كتاب الشهادات

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
461 /
5

مقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين، لا سيما خليفة اللّه في الأرضين، الإمام الثاني عشر، الحجة ابن الحسن العسكري، أرواحنا فداه. و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين، من الأولين و الآخرين.

اما بعد فقد قال اللّه عز و جل:

«وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ» (1) لقد أولى الفقه الجعفري اهتماما بالغا بموضوع «القضاء»، و كانت القوانين المقررة فيه في غاية الدقة، و المطابقة مع ما تقتضيه الفطرة الإنسانية، و قد تقدم منا- في مقدمة كتاب القضاء- بعض الكلام حول أهمية القضاء و أثره، و موقعه في فقه أهل البيت.

و بعد الفراغ من البحث عن آداب القضاء، و صفات القاضي، يأتي دور البحث عن أحكام الدعوى و موازين الحكم، التي منها «ان البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر».

____________

(1) سورة المائدة: 44.

6

بل ان «البينات» و «الايمان» هما العنصران الاساسيان ل‍ «القضاء».

و أما حكم القاضي بعلمه ففيه كلام، على أنه من الندرة بمكان، و كذا حكمه استنادا إلى الإقرار، بل قد يقال بعدم توقف الأخذ به على الحكم.

و يدل على ما ذكرنا قوله (صلى اللّه عليه و آله): «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» (1) و قول الباقر (عليه السلام): «أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمة الهدى» (2). و لعل المراد من السنة الماضية من أئمة الهدى هو المراد مما أشار إليه الإمام (عليه السلام) في خبر أبي خديجة بقوله «قضايانا» (3).

و «البينات» جمع «البينة» و هي «الشهادة العادلة» و «الايمان» جمع «اليمين» و قد وصفها في الخبر الثاني ب‍ «القاطعة».

و في كل من «البينة» و «اليمين» بحوث علمية على ضوء الروايات الواردة في أحكامها، و حدودهما، يتبين من خلالها جانب من اهتمام فقه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بموضوع القضاء، و شدة احتياطه في الحقوق، و مدى تلائم تلك الاحكام مع قضاء الفطرة و حكم العقل.

و من هنا فقد نصت الاخبار على أن كل حكم توفرت في مقوماته و مقدماته الموازين المقررة فهو نافذ، لانه حكم اللّه، و الا فهو مردود، لانه حكم الجاهلية:

فعن الامام (عليه السلام): «الحكم حكمان، حكم اللّه عز و جل، و حكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم اللّه حكم بحكم الجاهلية» (4).

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 169.

(2) وسائل الشيعة 18- 168.

(3) وسائل الشيعة 18- 4.

(4) وسائل الشيعة 18- 11.

7

بل هو مردود ان لم يكن كذلك و ان كان حقا:

فعن الامام (عليه السلام): «القضاة أربعة، ثلاثة في النار و واحد في الجنة، رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحق و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحق و هو يعلم فهو في الجنة» (1).

و على هذا فان من «الحكم بما أنزل اللّه» قضاء القاضي «بالحق و هو يعلم».

و هذا العلم ان أخذ من «أهل بيت النبوة» فهو علم، و الا فجهل و ضلال، قال أبو جعفر (عليه السلام) في حديث: «فليذهب الحسن- يعني البصري- يمينا و شمالا، فهو اللّه ما يوجد العلم الا ههنا» (2). و قال (عليه السلام) لسلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة: «شرقا و غربا، فلا تجدان علما صحيحا، إلا شيئا صحيحا خرج من عندنا أهل البيت» (3).

فيكون معنى الآية الكريمة «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ» على ضوء ما تقدم و الأحاديث الواردة عن الفريقين [1] في شأن أهل‌

____________

[1] كحديث الثقلين- و لا سيما ما اشتمل من ألفاظه على جملة «و لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم» و كحديث: «أنا مدينة العلم و علي بابها» و «أنا مدينة الفقه و علي بابها» و كحديث: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها هلك». و كحديث: «أقضاكم علي». و من هنا كان علي (عليه السلام) يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني» و كان عمر يقول: «لو لا علي

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 11.

(2) وسائل الشيعة 18- 42.

(3) وسائل الشيعة 18- 46.

8

البيت و علومهم: و من لم يحكم بشي‌ء خرج صحيحا من عند أهل البيت فحكمه حكم الجاهلية و ان كان في درهمين، و أولئك هم الكافرون.

ثم ان «الشهادة» أكثر دورا و أعمق أثرا من «اليمين» في حكم الحاكم، «فإنما الشاهد يبطل الحق و يحق الحق، و بالشاهد يوجب الحق، و بالشاهد يعطى» (1).

و قد وردت في أحكامها آيات من الكتاب، و نصوص كثيرة عن الأئمة الأطهار أوردها صاحب الوسائل (رحمه اللّه) في 56 بابا. و من هنا كانت مباحثها في الكتب الفقهية أوسع من مباحث «اليمين». و يعجبني أن أذكر هنا بثلاثة أمور مستفادة من الكتاب و السنة في «الشهادة»:

الأمر الأول

في اعتبار التعدد في الشهود:

لقد تقرر في علم الأصول حجية خبر الواحد الثقة في الاحكام. أما في الموضوعات، فقد ادعي الإجماع على اعتبار التعدد المعبر عنه ب‍ «البينة»، و استدل له بوجوه عمدتها خبر مسعدة بن صدقة الذي جاء فيه: «و الأشياء كلها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة»، و ربما قيل: بأن الإجماع هنا ان لم يكن كاشفا عن رأي المعصوم، فلا أقل من كشفه عن اعتبار الخبر المزبور و عمل‌

____________

لهلك عمر». و ان شئت الوقوف على أسانيد و ألفاظ هذه الأحاديث و نحوها فارجع الى كتابنا (خلاصة عبقات الأنوار) و قد طبع منه الى الان تسعة أجزاء.

و الى كتاب (الغدير) و غيرهما.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 230.

9

الأصحاب به.

الا أن التحقيق هو كفاية خبر الثقة في الموضوعات أيضا، للسيرة القطعية التي لا يصلح للردع عنها مثل خبر مسعدة، المخدوش دلالة بل و سندا، و الإجماع المدعى ليس بحجة، و لا يكشف عن اعتبار الخبر عندهم، لاختلافهم في الاستدلال في المسألة.

و أيضا لا يعتبر في المخبر الثقة أن يكون عادلا، للسيرة العقلائية القطعية، و كون آية النبإ رادعة عن هذه السيرة يتوقف على أن يكون الأمر فيها بالتوقف عن قبول خبر الفاسق تعبدا شرعيا، الا أن مقتضى الأمر بالتبين و التعليل بعدم الإصابة. هو الإرشاد الى ما عليه السيرة العقلائية، من عدم الاعتماد على خبر الفاسق، لا لكونه فاسقا بل من جهة عدم الوثوق بخبر الفاسق، و حينئذ فحيث يكون الفاسق صادقا في اخباره فلا حاجة الى التبين، لعدم ترتب الإصابة بجهالة و الندم على العمل بخبره.

فتحصل أنه لا يعتبر التعدد و لا العدالة في الاخبار عن الموضوعات، لعدم ثبوت الرادع عن السيرة القائمة فيها. هذا في غير باب القضاء.

أما في باب القضاء فليس الأمر بهذه السهولة، لانه الباب الموضوع لحل المنازعات و فصل الخصومات الواقعة في النفوس و الفروج و الأنساب و الأموال و الحقوق. هذه الأمور التي شدد الشارع فيها و أكد على الاحتياط. فكان مقتضى الحكمة أن لا يكتفي بشهادة الثقة و لا العدل الواحد، بل اعتبر «البينة» فقال: «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» و «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر».

و لم يرد عن الشارع الحكم بشهادة الواحد، و حيثما حكم بشهادته لقبه ب‍ «ذو الشهادتين».

10

و من هنا كان للفظ «البينة» وضع خاص في عرف الشرع و المتشرعة، في مقابل معناه اللغوي، و ان شئت فقل: ان «ما يبين الشي‌ء» في بحوث القضاء هو «الشهادة العادلة».

الأمر الثاني

في حرمة كتمان الشهادة و شهادة الزور:

و دلت النصوص على حرمة كتمان الشهادة، و حرمة شهادة الزور على حد سواء، فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا ينقضي كلام شاهد الزور من بين يدي الحاكم حتى يتبوء مقعده في النار. و كذلك من كتم الشهادة» (1).

و عن أبي جعفر (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «من كتم شهادة أو شهد بها ليهدر بها دم امرئ مسلم، أو ليزوي بها مال امرئ مسلم أتي يوم القيامة و لوجهه ظلمة مد البصر، و في وجهه كدوح تعرفه الخلائق باسمه و نسبه.» (2).

و عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) في حديث المناهي: «انه نهى عن شهادة الزور، و نهى عن كتمان الشهادة و قال: من كتمها أطعمه اللّه لحمه على رءوس الخلائق و هو قول اللّه عز و جل «وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (3).

و المستفاد من هذه الاخبار و غيرها كونهما معا من الكبائر، نعم بينهما فرق من حيث الضمان، فقد دلت النصوص بصراحة على ضمان شاهد الزور، و لا‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 237.

(2) وسائل الشيعة 18- 227.

(3) بحار الأنوار 104- 310.

11

نص- ظاهرا- في ضمان من كتم الشهادة.

اذن يحرم كتمان الشهادة. و يجب أداؤها. و يحرم الشهادة بغير حق.

لكن قبولها يتوقف على أن تكون «عادلة».

الأمر الثالث

في مصاديق «الشهادة العادلة»:

و ان الملاك في الشهادة و قبولها كونها «شهادة عادلة». و لا تكون الشهادة عادلة إلا إذا جمعت شرائط القبول المقررة في الفقه الجعفري من جميع الجهات:

من جهة صفات الشهود، و من جهة طريق حصول الشهادة، و من جهة العدد، و من جهة كون الشهادة شهادة فرع أو أصل، و من جهة الطواري الطارئة على الشاهد.

أما من جهة الصفات و الخصوصيات التي يعتبر وجودها أو عدم وجودها في كل شاهد، فإن الشهادة العادلة هي شهادة المسلم المؤمن العادل غير المتهم الذي لا يجر بها نفعا الى نفسه، و لا يستدفع بها ضررا عن نفسه.

و من فروع ذلك: عدم قبول شهادة رفقة الطريق على اللصوص، و عدم قبول شهادة الوصي فيما هو وصي فيه، و عدم قبول شهادة السيد لعبده المأذون.

الى غير ذلك مما بحث عنه في الباب الأول من الكتاب.

و أما من جهة طريق حصول الشهادة، فقد تقرر ان الضابط في الشهادة هو «العلم»، ثم بحث علماؤنا عن طريق حصول هذا الضابط، فأي شي‌ء يكفي فيه المشاهدة؟ و أي شي‌ء يكفي فيه السماع؟ و هل يثبت شي‌ء بالشهادة المستندة إلى الاستفاضة؟ أو الى اليد؟ أو غير ذلك؟ الى غير ذلك مما بحث عنه في الباب الثاني من الكتاب.

12

و أمّا من جهة العدد فان العدد المعتبر يختلف بحسب اختلاف الموارد و ان كان المعتبر في كلّ مورد لم ينص فيه على عدد خاص هو «شهادة العدلين» فالشهادة العادلة في مثل السرقة هي شهادة العدلين، و في مثل الزنا شهادة أربعة رجال، و أمّا شهادة الواحد و الامرأتين، و الواحد مع يمين المدعي، و شهادة النساء المنفردات فلا تقبل في حقوق اللّه مطلقا. و الشهادة العادلة في مثل الطلاق من حقوق الناس هي شهادة العدلين، و في مثل الدين منها:

شهادة العدلين، شهادة الواحد و الامرأتين، الواحد و يمين المدعي. و في مثل الولادة: شهادة العدلين، شهادة الواحد مع الامرأتين، شهادة أربع نسوة، و ذلك لان الولادة هي ممّا يعسر أو لا يجوز اطلاع الرجال عليه غالبا، فقبلت فيها شهادة النساء منفردات. الى غير ذلك مما بحث عنه في الباب الثالث من الكتاب.

و أمّا من جهة كونها شهادة فرع، فإن الشهادة على الشهادة انما تكون عادلة فيما إذا كانت واجدة للقوانين المقررة فيها، فإنّ الشهادة على الشهادة كيف تتحمل؟ و متى تقبل؟ و في أي موضع تقبل؟ و ممن تقبل؟. الى غير ذلك مما بحث عنه في الباب الرابع من الكتاب.

و أمّا من جهة الطواري على الشاهد، فإنّ الشهادة العادلة هي الشهادة الواجدة للقوانين المقررة، فيما لو شهد الشاهدان- مثلا- فماتا، أو شهدا ثم فسقا أو شهدا فرجعا. الى غير ذلك مما بحث عنه في الباب الخامس من الكتاب.

و هذا الكتاب دوّنت فيه نتيجة ما تلقيته من دروس سيدنا الأستاذ الأكبر سيد العلماء و المجتهدين، فقيه الأمة و زعيم الحوزة العلمية، المرجع الديني‌

13

الكبير، آية اللّه العظمى في العالمين، الحاج السيد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني، دام ظله الوارف، في «كتاب الشهادات» و أضفت إليه أشياء كثيرة في المتن و الهامش، ثم وفّقت لنشره بعد أن أذن دام ظلّه بذلك نزولا عند رغبة بعض الزملاء الأفاضل.

و سيتجلّى في هذا الكتاب- بما اشتمل عليه في أبوابه الخمسة من البحوث العلمية العالية، و التشريعات الدقيقة العادلة- جانب من جوانب عظمة الفقه الجعفري و أصالته، دون سائر المذاهب، فضلا عن القوانين الوضعية الحديثة.

و اني إذ أشكر اللّه على أن وفقني لنشر بحوث السيد الأستاذ في البيع و القضاء و الشهادات. أسأله عز و جل أن يمنّ علينا بمزيد الاستفادة من محضره الشريف، و أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. انه سميع مجيب.

قم المقدسة- 15 شعبان على الحسيني الميلاني‌

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

كتاب الشهادات

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

تعريف الشهادة لغة و شرعا

«الشهادات» جمع شهادة، يقال: شهد يشهد شهادة، و هي في اللغة لمعان عديدة، كالعلم، و الحضور، و الرؤية، و الاعلام و الاخبار، و المعاينة، و اقتصر جماعة من اللغويين على الحضور، قالوا: و منه قوله تعالى «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (1). و قال ابن فارس: «الشين و الهاء و الدال» أصل يدل على حضور و علم و اعلام، لا يخرج شي‌ء من فروعه عن الذي ذكرناه، من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور و العلم و الاعلام» (2).

و المراد من الشهادة في كتاب الشهادات هو: الاعلام و الاخبار، و يعتبر فيه الجزم و اليقين، و يرادفه في الفارسية «گواهي» يقال: شهد بكذا، أي أخبر به، فتكون الشهادة في هذا الباب بمعنى الاخبار بما قد علم، سواء كان العلم حاصلا بإحدى الحواس الظاهرية، أو بغيرها.

فهذا الاعلام يتفرع على تحقق العلم و حصوله عن طريق الحضور، أو الرؤية، أو غير ذلك، و الشاهد يؤدي الأمر الحاصل عنده، و يبرزه، بلفظ:

____________

(1) سورة البقرة: 185.

(2) معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3- 221.

18

«أشهد.».

و في خبر عن مولانا الرضا (عليه السلام): انّ الحضور شهادة، فقد «سئل عن رجل طهرت امرأته من حيضها. فقال: فلانة طالق و قوم يسمعون كلامه و لم يقل لهم: اشهدوا. أ يقع الطلاق عليها؟ قال: نعم. هذه شهادة» (1).

فتحصل من ذلك: أن «الشهادة» أمر غير «أداء الشهادة»، و لذا يقال:

هل يجب على الشاهد الشهادة أو لا؟ و أنّ الشهادة قد تكون و ليس بعدها أداء و أنها تتحقق في الحق و غيره كالهلال، و من غير الحاكم و منه، و أنّ الرواية غير الشهادة.

فتعريفهم للشهادة شرعا بأنها: «اخبار جازم عن حقّ لازم للغير واقع من غير حاكم» لا يخلو عن نظر.

فالأولى إيكال الأمر إلى العرف، و لا يبعد دعوى كون الشهادة عند أهل العرف إنشاء- لا اخبارا، و ان كان ظاهر اللفظ كذلك، نظير قول البائع «بعت». بأن يكون قول القائل: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه» إنشاء، لا أنه يخبر عن ثبوت الوحدانية للّه عز و جل عنده. فتأمل.

و كيف كان فقد يعتبر في الشهادة التعدّد، بخلاف الاخبار و الرواية، فإن كان للشهادة منشأ كانت صادقة، و الّا فهي كاذبة.

قال المحقق (قدس سره):

«و النظر في أطراف خمسة:

____________

(1) وسائل الشيعة 15- 302. الباب 21 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه، و هو خبر صحيح، و مثله في الباب المذكور خبران آخران، و هي تدل على كفاية إسماع الصيغة.

19

(1) صفات الشهود

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

قال المحقق: (و يشترط ستة أوصاف):

الأول: البلوغ

قال: (فلا تقبل شهادة الصبي ما لم يصر مكلّفا. و قيل: تقبل مطلقا إذا بلغ عشرا، و هو متروك).

أقول: ان الأصل عدم قبول الشهادة مطلقا، سواء الصبي و غيره، و لا بد للخروج عن هذا الأصل من دليل يقتضي القبول.

أما الصبي غير المميّز فلا دليل على قبول شهادته، بل الإجماع بقسميه قائم على عدم القبول، فإذا بلغ عشرا فهو مميز غالبا، فقيل: تقبل شهادته مطلقا، قال المحقق: «و هو متروك». و أضاف في الجواهر: بل اعترف غير واحد بعدم معرفة القائل به، و ان نسب [1] الى الشيخ في النهاية، و لكنه وهم.

____________

[1] الناسب اليه- كما في المسالك- هو صاحب كشف الرموز، قال في المسالك: و هو وهم، و انما ذكر الشيخ في النهاية قبول شهادته في الجراح و القصاص خاصة، نعم له بعد ذلك عبارة موهمة لذلك، الّا ان مرادها غيره انتهى. و اعترض في الرياض على المسالك بأنّ الموجود في كلام كاشف الرموز ان الشيخ في النهاية حكى هذا القول، لا انه حكاه عنه فيها.

22

و قد اختلفت عبارات الأصحاب في قبول شهادته، في خصوص الجراح و القتل. كما سيأتي.

الاخبار في شهادة الصبي

نعم في الجواهر الاستدلال للقبول مطلقا إذا بلغ عشرا: بإطلاق الشهادة كتابا و سنّة، و أولوية غير الدم منه، و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر طلحة بن زيد ..

و خبر أبي أيوب الخزاز: سألت إسماعيل بن جعفر.

و قد أجاب عن الإطلاق بأنّه مخصوص بالتبادر و غيره بالبالغ، و عن الأولوية بمنعها، و عن الخبرين بضعف سنديهما و غير ذلك.

قلت: أما الايات فقد جاء في بعضها لفظ «الرجل» كقوله تعالى «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ» (1) و بعضها يشتمل على الحكم الشرعي، و الصبي غير مكلّف، كقوله تعالى «وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ(2) و بعضها مقيّد بالعدالة كقوله تعالى «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (3) و الصبي لا يتصف بها،

____________

و هذا نص عبارة النهاية: «و يجوز شهادة الصبيان إذا بلغوا عشر سنين فصاعدا الى أن يبلغوا، في الشجاج و القصاص، و يؤخذ بأول كلامهم، و لا يؤخذ بآخره، و لا تقبل شهادتهم فيما عدا ذلك، من الديون و الحقوق و الحدود و إذا أشهد الصبي على حق، ثم بلغ و ذكر ذلك، جاز له أن يشهد بذلك، و قبلت شهادته، إذا كان من أهلها».

____________

(1) سورة البقرة: 282

(2) سورة البقرة: 282

(3) سورة الطلاق: 2

23

بناء على اشتراط التكليف أو البلوغ في صحّة الاتصاف بها. و لو سلّم الإطلاق فإنّ الآية المعتبرة للرجولية صالحة للتقييد، و ليس موردها بمخصص لها.

و أما الاخبار فهي على طوائف، فمنها ما هو مطلق، و من ذلك:

1- هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في قول اللّه عز و جل وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ. قال: قبل الشهادة. و قوله وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. قال:

بعد الشهادة» (1). و هذا مطلق بغض النظر عما ذكرنا.

2- أبو الصباح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في قوله تعالى وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا. قال: لا ينبغي لأحد إذا دعي إلى شهادة ليشهد عليها أن يقول: لا أشهد لكم عليها» (2).

3- جراح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا دعيت إلى الشهادة فأجب» (3).

4- سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في قول اللّه عز و جل:

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 225 الباب 1 من أبواب الشهادات. و هو صحيح.

(2) وسائل الشيعة 18- 225 الباب 1 من أبواب الشهادات. و هو عن الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح. و محمد ابن فضيل» مشترك، و قد وقع الخلاف بينهم في تعيين محمد بن الفضيل الراوي عن أبي الصباح الكناني. فراجع.

(3) وسائل الشيعة 18- 225 الباب 1 من أبواب الشهادات. و هو عن الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن النضر- و هو ابن سويد- عن القاسم ابن سليمان، عن جراح. و «القاسم بن سليمان» و «جراح المدائني» غير موثقين، لكنهما من رجال كتاب كامل الزيارات.

24

وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا فقال: لا ينبغي لأحد إذا دعي إلى شهادة ليشهد عليها أن يقول: لا اشهد لكم» (1).

5- داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يأب الشاهد أن يجيب حين يدعى قبل الكتاب» (2).

و منها ما يدل على عدم قبول شهادة الصبي مطلقا، و من ذلك:

1- محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «في الصبي يشهد على الشهادة فقال: ان عقله حين يدرك أنه حق جازت شهادته» (3).

2- السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ان شهادة الصبيان إذا أشهدوهم و هم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها» (4).

3- عبيد بن زرارة- في حديث- قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يشهد على الشي‌ء و هو صغير قد رآه في صغره ثم قام به بعد ما كبر فقال:

تجعل شهادته نحوا «خيرا» من شهادة هؤلاء» (5).

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 226 الباب 1 من أبواب الشهادات. و هو موثق.

(2) وسائل الشيعة 18- 226 الباب 1 من أبواب الشهادات. و في طريقه «سهل بن زياد» و فيه الخلاف المعروف.

(3) وسائل الشيعة 18- 251 الباب 21 من أبواب الشهادات. و هو صحيح.

(4) وسائل الشيعة 18- 251 الباب 21 من أبواب الشهادات. و في إسناده «النوفلي» و «السكوني» و قد ذكرنا خلاصة الكلام فيهما في بعض حواشي كتاب القضاء.

(5) وسائل الشيعة 18- 251 الباب 21 من أبواب الشهادات. معتبر.

25

و منها ما يدل على القبول في خصوص القتل، أو مقيدا بقيد، مثل:

1- جميل: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): تجوز شهادة الصبيان؟

قال: نعم، في القتل، يؤخذ بأول كلامه، و لا يؤخذ بالثاني منه».

و هذا الخبر صحيح على الأظهر [1].

2- محمد بن حمران: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة الصبي، قال فقال: لا، إلا في القتل، يؤخذ بأول كلامه، و لا يؤخذ بالثاني».

و هو معتبر عند بعضهم، خلافا للجواهر تبعا للمسالك [2].

3- أبو أيوب الخزاز: «سألت إسماعيل بن جعفر: متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين. قلت: و يجوز أمره؟ قال فقال: ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) دخل بعائشة و هي بنت عشر سنين، و ليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره، و جازت شهادته» [3].

____________

[1] و هو: الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل.

وسائل الشيعة 18- 252 الباب 22 من الشهادات، و في قولنا «على الأظهر» إشارة إلى الخلاف في الخبر الذي في طريقه «إبراهيم بن هاشم» مع وثاقة غيره من رجاله.

[2] و هو: الكليني عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن محمد بن حمران. ففي «محمد بن عيسى- و هو العبيدي-» خلاف بين الاعلام و قد ذهب المحققون المتأخرون إلى توثيقه فراجع. وسائل الشيعة 18- 252 الباب 22 من الشهادات.

[3] في طريقه: محمد بن عيسى عن يونس. و أما «أبو أيوب الخزاز» فهو ثقة. و اسمه «إبراهيم» و ذكر شيخنا الجد المامقاني «قده» وقوع الخلاف

26

و هذا الخبر ليس عن المعصوم فهو موقوف، لكن لا يبعد أن يكون له اعتبار ما لجلالة قدر إسماعيل، و شدة حب أبيه الصادق (عليه السلام) له [1]، الا أن ما يدل عليه، و هو التسوية بين الرجل و المرأة في الاحكام، و قبول الشهادة مطلقا ممن بلغ عشر سنين، مخالف لما عليه الأصحاب، فهم معرضون عن هذا الخبر، و ذلك يسقطه عن الاعتبار.

4- محمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) في شهادة النساء «لا تجوز شهادتهن إلا في موضع ضرورة، مثل شهادة القابلة. و مثل شهادة الصبيان على القتل، إذا لم يوجد غيرهم» و في رواية «محمد بن سنان» خلاف معروف (1).

5- طلحة بن زيد عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام):

«شهادة الصبيان جائزة بينهم، ما لم يفترقوا، أو يرجعوا إلى أهلهم».

«و طلحة بن زيد» عامي (2).

____________

في اسم أبيه و في لقبه، قال: «و في اسم أبيه خلاف: انه عيسى، أو عثمان، أو زياد، كالخلاف في لقبه: انه الخزاز بزائين، أو الخراز براء قبل الالف و زاي بعدهما» (1) الاخبار في حال إسماعيل بن الامام الصادق (عليه السلام) مختلفة، و قد بحث عنها الرجاليون سندا و دلالة، و قد انتهى الكلام في تنقيح المقال و معجم رجال الحديث الى حسن الرجل و جلالته و شدة حب أبيه (عليه السلام) له. و لكن في منع جلالة شأنه عن الفتوى بدون الأخذ من المعصوم تأمل كما في جامع المدارك.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 268 الباب 24 من أبواب الشهادات. و يوجد في سنده من لا توثيق له.

(2) وسائل الشيعة 18- 253 الباب 22 من أبواب الشهادات. و هو: الصدوق بإسناده إلى طلحة بن زيد. و الظاهر صحة إسناد الصدوق الى الرجل و طلحة

27

الأقوال في شهادة الصبي

قال المحقق (قدس سره): (و اختلفت عبارات الأصحاب في قبول شهادتهم في الجراح و القتل، فروى جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): تقبل شهادتهم في القتل، و يؤخذ بأول كلامهم، و مثله روى محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). و قال الشيخ في النهاية: تقبل شهادتهم في الجراح و القصاص.

و قال في الخلاف: تقبل شهادتهم في الجراح ما لم يتفرقوا، إذا اجتمعوا على مباح.

و التهجم على الدماء بخبر الواحد خطر، فالأولى الاقتصار على القبول في الجراح بالشروط الثلاثة: بلوغ العشر، و بقاء الاجتماع، إذا كان على مباح، تمسكا بموضع الوفاق)

أقول: مقتضى الجمع بين الاخبار التي ذكرناها هو القبول في القتل، الا أن الشروط المعتبرة فيه مختلف فيها كما سيأتي. و ليس في شي‌ء من الاخبار ذكر للجراح، الا ان جماعة يذكرونه مع القتل كما في عبارة المحقق، و لعله للأولوية، لكن إثباتها مشكل، و الا لزم القبول في جميع الأمور، لوضوح أهمية القتل منها، اللهم الا أن يكون الدليل عبارة الشيخ في النهاية التي ذكرها المحقق، بناء على أن عباراتها متخذة من متون الأخبار، مؤيدا بخبر دعائم الإسلام.

أما في الخلاف فقد ذكر الجراح و لم يذكر القتل، و عليه المحقق في‌

____________

ابن زيد عامي، قال الشيخ: كتابه معتمد. و هو من رجال كامل الزيارات.

28

النافع، بل هو معقد إجماع محكي الخلاف و الانتصار، فيكون هو الدليل العمدة، لكن في التحرير و الدروس الاشتراط بأن لا يبلغ الجراح النفس.

و مختار المحقق هنا هو أولوية الاقتصار على القبول في الجراح، معللا بأن التهجم على الدماء بخبر الواحد خطر.

انما الكلام في الشروط المعتبرة في القبول، فقد اختلفت عبارات الأصحاب فيها، تبعا لاختلاف النصوص، فاعتبر الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف شرطين أحدهما: ما لم يتفرقوا، و الثاني: إذا اجتمعوا على مباح، و زاد المحقق شرطا ثالثا و هو: بلوغ العشر، فنقول:

أما «بلوغ العشر» فقد ذكر في الخبر عن إسماعيل فقط، و قد عرفت حال هذا الخبر.

و أما «كون اجتماعهم على مباح» فلم نعثر على نص يقتضي اعتباره.

و أما «بقاء الاجتماع» فيدل عليه خبر طلحة بن زيد، لكنه ضعيف على المشهور.

و لعلّ السبب في اعتبار هذا الشرط هو: أن الصبي يشهد بما سمع أو رأى كما هو الواقع و الحقيقة، و ان كان في شهادته ضرر على أحد من أقرب الناس اليه، أما إذا رجع الى أهله فيحتمل قويا أن يلقنه أهله ما يخالف الواقع، و يشوّهوا عليه الحقيقة.

فظهر بما ذكرنا عدم تمامية اعتبار شي‌ء من الشروط الثلاثة المذكورة، بحسب النصوص الواردة في المقام [1]، لكن الظاهر من قول المحقق (قدس سره)

____________

[1] و تحصيل الإجماع بقطع النظر عن النصوص الواردة في المسألة مشكل جدا، و هل يمكن الاطمئنان الى هذا الإجماع مع وجود هذه النصوص الكثيرة؟

29

«تمسكا بموضع الوفاق» هو ان مقصوده طرح النصوص و الرجوع الى الإجماع، و المتيقن من الإجماع عنده هو الجراح بالشروط الثلاثة.

قلت: ان القدر المتيقن هو اعتبار الأخذ بأول كلامهم، كما في خبري جميل و محمد بن حمران، و عن جماعة كثيرة من أصحابنا الأعيان، و اعتبار قيد «الضرورة»، كما في خبر محمد بن سنان، فلو أمكن الاستشهاد من بالغ عادل لم تقبل شهادة الصبي، و الا فتسمع، سواء كانت الشهادة «بينهم» أو لا. و من ذلك يظهر أن «بينهم» في خبر طلحة مصداق ل‍ «الضرورة» و لذا قال: «و مثل شهادة الصبيان على القتل إذا لم يوجد غيرهم».

و من هذا الباب قبول أمير المؤمنين (عليه السلام) شهادة الغلمان و قضاؤه بالدية، فيما رواه السكوني عن الصادق (عليه السلام): «رفع الى أمير المؤمنين (عليه السلام) ستة غلمان كانوا في الفرات فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة منهم على اثنين أنهما غرقاه، و شهد اثنان على الثلاثة أنهم غرّقوه، فقضى بالدية ثلاثة أخماس على الاثنين و خمسين على الثلاثة» (1) بناء على كون معنى الغلام في الخبر هو الصغير.

فهذا هو القدر المتيقن من دلالة الأخبار بعد الجمع بينها، و به يظهر النظر في كلمات صاحب الجواهر في هذا المقام، كما بان لك النظر في كثير من الكلمات المسطورة في هذا المبحث.

هذا كله في القتل.

و أما الجراح فلا بد فيه من القطع بالملاك، حتى تتم الأولوية، و ذلك في غاية الإشكال، بل ظاهر خبر محمد بن حمران نفي الأولوية، حيث قال (عليه السلام)

____________

(1) رواه الشيخ المفيد في الإرشاد، و وصفه في المستند بالشهرة، و حكى عن الانتصار روايته عن الخاصة و العامة.

30

«لا إلّا في القتل» اللهم الّا أن يقال بالجراح المنجرّ الى القتل. لكن فيه أن القتل قد يكون بلا جرح.

هذا و لما كان موضوع النصوص هو «الصبي» و لا دليل على إلغاء الخصوصية، فالظاهر اختصاص الحكم بشهادته دون «الصبية» فإنها تبقى على مقتضى الأصول و العمومات الدالة على عدم قبول شهادتها، و به صرح العلامة في التحرير و الشهيد الثاني في الروضة البهية و غيرهما.

الوصف الثاني: العقل

قال المحقق (قدس سره): (الثاني: كمال العقل، فلا تقبل شهادة المجنون إجماعا. أما من يناله الجنون أدوارا فلا بأس بشهادته في حال إفاقته، لكن بعد استظهار الحاكم بما يتيقن معه حضور ذهنه و استكمال فطنته).

أقول: أما اعتبار كمال العقل في الشاهد و أنه لا تقبل شهادة المجنون. فلا يحتاج إلى إقامة الدليل عليه من الكتاب و السنة و الإجماع [1].

____________

[1] و لئن كان ثمة إشكال في دلالة ما استدل به، من الكتاب و السنة، ففي الإجماع المصرح به في كلام كثير من الأصحاب، محققا و منقولا، و انه يشترط في الشاهد العدالة كما سيأتي، و تحققها في غير العاقل غير معقول، كما في المستند غنى و كفاية.

و أما الاستدلال له بالسيرة العقلائية كما في مباني تكملة المنهاج فقد استشكل عليه في جامع المدارك بأن بعض الأشخاص له كمال الدقة و المتانة في بعض الأمور و في بعضها خارج عن طريقة العقلاء، فمع الوثوق بالحفظ و الضبط و الاحتراز عن الكذب بحيث يكون سكون النفس الحاصل من اخباره أقوى

31

و كذا عدم قبول شهادة من يناله الجنون أدوارا في حال جنونه، لانه كالمطبق، أما في حال إفاقته فلا مانع من قبول شهادته، لأنه في هذه الحالة كالعاقل، و تشمله أدلة قبول الشهادة من الكتاب و السنة، لكن قبول شهادته يكون بعد استظهار الحاكم بما يكشف عن حضور ذهنه و استكمال فطنته، و الّا طرح شهادته، بلا إشكال في ذلك كله و بلا خلاف كما في الجواهر.

و هل يكفي عدم الجنون في حال أداء الشهادة أو يشترط العقل في حال التحمل كذلك؟ صرّح كاشف اللثام بالثاني، و صاحب الجواهر بالأول، لأنّ العدالة و الضبط و التيقظ ترفع القدح فيه و ان كان قد تحملها في حال جنونه، مضافا الى تناول إطلاق أدلة قبولها له. قلت: لكن الأول أولى، فإنّه ليس حال هذا المجنون حال الصبي المميز الذي تقبل شهادته لو أداها بالغا، بل حاله حال الصبي غير المميز.

لا تقبل شهادة الساهي و المغفل

قال المحقق (قدس سره): (و كذا من يعرض له السهو غالبا، فربما سمع الشي‌ء و أنسي بعضه، فيكون ذلك مغيّرا لفائدة اللفظ و ناقلا لمعناه، فحينئذ يجب الاستظهار عليه حتى يستثبت ما يشهد به).

أقول: في الجواهر: على وجه يطمئن الحاكم بعدم غفلته فيما شهد به و لو لكون المشهود به مما لا يسهى فيه، بل عبارة المتن و القواعد و غيرهما‌

____________

من السكون الحاصل من قول كثير من العقلاء العدول- الظاهر أن بناء العقلاء على الاعتماد بأخباره.

قلت: الظاهر خروج من ذكره عن بناء العقلاء كما ذكر. لكنّ الكلام في المجنون المطبق.

32

صريحة في اعتبار يقين الحاكم بذلك، لكنه لا يخلو من اشكال» لكن الظاهر كون البحث لفظيا.

قال: «و كذا المغّفل الذي في جبلته البله، فربما استغلط لعدم تفطّنه لمزايا الأمور، و الأولى الاعراض عن شهادته ما لم يكن الأمر الجلي الذي يتحقّق الحاكم استثبات الشاهد به، و أنّه لا يسهو في مثله».

أقول: يدلّ عليه ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله عز و جل «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ» قال: «ممن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفته و تيقظه فيما يشهد به و تحصيله و تمييزه، فما كلّ صالح مميّز محصل و لا كل مميّز صالح» [1].

الوصف الثالث: الايمان

قال المحقق (قدس سره): (الثالث: الايمان، فلا تقبل شهادة غير المؤمن و ان اتصف بالإسلام لا على مؤمن و لا على غيره، لاتصّافه بالفسق و الظلم المانع من قبول الشهادة).

أقول: ان الايمان بالمعنى الأخص الذي هو الإقرار بإمامة الأئمة الاثنى عشر (عليهم السلام) من الأوصاف المعتبرة في الشاهد بلا خلاف. فلا تقبل شهادة‌

____________

[1] هذا الخبر عن التفسير المنسوب الى الامام الحسن العسكري (عليه السلام)، و في اعتبار هذا التفسير خلاف بين العلماء، و قد استدل في المستند لإلحاق المغفل بالمجنون بالتعليل الوارد في الموثقة عن محمد بن مسلم في عدم قبول شهادة السائل بكفّه حيث قال (عليه السلام): «لانّه لا يؤمن على الشهادة» و بمرسلة يونس: «فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته.»

و في الرياض عدم وجدان الخلاف بين المتأخرين في هذا الحكم.

33

غير المؤمن بالمعنى المذكور و ان اتصف بالإسلام، لا على مؤمن و لا على غيره الّا ما سيأتي.

و قد جعل المحقّق دليل عدم القبول اتصاف غير المؤمن بالفسق و الظلم المانعين من قبول الشهادة، و في الجواهر: لاتصافه بالكفر فضلا عن الفسق و الظلم.

لكن كفر غير المؤمن بالمعنى الأخص محلّ خلاف، فعلى القول به كما هو مذهب جماعة بل قد حكى بعضهم الإجماع عليه فالمطلب تام بلا اشكال.

و استدل صاحب الجواهر لعدم قبول شهادة غير المؤمن بعدم الخلاف بل عن جماعة الإجماع عليه، بل لعلّه من ضروري المذهب في هذا الزمان.

لكن في المسألة خلاف من بعض المتأخرين.

و استدل (رحمه اللّه) بالأصل بعد اختصاص إطلاقات الكتاب و السنة و لو للتبادر و غيره بالمؤمن.

قلت: ان كانت الأدلة منصرفة عن المخالف أو لا تشمله إطلاقاتها فالأصل تام، بل قد ذكرنا ان الأصل في صورة الشك هو عدم قبول الشهادة مطلقا.

قال: خصوصا نحو «رجالكم» و «ممّن ترضون» بناء على المعلوم من مذهب الإمامية من اختصاص الخطاب بالمشافهين دون غيرهم، و ليس المخالف بموجود في زمن الخطاب. و لو سلّم العموم فقد عرفت الخبر المفسّر لقوله تعالى «تَرْضَوْنَ» برضا دينه، و لا ريب في كونه غير مرضيّ الدين.

قلت: يشكل أن يكون الخطاب للمؤمنين الواقعيين، على انه يقتضي عدم تكليف المخالفين بطائفة من الأحكام التكليفية الصادرة بالخطابات.

ثم استدل بالنصوص الواردة في لعن المخالفين و الدعاء عليهم، و انهم مجوس هذه الأمة، و شر من اليهود و النصارى، و انهم لغير رشدة و نحو ذلك.

أقول: و العمدة في الاستدلال إسقاط المخالف عن العدالة، لعدم اعتقاده‌

34

بالولاية، فإذا ثبت ذلك تمّ الاستدلال. و مذهب المحقق و جماعة صدق الفاسق و «الظالم» عليه، فان كان المراد هو الصدق العرفي فإنّ الفسق ليس من المفاهيم العرفية التي يرجع في تشخيصها الى أهل العرف. و أمّا في الشرع فالفسق يتحقق بمعصية اللّه، و يتحقق ذلك من المخالف محلّ خلاف، فهل فعل المعصية مع الجهل بكونها معصية فسق؟.

لا إشكال في تحقق الفسق بحسب الواقع بفعل المعصية مع الجهل بكونها معصية، و أمّا بحسب الظاهر فالشهيد الثاني على العدم، فإنه بعد أن اعترف بأن ظاهر الأصحاب الاتفاق على اشتراط الايمان قال: و ينبغي أن يكون هو الحجة. ثم ذكر الاستدلال بصدق الفاسق و الظالم عليه، ثم قال:

«و فيه نظر، لان الفسق انما يتحقّق بفعل المعصية المخصوصة مع العلم بكونها معصية، أما مع عدمه بل مع اعتقاده أنها طاعة بل من أمهات الطاعات فلا، و الأمر في المخالف للحق في الاعتقاد كذلك، لانه لا يعتقد المعصية بل يزعم ان اعتقاده من أهم الطاعات، سواء كان اعتقاده صادرا عن نظر أم تقليد و مع ذلك لا يتحقق الظلم أيضا، و انما يتفق ذلك ممن يعاند الحق مع علمه به و هذا لا يكاد يتفق و ان توهمه من لا علم له بالحال و العامة مع اشتراطهم العدالة في الشاهد يقبلون شهادة المخالف لهم في الأصول ما لم يبلغ خلافه حد الكفر، أو يخالف اعتقاده دليلا قطعيا بحيث يكون اعتقاده ناشئا من محض التقصير.

و الحق ان العدالة تتحقق في جميع أهل الملل مع قيامهم بمقتضاها بحسب اعتقادهم، و يحتاج في إخراج بعض الافراد للدليل، و سيأتي في شهادة أهل الذمة في الوصية ما يدل عليه. و على ما ذكره المصنف من فسق المخالف فاشتراط الايمان بخصوصه مع ما سيأتي من اشتراط العدالة لا حاجة إليه، لدخوله فيه».

و قد شدّد عليه النكير الأردبيلي و صاحب الجواهر، و قال كاشف اللثام‌

35

هو من الضعف بمكانة، و هو كذلك، و مواقع النظر فيه كثيرة، و منها استدلاله بقبول شهادة أهل الذمة في الوصية، فإن قبول الشهادة لا يدل على العدالة، و على ما ذكره لا يبقى وجه لاشتراط الايمان، بل المعتبر هو العدالة سواء اعتقد بالولاية بالإضافة إلى سائر اعتقاداته أولا، فيكون «العادل» مثل «العاقل» إذ يصدق «العاقل» على من كانت أعماله مطابقة لحكم العقل سواء كان مسلما أو لا.

و ان أراد تحقق «العدالة» عنده بحسب اعتقاداته في ملته و كونه معذورا ففيه:

انه يخالف ظاهر قوله تعالى «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً(1) إذ لا فرق بين هؤلاء و الكفار و المشركين في أنّهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.

و التحقيق ان العذر يكون قبل تمامية الحجة، و هذا ما يحكم به العقل و يرشد اليه قوله عز و جل «وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا» (2) لكن الحجة قد تمّت [1]، و «قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (3) فالمخالفون فاسقون لا سيّما و ان‌

____________

[1] و أيّ حجة أتم و أكمل ممّا ورد في خصوص الولاية كتابا و سنة؟

ناهيك بحديث الغدير الذي فاق حدّ التواتر بأضعاف مضاعفة عند المسلمين و دلّ على الإمامة و الولاية بكلّ وضوح باعتراف المخالفين، و ان شئت الوقوف على طرف من طرق هذا الحديث، و الاطلاع على جانب من وجوه دلالته، فراجع الاجزاء 6- 9 من كتابنا (خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار) و كتاب (الغدير).

____________

(1) سورة الكهف: 104.

(2) سورة الإسراء: 15.

(3) سورة البقرة: 256.

36

أكثرهم متعصبون و معاندون، و في الخبر: «نحن الذين فرض اللّه طاعتنا، لا يسع الناس الّا معرفتنا، و لا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنا، و من أنكرنا كان كافرا، و من لم يعرفنا و لم ينكرنا كان ضالا حتى يرجع الى الهدي الذي افترض اللّه عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل اللّه به ما يشاء» (1).

و يدل هذا الخبر كالاخبار المستفيضة الأخرى على أن المخالفين معاقبون و ان جميعهم مقصّرون، و إليك نصوص بعضها:

1- محمد بن مسلم قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كلّ من دان اللّه عز و جل بعبادة و يجهد فيها نفسه و لا امام له من اللّه فسعيه غير مقبول، و هو ضال متحيّر، و اللّه شانئ لأعماله، و مثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها و قطيعها فهجمت ذاهبة و جائية يومها، فلما جنها الليل بصرت بقطع مع غير راعيها. و اللّه يا محمد: من أصبح من هذه الأمة لا امام له من اللّه جلّ و عز، ظاهرا عادلا، أصبح ضالا تائها، و ان مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق. و اعلم يا محمد أنّ أئمة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه، قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ممّا كسبوا على شي‌ء، ذلك هو الضلال البعيد» (2).

2- ابن أبي نصر عن أبي الحسن (عليه السلام) «في قول اللّه عز و جل وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ» قال: يعني من اتخذ دينه [و رأيه] بغير امام من أئمة الهدى» (3).

____________

(1) الكافي 1- 187.

(2) الكافي 1- 183.

(3) الكافي 1- 374.

37

3- عبد اللّه بن أبي يعفور في حديث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا دين لمن دان اللّه بولاية إمام جائر ليس من اللّه، و لا عيب على من دان بولاية إمام عادل من اللّه. قلت: لا دين لأولئك و لا عيب على هؤلاء؟ قال: نعم لا دين لأولئك، و لا عيب على هؤلاء، ثم قال: ألا تسمع لقول اللّه عز و جل اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ، يعني ظلمات الذنوب الى نور التوبة و المغفرة بولايتهم كل امام عادل من اللّه. و قال وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمٰاتِ. انما عنى بهذا أنهم كانوا على نور الإسلام، فلمّا أن تولّوا كلّ إمام جائر ليس من اللّه خرجوا بولايتهم من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، فأوجب اللّه لهم النار مع الكفار أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ» (1).

4- الحارث بن المغيرة: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): من مات لا يعرف امامه مات ميتة جاهليّة.

قال: نعم.

قلت: جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف امامه؟.

قال: جاهلية كفر و نفاق و ضلال» (2).

نعم مع اظهارهم الشهادتين يشكل القول بنجاستهم كما عن بعض الأصحاب، و قد كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يعاشرهم و يعاملهم معاملة الإسلام، و لا ينافي ذلك كونهم كفّارا في الواقع.

و الحاصل: انّه لا تقبل شهادة غير المؤمن الاثني عشري مطلقا.

____________

(1) الكافي 1- 375.

(2) الكافي 1- 377.

38

قبول شهادة الذمي في الوصية

قال المحقق: (نعم تقبل شهادة الذمي خاصّة في الوصية إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها، و لا يشترط كون الموصى في غربة، و باشتراطه رواية مطرحة).

ذكر نصوص المسألة

أقول: ينبغي أن نورد أولا النصوص الواردة في المسألة ثم نتعرض لجهات البحث فيها:

في الوسائل باب: [قبول شهادة المسلم على الكافر و عدم جواز قبول شهادة الكافر عليه و لو ذميا عدا ما استثني]:

1- أبو عبيدة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، و لا تجوز شهادة أهل الذمة [الملل] على المسلمين» (1).

2- سماعة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة أهل الملة، قال: فقال لا تجوز الا على ملتهم.» (2).

و في باب: [أن الكافر إذا أشهد على شهادة ثم أسلم فشهد بها قبلت] روايات نذكر بعضها. و لا يخفى أنه لا إطلاق لهذا العنوان، لأنه في مقام بيان أنه لا تلحظ الحالة السابقة مع تحقق الإسلام حين أداء الشهادة، فلا وجه للاستدلال بأخبار هذا الباب على قبول شهادة المسلم مطلقا. و من أخبار هذا الباب:

1- صفوان بن يحيى: «انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أشهد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 284. الباب 38. الشهادات. صحيح.

(2) وسائل الشيعة 18- 284. الباب 38. الشهادات. موثق.

39

أجيره على شهادة ثم فارقه. أ تجوز شهادته بعد أن يفارقه؟ قال: نعم. قلت:

فيهودي أشهد على شهادة ثم أسلم أ تجوز شهادته؟ قال نعم» (1).

2- محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن نصراني أشهد على شهادة ثم أسلم بعد أ تجوز شهادته؟ قال: نعم هو على موضع شهادته» (2).

3- محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): قال: «سألته عن الصبي و العبد و النصراني يشهدون الشهادة فيسلم النصراني أ تجوز شهادته؟ قال: نعم» (3).

4- السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اليهودي و النصراني إذا أشهدوا ثم أسلموا جازت شهادتهم» (4).

5- إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام): «ان شهادة الصبيان إذا شهدوا و هم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها. و كذلك اليهود و النصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم» (5).

و في باب [قبول شهادة اليهود و النصارى و المجوس و غيرهم على الوصية في الضرورة]:

1- الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) تجوز شهادة أهل الذمة على غير أهل ملتهم؟ قال: نعم ان لم يوجد من أهل ملتهم جازت شهادة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 285. الباب 39. الشهادات. صحيح:

(2) وسائل الشيعة 18- 285. الباب 39. الشهادات. صحيح.

(3) وسائل الشيعة 18- 285. الباب 39. الشهادات. معتبر.

(4) وسائل الشيعة 18- 286. الباب 39. الشهادات.

(5) وسائل الشيعة 18- 286. الباب 39. الشهادات.

40

غيرهم، انه لا يصلح ذهاب حق أحد» (1).

و هذا الخبر مخصص لما تقدم، و هو مطلق غير مقيد بالوصية.

2- أحمد بن عمر قال: «سألته عن قول اللّه عز و جل ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ. قال: اللذان منكم مسلمان، و اللذان من غيركم من أهل الكتاب، فان لم يجد من أهل الكتاب فمن المجوس لان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. و ذلك إذا مات الرجل بأرض غربة فلم يجد مسلمين يشهدهما فرجلان من أهل الكتاب» (2).

و يفيد هذا الخبر وجود خصوصية في أهل الكتاب، فلا تقبل شهادة غيرهم من الكفار.

3- هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في قول اللّه عز و جل:

أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ. فقال: إذا [ان] كان الرجل في أرض غربة و لا يوجد فيها مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم في [على] الوصية» (3).

و «من ليس بمسلم» يقيّد بما دل على اشتراط كونه من أهل الكتاب و قوله «في الوصية» يقيّد إطلاق ما دل على القبول مطلقا.

4- سماعة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة أهل الملة. قال:

فقال لا تجوز الّا على ملتهم، فان لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصية لأنه لا يصلح ذهاب حق أحد» (4).

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 286. الباب 39. الشهادات. صحيح.

(2) وسائل الشيعة 18- 287. الباب 40. الشهادات. صحيح.

(3) وسائل الشيعة 18- 287. الباب 40. الشهادات. صحيح.

(4) وسائل الشيعة 18- 287- الباب 40. الشهادات. موثق.

41

و هذا أيضا مقيّد بالوصية. اللهم الّا أن يؤخذ بعموم التعليل في «لأنه لا يصلح ذهاب حق أحد» فلا يختص القبول بها.

و في باب [ثبوت الوصية بشهادة مسلمين عدلين و بشهادة ذميين مع الضرورة و عدم وجود المسلم]:- 1- ضريس الكناسي: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شهادة أهل الملل هل تجوز على رجل مسلم من غير أهل ملّتهم؟ فقال: لا الّا أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم، و ان لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم في الوصية لأنه لا يصلح ذهاب حق امرء مسلم و لا تبطل وصيته» (1).

2- أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه عز و جل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ. قلت: ما آخران من غيركم؟ قال: هما كافران. قلت: ذوا عدل منكم. قال: مسلمان» (2).

3- الحلبي و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته هل تجوز شهادة أهل ملة من غير أهل ملتهم؟ قال: نعم إذا لم يوجد من أهل ملتهم جازت شهادة غيرهم، انه لا يصلح ذهاب حق أحد» (3).

4- حمزة بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال «سألته عن قول اللّه عز و جل ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ. قال فقال: اللذان منكم مسلمان و اللذان من غيركم من أهل الكتاب فقال: إذا مات الرجل المسلم بأرض‌

____________

(1) وسائل الشيعة 13- 390- الباب 20 الوصايا. صحيح.

(2) وسائل الشيعة 13- 390- الباب 20. الوصايا. فيه «محمد بن الفضيل» و هو مشترك.

(3) وسائل الشيعة 13- 390- الباب 20. الوصايا. صحيح.

42

غربة فطلب رجلين مسلمين يشهدهما على وصيته فلم يجد مسلمين فليشهد على وصيته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيين عند أصحابهما» (1).

5- يحيى بن محمد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. قال: اللذان منكم مسلمان و اللذان من غيركم من أهل الكتاب فان لم تجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس، لان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) سنّ فيهم سنة أهل الكتاب في الجزية، و ذلك إذا مات الرجل في أرض غربة فلم يوجد مسلمان.» (2).

و في خبر سعد بن عبد اللّه في (بصائر الدرجات) عن المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في كتاب اليه قال: «و أما ما ذكرت أنهم يستحلّون الشهادات بعضهم لبعض على غيرهم فان ذلك لا يجوز و لا يحل، و ليس هو على ما تأولوا إلّا لقول اللّه عز و جل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ. و ذلك إذا كان مسافرا، فحضره الموت، أشهد اثنين ذوي عدل من أهل دينه، فان لم يجد فآخران ممّن يقرأ القرآن من غير أهل ولايته.» (3).

هذه طائفة من أخبار المسألة ذكرناها بقدر الحاجة.

قال المحقق: (تقبل شهادة الذمي خاصة في الوصية إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها).

أقول: قيد المحقق قبول شهادة غير المؤمن بثلاثة قيود: الأول: كونه ذميا‌

____________

(1) وسائل الشيعة 13- 392 الباب 20 وصايا. و سيأتي الكلام عليه.

(2) وسائل الشيعة 13- 31 باب 20 وصايا. و «يحيى بن محمد» لم يذكروا فيه توثيقا «و لا مدحا، اللهم الا من جهة رواية يونس عنه.

(3) وسائل الشيعة 13- 393 باب 20 وصايا.

43

و قد احترز بقوله: «خاصة» عن غيره. و الثاني: في الوصية، و قد احترز به عن غيرها. و الثالث: إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها. و في الاخبار المذكورة ما يدل على كل واحد من هذه القيود كما لا يخفى. و تفصيل الكلام في هذه المسألة يكون بالبحث في جهات:

1- هل تقبل شهادة الذمي في الوصية بالولاية؟

قال في الجواهر: تقبل شهادة الذمي في الوصية في الأموال و الولاية.

لكن في المسالك: في الأموال. قال: و الحكم مختص بوصية المال فلا تثبت الوصيّة بالولاية المعبّر عنها بالوصاية، وقوفا فيما خالف الأصل على مورده.

قلت: لا يوجد في الروايات ما يمكن أن يستظهر منه التقييد بالأموال إلّا جملة: «لأنه لا يصلح ذهاب حق أحد» بدعوى عدم كون الولاية و نحوها من الحقوق. و لعله المراد من قول الأردبيلي: انه يشعر بذلك بعض الروايات.

و لكن الظاهر شمول «الحق» في الرواية لحق الوصاية أيضا.

2- هل تقبل شهادة الذمي خاصة أو تقبل من مطلق أهل الكتاب؟

الظاهر الاتفاق على عدم قبول شهادة الكافر الحربي و غير الكتابي، و قد عرفت دلالة بعض الاخبار المذكورة على القبول من غير تقييد بالذمي، نعم جاء في خبر حمزة بن حمران حيث قال (عليه السلام): «أشهد على وصيّته رجلين ذميين من أهل الكتاب مرضيّين عند أصحابهما».

لكن قيل: بأنه ضعيف سندا فلا يصلح للتقييد [1]. الّا أن عمل الأصحاب‌

____________

[1] مباني تكملة المنهاج: فان حمزة بن حمران لم يرد فيه توثيق و لا مدح.

فالخبر ضعيف و عمل الأصحاب غير جابر فالذمية غير معتبرة.

44

بل الإجماع- كما قيل- يجبر ضعفه عندنا، و احتمال انهم قد أفتوا بذلك لا عملا بالخبر بل لعلهم فهموا خصوص الذمي من أخبار المسألة ضعيف جدا خصوصا مع التصريح المذكور في خبر حمزة بن حمران.

و أمّا التقييد به في الخبر الحلبي فقد جاء في السؤال حيث قال: «هل تجوز شهادة أهل الذمة على غير أهل ملتهم؟» على أنه لا تعرّض في الجواب للوصية.

فالحاصل اختصاص القبول بالذمي خاصة، لخبر حمزة المنجبر بالعمل.

3- اختصاص القبول بالوصية

. ان قبول شهادة الذمي مختص بالوصية كما دلّ عليه قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ.»‌

و كذا أخبار المسألة بعد تقييد مطلقاتها بمقيداتها، بل عليه الإجماع بقسميه في الجواهر.

4- هل يتقدم المسلمان الفاسقان على الذميين؟

قد عرفت قول المحقق قده: «إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها» و في الجواهر: لا يلحق بأهل الذمة فساق المسلمين في الحكم المزبور لحرمة القياس عندنا.

لكن عن العلّامة في التذكرة: «لو وجد مسلمان فاسقان، فان كان فسقهما بغير الكذب و الخيانة فالأولى أنهما أولى من أهل الذمة، و لو كان فسقهما‌

____________

قلت: و ينبغي أن يضاف الى ذلك عدم دلالة رواية أصحاب الإجماع على الوثاقة ففي تنقيح المقال: رواية صفوان و ابن أبي عمير عنه. فتأمل.

45

يتضمن اعتماد الكذب و عدم التحرز عنه فأهل الذمة أولى» و قال أيضا: «و لو وجد مسلمان مجهولا العدالة فهما أولى من شهود أهل الذمة» و مال إليه في المسالك.

أقول: الأولوية التي ذكرها متوقفة على القطع بالملاك، و حصوله مشكل جدا، لا سيما مع اشتراط العدالة في الكافر الذمي على مذهبه كما هو مدلول بعض الاخبار، إذ لا يخفى ان الصالح في مذهبه مقدم على المسلم الفاسق لا سيما غير المتحرز عن الكذب.

و ان كان دليل ما ذهب اليه هو الأخذ بعموم التعليل في قوله (عليه السلام) «لانه لا يصلح ذهاب حق أحد» ففيه أولا: ان مقتضى عموم التعليل هو القبول في غير الوصية أيضا و هذا لا يقول به أحد. اللهم الّا أن يقال: بأنّ في الوصية خصوصية تقتضي القبول و ليست في غيرها، و هي موت الشخص الموصى، فإنه إذا لم تقبل الشّهادة على وصيّته ضاع حقّه، و لا طريق آخر إلى إثباته.

و ثانيا: ان الاستدلال المذكور يتوقّف على كون الجملة المذكورة علة لا حكمة.

هذا مع ان صريح الآية الكريمة اشتراط العدالة في الشاهدين المسلمين.

5- هل تقبل شهادة المسلم العدل الواحد مع ذمي واحد؟

قد يقال بذلك، و وجهه الأولوية في القبول من الذميين.

و فيه: انه يتوقف على القطع بالملاك كما تقدم.

6- هل يشترط كون الموصى في غربة؟

قال المحقق: (و لا يشترط كون الموصى في غربة، و باشتراطه رواية مطرحة).

46

أقول: في هذه الجهة قولان، و ظاهر الآية الكريمة «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ» كون الموصى مسافرا، فالجملة شرطية و مفهومها حجة، و به أخذ جماعة كالشيخ في المبسوط و ابن الجنيد و أبي الصلاح الحلبي، بل ربما يفهم من بعضهم الإجماع عليه كما في الجواهر.

و الاشتراط صريح أخبار أحمد بن عمرو هشام بن الحكم و حمزة بن حمران و قد جاءت الأخيرة في المسالك و الجواهر و غيرهما بلفظ «انما ذلك إذا كان الرجل المسلم في أرض غربة» أي بكلمة «انما» الدالة على الحصر، و هي غير موجودة في الكافي و الوسائل. و كيف كان فإن الجملة شرطية و مفهومها حجة و السند في الأولين تام بلا كلام، فلا وجه للطرح، و دعوى الإجماع على عدم الاشتراط غير تامة.

و دعوى ورود ذلك مورد الغالب كما في الجواهر كما ترى، إذ لا تدخل أداة الحصر «انما» و لا تجي‌ء الجملة الشرطية حيث يكون القيد واردا مورد الغلبة.

نعم لو كانت الجملة «لأنه لا يصلح ذهاب حق أحد» تعليلية أمكن رفع اليد بها عن قيد «السفر» بناء على تقدم عموم العلة على المفهوم، لكن في ظهور الجملة المذكورة في التعليل تأمل.

7- هل يشترط إحلاف الذمي؟

قال العلّامة في التحرير: «الأقرب إحلاف الشاهدين على ما تضمّنته الآية و لم أجد من قال بذلك» و في المسالك: «ظاهر الآية إحلاف الذمي بعد العصر‌

47

بالصورة المذكورة في الآية و هو انهما ما خانا و لا كتما شهادة اللّه و لا اشتريا به ثمنا قليلا و لو كان ذا قربى. و اعتبر العلّامة أيضا في التحرير، و لا ريب في أولويته، إذ لا معارض له و عمومات النصوص غير منافية له» و اقتصر المقداد في التنقيح على ذكر قول العلّامة حيث قال: «و هل يشترط الإحلاف؟ قال العلّامة نعم عملا بظاهر الآية و لم نذكر غيره» و على هذا فوجه نسبة القول بعدم الاشتراط الى المشهور في الروضة هو عدم تعرض القدماء الى هذه المسألة إذ لو اشترطوا لذكروا.

و كيف كان فالأقرب ما ذهب إليه العلّامة عملا بظاهر الآية المباركة، و قد روي في شأن نزولها الخبر الاتي: «محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن رجاله رفعه قال: خرج تميم الداري مسلما و ابن بندي و ابن أبي مارية نصرانيين، و كان مع تميم الداري خرج له فيه متاع، و آنية منقوشة بالذهب، و قلادة، أخرجها الى بعض أسواق العرب للبيع، فاعتل تميم الداري علة شديدة، فلما حضره الموت دفع ما كان معه الى ابن بندي و ابن أبي مارية و أمرهما أن يوصلاه الى ورثته.

فقدما إلى المدينة و قد أخذا من المتاع الانية و القلادة، فقالوا لهما: هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرا؟ قالا: لا ما مرض إلّا أيّاما قلائل. قالوا: فهل سرق منه شي‌ء في سفره هذا؟ قالا: لا. قالوا: فهل اتّجر تجارة خسر فيها؟ قالا: لا. قالوا: فقد افتقدنا أفضل شي‌ء كان معه، آنية منقوشة بالذهب مكلّلة بالجوهر، و قلادة. فقالا: ما دفع إلينا فأديناه إليكم.

فقدّموهما الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأوجب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) عليهما اليمين فحلفا، فخلا عنهما، ثم ظهرت تلك الآنية و القلادة عليهما، فجاء أولياء تميم الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)

48

فقالوا: قد ظهر على ابن بندي و ابن أبي مارية ما ادّعيناه عليهما. فانتظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) الحكم من اللّه في ذلك، فأنزل اللّه تبارك و تعالى:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرٰانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ. فأطلق اللّه شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط، إذا كان في سفر و لم يجد المسلمين، فَأَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمٰا مِنْ بَعْدِ الصَّلٰاةِ فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لٰا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ وَ لٰا نَكْتُمُ شَهٰادَةَ اللّٰهِ إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ. فهذه الشهادة الأولى التي جعلها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم). فَإِنْ عُثِرَ عَلىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقّٰا إِثْماً. أي أنهما حلفا على كذب فَآخَرٰانِ يَقُومٰانِ مَقٰامَهُمٰا. يعني من أولياء المدعي مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيٰانِ فَيُقْسِمٰانِ بِاللّٰهِ يحلفان باللّه أنهما أحق بهذه الدعوى منهما، فإنهما قد كذبا فيما حلفا باللّه لَشَهٰادَتُنٰا أَحَقُّ مِنْ شَهٰادَتِهِمٰا وَ مَا اعْتَدَيْنٰا إِنّٰا إِذاً لَمِنَ الظّٰالِمِينَ.

فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أولياء تميم الداري أن يحلفوا باللّه على ما أمرهم، فحلفوا فأخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) القلادة و الانية من ابن بندي و ابن أبي مارية، و ردّهما على أولياء تميم الداري. ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهٰادَةِ عَلىٰ وَجْهِهٰا أَوْ يَخٰافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمٰانٌ بَعْدَ أَيْمٰانِهِمْ» (1).

هذا و ليس في القصة ذكر للوصية، فإن مورد نزول الآية بالنظر الى هذه الرواية هو النزاع في مال الميت، فكيف نقول باختصاص القبول بالوصية؟

و لما ذا لا نقبل الشهادة في نظير مورد نزول الآية، كما لو سافر مسلم مع ذميين ثم مات المسلم فاتهم وليه الذميين بأنهما قتلاه فشهد ذميّان آخران على انه مات حتف أنفه؟ هذا فيه تأمّل.

____________

(1) وسائل الشيعة 13- 394. الباب 21 الوصايا.

49

ثم انه لم يتعرض أحد فيما فحصنا الى البحث في أنه هل يشترط في الإحلاف الارتياب أو لا؟ و ظاهر الآية هو الاشتراط. اذن تكون شهادتهما مقبولة ما لم يحصل ارتياب فان حصل فمع اليمين، فان عثر على أنهما استحقا اثما فآخران يقومان مقامهما.

8- ما المراد من «الضرورة»؟

جاء في الوسائل قيد الضرورة لقبول شهادة الذميين في الوصية، فهل المراد منها كون المسلم في سفر أو المراد كون الوصية ضرورية أي لازمة كالأمور الواجبة شرعا و حقوق الناس، فلو كانت في أمور جزئية أو مستحبة فلا تقبل شهادتهما؟ الظاهر ان المراد هو الأول و ان كان الصحيح عدم الحاجة الى إضافة هذا القيد حينئذ، و عليه فتقبل شهادتهما و ان كانت الوصية في أمور غير واجبة شرعا.

9- هل يشترط في القبول عدم من يقوم مقام المسلمين؟

الأقوى- بمناسبة الحكم و الموضوع- هو الاشتراط، فان وجدت أربع نسوة مسلمات فلا تصل النوبة إلى الذميين. كما أن شهادة المسلم الواحد تقبل مع اليمين في المال- كما ذكرنا في كتاب القضاء- فيتقدم حينئذ على الذميين بإلغاء خصوصية «الرجلين» لمناسبة الحكم و الموضوع، و هو الموافق للاعتبار.

و مع الشك في التقدم يكون المرجع العمومات الدالة على عدم قبول شهادة غير المسلم.

50

طريق ثبوت الايمان في الشاهد

قال المحقق (قدس سره): (و يثبت الإيمان بمعرفة الحاكم أو قيام البينة أو الإقرار).

أقول: قال في المسالك: مرجع الثلاثة إلى الإقرار لأن الإيمان أمر قلبي لا يمكن معرفته الا من معتقده بالإقرار، و لكن المصنف اعتبر الوسائط بينه و بين المقر.

و أشكل عليه في الجواهر بقوله: و فيه انه و ان كان أمرا قلبيا لكن له آثار و لوازم يمكن بها معرفته بدون الإقرار كما هو مشاهد في كثير من الناس، بل السيرة القطعية عليه، كغيره من الأمور الباطنة، و لهذا قال المصنف ما سمعت لا لما ذكره و الأمر سهل.

قلت: لكن هنا بحث آخر و هو أنه إذا كان الإقرار من شرائط الايمان و انه إذا لم يقر فليس بمؤمن، فان الآثار لا تترتب و ان كان الايمان الباطني معلوما بآثاره، كما أنه إذا جحد بلسانه عدّ كافرا و ان كان مستيقنا قلبه. نعم لو كان الايمان هو الاعتقاد الباطني فحسب أمكن ترتيب الأثر عليه مع العلم به بآثاره.

و أما إذا كان الإقرار شرطا للايمان أو جزءا كان مرجع الأمور الثلاثة إلى الإقرار كما ذكر الشهيد الثاني، فإن أقر و علم بعدم اعتقاده الباطني كان منافقا و تجري في حقه أحكام الإسلام دون الايمان، و ان أقر و لم يعلم بعدم اعتقاده و لم يكن متهما في إقراره كان إقراره طريقا إلى معرفة اعتقاده، و ترتب أحكام الإيمان من قبول الشهادة و نحوه و ان لم يكن هناك شي‌ء من آثار الايمان. و على هذا فلو أقرّ و وجد منه آثار الصدق و الخير فلا حاجة الى البيّنة.

فتلّخص قبول شهادة المؤمن الجامع لشرائط القبول على جميع الناس‌

51

و لجميع الناس. و يدل عليه بالإضافة إلى الإجماع طائفة من الاخبار. و في الجواهر ان لقوله تعالى «كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ» اشعارا بذلك، أي ان الآية الكريمة و ان كانت ناظرة إلى شأن هذه الأمة في الآخرة كما في بعض الاخبار الّا ان ذلك لا ينافي الاستفادة منها لما نحن فيه، و لذا قال: ان فيها اشعارا به.

و أما الكافر الحربي فلا تقبل شهادته على أحد و لو كان من أهل ملّته فضلا عن المسلمين للإجماع.

هل تقبل شهادة الذمي على الذمي؟

قال المحقق قده: (و هل تقبل شهادة الذمي على الذمي؟ قيل: لا و كذا على غير الذمي. و قيل: تقبل شهادة كل ملة على ملّتهم و هو استناد إلى رواية سماعة. و المنع أشبه).

أقول: هنا أقوال:

أحدها: عدم قبول شهادة الذمي على الذمي و غير الذمي، في الوصية و غير الوصية، و القائل به المشهور كما في الجواهر بل عن جماعة الإجماع على عدم قبولها على المسلم في غير الوصية.

و الثاني: قبول شهادة أهل كل ملة على ملتهم، و القائل به الشيخ في محكي الخلاف و النهاية، بل عن الأول نسبته إلى أصحابنا و لكن مع اشتراط الترافع إلينا. لرواية سماعة: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة أهل الملة.

قال فقال: لا تجوز الّا على ملتهم».

و عن كاشف اللثام: «هو قوي إلزاما لأهل كل ملة بما تعتقده و ان لم يثبت عندنا لفسق الشاهد و ظلمه عندنا».

52

و الثالث: قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض و ان اختلف الملّتان مع العدالة في دينهم. و القائل به أبو علي الإسكافي لرواية ضريس الكناسي، و رواية الحلبي و محمد بن مسلم المذكورتين سابقا.

و عن كاشف اللثام: «و هو قوي إذا كان الشاهد ذميا و المشهود عليه حربيا كما هو ظاهر الخبر لصحته، و لان علينا رعاية الذمة، فلا علينا ان نحكم لهم بشهادتهم على أهل الحرب».

و اختار في الجواهر القول الأول وفاقا للمحقق و المشهور، لأنه أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها معلومية اشتراط الإسلام و الايمان و العدالة في الشاهد، المعلوم انتفاؤها إجماعا في الفرض.

و قد أجاب عن خبري الحلبي و الكناسي بأنهما مع عدم دلالتهما على تمام المدعى، بل الثاني منهما لا يوافق إطلاق أبي علي محمولان على ارادة بيان قبول خصوص شهادتهم على المسلم في خصوص الوصية كما صرّح به في الخبر الثاني، بل لعل التعليل في الأول- و هو قوله (عليه السلام): انّه لا يصلح ذهاب حق أحد- يرشد الى ذلك بقرينة وجوده في نصوص قبول شهادتهم في الوصية.

و عن رواية سماعة المذكورة بوجوه:

أحدها: كونها موافقة للمحكي عن أبي حنيفة و الثوري.

و الثاني: عدم العمل بها الّا من الشيخ.

و الثالث: ان مقتضى المحكي عن الشيخ ضعفها عنده، لأن في سندها العبيدي و قد قال: انه ضعيف استثناه أبو جعفر ابن بابويه من رجال نوادر الحكمة و قال: اني لا أروي ما يختص بروايته».

53

قال: مع ان المحكي عن مبسوطة أيضا اختيار المنع مطلقا، بل قد سمعت اشتراطه في محكي الخلاف بالترافع إلينا، و قد قال في محكي المختلف:

انما نقول به، لأنه إذا ترافعوا إلينا و عدّلوا الشهادة عندهم فإن الأولى هنا القبول. بل عن المقداد في التنقيح الميل إليه أيضا بالمعنى المزبور، قال بعد أن حكى عن الخلاف ما سمعت: و هذا في الحقيقة قضاء بالإقرار لما تقدّم انه إذا أقر الخصم بعدالة الشاهد حكم عليه. و قد سمعت ما في كشف اللثام».

أقول: الكفار على خمسة أقسام (1) غير أهل الكتاب (2) أهل الكتاب، و هؤلاء ينقسمون الى أهل الذمة و غير أهل الذمة و هم الحربيون. فهذه ثلاثة أقسام (4) الكفار المنتحلون للإسلام كالمجبرة و المجسمة و من أنكر شيئا من ضروريات الدين (5) النواصب. و الدليل على ما ذهب اليه الشيخ من قبول شهادة أهل كل ملة على ملتهم لا ينحصر في خبر سماعة المذكور و ان كانت عبارة المحقق موهمة لذلك، فيدل عليه مضافا اليه خبرا أبي عبيدة الحذاء و ضريس الكناسي، و قد استدل الشيخ نفسه بحديث رواه عن معاذ بن جبل عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث قال: «و روى ابن غنم قال سألت معاذ بن جبل عن شهادة اليهود على النصارى. فقال: سمعت النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم الا المسلمين فإنهم عدول على أنفسهم و على غيرهم».

قال: «و هذا الذي اخترناه. و الوجه فيه إذا اختاروا الترافع إلينا، فأمّا ان لم يختاروا فلا يلزمهم ذلك».

و ليست عبارته المذكورة تفصيلا في المسألة كما قد يتوهم، و الحديث المذكور مطلق يعم الشهادة «له» و «عليه».

54

و لعلّ المحقق و القوم لم يعتبروا هذا الحديث من جهة ان راويه عامي، و ان كان مرويا في بعض كتب الخاصة و موردا للاستناد مثل حديث «على اليد.»‌

و نحوه، و لعلهم حملوه على التقية لموافقته لرأي كثير من العامة.

و كيف كان ففي الأخبار الثلاثة المذكورة غنى و كفاية، و الوجه هو قبول شهادة الذمي من كل ملة على أهل ملته، سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا.

و أما الكفار المنتحلون للإسلام فإن صدق على كل طائفة منهم أنهم أهل ملة في مقابل ملة الإسلام شملتهم الأدلة و الّا فلا.

و أمّا الكافر الحربي فقد عرفت عدم قبول شهادته كغير أهل الكتاب من الكفار.

ثم ان جماعة من الأصحاب استدلوا لما ذهب اليه الشيخ بقاعدة الإلزام- و أضاف المقداد في التنقيح قاعدة الإقرار- و الوجه في التمسك بقاعدة الإلزام في هذا المقام هو عدم اختصاص الأخبار الواردة في هذه القاعدة بالعامة، بل انها تشمل غير المسلمين، فمن أخبار القاعدة قوله (عليه السلام): «من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم» (1).

و عن عبد اللّه بن طاوس قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): ان لي ابن أخ زوّجته ابنتي و هو يشرب الشراب و يكثر ذكر الطلاق. فقال: ان كان من إخوانك فلا شي‌ء عليه، و ان كان من هؤلاء فأبنها منه فإنه عنى الفراق. قال قلت: أ ليس قد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: إيّاكم و المطلقات ثلاثا في مجلس فإنهن ذوات الأزواج؟ فقال: ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء.

____________

(1) وسائل الشيعة 15- 322 باب ان المخالف. جاز إلزامه بمعتقده و هو الباب العشرون من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه.