المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الخيارات - ج1

- السيد محمد الروحاني المزيد...
413 /
5

الجزء الأول

الخيارات‌

تعرض الشيخ (قدس سره) (1) إلى تعريف الخيار أولًا،

و قبل الدخول في البحث فيه لا بدّ من التنبيه على أمرين:

أحدهما:

إن صاحب الكفاية (رحمه الله) (2) في كفايته كثيراً ما ينفي الفائدة في إطالة الكلام في التعريفات المذكورة لبعض العناوين، لأنها تعاريف لفظية يقصد بها شرح الاسم. فهل تعريف الخيار من هذا القبيل؟، فلا يهم التعرض إليه أولا، بل له ثمرة عملية فيهم التعرض إليه؟

هذا، مع أنه قد اشتهر أنه لا مشاحة في الاصطلاح، فالتعرض للتعريف الاصطلاحي و مناقشته قليل الجدوى.

الحق أنه لا بدّ لنا من إيقاع البحث في مفهوم الخيار و تحديد معناه، إذ قد وقع بهذا العنوان في لسان الأدلة، فيترتب على تحديده أثر عملي.

فلا بدّ من معرفة المعنى اللغوي و المعنى الاصطلاحي، و هل بينهما ارتباط و مناسبة أم لا ارتباط بينهما، بل هما متباينان؟

فإذا كانا متباينين، فلا وجه لحمل اللفظ على المعنى الاصطلاحي لأنه معنى مستحدث لا يمّت للعرف بصلة، بخلاف ما إذا كان بينهما العموم و الخصوص المطلق، كما سيأتي توضيحه.

____________

(1) الانصارى، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 214، الطبعة الأولى.

(2) الخراساني، الشيخ محمد كاظم: كفاية الاصول، ص 215، طبعة مؤسسة آل البيت ().

6

و الآخر:

أن الخيار هل يتعلق بخصوص الأفعال أم أنه يتعلق بالأعم من الفعل و العين؟

لا بدّ من إيقاع البحث في ذلك لأنه ذو ثمرة عملية، لوقوع البحث- فيما يأتي ان شاء اللّٰه تعالى- في أنّ ثبوت الخيار هل تكون ثمرته أن يكون لذيه حق فسخ العقد أو حق استرداد العين؟

و نتيجة هذا البحث تظهر في صورة تلف العين، فإنه يسقط الخيار على الثاني لانتفاء موضوعه دون الأول.

و من الواضح أن هذا البحث إنما يتأتىٰ لو صحّ تعلق الخيار بالعين، فيقال: إن الدليل المتكفل لإثبات الخيار بلا أن يعيّن متعلقه هل مقتضاه تعلقه بنفس العقد فيكون له حق فسخه، أو بالعين فيكون له حق استردادها؟، لأن كلًا من العقد و الثمن و المثمن من شئون المعاملة، فيحتمل تعلق الخيار بكل منهما.

أما لو فرض عدم صحة تعلق الخيار بالاعيان لم يتأت البحث المزبور، بل يتعين تعلق الخيار بالعقد، فانه فعل اختياري- كما سيأتي توضيحه إن شاء اللّٰه تعالى-.

[مقدمات في الخيارات]

[المقدمة الأولى في تعريف الخيار]

و بعد ذلك نقول: إن الشيخ (قدس سره) ذكر للخيار تعريفات ثلاثة: أحدها لغوي، و الآخران اصطلاحيان.

أما اللغوي،

فقد أشار إليه بما ذكره من أن الخيار اسم مصدر من الاختيار، و لكنه أهمل بيان معنى الاختيار و ايضاح مفهومه.

و قد ذهب السيد الطباطبائي (رحمه الله) (1) في حاشيته إلى أن معناه هو السلطنة، و يظهر ذلك من المحقق الايرواني (رحمه الله) (2) و إن لم يصرح بذلك لكنه يستفاد من كلامه. كما ذكر السيد الطباطبائي أن الخيار لا يضاف إلى غير الأفعال لأن مصدره و هو الاختيار لا يضاف إلا إلى الأفعال دون الاعيان و المنافع.

____________

(1) الطباطبائي، السيد محمد كاظم: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 2، الطبعة الأولى.

(2) الايرواني، الشيخ ميرزا علي: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 2، الطبعة الأولى.

7

و خالفهما المحقق الاصفهاني (رحمه الله) (1)، فذهب إلى أن معنى الاختيار لا يساوق السلطنة لاستعماله في موارد كثيرة لا يمكن أن يراد به معنى السلطنة فيها، كما إذا قلت: اختار زيد العزلة عن الناس، و اختار شرب الدواء الخاص، و اخترت لبس هذا الثوب من بين الأثواب، و كقوله تعالى (2): «وَ اخْتٰارَ مُوسىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا»، و قوله تعالى (3): «وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ ...»، ... إلى غير ذلك من الاستعمالات.

و من الواضح أنه لا معنى لإرادة معنى السلطنة من الاختيار في هذه الاستعمالات، مع أنه لا يرى فيها و في أمثالها أدنى مسامحة و عناية. و لعل الجامع بين هذه الموارد و غيرها من موارد استعمال مادة الاختيار على اختلاف هيئاتها هو إرادة ما يساوق معنى الترجيح و الانتقاء و الاصطفاء.

و من هنا يظهر أن الاختيار- و يلحق به الخيار لأنه بمعناه- يمكن أن يتعلق بالأعيان، إذ يصح إضافة الانتقاء و الترجيح إلى العين. و في الآيتين الكريمتين المتقدمتين و غيرهما- كقول القائل: اخترت زيداً صديقاً لي و اخترت هذا الكتاب من بين الكتب- كفاية في إثبات المطلوب، لإضافة الاختيار فيها إلى العين من دون أي تقدير و لا مسامحة.

و أما ما ذكره السيد (رحمه الله) من: أن الاختيار لا يضاف إلى الأعيان، فلعله ناشٍ من الخلط بين الاختيار بالمعنى اللغوي و الاختيار بالمعنى الاصطلاحي للمتكلمين الذي هو بمعنى المشيئة و الإرادة، إذ المشيئة لا يمكن أن تتعلق بغير الأفعال.

فالتفت.

هذا، و لكن الانصاف أن ما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه الله) في معنى الاختيار لا يخلو عن مناقشة، فإن الترجيح غير مساوق لمفهوم الاختيار و لو انطباقاً، فإنه لا‌

____________

(1) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 2، الطبعة الأولى.

(2) سورة الاعراف، الآية: 155.

(3) سورة طه، الآية: 13.

8

يصح استعماله في كل مورد يستعمل فيه الخيار أو الاختيار، ففي مثل قوله (1):

«البيعان بالخيار» لا معنى لأن يراد به: «البيعان بالترجيح أو الرجحان»- الذي هو اسم مصدر من الترجيح-.

و الذي نراه أن المفهوم القريب لمعنى الاختيار و الخيار الذي لا أقرب منه هو الارتضاء و الرضا، فإنه و إن لم يكن نفس الاختيار مفهوماً لكنه أقرب ما يمكن أن يشار به إلى الاختيار من المفاهيم، فالارتضاء يساوق الاختيار و الرضا يساوق الخيار، و تقدير الرضا في قوله: «البيعان بالخيار» لا مانع منه بعد فرض أن الباء بمعنى: «مع»، فيكون دليلًا على اعتبار استمرار الرضا في البيع إلى وقت الافتراق.

و لعله يشير إلى ما ذكرنا من معنى الخيار ما ورد في بعض النصوص (2) من التعبير عن إعمال الخيار بان ذلك رضا بالبيع.

ثمّ إنه لا يخفى أن الرضا يتعلق بالاعيان كما يتعلق بالافعال، فيضاف إلى العين بلا تقدير و لا مسامحة. و قد تقدمت الاشارة إلى ثمرة تحقيق ذلك و سيأتي ايضاح الكلام فيها في محله إنشاء اللّٰه تعالى.

و أما التعريف الاصطلاحي الأول،

فهو ما فسره به في موضع من الايضاح (3) من أنه ملك فسخ العقد.

و استشكل الشيخ (قدس سره) فيه، أولًا: بأنه غير مانع لشموله كثيراً من الموارد التي لا يصطلحون عليها بالخيار، كملك فسخ العقود الجائزة، و ملك المالك فسخ عقد الفضولي، و ملك الوارث رد العقد بما زاد على الثلث، و ملك العمة و الخالة فسخ العقد على بنت الأخ و الأخت إذا كان بدون إذنهما، و غير ذلك. فلا يصح تعريف الخيار اصطلاحاً بما يشمل ما لا يطلق عليه الخيار اصطلاحاً.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 12/ باب 1: من ابواب الخيار، ح 3.

(2) وسائل الشيعة، ج 12/ باب 4: من ابواب الخيار، ح 1.

وسائل الشيعة، ج 12/ باب 12: من ابواب الخيار، ح 1.

(3) الحلي، محمد بن الحسن: ايضاح الفوائد، ج 1: ص 482، الطبعة الأولى.

9

و لكنه (قدس سره) ردّ هذا الاشكال بما توضيحه: بأن موارد الخيار اصطلاحاً، و هذه الموارد المذكورة، و إن كانت تشترك في ثبوت السلطنة على فسخ العقد، لكنها تختلف من جهة و هي الثابت في موارد الخيار يقبل الاسقاط و الانتقال بالميراث و لذا يعبّر عنه بالحق. و الثابت في هذه الموارد التي قيل بانتقاض التعريف فيها لا يقبل الاسقاط و الانتقال، فلا تسقط سلطنة المالك على رد عقد الفضولي و لو أسقطها ألف مرة. و يعبّر عن ثبوت السلطنة هاهنا بأن ثبوتها بنحو الحكم لا الحق.

و إذا ثبت وجود الفرق موضوعاً بين الموردين- مورد الخيار و هذه الموارد-، ففي التعبير بالملك في التعريف كفاية في إخراج غير موارد الخيار اصطلاحاً، إذ عرفت أن ثبوتها ليس بنحو الملك بل بنحو الحكم. و بذلك يكون هذا التعريف بنظر الشيخ خالياً عن الاشكال.

و قد استشكل في هذا الرد المحققان السيد الطباطبائي (1) و الشيخ الايرواني رحمهما الله (2).

أما السيد الطباطبائي (رحمه الله) فذهب إلى أن الملك لغة بمعنى السلطنة و هي إذا أضيفت إلى العين تفيد الملكية بالمعنى المعروف و هو واجدية المالك للشي‌ء و كون أمره بيده، بخلاف ما إذا أضيفت إلى الفعل فإنها لا تفيد أكثر من القدرة عليه.

و في المقام بما أن الملك الذي هو بمعنى السلطنة قد أضيف إلى الفعل و هو فسخ العقد، فلا يفيد أكثر من القدرة و التسلط عليه. و هذا المعنى كما هو ثابت في موارد الخيار ثابت في موارد العقود الجائزة للقدرة فيها على فسخ العقد.

و لعل الوجه فيما ذكره (رحمه الله) من الفرق بين إضافة السلطنة للعين و الفعل هو: أن السلطنة على العين لا معنى لها، فلا بدّ من تقدير فعل، و بما أن حذف المتعلق يفيد العموم، فإضافة السلطنة إلى العين تفيد السلطنة على جميع التصرفات المتعلقة‌

____________

(1) الطباطبائي، السيد محمد كاظم: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 2، الطبعة الأولى.

(2) الايرواني، الشيخ ميرزا علي: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 2، الطبعة الأولى.

10

بالعين و هو لازم الملكية، بخلاف السلطنة على الفعل فانها متصورة فتحمل على معناها العرفي و هو القدرة على الفعل بايجاده و عدمه، و هذا لا يلازم الملكية بوجه من الوجوه. هذه خلاصة إيراده مع توضيحها.

و أما المحقق الايرواني (رحمه الله) فذهب: إلى أن السلطنة على نحوين: سلطنة يكون لذيها سلطنة عليها، كالسلطنة على فسخ العقد في موارد الخيار فإن لذي الخيار السلطان على إسقاط سلطنته، و سلطنة لا يكون لذيها سلطان عليها كالسلطنة على الفسخ في موارد العقود الجائزة فإنها حكم شرعي و لا يكون أمرها بيد ذي السلطنة بل بيد الحاكم.

و كلام الشيخ (قدس سره) إنما يتم لو فرض أن الملك عبارة عن السلطنة الخاصة و الاستيلاء الخاص و هو الاستيلاء بالنحو الأول، فإن التعبير به يستلزم خروج موارد العقود الجائزة لأن الاستيلاء في مواردها من النحو الثاني. أما لو كان الملك عبارة عن مطلق الاستيلاء أعم مما كان له عليه سلطان و ما لم يكن عليه سلطان، لم يكن في التعبير بالملك دلالة على نفي موارد العقود الجائزة، لصدقه في مواردها أيضاً. و الأمر في الملك هو ذلك، فإنه لا يعتبر فيه إلا كون المملوك تحت السلطان، أما كون السلطنة تحت السلطان أيضاً فلا يعتبر فيه. و الشاهد على ذلك إضافة المالكية للّه جلت عظمته بل هو مالك الملوك مع أنه ليس له سلطان على سلب سلطنته على الكون، كما هو واضح.

إذن، فالتعبير بالملك في التعريف لا يستلزم خروج موارد العقود الجائزة و غيرها.

و بالجملة، فمرجع كلا الكلامين إلى عدم دلالة التعبير بالملك على اختصاص التعريف بموارد الخيار، بل هو على عمومه لغير موارده اصطلاحاً.

و لكن المحقق الاصفهاني (رحمه الله) (1) دفع هذين الكلامين، و توضيح كلامه: أن‌

____________

(1) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 3، الطبعة الأولى.

11

الملك في الاصطلاح لا يساوق السلطنة التي هي المفهوم العرفي للملك، فإنها عبارة عن سلطنة اعتبارية غير نفس الآثار المجعولة، و هذه السلطنة لا ثبوت لها في موارد الاحكام، و لأجل ذلك اصطلح الفقهاء بالحكم في قبال الملك. و إذا فرض أن الملكية في الاصطلاح أمر اعتباري يختلف عن الحكم، فالتعبير بالملك في التعريف يخرج موارد السلطنة الثابتة بنحو الحكم، إذ اللازم حمل الملك في التعريف على معناه الاصطلاحي لوروده في التعريف الاصطلاحي للخيار، و لا وجه لحمله على المعنى اللغوي.

و بذلك يندفع كلا الكلامين، إذ لا معنى لحمل السلطنة على معنى القدرة على الفسخ- كما هو مضمون كلام السيد (رحمه الله)-، كما لا معنى لدعوى أن الملك مطلق الاستيلاء- كما هو مضمون كلام الايرواني (رحمه الله)-، إذ كل منهما نقل للكلام إلى غير موضعه.

و ما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه الله) متين جداً، إذ بعد وقوع التعبير في مصطلح الفقهاء فلا معنى للبحث عن معناه اللغوي. و من الواضح أن الملك باصطلاحهم يختلف عن الحكم، فإنهما اصطلاحان متقابلان.

نعم، ما ذكره من أن الملكية عبارة عن سلطنة اعتبارية لدى الفقهاء لا يخلو من حديث و بحث، إذ البعض (1) يرى أن الملكية أمر انتزاعي، أو يرى (2) الحق من الامور الانتزاعية و إن كانت الملكية اعتبارية.

فالتعبير الجامع: أن الملكية عبارة عن سلطنة خاصة و هي ما يلحظ فيها واجدية المالك للمملوك و كون زمام أمره بيده أعم من كون ذلك المعنى اعتبارياً أو انتزاعياً، و هذا المعنى لا ثبوت له في موارد الحكم.

و على كل حال ظهر من مجموع ما ذكرنا وجه ما ذكره الشيخ (قدس سره) من: أن التعبير‌

____________

(1) كالشيخ في المكاسب ص 215 حيث يقول بل حقق في الاصول ان لا معنى للحكم الوضعي إلّا ما انتزع من الحكم التكليفي.

(2) الخراساني، الشيخ محمد كاظم: حاشية المكاسب، ص 79، الطبعة الأولى.

12

بالملك يتكفل إخراج موارد العقود الجائزة، من جهة عدم ثبوت شئون الملكية في تلك الموارد، كما ظهر أن ما ذكره تام لا خدشة فيه.

و أما التعريف الاصطلاحي الثاني،

فهو ما ينسب إلى صاحب الجواهر (رحمه الله) (1) من أنه ملك إقرار العقد و إزالته.

و قد تنظر الشيخ (قدس سره) فيه: بأن المراد بإقرار العقد إن كان إبقائه على ما كان من الحال، فهذا مما يستفاد من فرض ملكية الفسخ و القدرة عليه، إذ القدرة على الفسخ لا يتحقق إلا بالقدرة على عدم الفسخ، ففرض القدرة على الفسخ فرض للقدرة على عدمه فيبقى العقد على حاله، فيكون ذكر الاقرار مستدركاً.

و إن كان المراد به جعل العقد لازماً غير قابل للفسخ، فهذا مرجعه إلى إسقاط الخيار، فيكون لازماً، فيلزم أن يؤخذ في تعريف الخيار ملكية إسقاطه و هو كما ترى، إذ المفروض هو محاولة معرفة مفهوم الخيار الذي يتعلق به الاسقاط، فلا معنى لأخذ إسقاطه في تعريفه، فإنه يستلزم الدور كما لا يخفى.

هذا، مع أن المراد جعل العقد لازما بقول مطلق فيلزم أن لا يشمل التعريف موارد الخيار الثابت لكلا المتعاملين، لأن إسقاط الخيار لا يجعله لازماً مطلقاً، بل من طرف خصوص من أسقط خياره.

أقول: مراده من الشق الأول من التنظر يمكن أن يكون أحد وجهين:

الأول: أنه يريد ببقاء العقد على حاله نفس عدم الفسخ بلحاظ وجود المقتضي للبقاء، فبمجرد عدم الفسخ يتحقق البقاء فعلًا. فيكون ذكره مستدركاً بلحاظ أنه تكرار محض مستهجن، لأن القدرة على الفسخ قدرة على عدمه.

الثاني: أن يريد بالبقاء أمراً وجودياً مسبباً عن عدم الفسخ، فلا يكون ذكره تكراراً. نعم يكون ذلك لغواً بلحاظ أنه بعد بيان القدرة على الفسخ و عدمه يتكفل بيان القدرة على البقاء بالملازمة، إذ القدرة على السبب قدرة على المسبب. و على‌

____________

(1) النجفي الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 23، ص 3، الطبعة الأولى.

13

أي تقدير فذكره لغو و زيادة لاستفادته من اللفظ إما مباشرة أو بالملازمة، فلاحظ.

و قد استشكل في الشق الثاني من تنظر المصنف بكلا وجهيه:

أما الوجه الأول: و هو ما أفاده من إرادة إبرام العقد من البقاء و جعله لازماً راجع إلى أخذ إسقاط حق الخيار في مفهوم الخيار، فاورد عليه بوجهين:

الأول: ما ذكره المحقق الايرواني (رحمه الله) (1)،- و هو ما كان يجول في الذهن من قديم الزمان- أن هذا البيان إنما يتأتىٰ لو فرض أن معنى الخيار هو ملك فسخ العقد فقط ليكون أخذ إسقاط هذا الحق في مفهوم الخيار أخذاً لاسقاط الخيار في مفهومه.

و لكن هذا الفرض أول الكلام، بل خلاف المفروض إذ المفروض تعريف الخيار بملك فسخ العقد و ملك إسقاط هذا الحق، فأين اخذ إسقاط الخيار في مفهوم الخيار؟.

و بالجملة، نظر من يعرّف الخيار بالتعريف المزبور إلى أن الخيار عبارة عن أمرين: ملك فسخ العقد و ملك إقراره باسقاط حق الفسخ.

و ذلك لا يستلزم أخذ إسقاط الخيار في مفهومه، بل هو أخذ لاسقاط حق الفسخ في مفهومه و هو لا يستلزم محذوراً ثبوتيا.

و بنظرنا أن هذا الايراد واضح جداً عند الالتفات إلى المغالطة الواقعة في إشكال الشيخ (قدس سره).

الثاني: ما ذكره السيد الطباطبائي (2)، و غيره (3) من أن إقرار العقد و جعله لازماً لا ينحصر بإسقاط حق الخيار كي يكون ذلك ملازماً لأخذ إسقاط الخيار في مفهومه، بل هو يتحقق بالرضا بالعقد و الالتزام به بقاءً الذي يرجع إلى إعمال الخيار و ترتيب أثره. فيكون الخيار عبارة عن ملك الرضا بالعقد- في مرحلة البقاء- و ملك فسخه.

____________

(1) الايرواني، الشيخ ميرزا على: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 3، الطبعة الأولى.

(2) الطباطبائي، السيد محمد كاظم: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 2، الطبعة الأولى.

(3) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 3، الطبعة الأولى.

14

و أما الوجه الثاني: و هو ما أفاده من أن المراد جعل العقد لازماً بقول مطلق فلا يشمل موارد الخيار الثابت لكلا المتعاقدين، كخيار المجلس.

فيورد عليه: بأن ما ذكره ليس نصاً و مما لا يقبل التقييد عقلًا، بل هو على تقدير تسليمه لا يعدو أن يكون ظاهراً، فيمكن تقييده بارادة اللزوم من قبل ذي الخيار و يقال إن مرادهم ذلك لا اللزوم المطلق، و تكون القرينة عليه ما هو المعهود من عدم تأثير الخيار في اللزوم بقول مطلق في جميع موارده.

هذا، مع المناقشة في أصل الظهور في إرادة اللزوم المطلق، بل المناقشة في المقيس عليه و هو الفسخ، كما جاء في بعض الحواشي، (1) فراجع.

و نتيجة ذلك: أن هذا التعريف لا إشكال فيه بلحاظ مقام الثبوت بناء على إرادة الاحتمال الثاني منه، فيكون كلا التعريفين خاليين عن الاشكال الثبوتي و لا محذور في الالتزام بأيهما.

فيقع الكلام بعد ذلك في ترجيح أحدهما بلحاظ مقام الاثبات. و قبل ذلك لا بدّ أن نعرف مقدار ارتباطهما بالمفهوم اللغوي للخيار، و قد قيل إن النسبة بينهما و بينه نسبة الخاص إلى العام، إذ مفهوم الخيار لغة عبارة عن السلطنة، و مفهومه اصطلاحاً عبارة عن سلطنة خاصة.

و لكن ينفي هذا القول ما تقدم من أن مفهوم الخيار لغة ليس هو السلطنة، بل هو مفهوم يقارب مفهوم الرضا أو الترجيح. و مقتضى ذلك هو تحقق التباين بين المفهوم اللغوي و الاصطلاحي.

و عليه، فقد يقال: بأنه لا فائدة في تحقيق المعنى الاصطلاحي بعد أن كان مبايناً للمعنى اللغوي، إذ لا يمكن حمل اللفظ على المعنى الاصطلاحي إذا ورد في كلام الشارع لأنه قبل الاصطلاح.

لكن الحق أن المعنى الاصطلاحي و إن كان مبايناً للمعنى اللغوي لكنه لازم له، فإن جعل حق الرضا بالعقد بقاءً- كما كان له الرضا به حدوثاً- أو جعل حق‌

____________

(1) الشهيدي، الميرزا فتاح: حاشية المكاسب، ص 405، الطبعة الأولى.

15

الرجحان أو الترجيح، لا يكون إلا بجعل السلطنة على فسخ العقد أو السلطنة على فسخه و إقراره، إذ لا معنى لجعل الحق المزبور مع عدم جعل السلطنة المزبورة.

إذن، فالخيار بمعناه الاصطلاحي من لوازم الخيار بمفهومه اللغوي، فيصح حمل اللفظ الوارد في النص على إرادة المعنى الاصطلاحي.

و إذا ثبت مقدار ارتباط المفهوم اللغوي بالمفهوم الاصطلاحي ...

فيقع الكلام بعده في أن أي المعنيين اصطلاحاً أرجح في مقام الاثبات؟

و لا بدّ قبل ذلك من إيقاع الكلام في أنه هل للبائع في موارد الخيار حق إبرام العقد و إلزامه بحيث لا يقبل الفسخ بالالتزام به أو ليس له ذلك، مع قطع النظر عن أخذ هذا الأمر في مفهوم الخيار الذي نفاه السيد الطباطبائي (رحمه الله) (1) في حاشيته، بل الكلام في ثبوتها في نفسها.

و من الواضح أنه لو لم تثبت هذه الصلاحية للبائع لم يكن مجال للبحث عن تقويمها لمفهوم الخيار.

كما يقع الكلام في أنه هل لذي الخيار جعل العقد لازماً و لو باسقاط حق الفسخ أو لا؟. فيقع البحث في جهتين:

الجهة الأولى: في أنه هل لذي الخيار اسقاط الخيار، بمعنى أنه هل قابلية الخيار للاسقاط من لوازمه التي لا تنفك عنه عقلًا أو لٰا؟

قد يتخيل هذا الأمر في الخيار، بل في كل حق. فيدعى أن مميز الحق عن الحكم هو قابلية الحق للاسقاط بحيث لا يكون الحق حقاً إلا إذا ثبت هذا اللازم له.

و لا يخفى أن هذا الكلام مصادرة، إذ أي شي‌ء يقتضي لابدّية كون الحق ممّا يقبل الاسقاط. و مجرد إرادة تمييزه عن الحكم لا تقتضي الالتزام بذلك، إذ لا نعدم الفوارق بين الحق و الحكم غير قابلية الاسقاط، فليكن من الفوارق قابلية الحق للنقل و الانتقال دون الحكم. هذا بحسب مقام الثبوت.

____________

(1) الطباطبائي، السيد محمد كاظم: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 2، الطبعة الأولى.

16

و أما بحسب مقام الاثبات، فهناك ما يدل بنحو العموم على أن لكل ذي حق اسقاط حقه. و عليه، فيثبت في موارد الخيار امكان الزام العقد باسقاط الخيار.

الجهة الثانية: في أنه هل يثبت في موارد الخيار حق إبرام العقد و تثبيته و جعله لازماً بالالتزام به بقاءً أو ليس لذي الخيار هذا الحق؟

و الكلام في هذه الجهة في مرحلتين: الأولى: في إثبات حق الابرام.

و الثانية: في بيان ما يتحقق به إنشاء الابرام على تقدير الالتزام بثبوت ذلك، فهل يتحقق بانشاء الالتزام بالعقد أو يتحقق بانشاء ترك الفسخ.

و يقع الكلام في المرحلة الأولى و هي أنه هل له حق الابرام كماله حق الفسخ أو ليس له إلا حق الفسخ و تركه؟

و قد عبّر المحقق الاصفهاني (رحمه الله) (1) عن هذا النزاع، بأنه هل يتقوم الخيار بأمرين وجوديين أم بأمر وجودي و أمر عدمي و أوقع الكلام فيه، و نسب إلى بعض أجلة العصر عدم ثبوت حق الابرام، بتقريب اليك نصه:

«أن العقد مقتض للزوم فان الأصل في البيع هو اللزوم و الخيار جهة مانعة، فإبرام العقد بعدم إعمال جهة مخالفة لمقتضاه من دون حاجة إلى إعمال جهة وجودية، فليس لإبرام العقد معنى إلا عدم نقضه و هدمه و هو معنى الالتزام به، إذ الرضا باستمرار الأمور الواقعة في الخارج المقتضية للدوام ليس إلا بعدم إرادة نقضها و هدمها».

و لا يخفى عليك أن ظاهر هذه العبارة المنقولة أنها بحث في المرحلة الثانية لا الأولى- التي هي محل الكلام-، لأنها صريحة في ثبوت الابرام و المفروغية عن ذلك و أنه لا يحتاج إلى إنشاء أمر وجودي بل يكتفى فيه بانشاء عدم الفسخ، فلنا أن نقول أن المحقق الاصفهاني (رحمه الله) خلط بين المرحلتين.

و على أي حال، فهذه العبارة أجنبية عما نحن بصدده.

و يمكن توجيهها بما ينتهي إلى كونها دليلًا على ثبوت حق الابرام، بأن نقول: إن المراد أن العقد مقتض للزوم، و نسبة الفسخ إليه نسبة المانع من تأثيره، فترك‌

____________

(1) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 3، الطبعة الأولى.

17

الفسخ من الملتفت إلى كونه حقاً له ملازم عرفاً للالتزام بالعقد، فجعل حق الفسخ و تركه ملازم لجعل حق الالتزام بالعقد و إبرامه بامضائه بقاء، فيثبت بذلك حق الابرام. و من الممكن أن يكون نظر القائل إلى هذه الجهة و إن جاء في الكتاب أنه دليل على عدم ثبوت حق الابرام، فلعله اشتباه من الناسخ فجعل لفظ: «الأول» مكان «الثاني»، فراجع.

و كيف كان الأمر، فهذا التقريب مخدوش بوجهين:

الأول: إنكار الملازمة بين ترك الفسخ و الالتزام بالعقد، بل من الممكن بناءه على الفسخ بعد حين لأجل عدم توفر ما يترتب عليه لديه من إرجاع الثمن و نحو ذلك، و من الممكن تردده فعلًا في الصالح لشأنه.

الثاني: أنه لو سلمت الملازمة، فمجردها لا يكفي في ترتيب الأثر على ما يلازم ترك الفسخ من الالتزام بالعقد، بل لا بدّ من البحث عن دليل على ترتب الأثر على الالتزام بالعقد الذي هو محل البحث.

و بعبارة أخرى: إثبات الملازمة غاية ما ينفع في إثبات موضوع البحث و هو تحقق الالتزام عند ترك الفسخ، أما أنه يترتب عليه الأثر و هو إبرام العقد فكيف نستفيده من الملازمة؟. و هذا واضح جداً.

و أما جواب المحقق الاصفهاني (رحمه الله) عن البيان المزبور بأن مقتضى تطبيق المقام على قاعدة المقتضي و المانع أن العقد لا يكون مقتضاه و هو اللزوم فعلياً إلا بزوال المانع و هو حق الخيار لا بمجرد عدم إعمال جهة مخالفة لمقتضاه.

فهو أجنبي عن هذا التوجيه بالمرة، إذ ليس الكلام متركزاً على المقتضي و المانع فقط، بل ذكر ذلك تمهيداً لبيان ملازمة عدم الفسخ للالتزام بالعقد الذي يسقط به الخيار و يتحقق به اللزوم. فالمتعين هو الجواب بما ذكرناه.

و هناك وجه آخر في إثبات حق الابرام و هو: دعوى قيام السيرة على ذلك المنتهية إلى زمان المعصوم (عليه السلام) من دون ردع، الكاشف عن إمضائها.

و يمكن الخدشة في ذلك:- مع غضّ النظر عن مناقشة أصل قيام السيرة‌

18

و التشكيك فيه- بأن القدر المتيقن هو ثبوت السيرة عند التزام ذي الخيار بالعقد على معاملة العقد معاملة اللازم، أما أن منشأ ذلك هو ثبوت حق الابرام، فغير معلوم. بل من المحتمل أن يكون منشؤه كاشفية الالتزام عن إسقاط حق الخيار.

و عليه، فلا دليل لدينا على ثبوت حق الابرام لذي الخيار. و قد عرفت أنه لا مجال معه للبحث عن دخوله في مفهوم الخيار. فيكون التعريف الأول للخيار هو المتعين لا الثاني. هذا تمام الكلام في تعريف الخيار.

[المقدمة الثانية القاعدة الأولية هي أصالة اللزوم في البيع]

و يقع الكلام بعد ذلك في المقدمة الثانية التي ذكرها الشيخ (قدس سره)، و البحث فيها يدور حول إثبات أصالة اللزوم في البيع، و قد تعرض في أثناء حديثه إلى كلام العلامة (رحمه الله) و بيان المراد منه بنحو مفصل، و هذا هو شأن الأعلام السابقين. و قد رأينا الاعراض عن ذلك أولى، لعدم الأثر العملي المترتب عليه فيما نحن فيه.

فالمهم هو تحقيق الأصل في البيع و غيره من المعاملات ليكون هو المرجع في مورد الشك.

و قد حكى الشيخ (قدس سره) (1) عن غير واحد تبعاً للعلامة (رحمه الله) (2) أن الأصل هو اللزوم، ثمّ ذكر أن المستفاد من كلمات جماعة أن الأصل قابل لأن يراد به معان أربعة:

الأول: أن يراد به الراجح بمعنى المظنون و المستند فيه هو الغلبة، فإنها تفيد الظن في إلحاق الفرد المشكوك بالغالب.

الثاني: أن يراد به القاعدة المستفادة من العمومات التي يجب الرجوع إليها عند الشك.

الثالث: أن يراد به الأصل العملي و هو الاستصحاب.

الرابع: أن يراد به المعنى اللغوي للأصل، و هو أن وضع البيع و بنائه في ذاته على اللزوم عرفاً و شرعاً.

____________

(1) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 214، الطبعة الأولى.

(2) العلامة الحلي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 1: ص 515، الطبعة الأولى.

19

و لا يخفى أن الصحيح من هذه المعاني الأربعة التي يمكن أن يلتزم به هو الثاني و الثالث دون الأول و الرابع.

أما الأول، فيرد عليه:

أولًا: أنه يبتني على حجية الظن الناشئ من الغلبة و هو غير ثابت، إذ لا دليل على حجيته.

و ثانياً: أنه لا يرتبط بما نحن بصدده لأن ما نحن بصدده هو إثبات الأصل في طبيعي البيع مثلًا و أن بناءه على اللزوم أو لٰا، و هذا المعنى يبتني على إثبات غلبة اللزوم في البيع، فينفع في إلحاق المشكوك بالغالب، فهو يرتبط بخصوص فرد معين من المعاملة شك في لزومه و جوازه، لا بكلي المعاملة و طبيعيّها إذا شك في أنها لازمة، كالبيع- مثلًا-، أو جائزة، كالهبة.

و قد أورد الشيخ (قدس سره) على هذا المعنى: بأن المراد إن كان غلبة الأفراد فغالبها ينعقد جائزاً لأجل خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط. و إن كان المراد غلبة الازمان فهي لا تنفع في الأفراد المشكوكة.

و لا بدّ من ايقاع الكلام في كلا الشقين، فنقول:

أما غلبة الافراد ..

فيمكن تصحيحها بعد تقييد المعاملة بما بعد المجلس و الثلاثة أيام في الحيوان، فإنه لنا أن نقول إن الغالب في أفراد البيع هو اللزوم فيما بعد المجلس أو الثلاثة أيام في بيع الحيوان- مثلًا-.

و أما غلبة الازمان ..

فقد استشكل السيد الطباطبائي (رحمه الله) (1) في ما أفاده الشيخ (قدس سره): من أن غلبة الازمان لا تنفع في الأفراد المشكوكة، بأن الشك في فرد من البيع أنه لازم أو جائز يلازم الشك في جوازه في زمان خاص، فاذا الحق هذا الزمان بحكم الغلبة‌

____________

(1) الطباطبائي، السيد محمد كاظم: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 3، الطبعة الأولى.

20

بسائر الازمنة في اللزوم، نفع ذلك في إثبات اللزوم بالنسبة إلى الفرد و إن لم يكن بعنوانه، و هو لا يضر لتلازم الحيثيتين واقعاً، فثبوت الحكم من إحداهما يكفي في المدعى.

كما استشكل المحقق الايرواني (رحمه الله) (1) فيه أيضاً: بان وقوع العقد في غالب الأزمان على صفة اللزوم إن كان نافعاً في إلحاق الزمان المشكوك من عقد واحد، فهو نافع في إلحاق تمام أزمنة عقد واحد، لأن أثر الغلبة إلحاق النادر بالغالب سواء كان النادر تمام أزمنة عقد واحد أو بعض أزمنته.

و الذي نراه أن الحق مع الشيخ (قدس سره)، و ذلك لأن المعتبر في باب الغلبة أن يكون هناك جامع بين الغالب و النادر و المشكوك كي يلحق المشكوك منه بالغالب منه، فاذا لوحظت الغلبة من حيث الأزمان، [فانها] لم تتصور إلا في فرد معين يكون الغالب في زمانه اللزوم و إنما يشك في بعض أزمنته أنه لازم أو لٰا. أما إذا شك في فرد أنه لازم أو لا في جميع أزمنته- كالمعاطاة مثلًا- الذي هو محل الكلام، فلا تتأتى فيه هذه الغلبة، إذ ما هو الغالب الذي يراد إلحاق المشكوك فيه؟!.

و لعل هذا هو مراد المحقق الاصفهاني (رحمه الله) (2) من قوله: «... و توهم تلازم الحيثيتين إنما هو في الفرد الذي شك في لزومه و جوازه في زمان خاص و أما الفرد الذي يشك في لزومه و جوازه مطلقاً من دون خصوصية زمان فلا تلازم كما لا يخفى».

فما ذكره المحققان يمكن أن يكون ناشئا من الخلط بين غلبة الازمان و غلبة الافراد.

و أما الرابع، فلا بدّ من معرفة المراد منه قبل معرفة الاشكال فيه، فنقول: المراد من لزوم البيع بذاته في قبال جواز الهبة بذاتها ليس كون اللزوم ذاتياً بالمعنى المراد من الذاتي في كتاب الكليات و هو ما تتقوم به الذات من الجنس و الفصل، إذ‌

____________

(1) الايرواني، الشيخ ميرزا علي: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 2، الطبعة الأولى.

(2) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 4، الطبعة الأولى.

21

لا يتقوم البيع باللزوم بل هو حكم عارض عليه. كما أنه ليس المراد به المعنى المراد بالذاتي في كتاب البرهان، إذ العقد ليس بنحو يكفي وضع ذاته في انتزاع اللزوم، إذ عرفت أن اللزوم حكم مجعول عارض عليه.

و إنما المراد من كونه ذاتياً، أن البيع- مثلًا- بعنوانه الأولي و بما هو بيع محكوم باللزوم و يكون الحكم بالجواز عليه لطرو عنوان آخر عليه زائد على ذاته، ككون المبيع حيوانياً و غير ذلك، فهو نظير ما يقال: من أن الميتة بذاتها حرام و يعرض عليها الجواز بطرو عنوان الاضطرار عليها.

و قد بينت الذاتية بنحو آخر و هو أن طبيعة العقد تقتضي اللزوم ثبوتاً و هذا المعنى بظاهره واضح الاشكال، إذ ليس البيع من الحقائق الخارجية ذات الطبع، نظير الماء الذي يقال أن طبيعته البرودة، و النار التي يقال إن طبيعتها الحرارة.

و قد وجهه المحقق الاصفهاني (رحمه الله) (1) بما لا دليل عليه. و لذا رأينا الاعراض عنه أولى و ايقاع الكلام فيما ذكرناه له من المعنى.

و ما ذكرناه واضح الاشكال، و ذلك لأن المقصود من ثبوت اللزوم للبيع- مثلًا- بما هو، و ثبوت الجواز له بعنوان طارٍ عليه ..

إن كان ثبوته بهذا النحو ببناء العقلاء، فيشكل بأن العرف ليس لهم بناءان عمليان أحدهما عام و الآخر خاص، إذ البناء العملي ليس إلا عملهم الخارجي، و من الواضح أن عملهم رأساً على اللزوم في غير موارد العيب- مثلًا-، و عملهم على الجواز في موارده.

إذن، فليس البيع في مورد العيب في ذاته لازماً، إذ البناء العملي على الجواز رأساً.

و عليه، فمع الشك في جواز عقد أو لزومه ليس لدينا قاعدة عامة تشخص لدينا حكمه.

____________

(1) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 4، الطبعة الأولى.

22

و إن أريد ثبوته ببناء الشارع ..

فإن كان بنحو الامضاء للبناء العقلائي العملي بعدم الردع عنه، فالكلام فيه هو الكلام في سابقه.

و إن كان الامضاء بالعموم أو الاطلاق اللفظي، فهو و إن أثبت المعنى المزبور إذ يمكن أن يكون الدليل بعمومه أو اطلاقه شاملًا لأفراد العقد بمجموعها و يكون ما يدل على الجواز مخصصاً له أو مقيداً.

إلا أن هذا يرجع إلى المعنى الثاني، و هو إرادة القاعدة المستفادة من العمومات من الأصل و ليس معنى مغايراً له، كما هو الفرض.

و مما ذكرنا من معنى الأصل الرابع تعرف أنه لا فرق بين أن يكون الجواز الثابت لبعض أفراد العقد ثابتاً بعنوان الحق أو بنحو الحكم، في عدم كونه منافيا لفرض وضع البيع بما هو على اللزوم.

فما يظهر من الشيخ (قدس سره) (1) من التفرقة بين الجواز الحقي و الحكمي في عدم منافاة الأول و منافاة الثاني في غير محله. فلاحظ.

و إذا تبين بطلان هذين المعنيين، فيقع الكلام في المعنى الثاني و الثالث.

أما الثالث، و هو الاستصحاب، فيراد به استصحاب بقاء ملكية المالك بعد الفسخ، إذ يشك بعد الفسخ في زوال ملكية المشتري للمثمن و البائع للثمن، فتستصحب ملكيتهما و نتيجة ذلك مع اللزوم واحدة.

نعم، في هذا الاستصحاب وقفتان يرجع في تحقيقهما إلى الاصول، و هما:

أولًا: إنه من استصحاب الاحكام الكلية. ثانياً: إنه من استصحاب الكلي القسم الثاني لتردد الملكية الحاصلة أولًا بين اللازمة و الجائزة.

و قد تحقق لدينا صحة استصحاب الحكم الكلي خلافاً للنراقي (2) و من‌

____________

(1) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 214، الطبعة الأولى.

(2) النراقي، المولى احمد: مناهج الاحكام و الاصول، ص 240، الطبعة الأولى.

23

تابعه، (1) كما تحقق لدينا صحة القسم الثاني من استصحاب الكلي.

هذا، مع ما ذكره الشيخ (قدس سره) (2) في مسألة المعاطاة من أن المستصحب شخص الملكية لا القدر المشترك، لأن اللزوم و الجواز ليسا من عوارض الملكية، بل من أحكام العقد. و على كل حال فلا إشكال لدينا في إجراء الاستصحاب.

فلو توقفنا عن إجرائه لاحدى الشبهتين أو لكليهما ..

فمع الفسخ و وجود العوضين يحصل العلم الاجمالي لكل من المشتري و البائع بحرمة تصرفه إما في الثمن أو المثمن لاحتمال انفساخ البيع و عدمه.

و مع تلف الثمن يحصل للبائع علم إجمالي بوجوب رد قيمته أو بحرمة التصرف في المثمن. و هكذا الحال بالنسبة إلى المشتري لو تلف المثمن.

أما مع تلف كلا العوضين، فلا علم إجمالياً بشي‌ء، بل يشك في الضمان و الأصل البراءة منه.

و أما الثاني، و هو القاعدة، فهي المستفادة من العمومات الدالة على اللزوم و هي بأكثرها لا تختص بالبيع، بل تعم غيره.

و قد ذكر الشيخ (قدس سره) (3) العمومات التي يستفاد منها ذلك

و هي:

الأول: قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

(4) و تقريب دلالتها على اللزوم كما ذكره الشيخ (قدس سره): أن الآية الكريمة دالة على وجوب الوفاء بكل عقد، و المراد بالعقد إما مطلق العهد، كما جاء تفسيره به في صحيحة ابن سنان، (5) أو ما يسمى في العرف و اللغة عقداً.

و المراد بوجوب الوفاء هو العمل بما يقتضيه العقد في نفسه بحسب مدلوله اللفظي‌

____________

(1) الحسيني، السيد محمد سرور: مصباح الاصول، ج 3، ص 148، الطبعة الأولى.

(2) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 85، الطبعة الأولى.

(3) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 215، الطبعة الأولى.

(4) سورة المائدة، الآية: 1.

(5) الطباطبائي، السيد محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، ج 5: ص 200، الطبعة الأولى.

24

نظير الوفاء بالنذر، فإذا كان مقتضى العقد بحسب دلالته اللفظية تمليك العين للغير فمقتضى وجوب الوفاء هو لزوم العمل بهذا المقتضى فكل ما يخالفه محرم بحسب الآية الشريفة. فأخذه من يد الغير و التصرف فيه بدون رضاه ينافي مقتضى العقد، فيكون محرماً. فإذا تحقق الفسخ و شك في تأثيره، فحيث أن التصرف في العين بعده يتنافى مع مقتضى العقد و هو التمليك كان محرماً.

و من الواضح ان تحريم ذلك بمقتضى اطلاق الآية يلازم لزوم العقد الذي هو حكم وضعي، فاذا دل الدليل على الحكم التكليفي و هو حرمة التصرف بعد الفسخ دل بالالتزام على الحكم الوضعي و هو اللزوم. أو نقول بأن مجرد جعل الحكم التكليفي يكفي في انتزاع الحكم الوضعي بناء على ما حقق في الاصول من ان الاحكام الوضعية منتزعة عن الاحكام التكليفية.

هذا ما أفاده الشيخ (قدس سره) في تقريب دلالة الآية على اللزوم، ه‌لصحمو: إن وجوب العمل بمقتضى العقد بقول مطلق حتى فيما بعد الفسخ لازم مساوٍ للزوم العقد، فيكشف عن جعل اللزوم، أو ينتزع عنه اللزوم.

و قد أورد عليه ايرادات متعددة:

الأول: ما أشار إليه السيد الطباطبائي (رحمه الله) (1) من أن العقد مطلق العهد، سواء كان عهداً من اللّٰه سبحانه كالتكاليف. أو عهداً بين العبد و خالقه، كالنذر و شبهه. أو عهداً بين الخلق بعضهم مع بعض، كالمعاملات. و بما أن من التكاليف ما لا يجب امتثاله كالمستحبات، كان عموم العهد موجباً لصرف ظهور الأمر في الوجوب و حمله على القدر المشترك بين الوجوب و الاستحباب، فلا ينفع في إثبات وجوب الوفاء في مورد الشك.

الثاني: ما ذكره السيد (رحمه الله) (2) أيضا و غيره من: أن موضوع الحكم بوجوب‌

____________

(1) الطباطبائي، السيد محمد كاظم: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 3، الطبعة الأولى.

(2) المصدر.

25

الوفاء هو العقد. و من الواضح ان الحكم يدور مدار موضوعه، فاذا صدر الفسخ من أحد المتعاقدين و شك في تأثيره يحصل الشك في تحقق العقد، إذ الفسخ على تقدير تأثيره يؤثر في حل العقد و إزالته، فمع الشك في ذلك يشك في ثبوت العقد، فلا يمكن التمسك بعموم وجوب الوفاء بعد الفسخ للشك في موضوع الحكم.

فالمورد من موارد الشبهة المصداقية للعام، و هو مما لا يجوز التمسك بالعام فيه بلا كلام، فلا يتوهم أحد جواز التمسك بعموم: «أكرم كل عالم» في شخص يشك في كونه عالماً.

الثالث: ما ذكره المحقق الايرواني (رحمه الله) (1) من: أن الوفاء هو القيام بما التزم به قياماً خارجياً، و هذا إنما يصدق وجوداً و عدماً في مورد يتعلق الالتزام و العهد بعمل، كنذر الفعل و الجعالة و المزارعة و نحو ذلك. أما إذا تعلق العهد بالنتيجة، كالبيع و النكاح و نذر النتيجة، فلا يصدق في موردها الوفاء و عدمه حقيقة لأنه لا معنى للقيام بما التزم به بعد إن لم يكن من أعماله.

و عليه، فتختص الآية الكريمة بالعقود الواقعة على الاعمال لا النتائج، كالبيع، فإن الملتزم به الملكية و هي نتيجة لا عمل للشخص نفسه. فلا تنفع في إثبات اللزوم في مطلق العقود.

أقول:

أما الوجه الأول: فيمكن الاشكال فيه: بأنه من الواضح أن العقد ليس بمعنى العهد بقول مطلق، إذ لا يرتاب أحد في عدم صدق العقد على وجوب الصلاة و استحباب غسل الجمعة و غيرها من التكاليف الشرعية، و الموضوع في الآية الكريمة ليس مطلق العهد، بل الموضوع هو العقد و هو عهد خاص.

و عليه، فلا ضير في الالتزام بظهور الأمر بالوفاء في اللزوم و لا يلزم منه محذور، لخروج التكاليف الشرعية عن موضوعه التي هي منشأ الاشكال.

____________

(1) الايرواني، الشيخ ميرزا علي: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 3، الطبعة الأولى.

26

و أما الوجه الثاني: فقد أجيب عنه بوجوه متعددة و عمدتها وجهان:

الوجه الأول: ما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه الله) (1) ناسباً له إلى غير واحد من الأعلام و يظهر منه تقريره و ارتضائه، ه‌لصحمو بتوضيح: إن المراد من العقد ليس هو العقد اللفظي و لا الانشائي بما هو مدلول للكلام، و لا الالتزام القلبي لكل من البائع و المشتري لانه زائل قطعا فلا بقاء له.

و إنما المراد بالعقد هو الاعتبار الشرعي أو العرفي الحاصل بواسطة الانشاء، فالعقد الذي يتصور فيه البقاء هو الموجود الاعتباري الذي يتحقق باعتبار من بيده الاعتبار من شرع أو عرف بملاحظة ما يراه من مصلحة.

و بما ان الموضوع الوارد في الدليل الشرعي يحمل على معناه العرفي، فالمراد من العقد في الآية الكريمة هو العقد العرفي.

و من الواضح أنه بالمعنى العرفي ذو بقاء بعد قول: «فسخت» و إنما الشك في تأثير الفسخ بنظر الشارع.

و فيه:

أولًا: أن هذا الحديث لا يتأتى مع الشك في تأثير الفسخ في حلّ الملكية عرفاً، إذ كما يشك في بقاء العقد شرعاً يشك في بقائه عرفاً، فلا يمكن التمسك بالدليل.

و ثانياً: إن العرف و إن كانت له اعتبارات مستقلة عن الشارع إلا أنها إذا لم تكن ملغاة بنظره الأقدس.

بيان ذلك: أنه إذا فرض أن جماعة معينة حكّموا شخصاً منهم في جميع أمورهم يتصرف بهم و بأموالهم كما يتصرف بماله من دون اعتراض منهم على ذلك بل كانوا يرون الحق له فيه. فإنه من الواضح أنه لا معنى لاعتبار الجماعة ملكية زيدٍ للمال إذا فرض أن ذلك الشخص اعتبر ملكية عمرو له، أو سلب عن زيد ملكيته، إذ الفرض أنهم يرون مال الغير بالنسبة إلى ذلك الشخص كماله، فكما أنه إذا ملك‌

____________

(1) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 7، الطبعة الأولى.

27

عمراً ماله لم يعتبروا ملكية زيد له بل إنما يعتبرون ملكية عمرو له، فكذلك بالنسبة إلى مال أحدهم.

إذا عرفت ذلك، ففيما نحن فيه الأمر كذلك، إذ الشارع له السلطنة المطلقة على العباد و هذا مما يُقرُّ به المتشرعة و لا يستطيعون مخالفته بما هم كذلك في تصرفاته فيهم، فإذا نفى الملكية عن أحد لم يعتبروا له الملكية، بل لا بدّ لهم من متابعته.

و عليه، فإذا فرض أنه احتمل أن يكون الفسخ مزيلًا للملكية بنظر الشارع لم يكن للعرف اعتبارها في هذا الحال لكون الفرض متابعتهم له و ليس لهم انحياز عنه، فذلك نظير ما لو شك في اعتبار زيد ملكية ماله لعمرو فإنه مع هذا الشك لا يعتبر العرف ملكية عمرو لمال زيد. فتدبر.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الايرواني (رحمه الله) (1) و بيانه: أن العهد و العقد إذا تعلق بأمر استمراري مجموعي كان الوفاء به هو القيام بذلك الأمر بنحو الاستمرار من دون اعتبار استمرار العهد في النفس أو الانشاء في الخارج، بل يعتبر القيام بالأمر الاستمراري وفاء للعقد أو العهد الحادث، فإن القيام به يعد وفاءً و عدم القيام به يعد نقضاً له.

و يشهد لذلك عرفاً أنه إذا وعد زيد عمراً أن يأتيه يوم الجمعة ثمّ ندم يوم الخميس على التزامه و بنى على حلّ ذلك العهد و الالتزام، فاذا لم يأته يوم الجمعة عدّ ذلك نقضاً للعهد و الوعد و إن عدل عنه قبل وقت الوفاء. و هذا ما لا يشكك فيه كل أحد.

و فيه: أنه قد حققنا في محله من مباحث الاصول (2) أن الأمور الانشائية يتحقق لها وجود إنشائي بالانشاء يكون هذا الوجود مستمراً إلا إذا أزاله إنشاء رافع له. و قد عرفت هناك أن بعض المحققين (3) حاول إنكار هذا الوجود‌

____________

(1) الايرواني، الشيخ ميرزا علي: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 3، الطبعة الأولى.

(2) الحكيم، السيد عبد الصاحب: منتقى الاصول، ج 1: ص 125، الطبعة الأولى.

(3) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: نهاية الدراية، ج 1، ص 273، ط مؤسسة آل البيت (ع).

الفياض، محمد اسحاق: محاضرات في اصول الفقه، ج 1، ص 88، الطبعة الأولى.

28

لكنه التزم به من غضون بعض التزاماته في بيع الفضولي (1) و غيره.

و إذا ثبت هذا المعنى، كان الوفاء في مرحلة البقاء هو الوفاء به لا الوفاء بالعقد في مرحلة حدوثه، حتى في مثل الوعد، فإن له وجوداً انشائياً لا يزول بالعدول القلبي عما التزم به، فيصدق النكول عن وعده بلحاظ هذا الوجود المستمر لا بلحاظ الوعد في مرحلة حدوثه.

و لذا لو أنشأ العدول أمكن أن يدعى زوال وجوده الانشائي فلا يلزمه عرفاً الوفاء لزوال وعده. إلا أن يقال بعدم تأثير إنشاء الخلاف في رفع الوجود الانشائي للوعد شرعاً و لا عرفاً، فيعتبر الوفاء لبقاء موضوعه.

و عليه، فنقول: إذا تحقق إنشاء البيع تحقق للتمليك وجود إنشائي يستمر و لا يزول بزوال الالتزام قلباً- و هذا هو الذي يتعلق به الامضاء في باب بيع الفضولي إذ الوجود اللفظي منعدم لا معنى لإمضائه أو رده- و إنما يزول ببعض الانشاءات المخالفة له إذا اعتبر الشارع تأثيرها في ذلك، و الوفاء بقاء إنما هو بلحاظه لا بلحاظ العقد في مرحلة حدوثه، فمع الشك في تأثير الفسخ يشك في بقاء هذا الوجود الانشائي للملكية، فيشك في ثبوت وجوب الوفاء و الحال هذه.

نعم، ما ذكرناه يبتني على أن الوفاء و الفسخ بلحاظ الوجود الاستمراري للعقد- بالمعنى الذي ذكرناه- لا بلحاظ الوجود الحدوثي.

و هذا سهل الاثبات، إذ الكل يذهب إلى أن الفسخ حل العقد و هو لا يصح إلا إذا أريد به ما ذكرناه، إذ لا معنى لحل العقد المتقدم إذ لا بقاء له. و احتمال أن يكون الفسخ حق استرداد العين و إن كان موجوداً، إلا أنه لم يذهب إليه أحد.

و بالجملة، يدور الكلام حول كون الفسخ و الوفاء يرتبطان بالعقد بوجوده الاستمراري أو بوجوده الحدوثي. و قد عرفت أن الأول هو المتعين.

و عليه، فالاشكال الثاني على الشيخ يبقى على حاله بلا رافع له.

____________

(1) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب البيع، ص 147، الطبعة الأولى.

التوحيدي، محمد على: مصباح الفقاهة، ج 4: ص 152، الطبعة الأولى.

29

و أما الوجه الثالث: الذي ذكره المحقق الايرواني (رحمه الله)، فتحقيق الحال فيه بنحو يتضح الاشكال فيه يتوقف قبل كل شي‌ء على معرفة مفهوم الوفاء و المراد به في الآية الكريمة.

فنقول:

ذهب المحقق الايرواني (رحمه الله): إلى أن معنى الوفاء هو القيام بما التزم به قياماً خارجياً.

و ذهب المحقق الاصفهاني (رحمه الله): إلى أن معنى الوفاء هو الاتمام، و الوافي بمعنى التام.

و لكن لا يمكن الالتزام بكلا هذين المعنيين:

أما الأول: فلأنه يقال: درهم وافي، و كتاب وافي، و استوفى دينه، و في كل ذلك لا معنى لتقدير القيام بما التزم به قياماً خارجياً، إذ الدرهم لم يصدر منه عمل و هكذا الكتاب، و ليس في الاستيفاء قيام للمستوفي بما التزم به. و بملاحظة موارد استعمال هذه الكلمة باشتقاقاتها المتنوعة يتضح بطلان هذا المذهب جيداً.

و أما الثاني: فلأنه و إن أمكن إرادته من الدرهم الوافي و من مثل «وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزٰانَ» (1) إذ يمكن أن يراد الدرهم التام، و أتموا الكيل و الميزان، لكن لا يمكن إرادته من مثل: «أوف به»- كما ورد في الآية الكريمة- إذ لا معنى لأن يراد أتموا بالعقود من الآية، و أتم به من المثال.

و الذي نستطيع أن نجزم به في المقام هو أن للوفاء مفهوماً يساوق عدم التجاوز عن الشي‌ء و يلازمه لكن لا مطلق عدم التجاوز، إذ لا يقال عن امتثال الواجب إنه وفاء به مع أنه لم يتجاوزه، بل عدم التجاوز في موارد يتحقق الالتزام و البناء على العمل و لو كان ذلك أمراً تقديرياً ارتكازياً، كما في موارد استعمال: «وافى زيد القوم» إذا سبق إن كان هناك عهد أو بناء ارتكازي على مروره على القوم.

و نقصد بما ذكرنا أنه لا يعتبر في حقيقة الوفاء الالتزام الشخصي، بل ما يعمه و يعم البناء النوعي على أن يتحقق الشي‌ء بالنحو الخاص. و من هذا الباب صدق‌

____________

(1) سورة الانعام، الآية: 152.

30

الدرهم الوافي و الكتاب الوافي إذا لم يتجاوز كل منهما ما بني عليه من كونه بالوزن الخاص و كونه مؤدياً للمقصود. كما لا يعتبر في صدقه القيام الخارجي بالمقصود كي نتوقف في صدقه في المثالين، إذ لا عمل صادر من الدرهم و لا الكتاب. بل المراد به أعم منه و من القيام بالمقصود و لو بغير اختيار، و لعل التعبير الجامع هو أداء و كونه بنحو لا يتجاوز المقصود بل يؤديه و لا يقصر عنه.

و منه ظهر اختلاف ما نذهب إليه في معنى الوفاء مع ما ذهب إليه المحقق الايرواني (رحمه الله) من أن معناه هو القيام الخارجي بما التزم به. و ما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه الله) من أن معناه هو الاتمام.

نعم، ما ذكر له من المعنيين يحققان معناه الذي ذكرناه في بعض الموارد، فالقيام بما التزم به قياماً خارجياً في مثل المزارعة يحقق عدم التجاوز عما التزم به. و هكذا الاتمام في مثل الكيل و الميزان، فإنه يحقق عدم التجاوز عن المرغوب فيه في الكيل إلى خلافه.

و ما ذكرناه أقرب لمعنى الوفاء من جميع ما ذكر، و يمكن تطبيقه على جميع موارد استعمال هذه الكلمة بمشتقاتها المختلفة.

و إذا ظهر ذلك، فننقل الكلام فيما نحن فيه و هو الآية الكريمة: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، و بما أنك عرفت أن معنى الوفاء يساوق العمل بالتزامه و عدم التجاوز عنه، فالباء في الآية الكريمة شأنها شأن الباء في قولنا العمل بالالتزام، و المراد على هذا عدم التجاوز عن العقد و العمل به بتطبيق مقتضاه.

و بما أن مفاده- في البيع مثلًا- هو النقل و الانتقال و التمليك و التملك، فمقتضى الوفاء به البناء على الملكية و النقل و الانتقال، و عدم التجاوز عنها.

و عليه، فالأمر بالوفاء أمر بابقاء الملكية و عدم فسخها و ازالتها، فمرجعه إلى النهي عن ازالتها. و هذا مما لا يمكن الالتزام به لأنه ..

إما أن يراد به اثبات صحة العقد أو لزومه، و على كلا التقديرين إما أن يكون الأمر ارشادياً أو مولوياً.

أما فرض أن يراد به اثبات صحة العقد و كونه مولوياً، فيدفعه: أن وجوب‌

31

الوفاء متفرع عن كون العقد صحيحاً، فلا معنى لأن يراد به صحة العقد.

و أما فرض كونه ارشاداً إلى صحة العقد، فيدفعه: أنه لا معنى لإمضاء البيع- مثلًا- و بيان نفوذه بالأمر بما يترتب على الصحة و النفوذ.

إذن، فلا بدّ أن يكون الملحوظ به مقام اللزوم.

و فرض كونه أمراً مولوياً الذي يرجع إلى حرمة الفسخ، فيترتب عليه فساده و عدم تأثيره و هو معنى اللزوم.

يدفعه: أولًا: ان النهي عن المعاملة على ما حققناه في الاصول (1) لا يقتضي الفساد، كما ذهب إليه بعض (2)، و لا يقتضي الصحة، كما ذهب إليه آخرون (3) فيما إذا تعلق بالمسبب-.

و ثانيا: أنه من الواضح الضروري أن الفسخ لو ثبت تأثيره أو عدمه لا يكون محرماً، إذ لم يدع أحد من الفقهاء حرمته. إذن فحمله على الوجوب المولوي الراجع إلى حرمة الفسخ خلاف ضرورة الفقه.

و أما حمله على الارشاد إلى عدم تأثير الفسخ و اللزوم، فهو خلاف ظاهر الأمر شرعاً خصوصاً في مثل الوفاء الذي يعلم أنه محبوب شرعا فيشتمل على ملاك الأمر المولوي.

و على هذا، فلا بدّ من التصرف في معنى الوفاء هاهنا و حمله على معنى يتلائم مع الأمر المولوي به، فيقال إن المراد به ليس ابقاء الملكية حقيقة الذي يرجع إلى عدم الفسخ، بل المراد به ابقاء الملكية عملًا- كما يقال عين ذلك في المراد بالنقض في باب الاستصحاب فيقال إن المراد به النهي عن النقض عملًا، إذ لا يمكن النهي عن النقض و الأمر بالابقاء حقيقة-، فيرجع إلى الأمر المولوي بترتيب آثار الملكية.

____________

(1) الحكيم، السيد عبد الصاحب: منتقى الاصول، ج 3: ص 206، الطبعة الأولى.

(2) الكاظمي، الشيخ محمد علي: فوائد الاصول، ج: ص 271، ط مؤسسة النشر الاسلامي.

(3) التفتازاني، ملا سعد: شرح التلويح على التوضيح، ج 1: ص 415 الطبعة الأولى.

32

و مقتضى اطلاقها لزوم ترتيب الآثار حتى بعد الفسخ، و هذا يلازم الحكم باللزوم و عدم ترتب الأثر على الفسخ، كما ذكره الشيخ (قدس سره) (1) في تقريبه لأصالة اللزوم. و بهذا البيان تثبت أصالة اللزوم لو لا إشكال الشك في موضوع الحكم بعد الفسخ، فإنه اشكال متين لم يثبت الجواب عنه.

إن قلت: إنك و إن ذهبت في حقيقة الوفاء إلى معنى يختلف عما ذهب إليه المحقق الايرواني، لكنه لا بدّ أن يراد بالوفاء المذكور في الآية الشريفة ما ذكره المحقق الايرواني و ذلك لفرض كونه متعلقاً للأمر، فلا بدّ أن يراد به خصوص الفعل الاختياري، كما أنه متعلق بالعقود و هي التزامات شخصية، فيراد منه هو القيام الاختياري بما التزم به.

و بما أنه لا يمكن الالتزام بتعلق الأمر المولوي بالوفاء على ظاهره- كما قرّب- يدور الأمر بين التصرف في معنى الوفاء بحمله على الابقاء العملي كما ذكر.

و بين التصرف في المراد بالعقود بحمله على العقود الواقعة على العمل، كالمزارعة و المساقاة دون الواقعة على النتيجة، كالبيع و النكاح.

و قد رجح المحقق الايرواني (رحمه الله) التصرف في ظهور المتعلق لو دار الأمر بينه و بين ظهور الفعل، فيبقى الوفاء على ظهوره و يخصص العقد بالواقع على العمل.

و من الواضح أنه لو التزمنا بكون المراد بالعقد هو خصوص الواقع على العمل، كالمزارعة، أمكن حمل الأمر بالوفاء على الأمر المولوي مع التحفظ على ظهوره في معناه، إذ المراد بالوفاء في مثل تلك العقود إتيان نفس العمل الذي وقع عليه العقد، و لا مانع من تعلق الأمر المولوي الوجوبي به و ليس هو نظير الفسخ كي يقال إنه لا قائل بحرمته.

و بهذا البيان تعرف مقدار التقاء كلامنا مع ما ذكره المحقق الايرواني (رحمه الله)، و إن اختلفنا معه في الطريق الموصل إلى هذا الترديد، فوصوله إلى ذلك من باب عدم التوافق بين معنى الوفاء بذاته و ارادة مطلق العقود. و وصولنا إليه من باب عدم‌

____________

(1) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 215، الطبعة الأولى.

33

التوافق بين الأمر المولوي بالوفاء و إرادة مطلق العقود.

قلت:- مع الغض عن تصور القيام بما التزم به لو وقع الالتزام على النتيجة و لو بنحو التسبيب- إن ما ذكر من ترجيح ظهور الوفاء و التصرف في المراد بمتعلقه و هو العقود فاسد، لوجهين:

الوجه الأول: أنه لم يثبت أن الالتزام العقدي في مثل المزارعة و المساقاة واقع على العمل، بيان ذلك: أن المزارعة معاملة ترجع إلى تكفل أحد المتعاملين زرع أرض غيره بحصة من الحاصل. و المساقاة معاملة ترجع إلى تكفل أحدهما شئون الآصال الراجعة لغيره من سقي و غيره بحصة من حاصلها. و حقيقة المزارعة و هكذا المساقاة يمكن أن تكون بأحد أنحاء ثلاثة:

الأول: أن تكون من سنخ الجعالة على العمل الخاص، نظير من ردّ ضالتي فله كذا.

الثاني: أن تكون عقداً و التزاما بتمليك صاحب العمل عمله في مقابل تملكه الحصة المعينة من الحاصل.

الثالث: أن تكون من سنخ الجعالة بضميمة التزام الزارع زرع الأرض، فيكون الالتزام بالعمل من قبيل الشرط الضمني في المعاملة.

أما النحو الأول: فليس فيه أي التزام بعمل كما لا يخفى.

و أما النحو الثاني: فالالتزام تعلق بالنتيجة و هي ملك العمل، فيكون أداء العمل نظير تسليم المثمن في البيع لا قياماً بما التزم به، فيكون حالهما حال البيع و النكاح.

و أما النحو الثالث: فالالتزام و إن تعلق بالعمل لكنه ليس التزاماً عقدياً بل هو شرط في ضمن العقد. فلا معنى لحمل العقود عليه.

الوجه الثاني: أنه لو سلم كون الالتزام و العقد واقع على العمل لا على النتيجة في المزارعة و المساقاة، فالظاهر اختصاص ذلك بهما.

و من الواضح أن حمل لفظ العقود عليهما مع بعدهما عن الاذهان و تعارف مثل‌

34

البيع و النكاح و الاجارة و انصراف الذهن إليها، بعيد جداً و لا يقدم عليه العرف.

و ليس تقديم ظهور الفعل على ظهور المتعلق لو دار الأمر بينهما مما وردت به آية أو رواية.

إذن، فالمتعين ابقاء العقود على ظاهره و التصرف في لفظ الوفاء و حمله على ما ذكرناه، فتدبر.

و بالجملة، تقريب الشيخ (قدس سره) بالنحو الذي ذكرناه لاستفادة أصالة اللزوم من الآية الشريفة متين في نفسه و لا اشكال فيه سوى إشكال الشك في بقاء الموضوع بعد الفسخ. و به يتوقف عن الذهاب إلى دلالة الآية على أصالة اللزوم.

هذا، و لكن الانصاف أنه يمكن دعوى دلالة الآية على اللزوم، بتقريبين:

الأول: أن انشاء الفسخ من أحد المتعاملين ..

إما أن يكون مستلزماً لارتفاع العقد الانشائي الثابت بالانشاء. و إما أن لا يكون مستلزماً لذلك، بل يبقى العقد على حاله.

فعلى الثاني: كان العقد باقياً فيترتب عليه وجوب الوفاء لثبوت موضوعه.

و على الأول: يستلزم أن يكون اللزوم في موارده بلحاظ الوفاء بالعقد الحدوثي، إذ الفرض تأثير الفسخ في حل العقد بقاءً مع فرض اللزوم و لا يكون ذلك إلّا مع فرض كون الوفاء بقاء بالعقد في مرحلة حدوثه.

و عليه، فيصح التمسك بوجوب الوفاء بعد الفسخ لكون العقد الموضوع هو العقد حدوثاً و هو لم يتأثر بالفسخ.

الثاني: و بيانه يتوقف على ذكر مقدمة و هي أن الموضوع، تارة: يكون مرتبطاً بمتعلق الحكم بمعنى أن متعلق الحكم يضاف إليه. و أخرى: لا يكون كذلك بأن لا يكون المتعلق مضافاً إليه و متوقفاً في تحققه عليه.

و الأول: على قسمين، لأنه:

تارة: لا يمكن أن يصدق و يتحقق بدون بقاء الموضوع، نظير: «أكرم العالم» فإن متعلق الحكم هو اكرام العالم. و من الواضح أنه لا تصدق هذه الحصة فعلًا مع‌

35

زوال العلم، فلا يصدق اكرام العالم فعلًا على اكرام زيد الذي كان عالماً أمس و زال عنه العلم اليوم. فالحصة المقيدة لا تصدق مع زوال التلبس بالعلم.

و أخرى: يمكن أن يصدق فعلًا و لو لم يبق الموضوع، بل يكون وجود الموضوع حدوثاً كافياً في تحقق صدق المتعلق في مرحلة البقاء. كما في المثال السابق لو أخذنا العالم أعم من المتلبس و المنقضي عنه المبدأ، فإنه يصدق مع زوال التلبس بالعلم اكرام العالم فعلًا.

و أما الثاني: فهو مثل ما إذا قال: «إذا نزل المطر وجب عليك اكرام زيد».

و لا يخفى أنه مع الشك في بقاء الموضوع لا يمكن التمسك باطلاق المتعلق في القسم الأول، لفرض أن الحكم متعلق بما يدور مدار الموضوع بقاء، فلا يمكن التمسك بالاطلاق في اثبات الحكم في فرض الشك في بقاء الموضوع.

و أما في القسم الثاني و الثالث، فيمكن التمسك بالاطلاق، فيقال: إن مقتضى اطلاق المتعلق ثبوت الحكم له و لو مع الشك في الموضوع المأخوذ في لسان الدليل، إذ الفرض تحقق المتعلق من دون الموضوع بقاء، و به يثبت ان الموضوع هو تحقق العنوان حدوثاً فقط.

و من هنا ظهر أن ما يقال من عدم امكان التمسك بالاطلاق مع الشك في الموضوع ممنوع على اطلاقه، بل لا بدّ من التفصيل المذكور فيه.

إذا عرفت ذلك، فنقول: العقد و إن كان له وجودان حدوثي و بقائي، إلا أن الوجود الحدوثي يتعلق بترتيب الآثار بنحو الاستمرار. و عليه، فترتيب الآثار في مرحلة البقاء يصدق عليها فعلًا إنها وفاء للعقد بلحاظ الوجود الحدوثي له و إن لم يبق العقد فعلًا لزواله ببعض الاسباب.

و عليه، فيمكن التمسك بالاطلاق، فيقال: إن مقتضى اطلاق الوفاء إرادة الوفاء بالعقد مطلقا حتى بعد قول: «فسخت» فيثبت الحكم له و هو الوجوب بعد قول: «فسخت» و لو كان بقاء العقد مشكوكا، إذ يصدق الوفاء بالعقد الحدوثي بعد قول: «فسخت» و لو مع الشك في زوال العقد به.

36

و بذلك نستكشف أن موضوع وجوب الوفاء هو العقد حدوثاً لٰا بقاءاً و استمراراً. فالوفاء بالعقد من قبيل القسم الثاني من الاقسام الثلاثة لارتباطه بالعقد و اضافته إليه لكنه يصدق فعلًا و لو لم يبق العقد.

و لا يخفى أن ما ذكرناه و إن كان يتفق مع ما ذكره المحقق الايرواني في الدعوى، إلا أن دليل المحقق الايرواني (رحمه الله) غير سديد، كما بيّناه، فراجع.

و على كل، فدعوى دلالة الآية الكريمة على أصالة اللزوم متينة جداً.

الثاني: قوله تعالي: «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ»

(1). و تحقيق الكلام فيها: إنه قد ذكر للحلية احتمالات ثلاثة:

الأول: إرادة الحلية الوضعية.

الثاني: إرادة الحلية الجامعة بين الوضعية و التكليفية.

الثالث: إرادة الحلية التكليفية و متعلقها هو التصرفات المترتبة على البيع، و هو ما ذهب إليه الشيخ (قدس سره). (2)

و هاهنا احتمال رابع لم يذكره أحد فيما نعلم و لكنه أقرب من غيره بنظرنا، و هو أن يراد بالبيع الكناية عن الربح الحاصل به و الفائدة المترتبة عليه. و الحلية تكليفية متعلقة بها لبّاً، و تعلقها بالبيع لفظاً بلحاظها، نظير موارد ترتيب احكام المسبب على السبب لفظاً.

و القرينة على هذا الاحتمال هو مقابلة البيع مع الربا في المشابهة. و لا يخفى أنه لا وجه للتشبيه ما لم يرد ما ذكرنا، إذ الربا عبارة عن الزيادة، فكأن الخصم يقول ما الفرق بين هذه الزيادة و الزيادة الحاصلة بالبيع خصوصاً في مثل بيع النسيئة بثمن زائد على ثمن المثل، فإن جهة الزيادة في الثمن لا تختلف عن جهة الزيادة المجهولة في القرض الربوي، فإنهما بملاك واحد. و إلّا فأي معنى للتشبيه بين البيع بمعنى العقد و بين الربا بمعنى الزيادة.

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 275.

(2) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 83، الطبعة الأولى.

37

و على هذا الوجه، فتقريب دلالة الآية على اللزوم أن يقال: إنها دلت على حلية الزيادة الحاصلة بالبيع، فمقتضى الاطلاق ثبوتها و لو بعد إنشاء الفسخ، و هذا هو معنى اللزوم.

و قد عرفت أن الشيخ (قدس سره) حمل الحلية على الحلية التكليفية و التزم بعدم تعلقها بنفس البيع، بل بالتصرفات المترتبة عليه.

أما حملها على الحلية التكليفية، فلعله لاجل المقابلة بينها و بين حرمة الربا المراد بها الحرمة التكليفية قطعاً، إذ لا معنى لحملها على غير التكليفية بالنسبة إلى الربا و إن ادعى أن المراد بها الارشاد إلى عدم تملك الربا. و لكنه باطل، إذ لا معنى لتعلق الحرمة بشي‌ء و الارشاد إلى شي‌ء آخر. نعم لو قيل يحرم تملك الربا أمكن حمل التحريم على عدم تحقق التملك (1) فتدبر.

و أما صرف الحلية عن تعلقها بالبيع إلى تعلقها بما يترتب عليه من التصرفات، فقد يوجه بوجوه:

الأول: إن البيع إن كان فاسداً فلا معنى لحليته تكليفاً، إذ هي لغو. و إن كان صحيحاً فلا معنى لتحريمه تكليفا، إذ المنع عنه ينافي ترتب الأثر عليه، فلا معنى للتصدي إلى بيان حليته.

و في هذا الوجه ما لا يخفى، إذ هو ينافي تحرير البحث عن دلالة النهي عن المعاملة على فسادها المبحوث عنه لدى الكل، إذ المفروض تعلق النهي بالمعاملة سواء أدى ذلك إلى فسادها أو إلى صحتها أو لا إلى شي‌ء منهما- على اختلاف الاقوال- و هو أمر مفروغ عنه لا ريب فيه.

الثاني: أن البيع عند الشيخ هو إنشاء التمليك و لا معنى لتحريمه بما هو إنشاء، لأنه مجرد استعمال خفيف المؤنة، فبيان الحلية لا يكون بلحاظه إذ لا موهم لتحريمه.

____________

(1) سيأتي في البحث عن: «لا يحل مال امرئ الا بطيب نفسه» ما له نفع في المقام.

38

و فيه: أن فرض تعلق النهي عن المعاملة ثابت لدى الشيخ، فكيف يذهب هاهنا إلى ذلك.

الثالث:- و هو المختار- أن الملحوظ بقرينة المقابلة و التشبيه هو حرمة و حلية البيع بلحاظ ما يترتب عليه من آثار لا بنفسه، إذ لا معنى لتشبيهه بنفسه بالربا، و إنما المنظور ذلك. و إذا ثبت أن المراد من الحلية حلية التصرفات، فيتمسك باطلاق الدليل على ثبوتها حتى بعد إنشاء الفسخ فيثبت اللزوم، كما تقدم تقريبه في: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».

ثمّ إنه لو تعلقت الحلية التكليفية بنفس البيع، فهل تدل على الصحة و النفوذ أو لٰا؟

قد يدعى ذلك بلحاظ أن البيع اسم للمسبب و هو التمليك، فما لم يكن مقدوراً لا يتعلق به الحكم الشرعي. فتعلق الحلية به يكشف عن القدرة عليه و هو يكشف عن تحققه بالانشاء. و هذا هو معنى النفوذ و إلا فلا يكون مقدوراً عليه.

و لكن هذا البيان قابل للمناقشة و إن ادعي نظيره في دلالة النهي عن الصحة، كما عليه صاحب الكفاية (1). و قد ذكرنا مناقشته في مبحث النهي عن الفساد من مباحث الاصول (2). و ذكرنا هناك أن ذلك إنما يتم لو فرض كون متعلق النهي أو الحلية هو التمليك الشرعي، لأنه ملازم للقدرة عليه فيكشف عن تحققه. أما لو فرض كون متعلق النهي هو التمليك الشخصي أو الانشائي أو الاعتباري العقلائي بناء على أن للعقلاء اعتباراً مستقلًا عن الشارع، فلا يكون النهي مستلزماً لصحته الراجع إلى ترتب الأثر الشرعي عليه، إذ القدرة على التمليك الشخصي أو الاعتباري العقلائي لا تلازم القدرة على التمليك الشرعي. و قد عرفت هناك أن البيع ليس اسماً للتمليك الشرعي. فراجع تعرف.

و أما لو حملت الحلية في الآية على الحلية الوضعية- ببيان: أن الحل في مقابل‌

____________

(1) الخراساني، الشيخ محمد كاظم: كفاية الاصول، ص 187، ط مؤسسة آل البيت (ع).

(2) الحكيم، السيد عبد الصاحب: منتقى الاصول، ج 3، ص 199 الطبعة الأولى.

39

الضيق و التقيد فيراد بها الانطلاق و الحرية، و هي كما تقابل التحريم لما فيه من التقييد كذلك تقابل البطلان و عدم النفوذ لما فيه من التقيد أيضاً، بضميمة ما هو المعروف من أن الحلية في باب المعاملات إرشادية- لدلت على اللزوم بالاطلاق أيضاً، لان مقتضى الاطلاق هو ترتب الأثر على البيع حتى بعد قول: «فسخت»، فيثبت اللزوم. هذا و لكن حمل الحلية هاهنا على الوضعية خلاف ظاهر المقابلة بين البيع و الربا.

و على أي حال، فقد عرفت دلالة الآية على اللزوم بالتقريب المتقدم. لكن يرد عليها ما مر ايراده على دلالة الآية السابقة، من: أن التمسك بالاطلاق بعد قول: «فسخت» من التمسك به في الشبهة المصداقية للشك في بقاء البيع بعد إنشاء الفسخ.

و الجواب عن هذا الاشكال بما تقدم الجواب به عن الآية السابقة من الوجهين، فراجع.

نعم بالنسبة إلى الوجه الثاني منهما يكون: «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» على التقريب الذي بيناه من قبيل القسم الثالث و هو ما لم يكن متعلق الحكم مضافاً إلى الموضوع، إذ مفاد الآية أنه إذا تحقق البيع حلت جميع التصرفات في العين. و لا يخفى أن ذلك يصدق و لو لم يكن بيع. فلاحظ.

هذا، و لكن يوقفنا عن التمسك باطلاق الآية الكريمة شي‌ء آخر غير ذلك، و هو: أن أساس التمسك بالاطلاق كون المتكلم في مقام البيان، و الآية الكريمة ليست في مقام بيان حلية البيع و موضوعها، كي يتمسك باطلاقها في نفي الشك في دخالة شي‌ء في تحقق الحكم. بل هي في مقام بيان التفريق بين البيع و الربا في أن البيع حلال و الربا حرام لا أكثر، فلا يمكننا التمسك باطلاق الحلية في نفي الشك في بعض القيود.

فهو نظير قول الطبيب للمريض بأن البنسلين مضر و الأسپرين نافع في مقام الرد على المريض الذي قال للطبيب إنهما نافعان معاً، فهل يصح للمريض أن‌

40

يتمسك بقول الطبيب: «الأسپرين نافع» فيثبت نفعه في جميع الحالات و بجميع المقادير، و غير ذلك.

و نظير ما لو كان المتكلم في مقام بيان الفرق بين العالم و الجاهل و عدم المساواة بينهما بأن العالم يجب احترامه و الجاهل لا يجب. فإنه لا يمكننا التمسك باطلاق العالم في إثبات الحكم له و لو كان فاسقا، إذ ليس ذلك من قبيل: «يجب احترام العالم» الوارد في مقام بيان الحكم و موضوعه.

و هذا الاشكال متين جداً و لا نعرف له جواباً، و إن كان يخطر في الذهن أن المحقق الاصفهاني (رحمه الله) تصدى إلى الجواب عنه في الجزء الأول من حاشيته و لكن الجواب غير صحيح- و الكتاب لا يحضرنا فعلًا-. فالتفت و تدبر.

الثالث: قوله تعالى «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ».

(1) و تقريب دلالتها على اللزوم هو أنها تفيد أن جواز التصرف بالمال يترتب على التجارة عن تراضٍ، و مقتضى إطلاقها ثبوت ذلك حتى بعد إنشاء الفسخ من أحدهما بلا رضى من الآخر.

و الاشكال فيها من جهة الشبهة المصداقية و الجواب عنه يردان فيها كورودهما في آية: «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» فالتفت.

ثمّ إن الشيخ (قدس سره) (2) بعد أن ذكر هذه الآيات الثلاث و قرّب دلالتها على اللزوم قال: «لكن يمكن أن يقال إنه إذا كان المفروض الشك في تأثير الفسخ في رفع الآثار الثابتة باطلاق الآيتين الاخيرتين لم يمكن التمسك في رفعه إلا بالاستصحاب و لا ينفع الاطلاق».

و قد أجمل المراد من هذه العبارة. و لا يمكن حمله على إشكال كون موارد الفسخ من موارد الشبهة المصداقية للمطلق، إذ كان يمكنه التعبير بذلك لتعارفه و تداوله. هذا مع عدم اختصاص الاشكال المزبور بالآيتين الاخيرتين، بل يشمل‌

____________

(1) سورة النساء، الآية: 29.

(2) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 215، الطبعة الأولى.

41

الأولى أيضاً كما عرفت.

و قد حمل المحقق الاصفهاني (رحمه الله) (1) كلام الشيخ (قدس سره) هذا على إرادة مطلب دقيق فقال: «بل التحقيق اختصاص الآيتين بخصوصية إفادة الحلية و الاباحة دون غيرهما حتى المستثنى منه في آية التجارة عن تراض، و الاباحة غالباً من باب اللااقتضاء دون الاحكام الطلبية حتمية كانت أو غير حتمية فإنها عن اقتضاء لزومي أو غير لزومي، و كما أن لا اقتضائية الموضوع بذاته لا تنافي وجود المقتضي لخلافه و لا تزاحمه ثبوتاً، فكذا الإطلاق المنبعث عن لا اقتضائية الموضوع بذاته لا يندفع الشك في المقتضي لضده مثلًا بل لا اقتضائية الموضوع المستتبعة للحلية محفوظة مع وجود المقتضي المستدعي للحرمة و لأجل تكفل الآيتين للاباحة دون سائر الآيات و الروايات فلذا خص الاشكال بهما، فتدبره فإنه حقيق به».

و هذا البيان و إن كان ذا صورة برهانية صناعية لكنه واضح الدفع بما يعلم عدم إرادة الشيخ (قدس سره) له، و ذلك بما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه الله) نفسه من أن الظاهر من الدليل تكفل الحكم الفعلي للحلية، و هو لا يمكن أن يجتمع مع مقتضي ضدها كيفما كان، كما هو واضح جداً، فتدبر.

و يمكننا حمل كلام الشيخ (قدس سره) على ما كان يدور على ألسنة بعض الأعلام- و لعله مما يذكره الشيخ في مبحث الخيارات- من أن التمسك بالاطلاق مع الشك في الرافع ممتنع، و ذلك لأن الرافع في مرحلة متأخرة عن وجود الشي‌ء إذ الرفع يتعلق بما هو موجود. و عليه، فاطلاق الحكم الذي يتكفل اثبات وجوده في جميع موارد الشك لا يمكن أن يشمل مورد الشك في رافعه، لأن الاطلاق إذا كان بلحاظ نفي الرافع يلزم أن يلحظ الشي‌ء في مرحلة سابقة عليه، إذ وجود الحكم أسبق رتبة من رافعه و الاطلاق يتكفل وجود الحكم كما عرفت، فلحاظ الرافعية‌

____________

(1) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 9، الطبعة الأولى.

42

في هذا المقام يستلزم ملاحظتها في مرحلة سابقة عليها، و امتناعه من الواضحات. و من هنا كان اطلاق الحكم غير مجدٍ في رفع الشك في رافعه، إذ ليس الاطلاق بلحاظ النفي الرافع.

و لا يخفى أن هذا الوجه يختص بالآيتين، لأن الفسخ- على تقدير تأثيره- يرفع ما يثبت بهما مباشرة و هو جواز التصرف بجميع أنحاء التصرف. و ليس كذلك بالنسبة إلى آية الوفاء، لأن المراد بالوفاء هاهنا هو العمل بما التزم به و الفسخ على تقدير تأثيره يرفع ما التزم به و هو النقل و الانتقال، فهو لا يرفع حكم الآية مباشرة بل يرفع موضوعه فيرتفع الحكم. فنسبة الفسخ ليست نسبة الرافع لحكم المطلق.

فلاحظ.

و هذا المطلب سمعناه من بعض الاعلام (قدس سرهم) و يخطر بالذهن إنه منسوب إلى الشيخ (قدس سره) و لا يحضرنا فعلًا إنه موجود في كتاب المكاسب، و إن كنا نحتمل ذلك قوياً، و لعلّه من العلم المخزون في الصدور المتناقل على الألسنة.

و على أي حال، فهو غير تام و ذلك لأن المقصود التمسك بالاطلاق من دون لحاظ المشكوك بوصف الرافعية، بل بلحاظ ذاته و هي غير مترتبة على وجود الحكم. فاذا ثبت الحكم- بواسطة الاطلاق- عند وجود ما يشك في رافعيته بملاحظة ذاته، كشف ذلك عن عدم كونه رافعاً. فيقال مثلًا عند قول: «فسخت» يشك في وجود الحكم و مقتضى الاطلاق ثبوته حينذاك، فيعلم أنه ليس رافعاً، فالمشار إليه ذات قول «فسخت» لا بما هو مشكوك الرافعية كي يقال إن ذلك متأخر عن أصل وجود الحكم.

ثمّ إن المحقق الاصفهاني (رحمه الله) (1) استشكل في اطلاق الآيتين الكريمتين الأخيرتين بما يمكن أن يرجع إلى: أن غاية ما تفيده الآيتان هو ثبوت جواز جميع التصرفات عند تحقق البيع أو التجارة. أما ثبوت ذلك في جميع الأحوال و الأزمان فلا اطلاق لهما.

____________

(1) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 8، الطبعة الأولى.

43

و عليه، فتأثير الفسخ لا ينافي اطلاق الآيتين، لأنه بلحاظ أفراد التصرف، فيثبت جميعها مع غض النظر عن ثبوتها في مطلق الأحوال. و قد أفاد هذا المطلب بعبارات مختلفة، فراجع حاشيته على المقام.

و فيه: إنه إذا فرض تكفل الآيتين لاثبات جواز جميع التصرفات، فأي جهة موجبة للتوقف في عدم اطلاقها من حيث الأحوال و الأزمان؟. و أي فرق بين هذا المتعلق و بين متعلقات سائر الاحكام التي يتمسك باطلاقها في اثبات الحكم لها مطلقاً. فما ذكره لم يظهر له وجه وجيه، بل هو لا يخرج عن مجرد الدعوى.

الرابع: قوله تعالى: «وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ»

. (1) و قد قرب الشيخ (قدس سره) (2) دلالتها على اللزوم، بأن تفيد النهي عن أكل المال بكل وجه يكون باطلًا عرفاً، فيشمل ما نحن فيه لان أخذ مال الغير و تملكه من دون رضا صاحبه باطل عرفاً. و أما ما ثبت ترخيص الشارع فيه فهو ليس من الباطل عرفاً لأنّ إذن الشارع يجعله ليس من الباطل في نظر العرف.

و قد يستشكل بأنه مع الشك في ثبوت حق الفسخ شرعاً يشك في كونه من الباطل عرفاً، و مع الشك في ذلك يمتنع التمسك بالدليل لكون الشبهة مصداقية.

و تحقيق الكلام في الآية بنحو يرتفع عنها بعض الغموض، هو: إن فرض كون المستثنى منه هو الباطل يجعل الاستثناء منقطعاً لأن التجارة عن تراض ليست من أفراد الباطل بل تباينه.

و في صحة الاستثناء المنقطع الراجع إلى عدم دخول المستثنى في المستثنى منه نظير: «ما جاء القوم إلّا الحمار» بحث.

فقد يدعى صحته استشهاداً بهذا المثال و نحوه. و يلتزم فيها بأن: «إلّا» لم تستعمل بمعنى الاخراج فإنه ممتنع في هذا المقام و إنما هي مستعملة في معنى الاستدراك بمعنى: «لكن».

____________

(1) سورة النساء، الآية: 29.

(2) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 215، الطبعة الأولى.

44

و لكن استشكل فيه: بأنه لو صح استعمال: «إلّا» بمعنى: «لكن» لصح أن يقال:

«ما جاء زيد إلّا عمرو» بدل: «ما جاء زيد لكن عمرو»، مع انه غلط بالضرورة، فيكشف ذلك عن أن: «إلّا» لا تستعمل إلّا في معنى الاخراج و الاستثناء.

و أما توهم كون الاستثناء فيه منقطعاً، ففي الحقيقة الاستثناء فيه متصل، و لم تستعمل: «إلّا» إلّا في معنى الاخراج، ففي مثل: «ما جاء القوم إلّا حماراً» ليس المستثنى منه هو القوم فقط بل القوم مع توابعه و شئونه من دواب و غيرها، فيكون الحمار خارجاً حقيقة مما فرض كونه مستثنى منه. و مما يستشهد على هذا المطلب أنه لا يصح أن يراد بالحمار غير حمار القوم.

و إذا ثبت ما ذكر، فلا يمكن أن يفرض كون المراد من الباطل في الآية الباطل العرفي، لعدم صحة الاستثناء منه. و لا الشرعي، لذلك و لعدم معرفته و تشخيصه، بل هو ينتزع من ثبوت الاحكام و عدمها.

و بتعبير آخر: أن الآية في مقام بيان البطلان شرعاً، فلا معنى لأخذه في الموضوع. فلا بدّ من فرض المستثنى منه معنى يشمل المستثنى في حد نفسه، فيقال: إن المراد بالآية: «إنه لا تأكلوا أموالكم بينكم بوجه من الوجوه فإنه باطل إلّا التجارة عن تراض»، فيكون قوله بالباطل بمنزلة تعليل الحكم العام و بيان أن كل وجه باطل.

و الاستعمالات العرفية على ذلك كثيرة، ففي مقام نهيه عن مطلق الكلام لتأذيه منه بقول المولى لعبده: «لا تتكلم بما يؤذيني» فإنه في مقام النهي عن كل كلام لا في مقام تفصيل الكلام إلى ما يؤذي و ما لا يؤذي، و نحو ذلك كثير.

و إذا ثبت أن المراد بالآية الشريفة هذا المعنى ظهرت دلالتها على اللزوم بوضوح، فإن الفسخ يدخل في عموم المستثنى منه لأنه ليس تجارة عن تراض، فيحرم أكل المال بسببه.

45

و هذا المطلب ذكره السيد الطباطبائي (رحمه الله) (1) في حاشيته في مبحث عقد المكره، و قد لخصناه مع إضافة بعض الايضاحات الدخيلة في المقام، فإن استطاع أحد الجزم به كانت النتيجة واضحة على ما عرفت.

و إن اخذ الكلام بظاهره البدوي و فرض كون الاستثناء منقطعاً، فنقول المراد بالأكل- بعد تعذر حمله على المعنى الحقيقي- إما التملك أو التصرف بالمال.

و الظاهر إرادة الأول، فإن مجرد التصرف ما لم ينضم البناء على تملكه و إدخاله في ضمن ممتلكاته لا يعد أكلًا للمال عرفاً، فلا يقال لمن سكن دار الغير سنة من دون إذنه إنه أكلها، بل يقال لمن استملكها و غصبها إنه أكلها.

و عليه، فالآية الشريفة تتكفل النهي عن تملك المال بالباطل. و مقتضاها عدم نفوذ التملك بالسبب الباطل بحمل النهي على الارشادي إلى الفساد، كما هو الظاهر في باب المعاملات، لا على التكليفي كي يتوقف اقتضاؤه للفساد على القول بذلك في أبواب المعاملات، و هو خلاف ما حققناه في الاصول. و المراد بالباطل الباطل العرفي، فتدل على عدم نفوذ الفسخ و تأثيره شرعا لو لم يكن مؤثراً بنظر العرف.

و أما لو أريد من الأكل التصرف، فتتكفل الآية النهي عن التصرف بالمال بسبب باطل عرفاً، فتدل على اللزوم إذا فرض أن الفسخ غير مؤثر بنظر العرف.

لكن قد يشكل أن الشارع إذا أذن في الفسخ خرج عن كونه باطلًا عند العرف لكشفه عن ثبوت حق له، كما في الموارد التي يكون العقد جائزاً فيها، فإن خروجه عن الآية بالتخصص لا التخصيص.

و عليه، فمع الشك في تأثير الفسخ شرعاً يشك في أنه باطل عرفاً، فلا يصح التمسك بالآية لكون الشبهة مصداقية.

____________

(1) الطباطبائي، السيد محمد كاظم: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 126، الطبعة الأولى.

46

و ينحصر الجواب عن هذا الاشكال بما تدفع به دعوى عدم إمكان التمسك باطلاق أدلة المعاملات لو فرض أن أساميها موضوعة للصحيح شرعاً، إذ كل ما يشك في شرطيته يشك في دخالته في المسمى، فلا يمكن التمسك بالاطلاق المعتبر فيه إحراز انطباق اللفظ على المورد المشكوك. (1)

و حاصل هذا الدفع: هو دعوى أن عدم بيان الشارع لما هو الصحيح مع توقف معرفته على بيانه يكشف بدلالة الاقتضاء على أن الصحيح بنظره هو الصحيح بنظر العرف مع عدم بيان مخالفته للعرف، إذ لو لا ذلك كان الدليل لغواً لعدم تشخيص موضوعه.

فالجواب عن الإشكال في المقام بأن يقال: إن عدم بيان الشارع لما هو الباطل يكشف بدلالة الاقتضاء عن أن الباطل العرفي الذي لم يثبت تصحيحه من الشارع هو الملحوظ في موضوع الدليل، فعدم ثبوت تأثير الفسخ شرعا يكفي في شمول الآية.

و بالجملة، دلالة الآية على اللزوم على هذا التقدير تبتني على إثبات هذا المطلب فيها.

و هذا الإشكال و جوابه يردان أيضاً على الاحتمال الأول أعني إرادة التملك من الأكل.

الخامس: قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه».

(2) و تحقيق الكلام فيها بعد بيان مقدمة و هي: أن الحلية ..

تارة: تضاف إلى الأفعال المعاملية، كالبيع و النكاح و غير ذلك.

و أخرى: تضاف إلى غيرها من الأفعال، كالقيام و الجلوس و غيرهما.

و ثالثة: تضاف إلى الأعيان، كالماء.

فالأولى: تحمل على الحلية الوضعية، فإنها الظاهرة عرفاً في مثل ذلك و لذا يقال إن معنى البيع أو النكاح جائز إنه نافذ.

____________

(1) يتعرض إلى تفصيل ذلك في البحث الصحيح و الاعم في الاصول و في مبحث تعريف البيع من كتاب المكاسب، فراجع.

(2) ابن حنبل، احمد: مسند، ج 5: ص 72، طبعة بيروت.

47

و الثانية: تحمل على التكليفية و لا معنى للحلية الوضعية أصلًا.

و أما الثالثة: فتحمل على التكليفية أيضاً للظهور العرفي [في] ذلك. فإذا قيل الماء حلال فهم منه الحلية التكليفية و لم يفهم منه أن الماء نافذ أو صحيح.

ثمّ إن الحلية التكليفية المتعلقة بالعين و إن كان تعلقها بها بلحاظ الفعل المتعلق بها كالشرب في حلية الماء، إلا أن الحلية تسند إلى العين حقيقة و بلا مسامحة أصلًا.

فلا يجد العرف في قوله: «الماء حلال» أي مسامحة، فتعلق الحلية كالشرب يكون واسطة في الثبوت لا في عروض الحلية للماء.

و هكذا سائر الأحكام غير الحلية.

و هذا بخلاف الحلية الوضعية، فلو كان تملك الماء نافذاً لم يصح إسناد النفوذ و الصحة إلى نفس الماء، كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك، ففي الرواية الشريفة اضيفت الحلية إلى العين و هو: «المال» فلا بدّ أن يراد بها الحلية التكليفية. و مقتضى حذف المتعلق ارادة جميع التصرفات، فيكون المعنى لا يحل التصرف بمال امرئ إلّا بطيب نفسه.

لكنه لا ينفع في إثبات اللزوم، إذ بالفسخ يشك في كون المال للغير أو لنفسه، فلا يصح التمسك بهذا الدليل لكون الشبهة مصداقية.

و دعوى: أن من جملة التصرفات المقدرة هو التملك، فيكون حراماً، فيثبت اللزوم.

تندفع:- مع غض النظر عن قيام الاجماع على عدم حرمة الفسخ في حال من الأحوال- بأن حرمة التملك تكليفاً لا تدل على الفساد على ما حققناه من عدم دلالة النهي عن المعاملة على الفساد. فاستفادة اللزوم تبتني على القول بدلالة الحرمة على الفساد.

و أما تقدير خصوص التملك دون غيره من التصرفات و معه تحمل الحلية على الوضعية، فتدل الرواية على عدم صحة تملك مال الغير بدون إذنه، فيكون الفسخ غير مؤثر. فهو فاسد لوجهين:

48

الأول: إنه تخصيص التملك بالتقدير دون غيره مما لا وجه له إلا التحكم.

الثاني: ما عرفت من إضافة الحلية إلى العين و مقتضى ظهورها إرادة الاسناد الحقيقي. و قد عرفت أن إضافة الحلية الوضعية إلى العين مجازية، فلا بدّ من إرادة الحلية التكليفية. و قد عرفت عدم دلالتها على الفساد. ففي هذا الاحتمال مخالفة للظاهر من جهتين.

و النتيجة: أن هذه الرواية لا تدل على لزوم المعاملة إلا بالالتزام بأنّ النهي عنها يدل على الفساد و هو خلاف التحقيق.

السادس: قوله (صلى الله عليه و آله): «الناس مسلطون على اموالهم».

(1) و تحقيق الكلام فيه: إن الشيخ (قدس سره) ذكره في مواضع ثلاثة: في الكلام عن صحة المعاطاة و نفوذها، و في الكلام عن لزومها، و في هذا المقام.

و قد ذهب في المقام الأول (2) إلى عدم دلالتها على صحة المعاطاة. و ذهب إلى دلالتها على لزومها في المقام الثاني (3). و دلالتها على اللزوم مطلقاً في هذا المقام. (4)

و قد يتخيل المنافاة بين هذين الاختيارين، فلا بدّ من ملاحظة ما ذكره في المقام الأول ثمّ مقارنته بما يرتبط بالمقامين الآخرين.

فالذي ذكره في مقام نفي دلالة هذه الرواية على صحة المعاطاة و نفوذها هو: أن الملحوظ فيه أنواع السلطنة، فعمومه باعتبارها، فيجدي فيما لو شك في ثبوت نوع من الأنواع للمالك. أما مع العلم بثبوت نوع منها في حقه، كتمليك ماله للغير على حدّ سائر التصرفات في المال، لكن شك في أن التمليك هل يحصل بمجرد التعاطي بدون لفظ أم يعتبر اللفظ، فلا نظر للرواية في إثبات ذلك.

____________

(1) المجلسي، محمد تقي: بحار الأنوار، ج 2: ص 272 الحديث: 7.

(2) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 83، الطبعة الأولى.

(3) المصدر، ص 85.

(4) المصدر، ص 215.

49

و استشكل السيد الطباطبائي (رحمه الله) (1) في ذلك بوجهين:

أحدهما: أن ظاهر هذا الكلام أعني: «الناس مسلطون على أموالهم» هو إثبات السلطنة للمالك بأنواع السلطنة بالنحو المتداول عرفاً، فإذا كانت المعاطاة متداولة بين العرف في مقام البيع شملها العموم.

و الآخر: أن المراد بالنوع ليس النوع المنطقي، بل ما يعمه و يعم الصنف، فلنا أن نقول بأن التمليك المعاطاتي أحد الأنواع المشكوكة، فيشمله العموم.

ثمّ إنه (رحمه الله) ذكر بعد كلام أنه يمكن أن يقرر الاشكال على هذه الرواية بوجه آخر بأن يقال: إنها ليست في مقام نفوذ المعاملات و إمضائها، بل في مقام بيان عدم ممنوعية المالك من التصرفات و إنه لا ولاية لغيره عليه لا أكثر.

و ردّه (رحمه الله): بأن هذا الوجه مجرد دعوى بلا شاهد. و لو انتهى الكلام لمثل هذا الحد لأمكننا الاستشكال في كثير من الاطلاقات المسلمة.

و ما أبعد ما بين ما ذكره السيد (رحمه الله) و ما ذكره المحقق الايرواني (رحمه الله) (2) من: أنه ينبغي أن يجعل نقل ماله بعوض نوعاً في قبال التصرفات المتعلقة بالمال من الشرب و الأكل و غيرهما، فلٰا يفرض كل من النقل بالبيع و النقل بالصلح نوعاً على حدة، بل هما يندرجان تحت نوع واحد، فكما لا يستفاد من هذا النص صحة المعاطاة لا يستفاد منه صحة البيع و الصلح و الهبة و غيرها، بل يلزم الاقتصار على المتيقن.

و الذي يبدو لنا أن مراد الشيخ (قدس سره) من كلامه أمر لا يبقى معه مجال لكلام هذين العلمين، بيان ذلك: أن القدرة إذا نسبت إلى المسبب- أي مسبب كان- فلا نظر لها إلى تشخيص الأسباب و الشرائط المحققة للتأثير، بل لا ينافي القدرة على المسبب عدم كون الشي‌ء الكذائي سبباً أو اعتبار الأمر الكذائي شرطاً، فمثلًا لو قيل: «إن زيداً قادر على القتل»، فهل يرى منافاة هذا الكلام لعدم قاتلية الخشب، أو‌

____________

(1) الطباطبائي، السيد محمد كاظم: حاشية المكاسب/ كتاب البيع، ص 69، الطبعة الأولى.

(2) الايرواني، الشيخ ميرزا علي: حاشية المكاسب/ كتاب البيع، ص 77، الطبعة الأولى.

50

لاعتبار مماسة السكين للرقبة في تحقق القتل؟ و إذا قيل إنه قادر على الاحراق فهل يرى منافاة ذلك لعدم تأثير الماء في الاحراق، أو لاعتبار مماسة النار المحرق؟

و عليه، فالمقصود من قوله: «الناس مسلطون على أموالهم» إثبات القدرة على التصرفات المتعلقة بالأعيان المملوكة و غيرها من المملوكات. و من هذه التصرفات تمليك المال للغير، و التمليك من المسببات التي لا تحصل إلا بأسبابها، فإثبات القدرة عليه لا نظر فيه إلى ما يحققه من أسباب و لا منافاة بينه و بين عدم سببية أمر أو شرطية آخر. و إذا ثبت ذلك، فلا دلالة لهذا النص على سببية المعاطاة للتمليك.

فنكتة مراد الشيخ (قدس سره) هو: أن إثبات السلطنة على المسبب لا تنافي بوجه من الوجوه تقييد السبب بنحو خاص معين، فإطلاقه لا يثبت بحال من الأحوال مسببية المعاطاة. و مراده (قدس سره) من أن الثابت أنواع السلطنة هو ثبوت أنحاء التصرفات بلا نظر إلى أسبابها و محققاتها.

و من هنا تعرف أنّه لا مجال لذلك، لدعوى أن المراد بيان السلطنة بالنحو المتعارف المتداول بين العرف، أو دعوى أن المعاطاة نوع كسائر الأنواع، إذ لا نظر في الكلام إلى السبب كي يحمل على إرادة المتعارف لدى العرف، أو يقال إن مقتضى الاطلاق شمول الحكم للمعاطاة.

كما تعرف أن المراد من الحديث ليس بيان عدم ممنوعية المالك في قبال المولّىٰ عليه، كي يقال إن ذلك بلا دليل، فما أفاده السيد (رحمه الله) غير سديد.

و أما ما ذكره المحقق الايرواني، ففيه: أن البيع و الصلح و غيرهما إن أراد بها المسببات أعني التمليك البيعي أو الصلحي- كما لعله الظاهر، فلا مجال لدعوى عدم شمول الحديث لها، إذ عرفت أنها ناظرة إلى بيان القدرة على التمليك و مقتضى إطلاقه إرادة جميع أنحائه، فتدل على صحة البيع و الصلح و نحوهما بنحو الاجمال من حيث السبب المحقق لذلك.

51

و على أي حال، فيوجّه كلام الشيخ (قدس سره) بما عرفت. و نتيجته عدم دلالة الحديث على نفوذ المعاطاة و غيرها من الاسباب المشكوكة النفوذ.

و لكن الشيخ تمسك بهذا الحديث على أصالة اللزوم- كما أشرنا إليه-.

و هذا قد يوهم المنافاة لما سبق، و ذلك لأن مرجع دلالته على اللزوم هو نفي سببية الفسخ للتأثير، و إثبات صحة المعاملة بعد الفسخ، و هذا لا يجتمع مع ما تقدم من أن الحديث ليس بناظر إلى الأسباب و لا يتكفل إثبات الصحة.

و يندفع هذا التوهم ببيان أمرين:

الأول: أن اثبات القدرة على المسبب و إن لم يكن ناظراً إلى أسبابه و خصوصياته، إلّا أنه يتكفل بيان إمكان تحقق السبب بنحو الموجبة الجزئية، و إلا فمع انتفاء السبب بالمرة لا يصح إثبات القدرة على المسبب، فلا يقال لمن لا يجد السكين و غيره من أسباب القتل أنه قادر على القتل. و أما نفي القدرة على المسبب، فهو ملازم لنفي السبب بالمرة، إذ فرض تحقق بعض أفراد السبب ينافي عدم القدرة على المسبب بل يحققها كما عرفت. فالفرق بين إثبات القدرة على المسبب و نفيها في هذا الأمر، فالاثبات لا يستلزم سوى القدرة على بعض أفراد السبب في الجملة، بخلاف نفي القدرة عليه فإنه ملازم لعدم إمكان تحقق جميع أفراد السبب.

الثاني: أن الحديث الشريف كما يشتمل على عقد اثباتي و هو إثبات السلطنة على المال، يفيد عقداً سلبياً و هو نفي سلطنة الغير على المال، و طريق استفادة هذا المطلب أحد وجهين:

الأول: ظهور الحديث في مقام الحصر و بيان من له السلطنة، فإثبات السلطنة للشخص على ماله ينفي سلطنة غيره على المال.

الثاني: ما يشير إليه الشيخ (1) (قدس سره) من أن سلطنة الغير على مال غيره تنافي سلطنة المالك المطلقة على ماله، فإن تملك الغير أو تمليكه مال المالك من دون‌

____________

(1) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 85، الطبعة الأولى.

52

إذنه ينافي سلطنة المالك على ماله بقول مطلق، إذ من مقتضيات السلطنة تمكنه من منع تصرف الغير به التي من جملتها تملكه و تمليكه، فإثبات السلطنة المطلقة ينفي بالملازمة سلطنة الغير.

و إذا عرفت ما ذكرنا تعرف أنه يمكن استفادة اللزوم من الحديث مع فرض عدم نظره إلى نفوذ الاسباب و عدم تكفله بيان الصحة، و ذلك لانه إذا فرض بانه ينفي سلطنة غير المالك على مال غيره فهو ينفي قدرته على تملك مال غيره.

و قد عرفت أن نفي القدرة على المسبب يلازم نفي إمكان تحقق السبب، فنفي القدرة على تملك مال الغير يلازم نفي صحة الفسخ و نفوذه، فاثبات اللزوم إنما هو بملاحظة العقد السلبي المستفاد من الحديث الشريف إما من جهة الحصر أو من جهة الملازمة، فلا ينافي عدم تكفل العقد الايجابي للصحة و نفوذ السبب. و قد عرفت الفرق بين العقد الايجابي و السلبي من هذه الجهة.

ثمّ إنك عرفت أن تقريب اللزوم بافادة الحديث نفي سلطنة الغير المستلزم لنفي سببية الفسخ و صحته، و ليس من جهة إطلاق سلطنة الشخص على ماله الشامل لما بعد الفسخ.

و بعبارة اخرى: ليس باطلاق العقد الايجابي كي يرد عليه إشكال الشك في الموضوع، ببيان أنه بعد الفسخ يشك في أن المال لمن هو؟، فلا معنى للتمسك باطلاق دليل السلطنة لإثبات سلطنة غير الفاسخ إذ ليس من المعلوم أن المال ماله، و موضوع السلطنة هو المال المضاف إلى من تفرض له السلطنة. فلاحظ.

ثمّ إن المحقق الاصفهاني (رحمه الله) (1) اتفق مع الشيخ (قدس سره) في دلالة هذا الحديث على اللزوم بملاحظة المدلول الالتزامي له و هو نفي سلطنة الغير على مال المالك. لكنه اختلف معه في التقريب، فذهب إلى أن نفي سلطنة الغير على مال المالك ليس من جهة مزاحمة سلطنته لسلطنة المالك بل من جهة أخرى. و تقرير ذلك كما ذكره (رحمه الله) إن السلطنة على قسمين:

____________

(1) الاصفهاني، الشيخ محمد حسين: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 9، الطبعة الأولى.

53

أحدهما: ما يتفرع على الملكية و يترتب عليها و هو مدلول قوله (عليه السلام): الناس مسلطون على أموالهم- أي الأموال المضافة إليهم باضافة الملكية أو الحقية-.

و ثانيهما: سلطنة ابتدائية كسلطنة الشفيع على تملك مال شريكه ببذل مثل الثمن. و من البين أن المدلول الالتزامي لدليل السلطنة المتفرعة على الملك عدم السلطنة لغير المالك حيث لا ملك، فلا سلطنة لا لمزاحمتها لسلطان الغير على ماله بل لعدم المقتضي لمثل هذه السلطنة، و أما سلطنته الابتدائية على رد ملك الغير فهي إنما تكون مزاحمة لسلطنة المالك إذا كانت سلطنة المالك مقتضية لنفيها. و من الواضح أن المالك و إن كان له السلطنة على إبقاء ملكه و إزالته، إلّا أن المراد إبقائه بعدم نقله حيث أنه طرف إعدامه و إزالته. و أما السلطنة على الإبقاء بمعنى إسقاط الرجوع عن التأثير فهي من السلطنة على الحكم لا من السلطنة على المال.

هذا ما ذكره (رحمه الله) نقلناه بنصه و خلاصة ما يريد أن يقول: إن نفي سلطنة الغير على الرجوع التزاماً من جهة عدم الموضوع المقوّم للسلطنة و هو كون المال له، لا من جهة منافاة سلطنة الغير لسلطنته، إذ ثبوت سلطنته بالنحو الذي ينافيه سلطنة الغير على الرجوع يستلزم ثبوت سلطنته على الحكم و هو ليس بمدلول الحديث إذ مدلول الحديث السلطنة على المال.

و ما ذكره بكلتا جهتيه مردود:

أما ما ذكره من دلالة الحديث على نفي سلطنة الغير لعدم الملك. ففيه: أنه ..

إن أريد انتفاء شخص الحكم الثابت للمالك بما هو مالك. فهو من الواضحات التي لا تحتاج إلى مزيد بيان، فإن كل حكم شخصي يتقوم بموضوعه، فينتفي بانتفائه قهراً لا من باب الدلالة الالتزامية.

و إن أريد انتفاء سنخ الحكم الثابت للمالك بحيث لا يثبت فرد آخر لغير المالك- الذي هو المقصود في المقام- ففيه: أنه يبتني على مفهوم الوصف و هو مما لا يلتزم به، أو الحصر و هو غير ثابت صغرى، إذ لم يظهر ورود الحديث في مقام الحصر.

54

إذن، فلا دلالة للحديث على نفي سلطنة الغير لعدم الملك.

و أما ما ذكره من عدم دلالته على نفي سلطنة الغير من باب المزاحمة و التنافي مع سلطنة المالك.

ففيه: أن القدرة على الشي‌ء تكويناً و السيطرة عليه تنافيها قدرة الغير على استلاب ذلك الشي‌ء من يده، فما نحن فيه كذلك، فإن سلطنة المالك على ماله بقول مطلق تتنافى مع وجود سلطنة للغير على ماله تمكنه من تملك المال من دون رضا صاحبه، فإذا فرض جعل السلطنة المطلقة للمالك لم يكن جعل السلطنة لغيره، فنفي سلطنة الغير على مال المالك لا يستلزم سلطنة المالك على الحكم، كما ذكره (قدس سره)، إذ ليس من باب سلطنة المالك على عدم تأثير الرجوع بل من جهة إن جعل السلطنتين شرعاً ممتنع للتنافي بينهما فإذا ثبتت إحداهما يستكشف عن عدم جعل الشارع للأخرى، و هذا أجنبي عن سلطنة المالك على الحكم. إذن، فما ذكره الشيخ (رحمه الله) من تقريب نفي سلطنة الغير على الرجوع وجيه لا إشكال فيه.

و قد ذهب المحقق الايرواني (رحمه الله) (1) إلى عدم دلالة الحديث على اللزوم، ببيان: أن الحكم مهما كان له من إطلاق، فهو يدور مدار موضوعه و يتفرع عليه و لا يتعداه. و عليه، فالسلطنة الثابتة في الحديث بما أنها متفرعة على اضافة المال بما هو مال لذي السلطنة، فموضوعها الملك. و ذلك يقتضي أن الدليل لا نظر له إلى إثبات السلطنة على إبقاء الملكية و ادامتها، فزوال الملكية بالفسخ لا تتنافى مع ثبوت السلطنة على الملك.

و هذا الكلام مردود بوجهين:

الأول: النقض بسائر موارد النقل و الانتقال، فإن مقتضى ما ذكره عدم سلطنة المالك- بدليل: الناس مسلطون على أموالهم- على إيجاد النقل و الانتقال لأنه يرجع إلى إزالة الملكية و رفع إضافة المال، مع أنه (رحمه الله) ذهب إلى دلالتها على صحة‌

____________

(1) الايرواني، الشيخ ميرزا علي: حاشية المكاسب/ كتاب الخيارات، ص 5، الطبعة الأولى.