مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - ج10

- الشيخ محمد تقي‏ الآملي المزيد...
558 /
1

-

2

الجزء العاشر

كلمة المؤلف

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن الى قيام يوم الدين و بعد فيقول العبد الضعيف الفاني محمد تقى بن محمد الآملي عفى اللّه سبحانه عنه و عن و الدية و عن المؤمنين و المؤمنات هذا هو المجلد العاشر من كتاب (مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى اقدمه الى السلسلة الجليلة من أهل العلم و حملة الفقه و النهي راجيا منهم الصفح عما يرون فيه من القصور فإنه لا عصمة الا من عصمه اللّه سبحانه و له الشكر في السراء و الفراء و كان ابتدائه من أول الفصل المعقود في زكاة الغلات الأربع و الى اللّه المرجع و المنتهى.

3

[تتمة كتاب الزكاة]

[فصل في زكاة الغلات الأربع]

فصل في زكاة الغلات الأربع، و هي كما عرفت الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب، و في إلحاق السلت الذي هو كالشعير في طبعه و برودته، و كالحنطة في ملاسته و عدم القشر له اشكال فلا يترك الاحتياط فيه كالإشكال في العلس الذي هو كالحنطة بل قيل انه نوع منها في كل قشر حبتان و هو من طعام أهل صنعاء فلا يترك الاحتياط فيه أيضا.

لا اشكال و لا كلام في وجوب الزكاة في الغلات الأربع، بل قد عرفت انه من الضروري، إنما الكلام في السلت بالضم و العلس بفتحتين، و جملة القول فيهما ان كلمات اللغويين كعبائر الفقهاء في بيان مهيتهما مختلفة، فعن جملة من اللغويين إلحاق السلت بالشعير و العلس بالحنطة، و عن بعض منهم بالعكس، و عن بعض تفسير السلت بما في المتن من انه كالشعير في طبعه و برودته و كالحنطة في ملاسته و عدم القشر له، و تفسير العلس بأنه كالحنطة، و عن بعض انه طعام أهل صنعاء، فالإشكال فيهما يقع من وجهين أحدهما من أجل اختلاف الكلمات فيهما، و ثانيهما من أجل كون هذه التفاسير مع قطع النظر عن اختلافها بيان للمهية لا لشرح اللفظ، و تفسير المفهوم منه، و لعل الأقوى عدم وجوب الزكاة فيهما اما لعدم كونهما من الحنطة و الشعير، أو لانصراف لفظي الحنطة و الشعير عنهما على تقدير كونهما منهما الا ان الاحتياط حسن فيهما كما في جميع موارده.

و لا تجب الزكاة في غيرها و ان كان يستحب إخراجها من كل ما تنبت الأرض مما يكال أو يوزن من الحبوب كالماش و الذرة و الأرز و الدخن و نحوها الا الخضر و البقول.

4

و قد تقدم الكلام تفصيلا في جميع ذلك في بيان الأجناس التي يتعلق بها الزكاة.

و حكم ما يستحب فيه حكم ما يحب فيه في قدر النصاب و كمية ما يخرج منه و غير ذلك.

قال في الجواهر مازجا كلامه مع الشرائع: لا خلاف في ان حكم ما يخرج من الأرض مما يستحب فيه الزكاة حكم الأجناس الأربعة في قدر النصاب، و كمية ما يخرج منه، و اعتبار السقي سيحا أو بالدلاء و أمر المؤنة و غير ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، و النصوص المتقدمة سابقا عند الكلام في استحبابها فيها دالة عليه مضافا الى انسياق الاتحاد في الكيفية، و ان الاختلاف في الوجوب و الندب خاصة كما يومي اليه اتحاد الكيفية في الواجب و الندب في غير المقام في الوضوء و الغسل و غيرهما، بل لعل ذلك هو مقتضى القاعدة المستفادة من النصوص لا يخرج عنها الا بالدليل كما أوضحنا ذلك في كتاب الطهارة و اللّه اعلم انتهى.

[و يعتبر في وجوب الزكاة في الغلات أمران]

و يعتبر في وجوب الزكاة في الغلات أمران

[الأول بلوغ النصاب]

الأول بلوغ النصاب.

و لا اشكال و لا خلاف في اعتبار بلوغه في الوجوب، قال في الجواهر بل الإجماع بقسميه عليه، كما ان النصوص متواترة فيه بل هو ضروري انتهى، و هواي النصاب في الغلات على ما يظهر من النصوص و الفتاوى خمسة أوساق، و الوسق ستون صاعا، و الصاع أربعة أمداد، و المد رطلان و ربع رطل بالعراقي، و رطل و نصف رطل بالمدني، و الرطل العراقي و هو ثلثا المدني مأة و ثلاثين درهما، و قد تقدم في نصاب النقدين ان الدرهم نصف مثقال الصيرفي و ربع عشره و نصف مثقال الشرعي و خمسه، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل بالشرعي و خمسة مثاقيل و ربع مثقال بالصيرفي، اما كون مقدار النصاب خمسة أو ساق و ان الوسق ستون صاعا فمع انهما مما لا خلاف فيهما ظاهرا بل عن غير واحد دعوى الإجماع على الأول منهما يدل عليهما غير واحد من النصوص، كصحيح زرارة عن الباقر‌

5

(عليه السلام) قال ع: ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أوساق و الوسق ستون صاعا فذلك ثلاثمائة صاع ففيه العشر، الى ان قال ع: و ليس فيما دون ثلاثمائة صاع شي‌ء. و صحيح سعد بن سعد عن ابى الحسن (عليه السلام) عن أقل ما تجب فيه الزكاة قال ع: خمسة أوساق بوسق النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فقلت و كم الوسق قال ستون صاعا، و صحيح الحلبي عن الصادق (عليه السلام) ليس فيما دون خمسة أو ساق شي‌ء و الوسق ستون صاعا، و غير ذلك من الاخبار التي لا حاجة في نقلها و يعارضها ما يدل على وجوب الزكاة فيما يبلغ وسقا أو ستين صاعا كما في أخر أو وسقين كما في ثالث و في رابع عدم اعتبار النصاب، بل وجوب الزكاة في الحنطة و الشعير عن كل ما يخرج منهما من الأرض من القليل و الكثير، و لكن هذه الاخبار شاذة مطروحة فاقدة لمناط الحجية و هو الوثوق بصدورها بإعراض الأصحاب عنها، و عدم العمل بها فلا يمكن الاستناد إليها، و لا تصلح للمعارضة مع ما تقدم نقله، و عن الشيخ حملها على الاستحباب على حسب اختلاف مراتبه فيكون بمرتبة منه في القليل و الكثير من الغلات، و بمرتبة آكد منها فيما يبلغ الوسق منها، و بمرتبة أكد من الثانية فيما يبلغ الوسقين، قال في مصباح الفقيه و لا بأس به في مقام التوجيه فإنه أولى من الطرح، و انسب بما يقتضيه قاعدة المسامحة في أدلة السنن.

(أقول) و هو متوقف على حجيتها مع قطع النظر عن المعارضة الممنوعة بالإعراض كما لا يخفى، و اما كون الصاع أربعة أمداد و ان المدر طلان و ربع رطل بالعراقي، و رطل و نصف بالمدني، فيدل عليه أيضا بعد نفى الخلاف فيه صريحا بل دعوى الإجماع عليه صحيح ابن سنان الوارد في الفطرة: ان فيها صاع من تمر و صاع من شعير و الصاع أربعة أمداد، و هو يدل على كون الصاع أربعة أمداد كما هو واضح، و صحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال ع كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتوضأ بمد و يغتسل بصاع و المد رطل و نصف و الصاع ستة أرطال، و في مفتاح الكرامة ذكر بعد قوله ع ستة أرطال يعني أرطال المدينة فيكون تسعة أرطال بالعراقي، ثم قال (قده) و الظاهر من جماعة ان التفسير من تتمة الرواية‌

6

و يشهد له قوله في التذكرة ما نصه و قول الباقر (عليه السلام) و المد رطل و نصف و الصاع ستة أرطال المدينة يكون تسعة أرطال بالعراقي، و عن المحقق انه نقل الخبر من كتاب الحسين بن سعيد هكذا: و الصاع ستة أرطال بأرطال المدينة يكون تسعة أرطال بالعراقي انتهى.

و هو بضميمة الاستظهار المذكور يدل على كون الصاع ستة أرطال بالمدني، و ان المد رطل و نصف رطل به و تسعة أرطال بالعراقي، و يلزم كون المد رطلان و ربع رطل بالعراقي، و مكاتبة الهمداني قال كتبت الى ابى الحسن (عليه السلام) على يد ابى جعلت فداك ان أصحابنا اختلفوا في الصاع بعضهم يقول الفطرة بصاع المدني و بعضهم يقول بصاع العراقي، فكتب الىّ الصاع ستة أرطال بالمدني و تسعة بالعراقي، قال و أخبرني انه يكون بالوزن ألفا و مأة و سبعين وزنة، و هذا الخبر أيضا يدل على كون الصاع تسعة أرطال بالعراقي، و يلزمه إذا كان أربعة أمداد ان يكون المد رطلان و ربع رطل بالعراقي. و المحكي عن البزنطي ان المد رطل و ربع و هو شاذ متروك لم يعرف له موافق و لا مستند، و لكن في بعض الاخبار ان الصاع خمسة أمداد كموثقة سماعة و خبر المروزي الا انها شاذ ان مهجوران مخالفان للإجماع و للأخبار المعتمدة المعمول بها، و إذا كان النصاب خمسة أوساق و كل وسق ستون صاعا و كل صاع تسعة أرطال بالعراقي يصير النصاب ألفين و سبعمأة رطل بالعراقي حاصلة من ضرب الخمسة التي عدد الأوساق في ستين التي عدد الصاع ثم يضرب الحاصل منه الذي هو ثلاثمائة في التسعة التي هي عدد الأرطال تبلغ العدد المذكور، فالنصاب حينئذ الفان و سبعمأة رطل بالعراقي. و اما ان الرطل العراقي مأة و ثلاثين درهما ففي المدارك انه مذهب الأكثر، و منهم الشيخان و ابن بابويه في الفقيه، و عن العلامة في التحرير و موضع من المنتهى انه مأة و ثمانية و عشرين درهما و أربعة أسباع درهم، و يدل على قول الأكثر ما في ذيل مكاتبة الهمداني المتقدمة أعني قوله: انه يكون بالوزن ألفا و مأة و سبعين وزنة حيث ان الظاهر كون المراد بالوزنة هو الدرهم،

7

مع انه روى هذا الخبر عن كتاب العيون مع تبديل الوزنة فيه بالدرهم.

و مكاتبة إبراهيم بن محمد الهمداني و فيها أيضا بعد ذكر كون الصاع ستة أرطال برطل المدينة، قال و الوطل مأة و خمسة و تسعون درهما تكون الفطرة ألفا و مأة و خمسة و سبعين درهما و بعد كون الرطل المدني مثل الرطل العراقي و نصفه و الرطل العراقي ثلثا المدني إذا كان المدني مأة و خمسة و تسعون يصير العراقي مأة و ثلاثين.

و استدل للعلامة بتصريح بعض اللغويين بكون الرطل مأة و ثمانية، عشرين درهما و أربعة أسباع درهم كما حكاه في المجمع عن المصباح، و هو غير معلوم، و على تقدير ثبوته فليس حجة مع مخالفته لما عليه الأصحاب، و دل عليه الاخبار فهو مطروح متروك، و اما ان الدرهم نصف مثقال الصيرفي و ربع عشره و نصف مثقال الشرعي و خمسه فقد تقدم في نصاب النقدين، فالمتحصل مما ذكرناه ان نصاب الغلات الفان و سبعة مأة رطل بالعراقي، و إذا ضربناه في مأة و ثلاثين التي هي عدد الدراهم من كل رطل تبلغ ثلاثمائة و إحدى و خمسين ألف درهم (351000) و حيث ان كل درهم تساوى نصف مثقال الصيرفي و ربع عشره تصير عدد الدراهم من النصاب مأة و أربعة و ثمانين ألف و مأتين و خمسة و سبعين (184275) مثقالا صيرفيا و إذا قسمنا هذا العدد إلى ألف و مائتين و ثمانين الذي هو مقدار‌

المن الشاهي

يصير‌

مأة و أربعة و أربعون منا الا خمسة و أربعين مثقالا

كما انه‌

بالمن التبريزي الذي هو ألف مثقال مأة و أربعة و ثمانون منا و ربع من و خمسة و عشرون مثقالا [1]

و بالمن التبريزي المعمول في الطهران في هذه الأعصار الذي هو ستمأة و أربعين مثقالا نصف المن الشاهي يصير مأتين و ثمانية و ثمانين منا الا خمسة و أربعين مثقالا [2].

و بحقة النجف في زماننا سنة 1326 و هي تسعمأة و ثلاثة و ثلاثون مثقالا صيرفيا و ثلث مثقال ثمان وزنات و خمس حقق و نصف إلا ثمانية و

____________

[1] 184 من و 275 مثقال

[2] خروار 88 من الا 45 مثقال

8

خمسين مثقالا و ثلث مثقال و بعيار الإسلام بول و هو مأتان و ثمانون مثقالا سبع و عشرون وزنة و عشر حقق و خمسة و ثلاثون مثقالا

و بحساب الكيلو المعمول في هذه الأدوار في بلاد الايران و العراق و سائر بلاد المسلمين تقليدا عن بلاد الغرب الذي هو ثلث المن التبريزي الذي هو نصف المن الشاهي ثمان مأة و ثلاثة و ستين كيلو و سبعمأة و تسعين گرم [1].

و لا تجب في الناقص عن النصاب و لو يسيرا كما انه تجب في الزائد عليه يسيرا كان أو كثيرا.

اما عدم الوجوب في الناقص عن النصاب فللأصل، و قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة ليس فيما دون الثلاثمأة صاع شي‌ء، و قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و بكير: فان كان من كل صنف خمسة أوساق غير شي‌ء و ان قل فليس فيه شي‌ء و ان نقص البر و الشعير و التمر و الزبيب أو نقص من خمسة أو ساق صاع أو بعض صاع فليس فيه شي‌ء، و في معناهما غيرهما، و هذا الأخر كما يدل على عدم الوجوب في الناقص يدل عليه و لو كان النقص قليلا مضافا الى ان المناط في بلوغ النصاب على التحقيق دون التقريب، فلا عبرة بالتسامح العرفي في أمثال المقام مما يكون من باب التسامح في الصدق بعد تبين المفهوم على ما تقدم تحقيقه في نصاب النقدين، و لم يحك في ذلك خلاف من الأصحاب، نعم حكى عن بعض العامة ان التقدير تقريبي لا تحقيقي مستدلا بان الوسق حمل و هو يزيد و ينقص، و رد بان الحكم ليس معلقا على مطلق الحمل بل على ما كان منه ستين صاعا، و ليس في الستين مما يزيد و ينقص، فالمدار عليه لا على إطلاق لفظ الوسق الذي هو يطلق على مقدار حمل البعير، و لو مازجه شي‌ء من غيره كالتراب اليسير أو التين كذلك أو الشعير في الحنطة أو العكس على وجه لا يخرج عن الاسم فلا بأس به، و تجب الزكاة لأنه من تعدد الأصناف عرفا، و لو كان كثيرا لا يتسامح فيه العرف فلا كما لو كان الخلط بأجنبي و لو كان قليلا كخلط الحنطة بالباقلا مثلا.

____________

[1] 863 كيلو و 790 گرم

9

و اما وجوب الزكاة في الزائد على النصاب يسيرا كان أو كثيرا فلعدم الخلاف فيه كما عن المنتهى نفيه بين العلماء، و قال في الجواهر و النصوص دالة عليه فليس في الغلات الأنصاب واحد لا زكاة فيما نقص عنه، و تجب فيما بلغه و ما زاد، و قد تقدم في نصاب النقدين حكم اختلاف الموازين فراجع، و ليعلم انه حكى في المدارك عن المنتهى بان النصب معتبرة بالكيل بالأصواع، و اعتبر الوزن للضبط و الحفظ فلو بلغ النصاب بالكيل و الوزن معا وجبت الزكاة قطعا، و لو بلغ بالوزن دون الكيل فكذلك، و لو بلغ بالكيل دون الوزن كالشعير فإنه أخف من الحنطة مثلا لم تجب الزكاة على الأقوى، و قال بعض الجمهور تجب و ليس بوجه هذا كلامه، و مرجعه الى اعتبار الوزن خاصة و هو كذلك، إذا التقدير الشرعي انما وقع به لا بالكيل انتهى ما في المدارك، و أورد عليه في الجواهر بان ضبط الصاع بالوزن انما هو في زكاة الفطرة و الغسل، و اما في الغلات فإنما الضبط وقع بالوسق و الصاع فحينئذ فلو لم نقل باعتبار الكيل خاصة فلا محيص عن القول بكفايته، فتكون العبرة بهما أو بأحدهما، و لا تجب الزكاة فيما نقص عنهما معا، و ليس هذا من قبيل التخيير بين الأقل و الأكثر بل للتسامح في التفاوت اليسير، و لا ينافي ذلك كون التحديد بالنصاب تحقيقا لا تقريبا لرجوع الحاصل الى مراعاة التحقيق في البلوغ بأحدهما، و كان ذلك لعدم تيسير الوزن في جميع الأوقات لجميع الناس و كذا الكيل انتهى.

[الثاني التملك بالزراعة فيما يزرع]

الثاني التملك بالزراعة فيما يزرع أو انتقال الزرع الى ملكه قبل وقت تعلق الزكاة و كذا في الثمرة كون الشجر ملكا له الى وقت التعلق أو انتقالها الى ملكه منفردة أو مع الشجر قبل وقته.

و لم ينقل في ذلك خلاف، و عن المنتهى انه قول العلماء كافة، و في غير واحد من الكتب انه إجماعي.

[مسألة 1 في وقت تعلق الزكاة بالغلات خلاف]

مسألة 1 في وقت تعلق الزكاة بالغلات خلاف، فالمشهور على انه في الحنطة و الشعير عند انعقاد حبهما، و في ثمرة النخل حين اصفراره و

10

احمراره، و في ثمرة الكرم عند انعقادها حصرما، و ذهب جماعة الى ان المدار صدق أسماء المذكورات من الحنطة و الشعير و التمر و صدق اسم العنب في الزبيب، و هذا القول لا يخلو عن قوة و ان كان القول الأول أحوط بل الأحوط مراعاة الاحتياط مطلقا إذ قد يكون القول الثاني أوفق بالاحتياط.

ذهب المشهور الى ان وقت تعلق الزكاة في الحنطة و الشعير عند انعقاد حبهما و يعبرون عنه بالاشتداد، و في التمر بعد احمراره أو اصفراره و يعبرون عنه ببدو الصلاح، و في الزبيب عند انعقاد الحصرم، و استدلوا لما ذهبوا إليه بأمور.

(الأول) دعوى صدق الحنطة و الشعير بمجرد اشتداد الحب، فيتعلق بهما الزكاة بالعمومات فيثبت في البسر و الحصرم بالإجماع المركب.

(الثاني) دعوى صدق التمر على البسر حقيقة كما يشهد به قول بعض أهل اللغة.

(الثالث) ان ذلك مقتضى العمومات الدالة على وجوب الزكاة فيما سقته السماء، و لا ينافيها الأدلة الدالة على ثبوتها في الغلات الأربع لو فرض عدم صدق اسمها في حال اشتداد الحب في الحبين، و في البسر و الحصرم من التمر و الزبيب لعدم نهوضها لتقييدها لان المتبادر منها إرادة الأجناس الأربعة في مقابل الأجناس الأخر.

(الرابع) الأخبار الدالة على جواز الخرص و تعيين النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عبد اللّه بن رواحة خارصا إذ زمان الخرص كما صرح به في المعتبر هو قبل يبس الثمرة، قال (قده) فيه في مسألة جواز الخرص على أرباب النخيل و الكروم في طي الفروع التي ذكرها من تلك المسألة ما لفظه وقت الخرص حين يبدو صلاح الثمرة لأنه وقت الأمن على الثمرة من الجائحة غالبا، و لما روى ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يبعث عبد اللّه خارصا للنخيل حين يطيب.

(الخامس) الأخبار الخاصة و ذلك كصحيح سليمان بن خالد و فيه ليس‌

11

في النخل صدقة حتى تبلغ خمسة أوساق و العنب مثل ذلك حتى تبلغ خمسة أو ساق زبيبا، بناء على ان يكون المقدر في قوله (عليه السلام) ليس في النخل صدقة كلمة الثمرة أي ليس في ثمرة النخل صدقة حتى تبلغ خمسة أوساق فيكون الظاهر منه ثبوت الزكاة في ثمرة النخل إذا قدرت تمرا، و تقدير التمرية يستفاد من بلوغ خمسة أو ساق لان الوسق كما عرفت هو حمل الإبل، و ما يجعل في الحمل هو التمر غالبا لا الرطب فهو كقولك ان هذا الزرع الأخضر فيه كذا و كذا حملا اى انه على مقدار لو صار جافا لكان كذا و كذا حملا، فقوله في ثمرة النخل صدقة إذا بلغت جافها خمسة أوساق حكم بثبوت الصدقة فيها حين كونها ثمرة إذا كان مقدارها ما تبلغ جافها خمسة أوساق، هذا بالنسبة إلى قوله (عليه السلام) ليس في النخل صدقة، و ان يكون قوله (عليه السلام) زبيبا حالا مقدرة حتى يصير المعنى و العنب مثل ثمرة النخل اى فيه الزكاة لو كان مقداره ما يبلغ خمسة أو ساق إذا صار زبيبا فيكون في حال العنبية متعلق الزكاة إذا فرض كونه عند الزبيبية خمسة أو ساق، و صحيح سعد بن سعد عن مولانا الرضا (عليه السلام) و فيه هل على العنب زكاة أو انما تجب إذا صيره زبيبا قال (عليه السلام): نعم إذا أخرصه اخرج زكوته فان زمان الخرص كما عرفت عن المعتبر مقدم على زمان الزبيبية، و يتم المطلوب في غير العنب لعدم القول بالفصل بينه و بين غيره، و صحيح الأخر لسعد عنه (عليه السلام) و فيه عن الزكاة في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب متى يجب على صاحبها الزكاة؟ قال (عليه السلام) إذا صرم و إذا خرص، بناء على ان يكون المراد من قوله (عليه السلام) إذا صرم قابلية الصرام للأكل لا لجعلها زبيبا فيتحد زمان الصرام حينئذ مع زمان الخرص، و ذهب المحقق (قده) في الشرائع و المعتبر و النافع الى ان وقت تعلقها بالغلات ما يسمى حنطة أو شعيرا أو تمرا أو زبيبا، و عن المنتهى انه حكاه عن والده و استدل له كما في الجواهر بتعلق الوجوب في أكثر النصوص على اسم الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب الغير الصادق الأعلى الجاف منها، و دعوى صدقه قبل الجفاف عليها ممنوع، و لو سلم فإنما هو في الحنطة و الشعير دون التمر و الزبيب لوضوح عدم صدق الزبيب على‌

12

العنب فضلا على الحصرم، و كذا التمر على الرطب فضلا على البسر و ان قيل بصدقه على البسر، و حكى عن بعض أخر من مغايرته مع البسر، بل عن المصباح ان التمر هو اليابس من ثمر النخل بإجماع أهل اللغات، و حكى المصنف (قده) عن جماعة الى ان المدار في الحنطة و الشعير و التمر صدق أسمائها، و في الزبيب صدق اسم العنب، و هذا قول ثالث يفصل بين الحنطة و الشعير و التمر و بين الزبيب باعتبار صدق اسم الثلاثة في الأول فيكون فيه موافقا مع القول الثاني، و كفاية صدق العنب في الأخير فيكون فيه مخالفا مع القولين لكفاية صدق الحصرم في تعلق الزكاة به على القول الأول، و اعتبار كونه زبيبا على القول الثاني، فكفاية كونه عنبا مخالف مع القولين، و لم يظهر لي القائل بهذا التفصيل، و ان حكاه المصنف عن جماعة الا ان الشهيد (قده) حكى عن ابن الجنيد و المحقق انهما يشترطان التسمية عنبا و تمرا من غير تعرض للحنطة و الشعير، و كيف كان فلعل الدليل على هذا القول اما بالنسبة إلى الحنطة و الشعير و التمر فلما استدل به للقول الثاني من اعتبار صدق الاسم على وجه الحقيقة، و اما بالنسبة إلى كفاية العنب في الزبيب، فللخبرين المتقدمين في أدلة القول الأول أعني صحيح سليمان بن خالد و صحيح سعد بن سعد الواردين في العنب مع المنع عن عدم القول بالفصل.

و التحقيق في المسألة ان يقال اما أدلة القول الأول فأكثرها لا يخلو عن النظر بل المنع، اما دعوى صدق الحنطة و الشعير بمجرد اشتداد الحب فهي ممنوعة أولا، و لو سلم فإثبات تعلق الزكاة بهما في تلك الحالة أعني حالة الاشتداد يعمومات أدلة الزكاة ممنوع بدعوى انصراف تلك الأدلة عن الحبين في تلك الحالة ثانيا، و بالمنع عن إطلاق التمر على البسر عرفا بل لغة ثالثا، و المنع عن إجماع المركب و عدم القول بالفصل بين الحبين و بين التمر و الزبيب رابعا، و اما دعوى ان ذلك مقتضى عمومات الدالة على وجوب الزكاة فيما سقته السماء ففيها ان تلك الاخبار تدل على ان ما تجب فيه الزكاة إذا كان مما سقى‌

13

بالسماء ففيه العشر، و ليست في مقام بيان وجوبها في كل ما سقى بالسماء، فالاستدلال بها لا تخلو عن الغرابة فلا بد في تعيين ما فيه الزكاة إلى الأدلة الدالة على وجوبها في الغلات، و اما الاخبار الدالة على جواز الخرص فالإنصاف انها لا تخلو عن الدلالة و ان ناقش فيها صاحب الجواهر (قده) بأنه لعل المراد بالخرص الكناية عن تصييره زبيبا لانه لا يخرص عادة إلا إذا أريد بقائه للزبيبية إلا إذا أراد صرمه عنبا انتهى، لكنه ضعيف جدا، لان جعل الخرص كناية عن تصيير العنب زبيبا مما لا يجده الطبع السليم مناسبا، اللهم الا ان يمنع عن كون وقت الخرص هو زمان بدو الصلاح بادعاء إمكانه حين جفاف الثمار و هي يعد على الشجر، و لا يورد عليه بأنه عند الجفاف مكيل أو موزون فلا يحتاج الى الخرص لأنها ما دامت على الشجرة يتصور فيها الخرص الا ان هذا يتم في التمر لأنها تجف على الشجرة دون العنب الذي يصير زبيبا بعد الانصرام، و اما الاخبار الخاصة المستدل بها للقول الأول، اما الأول منها اعنى به صحيح سليمان بن خالد فالإنصاف عدم ظهوره في الدلالة على القول الأول، اما قوله (عليه السلام) ليس في النخل صدقة فالظاهر منه بقرينة ما بعده اعنى قوله حتى تبلغ خمسة أو ساق و قرينة الأخبار الأخر المصرحة بلفظ التمر التي تكاد ان تبلغ حد التواتر هو ارادة التمر لا الثمرة، فتقدير الثمرة الذي يحتاج معه الى تقدير فرض تمر فيها تكلف لا يصير اليه قطعا و منه يظهر ظهور الذيل أيضا في إرادة البلوغ زبيبا بالفعل لا انه يقدر و يفرض زبيبا، و اما الصحيح الأول لسعد بن سعد ففيه انه مقصور في العنب، و دعوى فتميم القول فيما عداه لعدم القول بالفصل ممنوعة أو لا ينقل التفصيل عن ابى على، و مال إليه في المدارك حيث انه بعد ذكر الدليل على القول الأول قال اما الدليل الأول و هو الذي حكاه عن منتهى العلامة بأنه قد ورد وجوب الزكاة في العنب إذا بلغ خمسة أو ساق زبيبا فلا بأس به لكنه انما يدل على تعلق الوجوب بالعنب كما هو المنقول عن ابن الجنيد و المصنف لا على تعلق الوجوب به من حين انعقاد الحصرم، و قد ورد بذلك روايتان ثم ذكر صحيح سعد بن سعد، و صحيح سليمان خالد ثم قال و الروايتان معتبرة الإسناد، بل الظاهر صحتهما‌

14

فيتعين العمل بهما انتهى. و ظاهره تعين العمل بالروايتين في موردهما و هو العنب، فيكون قائلا أو مائلا بالتفصيل.

و ثانيا ان المتحقق في المقام هو عدم القول بالفصل و هو غير قادح في الفصل، و انما المضربة هو القول بعدم الفصل كما حقق في الأصول و هو غير متحقق.

و ثالثا ان المستفاد من الخبر هو تحديد زمان الإخراج و اتحاده مع زمان الوجوب مع انهم يقولون بتأخر زمانه عن زمان الوجوب، فيمكن حينئذ ان يكون قوله (عليه السلام) نعم تقريرا لقول السائل أو انما تجب إذا صيره زبيبا، و يكون المراد من قوله إذا أخرصه إحرازه يعني و اللّه اعلم، نعم تجب الزكاة إذا صير.

زبيبا فإذا أحرزه و جمعه اخرج، و على هذا يكون الخبر دليلا على القول الثاني، لكنه يبعده مخالفته لظاهر الخرص و لم أر من يذكر هذا الاحتمال في هذا الخبر، و لعله للبعد المذكور، و احتمل في الجواهر كون الحرص بالحاء المهملة من حرص الرعي إذا لم يترك منه شي‌ء و جعله كناية عن صيرورة العنب زبيبا بالكلية، و أورد على الشيخ الأكبر في رسالة الزكاة بأنه مع كونه خلاف المضبوط في كتب الرواية و الفتوى ان هذه الكناية في غاية البشاعة عند الطبع السليم، و اما الصحيح الأخر فقيل انه مجمل لظهوره في اتحاد زمان الصرام و الخرص مع ظهور اختلاف زمانها حيث ان زمان الخرص كما عرفت هو عند بدو الصلاح، و زمان الصرام هو عند الجفاف فلا بد من التصرف في الخرص أو في الصرام إما بإرادة زمان الصرام للأكل لكي يكون متحدا مع زمان الخرص، أو بإرادة الخرص حين صيرورة الثمرة جافا على الشجرة، أو بقرائته بالحاء المهملة كناية عن الصرام بالكلية لكي يصير متحدا مع زمان الصرام، و جعل الشيخ الأكبر (قده) الأول أعني إرادة قابلية الصرام للأكل أظهر، و قال بان الخبر حينئذ يكون من أدلة المشهور. (أقول) و الأظهر عندي إبقاء إذا صرم و إذا‌

15

اخرص على ظاهرهما مع اختلافهما زمانا لكن على طريق اللف و النشر بجعل قوله (عليه السلام) إذا صرم وقتا لوجوب الزكاة في الحنطة و الشعير و التمر، و قوله (عليه السلام) و إذا اخرص بيانا لوقت وجوبها في الزبيب، فيكون الخبر دليلا على التفصيل بين الثلاثة الاولى و بين الزبيب، فكون وقت الوجوب في الثلاثة الاولى هو زمان صدق الحنطة و الشعير و التمر الذي هو بعد تحقق الجفاف، و في الزبيب هو زمان صيرورته عنبا، و لم أر من يتعرض لهذا الاحتمال في الخبر، و كيف ما كان فهذا القول من حيث الدليل لا يخلو عن قوة، لكن مراعاة الاحتياط و عدم مخالفة المشهور حسن لا ينبغي ان يترك بل الأحوط كما ذكره المصنف (قده) مراعاة الاحتياط مطلقا إذ قد يكون القول الثاني أوفق بالاحتياط.

و تفصيل ذلك يحتاج الى بيان الثمرة بين القولين و قد ذكروا لها مواضع (منها) عدم جواز تصرف المالك في الغلات بعد الانعقاد في الحبين، و الاحمرار و الاصفرار في النخل، و انعقاد الحصرم في الكرم حتى يقدرها، و يضمن المقدار الواجب على قول المشهور دون الأخير، و بالنسبة الى هذه الثمرة يكون القول المشهور أوفق بالاحتياط.

و (منها) لو نقلها الى غيره بعد ذلك فعلى المشهور تجب الزكاة على الناقل لتعلق الوجوب عليها و هي في ملكه، و على القول الأخر تجب على المنقول عليه، فالاحتباط هو إخراج الزكاة على الناقل أخذا باحتمال كون زمان التعلق موافقا مع قول المشهور و المنقول إليه أخذا باحتمال كون زمانه موافقا مع القول الأخر، فيكون الاحتياط مع القول الأخر في إخراج المنقول اليه و ان كان مع موافقة القول المشهور في إخراج الناقل.

و (منها) لو مات المالك بعد انعقاد الحب و بدو الصلاح و عليه دين مستغرق تجب إخراج الزكاة من ماله على القول المشهور دون القول الأخر، و بالنسبة الى هذه الثمرة يكون أخذ الديان تمام التركة بإزاء دينهم مخالفا مع الاحتياط كما‌

16

ان إخراج الزكاة و تقديم الزكاة على الدين بتقديم قول المشهور المستلزم لتفويت حق الديان أيضا مخالف مع الاحتياط، فلا بد في الاحتياط من رعاية حق الديان أيضا، فيكون قول الأخر أوفق بالاحتياط بالنسبة إلى حق الديان.

و (منها) الأنواع التي لا يصلح للزبيب و التمر من العنب و الرطب تجب فيها الزكاة على القول المشهور، و لا تجب على القول الأخر، و هذه الثمرة مما يكون القول المشهور بالنسبة إليها أوفق بالاحتياط، فظهر انه بالنسبة الى بعض الثمرات يكون القول الأخر أوفق بالاحتياط.

[مسألة 2 وقت تعلق الزكاة]

مسألة 2 وقت تعلق الزكاة و ان كان ما ذكر على الخلاف السالف الا ان المناط في اعتبار النصاب هو اليابس من المذكورات فلو كان الرسب منها بقدر النصاب لكن ينقص عنه بعد الجفاف و اليبس فلا زكاة.

اعتبار كون النصاب في اليابس من المذكورات بناء على القول الثاني من الأقوال المذكورة أعني كون المدار في زمان الوجوب على صدق اسم الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب واضح لاتحاد زمان التعلق مع صيرورة هذه الأشياء يابسة، و اما على القول المشهور أو قول المصنف (قده) من اعتبار صدق الاسم في الحنطة الشعير و التمر و صدق اسم العنب في الزبيب فزمان التعلق متقدم على زمان الجفاف، و تكون العبرة في النصاب بلوغ المذكورات يابسة بقدره، و يدل عليه صحيح سعد المتقدم الذي فيه قوله (عليه السلام) و العنب مثل ذلك حتى تبلغ خمسة أو ساق زبيبا بناء على ما تقدم في تقريب الاستدلال من كون زبيبيا حالا مقدرة كما عرفت، و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في هذه المسألة أصلا.

[مسألة 3 في مثل البربن و شبه من الدقل الذي يؤكل رطبا]

مسألة 3 في مثل البربن و شبه من الدقل الذي يؤكل رطبا و إذا لم يؤكل الى ان يجف يقل تمرة أو لا يصدق على اليابس منه التمر أيضا المدار فيه على تقديره يابسا و يتعلق به الزكاة إذا كان بقدر يبلغ النصاب بعد جفافه.

البربن لم يذكر فيما اطلعت عليه من كتب اللغة، نعم هو قسم من التمر‌

17

يؤكل رطبا باصطلاح الحاضر من أهل العراق، و الدقل بالتحريك قال في مجمع البحرين انه اردء التمر، و قد جاء في الحديث يقال ادقل النخل إذا صار كذلك ثم ان وجوب الزكاة فيما إذا أكل رطبا من لا أنواع التي تصلح للتمر لو أبقى و لم يؤكل ظاهر فإنه على قول المشهور و غيره تجب فيه الزكاة، و كذا في العنب الذي يصلح للزبيب لو أبقى و لم يؤكل بل و الحكم كذلك حتى فيما يقل تمره إذا لم يؤكل الى ان يجف فإنه إذا قدر يابسة و كان بقدر النصاب تجب فيه الزكاة، لصدق اسم التمر عليه، و لو قل تمره إذا كان مع قلته بقدر النصاب، و اما مع عدم صدق التمر على يابسه فعلى القول المشهور من كون زمان الوجوب هو زمان بدو الصلاح تجب فيه الزكاة، و على القول الأخر لا تجب لعدم صدق التمر الذي هو المناط في تعلق الوجوب، بل يمكن منعه على القول المشهور أيضا لاشتراط إمكان صيرورته تمرا في تعلق الوجوب على البسر، فالتمر عندهم تجب فيه الزكاة عند بسريته فما لا يمكن ان يصيرا تمرا ينبغي ان لا تجب الزكاة فيه إذا كان بسرا، اللهم الا ان يقال ان محل الزكاة هو ذوات الحنطة و الشعير و الزبيب و التمر لا أحوالها المقارنة للأسماء فلا يقدح حينئذ عدم صدق التمر عليه كما احتمله في الجواهر بالتأمل في نصوص العنب، و قال لا ينافيه اعتبار بدو الصلاح بالاحمرار و الاصفرار في ثمرة النخل ضرورة عدم الاعتناء بها قبل ذلك مع عدم الأمن من سلامتها من الآفة فهي حينئذ كبقائها طلعا انتهى، و به قال الشيخ الأكبر (قده) في رسالة الزكاة حيث يقول ان المتبادر من أدلة تعلق الزكاة بالغلات ارادة الأجناس الأربعة في مقابل الأجناس الأخر فلا تنهض لتقييد العمومات الدالة على وجوب الزكاة فيما سقته السماء بما يصدق عليه اسم الأجناس الأربع هذا، و لعل ذهاب المصنف (قده) الى وجوب الزكاة فيما لا يصدق التمر على اليابس منه مبنى على القول المشهور و الأخذ به فيما يوافق الاحتياط.

[مسألة 4 إذا أراد المالك التصرف في المذكورات]

مسألة 4 إذا أراد المالك التصرف في المذكورات بسرا أو رطبا أو حصرما أو عنبا بما يزيد على المتعارف فيما يحسب من المؤمن وجب عليه

18

ضمان حصة الفقير كما انه لو أراد الاقتطاف كذلك بتمامها وجب عليه أداء الزكاة جملة بعد فرض بلوغ يابسها النصاب.

اما جواز تصرف المالك في الغلات بسرا أو رطبا و حصرما أو عنبا فللسيرة القطعية على عدم منع المالك عن التصرف في ماله لمكان تعلق الزكاة به، و التقييد بما يزيد على المتعارف على المؤمن لجواز التصرف فيما يحسب من المؤمن لخروجه عما يتعلق به الزكاة بناء على استثناء المؤمن كما سيأتي، قال في المدارك و لم أقف للأصحاب على تصريح لمعنى الضمان هنا، هذا و ذكر المحقق الشيخ على على ان المراد به العزم على أداء الزكاة من غيره ما تعلق به التصرف و ان كان من نفس النصاب انتهى، و في البيان ليس له التصرف الا بعد ضمان ما يتصرف فيه أو الخرص فيضمن أو يضمن له الساعي انتهى، و مراده من ضمان ما يتصرف فيه هو ما ذكرناه، و من قوله فيضمن ضمان المالك لحصة الفقراء بعد الخرص، و من قوله أو يضمن له الساعي ضمان الساعي لحصة المالك فيجوز للمالك حينئذ ان يتصرف فيما تعلق به الزكاة بخلاف ما إذا جعل الساعي حصة الفقراء امانة في يد المالك فإنه ليس له حينئذ التصرف بالأكل أو بغيره كما سيأتي، و يدل على وجوب ضمان حصة المستحق إذا أراد التصرف انه لولاه لكان تصرفا فيما تعلق به حق الغير بغير اذنه فلا يجوز، و اما مع الضمان فلسلطنة المالك على إخراج الزكاة من غير النصاب فريضة، و من غير الجنس قيمة، فله التصرف فيه مع العزم و على أداء الزكاة من غيره، و لو أراد الاقتطاف بسرا أو رطبا أو حصرما أو عنبا كان له ذلك، و يجب عليه أداء الزكاة حينئذ بعد فرض بلوغ يابسها النصاب من عين ما اقتطفه أو من مال أخر، و لا يخفى ان وجوب الزكاة في المذكورات إذا تصرف المالك فيها بالاقتطاف أو بغيره بسرا أو رطبا أو حصرما أو زبيبا مبنى على مذهب المشهور من كون زمان التعلق هو الاشتداد في الحب و بدو الصلاح في الكرم و النخل، و اما على القول الأخر فينبغي القول بالسقوط كما تسقط لو تصرف فيها طلعا قطعا، قال في المبسوط و متى أراد رب الثمرة قطعها قبل بدو صلاحها مثل الطلع لمصلحة جاز له ذلك من‌

19

غير كراهة، و يكره له ذلك فرارا من الزكاة، و على الوجهين معا لا تلزمه الزكاة انتهى، و مثله قال في البيان، و فرع صاحب الجواهر (قده) في النجاة وجوب ضمان حصة الفقير عند ارادة التصرف على القول المشهور، فقال و الأحوط ان لم يكن أقوى تعلق الزكاة في الحب عند اشتداده و في ثمرة النخل إذا أحمر أو اصفر و في ثمرة الكرم إذا انعقد الحصرم، و لكن بعد تقدير بلوغ النصاب فيها حنطة أو شعيرا أو تمرا أو زبيبا فيجب عليه حينئذ ضمان حصة الفقير ان أراد التصرف فيها بسرا أو رطبا أو حصرما أو عنبا بما يزيد على المتعارف المحسوب من المؤمن في وجه قوى انتهى، و كان على المنصف (قده) أيضا ان يتفرعه على القول المشهور، و لعل إطلاق القول فيه مبنى على المسامحة أو على التسالم على الفرع المذكور كالفرع المتقدم في المسألة السابقة.

[مسألة 5 لو كانت الثمرة مخروصة على المالك]

مسألة 5 لو كانت الثمرة مخروصة على المالك فطلب الساعي من قبل الحاكم الشرعي الزكاة منه قبل اليبس لم يجب عليه القبول بخلاف ما لو بذل المالك الزكاة بسرا أو حصرما مثلا فإنه يجب على الساعي القبول.

اما عدم وجوب القبول على المالك إذا طلب الساعي منه الزكاة قبل اليبس فلا طلاق الإجماع على جواز التأخير إلى زمان وجوب الإخراج الشامل لما إذا طلبه الساعي كما هو مقتضى تأخر زمان وجوب الإخراج عن زمان التعلق، و اما وجوب القبول على الساعي لو بذل المالك الزكاة بسرا أو حصرما فلجواز الإخراج للمالك من حين تعلق الوجوب كما يدل عليه تصريحهم بجواز مقاسمة الساعي مع المالك قبل الجذاذ، و اجزاء دفع الواجب على رؤس الأشجار، و عموم ما يدل على جواز الإخراج بعد الوجوب، و خصوص ما في صحيح سعد المتقدم من قوله (عليه السلام) إذا أخرصه اخرج زكوته، و لا يخفى تفرع هذا الفرع أيضا على القول المشهور، إذ على القول الأخر يكون الإخراج في حال البسرية أو الحصرمية إخراجا قبل تعلق الوجوب و هو غير جائز و لا مجد عن الواجب بعد وجوبه، نعم على القول الثالث يصح إخراج العنب فلو بذله المالك يجب قبوله على الساعي.

20

[مسألة 6 وقت الإخراج الذي يجوز للساعي مطالبة المالك فيه]

مسألة 6 وقت الإخراج الذي يجوز للساعي مطالبة المالك فيه و إذا أخرها عنه ضمن عند تصفية الغلة و اجتذاذ التمر و اقتطاف الزبيب فوقت وجوب الأداء غير وقت التعلق.

المراد بوقت الإخراج هو الوقت الذي إذا أخرت الزكاة عنه مع التمكن من إخراجها تصير مضمونة، و الذي يسوغ للساعي فيه مطالبة المالك بالإخراج لا الوقت الذي لا يجوز تقديم الزكاة عليه كما عرفت في المسألة المتقدمة، و قد ادعى العلامة في محكي المنتهى اتفاق العلماء كافة على ان وقت الإخراج في الحبوب بعد التصفية و في التمر بعد التشميس و الجفاف، و عي التذكرة انه لا تجب الإخراج حتى تجد الثمرة و شمّس و تجفف و تحصد الغلة و تصفي من التين و القشر بلا خلاف و لا إشكال في مغايرة وقت التعلق مع وقت وجوب الأداء بناء على القول المشهور، و اما على القول الأخر فالظاهر انه أيضا كذلك حيث ان وقت التعلق بناء على القول الثاني في الجميع هو وقت التسمية الصادقة قبل التصفية في الحبوب و قبل الاجتذاذ و الاقتطاف في التمر و الزبيب، و على القول الثالث وقت صيرورته عنبا في الكرم، و كيفما كان فهو مغاير مع زمان وجوب الإخراج بالمعنى المذكور في المتن كما عليه أكثر المتون لكن حكم في الروضة باتحاد وقتي الوجوب و الإخراج بناء على غير المشهور، قال (قده) في المسالك و تبعه سبطه في المدارك ان في جعل التصفية في الحبوب و الاجتذاذ و الاقتطاف في النخل و الكرم وقت الإخراج تجوز، و انما وقته عند يبس الثمرة و صيرورتها تمرا أو زبيبا، و لا يخفى انه على ما ذكراه يتحد زماني الوجوب و الإخراج و لا ينافيه توقف الإخراج على الحصاد و نحوه مما هو مقدمة للإخراج لوجوب ما هو مقدمة للإخراج حينئذ مقدمة هذا، و لكنه ينافيه دعوى الاتفاق و عدم الخلاف في عدم وجوب الإخراج في الحبوب الا بعد التصفية، و في التمر الا بعد التشميس و الجفاف، و ما في الجواهر من ان المراد عدم الوجوب لو طلب بدون الجذاذ و‌

21

الاقتطاف غير مسموع لانه خلاف الظاهر جدا كما هو واضح، و بالجملة فالأقوى ما في المتن و عليه سائر المتون، فيكون زمان الوجوب مغايرا مع زمان الإخراج على جميع الأقوال حتى على قول غير المشهور أيضا.

[مسألة 7 يجوز للمالك المقاسمة مع الساعي]

مسألة 7 يجوز للمالك المقاسمة مع الساعي مع التراضي بينهما قبل الجذاذ.

و قد صرح بذلك في غير واحد من كتب الأصحاب كالمبسوط و المعتبر و التحرير و التذكرة و الدروس، قال في مفتاح الكرامة فيعين الساعي حصة الفقراء في نخل بعينه و لا حجر في ذلك و لو كان رطبا، لأن القسمة تمييز الحق و ليست بيعا فيمنع من بيع الرطب بمثله على راى من منع انتهى.

[مسألة 8 يجوز للمالك دفع الزكاة و الثمر على الشجر]

مسألة 8 يجوز للمالك دفع الزكاة و الثمر على الشجر قبل الجذاذ منه أو من قيمته.

و قد تقدم في المسألة السادسة ان وقت الإخراج و ان كان بعد التصفية في الحبوب، و بعد الاجتذاذ و الاقتطاف في النخل و الكرم، الا ان معناه جواز التأخير الى هذا الوقت لا عدم جواز التقديم عليه، فيجوز للمالك دفع الزكاة و لو كان الثمر على الشجر، سواء دفعه منه فريضة، أو من غيره قيمة و هذا ظاهر.

[مسألة 9 يجوز دفع القيمة حتى من غير النقدين]

مسألة 9 يجوز دفع القيمة حتى من غير النقدين من اى جنس كان بل يجوز ان تكون من المنافع كسكنى الدار مثلا و تسليمها بتسليم العين الى الفقير.

و قد تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة الخامسة من المسائل المذكورة في فصل زكاة الأنعام الثلاثة مفصلا فراجع.

[مسألة 10 لا تتكرر زكاة الغلات بتكرر السنين]

مسألة 10 لا تتكرر زكاة الغلات بتكرر السنين إذا بقيت أحوالا فإذا زكى الحنطة ثم احتكرها سنين لم يجب عليه شي‌ء و كذا التمر و غيره.

قال في الجواهر إجماعا بقسميه مضافا الى اقتضاء الأمر بالطبيعة ذلك، و في المعتبر ان عليه اتفاق العلماء سوى الحسن البصري، و يدل عليه من الروايات خبر زرارة و عبيد عن الصادق (عليه السلام) قال ع: أيما رجل كان له حرث أو ثمرة فصدقها‌

22

فليس عليه فيه شي‌ء و ان حال عليه الحول عنده الا ان يحوّله مالا فان فعل فحال عليه الحول عنده فعليه ان يزكيه و الا فلا شي‌ء عليه و ان ثبت ذلك ألف عام إذا كان بعينه قائما و ان عليه صدقة العشر فإذا أداها مرة واحدة فلا شي‌ء عليه فيها حتى يحوله مالا و يحول عليه الحول و هو عنده.

[مسألة 11 مقدار الزكاة الواجب إخراجه في الغلات]

مسألة 11 مقدار الزكاة الواجب إخراجه في الغلات هو العشر فيما سقى بالماء الجاري أو بماء السماء أو بمص عروقه من الأرض كالنخل و الشجر بل الزرع أيضا في بعض الأمكنة، و نصف العشر فيما سقى بالدلو و الرشاء و النواضح و الدوالي و نحوها من العلاجات، و لو سقى بالأمرين فمع صدق- الاشتراك في نصفه العشر، و في نصفه الأخر نصف العشر، و مع غلبة الصدق لأحد الأمرين فالحكم تابع لما غلب، و لو شك في صدق الاشتراك أو غلبة صدق أحدهما فيكفي الأقل و الأحوط الأكثر.

في هذه المسألة أمور (الأول) كلما من الغلات سقى بالماء الجاري أو بماء السماء أو بمص عروقه من الأرض و بعبارة جامعة ما لا يحتاج في ترقية الماء إلى الأرض فيها الى آلة من دولاب و نحوه ففيه العشر، و كل ما سقى بالدلو و الرشاء و النواضح و يحتاج في إرسال الماء إليه الى آلة فقيه نصف العشر، و يدل عليه مضافا الى عدم الخلاف فيه بيننا بل في الجواهر الإجماع بقسميه عليه، بل في المعتبر نسبته إلى إجماع العلماء، و عن بعض إلى إجماع المسلمين، صحيح زرارة و بكير عن الباقر (عليه السلام) قال ع في الزكاة: ما يعالج بالرشاء و الدلاء و النضح ففيه نصف العشر و ان كان يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو بعل ففيه- العشر كاملا، و صحيحه الأخر عنه (عليه السلام) أيضا و فيه: ما أنبتت الأرض من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب ما بلغ خمسة أو ساق و الوسق ستون صاعا فذلك ثلاث مأة صاع ففيه العشر و ما كان منه يسقى بالرشا و الدوالي و النواضح فقيه نصف- العشر و ما سقت السماء أو السيح أو كان بعلا ففيه العشر، و نحوهما غيرهما من- النصوص، و المراد بالسيح الجريان على وجه الأرض سواء كان قبل الزرع كالنيل و الفرات، أو بعده، و البعل ما يشرب بعروقه في الأرض التي تقرب من الماء،

23

و العذي بالعين المهملة و الذال المعجمة ما سقته السماء، و الدوالي جمع دالية و هي الناعورة، و النواضح جمع ناضح و هو البعير يستسقى عليه، و الرشا الدلو، و لا يخفى انه إذا كان المدار في العشر و نصفه على الاحتياج في إرسال الماء إلى الأرض إلى الإله و عدمه فلا عبرة بما يعمل في اسقاء الأرض من حضر القنوات و الأنهار و السواقي و تنقيتها و نحوها و ان كثرت مؤنتها، لعدم اعتبار الشارع شيئا من ذلك كما يدل عليه التعبير في الصحيح الأول بالعلاج في قوله ع و ان كان يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو بعل كما هو واضح. (فان قلت) بناء على كون وجوب الزكاة بعد إخراج المؤنة التي منها أجرة الساقي و قيمة الآلات و العوامل و تفاوت نقصها لا تفاوت بين ما كثرت مؤنته أو قلت فما الوجه في وجوب العشر في أحدهما و نصفه في الأخر.

(قلت) قد أجيب عنه بوجوه أحسنها ما عن المحقق في المسائل الطبرية من ان أحكام الشرع تعبدية متلقاة من الشارع لا يعرف كثير من حكمها، و لا يحسن السؤال عن لميتها بعد قيام الدليل على إثباتها، هذا مع كون استعمال الاجراء على السقي و الحفظة و أشباه ذلك كلفة متعلقة بالمالك زائدة على بذل الأجرة يناسبها التخفيف على المالك، و عن التذكرة ان في السقي مع العلاج يحتاج الى تقديم المؤنة، و في تقديمها كلفة زائدة عن أصل المؤنة فناسبها الإرفاق، و في الجواهر ان الغالب في ذلك الزمان علاجهم بأنفسهم الغير المحسوب من المؤنة فناسب الإرفاق ان الحاصل مما يزرع بالعلاج أقل مما لا يحتاج اليه فهو أيضا يناسب التخفيف، و عن بيان الشهيد إسقاط مؤنة السقي و عدم إخراجها لأجل نصف العشر دون ما عداها، و لقد استراح صاحب المدارك (قده) عن تكلف الدفع باختياره عدم استثناء المؤنة رأسا فقال الاشكال مرتفع من أصله، (الأمر الثاني) لو سقى بالأمرين جمع صدق الاشتراك سواء تساويا أو كان أحدهما أكثر لكن بحد لا يضر معه صدق الاشتراك في نصفه العشر و في نصفه نصفه فيخرج ثلاثة أرباع العشر بلا خلاف في ذلك، بل عليه الإجماع و يدل عليه من الاخبار حسن ابن شريح عن الصادق (عليه السلام) و فيه فيما سقت السماء و الأنهار أو كان بعلا العشر، و اماما سقت السواني و الدوالي نصف العشر، قلت‌

24

له فالأرض تكون عندنا تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء فتسقى سيحا قال ان ذلك ليكون عندكم كذلك، قلت نعم، قال النصف و النصف نصف بنصف العشر و نصف بالعشر، فقلت الأرض تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء فتسقى السقية و السقيتين سيحا، قال ع كم تسقى السقية و السقيتين سيحا قلت في ثلاثين و أربعين ليلة و قد مضت قبل ذلك ستة أشهر أو سبعة أشهر، قال نصف العشر انتهى، و السواني جمع سانية و هي الناقة التي يسقى عليها، هذا و لكن صرح المحقق المجلسي (قده) في زاد المعاد بأنه لو سقى بالأمرين مع الاشتراك يكون فيه جزء من خمسة عشر جزء، قال المحقق القمي (قده) في الغنائم و لم اعرف وجهه، أقول و لعله اشتباه في الحساب بتخيل ان نصف العشر و ربعه يصير جزء من خمسة عشر جزء.

(الأمر الثالث) لو سقى بالأمرين مع غلبة الصدق لأحدهما فالحكم تابع لما غلب بلا خلاف فيه أيضا في الجملة، بل ادعى عليه الإجماع في المحكي عن الغنية و ظاهر التذكرة مضافا الى ذيل خبر ابن شريح المتقدم حيث حكم فيه بنصف العشر إذا كان السيح سقية أو سقيتين و بالدوالي ستة أشهر أو سبعة أشهر، و في تعبير المصنف (قده) بغلبة الصدق و قابلية الحكم لما غلب في الصدق لا الأكثرية إشارة الى ما هو التحقيق (في المقام)، و تفصيل ذلك ان الأصحاب (قدس اللّه أسرارهم) عبّروا بأنه لو اجتمع الأمران كان الحكم للأكثر، ثم اختلفوا في المدار على الأكثرية على أقول ثلاثة، فمنهم من اعتبرها بالعدد فما كان أكثر عددا فالحكم له و لو كان أقل زمانا أو نفعا و نموا، فلو سقى ثلاث مرات السيح و اربع بالدالية مثلا يجب فيه نصف عشر، سواء تساوى زمانهما أم اختلف، كان زمان السيح مع الاختلاف أكثر أو أقل، و سواء تساوى في النفع و النمو أم اختلفا، كان السقي بالسيح مع الاختلاف انفع و أنمى أو السقي بالدالية، و قد نسب إلى الأكثر و استدل له كما عن مجمع البرهان بظاهر خبر ابن شريح المتقدم، و بان المؤنة انما تكثر بسبب ذلك، و لعلها الحكمة في اختلاف الواجب و بان الكثرة حقيقة في الكم المنفصل و هو هنا عدد السقيات لا في المنفصل و هو الزمان.

25

و منهم من اعتبرها بالزمان فلو شرب في ثلاثة أشهر مرة بالدالية و في شهرين ثلاث مرات مثلا بالسيح يجب نصف العشر و لو كان عدد السيح اكثرا و أنمى و انفع، و استدل له بظاهر الخبر المذكور أيضا.

و منهم من اعتبر بالنفع و النمو فما كان أكثر نفعا و نموا فالحكم له و لو كان أقل عددا و زمانا، و استدل له كما عن التذكرة باقتضاء ظاهر النص ان النظر إلى مدة عيش الزرع و نمائه أ هو بأحدهما أكثر أو لا، و قربه في مفتاح الكرامة بتطويل طويل لا حاجة الى نقله فليراجع اليه، و صاحب الجواهر (قده) استنبط من النص و الفتوى كون المدار على غلبة صدق الاسم فما يصدق معه كون الزرع مما يسقى سيحا أو عذبا أو بعلا ففيه العشر، و ما يصدق معه كونه مما يسقى بالعلاج ففيه نصف العشر سواء كان منشأ الصدق كونه أكثر زمانا أو عددا أو نفعا و نموا، و سواء كان الطرف المقابل الذي لا يصدق عليه الاسم أكثر كذلك أو لا، فالمدار حينئذ على غلبة صدق الاسم، فيكون المراد بالتساوي ما لا يتحقق معه الاسم و لا خلافه بل يصدق كونه يسقى بهما معا، و المصنف (قده) تبع ما في الجواهر، فقال بأنه لو سقى بالأمرين فمع صدق الاشتراك في نصفه العشر و في نصفه الأخر نصف العشر، و مع غلبة الصدق لأحد الأمرين فالحكم تابع لما غلب و لم يجعل المدار على الأكثرية لكي يحتاج الى البحث في معيارها و انه هل العبرة فيها بالزمان أو بالعدد أو بالنفع و النمو، هذا و جعل الشيخ الأكبر (قده) المدار في الأكثرية على التعدد مستظهرا له من النص و الفتوى في إناطة الفرق بين العشر و نصفه بالكلفة و عدمها و هما تدوران مع العدد، ثم قال و هل يكفى مجرد الأكثرية الحقيقية الحاصلة بزيادة واحدة أم العرفية الشائعة للمقامات، أم العبرة بالكثرة الملحقة للنادر بالمعدوم وجوه، من صدق الأكثر حقيقة بزيادة الواحدة و من انصراف الفتاوى و معاقد الإجماعات إلى الكثرة العرفية و: من ان عمدة الدليل هو النص و المتيقن منه الأكثرية بالمعنى الأخير حكى الأول عن ظاهر إطلاق المعظم و مختار المقدس الأردبيلي في ظاهر كلامه المحكي هو الثاني، و ظاهر بعض مشايخنا‌

26

المعاصرين الثالث، و خير الأمور أوساطها انتهى.

(أقول) اما استظهار الكثرة العديدة من النص و الفتوى فهو بعيد، لان الظاهر من فتاوى الأكثر هو الأكثر نفعا و نموا، و ان الظاهر من النص هو الكثرة بحسب الزمان كما استظهره منه في المسالك، و حمله في رسالة الشيخ الأكبر على ما هو الغالب من ان أكثرية الزمان علامة أكثرية العدد فالاستفصال في الحقيقة عن عدد سقيات الدوالي بعيد كما ان حمله على الأكثرية بالنفع و النمو أيضا بعيد، و ان تكلف فيه في مفتاح الكرامة في عبارة طويلة، و حكاها بطولها في الجواهر، و اما ترديده (قده) في كفاية مجرد الأكثرية الحقيقية أو كون المدار على العرفية أو على الكثرة الملحقة للنادر بالمعدوم، ثم نسبة الأول إلى إطلاق المعظم و الثاني إلى المقدس الأردبيلي و الأخير الى بعض مشايخنا ثم اختياره الثاني بعد جعل المدار في الأكثرية على العدد الظاهر في كون مصب هذه الاحتمالات و الأقوال هو بعد جعل المدار فيها على العدد فما لم يظهر وجه له، كيف و المحكي عن الأردبيلي جعل المدار في الأكثرية على العدد و استظهاره من الرواية و لم ينسب اليه جعل الأكثرية العرفية مدارا في الأكثرية العددية، و المختار عند بعض مشايخه المعاصر له ان كان مراده منه صاحب الجواهر في الأكثرية على النمو و النفع بعد إرجاعه إلى غلبة الصدق كما عرفت و بالجملة فما افاده (قده) لا يخلو من النظر فتأمل فيه لكي يظهر لك حقيقة مرامه (قده)، و لا يخفى ان ما افاده الجواهر و عليه المصنف في المتن هو الأقوى و عليه المعول.

(الأمر الرابع) لو شك في صدق الاشتراك أو غلبة صدق أحدهما ففي إلحاقه بما يصدق فيه الاشتراك فيخرج ثلاثة أرباع العشر، أو يجب فيه الاحتياط بإخراج العشر أو يكتفى بالأقل فيخرج نصف العشر وجوه صرح بالأول في القواعد و البيان و الروضة و المسالك و المدارك، و حكى عن التذكرة و المنتهى و الإرشاد و غيرها من الكتب، و استدل له في الروضة بالعلم بتأثير الأمرين، و يكون الشك في التفاضل‌

27

و الأصل عدمه، و في الذخيرة و مفتاح الكرامة انه يمكن استخراجه من الرواية، و حكى في مفتاح الكرامة عن أستاده كاشف الغطاء (قده) ان إطلاق الكثيرة يعضده.

(أقول) اما التمسك بأصالة عدم التفاضل فقيه انها غير جارية لعدم العلم بحالته السابقة على نحو مفاد ليس الناقصة أعني بعد تحقق الأمرين لم يكن عدم التفاضل معلوما فيشك فيه حتى يستصحب، و العلم بحالته السابقة على نحو مفاد ليس التامة أعني عدم التفاضل قبل تحقق الأمرين و ان كان معلوما الا انه لا ينفع في الاستصحاب إذا الأثر مترتب على عدمه في حال تحقق الأمرين الذي هو مفاد ليس الناقصة، و استصحاب عدمه في حال عدم الأمرين الذي هو مفاد ليس التامة لا يثبت اثر عدمه الذي هو مفاد ليس الناقصة الا على القول بالأصل المثبت، مضافا الى ان الأثر في المقام مترتب على التساوي، و بأصالة عدم تفاضل كل واحد من الأمرين على الأخر لا يثبت التساوي الا على القول بالأصل المثبت فيكون هذا الأصل من الأصول المثبتة من جهتين، و اما استخراجه من الرواية كما في الذخيرة و مفتاح الكرامة فلعل تقريبه ان المستفاد من خبر معاوية بن شريح المتقدم في الأمر السابق هو كون المناط في وجوب إخراج العشر غلبة صدق السقي بغير علاج كالسيح و نحوه، و مناط وجوب نصف العشر غلبة صدق السقي بالعلاج، و مع الشك في الأغلب و تيقن تأثير الأمرين يجب الحكم بهما معا لأنه إذا وجد الأمران المقتضي لوجوب إخراج العشر و نصفه يجب الحكم بتحقق مقتضاهما و يكون أشبه شي‌ء بالجمع بالتنصيف في المال الذي عليه يد كل من شخصين و يخرج كل منهما عند الاجتماع عن كونه سببا تاما و يصير نصف السبب و يكونا معا مجتمعين سببا فيؤثران في مقتضاهما على هذه النسبة فيجب ثلاثة أرباع العشر كما في صورة التساوي، هذا و لا يخفى ما فيه لأن التأثير في وجوب إخراج ثلاثة أرباع العشر كان متوقفا على التساوي، و عند الشك فيه كما لا يحكم بتأثير أحد الأمرين للشك في غلبته لا يمكن الحكم بتأثيرهما معا أيضا للشك في التساوي، و احتمال كون أحدهما‌

28

نادرا ملحقا بالمعدوم و القطع بتأثيرهما معا في الجملة لا ينفع مع احتمال كون أحدهما نادرا ملحقا بالمعدوم لا سيما مع كون المدار على الغلبة التي يلحق معها الطرف الأخر بالمعدوم كما هو واضح، فالاستخراج من الخبر بما ذكر من التقريب مقدوح لا جدوى معه، و اما ما افاده فقيه عصره من الاعتضاد بإطلاق الأخبار الكثيرة فشي‌ء لم نتحققه إذ لم أقف على خبر أخر في المقام عدا خبر ابن شريح المتقدم لكي نرى فيه الاعتضاد لما ذكره، و المختار عند صاحب الجواهر (قده) هو الأخير كما اختاره المصنف أيضا و احتمله في البيان و هو الأقوى لأصالة البراءة عن وجوب إخراج الزائد عن الأقل، و اما وجوب الاحتياط بإخراج العشر فهو محكي عن بعض العامة كما في الذخيرة، و حكاه عن آخرين في مفتاح الكرامة، و لا ريب في حسنه لأنه احتياط الا انه لا دليل وجوبه بعد كون المقام موردا للبراءة من نقلها و عقلها كما لا يخفى.

[مسألة 12 لو كان الزرع أو الشجر لا يحتاج إلى السقي بالدوالي]

مسألة 12 لو كان الزرع أو الشجر لا يحتاج إلى السقي بالدوالي و مع ذلك سقى بها من غير ان يؤثر في زيادة الثمر فالظاهر وجوب العشر و كذا لو كان سقيه بالدوالي و سقى بالنهر و نحوه من غير ان يؤثر فيه فالواجب نصف العشر.

قال في محكي كاشف الغطاء لو سقى البعل أو العذي بالدوالي عفوا من غير تأثير لزم العشر و بالعكس.

(أقول) مع كون المناط غلية صدق أحد الأمرين من السقي بعلاج أو بغيره ينبغي صرف النظر عن التأثير في زيادة الثمر و عدمه، بل الصواب ان يجعل المدار على الغلبة اعنى غلبة الصدق فمعها يلحقه حكمها، و مع صدق الاشتراك يتبعه حكمه، و مع الشك يتبع حكم الشك.

[مسألة 13 الأمطار العادية في أيام السنة لا تخرج ما يسقى بالدوالي عن حكمه]

مسألة 13 الأمطار العادية في أيام السنة لا تخرج ما يسقى بالدوالي عن حكمه الا إذا كانت بحيث لا حاجة معها إلى الدوالي أصلا أو كانت بحيث توجب صدق الشركة فحينئذ يتبعها الحكم.

29

قال في الجواهر موافقا لما في مفتاح الكرامة، و من المعلوم انه لا عبرة بالأمطار العادية في أيام السنة و الا لم يبق ما يجب فيه نصف العشر، نعم لو اتفق حصول الاستغناء بها عن العلاج بحيث ساواه أو نسب إليه جرى عليه الحكم، و في كثير من البلدان يبلغ الزرع من مجرد نزول المطر مرة أو مرتين من دون حاجة الى سقي أخر أصلا، و لعل ذلك داخل في العذي انتهى.

(أقول) و ذلك يؤيد ما ذكرناه في المسألة السابقة من كون المدار على غلبة الاسم و لا تفاوت معها في شي‌ء من ذلك أصلا.

[مسألة 14 لو اخرج شخص الماء بالدوالي على أرض مباحة]

مسألة 14 لو اخرج شخص الماء بالدوالي على أرض مباحة مثلا عبثا أو لغرض أخر فزرعه أخر و كان الزرع يشرب بعروقه فالأقوى العشر، و كذا إذا أخرجه هو بنفسه لغرض أخر غير الزرع ثم بدا له ان يزرع زرعا يشرب بعروقه بخلاف ما إذا أخرجه لغرض الزرع الكذائي، و من ذلك يظهر حكم ما إذا أخرجه لزرع فزاد و جرى على أرض أخرى.

إذا أخرج الماء عبثا أو لغرض غير الزرع فزرع به زرعا يشرب بعروقه سواء كان الزارع، هو مخرج الماء أو غيره، ففي وجوب العشر لعدم صدق العلاج للزرع خصوصا إذا كان المخرج غير الزارع، أو نصف العشر لصدق اسم كون الأرض مما سقي بالدوالي (وجهان) أقواهما الأخير لكون المدار على الاسم و الأحوط الأول لا سيما إذا كان الزارع الكذائي فزرع به زرعا أخر فلا إشكال في وجوب نصف العشر إذا كان الزارع هو المخرج و مع كونه غيره ففي وجوب العشر أو نصفه احتمالان من عدم تحمل المؤنة و من صدق كون الزرع بالعلاج، و الأقوى هو الأخير و لو أخرجه لزرع و جرى على أرض أخرى فمع اتحاد المخرج و الزارع فلا إشكال أيضا في وجوب نصف العشر، و مع اختلافهما فالأقوى أيضا هو نصف العشر، و بالجملة فالأقوى في هذه المسألة هو جواز الاكتفاء بنصف العشر في جميع صورها و ان كان الاحتياط في بعضها مما لا ينبغي تركه.

[مسألة 15 انما تجب الزكاة بعد إخراج ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة]

مسألة 15 انما تجب الزكاة بعد إخراج ما يأخذه السلطان باسم المقاسمة بل ما يأخذه باسم الخراج أيضا بل ما يأخذه العمال زائدا على ما قرره السلطان ظلما إذا لم يتمكن من الامتناع جهرا و سرا، فلا يضمن حينئذ حصة الفقراء

30

من الزائد، و لا فرق في ذلك بين المأخوذ من نفس الغلة أو من غيرها إذا كان الظلم عاما، و اما إذا كان شخصيا فالأحوط الضمان فيما أخذ من غيرها بل الأحوط الضمان فيه مطلقا و ان كان الظلم عاما، و اما إذا أخذ من الغلة قهرا فلا ضمان إذا الظلم حينئذ وارد على الفقراء أيضا.

المراد بالمقاسمة هي حصة من الزراعة يؤخذ من الزارع بعنوان ما يستحقه الأخذ عنها سواء كانت في المفتوح عنوة أو أرض صالح عليها أهلها، أو في الأنفال، و سواء كان الأخذ مستحقا واقعا كالإمام العادل و نائبه، أولا كالسلطان المخالف، و في الموافق كلام يأتي تحقيقه، و بالخراج ما يؤخذ نقدا من الأراضي المذكورة سواء كان بدلا عن الحصة أو من باب أجرة الأرض، و لا اشكال و لا خلاف ظاهرا في استثناء الأول أعني المقاسمة، و يدل عليه مضافا الى النصوص الواردة في استثنائها كصحيحة ابن مسلم و ابى بصير عن الباقر (عليه السلام) و غيرها ان المزارعة إذا وقعت على حصة من الزرع فلا يجب على الزارع الا زكاة حصته لا حصة صاحب الأرض من غير فرق في ذلك بين ما إذا كانت حصة صاحب الأرض من الزراعة يملكها حين تعلق الزكاة كسائر الشركاء في أصل الأرض إذا كان الآخذ هو السلطان الحق، أو يستولي عليها حين تعلقها بحيث لا يتمكن المالك من منعه عنها إذا كان السلطان الباطل، و بين ما إذا كانت يستحقها السلطان الحق أو يأخذها السلطان الباطل بعد تعلق الوجوب غاية الأمر على الأول تكون الحصة غير مملوكة على تقدير كون السلطان عادلا و غير متمكن من التصرف فيها لأجل الغصب على تقدير كونه جائرا لان الغصب يتحقق في المشاع أيضا، و على الثاني تعد من المؤنة على تقدير كون السلطان عادلا مستحقا، و من غصب بعض النصاب الزكوي على تقدير كونه جائرا، و كيفما كان فلا إشكال في استثنائها حتى في الصورة الثالثة التي تعد من المؤنة و ان قلنا بعدم استثناء المؤنة، و ذلك للنصوص و الإجماعات المحكية على استثناء الحصة الشاملة لتلك الصورة قطعا، و اما استثناء الخراج بالمعنى المتقدم الذي يقال عليه الخراج بالمعنى الأخص في مقابل المقاسمة فإن‌

31

قلنا باستثناء المؤنة فلا كلام في استثنائه، و الا ففي استثنائه تردد ينشأ من التردد في شمول النصوص الدالة على استثناء حصة السلطان له تارة و من التردد في صدق المقاسمة عليه اخرى فعن جامع المقاصد ان المراد بحصة السلطان خراج الأرض و قسمتها، و في الحدائق المراد بها أي بحصة السلطان ما يجعله على الأرض الخراجية من الدراهم و يسمى خارجا أو حصة من الحاصل و يسمى مقاسمة، قال في الجواهر أخذا من مفتاح الكرامة، و لعل تسمية الأول باسم الخراج، و الثاني بالمقاسمة إشارة الى ما ذكروه في التجارة من قولهم ما يأخذه السلطان الجائر من الغلات باسم المقاسمة و الأموال باسم الخراج، و في مفتاح الكرامة ما لفظه و ليعلم ان أكثر الأصحاب قالوا بعد حصة السلطان، و منهم من قال بعد الخراج، و منهم من قال بعد الخراج و حصة السلطان فيحتمل ان يكون الخراج أعم من الحصة بأن يكون المراد من الحصة هو المقاسمة أي حصة من الغلات بعنوان الشركة و الخراج ما جعله على الأراضي الخراجية من الغلة و ان لم يكن بعنوان الشركة في عين الزرع و الغلة بل يكون أعم، ثم نقل عن الصيمري ان الكل عبارة عن معنى واحد فمن اقتصر على الحصة أراد بها الخراج مطلقا سواء كان مشتركا بين المسلمين كالمفتوح عنوة أو مختصا كالأنفال، و صدق على المشترك أنه حصة لأنه الجابي و المتولي له، و من اقتصر على الخراج فقد أراد ذلك و من جمع بينهما أراد بالحصة ما اختص بالإمام، و بالخراج المشترك انتهى، و في المسالك المراد. بحصة السلطان ما يأخذه على الأرض على وجه الخراج أو الأجرة و لو بالمقاسمة سواء في ذلك العادل و الجائر انتهى، هذا ما وصل إلينا من عبارات الأصحاب، قال في الجواهر و على كل حال ظاهر النص و الفتوى انه لا زكاة الا بعد القسمين من غير فرق بين الحصة و غيرها، و فصل الشيخ الأكبر (قده) فيما خرج منه في الزكاة في الخراج بعد دعوى اختصاص الاخبار و معاقد الإجماعات بالمقاسمة و عدم الدليل على استثناء الخراج الأعلى القول باستثناء المؤنة فإنه منها بما كان منه بدلا عن الحصة و ما كان منه من باب أجرة الأرض، فقال في الأول بأنه لا بد من وضعها على تلك‌

32

الحصة فإن نقصت الحصة عنه فلا يوضع باقي الثمن على باقي الزرع لانه ليس مؤنة للزرع كله بل لحصة منه لكونه كاشتراء الحصة من الشريك، فان الثمن معدود من مؤنة المبيع دون غيره، و قال في الثاني أي ما يكون من باب أجرة الأرض بأنه يوضع على الجميع، و على التقديرين يتوقف استثنائه على استثناء المؤنة لانه منها و لا يكون بحكم المقاسمة الدال على استثنائها النص و الفتوى و لو لم نقل باستثناء المؤنة، ثم أورد على الجواهر بقوله و من هنا ظهر ما في تصريح بعض المعاصرين بان ظاهر النص و الفتوى إخراج القسمين يعنى الحصة و الخراج المأخوذ بدل الحصة.

(أقول) ليس في الجواهر تقييد الخراج بكونه بدلا عن الحصة بل ظاهره استثنائه مطلقا، و لو أخذ من باب أجرة الأرض و يكون استثنائه عنده على نحو الإطلاق لأجل النص و الفتوى لا لمكان عده من المؤنة، هذا و الانصاف تمامية ما افاده و انه الحقيق بالتصديق اما لشمول الفتوى للخراج فلما عرفت من تصريحات السنة الفقهاء كالمحقق و الشهيد الثانيين به، و اما لشمول النص له فصحيحة أبي بصير و ابن مسلم و ان كانت ظاهرة في خصوص المقاسمة إذ فيها هكذا: انما العشر عليك فيما يحصله في يدك بعد مقاسمة لك لو قلنا باختصاص المقاسمة بالحصة في مقابل الخراج الا ان في خبر صفوان و البزنطي ما يشمل الخراج أيضا، و فيه و على المتقبلين سوى قبالة الأرض العشر و نصف العشر في حصصهم، و في خبر أخر للبزنطي أيضا عن الرضا (عليه السلام) قال ذكرت له الخراج و ما سار به أهل بيته فقال: ما أخذ بالسيف فذلك الى الامام يقبله بالذي يرى و قد قبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خيبر و عليهم من حصصهم العشر و نصف العشر، فان في لفظة حصصهم و ان كانت إيماء بالاختصاص بالمقاسمة في مقابل الخراج الا ان التعبير بأرض الخراج و القبالة التي عبارة عما يؤخذ عن منافع الأرض و لو من غير زرعها يوجب شمولها للخراج الذي في مقابل المقاسمة، و بالجملة فالأقوى ما عليه في الجواهر‌

33

من استثناء المقاسمة و الخراج معا و لو لم نقل باستثناء المؤنة، ثم ان لبعض مشايخنا حاشية في المقام على المتن لم يظهر لي له وجه قال (قده) عند قول المصنف بل ما يأخذه باسم الخراج أيضا ما هذا لفظه: إذا كان مضروبا على الغلة دائرا أخذه مدار وجودها و متقدرا بمقدارها، اما إذا كان مضروبا على نفس رقبة الأملاك لا على حاصلها فليس من مؤن الزراعة و لا يحتسب إلا إذا أخذ قهرا من عين الغلة على الأقوى انتهى.

و لعل تشقيقه (قده) ناظر الى ما تقدم عن الشيخ الأكبر (قده) من جعل الخراج تارة بدلا عن الحصة، و اخرى من باب أجرة الأرض الا انه يرد عليه (قده) بمنعه عن كون الخراج من مؤنة الزراعة إذا ضرب على نفس رقبة الأملاك مع انه يذعن بان إجارة الأرض إذا كانت مستأجرة، و اجرة مثلها إذا كانت مغصوبة من المؤنة مع قوله (قده) باستثنائها قال صاحب الجواهر بعد حكايته عن التذكرة بأنه لو ضرب الامام على الأرض الخراج من غير حصته فالأقرب وجوب الزكاة في الجميع لانه كالدين ما لفظه و هو كما ترى محجوج بظاهر النص و الفتوى و لا أقل من ان يكون الخراج كاجرة الأرض التي لا كلام عندهم في انها من المؤن، انتهى، وليت شعري مع دعوى مثل هذا النحرير في الفقاهة بكون الخراج من المؤن و إذعان هذا القائل (قده) بكون أجرة الأرض من المؤن و تسليمه باستثناء المؤن كيف يسوغ له نفى كون الخراج المضروب على رقبة الملك من المؤن و الحكم بعدم احتسابه إلا إذا أخذ قهرا من عين الغلة فتبصر ثم انه لا خلاف في الحكم المذكور اعنى استثناء حصة السلطان و وجوب الزكاة فيما يبقى للزارع بعد إخراج حصة السلطان إذا بلغ ما بقي له قدر النصاب بيننا و لا بين علماء الإسلام الا من ابى حنيفة القائل بعدم وجوب الزكاة فيما يحصل من ارض الخراج، لكن قد ورد عدة من روايات يدل بظاهرها على موافقته و هي كلها فاقدة لمناط الحجية بالاعراض عنها، و لا حاجة مع ذلك الى تأويلها لعدم حجيتها لكنهم أولوها بوجوه منها حملها على ارادة عدم الزكاة فيها أخذه من الخراج لا عدمها فيما يبقى للمالك بعد أداء الخراج، و لا يخفى ان هذا الحمل و ان يتأتى في بعض من تلك الاخبار‌

34

الا انه يأباه بعض أخر.

(منها) كخبر أبي قتادة و فيه إنشاء سهل بن اليسع سهل‌آباد فسئل أبا الحسن (عليه السلام) عما يخرج منها ما عليه، فقال ع إذا كان السلطان يأخذ خراجه فليس عليك شي‌ء و ان لم يأخذ السلطان منها شيئا فعليك إخراج عشر ما يكون فيها انتهى الحديث، فان قوله ع فعليك إخراج عشر ما يكون فيها غير قابل للحمل على خصوص الحصة كما لا يخفى و (منها) الحمل على ان الخراج كان من غير الحاصل و باحتسابه من المؤن لم يبق شي‌ء تجب فيه الزكاة و لا يخفى ما فيه من البعد، و (منها) الحمل على ما إذا كان المأخوذ منهم بعنوان الزكاة بناء على جواز احتسابه زكاة كما يأتي تفصيله و هذا أيضا بعيد، و (منها) الحمل على التقية لكون سقوطها عن الأرض الخراجية مذهب أبي حنيفة و هذا ليس ببعيد، و بالجملة بعد الاتفاق في المسألة لا بد من طرح تلك الاخبار اما لعدم حجيتها بإعراض الأصحاب عنها بناء على ما هو التحقيق عندنا من كون الحجة من الاخبار هي الموثوق صدورها مطلقا و لو كان الوثوق بصدورها من الخارج الذي منه اعتماد الأصحاب من القدماء على العمل به و ان الاعراض يوجب سلب الوثوق عن صدوره الموجب لسقوطه عن الحجية بسلب ملاكها الذي هو الوثوق به، و اما لحملها على التقية هذا تمام الكلام في حكم الخراج و المقاسمة، و قال في المسالك بعد بيان المراد من حصة السلطان و انها عبارة عما يأخذه على الأرض على وجه الخراج أو الأجرة و لو بالمقاسمة سواء في ذلك العادل و الجائر ما لفظه: الا ان يأخذ الجائر ما يزيد على ما يصلح كونه أجرة عادة فلا يستثنى الزائد، إلا ان يأخذه قهرا بحيث لا يتمكن المالك من منعه منه سرا أو جهرا فلا يضمن حصة الفقراء من الزائد، و قال في الجواهر و هو كذلك من غير اشكال لو كان المأخوذ من نفس الغلة بل و من غيرها في وجه قوى، و الى ذلك يشير المصنف (قده) بقوله في المتن بل ما يأخذه العمال زائدا (إلخ)، لكن مع تقييده بما إذا كان الظلم عاما مطلقا، و لو أخذ من غير الغلة أو أخذ من الغلة مطلقا و لو كان الظلم شخصيا، و اما فيما أخذ من غير الغلة فالأحوط الضمان إذا‌

35

كان الظلم شخصيا، أما استثنائه إذا أخذ من الغلة مطلقا سواء كان الظلم عاما أو شخصيا فلما ذكره المصنف (قده) من ان الظلم حينئذ وارد على الفقراء أيضا من غير فرق في ذلك بين أنحاء تعلق الزكاة بالمال من نحو الملكية أو الاستحقاق، و كذا استثنائه إذا أخذ من غير الغلة مع كون الظلم عاما حيث انه مع عموميته يحسب من الخراج، و يمكن، ان يفرق بين ما إذا كان آخذ الزيادة هو السلطان الجائر نفسه كما فرضه في المسالك، و بين ما إذا كان أعوانه و عماله بإلحاق الزيادة في الأول بالخراج حيث ان ما يأخذه الجائر من باب الأجرة من أراضي الخراجية محكوم بحكم الخراج، و لو زاد عن اجرة المثل فالظلم في زيادة الخراج كما انه ظالم في أصل أخذه حيث لا دلالة له فيه لكونه جائرا، و في الثاني ليس ظلما في الخراج و انما الظلم على معطية، فالاعوان و العمال لا يأخذون الزيادة بعنوان الخراج كما هو واضح، و لعل هذا هو الأقوى.

و اما الضمان و عدم الاستثناء فيما إذا كان الظلم شخصيا مع أخذ الزيادة من غير الغلة فلعدم احتساب المأخوذ حينئذ من الخراج الذي قام الدليل على استثنائه و عدم ورود الظلم على مال المستحقين و متعلق حقهم، و ذلك فيما إذا كان الظالم هو الجائر نفسه ظاهر، و فيما إذا كان عماله و أعوانه لعله أظهر، اللهم الا ان يحتسب من مؤنة الزراعة حيث ان هذا الظلم يرد على الزارع لمكان الزراعة، و لعل ذلك فيما إذا كان الظالم هو الجائر نفسه قريب جدا، و ربما يستفاد ذلك من خبر سعيد الكندي المروي في التهذيب عن الصادق (عليه السلام) بل يدل عليه، و فيه قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انى أجرت قوما أرضا فزاد السلطان عليهم، قال ع: أعطهم فضل ما بينهما، قلت انا لم أظلمهم و لم أزد عليهم، قال انهم زادوا على أرضك، فإن قوله ع انهم زادوا على أرضك يدل على كون تلك الزيادة واردة على الأرض فلو لم تحسب من الخراج فلا أقل من كونها من مؤنة الزرع، ثم ان هنا أمورا ينبغي التنبيه عليها.

36

(الأول) لا إشكال في كون اعتبار النصاب بعد إخراج حصة السلطان إذا كانت بعنوان المقاسمة، لأن الزكاة تجب على الزارع في حصته لا في مجموع ما يخرج من الأرض من حصته و حصص غيره، فلا بد ان تبلغ حصته النصاب فتكون ما يأخذه السلطان من المقاسمة كالزرع المشترك الذي يعتبر في وجوب الزكاة فيه بلوغ النصاب في نصب كل من الشركاء منفردا، و كذا لو أخذ بعنوان الخراج بدلا عن الحصة لأنه في حكم أخذ الحصة حيث ان المعاملة مع الجائر حينئذ وقعت على الحصة الا انها عوضت الحصة بالنقد و ذلك فيما إذا وقع تبديل الحصة بالنقد بعد زمان الوجوب بحيث لم تكن الحصة ملكا للزارع عند مرور زمانه، و اما إذا وقع التبديل قبل زمانه فالأقوى اعتبار النصاب قبل الإخراج بمعنى انه يلاحظ بلوغ النصاب في المجموع ثم يخرج منه الخراج ثم يخرج الزكاة من الباقي، و كذا لو كان الخراج من باب أجرة الأرض فإن اعتبار النصاب قبل الإخراج فيه أظهر، لكن ظاهر جملة من عبارات الأصحاب كالمعتبر و المنتهى و التذكرة دعوى الإجماع على اعتبار النصاب بعد إخراج حصة السلطان فلو تم الإجماع فهو، و الا فللتأمل فيه مجال.

(الثاني) لا إشكال في استثناء ما يأخذه الجائر من أرض الخراجية بعنوان المقاسمة أو الزكاة، و المراد بالأراضي الخراجية هي المحياة من الأرض المفتوحة عنوة في حال الفتح، و الأراضي التي صولح عليها أهلها بأن تكون للمسلمين و الأنفال، و اما ما يأخذه باسم الخراج و المقاسمة من غير الأراضي الخراجية كالموات من المفتوحة عنوة حال الفتح، أو التي أسلم أهلها طوعا، أو التي صالح أهلها على ان تكون الأرض لهم لا للمسلمين، فهل يكون بحكم الأول أم لا (وجهان): من إطلاق ما يدل على استثناء ما يأخذه السلطان، أو عمومه كقوله ع في صحيح ابى بصير و ابن مسلم كل ارض دفعها إليك السلطان انما العشر عليك فيما حصل بعد مقاسمته لك و: من انصرافه إلى الأرض الخراجية [1] فلا يعم‌

____________

[1] اى انصراف إطلاق كلمة الأرض التي هي مدخول لفظة كل كما لا يخفى

37

غيرها، و لعل الثاني أقرب و ان كان الأول أيضا لا يخلو عن وجه.

(الثالث) هل حكم استثناء الخراج و المقاسمة يختص بما يأخذه السلطان المخالف المدعى للخلافة بغير استحقاق، أو يعمه و سلاطين الشيعة اللذين لا يدعون ذلك (وجهان) من إطلاق الدليل حيث ان كلمة السلطان في قوله ع في الصحيح المتقدم يعم الشيعي و المخالف جميعا، و من انصرافه الى المخالف لا سيما مع كونه مورد الابتلاء في محل السؤال عن الامام ع بل لم يكن سلطنة الشيعي معهودة في تلك الأعصار أصلا، و لا يخفى ان الوجه الثاني أعني الاختصاص بالمخالف هو الأقوى، و منه يظهر عدم شموله لما يأخذه الشيعي لا بعنوان المقاسمة و الخراج بل بعنوان الماليات المرسومة في هذه الأعصار بطريق اولى، بل الحكم فيه أيضا كذلك، و لو أخذه الجائر المخالف لاختصاص المستثنى بالمقاسمة و الخراج كما يدل عليه قوله ع في الصحيح المتقدم انما العشر عليك فيما حصل بعد مقاسمته لك، اللهم الا ان يدعى استفادة وجوب العشر فيما حصل بعد خروج ما خرج و ان كان المخرج لا بعنوان المقاسمة و كان ذكر المقاسمة من جهة كونها موردا للابتلاء و لا يخلو عن وجه، و لم أر التعرض لذلك فيما بيدي من كتب الأصحاب و مما ذكرنا من منع شمول الحكم لما يأخذه السلطان الشيعي بعنوان الخراج و المقاسمة يظهر منعه لكل متول على جباية الخراج إذا لم يكن سلطانا كالمتغلبين على المتولي الأول اللذين يقيمون هنيئته ثم يريحون عن قريب بحيث لا يصدق عليهم السلطان، بل يقال عليهم المتمردين عن السلطان و الخارجين عليهم بطريق اولى، حيث ان الدليل كان في استثناء ما يأخذه السلطان و المفروض انه ليس به، و انما هو المتغلب عليه و المتمرد عنه، فما في بعض الرسائل من نفى البعد عن شمول الحكم له بعيد كما لا يخفى (الرابع) هل الزكاة التي يأخذها المخالف تحسب من الزكاة فلا تجب إعادتها إلى مستحقها الواقعي، أم يجوز احتسابها من الزكاة الواجب.

38

(وجهان) بل قولان ظاهر جملة من الاخبار جواز الاحتساب و ان أوجب في بعضها الإخفاء عنه مهما أمكن، لكن يعارضها ما يدل على عدم الاحتساب معللا بأن هؤلاء قوم ظلموكم أموالكم و انما الصدقة لأهلها، و قد حمله الشيخ (قده) على استحباب الإعادة، و صاحب الحدائق على ما إذا تمكن من المنع عن الإعطاء بإنكار و نحوه بل سلمها لهم بمجرد طلبهم، و لم أر فتوى من الأساطين في المسألة، و انما ذكروا وجهي المسألة من غير اختيار أو إشكال، و ان كان الشيخ الأكبر ذكر في ما كتبه في الزكاة ان فيها قولين الا انه لم يذكر القائل منها، و يظهر من حمل الشيخ ما يدل على عدم الاحتساب على استحباب الا عادة انه يقول بالاحتساب و كيف كان فالأقوى بالنظر عدم الاحتساب، و ان كانت الأخبار الدالة على الاحتساب أكثر لكن لم يعلم العمل بها، و ان لم يعلم طرحها أيضا مع اعتضاد عدم الاحتساب بعموم ما دل على وجوب إعادة الزكاة على المخالف معللا بأنه وضعها في غير موضعها، و انما موضعها أهل الولاية، و ان الاحتساب متوقف على كون تعلق الزكاة بالعين على نحو الشركة و الغاصب للمشاع يقوم مقام المغصوب منه في القسمة، و ان القسمة تحصل بالإكراه و كل ذلك خلاف التحقيق، بل العين متعلق حق المستحق كما تقدم مرارا، و يأتي تحقيقه مفصلا إنشاء اللّه، و ان إجبار الشخص على إعطاء الزكاة لا يوجب احتساب المدفوع عن حق المستحق لان المشاع لا يتميز بدون رضاء الشركاء، و الإكراه على تعيين قسمة احد الشركاء لا ينفع في التعيين، هذا فيما إذا أخذ الزكاة الجائر المخالف بعنوان الخلافة و الإمامة، و اما ما أخذه السلطان الشيعي بعنوان الزكاة فلا ينبغي التأمّل في عدم الاحتساب كما انه لا يدل على احتسابها أيضا دليل، لأن الأخبار الدالة على الاحتساب كما انه لا يدل على احتسابها أيضا دليل، لأن الأخبار الدالة على الاحتساب منصرفة الى ما يأخذه المخالف، نعم يصح الاحتساب إذا كان السلطان الشيعي يأخذها بإذن الحاكم أو كان مأذونا عنه في سلطنته، و قد صرح فقيه عصره في كشفه باذنه للسلطان وقته فتحعلى شاه القاجار، و انه يجب إعطاء الزكاة به عند مطالبته.

39

[مسألة 16 الأقوى اعتبار خروج المؤن السابقة على زمان التعلق]

مسألة 16 الأقوى اعتبار خروج المؤن السابقة على زمان التعلق و اللاحقة كما ان الأقوى اعتبار النصاب أيضا بعد خروجها، و ان كان الأحوط اعتباره قبله بل الأحوط عدم إخراج المؤن خصوصا اللاحقة، و المراد بالمؤنة كلما يحتاج اليه الزرع و الشجر من اجرة الفلاح و الحارث و الساقي و اجرة الأرض ان كانت مستاجرة، و اجرة مثلها ان كانت مغضوبة، و اجرة الحفظ و الحصاد و الجذاذ و تجفيف الثمرة، و إصلاح موضع التشميس و حفر النهر و غير ذلك كتفاوت نقص الآلات و العوامل حتى ثياب المالك و نحوها و لو كان سبب النقص مشتركا بينها و بين غيرها وزع عليها بالنسبة.

في هذه المسألة أمور يجب ان يبحث عنها.

(الأول): ذهب المشهور الى اعتبار خروج المؤن كلها من الغلة ثم إخراج الزكاة مما يبقى بعد إخراج المؤن، و حكى عن مبسوط الشيخ و خلافه و جامع ابن سعيد و فوائد القواعد للشهيد الثاني عدم إخراجها، و اختاره صاحبي المدارك و الذخيرة و جماعة من المتأخرين، و قال الشيخ الأكبر (قده) بأنه لا يخلو عن قوة و ان تردد فيه أخيرا خوفا من مخالفة المشهور كما هو دأبه (قده) في الفقه، و استدل للمشهور بوجوه منها الأصل أعني به أصلي البراءة و الاستصحاب و تقريب الأول باعتبار كون الشك في وجوب الزكاة في مقابل مؤنة الغلة شكا في أصل التكليف المردد بين الأقل و الأكثر الاستقلالي الجاري فيه البراءة من غير اشكال، و هذا الاستدلال حسن لو لم يتم أدلة القائلين بعدم الاستثناء، و الا فالأصل دليل حيث لا دليل على خلافه، بل و على وفاقه كما لا يخفى، و تقريب الثاني باعتبار القطع بعدم وجوبها قبل مجيئي زمان تعلق الوجوب و يشك عند مجيئي زمانه في تعلقه بما يقابل المؤنة بعد القطع بتعلقه بما زاد عنها فيكون المرجع حينئذ الاستصحاب، و هذا أيضا حسن لو لا الدليل على خلافه، و انما الإشكال في الجمع بينه و بين البراءة كما في الغنائم مع حكومته عليها، و لعله بالنظر الى تكثير الدليل أو ان كل واحد منها دليل مع قطع النظر عن الأخر أو انه لا يرى الحكومة بينهما لكونها مما اطلع عليه الشيخ الأكبر (قده) فاشتهر بين المتأخرين عنه‌

40

(قدس اللّه أسرارهم و اسرار الماضين).

و منها الإجماع المدعى في محكي الغنية على الاستثناء المعتضد بالشهرة العظيمة المحققة و المحكية عن غير واحد من الأصحاب.

و منها قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ، و قوله تعالى، وَ يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ، بناء على ان العفو ما يفضل من النفقة كما عن الصحاح، و عن الواحدي أصل العفو في اللغة الزيادة قال تعالى خُذِ الْعَفْوَ أي الزيادة و ان المراد منه الزكاة.

و منها ما في الفقه الرضوي و فيه بعد بيان النصاب فان بلغ ذلك و حصل بعد خراج السلطان و مؤنة العمارة و القرية أخرج منه العشر إلى أخر الحديث بناء على ان يكون المراد بمؤنة القرية مؤنة زرعها لغلبة كونه فيها إذ لا يستثنى مؤنة نفس القوية قطعا و لم ينسب الى احد استثنائها، و المروي عن الصادق (عليه السلام) يترك للحارس العذق و العذقتان و الثلثه لحفظه إياه بناء على كون قوله ع: لحفظه إياه علة لاستثناء العذق و العذقتين، فتكون العبرة بعمومها فيستثنى كلما له دخل في حفظ الغلة مضافا الى عدم القول بالفصل بين مؤنة الحارس و بين غيرها من المؤن و المروي عنه ع أيضا و فيه قال الراوي قلت له جعلت فداك بلغني انك كنت تفعل في غلة عين زياد شيئا فأنا أحب ان أسمعه منك، قال فقال نعم كنت آمر إذا أدركت الثمرة ان يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس و يأكلوه و كنت آمر في كل يوم ان توضع عشر بنيات يعقد على كل بنية عشر كلما أكل عشرة جاء عشرة أخرى يلقى لكل نفس منهم مدّ من رطب و كنت آمر لجيران الضيعة كلهم الشيخ و العجوز و المريض و الصبي و المرأة و من لا يقدر ان يجي‌ء فيأكل منها لكل انسان مدا فإذا كان الجذاذ أو أوفيت القوام و الوكلاء و الرجال أجرتهم و احمل الباقي الى المدينة ففرقت في أهل البيوتات و المستحقين الراحلتين و الثلثه و الأقل و الأكثر على قدر استحقاقهم و حصل لي بعد ذلك اربعماة دينار و كان غلتها أربعة آلاف دينار، و قد استدل به في الجواهر و لم يذكر تقريبه و لعله استفاد من قوله ع‌

41

ففرقت في أهل البيوتات (إلخ) بناء على ان يكون المراد بالتفرقة فيهم من باب الزكاة على قدر استحقاقهم، و لكون إخراجها و تفرقتها بعد إخراج ما أخرجه ع قبلها فيكون بعد استثناء المؤنة، و ما ورد من نصوص حق المارة و ما جرت العادة و السيرة من أكل المترددين و الأضياف من البساتين الذي يعطى الزكاة بعده قطعا و لا يخرج منه الزكاة جزما بناء على عد ما يأكلوه من مؤنة الغلة، و خبر ابى بصير و محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) المتقدم في المسألة السابقة، و فيه انهما قالا له ع هذه الأرض التي يزارع أهلها ما ترى فيها فقال ارض دفعها إليك السلطان فتاجرته فيها فعليك فيما اخرج اللّٰه منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما اخرج اللّه منها العشر، انما العشر عليك فيما يحصل في يدك بعد مقاسمة لك انتهى (الحديث)، قال المحقق القمي (قده) في الغنائم يدل عليه (اى على القول المشهور) مقابلة ما اخرج اللّه للمتاجرة فان ما يخرج من المتاجرة انما يراد به في العراق المنافع لا القنية و ما يمان به في الكسب مع ان قوله ع انما العشر فيما يحصل في يدك يدل عليه أيضا، فإن المؤن مما يخرج من اليد لا مما يحصل فيها، و بالجملة الحديث ظاهر في المطلوب، بل قال المحقق الأردبيلي (ره) انه صريح في المطلوب، و ما يقال ان المراد ان كل ما يبقى بعد وضع المقاسمة فيجب فيه الزكاة بتمامه و لا يخرج غيره فهو بعيد و مستلزم للتكرار كما لا يخفى على المتأمل، و فهم الأصحاب أيضا قرينة لما ذكرنا كما يظهر من ذكر الشيخ ذلك في شرح كلام المفيد و غيره و فاعل عليك على ما ذكرنا اما الزكاة المعلوم من السياق أو العشر على سبيل التنازع، و جعل قوله ع الذي قاطعك فاعلا بإرادة الخراج منه بعيد لفظا و معنى، و الظاهر ان الرواية في رد مذهب أبي حنيفة من سقوط الزكاة في الأراضي الخراجية فأولها في رده و أخرها في عدم إخراج شي‌ء فلا تكرار انتهى ما في الغنائم، و المروي عن التهذيب عن الكاظم (عليه السلام) و فيه في الأرض التي أخذت عنوة إذا أخرج منها نماء و في بعض النسخ أو فائدة فأخرج منه العشر بناء على ان الفائدة أو النماء لا يطلق عرفا على المؤنة و القنية، و فحوى نصوص الخراج و حصة السلطان الذي‌

42

لا إشكال في كون الخراج منهما من المؤنة.

و منها الخبر الدال على استثناء المعافارة و أم جعرور و أجر الناطور إذ الظاهر كونه لأجل المؤنة فيثبت في غير ما ذكر بعدم القول بالفصل.

و منها وجوه اعتبارية كاشتراك المستحقين مع المالك بناء على ان يكون تعلق الزكاة بالعين على وجه الشركة بل و لو على غيرها من أنحاء التعلق بالعين فتكون مؤنة ما كانت بعد التعلق عليهما، و يثبت الحكم في مؤنة ما كان قبل التعلق بعدم القول بالفصل، و كقاعدتى الحرج و الضرر حيث ان في إلزام المالك بالمؤنة كلها حرج و ضرر عليه، مع ان الزكاة شرعت صلة و قد علم من حال الشارع التخفيف على المالك كما يشهد به قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لعامله إياك ان تضرب مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم أو تتبع دابة عمل فإنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو المفسر بعدم الاستقصاء عليهم، و لا يخفى ان احتساب المؤنة على المالك مناف مع التخفيف لا سيما إذا استغرقت المؤنة قيمة حاصل الزرع فإن إيجاب الزكاة على المالك حينئذ تشديد عليه قطعا، و كلزوم تنفير الناس عن القيام بأمر الزرع و الغرس الموجب للخراب و المنافي مع العمران أو حملهم على المعصية بمخالفة الأمر المخالف للطف، و كلزوم تكرار الزكاة في البذر المزكى سابقا، و هذه جملة الوجوه التي استدل بها للمشهور قد استقصيتها على ما اطلعت عليه، و لا يخفى ان شيئا منها مما لا يمكن الاعتماد اليه و لا يطمئن بها النفس، اما الأصل فقد عرفت انه دليل حيث لا دليل فلا بد في التعمل به من ملاحظة أدلة القائلين بعدم الاستثناء فان لم يكن لهم دليل على العدم يصح الرجوع اليه و سيأتي التفصيل فيما استدلوا به، و اما الإجماع المحكي عن الغنية فلم يثبت حكايته، و على فرض الثبوت فهو إجماع محكي لا يعبأ به لا سيما بعد القطع بتحقيق الخلاف، و لا سيما من الأساطين و عمد الفقه.

و اما المشهور فهو و ان كان مسلما الا انه ليس بحجة، و لقد أجاد الشهيد الثاني (قده) في المقام حيث حكى عن فوائده على القواعد كما في المدارك بأن‌

43

إثبات الحكم الشرعي من غير دليل بمجرد الشهرة مجازفة، و اما آيتي العفو فالاستدلال بهما عجيب إذ لم يثبت المراد من العفو، و لا ان الآيتين في مورد الزكاة بل في بعض الاخبار الواردة في تفسيرهما ما يدل على خلاف ذلك، ففي الصافي في تفسير آية- يسألونك ماذا ينفقون قال في الكافي و العياشي و المجمع عن الصادق (عليه السلام) العفو الوسط، و في المجمع عنه ع و القمي قال لا إقتار و لا إسراف، و في المجمع و التبيان عن الباقر (عليه السلام) ان العفو ما يفضل عن قوة السنة، و في المجمع عنه ع نسخ ذلك باية الزكاة انتهى ما في الصافي في تفسير تلك الآية في سورة البقرة، و في تفسير البرهان في آية خُذِ الْعَفْوَ في سورة الأعراف في الخبر المحكي عن مجالس الشيخ عن الصادق (عليه السلام) الأوان مكارم الدنيا و الآخرة في ثلاثة أحرف من كتاب اللّه عز و جل خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجٰاهِلِينَ، و تفسيره ان تصل من قطعك، و ان تعفو عمن ظلمك، و تعطى من حرمك، و عنه ع ان اللّه أدب رسوله فقال يا محمد (صلّى اللّه عليه و آله) خذ العفو و أمر بالعرف و اعرض عن الجاهلين، قال خذ منهم ما ظهر و ما يتيسر و العفو الوسط انتهى، و بالجملة فلا وجه للاستدلال بهاتين الآيتين لقول المشهور أصلا، و لعل الاستدلال بها وقع لتكثير الدليل لحسن الظن بالمشهور و إتعاب النفس في إقامة الدليل لهم حيث انهم لا يقولون بشي‌ء من غير دليل حاشاهم عن ذلك و جزاهم اللّه عن العلم و الدين خيرا، و اما ما في فقه الرضا فهو مع انه ليس حجة إلا ما علم بعدم كونه من مصنف الكتاب، و كان مع ذلك موافقا مع المشهور يكون مجملا إذ لم يعلم المراد من مؤنة القرية و تفسيرها بمؤنة الزرع لغلبة كونه فيها كما عن المجلسي لا يوجب ظهوره فيه، و التعليل بأن مؤنة القرية لا يستثنى عنه احد فلا يمكن ان يكون مرادا قطعا عليل لانه غير موجب للظهور مع انه فرع لحجيته، و استثناء العذق و العذقتين و الثلثة للحارس لا يدل على استثناء المؤنة مطلقا، و التعليل بالحفظ لا يوجب العموم لاحتمال ان يكون حكمة لا علة و عدم القول بالفصل ممنوع، قال في المدارك و اما الرواية أي رواية استثناء العذق و العذقين للحارس فنقول بموجبها و نمنع التعدي عن غير المنصوص، و قول العلامة انه لا قائل بالفرق غير جيد فان ذلك ثابت عند الجميع، و قد صرح به من لا يعتبر‌

44

المؤنة كما حكاه في التذكرة و المنتهى انتهى ما في المدارك.

و اما المروي عن الصادق (عليه السلام) فيما يفعله في غلة عين زياد فعدم دلالته على استثناء المؤنة في الزكاة أظهر من ان يبين، إذ لم يعلم من الخبر كون تقسيمه في بيوتات المستحقين من باب الزكاة أو لا، و لم يعلم ان حسابه ع العشر كان بعد إخراج ما أخرجه أولا ثانيا، و لم يعلم ان ما أخرجه أولا بثلم حيطان البستان و وضع البنيات لم يكن من باب إخراج الزكاة فلعله فعل ذلك بنية إعطاء الزكاة ثالثا.

و اما ما جرت السيرة من أكل المترددين و استثنائه جزما فهو انما ثبت بالسيرة، و نصوص حق المارة و عدّه من مؤنة الغلة غريب، و لذا أمر في الجواهر بالتأمل الجيد عنده، و اما خبر ابى بصير و ابن مسلم فلا دلالة فيه على مذهب المشهور، و تقريب الاستدلال به بما في الغنائم من الاستنباط من لفظ المتاجرة بما حكيناه عنه من الغرائب إذا المضبوط في كتب الحديث التي عندي كالكافي و الوافي و الوسائل هو كلمة فما حرثته بدل فتاجرته، لكن الموجود في كتب الاستدلال كالمدارك و الجواهر و الحدائق هو لفظة فتاجرته، و عندي ان الصواب هو ما في كتب الحديث من كلمة فما حرثته لأنها الأنسب و الامص بالمعنى، و يحتاج كلمة فتاجرته الى التكلف، و لعلهم (قدس اللّه أسرارهم) لم يرجعوا الى كتب الحديث عند نقل الخبر و نقلوه عن نسخة مشوشة أو نقل عنهم تلامذتهم حين الكتابة، و كيف كان فلا أقل من التردد و الاضطراب في النقل فيسقط استدلال الغنائم بكلمة فما تاجرته بسقوط مبناه، و استدلاله (قده) بقوله ع انما العشر فيما يحصل في يدك أيضا ضعيف لان الظاهر منه إثبات الزكاة فيما يحصل في اليد في مقابل ما يخرج من اليد من حصة السلطان لأكل ما يخرج منها حتى يشمل المؤنة أيضا، و ما افاده (قده) من ان فاعل عليك أما الزكاة المعلوم من السياق أو العشر على سبيل التنازع خفي جدا، بل الظاهر كون الفاعل قوله ع الذي قاطعك (إلخ) من غير ريب فيه.

و اما المروي عن الكاظم (عليه السلام) فالظاهر ان المراد بالنماء أو الفائدة ما يخرج‌

45

من الأرض فيكون دليلا على عدم الاستثناء، و عدم إطلاقهما على ما يقابل المؤنة ممنوع، ثم لم يظهر لي المراد بالقنية إذ الكلام في استثناء المؤنة لا ما يحبسه الزارع و يخزنه لقوت نفسه و عياله في مقابل ما يعرضه للبيع للتجارة، فالتعبير بالقنية غير صحيح و ان تكرر من الغنائم.

و اما نصوص المقاسمة و الخراج فهي لا تدل على استثناء المؤنة، و قد تقدم ان استثناء الخراج على القول به ليس لأجل المؤنة و الا فيكون الكلام في إخراجه فلا يمكن الاستدلال بإخراجه على استثناء المؤنة، و قد تقدم الكلام فيه مستوفى.

و اما احتساب المؤنة على المستحقين بقاعدة الشركة ففيه أولا المنع من الشركة كما مر مرارا إجمالا، و سيأتي تفصيله، و لا يتم الاحتساب على غير الشركة من أنحاء التعلق بالعين لا سيما إذا كأنه التعلق بها نحو تعلق حق المنذور له بالعين التي نذر التصدق بها حيث انه على هذا لا يثبت للمستحق حق في العين، بل انما يجب على المالك دفعها زكاة، و معه فلا وجه لاحتساب المؤنة على المستحق، و ثانيا انه على تقدير تسليم الشركة أو الالتزام بلازمها على القول بغير الشركة من أنحاء التعلق فإنما يتم فيما كان من المؤنة بعد التعلق لا مطلقا و لو كان قبله، و تتميم المدعى بعدم القول بالفصل ممنوع بعد عدم الدليل على إثبات المدعى على الإطلاق كما مر نظيره في استثناء العذق و العذقين، و اما قاعدة الحرج و الضرر ففي المدارك ان مثل هذا الإضرار غير ملتفت إليه في نظر الشرع و إلا سقطت التكاليف كلها.

(أقول) مع ان قاعدة الحرج و الضرر تنفيان الحكم الثابت عن موردهما إذا كان الحرج و الضرر شخصيا فيخصص بهما العمومات الدالة على إثبات الحكم على نحو الحكومة، و لا يصح الاستدلال بهما لنفى الحكم الكلى عما شك في إثباته عموما بحيث تكونا مدركا لإثبات الحكم أو نفيه كالكتاب و السنة، نعم للشارع ان يجعل الحرج أو الضرر مناطا لجعل حكم في موضوع أو عدم جعله له كقوله (صلّى اللّه عليه و آله) «لو لا ان أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» حيث ان المشقة صارت منشأ لعدم جعل وجوب السواك، فقاعدتى الحرج و الضرر لا يمكن ان يثبت بهما استثناء المؤنة‌

46

كما لا يخفى.

و اما حديث لزوم تنفير الناس عن القيام بأمر الزرع و الحرث أو حملهم على المعصية لو وجبت الزكاة فيما يقابل المؤنة مما لا طائل معه، و لا يمكن ان يستأنس به للحكم الشرعي فضلا عن يكون دليلا.

و اما لزوم تكرار الزكاة في البذر لو كان مزكى ففيه أولا ان إخراج الزكاة من تمام الحاصل من البذر المزكى ليس إخراجها عن البذر حتى يوجب التكرار، إذا البذر لا يبقى بهويته الشخصية التي بها كانت بذرا في الحاصل، كما هو واضح بعد ملاحظة ما يرد عليه من التحولات حتى ينتهي إلى الحاصل، و ثانيا بأن غاية ذلك استثناء خصوص البذر المزكى لا مطلق البذر و لو لم يكن مزكى، أو غير البذر من المؤن و تتميم المدعى بعدم القول بالفصل قد عرفت ما فيه هذا تمام الكلام فيما استدل للمشهور و ما يرد عليه مما اختلج بفهمى القاصر.

و استدل لعدم الاستثناء أيضا بوجوه (منها): الإجماع المحكي عن خلاف الشيخ و جامع ابن سعيد (قدس سرهما)، و قد نسبه الى الشيخ و جملة من الأصحاب منهم الشهيد الثاني في الروضة فقال و هو اى عدم استثناء المؤنة قول الشيخ محتجا بالإجماع عليه منا و من العامة، و لكن جملة من الأصحاب أنكروا النسبة إلى الشيخ و قالوا بان مراده (قده) إجماع العامة على العدم، قال في الجواهر و اما الشيخ فإنما نسبه أي الإجماع الى جميع الفقهاء الإعطاء، و الظاهر إرادته العامة، و ربما توهم بعض فنسب الى الشيخ دعوى الإجماع انتهى، و كيف كان فعلى تقدير دعواه ممن يدعيه فهي مردودة بذهاب المشهور المحقق على خلافه فليس في ذكره طائل الا تسويد القرطاس لاراءة تكثير الدليل و (منها): الاخبار و هي على طوائف- منها- إطلاقات العشر و نصفه مثل قوله ع فيما سقت السماء و الأنهار إذا كان سيحا أو بعلا العشر، و ما سقت السواقي و الدوالي أو سقى بالضرب فنصف العشر و غير ذلك مما ورد بلفظ العموم، قال في المدارك و لفظ ما من صيغ العموم فيتناول ما قابل المؤنة و غيره، و قد أورد‌

47

على الاستدلال بها أولا بأنها ليست مسوقة لذكر المستثنيات قطعا بل انما وردت في مقام بيان ما فيه العشر أو نصفه و لذلك لم يذكر فيها استثناء ما يستثنى منها قطعا كحصة السلطان و العذق و العذقين و البذر المزكى فحينئذ تضمحل دلالتها على عدم الاستثناء، و ثانيا بأنها على تقدير عمومها أو إطلاقها يخصص أو يقيد بما يدل على القول المشهور.

(أقول) الانصاف تمامية الجواب الأول إذا الوجدان بعد التخلية التامة حاكم بان نسبته ما يدل على استثناء حصة السلطان الى تلك الأخبار الدالة على وجوب العشر و نصفه ليست نسبة المخصص الى العام أو المقيد الى المطلق فيستكشف منه انها واردة لبيان محل العشر و نصفه لا لبيان عمومها في القليل و الكثير مما سقى بلا علاج أو معه أ لا ترى انه ليس في تلك الاخبار ذكر عن النصاب و لم يذهب الى و هم دلالتها أو إشعارها بوجوب الزكاة في الأقل من النصاب لكي احتيج الى تخصيصها أو تقييدها بما يدل على اعتبار النصاب و ليس ذلك إلا لأجل سوقها لبيان ما ذكرناه في محل العشر و نصفه فحال المؤنة على تقدير استثنائها حال النصاب و حصة السلطان و غيرهما من المستثنيات.

و اما الجواب الثاني فهو ضعيف بما تقدم من عدم دلالة شي‌ء من أدلة التي استدل بها على القول المشهور إلا الأصل و هو غير صالح لان يصير مقيدا أو مخصصا للعمومات، و كيف ما كان فتلك الطائفة من الاخبار لا تفيد المدعى في شي‌ء.

و- منها- العمومات الدالة على وجوب الزكاة في الغلات و في بعضها انه ليس في النخل زكاة حتى تبلغ خمسة أوساق و العنب مثل ذلك حتى يبلغ خمسة أوساق زبيبا، قال الشيخ الأكبر (قده) في رسالة الزكاة فان بيان النصاب في حاصل النخل و محصول العنب مع عدم استثناء المؤن سكوت في مقام البيان فان زكاة الغلات على هذا القول اى القول المشهور في ربح المال الذي يغرمه على الزراعة لا فيما أخرجه اللّه كما هو مفاد الأخبار الكثيرة انتهى.

48

(أقول) كون الزكاة على القول المشهور في ربح المال الذي يغرمه على الزراعة ممنوع، بل عليه أيضا تكون فيما أخرجه اللّه تعالى الا انه بعد استثناء المؤنة كما انها فيه بعد استثناء حصة السلطان، و اما كون عدم استثناء المؤن عند بيان النصاب سكوتا في مقام البيان فالإنصاف انه مخالف مع الوجدان، و الا فليكن ترك استثناء حصة السلطان أيضا سكوتا في مقام البيان مع ان الذهن السليم يأبى عن تخصيص مثل قوله ع ليس في النخل زكاة حتى يبلغ خمسة أوساق (إلخ)، أو تقييده بما يدل على استثناء حصة السلطان و ليس ذلك الا عدم سوقه إلا لبيان النصاب، فهذه الطائفة أيضا لا دلالة فيها على عدم الاستثناء و في بعضها يزكى ما خرج منه قليلا و كثيرا، ففي موثقة ابن عمار عن الكاظم (عليه السلام) قال سألته عن الحنطة و التمر عن زكوتها قال ع: العشر فيما سقت السماء و نصف العشر فيما سقى بالسواقى، فقلت ليس عن هذا اسئلك انما اسئلك عما اخرج منه قليلا كان أو كثيرا له حد يزكى ما خرج منه فقال يزكى ما خرج منه قليلا كان أو كثيرا من كل عشرة واحد و من كل عشرة نصف واحد، قلت فالحنطة و التمر سواء قال نعم، و لعل هذه الرواية في الدلالة على العموم أظهر الا انه قد تقدم في أول هذا الفصل في البحث عن النصاب بأنها مرمى بالشذوذ، و اعراض الأصحاب عن العمل بها فلا تكون حجة، و قد حملوها على ان المراد منها القليل و الكثير بعد بلوغ النصاب، و حملها الشيخ على الاستحباب، و كيف كان فلا يصح الاستناد إليها في المقام بإعراض الأصحاب عنها و- منها- خبر أبي بصير و ابن مسلم المتقدم في أدلة القول المشهور قال في المدارك و هذه الرواية كالصريحة في عدم استثناء شي‌ء مما يخرج من الأرض سوى المقاسمة، إذا المقام مقام البيان و استثناء ما عسى ان يتوهم اندراجه في العموم انتهى، و أورد عليه بأنها في الدلالة على القول المشهور أظهر، (أقول) و الانصاف ان هذا الخبر لا يدل على شي‌ء من القولين، لا على القول المشهور كما تقدم، و لا على القول الأخر لأن الظاهر من قوله ع انما العشر عليك فيما يحصل في يدك انما‌

49

هو إثبات الزكاة في حصة الزارع في مقابل نفيها عما يقابل حصة السلطان لا إثباتها في جميع حصته من القليل و الكثير حتى يشمل المؤنة، و يدل على ذلك عدم انسباق الحاجة الى استثناء ما يستثنى من العذق و العذقين أو البذر المزكى على تقدير استثنائه إلى الذهن، و ليس ذلك إلا لأجل عدم انسباق العموم منه هذا و قد أورد على الاستدلال به أيضا بأن المقاسمة مع السلطان تكون بعد المؤنة الحاصلة على الزرع، قال في الجواهر و من هنا حكى عن الاستبصار و غيره جعل الخبر دليلا للمشهور، و أجاب عنه الشيخ الأكبر (قده) بعدم العلم بذلك بل نقطع بان بعض المؤن في حصة الزارع فقط أو في ذمته، مع ان المراد من قوله ع بعد المقاسمة هو وجوب الزكاة في حصة الزارع كما يؤيده التعبير في اخبار أخر بان على المتقبلين في حصصهم العشر و نصف العشر لا الزمان المتأخر عن المقاسمة الفعلية كيف و الوجوب ثابت قبله إجماعا هذا، و ربما انتصر عن القائلين بعدم الاستثناء بأن الشيعة كانوا يخرجون المؤن من أنفسهم كي تزيد حصة السلطان طمعا فيه، أو خوفا منه، و أورد عليه في الجواهر بأنه غير متحقق بل ربما قيل ان المتحقق خلافه.

و- منها- خبر على بن الشجاع عن رجل أصاب من ضيعته مأة كر فأخذ منه العشر عشرة أكرار و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا و بقي في يده ستون كراما الذي يجب لك من ذلك، فوقع ع لي منه الخمس ما يفضل من مؤنته بناء على ان يكون أخذ بصيغة المتكلم من فعل المضارع المعلوم، فان الظاهر منه حينئذ اعتقاد الراوي وجوب خروج العشر أو نصفه من جميع ما أصاب من ضيعته من دون احتساب مثل البذر و اجرة العوامل و نحوها، فإنه المتبادر، و دعوى أن عمارة الضيعة ليست من المؤنة لان المراد منها ما يتكرر كل سنة كما في الجواهر ممنوعة بما في رسالة الزكاة من ان التحقيق عدّ ما لا يحتاج اليه الزرع الا بعد سنتين من المؤنة مع بسطه على جميع السنتين المحتاجة، فإن قلت تقرير الامام (عليه السلام) انما يدل على رجحان إخراج الزكاة فيما يقابل المؤنة و لا كلام فيه، و المدعى هو الوجوب و لا دلالة في التقرير عليه، قلت الظاهر اعتقاد الراوي للوجوب فتقريره ع تقرير لما‌

50

يعتقده مع انه لا قائل بالاستحباب بالخصوص الا من باب الاحتياط، لأجل الاختلاف بين العلماء في فهم الاخبار، و قد أورد على الاستدلال به في الجواهر بعد دعوى اختصاص المؤنة عند القائل بالاستثناء بما تتكرر في كل سنة بأن الخبر حينئذ يكون مخالفا للإجماع، و لم يظهر لي وجهه بعد كون مضمون الخبر عدم استثناء المؤنة الغير المتكررة، و الصواب ان يقال بان عدم استثناء ما تضمنه حينئذ من المؤنة الغير المتكررة موافق مع الإجماع من الكل، إذا القائل بالاستثناء يخصص الاستثناء بالمؤنة المتكررة، فالمؤنة الغير المتكررة لا تستثنى حينئذ عند الكل، و لعل النسخة التي عندي من الجواهر غلط في المقام كما هي مشحونة من الأغلاط بحيث يصعب الاستفادة منها كما هو الشأن في أغلب ما بأيدينا من الكتب المطبوعة، و بالجملة فهذا الاستدلال ضعيف في الغاية لظهور قوله فأخذ منه العشر في كونه بصيغة الماضي المجهول، و الظاهر منه ان يكون الأخذ منه قهرا عليه كما هو الشأن في تلك الأعصار من أخذ السلاطين الجور للزكوات من الزارعين قهرا عليهم، و حيث انه كان المتفق عليه عند علماء العامة إلا العطاء عدم الاستثناء و كانت سلاطينهم عاملين بأقوالهم خصوصا في مثل هذا الرأي الموافق مع اهويتهم فلا جرم انهم يأخذون الزكوات قبل إخراج المؤن، فالرواية لا تدل على عدم الاستثناء بالتقرير كما لا يخفى.

و- منها- اخبار العشر و نصف العشر فان التفاوت بينهما بكثرة المؤنة في الأول دون الثاني، و قد تقدم في مسألة العشر و نصفه فيما كان بلا علاج أو معه تقرير الإشكال في التفاوت بينهما بناء على إخراج المؤنة، و انه احتمل في البيان في استثناء المؤنة التفصيل بين مؤنة السقي فيما يكون بالعلاج و بين غيرها بعدم استثناء الأول لأجل إيجاب الشارع فيه نصف العشر الذي يكون منشئه مؤنة العلاج و لا يخفى ان هذا ليس في نفسه دليلا على عدم الاستثناء بحيث يعتمد عليه النفس في الفتوى بالعدم و ذلك لاحتمال ان يكون منشأ التفاوت بعض الوجوه المتقدمة أو كان حكما تعبديا لم يظهر مناطه كما هو الشأن في غالب مناطات الاحكام، نعم لا بأس بتأييد الدليل به على العدم لو كان دليل عليه، فقد ظهر من جميع ذلك مما‌