المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الزكاة - ج2

- السيد محمد الروحاني المزيد...
384 /
7

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و له الحمد و الشكر، و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله أولى الأمر، و اللعن على أعدائهم معادن الفتنة و الشّر.

و بعد، فهذه صحف تتلو ما سبقتها من صحائف نشرت- و للّه الحمد- منذ عهد قريب، و هي ترجع بسابق عهدها- كما أشرت إليه في مستهلّ الجزء الأوّل- إلى ما يقرب من أربعين عاما مضى، و كانت أمنيّتى التوسّع في بعض مباحثها، و خاصّة ما يرجع منها إلى «النقدين»، لكن سوء حظّي العاثر حيث أبعدني عن حواضر العلم، و ثقل المرجعيّة الّتي قام بها سيّدنا الاستاذ المعظّم- دام ظلّه- حالا دون تحقيق تلك الأمنيّة، فاكتفيت باجراء بعض التحويرات الجانبيّة عليها حذو ما جرى فى الجزع الأوّل، و أوكلت تحقيق الأمنيّة إلى مشيئة الباري عزّ و جلّ، الّذي لا رادّ لمشيئته تعالى و لا صادّ عنه، و عليه التوكل، و هو المستعان.

محمد صادق الجعفري‌

23 جمادى الأولى 1417 ق‌

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[فصل في زكاة النقدين]

[فصل]

في زكاة النقدين و هما الذهب و الفضّة،

[يشترط في وجوب الزكاة فيهما مضافا إلى ما مرّ من الشرائط العامة- أمور]

و يشترط في وجوب الزكاة فيهما- مضافا إلى ما مرّ من الشرائط العامة- أمور:

[الأوّل: النصاب]

الأوّل: النصاب، ففي الذهب نصابان:

الأوّل: عشرون دينارا (156)، و فيه نصف دينار، و الدينار مثقال شرعيّ، و هو ثلاثة أرباع الصيرفيّ، فعلى هذا النصاب الأوّل بالمثقال الصيرفيّ، خمسة عشر مثقالا، و زكاته ربع مثقال و ثمنه.

____________

(156) المراد بالدينار و الدرهم- هنا- هو الذهب و الفضّة بالوزن المعيّن، مع اشتراط المسكوكيّة فيه، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

10

..........

____________

ثمّ إنّه لا خلاف- ظاهرا- في أنّ النصاب الأوّل للذهب هو عشرون مثقالا، قال في «الجواهر»: «بلا خلاف أجده فيه، نصّا و فتوى، بل الإجماع- بقسميه- عليه، و النصوص متواترة فيه ... (1)» و يدلّ على ذلك جملة من النصوص، كما ستأتي إن شاء اللّه تعالى. و خالف في ذلك جماعة، ففى «المعتبر (2)»: نسبة الخلاف في النصاب الأوّل إلى ابني بابويه (3) و جماعة من أصحاب الحديث منّا، فذهبوا إلى أنّه عبارة عن أربعين دينارا. و عن «الخلاف (4)» نسبته إلى قوم من أصحابنا. و الأوّل أشهر نصّا و فتوى (5)، أو هو مذهب الأكثر؛ بل قيل بكونه المشهور (6)،

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 168، ط النجف الأشرف.

(2)- الحلّي، المحقّق، جعفر بن الحسين: المعتبر، ج 2: ص 523، نشر مؤسّسة سيد الشهداء (عليه السّلام)، قم- إيران.

(3)- الموجود في «المقنع» و «الهداية»، و «الفقيه» هو موافقة المشهور. المقنع، ص 50؛ الهداية، ص 43، ط مؤسّسة مطبوعات دار العلم، قم- إيران؛ من لا يحضره الفقيه، ج 2:

ص 14، ط مكتبة الصدوق، طهران- إيران.

نعم، قال (رحمه اللّه) في «المقنع»- بعد ما وافق القول المشهور- ما لفظه: «و قد روي: أنّه ليس على الذهب شي‌ء حتى يبلغ أربعين مثقالا، فإذا بلغ ففيه مثقال»؛ و لم يعقّبه بشي‌ء. (المصدر، ص 50).

(4)- الطوسي، الشيخ، محمد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 84، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي، قم- إيران.

(5)- الحلّي، المحقّق، جعفر بن الحسن: المعتبر، ج 2: ص 524، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي، قم- إيران؛ شرائع الإسلام/ تحقيق: عبد الحسين محمد علي البقّال، ج 1: ص 150، الطبعة الأولى، النجف الأشرف- العراق؛ النافع في مختصر الشرائع (بشرح «المهذّب البارع»)، ج 1: ص 514، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي، قم- إيران؛ العاملي، السيّد محمّد جواد:

مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 86.

(6)- الشهيد الأوّل، محمّد بن مكّي: البيان/ تحقيق: الشيخ محمد الحسّون، ص 301، الطبعة الأولى، قم- إيران؛ الفيض الكاشاني، محمد محسن: مفاتيح الشرائع/ تحقيق: السيد-

11

..........

____________

كما عن غير واحد (1)، بل عن غير واحد (2) دعوى الإجماع عليه. و يدلّ عليه الروايات المستفيضة، بل لعلّها المتواترة اجمالا، و هي تامّة دلالة و جهة، ففي صحيح الحسين بن يسار قال: سألت أبا الحسن (عليه السّلام) في كم وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقال: «في كلّ مائتى درهم خمسة دراهم، و إن نقصت فلا زكاة فيها، و فى الذهب، في كلّ عشرين دينارا نصف دينار، فإن نقص فلا زكاة فيه (3)»، و موثق سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)- في حديث- قال: «و من الذهب، من كلّ عشرين دينارا نصف دينار، و إن نقص فليس عليك شي‌ء (4)»؛ و ما رواه الكلينى (قدّس سرّه) في الموثق، عن ابن فضّال، عن علي بن عقبة، و عدّة من أصحابنا، عن أبي جعفر، و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام)، قالا: «ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذهب شي‌ء، فإذا كملت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال ... (5)»، و رواية يحيى بن أبي العلاء،

____________

- مهدي الرجائي، ج 1: ص 197، الطبعة الأولى، قم- إيران؛ جمال الدين، مقداد بن عبد اللّه (المعروف ب‍ «الفاضل المقداد»): التنقيح الرّائع/ تحقيق: السيّد عبد اللطيف الحسيني، ج 1:

ص 308، نشر مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم- إيران.

(1)- ابن فهد الحلّي، أحمد بن محمّد: المهذّب البارع، ج 1: ص 514، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي، قم- إيران؛ العاملي، السيّد محمّد جواد: مفتاح الكرامة، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 86؛ البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 85، ط النجف الأشرف- العراق؛ النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 169، ط النجف الاشرف- العراق.

(2)- الطوسي، الشيخ، محمّد بن الحسن: الخلاف، ج 2: ص 84، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي، قم- إيران؛ الحلّي، ابن إدريس، محمد بن منصور: السّرائر، ج 1: ص 446، نشر مؤسّسة النشر الاسلامي، قم- إيران؛ ابن زهرة، حمزة بن عليّ: غنية النزوع/ ضمن مجموعة «الجوامع الفقهيّة»، ص 567/ الطبعة الحجريّة، إيران.

(3)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: زكاة الذهب و الفضّة، ح 3.

(4)- المصدر، ح 4.

(5)- المصدر، ح 5.

12

..........

____________

أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «في عشرين دينارا نصف دينار (1)»، و رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السّلام) في حديث، قال: «ليس في الذهب زكاة حتّى يبلغ عشرين مثقالا، و إذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال ... (2)»، و رواية زرارة و بكير ابني أعين، أنّهما سمعا أبا جعفر (عليه السّلام) يقول في الزكاة: «أمّا في الذهب فليس في أقلّ من عشرين دينارا شي‌ء، فإذا بلغت عشرين دينار ففيه نصف دينار ... (3)»، و غير ذلك ما يلاحظها المراجع في «وسائل الشيعة» (الباب الأوّل، من أبواب زكاة الذهب و الفضّة).

و استدلّ للقول الآخر بصحيحة الفضلاء- أو حسنتهم، بابراهيم بن هاشم، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام)، قالا: «في الذهب، في كلّ أربعين مثقالا مثقال ...- إلى أن قال:- و ليس في أقلّ من أربعين مثقالا شي‌ء (4)» و بصحيح زرارة- على رواية الشيخ (رحمه اللّه) في «التهذيب»- قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): «رجل عنده مائة درهم و تسعة و تسعون درهما، و تسعة و ثلاثون دينارا، أ يزكيهما؟ فقال:

لا، ليس عليه شي‌ء من الزكاة، في الدّراهم، و لا في الدنانير، حتّى يتمّ أربعون دينارا، و الدراهم مائتي درهم ... (5)».

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: زكاة الذهب و الفضّة، ح 8.

(2)- المصدر، ح 10.

(3)- المصدر، ح 11.

(4)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: زكاة الذهب و الفضّة، ح 13؛ الطوسي، الشيخ، محمد بن الحسن: تهذيب الأحكام/ باب زكاة الذهب، ج 4: ص 50/ ح 17، ط النجف الأشرف.

(5)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: زكاة الذهب و الفضّة، ح 14؛ الطوسي، الشيخ، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام/ باب الزيادة في الزكاة، ج 4:

ص 92/ ح 1، ط النجف الأشرف.

13

..........

____________

أمّا الرواية الثانية، فقد يضعّف الاستدلال بها اختلاف متنها، فإنّها- على رواية الصدوق (قدّس سرّه) في «الفقيه (1)»- هكذا، قال زرارة: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام):

«رجل عنده مائة و تسعة و تسعون درهما، و تسعة عشر دينارا، أ يزكّيهما؟ ...»،

و لعلّ الصحيح هو ما في «الفقيه»، و حمل ما في «التهذيب»: «تسعة و ثلاثون درهما» على السهو من النسّاخ، كما لعلّه يشهد بذلك عدم تعرّض الشيخ (قدّس سرّه) للجواب عنها و لتوجيهها، و إنّما تعرّض لتوجيه الرواية الأولى فقط، حيث يظهر منه عدم اشتمال الرواية الثانية على ما يحتاج إلى التوجيه، و على كلّ، فمع الاختلاف في المتن تكون الرواية ساقطة عن الاعتبار، من جهة الإجمال و التشويش؛ كما نبّه على ذلك الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) (2).

و أمّا الأولى، فصدرها و إن كان غير مناف للمذهب المشهور، حيث إنّه لا يدلّ إلّا على أنّ في أربعين مثقالا مثقالا، و هو يجتمع مع كون النصاب الأوّل هو عشرين مثقالا، إذ عليه يكون فى الأربعين مثقالا مثقال أيضا، كما لا يخفى. إلّا أنّه ينافي ذلك ما في ذيلها، من قوله (عليه السّلام): «و ليس في أقلّ من أربعين مثقالا شي‌ء». و عن المحقّق الهمداني (قدّس سرّه) ما لفظه: «أقول: لو لا مخالفة الإجماع، و إعراض المشهور عن هذه الرواية لكان الجمع بينها و بين غيرها من الروايات، بحمل الزكاة فيما دون الأربعين على الاستحباب، أولى من ارتكاب هذا النحو من التكلّفات، و إن كان هذا- أيضا- لا يخلو من إشكال، فإنّ الأخبار بظاهرها متعارضة، و المقام مقام الترجيح لا الجمع، و من الواضح: قصور هذه الرواية عن معارضة‌

____________

(1)- الصدوق، محمّد بن علي، فقيه من لا يحضره الفقيه، ج 2: ص 12/ ح 1603، نشر مكتبة الصدوق، طهران- إيران.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 51، الطبعة الحجريّة، إيران.

14

..........

____________

الروايات المشهورة بين الأصحاب- فتوى و رواية- من جميع الوجوه، فالأولى ردّ علمها إلى أهلها ... (1)».

أقول: ما أفاده (قدّس سرّه) من ترجيح الروايات المتقدّمة بالشهرة بين الأصحاب- (قدّس اللّه أسرارهم)- مبني على القول بأنّ الأشهريّة من المرجّحات في الروايتين المتعارضتين، كما هو محرّر في محلّه، و أمّا على القول بالعدم، فالصحيح في هذا المقام هو أن يقال: إنّ صحيحة الفضلاء رواها الشيخ (رحمه اللّه) باسناده إلى علي بن فضال، و بعضهم لا يعتمد السند المذكور، و مع الغضّ عنه نقول: إنّه لا ينبغى الإشكال في حصول القطع- و لا أقل من الاطمينان- بثبوت الحكم فى الشريعة المقدّسة على طبق مفاد الروايات المتقدّمة، و ذلك: لما أشرنا إليه آنفا من كونها مستفيضة، بل إنّه لا يبعد القول بتواترها إجمالا، و حينئذ فيحصل لنا القطع أو الاطمينان بخلل في هذه الرواية المعارضة لتلك الروايات المستفيضة، فتحمل حينئذ على التقيّة، لموافقتها لمذهب بعض العامة (2) و لعلّ مذهب هذا البعض كان هو الشائع في ذلك العصر، فهذا الحمل ليس بملاك العمل بالأخبار العلاجيّة، بل إنّما هو بملاك القطع أو الاطمينان بخلل فى الرواية، و حيث إنّه يمكن فرض الخلل‌

____________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 51، الطبعة الحجريّة، إيران.

(2)- قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أنّ الذهب إذا كان عشرين مثقالا، قيمتها مائتا درهم، أنّ الزكاة تجب فيها، إلّا ما حكي عن الحسن- و يعنى به الحسن البصري- أنّه قال:

لا زكاة فيها حتّى تبلغ أربعين» (ابن قدامة، عبد اللّه بن أحمد: المغني، ج 2: ص 599، افست دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان).

و قال ابن حزم: «حدّثنا حمام ... عن أشعث- هو ابن عبد الملك الحمراني- عن الحسن البصري، قال: ليس في أقل من أربعين دينارا شي‌ء» (ابن حزم، عليّ بن سعيد: المحلّى، ج 6: ص 73).

15

و الثاني: أربعة دنانير (157)، و هي ثلاث مثا قيل صيرفيّة، و فيه ربع العشر، أي من أربعين واحد، فيكون فيه قيراطان، إذ كلّ دينار عشرون قيراطا، ثمّ إنّه إذا زاد أربعة فكذلك، و ليس قبل أن يبلغ عشرون دينارا شي‌ء، كما أنّه ليس بعد العشرين قبل أن يزيد أربعة شي‌ء، و كذا ليس بعد هذه الأربعة شي‌ء، إلّا إذا زاد أربعة أخرى، و هكذا ...

و الحاصل، أنّ فى العشرين دينارا ربع العشر، و هو نصف دينار، و كذا فى الزائد إلى أن يبلغ أربعة و عشرين، و فيها ربع عشره، و هو نصف دينار و قيراطان، و كذا فى الزائد إلى أن يبلغ ثمانية و عشرين، و فيها نصف دينار و أربع قيراطات، و هكذا ...

____________

فيها من ناحية جهة الصدور، فلا محالة تحمل على التقيّة، فلاحظ و تأمّل.

(157) يدلّ على النصاب الثاني في الذهب جملة من النصوص، منها: رواية على بن عقبة المتقدّمة (1) و فيها: «فإذا كملت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال إلى أربعة و عشرين، فإذا كملت أربعة و عشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار إلى ثمانية و عشرين، فعلى هذا الحساب كلّ ما زاد أربعة»، و رواية ابي عيينة، عن‌

____________

(1)- صفحة 11.

16

و على هذا فإذا أخرج- بعد البلوغ إلى عشرين فما زاد- من كلّ أربعين واحدا فقد أدّى ما عليه (158)، و في بعض الأوقات زاد على ما عليه بقليل، فلا بأس باختيار هذا الوجه من جهة السهولة.

____________

أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إذا جازت الزكاة العشرين دينارا، ففي كلّ أربعة دنانير عشر دينار (1)». ثمّ إنّ الدينار عبارة عن عشرين قيراطا، قال المحقّق الهمداني (قدّس سرّه) ما لفظه: «في القاموس (2): القيراط و القرّاط- بكسرهما- يختلف وزنه بحسب البلاد؛ فبمكّة ربع سدس دينار، و بالعراق نصف عشره»، فما فى المتن و غيره، بل الشائع في عرف الفقهاء، من التعبير عن نصف دينار بعشرة قراريط، و عن عشره بقيراطين منزل على ما بالعراق ... (3)».

(158) لا يخفى، أنّ نسبة الفريضة في زكاة الذهب إلى كلّ من النصاب الأوّل و الثّاني إنّما هو نسبة الواحد إلى الأربعين، فنصف دينار من عشرين دينار نسبته إلى النصاب نسبة الواحد إلى الأربعين، كما أنّ قيراطين من أربعة دنانير بعد العشرين أيضا نسبتهما إلى النصاب نفس تلك النسبة، لما عرفت آنفا من أنّ‌

____________

(1)- الحرّ العاملى، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: زكاة الذهب و الفضّة، ح 6.

(2)- الفيروزآبادي، محمّد بن يعقوب: القاموس المحيط، ج 2: ص 379، ط المصحّحة على النسخة الصلاحيّة الرسوليّة.

(3)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه: ج 3/ كتاب الزكاة: ص 50، ط إيران الحجريّة.

17

و في الفضّة أيضا نصابان:

الأوّل: مائتا درهم، و فيها خمسة دراهم.

و الثاني: أربعون درهما، و فيها درهم (159)، و الدرهم نصف المثقال الصيرفيّ و ربع عشره، و على هذا، فالنّصاب الأوّل: مائة و خمسة مثاقيل صيرفيّة، و الثاني أحد و عشرون مثقالا، و ليس فيما قبل النصاب الأوّل، و لا في ما بين النصابين شي‌ء، على ما مرّ.

____________

الدينار عبارة عن عشرين قيراطا. و على هذا، فلو أخرج زكاته- بعد التجاوز عن العشرين- بهذه النسبة من المجموع، كان قد أدّى زكاته، بل مع الزيادة عليه بقليل، كما في ما بين النصابين.

فإذا كان عنده ستّ و عشرون دينارا، فلو أخرج من المجموع بنسبة الواحد إلى الأربعين زاد ذلك لا محالة على ما لو أخرج نصف دينار للعشرين، و قيراطين للأربعة الزائدة عليه، و ذلك، لأنّه على الأوّل إذا كان عنده ستّ و عشرون دينارا، يخرج من الدينارين الزائدين على الأربع و العشرين- أيضا- مقدارا ما، بخلافه على الثّاني، كما لا يخفى.

(159) فى «الجواهر»: «بلا خلاف أجده فى شي‌ء من ذلك- نصّا و فتوى- بل الإجماع بقسميه عليه، و النصوص يمكن دعوى تواترها عليه ... (1)»، و تدلّ‌

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمّد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 172، ط النجف الأشرف.

18

..........

____________

على ذلك النصوص التالية:

صحيح حمّاد، عن الحلبي، قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن الذهب و الفضّة، ما أقلّ ما تكون فيه الزكاة؟ قال: «مائتا درهم، و عدلها من الذهب». قال: و سألته عن النيّف: الخمسة و العشرة؟ قال: «ليس عليه شي‌ء حتّى يبلغ أربعين، فيعطي من كلّ أربعين درهما درهم (1)»، و رواية رفاعة النخّاس، قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السّلام)، فقال: إنّي رجل صائغ، أعمل بيدي، و إنّه يجتمع عندي الخمسة و العشرة، ففيها زكاة؟ فقال: «إذا اجتمع مأتا درهم فحال عليها الحول فانّ عليها الزكاة (2)»، و صحيح الحسين بن يسار (بشّار)، قال: سألت أبا الحسن (عليه السّلام) في كم وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الزكاة؟ فقال: «في كلّ مأتي درهم خمسة دراهم، و إن نقصت فلا زكاة فيها ... (3)»، و رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام)- في حديث- قال: «فى الفضّة إذا بلغت مأتي درهم خمسة دراهم، و ليس فيما دون المائتين شي‌ء، فإذا زادت تسعة و ثلاثون على المائتين فليس فيها شي‌ء حتّى تبلغ الأربعين، و ليس في شي‌ء من الكسور شي‌ء حتّى تبلغ الأربعين، و كذلك الدنانير على هذا الحساب (4)»، و صحيح الفضلاء- أو حسنتهم- عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام)- في حديث- قالا: «في الورق، في كلّ مأتين خمسة دراهم، و لا في أقل من مأتي درهم شي‌ء، و ليس فى النّيف شي‌ء حتّى يتمّ أربعون، فيكون فيه واحد (5)»، إلى غير ذلك من الروايات، ممّا يلاحظها المراجع في الباب الثاني من‌

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 2: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

(2)- المصدر، ح 2.

(3)- المصدر، ح 3.

(4)- المصدر، ح 6.

(5)- المصدر، ح 7.

19

و الدرهم نصف المثقال الصيرفيّ و ربع عشره، و على هذا، فالنصاب الأوّل مائة و خمسة مثاقيل صيرفيّة، و الثّاني أحد و عشرون مثقالا، و ليس فيما قبل النصاب الأوّل و لا فيما بين النصابين شي‌ء على ما مرّ، و في الفضّة أيضا (160)- بعد بلوغ النصاب- إذا أخرج من كلّ أربعين واحدا فقد أدّى ما عليه، و قد يكون زاد خيرا قليلا.

____________

أبواب زكاة النقدين، من «وسائل الشيعة».

ثمّ، إنّ المراد بالدينار- في هذا المقام و في كلّ المقامات- هو ما يكون فيه من الذهب ما يقدر بثمانية عشر حمّصة، سواء كانت تسمّى- عرفا- بالدينار، أم باسم آخر، و باية قيمة تعومل بها خارجا. كما أنّ المراد بالدرهم: نصف المثقال الصيرفي و ربع عشره من الفضّة، بأيّ اسم سمّى، و باية قيمة كان. و على الجملة:

الدينار يراد به المقدار المعيّن من الذهب بلا زيادة و لا نقيصة، و كذلك الدرهم.

فتدبّر.

(160) كما مرّ ذلك في زكاة الذهب، و قد تقدّم بيان الوجه فيه هناك، فلاحظ.

20

[الثاني: أن يكونا مسكوكين بسكّة المعاملة]

الثاني: أن يكونا مسكوكين بسكّة المعاملة (161)،

____________

(161) بلا خلاف فيه ظاهرا (1)، بل فى «المدارك (2)»: «هذا قول علمائنا أجمع»، و فى «الغنية (3)» و «الانتصار (4)» و «التذكرة (5)»: دعوى إجماع علماء الإماميّة عليه. و يدلّ عليه صحيح علي بن يقطين- أو حسنته بابراهيم بن هاشم- عن أبي إبراهيم (عليه السّلام)، قال: قلت له: إنّه يجتمع عندي الشي‌ء (الكثير قيمته (6))، فيبقى نحوا من سنة، أ نزكّيه؟ فقال: «لا، كلّ ما لم يحل عليه الحول فليس عليك فيه زكاة، و كلّ ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شي‌ء، قال: قلت: و ما الرّكاز؟ قال:

الصامت المنقوش». ثمّ قال: «إذا أردت ذلك فاسبكه فإنّه ليس في سبائك الذّهب و نقار الفضّة شي‌ء من الزكاة (7)»، و موثّق جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن (عليهما السّلام)، انّه قال: «ليس فى التبر زكاة، إنّما هي على الدنانير و الدراهم (8)».

____________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه: ج 3/ كتاب الزكاة: ص 53، ط إيران الحجريّة.

(2)- الموسوي، السيّد محمّد: مدارك الاحكام، ج 5: ص 115، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام)، قم.

(3)- ابن زهرة، حمزة بن علي: غنية النزوع، ص 567، ط الحجريّة- إيران.

(4)- الشريف المرتضى، على بن الحسين: الانتصار، ص 80، ط النجف الأشرف.

(5)- العلامة الحلي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 5: ص 117، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام)، قم- إيران.

(6)- في «الكافي»: «يجتمع عندي الشي‌ء فيبقى» (ج 3: ص 518، ط دار الكتب الإسلامية- طهران- إيران)، و فى «التهذيب»: «الشي‌ء الكثير قيمته فيبقى» (ج 4: ص 8، ط النجف الأشرف)، و فى «الاستبصار»: «الشي‌ء الكثير نحوا» (ج 2: ص 6، ط النجف الاشرف).

(7)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 8: زكاة الذهب و الفضّة، ح 2.

(8)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 8: زكاة الذهب و الفضّة، ح 5.

21

..........

____________

ثمّ إنّ ظاهر الرواية الأولى هو دخل عنوان «الرّكاز» في موضوع وجوب الزكاة، مع أنّه ليس كذلك قطعا، فإنّ المراد به: إمّا هو المعدن، كما هو أحد معانيه فى اللغة (1)، و هو بهذا المعنى موضوع للحكم في باب الخمس دون الزكاة. و إمّا القطع من الذهب و الفضّة الّتي تخرج من معدن واحد، كما فسّر به فى اللّغة أيضا (2)، و هو- أيضا- ليس بموضوع لوجوب الزكاة قطعا، و عليه، فلا بدّ من حمل الرّكاز على النقود، من الذهب و الفضّة، بنحو الاستعمال المجازي، أو ما يقرب من ذلك. كما أنّه لا بدّ و إن يراد بقوله (عليه السّلام) في تفسير الرّكاز: «الصامت (3) المنقوش» هو الإشارة إلى النقود الخارجيّة، و إلّا فلا موضوعيّة لهذا العنوان في باب الزكاة، و إلّا لشمل ذلك غير النقود، من الذهب أو الفضّة المشتملة على نقش أيضا، كما يتّفق ذلك كثيرا. و على الإجمال، المعوّل في اعتبار السكّة فى الذهب و الفضّة إنّما هو على موثّق جميل. و تقريب الاستدلال به: أنّه دلّ على عدم ثبوت الزكاة فى الذهب و الفضّة إلّا ما كان منهما مصداقا للدرهم و الدينار؛ و من المعلوم أنّ الدرهم و الدينار لا يصدقان خارجا إلّا على الذهب و الفضّة المسكوكين بسكّة المعاملة، فيكون مفاد الرواية- حينئذ- إنّما هو اعتبار المسكوكيّة فى الذهب و الفضّة، و بذلك يقيّد إطلاق النصوص المتقدّمة الواردة في‌

____________

(1)- الأزهري، محمّد بن أحمد: تهذيب اللغة، ج 10: ص 95، ط الدار المصريّة للتأليف و الترجمة؛ ابن منظور، محمّد بن مكرّم: لسان العرب، ج 5، ص 356، ط دار صادر- بيروت؛ الفيّومي، أحمد بن محمّد بن علي: المصباح المنير، ج 1: ص 281، ط 2، بولاق- مصر؛ الفيروزآبادي، محمّد بن يعقوب: القاموس، ج 2: ص 177، ط مصر.

(2)- الأزهري، محمّد بن أحمد: تهذيب اللغة، ج 10: ص 95، ط الدار المصرية للتأليف و الترجمة.

(3)- الصّامت: الذهب و الفضّة (الجوهري، إسماعيل بن حمّاد: الصحاح، ج 1: ص 357، ط 2، دار العلم للملايين، بيروت- لبنان).

22

..........

____________

نصب الذهب و الفضّة، و ذلك لما أشرنا إليه إجمالا، من أنّ المراد بالدينار أو الدرهم في تلك النصوص إنّما هو الوزن الخاص، كما هو أصل الدينار فى اللّغة (1) و أمّا الدرهم فليس لها فى اللّغة العربيّة وضع، و إنّما هي كلمة معرّبة من اليونانيّة، و هي بمعنى: خمسين دانقا، و في عرف المولّدين يطلق على النقود مطلقا، كما نصّ عليه في «أقرب الموارد (2)».

و ممّا يشهد بذلك: ما في بعض النصوص المتقدّمة (3)، من التعبير عن عشرين دينارا فى الذهب بعشرين مثقالا، ممّا يكشف عن كون الملحوظ فى النصوص المذكورة إنّما هو بلوغ الذهب الوزن المعيّن، كما لا يخفى على من لا حظها.

____________

(1)- الدينار: كلمة معرّبة باتفاق اللغويين ( «المغرب» للمطرزي و «لسان العرب» و «القاموس» و غيرها من كتب اللغة). و الدينار: وزن احدي و سبعين شعيرة، و نصف شعيرة تقريبا، بناء على أنّ الدانق ثماني حبّات و خمسا حبّة، و إن قيل: الدانق ثماني حبّات.

فالدينار: ثمان و ستّون و أربعة أسباع حبّة» (الفيّومي، أحمد بن محمّد بن علي: المصباح المنير، ج 1: ص 239، ط الثانية، بولاق- مصر).

(2)- الشرتوني، سعيد الخوري: أقرب الموارد، ج 1: ص 332.

اقول: ما ذكره لا يخلو عن خلط و اشتباه، فقد نصّ أئمّة اللغة- كما في «صحاح اللغة»، و «لسان العرب»، و «القاموس»، و غيرهما- على أنّه فارسي معرّب، لا يوناني. كما أنّ وزن الدرهم: ستّة دوانق، و هو نصف الدينار و خمسه، كما نصّ عليه فى «القاموس»، و «المصباح المنير»، و غيرهما. و قال الجوهري: «و الحبّة: سدس ثمن درهم، و هو جزء من ثمانية و أربعين جزءا من درهم» (الجوهري، اسماعيل بن حمّاد: الصحاح، ج 4: ص 1609، ط دار العلم للملايين، بيروت). و لعلّه اشتبه على الشرتوني الدانق بالحبّة. و اللّه العالم.

(3)- كما في موثق سماعة، و موثق عليّ بن عقبة، المتقدّمين في صفحة 11.

23

سواء كان بسكّة الإسلام أو الكفر (162)، بكتابة أو غيرها، بقيت سكّتهما أو صارا ممسوحين بالعارض (163)،

____________

(162) بلا خلاف فيه على الظاهر، لإطلاق الدليل، كما لا يخفى.

(163) الظاهر: أنّ موضوع الزكاة فى الذهب و الفضّة- كما يستفاد ذلك من الروايات- إنّما هو ما يكون مصداقا لما يسمّى فى اللغة المحدثة بال‍ «عملة»، المرادفة في اللّغة الفارسيّة لكلمة «پول»، و من القريب جدّا: أن يكون قوام ذلك باحد أمرين، بنحو مانعة الخلوّ:

أحدهما: أن يكون الذهب و الفضّة مسكوكين بسكّة المعاملة.

و ثانيهما: أن يتعامل بهما خارجا، و إن لم يكونا مسكوكين؛ إمّا للمسح العارضي، أو لكونهما ممسوحين بالأصالة، و حيث أن المصنّف (قدّس سرّه) لم يمكنه الجزم بذلك، فلذلك احتاط في وجوب الزكاة في فرض كونهما ممسوحين بالأصالة، إلّا أنّ مقتضى ذلك هو الاحتياط في فرض الممسوحيّة بالعارض أيضا، مع أنّه (قدّس سرّه) أفتى فيه بوجوب الزكاة، و لعلّه مبني على جريان الاستصحاب، و هو موقوف على أمرين:

أحدهما: الالتزام بجريانه، في موارد الشبهات المفهوميّة، فى الحكم الشرعي، دون الموضوع الخارجي، كما هو المختار بنحو الموجبة الجزئيّة.

و الآخر: الالتزام بجريان الاستصحاب التعليقي في أمثال المورد، لا مطلقا،

24

و أمّا إذا كانا ممسوحين بالأصالة فلا تجب فيهما، إلّا إذا تعومل بهما، فتجب على الأحوط، كما أنّ الأحوط ذلك- أيضا- إذا ضربت للمعاملة و لم يتعامل بهما، أو تعومل بهما لكنّه لم يصل رواجهما (164) إلى حدّ يكون دراهم أو دنانير. و لو اتّخذ الدرهم أو الدينار للزينة، فإن خرج عن رواج المعاملة لم تجب فيه الزكاة

____________

كما هو الحقّ أيضا، على ما قرّرناه في محلّه، فإنّه قبل الممسوحيّة كان ممّا يجب فيه الزكاة معلّقا على تقدير حولان الحول عليه مع سائر الشرائط، و بعد الممسوحيّة نشك في بقاء الحكم المذكور فنستصحب ذلك، فإنّه على تقدير أحد الأمرين يتمّ القول بوجوب الزكاة في الممسوح بالعارض، دون الممسوح بالأصالة. و لعلّ المصنّف (قدّس سرّه) يلتزم بكلا الأمرين، و لذلك افتى بالوجوب فى الممسوح بالعارض و احتاط فى الممسوح بالأصالة. و اللّه العالم.

(164) لا بدّ من تصحيح قوله: «لم يصل رواجهما إلى حدّ يكون دراهم أو دنانير» بحمله على عدم البلوغ حدّا يقطع معه بصدق الدرهم أو الدينار عليه، و إلّا فلا ينبغى الإشكال في عدم الوجوب، و لا مجال- حينئذ- للاحتياط أصلا، إذا لم يكن الذهب أو الفضّة مصداقا للدينار أو الدرهم، كما هو ظاهر. ثمّ إنّ منشأ الاحتياط هو ما أشرنا إليه آنفا، من قرب دعوى قوام الموضوع بالسكّة المعدّة للتعامل، و إن لم يتعامل بذلك خارجا أصلا، فضلا عمّا إذا تعومل بهما في الجملة.

25

و إلّا وجبت (165).

____________

(165) ينبغى الإشكال في عدم وجوب الزكاة إذا خرج الذهب أو الفضّة عن كونه دينارا أو درهما بجعله حليّا، بحيث يكون جعله «قلادة» و نحو ذلك مستلزما لإضافة شي‌ء، ك‍ «الحلقة» و نحوها عليه، فيكون موجبا لخروجه عن المصداقيّة للدينار أو الدرهم، من جهة عدم التعامل به خارجا، و إنّما الكلام فيما إذا لم يكن كذلك، بأن لا يكون اتّخاذه حليّا موجبا للخروج عن كونه دينارا أو درهما، لبقاء التّعامل معهما بحاله، كما كان هو الحال قبل اتّخاذهما حليّا.

قال صاحب الجواهر (رحمه اللّه): «ففي «الروضة» و شرحها للأصبهاني: لم يتغيّر الحكم، زاده الاتّخاذ أو نقّصه في القيمة، ما دامت المعاملة به على وجهه ممكنة، لإطلاق الأدلّة، و الاستصحاب الّذي به يرجّح الإطلاق المزبور على ما دلّ على نفيها من الحليّ، و إن كان التعارض بينهما من وجه. بل يحكّم عليه، لأنّ الخاصّ و إن كان استصحابا يحكّم على العامّ و إن كان كتابا ... (1)».

قلت: إنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على وجوب الزكاة فى الدينار و الدّرهم- و قد مرّت الإشارة إلى بعضه- هو وجوب الزكاة فى مفروض الكلام، كما أنّ مقتضى إطلاق ما ستأتي الإشارة إليه قريبا- إن شاء اللّه تعالى- من النصوص النافية للزكاة عن الحليّ، هو عدم وجوب الزكاة فيه، و التعارض بينهما بالعموم من وجه.

فقد يقال- كما مرّ عن صاحب الجواهر (رحمه اللّه)- بتحكيم إطلاق الطائفة الأولى‌

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 182، ط النجف الأشرف.

26

..........

____________

الدالة على وجوب الزّكاة، مؤيّدا ذلك بالاستصحاب المقتضي للوجوب، بل تحكيما للاستصحاب على الإطلاق النّافي. و هو قابل للنقاش فيه- كما قيل (1)- إذ لا وجه لتحكيم إطلاق الدليل المثبت على اطلاق الدّليل النّافي، بعد فرض كون التعارض بينهما بالعموم من وجه. و الاستصحاب لا يكون مرجّحا لإطلاق الدليل المثبت، فضلا عن كونه محكّما على إطلاق الدليل النافي، فإنّه أصبح من الواضحات في علم أصول الفقه: أنّ الأصول العمليّة- و من جملتها الاستصحاب- إنّما تكون في طول الأدلّة الاجتهاديّة- و منها: الإطلاق- لا في عرضها، فمع وجود الإطلاقين المثبت و النّافي لا تصل النوبة إلى إجراء الأصل العمليّ. و هذا ظاهر.

و عن المحقّق الفقيه الهمداني (رحمه اللّه) (2) ترجيح الإطلاق النافي على المثبت، بما في بعض الأخبار النافية من التّعليل، كصحيحة يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الحلّي، أ يزكّى؟ فقال: «إذن لا يبقى منه شي‌ء (3)»، و خبر عليّ بن جعفر، عن أخيه، قال: سألته عن الزكاة في الحلّي، قال: «إذن لا يبقى (4)».

بدعوى اطّراد التعليل المذكور في جميع أخبار الحلّي، المشعر باختصاص تشريع الزكاة بالمال الّذي من شأنه الصّرف في النفقة و الصّدقة و نحوها، لا مثل الحليّ الّذي وضع للبقاء. و حاصل هذا الوجه هو: أنّ المستفاد من التعليل المذكور هو اختصاص مشروعيّة الزكاة بالمال الّذي يمكن صرفه و إخراج الزّكاة من عينه، و أمّا الّذي لا يمكن إخراجه من عينه، و إلّا خرج عن كونه حليّا- و هو المراد‌

____________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 53، ط إيران الحجرية.

(2)- المصدر، ص 53.

(3)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة/ باب 9 زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

(4)- المصدر، ح 9.

27

..........

____________

بنفي بقاء شي‌ء منه- فلم تشرع الزكاة فيه.

و هذا الوجه فيه مجال للتأمّل، فإنّ التحلّي بعشرين دينارا مثلا- و هو أوّل نصاب الذهب- باتّخاذ الدنانير قلادة مثلا ممّا لا ينتفى، بإخراج الزكاة من عينه، بل يكون التحلّى بها باق بعد، غايته: أنّ التّحلي يكون- بعد الإخراج- بأقلّ من عشرين دينارا، و المانع إنّما هو انتفاء عنوان الحلّي مطلقا، لا المشروط. و خلاصة القول: أنّ التعليل بعدم بقاء شي‌ء منه ممّا لا تحقّق له. نعم، لو كان التعليل بأنّه ينقص منه شي‌ء لكان ذلك في محلّه.

و أفاد المحقّق الفقيه الهمداني (رحمه اللّه) (1) وجها اخر لتحكيم اطلاق الدليل النافي للزكاة عن الحلّي، و هو: «إشعار جملة منها- أي اخبار الحلّي- بأنّ لعنوان كونه حليّا- من حيث هو- مدخليّة في وضع الزكاة عنه، و أنّ زكاته إعارته ...».

و لعلّ المراد بذلك هو ما يلي: أنّه لا تعارض- حقيقة- بين ما دلّ على وجوب الزكاة في الدينار و الدرهم، و بين ما دلّ على عدم وجوبها إذا اتّخذا حليّا، و أنّ القاعدة تقتضي تقديم الثاني، رغم أنّ النسبة بين الطائفتين هو العموم من وجه. و ذلك، لأنّ تقديم الطائفة الثانية إنّما يستوجب تقييد دليل وجوب الزكاة في الدينار و الدّرهم بغير ما إذا اتّخذا زينة، و لا محذور في التقييد المذكور، فإنّ تقييد الإطلاق ليس بعزيز، و هذا بخلاف تقديم الطائفة الأولى، فإنّه يوجب إلغاء الطائفة الثانية رأسا، فإنّ نفي الزكاة من الحلي عن غير الدرهم و الدّينار لا يرتبط بعنوان كونه حليّا، بل لانتفاء الموضوع، و هو الذهب و الفضّة المسكوكان، و إنّما يكون لعنوان «الحليّ» دخلا في نفي الزّكاة عنه، ما إذا كان الحلّي من الدينار و الدّرهم، حيث كان مقتضيا لثبوت الزكاة فيه لو لا انطباق عنوان‌

____________

(1)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة: ص 53، ط إيران الحجريّة.

28

..........

____________

«الحلّي» عليه، إذن، المحافظة على مدخليّة العنوان المذكور في نفي الزكاة- كما هو مفاد الطّائفة الثانية- إنّما تكون بالالتزام بنفي الزكاة عن الحلّي المتّخذ من الدينار و الدرهم، و تقييد ما دلّ على ثبوت الزكاة فيهما بغير هذا الفرض، و إلّا لزم إلغاء العنوان المذكور، و هو مساوق لإلغاء الدليل الدّال على نفي الزكاة عن الحلّي رأسا، و إلغاء الدليل رأسا بغير موجب علميّ ممّا لا مجال له، بخلاف تقييد اطلاق الدليل، فإنّه غير عزيز، كما عرفت.

و لذلك نظائر عديدة في «الفقه»، من جملتها: قوله (عليه السّلام)- في مصحّح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)-: «كلّ طائر يطير بجناحيه فلا بأس ببوله و خرئه (1)»، فان النسبة بينه و بين ما دلّ على نجاسة بول الحيوان غير مأكول اللّحم، مثل قوله (عليه السّلام)- في مصحّح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)-:

«اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه (2)» عموم من وجه، لكن تقديم ما دلّ على النجاسة يوجب الغاء عنوان «الطائر» عن الموضوعيّة، و اختصاص الطهارة بماكول اللّحم، من دون خصوصيّة للطائر و غيره فى الحكم المذكور، و هذا بخلاف تقديم دليل الطهارة فإنّه لا يوجب الغاء دليل النّجاسة، حيث يحكم بنجاسة خرء و بول غير مأكول اللحم من غير الطائر، فلا يلغى عنوان «غير مأكول اللحم» عن الموضوعيّة للحكم، كما هو ظاهر. و هذا الوجه لا بأس به، و لذلك نحتاط في وجوب الإخراج، لذهاب المشهور إلى ذلك.

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 10: النجاسات، ح 1.

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 8: النجاسات، ح 2.

29

[الثالث: مضيّ الحول]

الثالث: مضيّ الحول (166)

____________

(166) تقدّم الكلام في ما يدلّ على اعتبار الحول في وجوب الزكاة في زكاة الأنعام، فراجع و لاحظ. و يدلّ عليه في خصوص النقدين مصحّح زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): رجل كان عنده مأتا درهم، غير درهم واحد، أحد عشر شهرا، ثمّ أصاب درهما بعد ذلك فى الشهر الثاني عشر، و كملت عنده مأتا درهم، عليه زكاتها؟ قال: «لا، حتّى يحول عليها الحول، و هي مأتا درهم، فإن كانت مائة و خمسين درهما فأصاب خمسين بعد أن مضى شهر، فلا زكاة عليه حتّى يحول على المائتين الحول ... (1)»، و خبر زرارة و بكير ابني أعين- في حديث- أنّهما سمعا أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: «إنّما الزكاة على الذهب و الفضّة الموضوع، إذا حال عليه الحول، ففيه الزكاة، و ما لم يحل عليه الحول فليس فيه شي‌ء (2)»، و صحيح رفاعة النخاس، قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السّلام)، فقال: إنّي رجل صائغ اعمل بيدي، و إنّه يجتمع عندي الخمسة و العشرة، ففيها زكاة؟ فقال: «إذا اجتمع مأتا درهم فحال عليها الحول، فإن عليها الزكاة (3)»، و نحوها غيرها (4) كما أنّه مرّ الكلام- أيضا- في زكاة الأنعام في تحقّق الحول بالدخول فى الشهر الثاني عشر، و في فرض نقصان المال عن النصاب قبل الحول، و كذا فرض تبدّله بغيره، من‌

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 6: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

(2)- المصدر/ باب 15: زكاة الذهب و الفضّة، ح 5.

(3)- المصدر/ باب 2: زكاة الذهب و الفضّة، ح 2.

(4)- المصدر/ باب 15: زكاة الذهب و الفضّة.

30

بالدخول في الشهر الثاني عشر، جامعا للشرائط، الّتي منها النصاب، فلو نقص في أثنائه عن النصاب سقط الوجوب، و كذا لو تبدّل بغيره من جنسه أو غيره، و كذا لو غيّر بالسبك (167)، سواء كان التبديل أو السبك بقصد الفرار من الزكاة أو لا على الأقوى، و إن كان الأحوط الإخراج على الأوّل، و لو سبك

____________

جنسه او غيره. فلاحظ.

(167) لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب الزكاة إذا غيّر بالسبك قبل تمام الحول، فإنّ من شرائط ثبوت الزكاة فى الذهب و الفضّة- كما عرفت ذلك آنفا- إنّما هو صدق الدينار أو الدرهم عليه، أي كونه مسكوكا يتعامل به، فإذا خرج عن ذلك في اثناء الحول سقط عنه وجوب الزكاة، بناء على اعتبار وجوب الشرائط في تمام الحول، كما مرّ الكلام فيه سابقا، مضافا إلى ورود النص في خصوص الفرض، ففي صحيح ابن يقطين المتقدّم (1): «إذا أردت ذلك فاسبكه؛ فإنّه ليس في سبائك الذهب و نقار الفضّة شي‌ء من الزكاة».

ثمّ إنّه إذا كان التبديل أو السبك بقصد الفرار من الزكاة، فالمشهور بين المتأخّرين- كما نسب إليهم (2)، بل عن «الرياض (3)» نسبته إلى عامتهم- هو‌

____________

(1)- صفحة 20.

(2)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 185، ط النجف الأشرف.

(3)- الطباطبائي، السيّد علي: رياض المسائل، ج 5: ص 93، ط مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.

31

..........

____________

سقوط الزكاة، و نسب إلى جماعة من المتقدّمين، كالصدوقين (4)، و المرتضى (5)، و الشيخ (6)، و ابن زهرة (7)، و ابن حمزة (8)، و الحلبي (9) في «إشارة السبق» القول بالوجوب. و اختار المصنّف (قدّس سرّه) القول الأوّل، و لذلك احتاط فى المسألة احتياطا استحبابيا. و الظاهر هو المذهب المشهور، و هو عدم وجوب الزكاة.

نعم، يكون ذلك مستحبّا. و الوجه فيه هو إنّ النصوص الواردة فى المقام إنّما تكون على طائفتين:

الأولى: النصوص الدالة على عدم الوجوب، و هى مستفيضة، كرواية عمر ابن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل فرّ بماله من الزكاة، فاشترى به أرضا أو دارا، أ عليه شي‌ء؟ فقال: «لا، و لو جعله حليا أو نقرا فلا شي‌ء عليه، و ما منع نفسه من فضله أكثر ممّا منع من حق اللّه الّذي يكون فيه (10)»، و رواية عليّ بن يقطين المرويّة فى «العلل» عن أبي إبراهيم (عليه السّلام)، قال: «لا تجب الزكاة فيما سبك، قلت: فإن كان سبكه فرارا من الزكاة!، قال: ألا ترى أنّ المنفعة قد ذهبت منه، فلذلك لا يجب عليه الزكاة (11)»، و رواية هارون بن خارجة، عن أبي‌

____________

(4)- الصدوق، محمّد بن علي بن الحسين: المقنع، ص 51، ط مؤسسة مطبوعات دار العلم، قم.

(5)- الشريف المرتضى، علي بن الحسين: الانتصار، ص 83، ط النجف الأشرف؛ جمل العلم و العمل، ص 124، ط النجف الأشرف.

(6)- الطوسي، الشيخ، محمّد بن الحسن: المبسوط، ج 1: ص 210، ط المكتبة المرتضويّة، طهران؛ الخلاف، ج 2: ص 77 مؤسسة النشر الإسلامى، قم.

(7)- ابن زهرة، حمزة بن علي: غنية النزوع، ص 567، ط الحجريّة- إيران.

(8)- ابن حمزة، محمّد بن علي: الوسيلة، ص 127، ط مكتبة آية اللّه النجفي المرعشي، قم.

(9)- الحلبي، عليّ بن الحسن: اشارة السبق، ص 109، ط مؤسسة النشر الإسلامى، قم.

(10)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 11: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

(11)- المصدر، ح 2.

32

..........

____________

عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت له: إنّ أخي يوسف ولي لهولاء القوم أعمالا، أصاب فيها أموالا كثيرة، و إنّه جعل ذلك المال حليّا، أراد أن يفرّ به من الزكاة، أ عليه زكاة؟

قال: «ليس على الحليّ زكاة، و ما أدخل على نفسه من النقصان- في وضعه و منعه نفسه فضله- أكثر ممّا يخاف من الزكاة (1)». و من ذلك أيضا ما في ذيل صحيح ابن يقطين المتقدّم (2): «إذا أردت ذلك فاسبكه، فإنّه ليس في سبائك الذهب و نقار الفضّة شي‌ء من الزكاة»، حيث أنّه (عليه السّلام) بيّن له بذلك طريق الفرار من الزكاة.

الثانية: النصوص الدالّة على الوجوب، كصحيح محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الحلّي فيه زكاة؟ قال: «لا، إلّا ما فرّ به من الزكاة (3)»، و خبر معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: قلت له: الرّجل يجعل لأهله الحلىّ ...

- إلى أن قال:- قلت له: فإنّه فرّ به من الزكاة، قال: «إن كان فرّ به من الزكاة فعليه الزكاة، و إن كان إنّما فعله ليتجمّل به فليس عليه زكاة (4)».

و عن الشيخ (قدّس سرّه) (5): الجمع بينهما، بحمل الطائفة الثانية على ما بعد حلول الحول، مستشهدا له بما رواه في الموثق عن زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام):

إنّ أباك قال: من فرّ بها من الزكاة فعليه أن يؤدّيها، فقال: «صدق أبي، إنّ عليه أن يؤدي ما وجب عليه، و ما لم يجب عليه فلا شي‌ء منه فيه». ثمّ قال لي: «أ رأيت‌

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 11: زكاة الذهب و الفضّة، ح 4.

(2)- صفحة 20.

(3)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 11: زكاة الذهب و الفضّة، ح 7.

(4)- المصدر، ح 6.

(5)- الطوسي، الشيخ، محمّد بن الحسن: تهذيب الأحكام، ج 4: ص 9، ط النجف الأشرف:

الاستبصار، ج 2: ص 8، ط النجف الأشرف.

33

..........

____________

لو أنّ رجلا اغمي عليه يوما ثمّ مات فذهبت صلاته، أ كان عليه- و قد مات- أن يؤدّيها؟» قلت: لا، قال: «إلّا أن يكون أفاق من نومه ... (1)».

و لا يخفى أنّ بعض النصوص المتقدّمة، كخبر معاوية بن عمار ممّا يأبى الحمل المذكور، فإنّه كالصّريح فى التفصيل بين الجعل حليّا للفرار فيجب فيه الزكاة، و بين جعله كذلك للتجمّل فلا تجب، فلا بدّ و أن يكون مورده قبل تمام الحول، بحيث لم تجب الزكاة لو لا قصد الفرار.

و عن المحقّق الهمداني (قدّس سرّه) (2)، كما عن المحقّق في «الشرائع (3)»، و صاحب «المدارك (4)» و غيرهما، و عن الشيخ (قدّس سرّه)- أيضا- الجمع بينهما، بحمل الطائفة الأولى على الاستحباب. و لكنّك قد عرفت غير مرّة أنّ أمثال المقام ليس من موارد الجمع العرفي، بحمل الظاهر فيه على الأظهر أو النص، بل هو من موارد التعارض بالنظر العرفي، و عليه فالمرجع فيه إنّما يكون القواعد المقرّرة في باب التعارض، و حيث قد عرفت سابقا (5) أنّه لا مجال فى المقام للترجيح بموافقة الكتاب، و لا مخالفة العامّة، فلا محالة يدور الأمر فيه بين التخيير- بناء على القول به فى التعارض- أو التساقط- كما هو الصحيح- و الرجوع إلى الأصل، و مقتضاه: عدم الوجوب. نعم، لا بأس بالإخراج فى الفرض المذكور احتياطا استحبابيّا، و الوجه فيه ظاهر.

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 11: زكاة الذهب و الفضّة، ح 5.

(2)- الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 54، ط إيران الحجريّة.

(3)- المحقّق الحلي، جعفر بن الحسن: شرائع الاسلام/ تحقيق عبد الحسين محمّد علي، ج 1:

ص 151.

(4)- الموسوي العاملي، السيّد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 120، ط مؤسسۀ آل البيت (عليهم السّلام)، قم- إيران.

(5)- ج 1: صص 339- 340.

34

الدراهم أو الدنانير بعد حول الحول لم تسقط الزكاة و وجب الإخراج بملاحظة الدراهم و الدنانير (168) إذا فرض نقص القيمة بالسبك.

____________

(168) الظاهر أنّ مراده (قدّس سرّه) من ذلك هو ما إذا أراد الإخراج بالقيمة، فإنّه عليه تكون قيمة الفريضة من الذهب المسبوك أقل من قيمتها حال كونه درهما أو دينارا- كما هو المفروض- فلا بدّ له حينئذ من إعطاء قيمة الفريضة في ذلك الحال، فإنّ المفروض كون السبك بعد حول الحول، فإذا كان نصف المثقال من الدينار- و هو فريضة العشرين دينارا- ممّا يساوي خمسة دراهم مثلا، و كان نصف المثقال من الدينار المذكور بعد سبكه يساوي أربعة دراهم و نصف مثلا، كان عليه اعطاء خمسة دراهم، إذا فرضنا أنّه يريد الإخراج من القيمة.

و يشكل الأمر حينئذ، من جهة أنّه إذا أراد أن يدفع الزكاة من نفس الذهب المسبوك المفروض كونه دينارا فى السابق، فهل يجوز له ذلك، أو لا؟ ذهب المصنّف (قدّس سرّه) إلى الجواز، كما سيصرّح به فيما بعد (1)، حيث يقول: «و يجوز الإخراج من الردّي، و إن كان تمام النصاب من الجيّد ...»، فإنّ نقص القيمة بالسبك لا يوجب إلّا كون المسبوك رديّا بالنسبة إلى غيره، و عليه فإذا جاز له ذلك فقد جاز له- أيضا- إخراج قيمته لا بملاحظة الدراهم أو الدنانير، إذ لا وجه لذلك بعد فرض جواز الإخراج من الذهب الردي مع كون النصاب جيدا.

____________

(1)- المسألة الثانية الآتية.

35

[مسألة 1: لا تجب الزكاة في الحليّ]

[مسألة 1]: لا تجب الزكاة في الحليّ (169)،

____________

و لم أجد من تعرّض للإشكال المذكور، و لعلّ في الأمر نكتة خفيت علينا، و اللّه العالم، و هو العاصم.

(169) فى «المدارك (1)»: «أمّا سقوط الزكاة فى المحلّل، فقال العلّامة فى «التذكرة (2)»: إنّه قول علمائنا أجمع، و أكثر أهل العلم. و أمّا المحرّم، فقال فى «التذكرة»- أيضا-: «إنّه لا زكاة فيه عند علمائنا، لعموم قوله (عليه السّلام): «لا زكاة في الحلّي»، و أطبق الجمهور (3) كافة على ايجاب الزكاة فيه ...»، و فى «الجواهر»:

«بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك بيننا إذا لم يكن بقصد الفرار، بل الإجماع بقسميه عليه ... (4)». و يدلّ على ذلك جملة من النصوص، كصحيح محمد الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: سألته عن الحلي فيه زكاة؟ قال: «لا (5)،»، و مصحّح رفاعة، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) و سأله بعضهم عن الحليّ فيه زكاة، فقال:

____________

(1)- الموسوي العاملي، السيّد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 118، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام)، قم. و جملة: «و أكثر أهل العلم» من كلام صاحب المدارك (رحمه اللّه).

(2)- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 5: صص 129، 132، ط مؤسسۀ آل البيت (عليهم السّلام)، قم- إيران.

(3)- لاحظ: ابن قدامة، عبد اللّه بن أحمد: المغني، ج 2: صص 605- 606؛ الجزيري، عبد الرحمن: الفقه على المذاهب الأربعة، ج 1: صص 601- 602، ط 3، افست دار احياء الكتاب العربي- بيروت. و فى المذاهب اختلاف فى الحكم، و تفصيل.

(4)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 183، ط النجف الأشرف.

(5)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 9: زكاة الذهب و الفضّة، ح 3، 5.

36

و لا في أواني الذهب و الفضّة و إن بلغت ما بلغت (170)، بل قد عرفت سقوط الوجوب عن الدرهم و الدينار اذا اتّخذا للزينة و خرجا عن رواج المعاملة بهما (171). نعم، في جملة من الأخبار أنّ زكاتها إعارتها (172).

____________

«لا، و لو بلغ مائة ألف (1)»، و خبر هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)- في حديث- قال: «ليس على الحلي زكاة (2)»، و غير ذلك (3).

(170) لما عرفت آنفا من اشتراط وجوب الزكاة فيهما بكونهما مسكوكين، فلا تثبت الزكاة في غير المسكوك منهما.

(171) و قد مرّ الكلام فيه، فلاحظ.

(172) كمرسل ابن ابي عمير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «زكاة الحلي إعارته (4)»،

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 9: زكاة الذهب و الفضّة، ح 4.

(2)- المصدر، ح 2.

(3)- المصدر.

(4)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 10: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

37

[مسألة 2: لا فرق في الذهب و الفضّة بين الجيد منها و الردي.]

[مسألة 2]: لا فرق في الذهب و الفضّة بين الجيد منها و الردي. (173)، بل تجب إذا كان بعض النصاب جيدا و بعضه رديّا، و يجوز الإخراج من الردي و إن كان تمام النصاب من الجيّد (174)، لكن الأحوط خلافه، بل يخرج الجيد من الجيّد و يبعض

____________

و ما فى «الفقه الرضوي»: «ليس على الحلّي زكاة، و لكن تعيره مؤمنا إذا استعار منك فهو زكاة (1)».

(173) قال في «الجواهر»: «بلا خلاف أجده فيه، بل نسبه بعضهم (2) إلى الأصحاب، مشعرا بالإجماع عليه ... (3)». و ذلك لإطلاق ما دلّ على وجوب الزكاة في الذهب و الفضّة المسكوكين، مع بلوغهما النّصاب، فإن ذلك يشمل كل ما صدق عليه ذلك، و إن لم يكن بجيّد، بعد فرض كون الجيّد و غيره من جنس واحد.

(174) كما صرّح بذلك في «المبسوط (4)»، و هو الصّحيح، لإطلاق الأدلّة، بناء على‌

____________

(1)- الفقه الرضوي، ص 198/ تحقيق: مؤسّسة آل البيت (عليهم السّلام)، ط المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عليه السّلام)، مشهد المقدّسة- إيران.

(2)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 93، ط النجف الأشرف.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 191، ط النجف الأشرف.

(4)- الطوسي، محمّد بن الحسن: المبسوط، ج 15: ص 209، نشر المكتبة المرتضويّة، طهران.

38

بالنسبة مع التبعض (175)، و إن أخرج الجيّد عن الجميع فهو

____________

ما هو المختار، من تعلّق الزكاة بالعين بنحو الحق، فإنّه عليه لا بدّ له من إخراج الحقّ المذكور، إمّا من العين نفسه، أو من غيرها؛ و لكن من جنس العين- كما هو المفروض فى المقام، فإنّ الردّي المخرج منه الزكاة من جنس الجيّد المفروض تعلّق الزكاة به- أو من غير جنسها- أيضا- و هو الإخراج بالقيمة.

نعم، بناء على القول بالإشاعة، أو الكليّ فى المعيّن، لا بدّ من إخراج الجيّد، إذا كان تمام النصاب من الجيّد، لأنّ الفقير مثلا- حينئذ- شريك مع المالك في الجيّد، فلا بدّ من إعطائه حقّه. و إذا فرضنا أنّ النّصاب مركّب من الجيّد و الردّي كان اللازم هو التقسيط في الإخراج بالنسبة، كما صرّح به بعضهم (1).

(175) كما نسب ذلك إلى المشهور (2) و يقتضيه القول بالإشاعة او الكلي في المعيّن في تعلّق الزكاة بالعين، كما مرّ. و الاحتياط المذكور لا بأس به.

____________

(1)- الشهيد الأوّل، محمد بن مكّى: الدروس الشرعيّة، ج 1: ص 236، ط مؤسّسة النشر الاسلامي، قم- إيران؛ البيان/ تحقيق الشيخ محمد الحسّون، ص 301؛ الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الافهام، ج 1: ص 385، نشر مؤسّسة المعارف الاسلامية، قم- إيران.

حيث لم يعلّق على كلام المصنف (قدّس سرّه) في حكمه بذلك، ممّا يظهر منه موافقته إيّاه (المحقّق الحلّي، جعفر بن الحسن: شرائع الإسلام/ تحقيق عبد الحسين محمّد علي، ج 1: ص 151، ط الأولى).

(2)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 193، ط النجف الأشرف.

39

أحسن (176). نعم، لا يجوز دفع الجيّد عن الردي بالتقويم (177).

____________

(176) قال في «الشرائع»: «و فى الإخراج إن تطوّع بالأرغب، و إلّا كان له الإخراج من كل جنس بقسطه (1)».

(177) لأنّه إذا كان نصف الدّينار الجيّد يسوى دينارا رديّا، و كان الواجب عليه فريضة هو الدّينار، فإذا أراد الإخراج من عين النّصاب كان عليه إعطاء الدّينار الواحد الجيّد إذا كان تمام النصاب جيّدا، أو الردّي إذا كان رديّا كذلك، أو التبعيض بالنسبة إذا كان النصاب مركّبا، على ما يقتضيه القول بالإشاعة أو الكلّي في المعيّن. و إن لم يرد الإخراج من عين النّصاب و أجزنا إخراج الدّينار الردّي مع كون تمام النّصاب جيّدا، كان له إخراج ذلك. و في هذين الفرضين تعتبر المماثلة الكميّة- لا محالة- بين الفريضة و بين ما هو المخرج، بالفتح. و أمّا إذا لم يرد الإخراج من عين النّصاب، و لا من المعين المسانخ له، و أراد الإخراج بالقيمة، جاز له إخراج الدينار المفروض عليه- مثلا- بقيمته، من الدراهم، أو من غير النقدين، على القول بجواز ذلك، و في مثل ذلك لا موضوع لاعتبار المماثلة. و ليس له- حينئذ- الإخراج من العين المسانخ له- و هو الدّينار مثلا- لكن بالتقويم، بأن يقوم الدّينار الّذي يريد أن يخرجه- و نفرضه دينارا رديّا-

____________

(1)- المحقّق، الحلّي، جعفر بن الحسن: شرائع الإسلام/ تحقيق عبد الحسين محمّد علي، ج 1:

ص 151، ط الأولى.

40

بأن يدفع نصف دينار جيد يسوي دينارا رديّا عن دينار، إلا إذا صالح (178) الفقير بقيمة في ذمّته، ثمّ احتسب تلك القيمة عمّا عليه من الزكاة، فإنّه لا مانع منه، كما لا مانع من دفع الدينار الردي عن نصف دينار جيّد إذا كان فرضه ذلك (179).

____________

بنصف دينار جيّد، و يخرج نصف دينار جيّد قيمة، و ذلك لعدم إطلاق أدلّة الإخراج بالقيمة لمثل ذلك، و هذا هو المشهور، على ما قاله بعضهم (1).

(178) بأن يصالح الفقير ما عليه من الفريضة بقيمة الفرد الأدنى، مثلا: إذا كان الدينار الجيّد يسوى عشرة دراهم، و الردّي خمسة دراهم، فصالح الفقير ما هو الواجب عليه- و هو الجيّد- بخمسة دراهم، و حينئذ جاز له أن يدفع نصف دينار جيّد، اداء لما صالح به الفقير عليه.

(179) أي: كان فرضه نصف دينار جيّد. و الوجه في ذلك يظهر مما مرّ، فإنّه إذا كان المخرج مسانخا لما هو الواجب عليه، اعتبر فيه- لا محالة- المماثلة الكميّة، أي المماثلة في المقدار، لكن بمعنى عدم كون المخرج أقلّ مقدارا من الواجب، لا مطلقا حتّى مع عدم الزيادة عليه، فإنّ الزيادة غير مانعة، كما لا يخفى.

____________

(1)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 94، ط النجف الأشرف.

41

[مسألة 3: تتعلّق الزكاة بالدراهم و الدنانير المغشوشة]

[مسألة 3]: تتعلّق الزكاة بالدراهم و الدنانير المغشوشة (180).

____________

(180) مفروض المسألة: ما إذا كان الغشّ بحدّ يخرج به عن كونه ذهبا و فضّة عرفا، و أمّا إذا لم يكن الغش كذلك، بأن كان الخلط بالغير قليلا بحيث لا يخرجه عن مصداقيّة الذهب و الفضّة، فلا ينبغي الإشكال- حينئذ- في وجوب الزكاة. و المسألة ممّا لم يوجد الخلاف فيها، بل قيل: هي من الواضحات، بل نسبه غير واحد إلى الأصحاب، مشعرا بالإجماع عليه (1).

و قد يستشكل ذلك (2) بدعوى أنّ الدّينار من الذهب، و الدرهم من الفضّة المسكوكين تجب الزكاة فيهما، و المغشوش منهما الخارج عن صدق اسم الذهب أو الفضّة عليه عرفا يشكّ في كونه مصداقا لما تجب الزكاة فيه، للشك في صدق الدينار و الدّرهم عليه. و قد يتكلّف في دفعه (3) بدعوى أنّ المراد بالدّرهم و الدينار الفضّة و الذهب المسكوكين بسكّة المعاملة، و لو مع الغشّ.

و قد يتمسّك في ذلك برواية زيد الصّائغ، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّي كنت في قرية من قرى خراسان يقال لها: «بخارى»، فرأيت فيها دراهم تعمل، ثلث فضّة، و ثلث مسّا، و ثلث رصاصا، و كانت تجوز عندهم، و كنت أعملها و أنفقها، قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «لا بأس بذلك، إذا كان تجوز عندهم، فقلت:

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 195، ط النجف الأشرف.

(2)- المقدّس الأردبيليّ، مولى أحمد: مجمع الفائدة و البرهان، ج 4: ص 98، ط مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 195، ط النجف الأشرف؛ الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 3/ كتاب الزكاة، ص 55، ط الحجريّة- إيران.

42

..........

____________

أ رأيت إن حال عليه الحول و هي عندي، و فيها ما يجب عليّ فيه الزكاة، أزكّيها؟

قال: نعم، إنّما هو مالك ... (1)». و ضعف سندها- بزيد الصائغ و غيره- ممّا يدعى (2) انجباره بعمل الأصحاب.

و تحقيق القول في ذلك: أنّ مقتضى جملة من النّصوص (3) هو وجوب الزكاة في الذهب و الفضّة مطلقا، من دون تقييد بالدينار و الدّرهم، و لكنّه في جملة أخرى من الروايات (4) قيّد الإطلاق المذكور بالدّينار و الدّرهم، و أنّه إنّما تجب الزكاة في الذهب و الفضّة إذا كانا دينارا و درهما، و حينئذ فحيث كان المخصّص المجمل مفهوما المردّد بين الأقل و الأكثر- و هو الدينار و الدّرهم- منفصلا، كان المرجع فيما يشك في اندراجه تحت المخصّص، هو العموم فيحكم- في محلّ الكلام- بوجوب الزكاة فى المغشوش الّذي يشك في صدق اسم «الدينار» و «الدرهم» عليه، نظير الأخذ بعموم «اكرم العلماء» فى العالم مرتكب الصغيرة، المخصّص ب‍ «لا تكرم فسّاق العلماء» عند تردّد مفهوم «الفسق» بين خصوص مرتكب الكبيرة، أو الأعمّ منه و من مرتكب الصّغيرة.

هذا، و لا يخفى أنّ الاستدلال لاعتبار صدق الدينار و الدّرهم في وجوب الزكاة- تارة- يكون بقوله (عليه السّلام): «ليس في التبر زكاة، إنّما هي على الدنانير و الدّراهم (5)»، و عليه فلا مجال للقول بوجوبها في المغشوش في محلّ الكلام،

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 7: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

(2)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 195، ط النجف الأشرف.

(3)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1، 2، 5، 7، 10.

(4)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 8: زكاة الذهب و الفضّة، ح 3، 5.

(5)- المصدر، ح 3.

43

إذا بلغ خالصهما النصاب (181)، و لو شكّ في بلوغه، و لا طريق

____________

ممّا يشكّ فيه في صدق الدينار و الدّرهم، نظرا إلى كون العموم أو الإطلاق مخصّصا أو مقيّدا من الأوّل، و لا مجال للرّجوع إلى العام في المشكوك فيه إذا كان التخصيص بالمتّصل. و أمّا إذا كان الاستدلال بمفهوم الحصر المستفاد من الكلام المذكور، بأن يكون المفهوم المذكور مخصّصا لعموم ما دلّ على وجوب الزكاة فى الذهب و الفضّة، بأن كان التخصيص بالمنفصل، و جاز- حينئذ- الرجوع إلى العموم في مورد الشبهات المصداقيّة.

و ببيان آخر: تارة يكون المستند في تقييد العموم هو الحصر المستفاد من قوله (عليه السّلام)- في خبر جميل-: «ليس فى التبر زكاة، إنّما هي على الدنانير و الدّراهم»، و مقتضاه: عدم إمكان الرّجوع في الشبهة المصداقيّة إلى العموم، لكون العموم مخصّصا من الأوّل، حيث إنّه رتّب فيه وجوب الزكاة على الذهب أو الفضّة إذا كان دينارا أو درهما. و أمّا إذا كان المستند فيه هو المفهوم الملازم للحصر المذكور، و هو نفي الزكاة عن الذهب و الفضّة غير الدينار و الدّرهم، بأن قيّد عموم ما دلّ على وجوب الزكاة في الذهب و الفضّة بذلك، فلا محالة كان ذلك من التخصيص بالمنفصل، و حينئذ جاز فيه الرّجوع إلى العموم في مورد الشبهة المصداقيّة للمخصّص، و هو الصّحيح؛ لأنّه فى الأوّل لا يكون مخصّصا، لكون المنطوق مثبتا للحكم في مورد الدينار و الدرهم، فلا ينافى ثبوته في مطلق الذهب و الفضّة، بل الموجب للتخصيص إنّما هو المفهوم النافي للحكم عن غير الدينار و الدرهم، كما هو ظاهر.

(181) لوجوب الزكاة في الذهب و الفضّة بمقتضى الأدلّة الحاصرة للزكاة فى‌

44

للعلم بذلك- و لو للضرر- لم تجب (182). و في وجوب التصفية و نحوها للاختبار إشكال أحوطه ذلك، و إن كان عدمه لا يخلو عن قوّة (183).

____________

التسعة (1).

(182) إذا لم يمكن الاختبار، إمّا لعجز تكويني، كما إذا لم يكن ذلك في متناوله ليختبره، أو لعجز تشريعي، كما إذا كان اختباره موجبا لتضرّره بسبب النقص الوارد عليه من ذلك، لم يجب الاختبار. أمّا الأوّل فظاهر. و أما الثاني فلعموم دليل نفي الضرر (2).

(183) المشهور هو عدم وجوب الفحص فى الشبهة الموضوعيّة. قال فى «الجواهر (3)»: «أمّا لو شكّ فلا وجوب، للأصل و غيره، بل المعروف- أيضا-

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 8: ما تجب الزكاة و ما تستحب فيه.

(2)- عدم وجوب الاختبار على تقدير الضّرر في الاختبار- على مبنى سيّدنا الأستاذ دام ظلّه في حديث نفي الضرر- واضح، فإنّ المنفي إنّما هو الحكم الّذي ينشأ منه الضّرر، فينتفي به وجوب الزكاة المحتمل، الّذي ينشأ منه وجوب الاحتياط بالاختبار، باعتبار عدم المؤمّن عن التكليف المحتمل. و أمّا في مورد العجز التكويني فغير واضح، إلّا على تقدير كون وجوب الاختبار نفسيّا أو طريقا، و هو ممنوع منه.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 199، ط النجف الأشرف.

45

[مسألة 4: إذا كان عنده نصاب من الجيد]

[مسألة 4]: إذا كان عنده نصاب من الجيد لا يجوز أن يخرج

____________

عدم وجوب التصفية و نحوها للاختبار، بل عن «المسالك (1)»: لا قائل بالوجوب ...- إلى ان قال (قدّس سرّه)، بعد الاستدلال لعدم الوجوب و المناقشة فيه:- و لعلّه لذلك مال بعض المحقّقين هنا إلى وجوب التعرّف بالتصفية أو غيرها. و هو قويّ جدّا، إن لم يكن إجماع على خلافه».

و العمدة ممّا استدلّ- أو يمكن الاستدلال- به لوجوب الاختبار هنا وجهان:

أحدهما: أن ما دلّ على وجوب الحجّ أو الزكاة أو الخمس بالملازمة العرفيّة يدلّ على وجوب الفحص عن الاستطاعة- مثلا- فى الحج، و النصاب فى الزكاة، و حصول الربح- مثلا- فى الخمس.

و المناقشة فيه: أنّه لو تمّ، فلا يكون ذلك في جميع الموارد، بداهة أنّه- تارة- يعلم بوجوب الزكاة عليه، لكنّه لا يعلم بالمقدار، لجهله بالنّصاب، و اخرى: لا يعلم اصلا بوجوب الزكاة عليه، لجهله أصلا ببلوغ المال النصاب و عدمه. فلو سلّمنا بالملازمة فإنّما يجب الاختبار فى الفرض الأوّل، دون الثاني الّذي لم يعلم بالوجوب أصلا، كما هو ظاهر.

و الآخر: أنّه يلزم من عدم الفحص في أمثال الموارد المذكورة عدم فعليّة الحكم الواقعي دائما، فلا محالة يحكم بوجوب الفحص فيها احترازا عن المحذور المذكور.

____________

(1)- الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الأفهام، ج 1: ص 387، ط مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قم- إيران.

46

عنه من المغشوش (184)، إلّا إذا علم اشتماله على ما يكون عليه

____________

و يناقش فيه: بأنّ العلم بذلك- في كثير من الموارد- حاصل بدون الفحص، كما إذا ربح، أو ورث ما لا كثيرا، دفعة واحدة، بحيث يعلم بتحقّق الاستطاعة، أو الزيادة على المئونة، فلا يتوقّف العلم بالحكم على الفحص دائما. على أنّ غاية ما يقتضيه عدم الفحص إنّما هو تأخير الحجّ- مثلا- عن أوّل عام الاستطاعة، أو تأخير حق السّادة أو الفقراء عن العامّ الأوّل للربح، و لكن شمول دليل الوجوب للعامّ الأوّل بالإطلاق أو العموم، فعدم فعليّته بالنسبة إلى العام الأوّل، و فعليّته بالنسبة إلى الأعوام التالية ليس هو من عدم فعليّة الحكم الواقعيّ- المأخوذ فى الاستدلال- في شي‌ء، كما هو ظاهر.

و الإنصاف أنّه لا دليل على وجوب الفحص و الاختبار، و المحكّم هو إطلاق أدلّة البراءة. و لعلّ من احتاط فى المسألة فإنّما كان ينظر في ذلك إلى أحد الوجهين المتقدّمين. و اللّه العالم.

(184) قد تقدّم جواز إخراج الرديّ عن الجيّد، و أمّا إخراج المغشوش عن الخالص فلا يجوز، فإنّ الواجب هو إخراج نصف مثقال من الذهب- مثلا- زكاة، و إخراج نصف المثقال من المغشوش- لأجل خلط الذهب فيه بغيره- لا يكون إخراجا لما هو الواجب.

47

من الخالص (185)، و إن كان المغشوش بحسب القيمة يساوي ما عليه (186)؛ إلّا إذا دفعه بعنوان القيمة إذا كان للخليط قيمة (187).

____________

(185) و هذا ظاهر، فإنّه إذا ادّى ذلك كان قد أدّى ما هو الواجب عليه، و إن كان مصحوبا بزائد من غير الذهب أو الفضّة مثلا، حيث أن الزيادة غير مضرّة.

(186) لعدم ملاحظة الماليّة في هذا المقام، فان إخراج نصف مثقال من الذهب- مثلا- واجب، لا أنّ الواجب هو إخراج ما يكون بهذا المقدار بحسب الماليّة. و بكلمة أخرى يكون المخرج- في هذا الفرض- هو أقلّ من نصف مثقال من الذهب مثلا، مع كون الواجب عليه- فرضا- هو نصف مثقال، و هو لا يجزي، و إن كان هذا الذهب الّذي يقلّ وزنه عن نصف المثقال مساويا للنصف فى القيمة؛ و الحاصل: أنّ الإخراج من جنس النصاب لا بدّ و أن يكون بمقدار الواجب وزنا، و لا يكفى كونه بمقداره قيمة، مع كونه أقلّ منه وزنا، كما هو المفروض.

(187) لما ذكرنا سابقا، من جواز إخراج الزكاة من غير جنس النصاب بعنوان القيمة، فإذا كان للخليط قيمة، و كانت قيمة الذهب مع الخليط- مثلا- مساوية لقيمة ما هو الواجب عليه إخراجه، فدفع المالك المغشوش بعنوان القيمة، جاز له ذلك.

48

[مسألة 5: و كذا إذا كان عنده نصاب من المغشوش لا يجوز أن يدفع المغشوش]

[مسألة 5]: و كذا إذا كان عنده نصاب من المغشوش لا يجوز أن يدفع المغشوش، إلّا مع العلم على النحو المذكور (188).

[مسألة 6: لو كان عنده دراهم أو دنانير بحدّ النصاب، و شكّ في أنّه خالص أو مغشوش]

[مسألة 6]: لو كان عنده دراهم أو دنانير بحدّ النصاب، و شكّ في أنّه خالص أو مغشوش، فالأقوى (189) عدم وجوب الزكاة، و إن كان أحوط.

[مسألة 7: لو كان عنده نصاب من الدراهم المغشوشة بالذهب، أو الدنانير المغشوشة بالفضّة]

[مسألة 7]: لو كان عنده نصاب من الدراهم المغشوشة بالذهب، أو الدنانير المغشوشة بالفضّة، لم يجب عليه شي‌ء إلّا إذا علم ببلوغ أحدهما أو كليهما حدّ النصاب، فيجب في البالغ منهما أو فيهما، فإن علم الحال فهو، و إلّا وجبت التصفية (190)، و لو

____________

(188) يعلم الحكم فى المسألة ممّا سبق بيانه فى المسألة الرّابعة، فإنّها من فروعات تلك المسألة.

(189) لما سبق فى المسألة الثالثة، من أنّ المرجع في مورد الشكّ في تعلّق الزكاة البراءة، فلاحظ.

(190) مفروض المسألة هو العلم ببلوغ النّصاب إجمالا، مع عدم العلم تفصيلا بأنّ‌

49

علم أكثريّة أحدهما مردّدا، و لم يمكن العلم، وجب إخراج الأكثر من كلّ منهما (191)، فإذا كان عنده ألف، و تردّد بين أن يكون مقدار الفضّة فيها أربعمائة و الذهب ستمائة و بين العكس، أخرج عن ستمائة ذهبا و ستمائة فضّة، و يجوز أن يدفع بعنوان القيمة ستمائة عن الذهب و أربعمائة عن الفضّة، بقصد ما فى الواقع.

____________

البالغ منهما هو الذهب، أو الفضّة، أو كلاهما. و لا مجال هنا للبراءة، للعلم فيه باشتغال الذمّة بالزكاة يقينا، و لا بدّ من إحراز الفراغ اليقيني منه؛ و من جملة مصاديق ما يوجب إحراز الفراغ التصفية، من دون أن يكون الأمر منحصرا به، فله أن يعطى بمقدار يحصل به اليقين بالفراغ، كما هو ظاهر.

(191) مفروض المسألة- كما يعلم من المثال- هو ما إذا كان المقدار الزائد- و هو المائتان في مفروض المثال- بمقدار النصاب على كل تقدير، سواء أ كان الزائد من الذهب أم كان من الفضّة. و قد حكم (قدّس سرّه) في ذلك بوجوب إخراج الزكاة من المائتين الزائدتين مرّتين: مرّة بعنوان الذهب، و اخرى بعنوان الفضّة، و ذلك للعلم الإجمالي فيهما بوجوب زكاة الذهب أو الفضّة، و الخروج عن عهدة العلم الإجمالي المذكور، المفروض تنجّزه، إنّما يكون باخراج الزكاة كذلك (1).

____________

(1)- و قد يستظهر جواز الاقتصار على الأقلّ قيمة- فى المائتين- و هو الفضّة، فإنّ الزكاة و إن-

50

[مسألة 8: لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة، و علم أن الغش ثلثها- مثلا- على التساوي في أفرادها]

[مسألة 8]: لو كان عنده ثلاثمائة درهم مغشوشة، و علم أن الغش ثلثها- مثلا- على التساوي في أفرادها، يجوز له أن يخرج خمسة دراهم من الخالص و أن يخرج سبعة و نصف من المغشوش (192)، و أما إذا كان الغش- بعد العلم بكونه ثلثا في

____________

(192) فإنّ المفروض هو أنّ ثلث الدراهم الثلاثمائة- على التساوي- غش، إذن فالثلث من المائتين- و هو أوّل نصاب الدرهم- المغشوش، يجبره الثلثان من المائة الزّائدة، فيكون عنده- في مفروض المثال- فضّة خالصة، بالغة حدّ النصاب الأوّل من نصابي الفضّة، و زكاتها خمسة دراهم خالصة، و نسبة خمسة دراهم‌

____________

- كانت حقّا متعلّقا بالعين الخارجيّة، إلّا أنّها على سبيل الشركة فى المالية، و للمالك ولاية التبديل و الإخراج من غير العين، بعنوان القيمة، فهو مخيّر بين الأمرين، أي: دفع العين و القيمة، فالحق و إن كان متعلّقا بالعين، إلّا أنّ الواجب هو الجامع بين الأمرين، و بما أن القيمة التي هي عدل الواجب التخييري مردّدة بين الأقل و الأكثر، لتردّدها بين قيمة الذهب التي هي أكثر، و الفضّة التي هي أقلّ، فلا علم باشتغال الذمة إلّا بالمقدار المتيقّن، و هو الأقل، و أما الزائد عليه فتعلّق التكليف به مشكوك من أوّل الأمر، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة ...» (البروجردي، الشيخ مرتضى: مستند العروة الوثقى، ج 1: صص 304- 305).

و هذا الكلام مخدوش فيه بما سبق فى الكلام عن جواز إخراج الزكاة بالقيمة، من أنّ المستفاد من النصوص الدالّة على جواز التبديل هو انّ دفع القيمة من باب البدليّة عن الفريضة، لا أنّ الفريضة هو الجامع بين نفس العين و بين القيمة، فالواجب- أوّلا- هو إخراج العين نفسها، و لكنّه يجوز للمالك تبديلها- متى ما أراد الإخراج- بما يساوى قيمتها حين الإخراج، فإذا كان الواجب مردّدا بين الذهب و الفضّة لم يكن المورد من موارد الدوران بين الأقل و الأكثر، كما هو ظاهر (المرتقى، ج 1: ص 310).

51

المجموع- لا على التساوي فيها، فلا بدّ من تحصيل العلم بالبراءة، إمّا بإخراج الخالص، و إمّا بوجه آخر (193).

[مسألة 9: إذا ترك نفقة لأهله مما يتعلّق به الزكاة و غاب]

[مسألة 9]: إذا ترك نفقة لأهله مما يتعلّق به الزكاة و غاب، و

____________

خالصة إلى المائتين خالصة نسبة الواحد إلى الأربعين، و بنفس هذه النسبة تكون نسبة السبعة دراهم و نصف درهم المغشوشة إلى الثلاثمائة درهم المغشوشة. و هذا ظاهر.

(193) و لا يجزى- حينئذ- إخراج سبعة دراهم و نصف بعنوان الزكاة، و ذلك لعدم تساوى الغش فى الدراهم على الفرض، حيث يكون الغش في بعضها بالثلث، و بعضها بالربع ...، و حينئذ فلا يحرز كون سبعة دراهم و نصف من هذه الدراهم المغشوشة تعادل خمسة دراهم خالصة.

نعم، إذا فرضنا أنّ قيمة سبعة دراهم و نصف من هذا المغشوش تعادل قيمة خمسة دراهم خالصة جاز إعطاءها زكاة، بعنوان إخراج الزكاة بالقيمة، المفروض فيه: هو التعادل بين الواجب و بين ما يعطيه المالك بحسب القيمة، دون التعادل بالكمّ.

52

بقي إلى آخر السنة بمقدار النصاب، لم تجب عليه (194)؛ إلّا إذا كان متمكّنا من التصرّف فيه طول الحول مع كونه غائبا.

____________

(194) تارة يفرض الكلام في مورد توكيل أحد- من العائلة أو غيرهم- على المال المذكور، بأن كان الوكيل مسلّطا على المال المذكور، متمكّنا من التصرّف فيه، فبما أن سلطنة الوكيل على التصرّف و تمكّنه منه بمثابة سلطنة الموكّل- بالكسر- على ذلك، فإذا حال على المال المذكور الحول، وجبت فيه الزكاة، لتحقّق ما هو شرط وجوبها.

و اخرى: لا يفرض مثل ذلك، بأن كان قد ترك المال عند العائلة بدون توكيل لأحد عليه، فكان المال قد خرج عن سلطنته عرفا، فبما أنّه يعتبر التمكّن من التصرّف تمام الحول في وجوب الزكاة- كما مرّ الكلام فيه- فلا محالة لا تجب عليه زكاة المال المذكور. هذا ما تقتضيه القواعد العامّة، و يعاضدها النصوص الخاصّة أيضا، فقد وردت فى المقام ثلاث روايات معتبرة سندا، و تامّة دلالة، و هي كالآتي:

1- موثّق اسحاق بن عمّار، عن أبى الحسن الماضى (عليه السّلام)، قال: قلت له: رجل خلّف عند أهله نفقة ألفين، لسنتين، عليها زكاة؟ قال: «إن كان شاهدا فعليه زكاة، و إن كان غائبا فليس عليه زكاة (1)».

2- مرسل ابن أبي عمير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، في رجل وضع لعياله ألف‌

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 17: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

53

..........

____________

درهم نفقة، فحال عليها الحول. قال: «إن كان مقيما زكّاه، و إن كان غائبا لم يزكّ (1)».

3- رواية ابي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: قلت له: الرجل يخلّف لأهله ثلاثة آلاف درهم، نفقة سنتين، عليه زكاة؟ قال: «إن كان شاهدا فعليها زكاة، و إن كان غائبا فليس فيها شي‌ء (2)».

فإنّ الظاهر من النصوص المذكورة هو: أنّ جهة السؤال فيها إنّما هو عدم تمكّن المالك من التصرّف فى المال طول الحول، باعتبار الانقطاع الّذي كان يحدث للمسافر في مثل تلكم الأزمان، بالنظر إلى فقد وسائل الارتباطات فيها.

و حينئذ فيكون مفادها مطابقا لما تقتضيه القاعدة فى المسألة، كما أشرنا إليه. و في «الجواهر (3)»: إنّ الحكم المذكور هو «المشهور شهرة عظيمة». و المخالف في المسألة ابن ادريس (رحمه اللّه) (4)، حيث ذهب إلى عدم الفرق بين الغيبة و الحضور فى وجوب الزكاة.

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 17: زكاة الذهب و الفضّة، ح 2.

(2)- المصدر، ح 3.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 202، ط النجف الأشرف.

(4)- ابن ادريس، محمّد بن منصور: السرائر، ج 1: ص 447، ط مؤسّسة النشر الإسلامي، قم.

قلت: ملاحظة عبارة «السّرائر» يعطى خلاف ما هو ظاهر المنسوب إليه، و إليك ذلك:

«قال بعض أصحابنا: و اذا خلّف الرجل دراهم أو دنانير، نفقة لعياله، لسنة، أو سنتين، او أكثر من ذلك، و كان مقدار ما تجب فيه الزكاة، و كان الرجل غائبا، لم تجب فيها زكاة، فإن كان حاضرا وجبت عليه فيها الزكاة، ذكر ذلك شيخنا ابو جعفر الطوسي (رحمه اللّه) في «نهايته» و هذا غير واضح؛ بل حكمه حكم الغائب، إن قدر على أخذه متى أراده بحيث متى رامه أخذه، فإنّه يجب عليه فيه الزكاة، سواء كان نفقة، أو مودعا، أو كنزا، فإنّه ليس- بكونه نفقة- خرج عن ملكه، و لا فرق بينه و بين المال الذي له في يد وكيله، و مودعه، و خزانته ...» و هذا الكلام- كما تراه- ظاهر فى الحكم على طبق القاعدة، كما هو مختار المشهور.

54

[مسألة 10: إذا كان عنده أموال زكويّة من أجناس مختلفة، و كان كلّها أو بعضها أقلّ من النصّاب]

[مسألة 10]: إذا كان عنده أموال زكويّة من أجناس مختلفة، و كان كلّها أو بعضها أقلّ من النصّاب، فلا يجبر الناقص منها بالجنس الآخر (195). مثلا: إذا كان عنده تسعة عشر دينارا و مائة و تسعون درهما، لا يجبر نقص الدنانير بالدراهم، و لا العكس.

____________

(195) فى «الحدائق (1)»: «اتّفق الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- على أن لا يضمّ أحد النقدين إلى الآخر، على وجه يكون النصاب مركّبا منهما، بل يجب لكلّ منهما نصابه المتقدّم ...». و فى «المدارك (2)»: «هذا قول علمائنا أجمع، و وافقنا عليه اكثر العامّة ... (3)». و فى «الجواهر (4)»: «إجماعا بقسميه ...».

و يدلّ عليه: أنّ المستفاد من الأدلّة هو اعتبار النصاب في وجوب الزكاة في كلّ من التسع، التي تجب الزكاة فيه، مستقلا، فكما أنّه يعتبر في وجوب الزكاة فى الغنم- مثلا- بلوغه النّصاب، و لا يكفى فيه النصاب المركّب منه و من البقر مثلا، كذلك الذهب و الفضّة، يعتبر في وجوب الزكاة في كلّ منهما بلوغه النصاب باستقلاله. فالحكم فى المسألة على طبق القاعدة، مضافا إلى أنّه مقتضى النصوص‌

____________

(1)- البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 91، ط النجف الأشرف.

(2)- العاملي، السيّد محمّد: مدارك الأحكام، ج 5: ص 127، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام)، قم.

(3)- ابن قدامة، عبد اللّه بن أحمد: المغني، ج 2: ص 597- 598؛ ابن حزم، علي بن أحمد:

المحلى، ج 1: ص 81.

(4)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 304، ط النجف الأشرف.

55

[فصل في زكاة الغلّات الأربع]

[فصل] في زكاة الغلّات الأربع و هي- كما عرفت- الحنطة، و الشعير، و التمر، و الزبيب؛ و في إلحاق السلت- الذي هو كالشعير في طبعه و برودته، و كالحنطة في ملاسته و عدم القشر له- إشكال (196) فلا يترك الاحتياط

____________

الخاصّة أيضا، كصحيحة زرارة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل عنده مائة و تسعة و تسعون درهما، و تسعة عشر دينارا، أ يزكّيها؟ فقال: «لا، ليس عليه زكاة في الدراهم و لا في الدنانير حتّى يتمّ (1)»، و نحوها غيرها (2).

(196) أمّا وجوبها فى الغلات الأربع فممّا لا ينبغى الإشكال فيه، كما و لم يظهر ذلك من أحد فيما نعلم. و يدلّ عليه الروايات المستفيضة، بل المتواترة، و قد مرّت‌

____________

(1)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 5: زكاة الذهب و الفضّة، ح 1.

(2)- الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن: وسائل الشيعة/ باب 1: زكاة الانعام، ح 2؛ باب 2: زكاة الغلات، ح 1.

56

..........

____________

الإشارة إليها في ذكر الأجناس الّتي تتعلّق بها الزكاة، فلاحظ (1). إنّما الكلام في الحاق السلت بالشعير، و العلس بالحنطة و عدمه، فالمشهور (2)، بل فى «الغنية (3)» دعوى الإجماع عليه، عدم الإلحاق، و لذلك التزموا فيهما باستحباب الزكاة دون وجوبها، و المحكي (4) عن الشيخ (5)، و الحلّي (6)، و العلّامة في بعض كتبه (7)، و الشهيدين (8)، و المحقّق الثّاني (9)، و الميسى- (قدّس اللّه أسرارهم)- هو الوجوب، إلحاقا لهما بالشعير و الحنطة. و استدلّوا له بتنصيص أهل اللغة على أنّ السلت نوع من الشعير، و العلس نوع من الحنطة، و إليك بعض ما جاء من ذلك ففى «القاموس (10)»: «السلت- بالضمّ- الشعير او ضرب منه. و فيه‌

____________

(1)- الجزء الأوّل: ص 234 فما بعد.

(2)- الكاشاني، محمد محسن: مفاتيح الشرائع، ج 1: ص 191، ط مجمع الذخائر الإسلاميّة، قم.

(3)- ابن زهرة، حمزة بن علي: غنية النزوع، ص 566، ط الحجريّة- إيران.

(4)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 15: ص 205، ط النجف الأشرف.

(5)- الطوسي، محمّد بن الحسن: المبسوط، ج 1: ص 217، ط المكتبة المرتضويّة، طهران.

(6)- ابن إدريس، محمّد بن منصور: السرائر، ج 1: صص 428- 429، ط مؤسسة النشر الإسلامي، قم- إيران.

(7)- العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 5: ص 178، ط مؤسّسة آل البيت (عليهم السّلام)، قم؛ قواعد الأحكام، ج 1:، ص 342، ط مؤسسة النشر الإسلامي، قم.

و في «تحرير الأحكام» (ص 59، ط الحجرية- إيران): «استقرب عدم الوجوب فيهما». و قريب منه في «مختلف الشيعة» (ج 3: ص 187، ط مؤسّسة النشر الإسلامي، قم). و فى «منتهى المطلب» (ص 474، ط الحجرية- إيران) استشكل ثبوت الزكاة فيهما.

(8)- الشهيد الأوّل، محمّد بن مكي: البيان/ تحقيق الشيخ محمّد الحسون، ص 283، قم؛ الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الأفهام، ج 1: ص 390، ط مؤسسة المعارف الإسلامية، قم.

(9)- المحقّق الثاني، علي بن الحسين: جامع المقاصد، ج 3: صص 22- 23، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام)، قم.

(10)- الفيروزآبادي، محمّد بن يعقوب: القاموس المحيط، ج 1: ص 150، ط 2، المطبعة الحسينيّة.