المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة - ج1

- السيد محمد الروحاني المزيد...
399 /
11

الجزء الأول

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

تقديم بين يدي الكاتب

1- الفقه

لل‍" فقه" إطلاقات مختلفة باختلاف الأعراف، باعتبار ذلك يختلف تاريخه الزمنيّ، فيتقلّص تارة، و يتسّع أخرى.

الف- اللّغة:

يطلق ال‍" فقه" ليراد به- حسب متفاهم الناطقين باللغة العربيّة- ال‍ «فهم» و الإدراك (1). و هو- بهذا الاعتبار- ممّا يقترن تاريخه بتاريخ الإنسان، حيث أنّ اللّه سبحانه و تعالى منذ الاوّل خصّ هذا الموجود الإنسانيّ- دون سائر مخلوقاته المنظورة على وجه الأرض- بميزة الفهم و الإدراك، فامتاز بذلك من بين سائر المخلوقات الشّاعرة بتحمل المسئوليّة، و الاضطلاع بثقل التكاليف.

و في نصوص القرآن الكريم، و السنّة الشريفة، اطلاقات شائعة بهذا المعنى (2).

____________

(1)- قال الجوهري: «الفقه: الفهم. قال أعرابيّ لعيسى بن عمر: «شهدت عليك بالفقه» ...» (الجوهري: صحاح اللغّة، ج 6: ص 2243، طبعة دار العلم للملايين، بيروت؛ ابن دريد:

جمهرة اللغة، ج 3: ص 157، ط دار المعارف العثمانيّة، حيدرآباد- الهند؛ ابن منظور: لسان العرب، ج 13: ص 522، ط دار صادر، بيروت).

(2)- أمّا القرآن الكريم، فقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (الأنعام،-

12

ب- علماء القانون:

يطلق ال‍ «فقه» عندهم مرادفا لكلمة «القانون (1)» بشقّيه: المدنيّ و الجزائيّ. و هو- أي القانون- ما يعنى بشئون الإنسان- جماعات و أفرادا- و يتكفّل بتنظيم حياتهم الماديّة، وفق تشريعات وضعيّة، فيقولون: «الفقه العبري» أو «الفقه الروماني (2)»، كما نراهم يعبّرون عن القانون القضائي الفرنسيّ- مثلا- ب‍ «الفقه الفرنسيّ (3)».

____________

- 6: 65)، و قوله تعالى: قَدْ فَصَّلْنَا الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (الأنعام، 6: 98)، و قال عزّ شأنه- عن لسان الكليم موسى بن عمران (عليه السّلام)-: وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي (طه، 20: 29) و قوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... (الاسراء، 17: 46)

و أما الأخبار، فقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) لسائل سأله عن معضلة: «سل تفقّها، و لا تسأل تعنّتا، فإنّ الجاهل المتعلّم شبيه بالعالم، و انّ العالم المتعسّف شبيه بالجاهل المتعنّت» (نهج البلاغة، الحكمة 32)

و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فإذا في المسجد مجلسان، مجلس يتفقهون، و مجلس يدعون اللّه و يسألونه، فقال: كلا المجلسين إلى خير، أمّا هؤلاء فيدعون اللّه، و أمّا هؤلاء فيتعلّمون، و يفقّهون الجاهل، هؤلاء أفضل، بالتعليم أرسلت، ثم قعد معهم» (الشهيد الثاني: منية المريد/ تحقيق: رضا المختاري، ص 106).

و في حديث سلمان رضى اللّه عنه: أنّه نزل على نبطيّة بالعراق، فقال: «هل هنا مكان نظيف أصلّي فيه؟ فقالت: طهّر قلبك و صلّ حيث شئت، فقال سلمان: فقهت» اي: فطنت و فهمت (الزبيدي: تاج العروس، ج 9: ص 403، الطبعة الأولى- بولاق).

(1)- محمد يوسف موسى: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، ص 10، نشر دار الفكر العربيّ، الطبعة الثالثة.

(2)- دانش‌پژوه: محمد تقى: فهرستواره فقه هزار و چهار صدساله اسلامي در زبان فارسى، صص 14، 16.

(3)- السنهوري، عبد الرزاق أحمد: الوسيط في شرح القانون المدني، ج 1، الكلمة الافتتاحيّة.

13

و لعلّ تاريخه- بهذا المعنى- يرجع إلى سالف العهود، و ذلك: حينما تحقق للإنسان ما صحّ أن يعبّر عنه ب‍ «الاجتماع (1)»، حيث كان لكلّ من تلكم الجوامع قانون تحظى حياة الإنسان في ظلّه بالطمأنينة و الاستقرار (2).

و من أقدم ما حفظه لنا التاريخ من القانون المدوّن هو: ما عرف ب‍ «شريعة حمورابيّ (3)»، رغم ما يحدثنا التاريخ عن قوانين أخرى سبقته كقانون «اور- نموّ (4)» و قانون «لبت عشتار (5)» و قانون «اشنونا (6)» حسب رأى‌

____________

(1)- ليس المراد به: ما يحصل من اجتماع فردين أو أكثر، بل المراد به: هو اجتماع عدّة من البشر بحيث يحصل بينهم روابط اجتماعية، و علائق متبادلة، في المعاملات و غيرها.

(2)- و هناك من يذهب إلى أنّه في الجوامع الأوليّة لم يكن ما يسمّى بالقانون، سوى مجموعة من الأعراف و العادت القبليّة، و ليس من تشريعات هيئة أو جماعة مخوّلة بذلك، كما عليه الحال في عصر الحضارة. و هذا لا ينافي ما ذكرناه، فإنّ المقصود هو وجود ما ينظّم الاجتماع، مع الغضّ عن كيفيّة تحققه و منشأه. (- الدكتور عامر سليمان: القانون في العراق القديم، صص 139- 140؛ على پاشا صالح: مباحثي از تاريخ حقوق، صص 15- 16)

(3)- (1797- 1750 ق م) أشهر ملوك العهد البابلي القديم، و سادس الحكّام من سلالة بابل الأولى.

(4)- ينسب إلى الملك «اور- نموّ» (2113- 2095 ق م) مؤسّس سلالة «أور» الثالثة، التى استمرت (2113- 2006 ق م)، و هى تمثّل ذروة ما وصلت إليه الحضارة السومريّة. (- الدكتور عامر سليمان: القانون في العراق القديم، ص 191؛ على پاشا صالح: مباحثي أز تاريخ حقوق، ص 94- و بين المصدرين بعض الاختلاف في التحديد الزمني)

(5)- من القوانين السومريّة التي تعود إلى بداية العهد البابلي القديم، أو الفترة التي يطلق عليها بعض العلماء: فترة «ايسن- لارسا» هو قانون «لبت- عشتار» خامس ملوك سلالة «ايسن» الذي حكم في الفترة (1934- 1924 ق م). (- الدكتور عامر سليمان: القانون العراق القديم، ص 199؛ على پاشا صالح: مباحثي أز تاريخ حقوق، ص 94)

(6)- ينسب القانون إلى مملكة «اشنونا»، إحدى الدويلات الّتي حكمت في منطقة «ديالي» في

14

الپروفيسور «دراى‌ور» (1) استاذ جامعة اوكسفورد لكنّها- هذه الأخيرات- لم تكن بمستوى «شريعة حمورابى» فى الكمال النسبيّ، كما أنّها لم تحظ بما حظي به قانون حمورابي من الجمع و التدوين.

ج- النصوص الإسلاميّة:

استعملت الكلمة في بعض من آيات الذكر الحكيم، و كذلك في عدّة من الروايات المأثورة، في المعنى اللّغوي سالف الذكر، لكن مع خصوصيّة في المتعلّق، بمعنى كون المتفقّه فيه هو خصوص أحكام الشرعية، أو بتعبير آخر: الدّين بشطره العمليّ الفرعيّ فحسب. و عزّاه العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) إلى أكثر العلماء، و إن كان هو (قدّس سرّه) لم يستبعد التعميم للشطر الآخر منه، أعني به: الشطر الاعتقادي الأصوليّ (2).

____________

بداية العهد البابلي القديم، و عاصمتها «اشنونا» (تلّ اسمر حاليّا، الواقعة على نهر ديالي- شرقيّ نهر دجلة) و هو أقدم القوانين المدوّنة باللغة «الأكديّة» المكتشفة حتى الآن، و يعود تاريخه إلى ما قبل حكم الملك «حمورابي» بفترة يصعب تحديدها في الوقت الحاضر. (- الدكتور عامر سليمان: القانون في العراق القديم، ص 25؛ على پاشا صالح: مباحثى أز تاريخ حقوق، ص 93)

(1)- على پاشا صالح: مباحثي أز تاريخ حقوق، صص 93- 94؛ الدكتور عامر سليمان: القانون في العراق القديم، ص 219.

(2)- المجلسي، العلّامة، محمد باقر (10378- 11 أو 1110 ه‍/ 16278- 700 أو 1699 م):

مرآت العقول، ج 1: ص 100، الطبعة الثانية. قال (قدّس سرّه) معلّقا على خبر عليّ بن أبي حمزة (الكلينى: الاصول من الكافي، ج 1: ص 31/ ح 6) و فيه: «تفقهوا في الدّين ...» ما لفظه:

«حمله الأكثر على تعلّم فروع الدّين، إمّا بالاجتهاد أو بالتقليد. و يمكن حمله على الاعمّ من الأصول و الفروع، بتحصيل اليقين فيما يمكن تحصيله فيه، و بالظنّ الشرعي في غيره».

قلت: لا بعد فى هذا الاحتمال، بملاحظة عموم كلمة «الدين» للاصول الاعتقادية أيضا.

فيكون المراد بالتفقه في الدّين- إذن- هو العلم بالشريعة، أصولا و فروعا.

15

1- الكتاب العزيز:

قوله تعالى: وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (1)

قال شيخ الطائفة (رحمه اللّه): «و التفقه: تعلّم الفقه، و الفقه: فهم موجبات المعنى المتضمّنة بها، من غير تصريح بالدّلالة عليها. و صار بالعرف مختصّا بمعرفة الحلال و الحرام، و ما طريقه الشّرع (2)».

2- السنّة الشريفة:

رواية حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «إذا أراد اللّه بعبد خيرا فقّهه في الدّين (3)».

____________

و في المسألة رأيان آخران:

أحدهما: أنّ المراد ب‍ «الفقه» فى هذه النصوص: البصيرة في الدّين. قال شيخنا البهائي (953- 35 أو 31 أو 1030 ه‍/ 1546- 26 أو 22 أو 1621 م): «ليس المراد بالفقه الفهم، و لا العلم بالأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيليّة، فإنّه معنى مستحدث، بل المراد به البصيرة في الدين. و الفقه أكثر ما يأتى في الحديث بهذا المعنى» (بحر العلوم، السيد جعفر (1281- 1377 ه‍/ 1864- 1957 م): تحفة العالم في شرح خطبة المعالم، ج 2: ص 224؛- و أيضا- الطريحي، فخر الدين (م 1085 ه‍): مجمع البحرين، ج 6: ص 355، نشر المكتبة المرتضويّة، طهران؛ الشهابي، محمود (1319- 1408 ه‍/ 1901- 1987 م): أدوار فقه، ج 1: صص 31، 32، ط جامعة طهران، الطبعة الثالثة).

و الآخر: أنّ المراد به: العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة. يظهر ذلك من «المعالم» (جمال الدين، الحسن بن زين الدين (905- 1011 ه‍/ 1496- 1602 م):

معالم الأصول/ تحقيق: عبد الحسين محمّد على البقّال، صص 56- 67).

(1)- التوبة، 9: 122.

(2)- الطوسي، محمد بن الحسن (358- 460 ه‍/ 995- 1067 م): التبيان/ تحقيق: احمد حبيب قصير العاملي، ج 5: ص 322؛ الطبرسى، الفضل بن الحسن (78 أو 69 أو 470- 548 ه‍/ 75 أو 76 أو 1077- 1153 م): مجمع البيان، ج 5: ص 83، أفست طبع صيدا.

(3)- الكليني، محمّد بن يعقوب (م 329 ه‍/ 941 م): الاصول من الكافي، ج 1: ص 32/ ح 3،

16

و رواية علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: «تفقهوا في الدّين، فإنّه من لم يتفقّه منكم في الدّين فهو أعرابيّ. إنّ اللّه تعالى يقول:

لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (1)». و غيرهما من الرّوايات (2).

و كما يبدو- بملاحظة النصوص التى سبقت الاشارة إلى بعضها-: أنّ الاستعمال فى المعنى الخاص- بادئ الأمر- كان بنحو تعدّد الدالّ و المدلول، كما هو في الآية الكريمة المتقدمة، و جملة من الرّوايات، ثمّ غلب الاستعمال، فاستعملت الكلمة- وحدها- في المعنى الخاصّ.

و المصطلحات التالية كلّها مخرجة على هذا السبيل، أعني به: مسألة تعدّد الدال و المدلول، «فقه اللّغة»، «فقه الحديث»، ...

د- عرف الإسلاميّين:

تطلق الكلمة في عرف الإسلاميّين بأحد معنين:

1- العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة (3).

____________

نشر مكتبة الصدوق، طهران.

(1)- المصدر، ص 31/ ح 6.

(2)- الكليني، محمد بن يعقوب: الأصول من الكافي، ج 1: ص 31/ ح 7، 8، 9، ص 32/ ح 4، ص 33/ ح 6، ص 40/ ح 4، ص 56/ ح 9، ص 36/ ح 3، 4، ص 38/ ح 1، 2، 3، 4، ص 40/ ح 4، ص 45/ ح 6، ص 46/ ح 5، ص 67/ ح 100، ص 70/ ح 8؛ الصدوق، محمّد بن علي بن الحسين (306- 381 ه‍/ 918- 991 م): فقيه من لا يحضره الفقيه، ج 4:

ص 277.

(3)- الشهيد الأوّل، محمد بن مكّى (734- 786 ه‍/ 4 [أو] 1333- 1384 م): القواعد-

17

و هذا المعنى يرتبط بالمعنى اللغوى ارتباط الخاصّ بالعام (1).

2- نفس الأحكام المستفادة من الأدلّة. و حسب الاصطلاح الثاني يقع «الفقه» متعلقا لصفة العلم و ما يقابله، يقال: فلان يعلم- او عالم ب‍ «الفقه». أو يقال: إنه لا يعلم- أو يجهل- الفقه، أو غير عالم- او جاهل- بذلك.

____________

- و الفوائد، ص 301، الطبعة الثانية المحقّقة؛ الشهيد الثاني، زين الدين (911- 56 أو 965 ه‍/ 1506- 59 أو 1558 م): تمهيد القواعد الأصوليّة و العربيّة لتفريع الأحكام الشرعيّة، القاعدة الأولى: ص 2، ط إيران الحجريّة (ملحق بكتاب «الذكرى» للشهيد الأوّل (رحمه اللّه)، جمال الدين، الحسن بن زين الدين: معالم الأصول/ تحقيق: عبد الحسين محمّد علي البقّال، ص 66، ص 26، ط جامعة المدرسين، قم؛ الجرجاني، مير سيّد شريف (740- 816 ه‍/ 40 أو 1339- 14 أو 1413 م): التعريفات، ص 112، طبعة اسطنبول، عام 1327 ه‍؛ التهانوي، محمّد أعلى (م 1158 ه‍/ 1745 م): كشّاف اصطلاحات الفنون، ج 1:

صص 36- 37؛ ابن خلدون، عبد الرحمن (732- 808 ه‍/ 32 أو 1331- 56 أو 1405 م): المقدّمة، ص 353، ط مطبعة التقدّم، عام 1322 ه‍

(1)- قال أبو هلال العسكري- في تعريف الفقه لغة-: «هو العلم بمقتضى الكلام على تأمّله- أي فهم مدلول الكلام بالتأمل- و لهذا لا يقال: «إن اللّه يفقه» لأنّه لا يوصف بالتأمّل، و تقول لمن تخاطبه: «تفقه ما أقوله» أي: تامّله تعرفه ...- إلى أن قال:- و سمّي علم الشرع فقها، لانه منبئ عن معرفة كلام اللّه تعالى، و كلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) (أبو هلال العسكري:

الفروق اللغويّة، ص 69، نشر مكتبة القدسي، القاهرة).

و قال السيّد عبد اللّه الجزائري (1114- 1173 ه‍/ 1703- 1760 م)، حفيد السيد نعمة اللّه (1050- 1112 ه‍/ 1640- 1701 م) (رحمه اللّه) فى أجوبة مسائل السيّد على النهاوندي: «فأعلم، إنّ الفقه- بحسب اللغة- الفهم، ثم نقل إلى معنى آخر يناسب المعنى اللغوي مناسبة المسبّب للسّبب، أو النوع للجنس (و هو ما مرّ عن أبي هلال العسكري). و سموه: بالعلم بالأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة، فعلا او قوّة قريبة ...» (الخوانساري، محمد باقر (1226- 1313 ه‍/ 1811- 1895 م): روضات الجنّات، ج 4:

ص 260، مكتبة اسماعيليان، قم).

18

و هذا الاصطلاح الأخير شائع فى التصنيف الموضوعيّ في المكتبات أو فهرسة الكتب، حيث يجعل كتب الفقه- مثلا- في جناح خاص من المكتبة، أو أنّه يدوّن الكتب الفقهيّة في قائمة خاصّة، كل ذلك تحت عنوان: «الفقه». و من هذا المنطلق سمّى قطب الدّين، سعيد بن هبة اللّه الراوندي (م 573 ه‍/ 1187 م) كتابه: «فقه القرآن».

و المتفاهم في عرف الإسلاميين حتى عصرنا الحاضر إنّما هو أحد المعنيين، فإذا قيل: «الفقيه» اريد بذلك- حسب العرف القائم- العالم بالمسائل الفقهيّة عن الأدلّة الخاصّة. و إذا قيل: «الفقه» اريد به- لا محالة- أحد المعينين: إمّا العلم بالأحكام ...، أو نفس الأحكام ...، و كان تعيّن كلّ منهما حسب القرائن المقاميّة و غيرها.

كما أنّه حينما تطلق الكلمة و يراد بها المعنى الثاني، قد يكون المراد بها الأعمّ من المسائل المقرونة بذكر أدلّتها، و قد يراد بها خصوص ما اقترن بذكر الأدلّة، و يقال له: «الفقه الاستدلاليّ»، و هو اصطلاح شائع في تراجم الفقهاء، و كمثال لذلك، فقد الّف شيخنا الطوسي (رحمه اللّه) كتاب «النهاية» في الفقه، مقتصرا فيه على مجرّد الفتاوى، و الّف كتابيه «المبسوط» و «الخلاف»- و هو في الفقه المقارن- متعرضا فيهما لأدلّة الرأي المختار، مع تفنيده لدلائل سائر الأقوال.

و أظنّ: أنّ الحري بنا- و نحن بصدد الإشارة إلى المبدأ التاريخي للكلمة بحسب العرف الإسلامي- أن نفارق بين الإطلاقين من حيث تاريخ نشوئهما، إذ أن تاريخ نشوء الاصطلاح الثاني- كما يبدو- هو مبدأ تاريخ تدوين الفقه، و إن نشأة الاصطلاح المذكور قد عاصرت مرحلة التدوين، في حين كان الاصطلاح الأوّل قد سبقه بكثير من الوقت، و أنّه كان قائما في عرف الإسلاميين قبل مرحلة التدوين.

19

[1] لعلّ تاريخ تدوين الفقه يرجع إلى أوليّات عهد الغيبة الكبرى للإمام الحجة المنتظر- (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)

- الّذي استهلّ بوفاة أبى الحسن، عليّ بن محمّد السمريّ، في النصف من شعبان، سنة (329 ه‍/ 941 م) (1) في بغداد، ففي‌

____________

(1)- و قد يقال: إن أوّل مصنّف للشيعة في «الفقه» هو كتاب عبيد اللّه بن على الحلبي، من أصحاب الإمام الصادق (عليه السّلام) (الطهراني، الشيخ، آغا بزرگ: الذريعة، ج 16: ص 281) و استناده (قدّس سرّه) إلى ما ذكره أحمد بن ابي عبد اللّه البرقي (م 80 أو 274 ه‍/ 93 أو 882 م) في رجاله، و العلّامة الحلّي (قدّس سرّه) (648- 726 ه‍/ 1250- 1325 م) في «الخلاصة». و تفصيل القول فيه: أنّ البرقي (رحمه اللّه) ذكر في رجاله، في عداد أصحاب الصادق (عليه السّلام) عبيد اللّه بن عليّ الحلبي، و قال: «كوفي، و كان متجره إلى حلب، فغلب عليه هذا اللّقب، مولى، ثقة، له كتاب، و هو أول كتاب صنّفه الشيعة» (البرقى: كتاب الرّجال، ص 23، طبع جامعة طهران) و لم ينصّ فى هذا الكلام على أن الكتاب كان في الفقه.

و ترجمه الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) فى «الفهرست»، و قال: «له كتاب مصنف، معمول عليه. و قيل: إنّه عرضه على الصادق (عليه السّلام)، فلما رآه استحسنه، و قال: ليس لهولاء- يعنى:

المخالفين- مثله» (الطوسي: الفهرست، ص 132، ط النجف الاشرف) و ليس في هذا الكلام تنصيص على أنّ الكتاب في «الفقه»، إلّا أن يقال: إنّ قوله: «معمول عليه» ظاهر في كونه في الفقه.

و ترجمه العلامة الحلّى (رحمه اللّه) في القسم الأول من كتاب «الخلاصة»، و قال: «و آل أبي شعبة بيت مذكور في أصحابنا، روى جدّهم أبو شعبة عن الحسن و الحسين (عليهما السّلام)، و كانوا- جميعا- ثقات، مرجوعا إليهم فيما يقولون، و كان عبيد اللّه كبيرهم و وجههم، و صنّف الكتاب المنسوب إليه و عرضه على الصادق (عليه السّلام)، و صحّحه و استحسنه، و قال عند قراءته: ليس لهولاء في الفقه مثله، و هو أول كتاب صنفه الشيعة» (العلامة الحلى: الخلاصة، صص 112- 113، طبع النجف الأشرف) و منها يظهر: أنّ الأساس في هذه النسبة هو كلام العلامة الحلي (رحمه اللّه) في «الخلاصة»، إلّا أنّه لم يظهر لنا الوجه في استظهاره (رحمه اللّه) كون

20

هذا العصر دوّنت فروع الفقه الجعفري، و كان أوّل من فتح هذا الباب هو الحسن بن على بن أبي عقيل العمانيّ، الحذّاء (1) فألّف كتابه المعروف ب‍ «المتمسّك بحبل آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» و غيره. ثم تلاه محمد بن أحمد بن الجنيد، أبو علي، الكاتب الإسكافي (م 381 ه‍/ 991 م) (2)، المعاصر لأبي جعفر، محمد بن يعقوب الكليني‌

____________

- الكتاب المذكور فى الفقه، و لعلّه يكون هو ما اشرنا إليه آنفا- غير أنّه، على فرض الثبوت- لا ينافي ما ذكرناه، فإنّ تدوين الفقه في عصر الائمّة (عليهم السّلام)، و من قبل أصحابهم- رضي اللّه عنهم- كان يعنى به: تنظيم الروايات الأحكاميّة في أبواب خاصّة، لا تدوين الفروع الفقهيّة عن استنباط و اجتهاد مصطلح.

(1)- هذا على فرض أن يكون العمانيّ أعلى طبقة من ابن الجنيد- كما في «الفوائد الرجاليّة»- حيث عدّ ابن ابي عقيل من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه (م 68 أو 367 ه‍/ 79 أو 78 أو 977 م)، و ابن الجنيد من مشايخ الشيخ المفيد (336- 413 ه‍/ 947- 1022 م)، و قيل: أنّه كان معاصرا للكليني، و لعليّ بن بابويه (م 329 ه‍/ 941 م) (الصدر، السيد حسن: تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الاسلام، ص 303).

(2)- قيل: توفى ابن الجنيد، بالرّي، سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة، و على هذا فتكون وفاته و وفاة الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) معا، بالرّي، في سنة واحدة (بحر العلوم، السيد محمد مهدى:

الفوائد الرجاليّة، ج 3: ص 222، طبع النجف الاشرف؛ الأردبيلي، محمد بن على، جامع الرواة، ج 2: ص 59، طبع إيران؛ العاملي، الشيخ عبد اللطيف بن ابي الجامع، الرجال (نقلا عن هامش «الفوائد الرجاليّة»).

و قال السيّد (رحمه اللّه) بعد ذلك: «و الظاهر وقوع الوهم في هذا التاريخ من تاريخ الصدوق، و أن وفاة ابن الجنيد قبل ذلك» (المصدر).

و لعلّ وجه الخطا في ذلك و إن كان لم يشر إليه (قدّس سرّه)- كما في هامش الفوائد- هو: إنّ لابن الجنيد (رحمه اللّه) جوابات مسائل معزّ الدّولة، أحمد بن بويه (م 356 ه‍/ 967 م) فيكون بينه- أي بين معزّ الدّولة- و بين وفاة أبى الحسن، عليّ بن محمّد السمري- آخر السفراء- نحو من سبع و عشرين سنة، و هذا يقتضي أن يكون ابن الجنيد (رحمه اللّه) معاصرا للسفراء، و-

21

(م 329 ه‍/ 941 م)، و الشيخ عليّ بن الحسين بن بابويه (والد الشيخ الصّدوق (رحمه اللّه)) (م 329 ه‍/ 941 م) (1) فألّف كتاب «تهذيب الشيعة» و «الأحمدي في الفقه المحمّدي».

ثم تلاهما بالتأليف و التدوين النخبة المنتجبة من علمائنا الأبرار- (قدّس اللّه تعالى أسرارهم)- و استمرّ الحال على ذلك حتى عصرنا الحاضر، و نأمل منه- تعالى شأنه- أن يديم هذه الحركة الخيّرة و المباركة حتى عصر ظهور امام العصر- (عجل اللّه فرجه الشريف)- و أن يكون انفتاح باب الاجتهاد عند الإمامية خير حافز لاستمراريّة التأليف و التدوين، خلافا للنهج غير المرضيّ و المبتدع لدى السنيّين، من انسداد باب الاجتهاد و الدؤب على اجترار ما قاله الأقدمون، حقا كان ذلك أم باطلا!!!

[2] تعارف لدى فريق من كتبة التقدمة للكتب الفقهية، أو مؤرخة علم «الفقه»: [عبر مسيرته الطويلة]

____________

من رجال الغيبة الصغرى، فيبعد- بعد هذا- أن يكون الرجل قد عاش الى سنة 381 ه‍ و اللّه العالم.

(1)- يظهر من المحدث القمي (رحمه اللّه): أن المعاصر للكليني ليس هو ابن الجنيد، بل هو شخص آخر يشترك معه في لقب (الإسكافى)، قال (قدّس سرّه): «و قد يطلق الإسكافى على الشيخ الأقدم، أبي على، محمد بن أبي بكر، همام بن سهيل بن بيزان، الإسكافى، المعاصر للشيخ الكليني ... ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه، و قال: أنه أحد شيوخ الشيعة. و قال: توفى في ج 2، سنة 332، و كان يسكن فى سوق العطش، و دفن في مقابر قريش» (القمي، الشيخ عباس: الكنى و الألقاب، ج 2: ص 27، المطبعة الحيدرية، النجف الاشرف، 1389 ه‍/ 1970 م).

22

عرض مناشئ تطوّر علم الفقه و تكامله، و تعداد موجبات ذلك عبر مسيرته الطويلة، و ربّما جاوز بعضهم ذلك و أفرط بحصر موجبات التطور و التكامل في عوامل خاصّة معيّنة، كعامل الزّمان، و البيئة، و ذاتيّات من يزاول علم الفقه، أو بتعبير آخر: شخصيّة الفقيه ذاته. علما بأنّها- و لا نفرّط في الحصر ابدا- أوسع من ذلك بكثير. فهناك عامل الاتّصال بين الفقهاء و يسر وقوفهم على آراء الآخرين الفقهيّة، نتيجة بروز «الطباعة» على المسرح، ثم تطوّرها ...

و أيضا، عامل الموضوعات المستجدّة كنتيجة طبيعية لتطوّر التكنولوجيا، او كنتيجة طبيعية للمقارنة بين الشريعة و القوانين الوضعية السائدة، فإنّ لمثل هذه العوامل التأثير الجادّ و القطعيّ في التطوّر الكميّ و الكيفي للفقه، تأثيرا يأبى كلّ إنكار و مكابرة.

و إرجاع مثل هذه العوامل إلى عامل الزّمان لا يتناسب و البحث التفصيلي في تبيين العوامل و الأسباب، و إلّا أمكن الإيجاز في المقال بإرجاع الأسباب كلّها إلى عامل القضاء و القدر، مثلا! ...

كما انّ لضدّ ذلك، و أعني به: زوال الموضوع من على مسرح الحياة الاثر البارز في تقلّص مسائل الفقه شيئا ما، ففي الدّور الّذي كانت مسألة العبيد و الاماء قائمة و رائجة، كانت المباحث الفقهية المرتبطة بهذا الموضوع يشكل قسطا لا يستهان به من علم الفقه، و حيث اختفى الموضوع المذكور اختفت- على أثره- المسائل المرتبطة به من كتب الفقه أيضا.

ثم إنّ الارتباط العضويّ الآليّ القائم بين علم الفقه و اصوله يقتضي- بطبع الحال- أن يكون لتطوّر علم اصول الفقه، و مدى توسّع مزاول الفقه فيه، الاثر الحاسم و القطعيّ في تطوّر الفقه و التوسع فيه، سواء فيه ما يرجع إلى نوعيّة‌

23

عرض المسائل الفقهيّة، و نوعيّة التدليل و البرهنة عليها، و نوعيّة معالجة النصوص و الأدلّة ...

و بعد هذا كلّه، فالموضوع ممّا يطول شرحه، و يكثر العثار فيه و الاعتذار منه، و الأجدر بنا الإعراض عنه، و الاتّجاه نحو الأمور الّتي تعود بالنفع على طالب الفقه، المبتدى منه و غيره.

نعم، هناك تطوّر ظاهر لا ينكر في «الفقه» عبر مسيرته منذ بدى على الساحة أمر التقليد و حتّى يومنا الحاضر، و هو ظاهرة تبدّل كيفيّة عرض الأحكام الفقهية في الكتب، و هذه الظاهرة تتجلى كالآتي:

الف) تبويب النصوص الروائية للأحكام- بشطريه الاعتقادي و العملي- أو خصوص الشطر العملي، بألفاظها مع ذكر الأسناد، كما هو الحال في الكتب الأربعة (الاصول) عند الإماميّة، و هي كتاب «الكافي» لثقة الاسلام الكليني (رحمه اللّه) و «فقيه من لا يحضره الفقيه» للشيخ الصدوق (رحمه اللّه) و كتابا «التهذيب» و «الاستبصار» لشيخ الطائفة الطوسي (رحمه اللّه). و على هذا النهج- و إن لم يكن الغرض نفس الغرض في تأليف الكتب الأربعة- محمد بن الحسن الحرّ العاملي (1033- 1104 ه‍/ 1623- 1692 م)، في كتابه «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، و محمد محسن، المعروف بالفيض الكاشاني (1008- 91 أو 1090 ه‍/ 1600- 1680 م)، في كتاب «الوافي»، و الميرزا حسين النوري (1254- 1320 ه‍/ 1838- 1902 م)، في كتابه «مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل»، و العلامة المجلسى (رحمه اللّه) في موسوعته «بحار الأنوار».

و يعدّ هذا النوع من تدوين «الفقه» امتدادا لعصر أصحاب الائمّة‌

24

الطاهرين (عليهم السّلام) حيث تداول لدى البعض منهم تبويب الروايات الأحكاميّة حسب الأبواب الفقهية، بذكر الروايات بألفاظها، و أسنادها إذا كان هناك واسطة بين الرّاوي صاحب الأصل و المرويّ عنه، كلّ ذلك فيما يخصّه من الباب.

ب) جمع النصوص و الروايات الأحكاميّة و تبويبها حسب أبواب الفقه، مع الحفاظ على الفاظ النّص، و لكن مع حذف الاسناد، كما قيل ذلك في كل من كتاب «المقنع» و «الهداية» للشيخ الصدوق (رحمه اللّه)، و «المقنعة» للشيخ المفيد (رحمه اللّه)، و «النهاية» للشيخ الطوسى (رحمه اللّه). و يقال: إنّ بعض الأصحاب كان إذا أعوزه النصّ رجع إلى الكتب المذكورة (1).

و على ذلك جرى الحرّ العاملي صاحب «تفصيل وسائل الشيعة» في تأليفه كتاب «هداية الأمّة إلى أحكام الأئمّة (عليهم السّلام)»، و قد جاء فى مقدّمته ما لفظه: «هذه رسالة مشتملة على ما لا بدّ منه من الأحكام الثابتة عن أهل العصمة (عليهم السّلام)، ينتفع بها العوام، بل العلماء الأعلام ...- إلى أن قال:- و لم انقل الأحاديث إلّا من الكتب المعتمدة، و تركت اسانيدها اختصارا، و اعتمادا على وجودها هناك ... (2)».

ج) قيل (3): ما جمعت فيه نصوص الأخبار مرتبة على أبواب الفقه، من غير التزام بألفاظها، و مع إسقاط أسانيدها، ك‍ «المراسم» لأبي يعلي، حمزة بن عبد العزيز، المعروف ب‍ «سلّار» (م 463 ه‍/ 107 م)، و «الوسيلة» لابن حمزة (م بعد‌

____________

(1)- كاشف الغطاء، الشيخ على بن الشيخ هادي: أدوار علم الفقه و أطواره، ص 109، نشر دار الزهراء (عليه السّلام)، بيروت.

(2)- الحرّ العاملى: هداية الأمّة إلى الأحكام الأئمّة، ج 1: ص 3.

(3)- المصدر، ص 109.

25

560 ه‍/ بعد 1165 م)، و «الكافي» لأبي الصلاح، تقي الدّين (374- 67 أو 446 ه‍/ 85 أو 984- 10545 م).

[3] اهتمّ علمائنا الأبرار- (قدّس اللّه أسرارهم)- منذ عهد التدوين و حتى يومنا الحاضر بتدوين «الفقه» و لكن لا على وتيرة واحدة و نهج متشابه،

فهم بين مدون للفقه بكامل أبوابه، و بين مدوّن رسائل- أو كتب- فقهية تخصّ أبواب معيّنة، ككتاب الصّلاة، و الصوم، و الزكاة و الخمس ... و ما شاكل ذلك، هذا عدا ما كانت النية للمؤلّف بادئ الامر هو تدوين «الفقه» بكامل أبوابه، غير أنّ المنيّة- او عوائق اخر- حالت دون تحقيق هذه الامنيّة.

و إعطاء فهرس مستوعب لكلّ ذلك مشكل جدا، بل يكاد يلحق بالمتعذر منه عادة، فان كتب الفهرسة- كالذريعة و غيرها- غير مستوعبة لكلّ تآليف الطائفة، فضلا عن أنّ الكتب الفقهيّة مختلفة، فهى بين ما يكون للكتاب اسم و عنوان خاص لا يستبان منه محتوى الكتاب، او إذا كان العنوان المذكور حاكيا و معربا عن المحتوى، غير أنّ المعاجم المفهرسة للكتب- عادة- ذكرت الكتاب المذكور بترتيب الأحرف الهجائية لأوّل حرف من العنوان، و ذلك يقتضي متابعة جميع أجزاء الكتاب لاستخراج كتاب فقهي منه. نعم، الكتب المعنونة باسم «الفقه»، أو المعنونة بأسماء الأبواب الفقهية الخاصة، ك‍ «كتاب الصلاة» أو «الصوم»، أو «الزكاة» ... يمكن تعدادها- لا باستقراء كامل طبعا- على ضوء المعاجم.

و إلقاء نظرة على كتاب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» لشيخنا العلّامة، محمد‌

26

محسن، المشتهر ب‍ «آغا بزرگ» الطهراني (1293- 1389 ه‍/ 1876- 1970 م) (قدّس سرّه)، و شكر مساعيه الحميدة في إحياء آثار الطائفة و مآثرها، فيما ذكره- طاب ثراه- تحت عنوان «الفقه» و هو غيض من فيض من مؤلّفات الطائفة في هذا المجال، و كذلك ما جاء فيه بعنوان الأبواب الخاصة، من الصلاة، و الصوم، و الحج، و الزكاة ... و يبيّن بوضوح مدى الاهتمام الأكيد بتدوين الفقه.

و قد حظي من بين مختلف أبواب الفقه بعضها بعناية خاصة و اهتمام بالغ، و من جملة ذلك هو باب «الزكاة» فقد اهتمّ به جملة من علمائنا الماضين و المعاصرين، حيث أعطوه من أنفسهم الاهتمام البالغ. و لعلّ ذلك إنّما كان اسوة منهم بصاحب الشريعة، الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقد قيل: إنّه من «ما أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بعد هجرته للمدينة- بكتابته، كأحكام الزكاة، و ما تجب فيه، و مقادير ذلك، و قد كتبت في صحيفتين ... (1) و مما يزيد في الاهتمام بها: إنّها- مع‌

____________

(1)- كاشف الغطاء، الشيخ على بن الشيخ هادي: أدوار الفقه و أطواره، ص 21، نشر دار الزّهراء (عليهم السّلام)، بيروت.

و روى الترمذي باسناده عن سالم (و هو سالم بن عبد اللّه بن عمر)، عن أبيه: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كتب كتاب الصّدقة، فلم يخرجه إلى عمّاله حتى قبض، فقرنه بسيفه ...- إلى أن قال:- و كان فيه: «في خمس من الإبل شاة، و في عشر شاتان ...» (الترمذي: الجامع الصحيح، ج 3: ص 17/ باب 4: ح 621؛ أبو داود: السنن، ج 1: باب زكاة السائمة/ ح 1568، ح 1570- مع اختلاف-؛ أحمد بن حنبل: المسند، ج 3: ص 15؛ الحاكم: المستدرك على الصحيحين، ج 1: ص 392).

و قال ابن قدّامة المقدسي، في ترجمة (عمرو بن حزم بن زيد): «أوّل مشاهده الخندق، و استعمله رسول اللّه- صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم- على نجران، و هو ابن سبع عشرة سنة، ليفقّههم في الدّين، و يعلّمهم القرآن، و يأخذ صدقاتهم، و ذلك سنة عشرة، و كتب له

27

الإيمان، و الصّلاة- توجب دخول المرء في جماعة المسلمين. قال تعالى: فَإِنْ تٰابُوا وَ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ فَإِخْوٰانُكُمْ فِي الدِّينِ ... (1) و في رواية العزرمي، عن الصادق (عليه السّلام): «أثافيّ الإسلام ثلاثة: الصّلاة، و الزكاة، و الولاية، لا تصحّ واحدة منها الا بصاحبتها (2)».

[4] إنّ الفقه بمعناه المصطلح يرتبط ارتباط المعلول بعلّته،

أو ارتباط ذى الآلة بالآلة، بعمليّة «الاجتهاد»، فان تعريف «الفقه» المشهوري، و هو: «العلم بالأحكام الشرعية الفرعيّة عن ادلّتها التفصيلية، و كذلك سائر ما قيل في تعريفه، حسبما يقف عليه المراجع في مظانّه، كلّه يبتني على كون العلم المذكور هو حصيلة عمليّة «الاجتهاد» فلا يقال: «الفقيه» للعالم بالأحكام الشرعية الفرعيّة لا عن اجتهاد، بل عن تقليد، كالعاميّ العارف بالاحكام الشرعيّة تقليدا، و من هنا مسّت الحاجة إلى البحث عن كلمة «الاجتهاد» أيضا.

____________

كتابا فيه الفرائض و الصدقات و الديات. و مات بالمدينة سنة نيف و خمسين، و كتاب عمرو بن حزم مشهور تحتج به العلماء ...» (المقدسي: الاستبصار في نسب الصّحابة من الأنصار/ تحقيق علي نويهض، ص 74).

(1)- التوبة، 9: 11.

(2)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: تفصيل وسائل الشيعة/ باب مقدّمة العبادات، ح 7.

بالإضافة إلى الروايات المستفيضة- بل المتواترة- الجاعلة لها احد أركان الإسلام الخمس (- لاحظ الباب المذكور من" وسائل الشيعة").

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

2- الاجتهاد

[1] لكلمة «الاجتهاد» تأريخ عبر الزمن، قد يشبه- نوعامّا- ما لكلمة «الفقه» من تأريخ و أدوار.

فهو- لغة- بذل الجهد (بالضمّ)، أو الجهد- (بالفتح) (1) من دون اختصاص له بمتعلّق، أو قل: بمورد- خاصّ، فبذل الجهد في شتّى مجالات الحياة ممّا يستلزم الكلفة و المشقّة، يعتبر «اجتهادا» في عرف اللغة.

قال الآمدي: «أمّا الاجتهاد، فهو- في اللغة- عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الامور، مستلزم للكلفة و المشقّة، و لهذا يقال: اجتهد فلان في حمل حجر البزّارة (2) و لا يقال: اجتهد فى حمل خردلة (3).

____________

(1)- الجهد (بالفتح) و الجهد (بالضمّ): الطاقة و المشقّة. و قيل: الجهد (بالفتح) المشقة ...

و الاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة و المشقة.

(- الراغب الأصفهاني: معجم مفردات ألفاظ القرآن/ تحقيق: نديم المرعشلي، ص 99؛ الفيروزآبادي، محمّد بن يعقوب: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب اللّه العزيز، ج 2:

ص 451، الطبعة الاولى؛ و غيرهما من كتب اللغة).

(2)- البزّارة: باعة البزور، و حجر البزّارة: الحجر الذي يطحن به البزور.

(3)- الآمدي، الإحكام في اصول الأحكام، ج 4: ص 218.

30

و لا اختصاص لها- أي: الحياة- بالدنيا، بل بذل الجهد فيما يرجع إلى الحياة الاخرى، بالجهد في أعمال البرّ و الطاعات ...، اجتهاد، لغة.

و تأريخ الاجتهاد- بهذا المعنى- قديم قدم تأريخ الإنسان، فمنذ أن وضع الإنسان قدميه على ظهر هذا الكوكب كانت معه هذه الظاهرة. قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ فِي كَبَدٍ (1) أي: خلق مغمورا في مكابدة المشاقّ و الشّدائد. و قال تعالى: يٰا أَيُّهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلٰاقِيهِ (2) أي: إنّك- أيّها الإنسان- في أمرك بشدّة و مشقّة إلى أن تلقى جزاء عملك من ربّك (3).

بل إنّه لا اختصاص له بنوع الإنسان، بل هي ظاهرة عامّة لكلّ أنواع الحيوان، على تفاوت بينها في ذلك شدّة و ضعفا.

و قد استعملت الكلمة (أي: المادّة الأصليّة و ما هو مبدأ الاشتقاق عرفا (4)) في المعنى المذكور، في جملة من الآيات الذكر الحكيم، و كذلك السنّة الشريفة.

أمّا الآيات، فمنها:

قوله تعالى: وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هٰؤُلٰاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّٰهِ جَهْدَ أَيْمٰانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خٰاسِرِينَ (5)، أي: إنّهم حلفوا و اجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم (6).

____________

(1)- البلد، 90: 4.

(2)- الانشقاق، 84: 6.

(3)- الطوسي، محمّد بن الحسن: التبيان/ تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي، ج 10: ص 307.

(4)- وجه التقييد بذلك ظاهر عند الواقف على البحث الاصولي المعروف في فصل «المشتق».

(5)- المائدة، 5: 53.

(6)- الطوسي، محمّد بن الحسن: التبيان/ تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي، ج 5: ص 267؛ الطبرسي، الفضل بن الحسن: مجمع البيان، ج 5: ص 54، ط صيدا.

31

و قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقٰاتِ وَ الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ إِلّٰا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّٰهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ (1)

و أمّا السنّة، فكثير، نشير إلى بعضها:

أ) في خطبة لمولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوم الجمعة: «فاجعلوا- عباد اللّه- اجتهادكم في هذه الدنيا التزوّد من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل ... (2)».

ب) في رسالة الإمام الصادق (عليه السّلام) إلى جماعة الشيعة: «و عليكم بهدى الصالحين و وقارهم، و سكينتهم، و حلمهم، و تخشّعهم، و ورعهم عن محارم اللّه، و صدقهم، و وفائهم، و اجتهادهم للّه في العمل بطاعته ... (3)».

ج) في رواية مسعدة بن صدقة، عن الصادق (عليه السّلام)، في نوافل ليالي شهر رمضان: «و يدعو، و يجتهد اجتهادا شديدا ...».

د) في رواية يونس بن ظبيان، عن الصادق (عليه السّلام): «و أشدّ الناس اجتهادا من ترك الذنوب ... (4)».

____________

(1)- التوبة، 9: 79.

(2)- الكليني، محمّد بن يعقوب: الروضة من الكافي، ج 8: صص 13، 174، المطبعة الإسلامية، طهران.

(3)- الطوسي، محمّد بن الحسن: تهذيب الأحكام، ج 3: ص 63، طبعة النجف الأشرف.

(4)- الصدوق، محمّد بن عليّ بن الحسين: فقيه من لا يحضره الفقيه، ج 4: ص 395، مكتبة الصدوق، طهران.

32

[2] «الاجتهاد» في المصطلح الإسلامي: «استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم الشرعيّ

(1)». و المراد بالحكم الشرعي المأخوذ في تعريف «الاجتهاد»: الحكم الفرعي- في مقابل الحكم الاصولي- الكلّي، أي: المترتّب على الموضوع العامّ، المفروض وجوده، مع قطع النظر عن انطباقه حسب الموارد الشخصيّة، كوجوب صلاة الجمعة- مثلا- تخييرا أو تعيينا، في زمن الغيبة. و كحرمة الفعل المعيّن، أو نجاسة البدن أو الثوب ... بملاقاة النجس أو المتنجس، مع الرطوبة المسرية في أحد المتلاقيين.

و لم أعثر في أحاديثنا المرويّة- فيما وسعني الفحص و البحث- على استعمال الكلمة- بصيغها المختلفة- في المصطلح الإسلامي، بل إنّها استعملت- فيها- في المعنى اللغويّ، سالف الذكر.

____________

(1)- الحاجبي: شرح مختصر الاصول، ص 406؛ العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: التهذيب (مخطوط)؛ و يقرب منه ما في كتابه الآخر: مبادي الوصول إلى علم الاصول، ص 240، ط النجف الأشرف؛ جمال الدين، الحسن بن زين الدين: معالم الاصول/ تحقيق: عبد الحسين محمد علي البقّال، ص 381؛ المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: معارج الاصول، ص 179، مؤسّسة آل البيت (عليهم السّلام)، قم.

هذا هو التعريف الشائع بينهم قديما، و قد عرف بتعاريف اخر، منها: إنّه «ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل، فعلا أو قوّة قريبة» (البهائي، محمّد بن عبد الصمد: زبدة الاصول، ص 115، الطبعة الحجريّة).

و جدير بالذكر: إنّ هذه التعاريف كلّها خاضعة للنقاش و النقد من قبل علمائنا الأعلام المتأخّرين و من شاء الوقوف على تفاصيل ذلك، فليراجع كتب الاصول للمعاصرين، تأليفا و تقريرا.

33

[3] ثمّ إنّ ارتباط المصطلح الإسلامي بالمعنى اللغويّ هو ارتباط الخاصّ بالعامّ

و الخصوصيّة المفروضة تتركّز في ثلاث نقاط مهمّة:

1- المجال، أو «الإطار»، فإنّ الاجتهاد حسب المصطلح الإسلامي لا يكون إلّا في مجال- أو اطار- خاصّ، و هي الأدلّة: الكتاب، السنّة، الإجماع، العقل، في حين أنّ مجاله- حسب المعنى اللغويّ- واسع عامّ، لا يتقيّد بمثل ذلك أبدا.

2- النتيجة، حيث أنّ المستحصل من الاجتهاد و معطياته- حسب المصطلح الإسلامي- إنّما هو الوقوف على الوظيفة الشرعية، في حين أنّه- بمعناه اللغويّ- لا يحدّه مثل هذا الإطار الضيّق و المحدود.

3- المبادي و المقدّمات، إذ إنّ مبادي «الاجتهاد» حسب المدلول اللغويّ، هي: كل ما يوجب الاستطاعة و القدرة على الشي‌ء، في حين أنّ مبادي الاجتهاد- حسب المصطلح الإسلاميّ- امور خاصّة، نوجزها كالآتي:

أ) معرفة اللغة العربيّة و قواعدها- من علمي النحو و الصرف- بمقدار يتوقّف عليه فهم الحكم الشرعي من الأدلّة، فإنّ الكثرة من الأحكام الشرعيّة مستفادة من الكتاب العزيز و السنّة الشريفة و الأحكام المستفادة من الإجماع و دليل العقل نادرة بجنب ذلك، و هما باللغة العربية.

ب) معرفة ما يتوقّف عليه صحّة الاستدلال، و تأليف الأقيسة و الأشكال بوجه صحيح و منتج، و هذا ما يرجع إلى المعرفة بعلم المنطق، بالقدر الذي يسهّل للمجتهد ذلك.

و المهم من المبادي الأمران الآتيان:

ج) معرفة علم الأصول، أي: اصول الفقه، فإنّ الأحكام الشرعيّة- اللّهم‌

34

إلّا النادر منها- ليست هي من الامور الضرورية، و إلّا لما مسّت الحاجة فيها إلى الاجتهاد، بل هي من الامور النظرية، التي لا يحصل العلم بها إلّا عن طريق النظر و الاستدلال. و المتكفّل لأدلّة الأحكام الشرعية- كمباحث الحجج و الإمارات- هو علم اصول الفقه.

د) المعرفة بعلم الرجال. فإنّ ما يستفاد من الحكم الشرعي من الكتاب العزيز قليل جدّا لو قيس إلى مجموعة الأحكام الشرعية، التي تشكّل مسائلها «علم الفقه» و الكثرة الكاثرة منها هي المستفادة من السنّة الشريفة، و إذا افترضنا: إنّنا انطلقنا- في اصول الفقه- من النظرية القائلة: بأنّ الحجّة هي الرواية الصحيحة سندا- و المراد بالصحّة أعمّ من معناها المصطلح عليه في علم الحديث، إذ يعنى بها هناك: الصحّة المصطلحة، بالإضافة إلى الموثّق و الحسن- بالإضافة إلى ما تطمئنّ النفس بصدوره من المعصوم (عليهم السّلام)، فلا بدّ لنا من المعرفة بحال الرواة، و هي ممّا لا يتيسّر- عادة- إلّا عن طريق علم الرجال و إذا لاحظنا: أنّ موارد الاطمئنان النفسي بالصدور نادرة جدّا، تبيّن لنا بوضوح: وجه الحاجة إلى علم الرجال، في الاجتهاد (1).

[4] الاجتهاد، حسب المصطلح الإسلامي [إنّما يقع في الأحكام الشرعيّة، إذا خلت عن دليل قطعيّ]

- كما صرّح به العلّامة الحلّي (رحمه اللّه) و‌

____________

(1)- لاحظ بهذا الصدد، ما أفاده المحقّق الخراساني، محمّد كاظم: كفاية الاصول، ج 2: ص 468، مؤسّسة آل البيت (عليهم السّلام)، قم؛ الغروي، ميرزا علي التبريزي: التنقيح في شرح العروة الوثقى/ بحث الاجتهاد و التقليد، تقرير بحث سماحة آية اللّه العظمى، السيّد الخوئي- طاب ثراه-: صص 24- 27.

35

غيره إنّما يقع في الأحكام الشرعيّة، إذا خلت عن دليل قطعيّ (1).

يقول الاستاذ عبد الوهاب خلاف: «الواقعة التي دلّ على حكمها نصّ قطعيّ في وروده، و في دلالته، بمعنى: أنّه لا مجال للعقل لأن يدرك منه إلّا حكما بعينه- لا مساغ للاجتهاد فيها، و الواجب اتّباع النصّ بعينه، فلا مجال للاجتهاد في: أنّ إقامة الصلاة فريضة، و لا في فروض أصحاب الفروض من الورثة. و لهذا اشتهر قول الاصوليّين: لا مساغ للاجتهاد فيما فيه نصّ قطعيّ صريح (2)».

و لعلّه: لأجل أنّ فهم الحكم الشرعي- حينئذ- من النصّ يكون عاريا عن أيّ كلفة و مشقّة، و معه لا مجال لإطلاق «الاجتهاد» عليه، بعد ما عرفت فيما سبق: أنّ الاجتهاد- لغة- أمر يستلزم الكلفة و المشقّة، و لذلك لا يقال- كما مرّ عن الآمدي-: «اجتهد فلان في حمل خردلة».

[5] إنّ تاريخ «الاجتهاد» حسب المصطلح الإسلاميّ، لا يعود إلى زمن الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)،

و هو زمان التشريع، و تكميل الشريعة بالتدريج. فإنّه- عند الإماميّة (3)- لا مساغ للاجتهاد بحق النبيّ، بعد كونه مؤيّدا بالوحي و مسدّدا من ناحية اللّه عزّ و جلّ. قال تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (4) و لوجوه اخر لا طائل في ذكرها (5).

____________

(1)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: مبادي الوصول إلى علم الاصول، ص 243- 244؛ المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: معارج الاصول: ص 181.

(2)- عبد الوهّاب: مصادر التشريع الإسلامي، صص 8- 9.

(3)- البهائي، محمّد بن عبد الصمد: زبدة الاصول، ص 116، الطبعة إيران الحجريّة.

(4)- النجم، 53: 3- 4.

(5)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: مبادي الوصول إلى علم الاصول، صص 240- 241؛ نهج الحقّ و كشف الصدق، صص 405- 406، مؤسّسة دار الهجرة، قم.

36

كما لا نعتقد ذلك في حقّ أحد من الصحابة في هذه الفترة الرساليّة، أعني بها:

فترة حياة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما سيظهر ذلك- إن شاء اللّه تعالى- عند عرض مراحل الاجتهاد عند السنّة.

و هكذا لا يسوغ- عندهم- ذلك بحقّ واحد من الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) بعد ما ثبتت لنا عصمتهم، و أنّهم إنّما يأخذون الأحكام بتعليم من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو بإلهام من اللّه تعالى (6).

هذا و لو افتر ضنا إمكان «الاجتهاد» بحقهم، فليس هو من الاجتهاد الذي يكون عرضة للخطأ، و لا يأمن صاحبه من ذلك، و الذي قيل فيه: «للمصيب أجران، و للمخطئ أجر واحد (7)» كما كان هو الحال في «الاجتهاد» المصطلح، إذ أنّه مع افتراض عصمتهم- و هي تقضي بصيانتهم من الخطأ و النسيان ...-

____________

(6)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف، مبادي الوصول إلى علم الاصول، ص 241.

(7)- أخرج البخاري و مسلم، عن عمرو بن العاص، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أنّه قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، و إذا حكم ثمّ أخطأ فله أجر واحد» (البخاري:

الصحيح/ كتاب الاعتصام: باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ؛ صحيح مسلم/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، كتاب الأقضية: ح 15؛ سنن ابن ماجة/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 2: ص 776/ باب 2، كتاب الأحكام، ح 2314. غير أنّه قال: «فأصاب» و «فأخطأ» بدل ما في الصحيحين من: «ثمّ أصاب» و «ثمّ أخطأ». و أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة (و متن الحديث كما في سنن ابن ماجة)، سنن الترمذي/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 3: ص 615/ ح 1326).

و روي مرسلا عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «من أصاب فله أجران، و من أخطأ فأجر واحد» قاضي القضاة، ناصر الدين البيضاوي (م 685 ه‍): منهاج الوصول في معرفة الاصول، ص 73، القاهرة (1389 ه‍/ 1969 م).

37

لا يبقى مجال لمثل هذا الاجتهاد بحقّهم (عليهم السّلام). و هناك وجوه اخر ذكرت لإبعاد مثل ذلك عن ساحتهم، من شاء الوقوف عليها فليراجع: «الذريعة إلى اصول الشريعة»، للشريف المرتضى (رحمه اللّه) (1) و «معارج الاصول»، للمحقّق الحلّي (رحمه اللّه) (2).

و أمّا المأثور عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) في قصّة الشورى السداسيّ- الّذي ابتدعه الخليفة عمر- حينما عرض عبد الرحمن بن عوف عليه الخلافة، شريطة العمل بكتاب اللّه، و سنّة رسوله، و سيرة الشيخين، فقال (عليه السّلام): «أرجو أن أفعل و أعمل بمبلغ علمي و طاقتي (3)» فليس معناه: الاجتهاد المصطلح، بل المراد به:

التقيّد بالكتاب و السنّة حسب ما أوتيه (عليه السّلام) من علم بهما، و حيثما يسعه ذلك.

هذا و مبلغ علمه (عليه السّلام) بكتاب اللّه العزيز ممّا لا يدركه أفهامنا، لو لا أنّه (عليه السّلام) قد أخبرنا عنه بقوله: «سلوني من كتاب اللّه، فإنّه ليس من آية إلّا و قد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم جبل (4)».

____________

(1)- الشريف المرتضى، عليّ بن الحسين: الذريعة إلى اصول الشريعة؛ ج 2:

صص 794- 795، ط جامعة طهران.

(2)- المحقّق، جعفر بن الحسن: معارج الاصول، ص 180، ط مؤسّسة آل البيت (عليهم السّلام)، قم.

(3)- الطبري، محمّد بن جرير: تاريخ الرسل و الملوك، ج 4: ص 233، ط دار المعارف، مصر.

(4)- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2: ق 2/ ص 101، طبع اروبا.

و بهذا المضمون مع زيادة- تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، ج 7: ص 337؛ الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، ج 4: ق 1/ ص 270؛ الاستيعاب، لابن عبد البرّ، ج 2: ص 463؛ جامع البيان (تفسير)، للطبري، ج 26: ص 116، الطبعة الاولى؛ كنز العمّال، للمتّقي الهندي، ج 1: ص 228؛ و غير ذلك.

قال المناوي: «قال الغزالي: قد علم الأوّلون و الآخرون: أنّ فهم كتاب اللّه منحصر إلى

38

و أمّا مبلغ علمه (عليه السّلام) بالسنّة، فيكفيك في هذا الباب قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الحديث المتواتر بين الفريقين: «أنا مدينة العلم و عليّ بابها ... (1)».

و موجز القول: أنّ من أحاط علما بالكتاب و السنّة، فهو في غنى عن احتذاء سيرة الشيخين، تلك السيرة التي وصفها أمير المؤمنين (عليه السّلام) في خطبته المعروفة ب‍ «الشقشقيّة» بأبلغ وصف، و أوجز عبارة، فقال (عليه السّلام)، في وصف سيرة الخليفة الأوّل: «و طفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، و يشيب فيها الصغير، و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ...».

و قال (عليه السّلام) في وصف ميزة ثاني الخليفتين: «فيا عجبا! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كلامها، و يخشن مسّها، و يكثر العثار فيها، و الاعتذار منها ... (2)».

و دونك مدوّنات التأريخ- على علّاتها و هناتها- تقف في طيّاتها على الكثير‌

____________

عليّ [(عليه السّلام)]، و من جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع اللّه عن القلوب الحجاب، حتى يتحقّق اليقين الذي لا يتغيّر بكشف الغطاء» (المناوى: فيض القدير، ج 4:

ص 46).

(1)- لا يسع المجال- في هذه العجالة- لتفصيل القول في مصادر الحديث، فليراجع:

عبقات الأنوار، للسيّد مير حامد حسين، الجزء الخامس؛ الغدير، للشيخ الأميني، الجزء 6، 7، 9، 11؛ ملحقات إحقاق الحقّ، للسيّد النجفي المرعشي، ج 4:

صص 376- 377، ج 5: صص 52، 469، 501، ج 8: ص 184، ج 9: ص 149، ج 16:

صص 277- 297، ج 21: صص 415- 428 (و بألفاظ اخر في مواضع اخر منه)؛ سبيل النجاة في تتمّة «المراجعات»، لحسين علي الراضي، المطبوع ملحقا ب‍ «المراجعات»:

صص 144- 145، الطبعة المحقّقة.

(2)- نهج البلاغة، الخطبة 3.

39

ممّا حفلت به سيرة الخليفتين، و سيرة ثالث ثلاثتهما ... من مناقضات لكتاب اللّه، و سنّة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قد ألمّ بها إلمام فاحص متتبع لا مستقص مستوعب، سيّدنا الشريف المبجّل، العلّامة، السيّد عبد الحسين شرف الدين (رحمه اللّه)، في كتابه القيّم: «النصّ و الاجتهاد» فليراجع بإمعان، و ليلاحظ بتدبّر و إتقان.

[6] في ثبوت «الاجتهاد» المصطلح بحقّ أصحاب الائمّة (عليهم السّلام)، تفصيل،

أفاده شيخنا العلّامة الأنصاري- (قدّس اللّه نفسه الزكيّة)- في رسالة «تقليد الميّت» المطبوعة مع كتاب «مطارح الأنظار» للميرزا أبي القاسم الكلانتري، و يظهر: أنّها تقرير لبحث الشيخ الأنصاري، بقلم صاحب «مطارح الأنظار». قال:

«إنّ الناس في زمان أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) بين أصناف، فإنّهم بين العامل بما يسمعه شفاها عن المعصوم، و بين العامل بالأخبار المنقولة عنهم- مثل الفتاوى المنقولة عن المجتهدين- و بين العامل بفتاوى المجتهدين في تلك الأزمنة، ك‍ «أبان بن تغلب» و «محمّد بن مسلم» ... و أضرابهما ممّن له أهليّة الاجتهاد و الإفتاء. و لا ريب أنّ القسمين الأوّلين ليس عملهم من التقليد في شي‌ء، و ذلك هو الغالب في الموجودين في تلك الأزمنة و إن كان بلدهم بعيدا عن بلاد الأئمّة (عليهم السّلام)، كما يظهر من ملاحظة أحوالهم و مقايستها بأحوال المقلّدين، النائين عن بلد المجتهد، في الفتاوى المنقولة إليهم. و أمّا القسم الثالث فهم المقلّدون. و لا ريب في قلّة هذا القسم بالنسبة إليهم، بل و في نفسه أيضا، لتيسّر الاجتهاد في تلك الأزمنة، و عدم احتياجه إلى ما يحتاج إليه في أمثال زماننا ... (1)».

____________

(1)- الكلانتري، ميرزا أبو القاسم: رسالة تقليد الميّت، صص 270- 271، ط إيران الحجريّة.

40

و قد سئل استاذنا الأعظم، المرجع الديني الأعلى للطائفة، المرحوم السيّد أبو القاسم الخوئي- طيّب اللّه رمسه- عن ذلك، و فيما يلي نصّ السؤال و الجواب:

السؤال: «متى وجب التقليد على المسلمين؟ و هل كان المسلمون أيام الأئمّة مقلّدين؟ خصوصا اولئك الذين كانوا في مناطق بعيدة عن الأئمّة؟»‌

الجواب: «التقليد كان موجودا في زمان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و زمان الأئمّة (عليه السّلام)، لأنّ معنى التقليد هو: أخذ الجاهل فهم العالم، و من الواضح: أنّ كلّ أحد في ذلك الزمان لم يتمكّن من الوصول إلى الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو أحد الأئمّة (عليه السّلام) و أخذ معالم دينه منه مباشرة (1)».

و قد استنتج من هذا الجواب بعضهم وجود الاجتهاد المصطلح في كلّ من زمان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة (عليه السّلام) فقال ما نصّه:

«و من المعلوم: أنّ وجود «التقليد» يستلزمه وجود «الاجتهاد»؛ لأنّ التقليد في الأحكام الشرعيّة لا يكون إلّا للمجتهد (2)».

لكنّه- بما سبق عن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)- يظهر: أنّ عمل من لا تصل يده إلى المعصوم (عليه السّلام) لا ينحصر بالتقليد، و إنّما يكون ذلك تقليدا إذا كان عمله مستندا إلى فهم ناقل الرواية، أي: اجتهاد الراوي، لا ما إذا كان مستنده هو الرواية المنقولة، و إن كان ذلك بالمعنى لا بنص الألفاظ.

إذن فلا دليل على ثبوت الاجتهاد المصطلح، إلّا في زمان الأئمّة (عليهم السّلام) دون الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ذلك بحقّ جملة من خواصّ أصحابهم (عليهم السّلام) ك‍ «أبان بن تغلب»‌

____________

(1)- الشهابي، محمّد جواد رضي- النجّار، عبد الواحد محمّد: مسائل و ردود، طبقا لفتاوى المرجع الديني، السيّد أبي القاسم الخوئي، ج 1: ص 5، الطبعة الثانية.

(2)- الدكتور عبد الهادي الفضلي: تأريخ التشريع الإسلامي، ص 49.

41

و «زرارة بن أعين»، و «محمّد بن مسلم» و أضرابهم من فقهاء الرواة، حسب تنصيص الرجاليّين على ذلك.

[7] إنّ لكلمة «الاجتهاد» عند غير الإماميّة من سائر المذاهب- عبر التأريخ- معاني مختلفة،

عدا ما لها من المعنى لغة، و هي كالآتي:

الأوّل: الرأي في مورد خلوّ الواقعة عن النصّ في الكتاب و السنّة.

و يفترض ذلك في موردين:

أحدهما- أنّه يفترض بحقّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، حينما كان يعوزه- مثلا- الوحي الإلهي، فكان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يركن إلى الاجتهاد، و أحيانا كان اللّه سبحانه و تعالى- كما يقولون- لا يقرّه على ذلك، بل كان يعاتب نبيّه الكريم على اجتهاده و يؤنّبه.

قال محمّد يوسف موسى، في كتابه «المدخل لدراسة الفقه الإسلامي»:

«فكان الرسول إذا سئل عن مسألة، أو جدّت حادثة تقتضي حكما من الشارع، ينتظر الوحي السماوي، فإن نزل بالمراد كان بها، و إلّا كان هذا إيذانا من اللّه بأنّه أوكل إلى رسوله أن ينطق بالتشريع اللّازم، و معلوم: أنّه لا ينطق عن الهوى، و أحيانا اخرى كان الرسول يجتهد في الحكم، ثمّ يصدر رأيه، و هنا لا يقرّه اللّه على هذا الرأي، إلّا إذا كان صوابا ...- إلى أن قال:- و ليس هنا مجال البتّ في الخلاف بين مانعي اجتهاد الرسول و مجيزيه، فقد اشتدّ الخلاف في ذلك بين علماء الاصول و الفقه وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهٰا ... و سنده الذي يستند عليه، و لكن علينا أن نقرر: أنّه قد جاء في القرآن نفسه ما يفيد: أنّه كان للرسول اجتهاد في بعض‌

42

النوازل و الأحداث، و أنّ اللّه لم يقرّه على رأيه في بعض ما ذهب إليه، و كان منه له- من أجل ذلك- عتاب شديد أحيانا ...».

و أدلى- لما قاله- بشاهدين:

الأوّل: ما رواه أحمد بن حنبل، في «المسند» بالإسناد، عن عمر، في قضية أسرى غزوة بدر الكبرى، و أخذه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الفدية منهم، عملا منه برأي أبي بكر في الموضوع، في حين أن رأي عمر كان هو تمكين كلّ من علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، و حمزة، و أبا بكر، و هو نفسه، من قتل الأقربين منهم، حتّى يعلم اللّه أنّه ليست في قلوبهم هوادة للمشركين، على حدّ تعبير عمر.

يقول: فلمّا أن كان من الغد، قال عمر: «غدوت إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فإذا هو قاعد و أبا بكر، و إذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول اللّه! ما ذا يبكيك أنت و صاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، و إن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال:

قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الّذي على أصحابك من الفداء، و لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة (يشير إلى شجرة قريبة منه) و أنزل اللّه تعالى: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... (إلى قوله:) لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (1)

ثمّ قال: فقال النبيّ- كما جاء في رواية اخرى-: أبكي الذي عرض لأصحابي من أخذهم الفداء، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة (يشير إلى شجرة كانت قريبة منه) ثمّ قال: إن كاد ليمسّنا في خلاف عمر بن الخطّاب عذاب عظيم، و لو نزل العذاب ما أفلت إلّا عمر (2)».

____________

(1)- الأنفال، 8: 67- 68.

(2)- محمّد يوسف موسى، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، ص 26، الطبعة الثانية. و الرواية

43

الثاني: ما صدر عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الإذن للمتخلّفين في غزوة «تبوك». قال:

«استأذن بعض المنافقين الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فى التخلّف عن غزوة «تبوك»، متقدّمين بأعذار قبلها الرسول على ضعف فيها، كما تخلّف بعض المؤمنين أيضا، و أذن الرسول في التخلّف عن الذهاب معه في هذه الغزوة للجميع، لكنّ اللّه، الذي يعلم ما في الضمائر و النقوس من نيّات، لم يرض منه هذا الأذن و أفهمه أنّه كان أولى به التريث في الإذن لمن استأذن، حتّى يعلم المنافقين منهم و الصادقين في الاعتذار، إذ أنّ الأوّلين- أي المنافقين- كانوا سيتخلّفون و إن لم يأذن لهم. و في ذلك أنزل اللّه قوله تعالى: لَوْ كٰانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قٰاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَ لٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ لَوِ اسْتَطَعْنٰا لَخَرَجْنٰا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ* عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكٰاذِبِينَ (1) فقول اللّه تعالى: عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ينطوي على أنّ الرسول لم يصحبه توفيق اللّه في اجتهاده و إذنه لمن استأذن، و فيهم المنافق و المؤمن الحقّ، و لذلك لم يقرّه اللّه على هذا الاجتهاد (2)».

____________

تجدها في: مسند أحمد بن حنبل، ج 1: صص 30- 31، صص 32- 33. و أمّا الرواية الاخرى التي أشار إليها في آخر كلامه فلم أجدها في «المسند». و في تفسير القرطبي، في تفسير الآية الكريمة: «في رواية؛ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطّاب عذاب، و لو نزل عذاب ما أفلت إلّا عمر» (القرطبي، محمّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن، ج 8: ص 47، افست دار إحياء الكتاب العربي، بيروت). و هي رواية مرسلة غير مسندة إلى أصل حديثي. و بهذا النحو وردت الرواية في غير واحد من تفاسير السنيّين.

(1)- التوبة، 9: 42- 43.

(2)- محمّد يوسف موسى: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، ص 27، الطبعة الثانية.

44

و قبل كلّ شي‌ء يجدر بنا أن نستوضح الكاتب عمّا يعنيه بقوله: «فكان الرسول إذا سئل عن مسألة ...- إلى قوله:- و إلّا كان هذا إيذانا من اللّه بأنّه و كلّ إلى رسوله أن ينطق بالتشريع اللّازم، و معلوم: أنّه لا ينطق عن الهوى» فهل المعنيّ بذلك: أنّ اجتهاده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذن يكون مضمون الإصابة لأنّ اللّه تعالى أذن له بذلك؟ ليكن الأمر كذلك، بل لا يكاد يحتمل غيره، خصوصا بملاحظة استتباع ذلك بقوله: «و معلوم: أنّه لا ينطق عن الهوى».

و إذا كان الفرض هو ذلك، فما الذي يعنيه بقوله بعده: «و أحيانا اخرى كان الرسول يجتهد في الحكم، ثمّ يصدر رأيه، و هنا لا يقرّه اللّه على هذا الرأي، إلّا إذا كان صوابا!»؟ أ ليس هذا يناقض كلامه الأوّل؟

فإنّه مع افتراض قوله الأوّل، و هو أنّ انتظار الوحي السماوي، و عدم نزوله، يكون إيذانا من اللّه تعالى بأن ينطق بالتشريع اللازم، و بالنتيجة لا ينطق هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا بالوحي، فيكون اجتهاده صوابا لا محالة، فأين يبقى بعد ذلك مجال لافتراضه الثاني، و هو افتراض اجتهاد منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يقرّه اللّه تعالى عليه، فلا يكون صوابا؟!

و لنترك هذه النقطة جانبا، فإنّ فقه الكاتب، كفقه بني أعمامه سلفا و خلفا فقه لا يوزن بمقاييس العقول الراجحة، و إنّما يوزن بمنطق الكهنة و المنجّمين ...، و لنعد إلى الحديث عن الشاهدين اللذين استند إليهما لإثبات دعواه.

أمّا رواية أحمد بن حنبل، فمع غضّ الطرف عن النقاش السندي فيها، فإنّ فيه: «عكرمة بن عمار» و الّذي قال فيه، عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، عن أبيه:

«عكرمة مضطرب الحديث عن غير إياس بن سلمة» و هذه الرواية ليست هي عن «إياس». و قال ابن المديني: «كان يحيى يضعّف رواية أهل اليمامة، مثل‌

45

عكرمة و حزبه ... (1)».

لندع ذلك جانبا، و لنتّجه نحو فقه الحديث، لنرى هل هناك مساغ لمن يؤمن باللّه عزّ و جلّ و باليوم الآخر، و يؤمن بالرسول كما يصفه القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، أن يخبت لهذه الرواية؟!

هلم معي لنتلو بعض آيات الذكر الحكيم:

أ) قال تعالى: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (2) و منطق الهوى- حسب الآية الكريمة- في مقابل منطق الوحي، و مقتضى التقابل بينهما هو ثبوت أحدهما عند انتفاء الآخر، كما نطقت الآية الكريمة بذلك، فيا ترى! ما شأن حكمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في أخذه الفداء، أ كان ذلك من منطق الهوى؟! فهذا ما يجلّه القرآن الكريم عنه، أو هو من منطق الوحي؟ فما شأن الرواية على هذا؟ و أيّهما هو القول الفصل، أ هو قوله تعالى، أو مقالة عمر!

و لو افترضنا- كما يقوله القوم- أنّ حكمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على الإطلاق لا يكون من منطق الوحي، بل هو في ما لا يرجع إلى امور الدنيا (3)، و أمّا ما يرجع إلى الدنيا، ممّا يتساوى فيه، في تشخيص أوجه الصلاح و عدمه، النبيّ و غيره، فهو خارج عن مفاد الآية الكريمة، و أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يقول إلّا بالمنطق الّذي يقول به فيه غيره من عامّة الناس، و قلنا أيضا: بأنّ الحكم بأخذ الفداء في مورد الرواية من قبيل الثاني لم يكن في ذلك حلّ للإشكال، بل كان ذلك تكذيبا صريحا للرواية القائلة بنزول الوحي عليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و معاتبته- إيّاه- عتابا شديدا.

ب) قال تعالى: وَ لَوْ لٰا فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ

____________

(1)- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن عليّ: تهذيب التهذيب، ج 7: صص 261- 262.

(2)- النجم، 53: 3- 4.

(3)- محمود أبو ريّة: أضواء على السنّة المحمّدية، صص 42- 44، طبعة الثالثة.

46

يُضِلُّوكَ وَ مٰا يُضِلُّونَ إِلّٰا أَنْفُسَهُمْ وَ مٰا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‌ءٍ وَ أَنْزَلَ اللّٰهُ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (1). تنفي الآية الكريمة- بصراحة و وضوح- أيّ احتمال، بحقّ أيّ شخص- مهما كان- أن يضلّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في رأيه، و يجرّه إلى حكم لا يرضاه اللّه تعالى و لم يشرّعه، سواء أ كان ذلك حكمه بأخذ الفداء، عملا منه برأي أبي بكر، أم حكمه لصالح أحد المتخاصمين- كما في مورد نزول الآية الكريمة (2)- أم سائر الوقائع و الحوادث، لكونه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- بحكم الآية الكريمة- مؤيّدا من عند اللّه تعالى- في جميع ذلك كلّه- بالكتاب و الحكمة، مسدّدا من ناحيته عزّ شأنه بالعلم و المعرفة.

ج) قال تعالى: قُلْ مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقٰاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ (3). حيث دلّ ذلك- بأداة الحصر- على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) دائما و أبدا، و في كلّ الوقائع و الأحداث، لا يتّبع إلّا الوحي ... إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ذلك.

أضف إلى ذلك: إنّا نسائل الكاتب و نستفتيه بشأن الأخذ بأيّ القولين من عمر! أ نأخذ بمقالته في رواية ابن حنبل المتقدّمة؟ أو نأخذ بمقاله الآخر و هو: ما رواه أبو داود في «السنن»، عن ابن شهاب: «إنّ عمر بن الخطّاب (...) قال- و هو على المنبر-: يا أيّها النّاس، إنّ الرأي إنّما كان من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مصيبا، لأنّ اللّه كان يريه، و إنّما هو منّا الظنّ و التكلّف (4)».

____________

(1)- النساء، 4: 113.

(2)- السيوطي، جلال الدين: الدرّ المنثور، ج 2: صص 217 و 219، طبعة بولاق- مصر.

(3)- يونس، 10: 15.

(4)- أبو داود، سليمان بن الأشعث: السنن/ تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، ج 3:

ص 302/ ح 3586.

47

على أنّ في تفسير الآية الكريمة رأيين لعلمين من أعلام الامّة، يتبيّن لك على ضوئهما مدى مجانبة تفسير الكاتب للحقيقة و الواقع.

أمّا الرأي الأوّل، فهو للعلّامة الأكبر، سيّدنا الحبر الجليل، السيّد عبد الحسين الموسوي، آل شرف الدين- طيّب اللّه ثراه- يقول: «و ما قدروا اللّه حقّ قدره، إذ أمعنوا في التيه، فجوّزوا الاجتهاد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و اللّه تعالى يقول: إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ، و قد أوغلوا في الجهل إذ نسبوا إليه الخطأ، و تسكّعوا في الضلال إذ آثروا قول غيره، و اشتبهت عليهم- في هذه الآية- معالم القصد، و عميت لديهم- فيها- وجوه الرشد، فقالوا بنزولها في التنديد برسول اللّه و أصحابه، حيث آثروا- بزعم هؤلاء الحمقى- عرض الدنيا على الآخرة فاتّخذوا الأسرى، و أخذوا منهم الفداء قبل أن يثخنوا في الأرض، و زعموا أنّه لم يسلم- يومئذ- من هذه الخطيئة إلّا عمر! و أنّه لو نزل العذاب لم يفلت منه إلّا ابن الخطّاب. و كذب من زعم أنّه اتّخذ الأسرى، و أخذ منهم الفداء قبل أن يثخن في الأرض، فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّما فعل ذلك بعد أن أثخن في الأرض، و قتل صناديد قريش و طواغيتها، كأبي جهل بن هشام ...- و عدّ أسماء ستّ و ثلاثين رجلا من طواغيت المشركين- و قال: إنّ عدد القتلى يبلغ سبعين من رءوس الكفر، و زعماء الشرك، كما هو معلوم بالضرورة ...».

قال- (قدّس اللّه نفسه)-: «و الصواب إنّ الآية إنّما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودّون العير و أصحابه، على ما حكاه اللّه تعالى عنهم في قوله- عن هذه الواقعة- عزّ من قائل: وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّٰهُ إِحْدَى الطّٰائِفَتَيْنِ أَنَّهٰا لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذٰاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اللّٰهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ وَ يَقْطَعَ دٰابِرَ

48

الْكٰافِرِينَ (1)، و كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد استشار أصحابه فقال لهم: إنّ القوم قد خرجوا على كلّ صعب و ذلول، فما تقولون؟ العير أحبّ إليكم أم النفير؟ قالوا: بل العير أحبّ إلينا من لقاء العدوّ. و قال بعضهم- حين رآه مصرّا على القتال-: هلّا ذكرت لنا القتال لنتأهّب له!، إنّا خرجنا للعير لا للقتال، فتغيّر وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأنزل اللّه تعالى: كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ* يُجٰادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مٰا تَبَيَّنَ كَأَنَّمٰا يُسٰاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (2).

و حيث أراد اللّه عزّ و جلّ أن يقنعهم، بمعذرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في إصراره على القتال و عدم مبالاته بالعير و أصحابه، قال عزّ من قائل: مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ من الأنبياء المرسلين قبل نبيّكم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ فنبيّكم لا يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض، على سنن غيره من الأنبياء، الذين اتّخذوا أسرى، و لذلك لم يبال إذ فاته أسر أبي سفيان و أصحابه حين هربوا بعير هم إلى مكّة، لكنّكم أنتم تُرِيدُونَ إذ تودّون أخذ العير و أسر أصحابه عَرَضَ الدُّنْيٰا وَ اللّٰهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ باستئصال ذات الشوكة من أعدائه وَ اللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ و العزّة و الحكمة تقتضيان- يومئذ- اجتثاث عزّ العدوّ، و إطفاء جمرته. ثمّ قال تنديدا بهم: لَوْ لٰا كِتٰابٌ مِنَ اللّٰهِ سَبَقَ في علمه الأزليّ، بأن يمنعكم من أخذ العير، و أصحابه، لأسرتم القوم و أخذتم عير هم، و لو فعلتم ذلك لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ قبل أن تثخنوا في الأرض عَذٰابٌ عَظِيمٌ. هذا معنى الآية الكريمة، و لا يصحّ حملها على غيره ... (3)».

____________

(1)- الأنفال، 8: 7.

(2)- الأنفال، 8: 5- 6.

(3)- شرف الدين، السيد عبد الحسين: النصّ و الاجتهاد، صص 262- 264، ط النجف

49

و الرأي الثاني، للعلّامة القرطبي، حيث قال في تفسيره ما نصّه: «هذه الآية نزلت يوم بدر، عتابا من اللّه عزّ و جلّ لأصحاب نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و المعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أسرى قبل الإثخان (أي: المبالغة في قتل الكفّار)، و لهم- أي للأصحاب- هذا الإخبار بقوله:

تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيٰا و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، و لا أراد- قطّ- عرض الدنيا، و إنّما فعله جمهور مباشري الحرب فالتوبيخ و العتاب إنّما كان متوجّها بسبب من أشار على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأخذ الفدية. هذا هو قول أكثر المفسّرين، و هو الذي لا يصحّ غيره ... (1)».

ثمّ إنّ لي رأيا سوف أكشف عنه بحيطة و حذر تامّين، و هو: أنّ مرويّات عمر بن الخطّاب، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) محاطة بهالة من الريب و الشكّ، و يبدو لي أنّها مجعولة- جلّها إن لم نقل كلّها- بحقّ الرجل، فإنّ المعلوم عن الخليفة الثاني هو تبنّيه مبدأ: «حسبنا كتاب اللّه (2)» بل الأمر- كما يبدو- هو ما آمن به الخليفة الأوّل أيضا، و ليس هو- كما زعمه الذهبي (3)- من رأي الخوارج.

فقد روى الذهبي: «إنّ أبا بكر جمع الناس بعد وفاة النبيّ، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أحاديث تختلفون فيها، و الناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلا‌

____________

الأشرف، صص 321- 323، ط قم.

(1)- القرطبي، محمّد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، ج 8: صص 45- 46.

و لاحظ بهذا الصدد- الملطاوي، حسن كامل: رسول اللّه في القرآن الكريم، صص 278- 279، طبع دار المعارف بمصر.

(2)- البخاري، محمّد بن إسماعيل: الصحيح/ كتاب العلم: باب العلم. و رواه في غير موضع من كتابه بعبارات متقاربة، كما تجد ذلك في غير واحد من كتب السير و التأريخ.

(3)- الذهبي، شمس الدين: تذكرة الحفّاظ، ج 1: صص 2- 3، طبعة حيدرآباد- الهند.

50

تحدّثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا و بينكم كتاب اللّه، فاستحلّوا حلاله، و حرّموا حرامه (1)».

و روى عن القاسم بن محمّد، عند عائشة، قالت: جمع أبي الحديث عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و كانت خمسمائة حديثا- فبات ليلته يتقلّب كثيرا، قالت فغمّني، فقلت: أ تتقلّب لشكوى، أو لشي‌ء بلغك؟ فلمّا أصبح قال: أي بنيّة! هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها، فقلت: لهم أحرقتها؟ قال:

خشيت أن أموت و هي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته و و ثقت به، و لم يكن كما حدّثني، فأكون قد نقلت ذلك (2)».

و روي عن قرظة بن كعب، قال: «لمّا سيّرنا عمر إلى العراق، مشى معنا عمر، و قال: أ تدرون لم شيّعتكم؟ قالوا: نعم، تكرمة لنا، قال: و مع ذلك، إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، و أقلّوا الرواية عن رسول اللّه، و أنا شريككم. فلمّا قدم قرظة بن كعب، قالوا: حدّثنا، فقال: نهانا عمر (3)».

و روى عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: إنّ عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود، و أبا الدرداء، و أبا مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (4).

____________

(1)- الذهبي، شمس الدين: تذكرة الحفّاظ، ج 1: صص 2- 3، طبعة حيدرآباد- الهند.

(2)- المصدر، ص 5.

(3)- الذهبي، شمس الدين: تذكرة الحفّاظ، ج 1: ص 7، طبعة حيدرآباد- الهند؛ الدارمي:

السنن، ج 1: ص 85، نشر دار إحياء السنّة النبوية؛ ابن ماجة: السنن/ تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج 1: ص 12/ ح 28؛ الحاكم النيسابوري: المستدرك، ج 1: ص 102.

(4)- الذهبي، شمس الدين: تذكرة الحفّاظ، ج 1: ص 7، طبعة حيدرآباد- الهند؛ الهيثمي،

51

و قال عبد الرحمن بن عوف: «ما مات عمر بن الخطّاب حتّى بعث إلى أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فجمعهم من الآفاق؛ عبد اللّه بن حذيفة، و أبا الدرداء، و أبا ذرّ، و عقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول اللّه في الآفاق؟ قالوا: تنهانا؟! قال: لا، أقيموا عندي، لا و اللّه لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم، نأخذ منكم و نردّ عليكم، فما فارقوه حتّى مات (1)».

و الّذي يظهر من ملاحظة هذه النصوص و غيرها- ممّا لم نر ضرورة في التعرّض لها- هو: أنّ مبدأ الخليفتين كان هو عدم التحديث بالرواية، لا المنع عن تدوينها فقط- كما اشتهر- و عليه فكيف يتلاءم هذا المبدأ- مع ما عرفت من موقف الرجلين الحاسم تجاه ذلك- مع تحديثهما بالرواية عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)! فإنّ ما عرف عنهما من المبدأ المذكور سوف يلقي ظلالا من الشكّ على جميع مرويّاتهما عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل و عن غيره الصحابة.

و لا مجال لتعليل المنع المذكور بكثرة الحيطة منهما تجاه الحديث، خشية تفشّي و انتشار الأحاديث المجهولة في المجتمع الإسلامي، فإنّ ذلك خلاف ما تنبئنا عنه رواية قرظة بن كعب المتقدّمة، من تعليل الخليفة الثاني نفسه.

كما أنّه لا يوجّه بذلك عمل الخليفة الثاني بحقّ أبي ذرّ- (رضوان اللّه تعالى عليه)- و قد ثبت عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) القول بحقّه: «ما أظلّت الخضراء، و لا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ ... (2)».

____________

مجمع الزوائد، ج 1: ص 149، نشر دار الكتاب اللبنانيّ.

(1)- المتّقي الهندي: كنز العمّال، ج 5: ص 239/ ح 4865، الطبعة الأولى.

(2)- ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 4: صص 167- 168، طبع ليدن؛ الترمذي:

الجامع الصحيح/ تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، ج 5: صص 669- 670/ ح 3801،

52

على أنّه لو كان للتعليل المذكور مبرّر بالنظر إلى ما جاء في رواية القاسم بن محمّد، عن عائشة المتقدّمة، فالذي يمنعنا عن الركون إليه هو: إنّ ذلك لا ينسجم مع المبدأ القائل بأنّ الصحابة- قاطبة- عدول، ثقاة، مستندين إلى ما زعموه و أسندوه إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قوله: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهديتم (1)»، أ فلا كان الخليفة مؤمنا و مصدّقا بهذا الحديث! و إذا لم يكن هو قد آمن به، فكيف بأتباعه و أشياعه و هم يؤمنون به إيمانا أعمى، هوّن أمام أعينهم كلّ صغيرة و كبيرة اشتهرت عن واحد من الصحابة!

و أمّا الشاهد الآخر، و هو: الإذن للمتخلّفين في غزوة «تبوك» فالذي يثير العجب و الدهشة في كلّ مسلم، هو جرأة هذا الكتاب على تحريف كتاب اللّه العزيز عن مواضعه، حيث يقول: «استأذن بعض المنافقين الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في التخلّف عن غزوة «تبوك»، متقدّمين بأعذار قبلها الرسول، على ضعف فيها، كما تخلّف بعض المؤمنين أيضا ...» و في هذه الفقرة من كلامه من الجرأة على اللّه و رسوله، أمّا‌

أوّلا: إسناده قبول الأعذار الضعيفة و الواهية إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أو ليس هذا- في الحقيقة- هو ما تعنيه الآية الكريمة: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّٰهِ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ (2) و هذه جرأة منه على‌

____________

ح 3802؛ ابن ماجة: السنن/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 1: ص 55/ ح 156؛ أحمد بن حنبل: المسند، ج 2: صص 163، 175، 223؛ و غيرها من المصادر، و اختلاف ألفاظ الحديث يسير جدّا.

(1)- ابن قيّم الجوزيّة: أعلام الموقّعين/ تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، ج 2: ص 223.

(2)- التوبة، 9: 61.

53

الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)!

دع عنك: أنّ حديث قبوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الأعذار على ضعف فيها، لا أساس له إطلاقا، فمن أيّ مصدر حديثي أو تأريخي استقاه؟ و الآية الكريمة- على فرض الأخذ بما قاله فيها- إنّما تنظر إلى قبول تلكم الأعذار قبل تبيّن الحال، بمعنى:

الإسراع في القبول، فإن كان وهن- بفرض المحال- ففي الإسراع في قبول الأعذار، لا في الأعذار أنفسها.

و ثانيا: قوله: «كما تخلّف بعض المؤمنين أيضا» من أين جاء بذلك؟ إنّ قوله تعالى: عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... (1) إنّما يرتبط بما سبقه، من قوله تعالى:

لَوْ كٰانَ عَرَضاً قَرِيباً ... (2) و معلوم- باتّفاق المفسّرين- أنّ اولئك المتخلّفين كانوا هم المنافقون، فمن أين أتى الكاتب بحديث: تخلّف بعض المؤمنين!، ليس ذلك- في ظنّي- إلّا لأن يصلح- بزعمه- معنى الآية القائلة: حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ... (3) ففرض تخلّف بعض المؤمنين أيضا حتّى يتمّ المعنى، و هذه جرأة منه على اللّه سبحانه و تعالى، و جرأة على كتابه العزيز!!.

ثمّ لننظر- بعد هذا كلّه- في النقطة التي ركّز الكاتب استدلاله عليها، و هي:

قوله تعالى: عَفَا اللّٰهُ عَنْكَ ... حيث استفاد الكاتب منه توجيه العتاب نحو النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا شاهد له في ذلك، فإنّ هذه الجملة من افتتاحيّات الكلام، كنظائرها مثل: «أصلحك اللّه» و «أعزّك اللّه» و «رحمك اللّه» و ما شاكلها، و لا يقصد بها مفادها اللغوي في خصوص مساق الكلام، و لهذا يحسن الوقوف‌

____________

(1)- التوبة، 9: 43.

(2)- التوبة، 9: 42.

(3)- التوبة، 9: 43.

54

عليها، و تكون جملة: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... مستأنفة (1) و حينئذ فلا يكون المقصود بها العفو عن الإذن، حتّى تدلّ على العتاب.

و مع غضّ النظر عن ذلك، و افتراض استفادة العتاب منها. أو أنّ نفس الاستفهام الإنكاري التوبيخي المستفاد من قوله تعالى: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ... يكفي لإثبات المقصود، و إن أنكره- أي: كون الاستفهام إنكاريا- بعضهم (2)، لنفرض هذا، أو ذاك، نقول:

إنّ المستفاد من الآيات الكريمة الآتية هو: أنّ الإذن في عدم الخروج- أي عدم خروج المتخلّفين- كان في صالح المسلمين، كما يدلّ عليه قوله تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مٰا زٰادُوكُمْ إِلّٰا خَبٰالًا وَ لَأَوْضَعُوا خِلٰالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَ فِيكُمْ سَمّٰاعُونَ لَهُمْ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ بِالظّٰالِمِينَ* لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّٰى جٰاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللّٰهِ وَ هُمْ كٰارِهُونَ (3)

فقد كان الأصلح بحال المسلمين هو أن يؤذن لهم في التخلّف ليصان الجمع من الخبال، و فساد الرأي، و تفرّق الكلمة، فإنّ في الجمع ضعفاء الإيمان، مرضى القلوب، سمّاعون لقولهم، مسارعون إلى المطاوعة لهم، إذن، فالإذن لهم بالتخلّف كان مرضيّا للربّ تعالى، و لم يكن ذلك منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن اجتهاد مرفوض من قبله تعالى، معاتب عليه من ناحيته عزّ شأنه، كما فهمه الكاتب.

فليس العتاب على اجتهاده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اجتهادا غير مصيب به، بل العتاب على‌

____________

(1)- القرطبي، محمّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن، ج 8: ص 154؛ الشريف المرتضى، عليّ بن الحسين: تنزيه الأنبياء، ص 132، الطبعة الثالثة، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.

(2)- الشريف المرتضى، علي بن الحسين: تنزيه الأنبياء، ص 132، الطبعة الثالثة، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف.

(3)- التوبة، 9: 47- 48.

55

شي‌ء آخر، و هو: أنّ إذنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صار ساترا لفضيحة نفاقهم، و لو لا ذلك لظهر نفاقهم بأحسن وجه، لأنّهم- في الحقيقة- لم يكونوا ناوين الخروج معه، و إلّا لكانوا قد أعدّوا له- من قبل- عدّتهم، قال تعالى: وَ لَوْ أَرٰادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَ لٰكِنْ كَرِهَ اللّٰهُ انْبِعٰاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقٰاعِدِينَ (1) و لو لا إذنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لهم بالتخلّف، كانوا هم من المتخلّفين، و بذلك كان يبدو للكلّ نفاقهم، لكنّهم تذرّعوا بذريعة الإذن في تخلّفهم، فلم يبد لعامّة المسلمين نفاق هؤلاء، و ما كانوا قد أضمروه في طيّات أنفسهم من قبل.

و لهذا العتاب- كما في نظائره- محمل صحيح، بل محامل، مذكورة في محلّه، و لكن لا ارتباط له بمسألة الاجتهاد غير الصواب، كما عرفت.

و أجدر بنا أن نختم هذا الفصل بكلام ابن حزم في الموضوع، فقد قال: «إنّ من ظنّ أنّ الاجتهاد يجوز للأنبياء (عليهم السّلام) في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها، فهو كفر عظيم. و يكفي في إبطال ذلك: أمره تعالى لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يقول: إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ ...* (2).

هذا و لا يخفى عليك، أنّ أدلّة القائلين بجواز الاجتهاد بحقّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا تنحصر بما ذكرناه، بل إنّهم استدلّوا له بأدلّة كثيره، و لكنّها- و أيم اللّه- واضحة الفساد، بل أكثرها ممّا يضحك الثكلى. و من شاء الوقوف عليها فليراجع كتاب:

«الإحكام في اصول الأحكام» للآمدي (الجزء الرابع) و «الإحكام باصول الأحكام»، لابن حزم، و كتاب «إرشاد الفحول ...»، للشوكاني، و غير ذلك من الكتب الاصوليّة.

____________

(1)- التوبة، 9: 46.

(2)- الدكتورة نادية العمري: اجتهاد الرسول، صص 40- 41، طبع مؤسّسة الرسالة، بيروت (نقلا عن «تأريخ التشريع الإسلامي» للدكتور عبد الهادي الفضلي، صص 43- 44).

56

و الآخر: افتراض الاجتهاد- بمعنى: الرأي، في فرض خلوّ النصّ- بحقّ الصحابة، في حياته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و لعلّ عمدة أدلّة القائلين به الوجوه الثلاثة الآتي ذكرها. و أمّا سائر الوجوه التي استدلّوا بها لذلك، و قد جمعها ابن حزم في كتابه «الإحكام في اصول الأحكام» فهي موهونة جدّا، و لذلك عقّبها ابن حزم بقوله: «هذا كلّ ما موّهوا به، ما نعلم لهم شيئا غيره، و كلّه لا حجّة لهم في شي‌ء منه (1)».

و إليك الوجوه الثلاثة:

1- جاء في «سنن الدارمي» و غيره، عن معاذ: «إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا بعثه إلى اليمن قال له: أ رأيت إن عرض لك قضاء، كيف تقضي؟ قال: أقضي بكتاب اللّه، قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه، قال: فبسنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال: اجتهد رأيي، و لا آلو. قال: فضرب صدري، و قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه (2)».

2- في «صحيح البخاري» و غيره أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، و إذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر‌

____________

(1)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: الإحكام باصول الأحكام، ج 6: ص 30.

و من الغريب جدّا بهذا الصدد ما جاء في «الخطط» للمقريزي: «و كان يفتي في زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من الصحابة: أبو بكر، و عمر، و عثمان، و عليّ، و عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللّه بن مسعود، و أبي بن كعب، و معاذ بن جبل، و عمّار بن ياسر، و حذيفة بن اليمان، و زيد بن ثابت، و أبو الدرداء، و أبو موسى الأشعري، و سلمان الفارسي- رضي اللّه عنهم (المقريزي:

الخطط الشام، ج 3: ص 258، طبع دار التحرير للنشر بمصر). فإنّ ظاهر هذا الكلام هو استغناؤهم في الفتيا عنه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنّهم كانوا لا يتتبّعون موارد خلوّ النصّ، بل كان لهم الاستقلاليّة في ذلك سبحانك اللّهمّ هذا بهتان عظيم.

(2)- الدارمي: السنن، ج 1: ص 60؛ أحمد بن حنبل: المسند، ج 5: صص 230- 276.

57

واحد (1).

3- جاء في كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: «ثمّ الفهم الفهم فيما ادلي إليك، ممّا ورد عليك، ممّا ليس في قرآن و لا سنّة، ثمّ قايس الامور عند ذلك، و اعرف الأمثال، ثمّ اعمد- فيما ترى- إلى أحبّها إلى اللّه و أشبهها بالحقّ (2)».

و قريب منه قوله لشريح حين أرسله قاضيا على الكوفة: «انظر ما يتبيّن لك في كتاب اللّه فلا تسأل عنه أحدا، و ما لم يتبيّن لك في كتاب اللّه فاتّبع فيه سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ما لم يتبيّن لك فيه السنّة فاجتهد فيه رأيك (3)». هذا، و قد ناقش ابن حزم في جميع هذه الوجوه، قال: «أمّا خبر معاذ، فإنّه لا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه، و ذلك: لأنّه إنّه لم يرو- قطّ- إلّا من طريق الحارث بن عمرو و هو مجهول، لا يدري أحد من هو؟ و قال البخاري في تأريخه الأوسط:

و لا يعرف الحارث إلّا بهذا- الحديث- و لا يصحّ. ثمّ إنّ الحارث روى عن رجال من أهل حمص، لا يدرى من هم؟ ثمّ لم يعرف- قطّ- في عصر الصحابة، و لا ذكره أحد منهم، ثمّ لم يعرفه أحد- قطّ- في عصر التابعين، حتّى أخذه (أبو عون) وحده عمّن لا يدرى من هو؟، فلمّا وجده أصحاب الرأي عند (شعبة) طاروا به كلّ مطار، و أشاعوه في الدنيا، و هو باطل لا أصل له».

قال: «و برهان وضع هذا الخبر و بطلانه: هو أنّ من الباطل الممتنع، أن يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فإن لم تجد في كتاب اللّه و لا في سنّة رسول اللّه، و هو‌

____________

(1)- البخاري: الصحيح/ كتاب الاعتصام: باب أجر الحاكم إذا اجتهد. و قد مرّت الإشارة إلى مصادر الحديث المذكور. فراجع.

(2)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: الإحكام باصول الأحكام، ج 5: ص 1003؛ ابن قيّم الجوزيّة:

أعلام الموقّعين/ تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، ج 1: ص 86.

(3)- ابن قيّم الجوزية: أعلام الموقّعين/ تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، ج 1: ص 63.

58

يسمع قول ربّه: وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... (1)، و قوله تعالى:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... (2)، و قوله تعالى: وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ... (3) مع الثابت عنه (عليه السّلام): من تحريم القول بالرأي في الدين ...».

«ثمّ لو صحّ، لكان معنى قوله: «أجتهد رأيي»، استنفذ جهدي حتّى أرى الحقّ في القرآن و السنّة و لا أزال أطلب ذلك أبدا».

«و أيضا: لو صحّ لكان لا يخلو من أحد وجهين: إمّا أن يكون ل‍ «معاذ» وحده، فيلزمهم أن لا يتّبعوا رأي أحد إلّا رأي معاذ، و هم لا يقولون بهذا. أو يكون ل‍ «معاذ» و غيره، فإن كان ذلك فكلّ من اجتهد رأيه فقد فعل ما أمر به، فهم- كلّهم- محقّون، ليس أحد منهم أولى بالصواب من آخر، فصار الحقّ- على هذا- في المتضادّات، و هذا خلاف قولهم، و خلاف المعقول، بل هذا المحال الظاهر. و ليس لأحد أن ينصر قوله بحجّة، لأنّ مخالفه- أيضا- قد اجتهد رأيه، و ليس في الحديث الذي احتجّوا به أكثر من اجتهاد الرأي و لا مزيد، فلا يجوز لهم أن يزيدوا فيه ترجيحا لم يذكر في الحديث.

«و أيضا: فليس أحد أولى من غيره، و من المحال البيّن: أن يكون ما ظنّه الجهّال في حديث معاذ- لو صحّ- من أن يكون (عليه السّلام) يبيح ل‍ «معاذ» أن يحلّل برأيه و يحرّم برأيه، و يوجب الفرائض برأيه و يسقطها برأيه، و هذا ما لا يظنّه مسلم، و ليس في الشريعة شي‌ء غير ما ذكرناه، البتة (4).

____________

(1)- الزمر، 39: 55.

(2)- المائدة، 5: 3.

(3)- الطلاق، 65: 1.

(4)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: الإحكام باصول الأحكام، ج 5: صص 773- 775.

59

قال: «و أمّا حديث عمرو بن العاص- حسب رواية البخاري و بعض آخر- فأعظم حجّة عليهم، لأنّ فيه: أنّ الحاكم المجتهد يصيب و يخطئ، فإن كان ذلك كذلك، فحرام الحكم في الدين بالخطإ، و ما أحلّ اللّه تعالى- قطّ- إمضاء الخطأ، فبطل تعلّقهم (1)».

و قال بشأن كتاب عمر إلى أبي موسى- بعد إيراده بسندين-: «و هذا لا يصحّ، لأنّ السند الأوّل فيه: عبد الملك بن الوليد بن معدان، و هو كوفي متروك الحديث، ساقط، بلا خلاف، و أبوه مجهول. و أمّا السند الثاني، فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهول، و هو- أيضا- منقطع، فبطل القول به جملة (2)».

هذا نصّ كلام ابن حزم في مناقشته في الوجوه الثلاثة، نقلته حرفيّا ليعلم أنّ تضعيفها غير منحصر بنا، بل ضعّفها من هو في الاصول على رأيهم.

و يبدو لي من القول تجاه الوجوه المتقدّم ذكرها، أمّا بالنسبة إلى خبر معاذ، فمع غضّ البصر عمّا سبق هو: أنّه لا ريب عند المسلمين- شيعة و سنّة- في كون الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو أعلم الامّة بالقضاء. و قد قال النبيّ (عليه السّلام) بحقّه:

«أقضاكم عليّ (3)». و لكن حينما بعثه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى اليمن، قال له: أ تبعث بي و أنا‌

____________

(1)- ابن حزم، عليّ بن أحمد: الإحكام باصول الأحكام، ج 5: ص 771.

(2)- المصدر، ص 1003.

(3)- ابن الديبع: تمييز الخبيث من الطيّب، ص 29، طبع دار الكتاب العربي، بيروت؛ الفخر الرازي: الأربعين في اصول الدين، ص 466، طبع حيدرآباد- الهند؛ الشنقيطي: كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب، ص 46، طبع مصر؛ ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة/ تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 7: ص 219؛ محمّد بن طلحة:

مطالب السئول، ص 25، طبع مصر؛ القاضي الايجي: المواقف، ج 3: صص 276- 411، ط

60

شابّ، و لا علم لي بكثير من الأحكام! قال (عليه السّلام): فضرب بيده على صدري و قال: «اللّهمّ اهد قلبه، و ثبّت لسانه (1)».

و المقصود بدعائه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اللّهمّ اهد قلبه» هو اهتداء قلبه إلى أحكام اللّه تعالى في شريعته، المبيّنة بكتابه العزيز، و سنّة رسوله الأمين. و بعبارة واضحة:

دعا له بالمعرفة بالأحكام الشرعية التي أنكر (عليه السّلام) معرفته بالكثير منها. فلو كانت الأحكام المبيّنة بالقرآن و السنّة غير وافية بجميع الوقائع و الأحداث التي يلزمه (عليه السّلام) أن يقضي فيها، لكان عليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن ير شده إلى ما يقضي به فيها، كما أرشد بتقريره- لو صحّ الحديث- معاذ إلى ذلك!

و أمّا مسألة اجتهاد القاضي ...، فالاستدلال ساقط جدّا، إذ المفروض هو الاجتهاد في مورد خلوّ الواقعة عن نصّ الكتاب و السنّة، و لا يخلو الحال‌

____________

عالم الكتب، بيروت؛ ابن عبد البر: الاستيعاب (بهامش الإصابة)، ج 3: ص 38 [و لكن متن الحديث: «أقضاهم عليّ ...»].

و للوقوف على نصوص الحديث، يراجع: الغدير للشيخ الأميني (رحمه اللّه)، ج 3: صص 97- 99، ط طهران؛ إحقاق الحقّ (الملاحق) للسيّد المرعشي (رحمه اللّه)، ج 8: صص 57- 67، ط قم؛ فضائل الخمسة منت الصحاح الستّة للسيد الفيروزآبادي (رحمه اللّه)، ج 2: ص 265، ط بيروت.

(1)- لاحظ الحديث باختلاف ألفاظه مع تقارب المعنى في- ابن ماجة القزويني: سنن المصطفى/ تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، ج 2: ص 774/ ح 2310؛ ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 2: ق 2/ صص 100- 101، طبع هولندا؛ أحمد بن حنبل: المناقب/ تحقيق:

السيد عبد العزيز الطباطبائي، ص 72؛ النسائي: الخصائص، صص 11- 12، ط مطبعة التقدّم، مصر؛ الخطيب البغدادي: تأريخ بغداد، ج 12: ص 443، ط دار السعادة؛ الحاكم النيسابوري: المستدرك، ج 3: ص 135، ط حيدرآباد- الهند.

و للوقوف على كامل نصوص الحديث و مصادره راجع: إحقاق الحقّ، ج 7 [الملاحق]:

صص 63- 77، ج 8 [الملاحق]: صص 34- 47؛ فضائل الخمسة من الصحاح الستّة، ج 2:

صص 296- 299، ط بيروت.