من الصندوق و الثياب و الأثاث أما حرمة تنجيسها فلعدم الخلاف في وجوب تعظيمها في الجملة و ان لم يجب بجميع مراتبه و التنجيس مناف مع التعظيم بجميع مراتبه و به يظهر وجوب الإزالة عنها إذا كان بقاء النجاسة عليها هتكا و اما لو لم يكن هتكا فلا دليل على وجوب إزالتها لكنه أحوط و يمكن ان يقال بدوران الأمر مدار الهتك في التنجيس الذي يحصل باحداث النجاسة و في ترك الإزالة الذي يحصل بإبقاء النجاسة عليها (فح) ينتفى الفرق بين وجوب الإزالة و حرمة التنجيس فكلما يحرم تنجيسه يجب الإزالة عنه و كلما يجب الإزالة عنه يحرم تنجيسه و هذا اولى لعدم الدليل على التعظيم الذي لا ينتهى تركه إلى الإهانة و بالجملة فالثابت هو حرمة الإهانة لا وجوب التعظيم مطلقا و لو لم يكن في تركه الإهانة.

و منه يعلم عدم الفرق في ذلك بين الضرائح و ما عليها من الثياب و سائر مواضعها إلا في ظهور الإهانة و خفائها الموجب للتأكد و عدمه إذ المدار في الكل عليها كما لا يخفى.

[مسألة 21 يجب الإزالة عن ورق المصحف الشريف و خطه]

مسألة 21 يجب الإزالة عن ورق المصحف الشريف و خطه بل عن جلده و غلافه مع الهتك كما انه معه يحرم مس خطه أو ورقه بالعضو المتنجس و ان كان متطهرا من الحدث و اما إذا كان احد هذه بقصد الإهانة فلا إشكال في حرمته.

44

لا إشكال في وجوب الإزالة عن ورق المصحف و خطه و جلده و غلافه مع الهتك بداهة لزوم صيانته عنه لدى المسلمين عامة و قد ورد الخبر في القرآن انه يقول الجبار عز و جل و عزتي و جلالي و ارتفاع مكاني (لا كرّ من اليوم من أكرمك و لأهيّنن من أهانك) كما لا إشكال في حرمة مس خطه أو ورقه بالعضو المتنجس إذا استلزم الهتك و الإهانة و ان كان متطهرا من الحدث هذا إذا لم يكن من قصده الإهانة و اما معه فالحكم أظهر بل ربما يؤدى الى الارتداد إذا انتهى الاستخفاف به الى اهانة الدين و اما إذا لم يكن هتكا و لم يكن من قصده الاستخفاف و الإهانة أيضا ففي تحريم تنجيس ما عدا خطه و وجوب الإزالة عنه اشكال لعدم الدليل عليهما.

و اما بالنسبة إلى الخط ففي طهارة الشيخ الأكبر نفى الاشكال في وجوب الإزالة عنه لفحوى حرمة مسّ المحدث له.

و أورد عليه في مصباح الفقيه بان الفحوى تتم لو قلنا بوجوب حفظ المصحف عن ان يمسه غير المتطهر و ان لم يكن مكلفا لصغر أو جنون و نحوهما بان وجب منع غير المتطهر عن ان يمس الخط و الا فلا تتم إلا بالنسبة إلى حرمة التنجيس لا وجوب الإزالة.

و أجيب عنه بان الظاهر من إطلاق الآية المباركة أعني قوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ عموم المنع لعدم تقييد موضوع الخطاب بفعل المخاطب نفسه.

أقول في دلالة الآية المباركة على حرمة مس المحدث للخط الشريف من القرآن الكريم تأمل يأتي الكلام فيه في موضعه و على تقدير تسليم دلالتها فالإنصاف عدم عموم لها بحيث يشمل غير المكلف مضافا الى قيام السيرة القطعية من عدم منع الأطفال عن مباشرة القرآن الكريم بل مناولتهم له في المكاتيب عند التعلم: الكافية في تخصيص العموم لو كان مع ما في دعوى الأولوية بالنسبة إلى الخبث و لو فرض الانتهاء الى الشك فالأصل يقتضي البراءة.

[مسألة 22 يحرم كتابة القرآن بالمركب النجس]

مسألة 22 يحرم كتابة القرآن بالمركب النجس و لو كتب جهلا أو عمدا وجب نحوه كما انه إذا تنجس خطه و لم يمكن تطهيره يجب محوه.

لا إشكال في حرمة كتابة القرآن بالمركب النجس و بوجوب محوه و محو ما تنجس‌

45

خطه و لم يمكن تطهيره إذا كان هتكا و اهانة و مع عدمه فالحكم هو الذي تقدم في المسألة المتقدمة من دعوى أولوية استفادة حرمة تنجيس الخط الشريف من الآية المباركة و هي و ان كانت في موضوع المس و ليس في المقام ماس و ممسوس الا ان المناط موجود فيه و هو صيانة الخط الشريف عن النجاسة لكن الكلام في دعوى الأولوية.

[مسألة 23 لا يجوز إعطائه بيد الكافر]

مسألة 23 لا يجوز إعطائه بيد الكافر و ان كان في يده يجب أخذه منه.

لا إشكال في حرمة إعطاء القرآن بيد الكافر إذا كانت مناولته إياه هتكا و لا في وجوب الأخذ منه إذا كان إقراره بيده كك و اما مع عدم الإهانة و الهتك ففي حرمة إعطائه و وجوب الأخذ منه اشكال و لعل الوجه فيه هو ما استدلوا عليه بحرمة البيع منه و عدم تملكه إياه من فحوى ما دل على عدم تملك الكافر للمسلم و ان الإسلام يعلو و لا يعلى عليه و في دلالته على تحريم مناولته إياه و وجوب الأخذ منه منع.

و ينبغي ان يقال بجواز المناولة فيما إذا كان في مقام الدعوة الى الدين كما كان همّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلّم) إسماعه إياهم و همهم التجنب عن الاستماع حتى نزل قوله تعالى حكاية عنهم لٰا تَسْمَعُوا لِهٰذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ.

و لو كان وضع القرآن عندهم موجبا لمسهم خطه الشريف بعضو منهم كان تحريم إعطائه و وجوب الأخذ منهم مبنيا على حرمة مماسة الخبث له التي عرفت البحث عنها في المسألة السابقة.

[مسألة 24 يحرم وضع القرآن على العين النجسة]

مسألة 24 يحرم وضع القرآن على العين النجسة كما انه يجب رفعها عنه إذا وضعت عليه و ان كانت يابسة.

هذا في مورد يصدق عليه الهتك و الإهانة مما لا اشكال فيه و لعله لا يخلو عن الهتك و كيف كان فمع عدمه ففي إثبات حرمة وضعها و وجوب رفعها تأمل لعدم الدليل عليه الا الفحوى المذكورة في المسائل السابقة و لعل عدم حرمة الوضع و وجوب الرفع مع عدم مماسة النجاسة للخط الشريف مع عدم الهتك أظهر و مع الشك فالحكم هو البراءة.

[مسألة 25 يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية]

مسألة 25 يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية بل عن تربة الرسول (ص)

46

و سائر الأئمة (صلوات الله عليهم) المأخوذة من قبورهم و يحرم تنجيسها و لا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر الشريف أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك و الاستشفاء و كذا السبحة و التربة المأخوذة بقصد التبرك لأجل الصلاة.

في هذه المسألة أمور (الأول) يجب تعظيم التربة الحسينية بل تربة الرسول (صلى الله عليه و آله و سلّم) و سائر الأئمة (صلوات اللّه عليهم) و قد ادعى في التنقيح تواتر النقل على وجوب تعظيمها قال في محكي التنقيح ورد متواترا بان الشفاء في تربته و كثرة الثواب بالتسبيح بها و السجود عليها و وجوب تعظيمها و كونها رافعة للعذاب عن الميت و أمنا من المخاوف و انه يحرم الاستنجاء بها (انتهى) و لعل مراده من ورود النقل على وجوب تعظيمها هو استعمالها في الاستشفاء و التسبيح و غيرهما مما ذكر لا ورود نقل في الأمر بتعظيمها فعن الصادق (عليه السلام) قال ان اللّه جعل تربة جدي الحسين شفاء من كل داء و أمانا من كل خوف فإذا تناولها أحدكم فيقبّلها و يضعها على عينيه و ليمرها على سائر جسده.

و في خبر أخر عنه (عليه السلام) قال فإذا أخذتها فاكتمها و أكثر عليها ذكر اللّه جل و عز و قد بلغني ان بعض من يأخذ من التربة شيئا يستخف به حتى ان بعضهم ليطرحها في مخلات الإبل و البغل و الحمار أو في وعاء الطعام و ما يمسح به الأيدي من الطعام و الخرج و الجوالق فكيف يستشفى به من هذا حاله عنده.

الثاني لا إشكال في حرمة تنجيسها إذا استلزم الهتك أو كان بقصد الإهانة و مع عدم الهتك و قصد الإهانة فالظاهر حرمة تنجيسها لمنافاتها مع تعظيمها لكن وجوب تعظيمها بجميع مراتب التعظيم مشكل لعدم الدليل عليه و القدر المتيقن المستفاد من الاخبار حرمة هتكها و إهانتها.

الثالث ذكر الشهيد الثاني (قده) في كتاب الأطعمة و الأشربة من الروضة اختصاص الاحترام بثلاثة أشياء مما يؤخذ من التربة الحسينية (أحدها) ما يؤخذ من الضريح المقدس (و ثانيها) ما يوضع على الضريح المقدس إذا كان من الحرم (و ثالثها) ما يؤخذ من باقي الحرم بالدعاء و لعله لا ينبغي الإشكال في احترام ما ذكر من الموارد الثلاثة.

47

انما الكلام في موردين آخرين (أحدهما) ما يوضع على الضريح المقدس بما كان خارجا عن حرم كربلاء و يعلق على الشباك المكرم تحصيلا لتشرفه و يمنه و بركته و لما يصل الى حد التبعية عرفا فعن ظاهر المهذب احترامه أيضا لكن جريان حكم التربة عليه مشكل لعدم الدليل عليه (و ثانيهما) الأجر و الخزف و الأباريق و المشارب المتخذة من تربة الحائر إذا كان في كربلاء لا يحرم تنجيسها و لا يجب إزالة النجاسة عنها فيما إذا لم يستلزم الهتك و الإهانة و عن كاشف الغطاء المنع عن إخراجها من كربلاء الى غيرها تحرزا عن نجاستها و لعل منشئه وجوب تعظيمها المنافي مع تنجسها و لكنه ممنوع بعدم الدليل عليه ما لم نيته تركه إلى الإهانة.

الرابع لا فرق في حرمة الإهانة أو وجوب التعظيم ان قيل به بين التربة الحسينية و بين ترب سائر الضرائح المقدسة من تربة الرسول و سائر الأئمة (صلوات اللّه عليهم) و ان ثبت الفرق بينهما بجواز أكل التربة الحسينية بقدر الحمصة للاستشفاء دون غيرها.

[مسألة 26 إذا وقع ورق القران أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب إخراجه]

مسألة 26 إذا وقع ورق القران أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب إخراجه و لو بأجرة و ان لم يمكن فالأحوط و الاولى سد بابه و ترك التخلي فيه الى ان يضمحل.

اما وجوب الإخراج منه لكون إبقائه فيه إهانة محرّمة و اما وجوب دفع الأجرة لو احتاج اليه فلعدم الفرق في صيانته عن الهتك بين أنواعها مما يتوقف على الأجرة و عدمه فيجب الجميع و اما أولوية سد بابه الى ان يضمحل بل وجوبه فلوجوب دفع الإهانة الزائدة عما لا يمكن دفعها.

[مسألة 27 تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره]

مسألة 27 تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره.

اعلم انه إذا صار سببا لتنجس مصحف الغير فما يحتمل ان يكون المسبب ضامنا له أمور (الأول) نقص مالية المصحف الحاصل بواسطة تنجسه حيث انه بلحاظ وجوب تطهيره يصير انقص قيمة مما لم يكن كذلك.

(الثاني) نقص ماليته الذي يحصل بتطهيره حيث ان المغسول منه يصير قيمته أنقص مما لم يغتسل لتغيير صورته و محو كتابته.

48

(الثالث) ما يصرف في تطهيره من الماء و اجرة التطهير إذا توقف تطهيره على صرف المال.

و الأولان يكونان مضمونين على مباشر التنجيس حيث ان نقصان القيمة انما تحقق بفعله و هو المباشر لحدوث هذا النقص فيكون ضمانه عليه.

و الثالث يحصل بفعل المباشر للتطهير باختياره و ان كان السبب في فعله الاختياري هو صدور التنجيس عمن نجسه فيدخل فيما تقدم في المسألة الثانية عشر من انه إذا توقف التطهير على بذل مال يجب بذله و في ضمان من صار سببا للتنجيس (وجهان) من كون صدور الفعل عن المباشر بالاختيار و من كون صدوره الاختياري لأجل وجوبه عليه شرعا و ان الخارج عن الاختيار شرعا كالخارج عنه تكوينا و قلنا في تلك المسألة انها تحتاج إلى التأمل.

و اما النقص الذي ذكر في المسألة السابعة وروده على المسجد بسبب تطهيره من حفره و تخريب شي‌ء منه و قلنا بعدم ضمانه لا على المباشر و لا على من صار سببا لتنجيسه اما على المباشر فلمكان كونه لمصلحة المسجد فلا يكون ضمانه على مباشر الطهير لانه محسن و ليس على المحسنين سبيل و اما على المسبب فلان المسجد لم يكن ملكا لمالك و لا له مالية يتصور نقصه بتطهره بخلاف المصحف حيث انه ملك لمالكه يبذل بإزائه المال و ان حرم بيعه لكونه اغلى من ان يباع لا من جهة انه ليس بمال فليس للمسجد قيمة حتى ينقص قيمته بتطهيره لكي يقال بضمان المنجس بخلاف القرآن فقياس المصحف بالمسجد في عدم ضمان ما يحصل بتطهير المسجد مع الفارق فما في مستمسك العروة من انه لم يظهر الفرق بينه و بين ما مضى و يأتي في كون النقص انما يكون بفعل المباشر بداعي امتثال التكليف و الإتلاف إنما ينسب اليه لا الى السبب ليس على ما ينبغي فراجع و تأمل.

[مسألة 28 وجوب تطهير المصحف كفائي]

مسألة 28 وجوب تطهير المصحف كفائي لا يختص بمن نجسه و لو استلزم صرف المال وجب و لا يضمنه من نجسة إذا لم يكن لغيره و ان صار هو السبب للتكليف بصرف المال و كذا لو ألقاه في البالوعة فان مؤنة الإخراج الواجب

49

على كل احد ليس عليه لان الضرر انما جاء من التكليف الشرعي و يحتمل ضمان المسبب كما قيل بل قيل باختصاص الوجوب به و يجبره الحاكم عليه لو امتنع أو يستأجر أخر و لكن يأخذ الأجرة منه.

البحث عن وجوب تطهير المصحف في كونه كفائيا بالنسبة إلى الجميع أو عينيا بالنسبة الى من نجّسه أو عينيا بالنسبة اليه و كفائيا بالنسبة الى من سواه كالبحث في وجوب الإزالة عن المسجد و كذا الكلام في عدم ضمان من نجسه لو توقف تطهيره على صرف المال.

انما الكلام في تقيد المصنف (قده) عدم ضمان المنجس بما إذا لم يكن المصحف لغيره بل كان له نفسه فان الظاهر عدم اختصاص نفى الضمان عنه بما إذا كان المصحف له بل لو كان لغيره لم يضمن المنجس ما يصرف في تطهيره بناء على عدم ضمان السبب في المقام من جهة الذي يذكره المصنف (قده) كما انه لو كان له يضمن ما يصرفه المباشر للتطهير في تطهيره بناء على ضمان السبب و لم أر تعرضا للمحشين في المقام الا انه ذكر في مستمسك العروة ما لا يخلو عن شي‌ء حيث يقول فان المصحف لو كان لغير من نجسه أمكن ان يكون ضامنا للمال المبذول من غيره مقدمة بناء على الضمان بالتسبيب انتهى.

و لا يخفى ان فائدة تخصيص المصنف نفى الضمان بما إذا كان المصحف للمنجس هو ثبوته إذا كان لغيره لا نفيه فلا موقع لما في مستمسك العروة من قوله فان المصحف لو كان لغير من نجسه أمكن (إلخ) بل كان له ان يقول فان المصحف لو كان لغيره لا بد من ان يقال بعدم الضمان بناء على عدم الضمان بالتسبيب مع ان كلام المصنف (قده) مبنى على عدم الضمان بالتسبيب كما يظهر من استدلاله.

و اما ما استدل به على عدم ضمان المنجس من ان الضرر جاء من قبل الحكم الشرعي فيرد عليه ان الضرر و ان جاء من قبل الحكم الشرعي الا ان الحكم الشرعي جاء من قبل فعل المنجس فالضرر ينتهى اليه بالواسطة و العمدة في عدمه على المسبب هو كون الصرف اختياريا من مباشر التطهير الا انه يجي‌ء ما تقدم من ان وجوبه الشرعي‌

50

يخرجه عن الاختيار شرعا و انه هل يكفى الخروج الشرعي عن الاختيار في استناده الى السبب بعد ان يكون اختياريا من المباشر تكوينا و قد قلنا بان المسألة محتاجة إلى التأمل.

و كيف كان فما احتمله المصنف قده من ضمان المسبب و أسنده أيضا الى القيل ليس بكلّ البعيد و اما القول باختصاص الوجوب به فلعله لا وجه له كما عرفت في وجوب الإزالة عن المسجد كما يبعد أو يستحيل اجتماع وجوبين بالنسبة إليه عينيا مختصا به و كفائيا مشتركا بينه و بين من سواه نعم يصح ان يقال بالوجوب العيني عليه فان تركه عصيانا أو بواسطة موت أو جنون أو إغماء و نحو ذلك مما يمنع عن الإتيان بالمكلف به منه يصير واجبا على من عداه كفاية فالوجوب العيني مختص به و الكفائي مختص بمن عداه لا في عرض الوجوب العيني بل في طوله و في الرتبة المتأخرة عن ترك امتثاله اما عصيانا أو لا عن عصيان بل و لو من جهة عدم تعلق التكليف بالتطهير اليه من أول الأمر لصغره أو جنونه و هذا الوجه حسن لا بأس به.

[مسألة 29 إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير إذنه إشكال]

مسألة 29 إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير إذنه إشكال إلا إذا كان تركه هتكا و لم يمكن الاستيذان منه فإنه (ح) لا يبعد وجوبه.

لا ينبغي الإشكال في عدم جواز تطهيره بغير اذن مالكه إذا كان المالك مقدما على التطهير بنفسه أو بالاستنابة في تطهيره و لو امتنع عن التطهير و عن الاذن فيه فان لم يكن تركه هتكا فالأقوى عدم جوازه بغير اذنه لما عرفت من الإشكال في وجوب التطهير إذا لم يكن تركه هتكا و على فرض وجوبه يقع التزاحم بين وجوب التطهير و حرمة التصرف في مال الغير من دون رضاه و الترجيح لحرمة التصرف لأنها من حقوق الناس مع ما ورد من الأدلة من كثرة الاهتمام في بيان حرمة التصرف في مال الغير فتكون أهمّ و ان كان تركه هتكا فالأقوى هو وجوب التطهير من غير استيذان مع امتناع المالك عن الاذن فيه و عن تطهيره بنفسه صيانة لساحة القرآن الكريم عن الهتك الواجبة على كل مسلم و كونها أهم من التصرف في مال الغير من دون رضاه.

[مسألة 30 يجب إزالة النجاسة عن المأكول و عن ظروف الأكل و الشرب]

مسألة 30 يجب إزالة النجاسة عن المأكول و عن ظروف الأكل و الشرب