المسائل المستحدثة

- السيد محمد صادق الروحاني المزيد...
330 /
7

المقدمة

و صلّى اللّٰه على محمّد و آله الطاهرين، و اللعن الدائم المؤبّد على أعدائهم أجمعين، إلى قيام الدين.

1‌

بما أنّ شريعة الإسلام الخالدة، هي خاتمة الشرائع الإلٰهيّة، لذلك تحتّم أن تتّسع قوانينها و أحكامها بمقدار ما تتّسع له حدود الزمان و المكان من التواجد البشري، و ما يكتنف وجوده من مظاهر الرقيّ و التطوّر.

و هذا- لعمري أحد أسرار إعجاز هذه الرسالة الخاتمة، و برهان ناصع على كونها مسك ختام السلسلة الإلٰهيّة المباركة، التي كان فاتحة وجودها نبيّ اللّٰه آدم (ع)، و خاتمة وجودها أشرف أنبياء اللّٰه تعالى، و أفضل رسله، نبيّ القرآن (محمّد) (ص).

2‌

و من هنا تولّد فقه للمسائل المستحدثة، أعني بها: المسائل التي لم تكن موضوعاتها موجودة في زمن المشرّع، كمسائل زراعة الأعضاء، أو كانت موجودة و لكن طرأت عليها في المرحلة الفعليّة بعض التطوّرات، التي أوجبت تكوين رؤية جديدة حول موقعها في‌

8

منظومة التشريع، كمسألة بيع الدم.

و إنّ قدرة الفقه الإسلامي على استيعاب هذه المسائل، و معالجتها معالجة دقيقة من خلال القرآن الكريم و السنّة المطهّرة، لدليل واضح على كون شريعة الإسلام الخالدة هي الشريعة الخاتمة، التي تستطيع من خلال سعة حدود دائرتها القانونيّة أن تستوعب كلّ جديد حادث، لتضعه في موقعه المناسب له في لائحة التشريع.

3‌

و هذا الكتاب الماثل بين يديك (فقه المسائل المستحدثة) لأحد أكابر فقهاء العصر، يحكي لك حقيقة ما ذكرناه من أصالة التشريع الإسلامي و شموليّته، كما يحكي في الوقت نفسه عن مدى الإبداع العلمي، و قوّة الفقاهة، و دقّة تطبيق الكبريات على صغرياتها، لدى مؤلّفه المعظّم سماحة سيّدي الاستاذ الروحاني (دامت بركات وجوده).

و قد برزت أهمّية هذا الكتاب الشريف من خلال تعدّد طبعاته، و نفوذ نسخه، و اعتماده مرجعاً أساسيّاً لأكثر مَن كتب في فقه المسائل المستحدثة، أو عالجها معالجة درسيّة حوزويّة.

و كان من نِعم اللّٰه- التي لا تحصى علَيَّ: أن شرّفني سماحة مولاي الاستاذ (دام ظلّه) بمراجعة هذا الكتاب، و إعداده للطباعة و النشر للمرّة الخامسة؛ نظراً لندرة نسخه، و عدم مناسبة صورته السابقة مع تقنية الطباعة الحديثة.

فبذلت جهدي، و استفرغت طاقتي في ترقيم الكتاب، و تخريج الآراء الفقهيّة- المذكورة فيه من خلال مصادرها الأساسيّة، و تطبيق التخريجات الموجودة فيه للروايات الشريفة على مصادر تخريجها،

9

مضافاً إلى عنونة بعض مطالب الكتاب عنونة جديدة، و عرض بعض الروايات المشار إليها في مطاويه، و غير ذلك ممّا يتوقّف عليه إعداد الكتاب و إخراجه.

4‌

و يشرّفني- و أنا في نهاية هذه المقدّمة أن اقدّم ثواب ما بذلته من الجهد في إعداد هذا الكتاب هديةً متواضعة إلى سماحة سيّدي الاستاذ (دامت بركات أيّام وجوده) تقديراً لبعض جهوده، و وفاءً لبعض أياديه.

سائلًا من المولى سبحانه و تعالى أن يطيل في عمره الشريف، و يمتّعنا بطول بقائه، و يوفّقنا لأداء بعض حقوقه.

و آخر دعوانا أنّ الحمد للّٰه ربّ العالمين، و صلّى اللّٰه على أفضل بريّته، و أشرف خلقه محمّد و آله الطاهرين، و اللعنة الدائمة المستمرّة على أعدائهم و غاصبي حقوقهم أجمعين أبد الآبدين.

أقلّ تلامذة المؤلّف‌

ضياء السيّد عدنان الخباز القطيفي‌

ليلة الجمعة 22/ 4/ 1425 ه‍‌

حرم آل محمّد (ع)- قم المقدّسة‌

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

مقدّمة المؤلّف

الحمد للّٰه على ما أولانا به من التفقّه في الدين، و الهداية إلى الحقّ، و أفضل صلواته، و أكمل تسليماته على رسوله صاحب الشريعة الخالدة، الكفيلة بإسعاد المجتمع، و معالجة مشاكله، و على آله العلماء باللّٰه، و الامناء على حلاله و حرامه، سيّما بقيّة اللّٰه في الأرضين (عجّل اللّٰه تعالى فرجه الشريف).

و بعد: فمنذ عدّة سنين و أنا احاول الكتابة عمّا يستفاد من الكتاب و السنّة حول المسائل المستحدثة التي اقتضتها طبيعة عصورنا هذه، و لم تكن موجودة في عصر صاحب الشريعة السماويّة الباقية، و عصور أهل بيت العصمة من ذرّيّة الرسول (ص)، و بيان موقف الشريعة الإسلاميّة منها.

و في أثناء هذه المدّة نُبئتُ أنّه عقدت لبحثها المؤتمرات، و أدلى فيها ذوو الآراء بآرائهم، و على رغم ما تناولها من البحث، و تعدّد الآراء، فإنّها لا تزال غضَّة.

و أخيراً اجتمع جملة من الأفاضل، و سألوني أن أجعل تلك المسائل محوراً للبحث، فأجبت مسئولهم، و نزلت عند رغبتهم،

12

و ألقيت في أيّام العطلة (من شهر رمضان المبارك سنة 1384 ه‍) بعض المحاضرات في تلك الموارد، و بيّنت حكم الشريعة الإسلاميّة بالنسبة لكلّ مشكلة منها، و كنت ادوّن ما ألقيه إليهم في محاضراتي، فلمّا تمّ تأليف الكتاب رأيت من الأوْلى نشره و إخراجه إلى عالم الظهور.

و الحمد للّٰه ربّ العالمين‌

محمّد صادق الحسيني الروحاني‌

ايران/ قم/ الحوزة العلميّة‌

سنة 1391 ه‍‌

13

فقه‌

المسائل المستحدثة‌

تقرأ في هذا الكتاب بحوثاً فقهية استدلاليّة حول:

التلقيح الصناعي السرقفليّة‌

الأوراق النقديّة الأوراق التجارية (الكمبيالات)

الحوالات المستحدثة أعمال البنوك‌

عقد التأمين أوراق اليانصيب‌

الشوارع المفتوحة التشريح‌

زرع الأعضاء الذبح بالأجهزة الحديثة‌

تحديد النسل و تنظيمه وظيفة ركّاب الطائرة‌

صلاة و صيام أهل القطبين بيع المذياع و التلفزيون‌

الكحول الصناعيّة التصوير الفوتغرافي‌

حقّ التأليف حقّ امتياز نشر الأخبار‌

المباراة‌

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

المسألة الاولى التلقيح الصناعي

و تقرأ فيها:

حقيقة التلقيح و تأريخه‌

حكم التلقيح الصناعي في الشريعة الإسلاميّة‌

أحكام الحمل الناتج عن التلقيح الصناعي في الشريعة الإسلاميّة‌

حكم إلحاق الحمل بالزوج‌

حكم إلحاق الحمل بالزوجة‌

حكم إلحاق الحمل بصاحب الماء‌

حكم زواج صاحب الماء بالحمل إن كان انثى‌

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

من الموضوعات المستحدثة: التلقيح الصناعي، و قد كثر البحث عنه في المجامع العالميّة، فأحاله مجلس العموم البريطاني إلى لجنة مختصّة لبحثه، و في فرنسا قال الأطباء: إنّه جائز إذا كان بموافقة الزوجين، و في إيطاليا أصدر البابا أمراً بالتحريم، و في مصر حكم الشيخ شلتوت بأنّ التلقيح الصناعي أفظع جرماً من التبنّي.

و البحث عن هذا الموضوع من جهات:

1- حقيقة التلقيح و تأريخه.

2- حكم التلقيح الصناعي في الشريعة المقدّسة.

3- حكم إلحاق الحمل الناتج عن التلقيح بكلّ من: الزوج، و الزوجة، و صاحب الماء.

4- حكم زواج صاحب الماء بالحمل الناتج عن التلقيح إن كان انثى.

حقيقة التلقيح و تأريخه:

من المعلوم أنّ قصد الإنجاب عن طريق التلقيح موجود منذ القِدم، و قد استخدموه في النبات و الحيوان، و حصلت منه ثمار جيّدة، و أنواع حسنة من الحيوان، و قد دفعهم ذلك إلى إجراء التجارب التلقيحيّة على المرأة بماء الرجل،

18

و فعلًا نجحت هذه التجارب، و تكوّن به الجنين، و استكمل حياته الرحميّة، و خرج إنساناً سوي الخلقة، و بعد هذه التجارب اتّخذ سبيلًا لتحقيق الرغبة في الولد إذا كان الزوج عقيماً لا يولد له، بأن تؤخذ نطفة رجل أجنبي، و تلقّح المرأة تلقيحاً صناعياً بها دون مقاربة.

حكم التلقيح الصناعي في الشريعة الإسلاميّة:

إن كان التلقيح بماء الرجل لزوجته، كان ذلك عملًا مشروعاً- على ما ستقف عليه و إن كان بماء الأجنبي، فما استدلّ به، أو يمكن أن يستدلّ به لحرمته وجوه:

الوجه الأوّل: إنّ الآية الكريمة: (وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (1) تدلّ على ذلك، فإنّها متضمّنة للأمر بحفظ الفرج، و لم يذكر فيها متعلّق الحفظ، كما لم يخصّص بالمقاربة، و هذا آية العموم؛ لأنّ حذف المتعلّق يفيد العموم، فمقتضى عموم الآية الشريفة لزوم حفظ العضو من كلّ شي‌ء حتّى التلقيح.

و فيه: إنّ الظاهر من الآية الشريفة لزوم حفظ العضو من الغير، أعمّ من المقاربة و النظر و غيرهما، و لا تدلّ على لزوم حفظه على المرأة من نفسها أو زوجها، فتصرُّفُ أحدهما فيه و لو بإدخال جسم فيه، و إفراغ ماء أو جسم سيّال آخر فيه، لا يكون مشمولًا للآية الكريمة.

و عليه: فإذا اخذت نطفة رجل أجنبي، و افرغت في الرحم عن طريق جسمٍ ما، فإنّ إدخال ذلك الجسم الجامد المشتمل على النطفة في العضو، سواء كان بيد الزوج أم لم يكن لا يكون حراماً، و إفراغ النطفة في الرحم لا تكون الآية الشريفة‌

____________

(1) سورة النور: الآية 31.

19

مربوطة به، مع أنّه قد ورد في النصوص تفسير هذه الآية بأنّ المراد منها: الحفظ من النظر خاصّة، و أمّا الآيات الاخر الواردة في حفظ الفرج، و هما آيتان في سورة المعارج و المؤمنون: (وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ* إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ)* (1)، فهي مع اختصاصها بالرجل، ظاهرة فيما ذكرناه، سيّما بقرينة ما في ذيلها.

الوجه الثاني: النصوص المتضمّنة لحرمة الإنزال في فرج المرأة المحرّمة، الدالّة على حرمة جعل نطفة الأجنبي في الرحم، و منها:

خبر عليّ بن سالم، عن الإمام الصادق (ع): «إنَّ أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة رجلًا أقرّ نطفته في رحم يحرم عليه» (2).

و مرسل الصدوق (قدس سره)، قال: قال النبيّ (ص): «لن يعمل ابن آدم عملًا أعظم عند اللّٰه عزّ و جلّ من رجل قتل نبيّاً، أو إماماً، أو هدم الكعبة التي جعلها اللّٰه قبلة لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حراماً» (3).

و فيه: إنّ الظاهر منها مباشرة الأجنبي في ذلك، الظاهر في مقاربته إيّاها، مع أنّها متضمّنة للعقاب على إفراغ الماء في الفرج المحرّم عليه، و لا تدلّ على أنّه حرام مطلقاً، فلا يصحّ الاستدلال بها في المقام.

الوجه الثالث: إنّا علمنا من طريقة الشرع، و تحذيره و تشديده في أمر الفروج، و مبدأ تكوّن الولد، أنّها لا تستباح إلّا بإذن شرعي، و مجرّد احتمال الحرمة كافٍ‌

____________

(1) سورة المؤمنون: الآيات 5- 7، و: سورة المعارج: الآيات 29- 31.

(2) الوسائل: الباب 4 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث 1.

(3) الوسائل: الباب 4 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث 2.

20

في وجوب الكفّ و الاحتياط، فلاحظ:

صحيح شعيب الحدّاد، قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): رجل من مواليك يقرؤك السلام، و قد أراد أن يتزوّج امرأة، و قد وافقته، و أعجبه بعض شأنها، و قد كان لها زوج فطلّقها على غير السنّة، و قد كره أن يُقدم على تزويجها حتّى يستأمرك، فتكون أنت تأمره، فقال أبو عبد اللّه (ع): «هو الفرج، و أمر الفرج شديد، و منه يكون الولد، و نحن نحتاط، فلا يتزوّجها» (1).

و خبر العلاء بن سيّابة، عن الإمام الصادق (ع): عن امرأة وكّلت رجلًا بأن يزوّجها من رجل- إلى أن قال: فقال (ع): «إنّ النكاح أحرى، و أحرى أن يحتاط فيه، و هو فرج، و منه يكون الولد» (2).

و تقريب الاستدلال بها: أنّه علّل عدم جواز النكاح بمطلوبيّة الاحتياط و لزومه في هذا الباب، من ناحية أنّ منه يكون الولد، و مقتضى عموم العلّة لزوم الاحتياط فيما هو مبدأ تكوّن الولد، و عليه: فلو شكّ في جواز التلقيح الصناعي لا سبيل إلى الرجوع إلى البراءة، بل المرجع هو أصالة الاحتياط المتّفق عليها في هذا الباب، فالأظهر عدم جواز التلقيح بنطفة رجل أجنبي.

حكم إلحاق الحمل الناتج عن التلقيح بالزوج:

ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّ الحمل- لو تحقّق بمن يلحق، و الكلام فيه في موارد:

المورد الأوّل: حكم إلحاق الحمل بالزوج‌

لا إشكال في أنّه إذا لقّحت المرأة بنطفة الأجنبي و قاربها زوجها، و احتمل تكوّن‌

____________

(1) الوسائل: الباب 157 من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الحديث 1.

(2) الوسائل: الباب 157 من أبواب مقدّمات النكاح و آدابه، الحديث 3.

21

الولد من ماء الزوج، فالحمل يكون ملحقاً بالزوج؛ لقاعدة الفراش المستفادة من قوله (ص): «الولد للفراش» و الذي وصل إلينا بالأخبار المستفيضة، و قد استدلَّ به المعصومون (ع) في أبواب متفرّقة (1).

إنّما الكلام فيما إذا لم يحتمل تكوّن الولد من ماء الزوج، إذ قد يتوهّم أنّ مقتضى عموم قوله (ص): «الولد للفراش» إلحاقه بالزوج.

و بيان المقصود من قاعدة الفراش: و توطئة لبيان ما هو الحقّ، يحسن بنا أن نشرح الحديث الشريف: «الولد للفراش و للعاهر الحجر».

أمّا قوله (ص): «الولد للفراش» فيحتمل فيه وجهان:

أحدهما: أنّ الولد لصاحب الفراش، و هو الزوج أو المولى.

ثانيهما: ما عن المصباح المنير (2)، و هو أنّ الفراش: الزوج و الزوجة؛ لأنّ كلّ واحد من الزوجين يسمّى فراشاً للآخر، كما سمّي كلّ واحد منهما لباساً للآخر (3)، و عليه: فلا يحتاج إلى التقدير كما في الأوّل.

و لا يعتبر في الزوجة- بخلاف الأمة أن يعلم بالدخول؛ إذ الفراش يصدق بدون الوطء، بل لو علم بعدمه يلحق به الولد لصدق الفراش بالعقد، غاية الأمر مع احتمال الإنزال كما يشهد به خبر أبي البختري (4) الآتي، و غيره.

و المعروف بين الأصحاب: أنّ قاعدة الفراش قاعدة مضروبة لمقام الشكّ‌

____________

(1) لاحظ: الوسائل: الباب 58 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.

(2) المصباح المنير: مادة «فرشتُ».

(3) في قوله تعالى: (هُنَّ لِبٰاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ) سورة البقرة: الآية 187.

(4) الوسائل: الباب 15 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.

22

في كون الولد للزوج، و لذا اشترط الأصحاب للحقوق الولد بالزوج شروطاً، منها: احتمال الإنزال، و قد دلّت عليه مجموعة من النصوص.

منها: خبر الإمام جعفر بن محمّد (ع) المروي عن قرب الإسناد، عن أبيه (ع)، عن أمير المؤمنين (ع): جاء رجل إلى رسول اللّٰه (ص) فقال: كنت أعزل عن جارية لي، فجاءت بولد، فقال (ص): «إنّ الوكاء قد ينفلت»، فألحَقَ به الولد (1)، و لو كان مجرّد تحقّق الفراش كافياً في إلحاق الولد لم يكن وجه لتعليله (ص) الإلحاق بأنّ الوكاء قد ينفلت، الذي هو كناية عن أنّ المنيّ قد يسبق من غير أن يشعر به.

و لا مفهوم له كي يدلّ على انحصار إلحاق الولد بالفراش، و أنّه لا يلحق مع عدمه، كما لا يخفى.

و أمّا قوله (ص): «و للعاهر الحجر»، فيحتمل فيه معنيان:

أحدهما: كون الحجر كناية عن الحرمان و الخيبة، بمعنى أنّه لا شي‌ء له، كما يقال: له التراب.

ثانيهما: أنّه كناية عن الرجم بالأحجار.

و لكنّ الثاني بعيد؛ إذ العاهر إن كان محصناً يرجم بالأحجار، و إلّا يجلد، و حمله فيه على إرادة العنف عليه و الإغلاظ به، بتوفيته الحدّ الذي يستحقّه من الجلد، بعيد.

فالمتعيّن هو الأوّل، و العاهر هو الزاني، و على ذلك فالمستفاد من الخبر: أنّ الولد يلحق بالزوج مع إمكانه، و لا يلحق بالزاني.

و على هذا التمهيد، فمع العلم بأنّ الحمل ليس من ماء الزوج، بل من النطفة الملقّحة‌

____________

(1) الوسائل: الباب 15 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.

23

لا وجه للإلحاق به، و التبنّي في الإسلام غير جائز: (وَ مٰا جَعَلَ أَدْعِيٰاءَكُمْ أَبْنٰاءَكُمْ) (1).

حكم إلحاق الحمل الناتج عن التلقيح بالزوجة:

المورد الثاني: حكم إلحاق الحمل‌

و الظاهر إلحاقه بها، و كونها أُمّاً له؛ إذ في صورة الزنا و إن لم يلحق الولد بامّه، كما هو المشهور، خلافاً للصدوق (2) و أبي عليّ (3) و أبي الصلاح (4).

و يشهد به صحيح عبد اللّه بن سنان، عن الإمام الصادق (ع)، قال: سألته فقلت له: جعلت فداك، كم دية ولد الزنا؟ قال: «يعطى الذي أنفق عليه ما أنفق عليه»، قلت: فإنّه مات و له مال، مَن يرثه؟ قال (ع): «الإمام» (5).

و خبر محمّد بن الحسن القمّي، قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (ع) معي، يسأله عن رجل فجر بامرأة، ثمّ إنّه تزوّجها بعد الحمل، فجاءت بولد هو أشبه خلق اللّٰه به؟ فكتب بخطّه و خاتمه: «الولد لغية لا يورث» (6).

فإنّ إطلاقهما، كعموم التعليل في الأخير يشمل الامّ.

و يشهد له أيضاً صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق (ع): أيّما رجل وقع‌

____________

(1) سورة الأحزاب: الآية 4.

(2) المقنع: 505.

(3) فتاوى ابن الجنيد: 337.

(4) الكافي: 377.

(5) الوسائل: الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه، الحديث 3.

(6) الوسائل: الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه، الحديث 2.

24

على وليدة قوم حراماً، ثمّ اشتراها فادّعى ولدها، فإنّه لا يورث منه شي‌ء، فإنّ رسول اللّٰه (ص) قال: «الولد للفراش و للعاهر الحجر، و لا يورث ولد الزنا إلّا رجل يدّعي ابن وليدته» (1)، و نحوه غيره.

و الاستدلال للإلحاق بخبر إسحاق بن عمّار، عن جعفر (ع)، عن أبيه (ع): أنّ عليّاً (ع) كان يقول: «ولد الزنا و ابن الملاعنة: ترثه امّه، و إخوته لُامّه، أو عصبتها» (2).

و بما عن يونس: «إنّ ميراث ولد الزنا لقرابته من قِبل امّه على ميراث ابن الملاعنة» (3) غير صحيح؛ لضعف سند الأوّل بغياث بن كلوب و غيره، و الوقف إلى الراوي من دون نسبته إلى الإمام في الثاني، أضف إلى ذلك موافقتهما للعامّة، فيحملان على التقيّة، أو على كون أُمّه زانية، فإنّها و أقاربها يرثونه حينئذٍ لثبوت النسب الشرعي بينهم، فيكون كولد الملاعنة.

و لكن في غير مورد الزنا، و إن كان مبدأ تكوّن الولد على وجه غير شرعي، كما لو جامع امرأته و هي حائض، أو في صوم رمضان، أو جامعها و ساحقت جارية فحبلت الجارية من ماء الرجل المنتقل إليها، أو غير ذلك من الموارد، و الولد يكون ملحقاً بها لتكوّنه في رحمها، و يسمّى ولداً لغةً و عرفاً، و لم يدلّ دليل شرعي على خلافه؛ لاختصاص ما دلّ على نفي الولد بالزنا، بل مقتضى عموم الآية الكريمة: (إِنْ أُمَّهٰاتُهُمْ إِلَّا اللّٰائِي وَلَدْنَهُمْ) (4)، حيث جعل المولدة مطلقاً أُمّاً:

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه، الحديث 1.

(2) الوسائل: الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه، الحديث 9.

(3) الوسائل: الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة و ما أشبهه، الحديث 6.

(4) سورة المجادلة: الآية 2.

25

كونُ المتولّد ابناً أو بنتاً شرعاً على حسب القانون اللغوي.

حكم إلحاق الحمل الناتج عن التلقيح بصاحب الماء:

المورد الثالث: حكم إلحاق الحمل بصاحب النطفة- إن كان معلوماً و لم يحتمل تكوّن الولد من ماء الزوج.

و الظاهر لحوقه به، و قد أفتى كثير من الأصحاب كالشيخ (ره) في محكي النهاية (1) و أتباعه، و الشهيد الثاني في المسالك (2)، و المحقّق في الشرائع، و غيره (3)، و سيّد الرياض (4)، و صاحب الجواهر (5)، و غيرهم (6) بإلحاق الولد بصاحب الماء لو وطء زوجته فساحقت بكراً، فحملت، و تلك المسألة و المقام من باب واحد، بل الإلحاق في المقام أوْلى من الإلحاق فيها.

و شاهد اللحوق به: انخلاقه من مائه، و تسميته ولداً لغةً، و الأصل عدم النقل، و قوله (ص): «للعاهر الحجر» مختصّ بالزاني، و قوله (ص): «الولد للفراش» قد عرفت أنّه جعل لقاعدة في ظرف الشكّ، و لا مفهوم له كي يدلّ على انتفاء النسب بانتفاء الفراش.

____________

(1)) النهاية: 707.

(2) المسالك: 14/ 421.

(3) الشرائع: 4/ 161. و المختصر النافع: 97.

(4) الرياض: 10/ 105.

(5) جواهر الكلام: 41/ 396.

(6) كالفاضل الآبي (قدس سره) في كشف الرموز: 2/ 563. و العلّامة الحلّي (قدس سره) في قواعد الأحكام: 3/ 538. و مختلف الشيعة: 9/ 182. و الشهيدين (قدس سره) في اللمعة الدمشقيّة: 9/ 161. و الفاضل الهندي (قدس سره) في كشف اللثام: 2/ 409.

26

و بالجملة: يصدق الولد عليه عرفاً، و المانع الشرعي منتفٍ؛ إذ ليس إلّا الزنا، و التلقيح ليس منه لا عرفاً و لا شرعاً.

و يمكن أن يستشهد له بما ورد في المساحقة، التي يكون الإلحاق في المقام أوْلى منه فيها، كصحيح ابن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر و أبا عبد اللّه (ع) يقولان: «بينما الحسن بن عليّ (ع) في مجلس عليّ أمير المؤمنين (ع)؛ إذ أقبل قوم فقالوا: يا أبا محمّد، أردنا أمير المؤمنين (ع)، قال: و ما حاجتكم؟، قالوا: أردنا أن نسأله عن مسألة، قال: و ما هي؟ تخبرونا بها؟ قالوا: امرأة جامعها زوجها، فلمّا قام عنها قامت بحموتها (1) فوقعت على جارية بكر فساحقتها، فوقعت النطفة فيها، فحملت، فما تقول؟ فقال الحسن (ع): يعمد إلى المرأة، فيؤخذ منها مهر الجارية البكر في أوّل وهلة؛ لأنّ الولد لا يخرج منها حتّى تشقّ فتذهب عذرتها، ثمّ ترجم المرأة لأنّها محصنة، و ينتظر بالجارية حتّى تضع ما في بطنها، و يردّ إلى أبيه صاحب النطفة، ثمّ تجلد الجارية الحدّ (2).

و قريب منه خبر إسحاق بن عمّار، عن الإمام الصادق (ع) (3).

و اوردَ على الاستدلال بهما بوجهين:

أحدهما: إنّ الولد غير مولود على فراش الرجل، فكيف يصحّ إلحاقه؟

و فيه: إنّه قد عرفت أنّ قاعدة الفراش قاعدة ظاهريّة مضروبة لحال الشكّ، و لا تدلّ على نفي الولد بانتفاء الفراش، فراجع، مع أنّه لو كان لدليلها مفهوم،

____________

(1) حَموة الشي‌ء: شدّته و سَوْرَته.

(2) الوسائل: الباب 3 من أبواب حدّ السحق و القيادة، الحديث 1.

(3) الوسائل: الباب 3 من أبواب حدّ السحق و القيادة، الحديث 2.

27

و كان دالّاً على انتفائه، كان الخبران أخصّ منه فيقيّد إطلاقه بهما.

ثانيهما: إنّ أصحابنا لا يرجمون المساحِقة، و لا يرون مهراً لبغي، و الخبران بما أنّهما متضمّنان لرجم المساحِقة، و إلزام المهر على الفاعلة مع أنّها لم تُكره المفعولة؛ و لذا تجلد، لا يكونان معمولًا بهما.

و فيه:

أوّلًا: إنّ المساحقة إذا كانت محصنة ترجم عند الشيخ (1)، و القاضي (2)، و ابن حمزة (3)، و مال إليه في المسالك (4)، و أمّا المهر فالوجه فيه كونها سبباً في ذهاب العذرة، و ديتها مهر نسائها، و ليست هي كالزانية في سقوط دية العذرة؛ لأنّ الزانية أذنت في الافتضاض، بخلاف هذه.

ثانياً: عدم العمل ببعض الخبر جمعاً بينه و بين أخبار أُخر، لا يوجب عدم العمل ببعضه الآخر الذي لا معارض له.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه في هذه الجهة: أنّه لو حملت المرأة بالتلقيح، فإن كان ذلك بتلقيح نطفة الزوج، فلا إشكال في الإلحاق بهما، و إن كان بتلقيح نطفة الأجنبي، فالمرأة إن كان لها زوج و قاربها، و احتمل تكوّن الولد من مائه، يلحق الولد‌

____________

(1) النهاية: 706.

(2) المهذّب: 2/ 531.

(3) الوسيلة: 413.

(4) حكى ميله إليه سيّد الرياض (قدس سره) في موسوعته الفقهيّة: رياض المسائل: 16/ 21، و لكن الذي يظهر من عبارة المسالك خلاف ذلك، حيث يقول (قدس سره) في (14/ 413): و الحدّ في السحق مائة جلدة.. محصنة كانت أو غير محصنة، للفاعلة و المفعولة، و قال في النهاية: ترجم مع الإحصان، و تحدّ مع عدمه، و الأوّل أوْلى. و اللّٰه العالم.

28

بالزوجين، و إن لم يحتمل ذلك لا يلحق بالزوج، بل يثبت النسب بين الحمل و امّه و صاحب النطفة، و كذلك إن لم يكن لها زوج يثبت النسب بين الحمل و بين الأبوين.

حكم زواج صاحب الماء بالحمل إن كان انثى:

و على ما اخترناه من إلحاق الولد بصاحب الماء، فلا إشكال في حرمة الحمل إن كان بنتاً عليه.

و أمّا على القول الآخر الذي ذهب إليه بعض فقهاء الطائفة (1)، فهل تحرم عليه أم لا؟

قد يقال: بالتحريم؛ لعدّة جهات:

الاولى: من جهة أنّ قبح نكاح الإنسان ببنته لغةً، و إن لم تكن البنتيّة شرعيّة، أو اخته كذلك، ذاتي و العقل مستقلّ به، و في الخبر (2) الوارد في بدوّ النسل من ذرّيّة آدم، عن الإمام الصادق (ع) التصريح بذلك، بل فيه: «إنّ بعض البهائم تنكرت له اخته، فلمّا نزا عليها و نزل كُشفَ له عنها، و علم أنّها اخته، أخرجَ غرموله، ثمّ قبض عليه بأسنانه، ثمّ قلعه، ثمّ خرّ ميّتاً»، و بالملازمة بين حكم العقل و الشرع تستكشف الحرمة الشرعية.

الثانية: أنّ مدار تحريم النسبيات السبع على اللغة، و هي لانخلاقها من مائه بنت له لغة، و إن لم تكن بنتاً له شرعاً.

و الثالثة: أنّ الإجماع قائم عليه.

____________

(1) ذهب إليه ابن إدريس (قدس سره) في السرائر: 3/ 465.

(2) علل الشرائع: 1/ الباب 17- باب كيفيّة بدوّ النسل، الحديث 1.

29

و الرابعة: أنّها كافرة قياساً لها بولد الزنا، و لا يحلّ لمسلم نكاحها.

و الخامسة: أنّ الإنسان لا ينكح بعضه بعضاً، كما ورد في بعض النصوص (1) النافية لخلق حواء من آدم.

و السادسة: أنّ الأصل في هذا الباب كما تقدّم هو الاحتياط، فالشكّ في الجواز مع عدم الدليل عليه، يكفي في الحكم بالحرمة.

و لكن لو كان دليل يدلّ على نفي الولديّة، لكان أكثر هذه الأدلّة، و هي الأوّلان و الخامس باطلة؛ إذ المنفي شرعاً كالمنفي عقلًا.

و ما يبقى واضح الدفع:

إذ الإجماع لا يستند إليه مع معلوميّة مدرك المجمعين.

و ولد الزنا لا يكون كافراً، فضلًا عمّن تولّد بالتلقيح.

و أصالة الاحتياط لا يرجع إليها في مقابل العمومات.

إلّا أنّه على فرض تسليم عدم الحكم بالنسب الشرعي لعدم الفراش، و بما أنّه لا دليل على نفي النسب، بحيث يكون له إطلاق بالإضافة إلى جميع الأحكام، فالرجوع إلى عموم ما دلَّ على تحريم النسبيات السبع (2)، أو أصالة الاحتياط هو المتعيّن.

فالأظهر حرمتها عليه.

____________

(1) علل الشرائع: 1/ الباب 17- باب كيفيّة بدوّ النسل، الحديث 1.

(2) و هو قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ وَ أَخَوٰاتُكُمْ وَ عَمّٰاتُكُمْ وَ خٰالٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُ الْأَخِ وَ بَنٰاتُ الْأُخْتِ) سورة النساء: الآية 23.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

المسألة الثانية السرقفليّة

و تقرأ فيها:

تأريخ السرقفليّة و أنواعها‌

حكم النوع الأوّل من السرقفليّة‌

بحث حول حقيقة الحقّ و أقسامه‌

حكم النوع الثاني من السرقفليّة‌

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

من الموضوعات المستحدثة: السرقفليّة، التي هي كلمة فارسيّة ترمز إلى ما تعارف في هذا الزمان، من أخذ مقدار من المال بإزاء تفويض المالك أو المستأجر حقّ إيجار العين إلى أي شخص شاء، و في أيّة مدّة أراد، و بأيّة قيمة توافقا عليها.

و الكلام فيها في مواضع:

تأريخ السرقفليّة و أنواعها:

الموضع الأوّل: تأريخها، و الظاهر أنّها وليدة الأيّام المتأخّرة، و الأصل فيها أنّ مجلس النوّاب في إيران وضع قانوناً في باب الإجارة، و هو أنّه ليس للمالك المؤجّر إخراج المستأجر، و أخذ العين المستأجرة منه بعد انقضاء مدّة الإجارة، و لا أن يزيد في كرائها خلافاً للقانون الشرعي، و اتّفق بعد ذلك غلاء الأسعار، و بالطبع زاد كراء الأملاك، فاضطرّ ملّاك الأماكن من الدكاكين و الفنادق و المنازل و غيرها- لأجل تنمية الثروة أن يؤجّروا أماكنهم بأنقص من كرائها، و يفوّضوا أمر الإيجار إلى المستأجرين، بإزاء مقدار من المال، فمثلًا: يأخذ المالك ألف تومان بعنوان السرقفليّة، و مائة تومان بعنوان الإجارة السنوية، و بإزاء السرقفليّة يفوّض أمر الإيجار بعد مضيّ السنة إلى المستأجر، و قد صار ذلك أمراً عرفيّاً شائعاً في الأسواق.

ثمّ إنّ السرقفليّة على نوعين:

34

أحدهما: ما يأخذه المالك من المستأجر.

ثانيهما: ما يأخذه المستأجر الأوّل من غيره.

فينبغي لنا أن نبحث في النوعين:

حكم النوع الأوّل من السرقفليّة:

الموضع الثاني: في البحث حول النوع الأوّل من السرقفليّة، و بيان ما هو حكم الشريعة في المبلغ المأخوذ من المستأجر.

و قد يقال كما عن بعض الأساطين: بأنّ حقّ الإيجار- الذي صار حقّاً للمستأجر ممّا له ماليّة في اعتبار العقلاء، و هو قائم بالعين، و يقابل بالعوض، كنفس العين المستأجرة من حيث منافعها، فتكون المعاملة من سنخ البيع، و تشملها العمومات من غير قصور، و ليس هناك ما يصلح للمانعيّة، سوى توهّم أنّه أكل للمال بالباطل، و قد عرفت بالتقريب المذكور وهنه، فالحكم بالصحّة واقع في محلّه بلا ريب (1).

حقيقة الحقّ و أقسامه:

و قبل بيان ما يرد على هذا الوجه، لا بدّ لنا من تقديم مقدّمة، و هي: أنّه في الأدلّة عناوين ثلاثة: الملكيّة، و الحكم، و الحقّ.

أمّا الملكيّة و الحكم: فحقيقتهما واضحة مذكورة في محلّهما (2).

____________

(1) لعلّ ذلك يستظهر من كلمات المحقّق الخوئي (قدس سره) في كتاب الإجارة من «المستند في شرح العروة الوثقى»: 512.

(2) سيأتي منه (دام ظلّه) بيان حقيقة الملكية في الصفحة 296.

35

و أمّا الحقّ: فهو في اللغة بمعنى الثبوت، و بهذا الاعتبار يطلق عليه سبحانه و تعالى: الحقّ.

و أمّا بحسب الاصطلاح فهو عبارة عن: اعتبار السلطنة على شي‌ء أو شخص في جهة خاصّة، فمثلًا: حقّ الخيار عبارة عن السلطنة على الفسخ و الامضاء، و حقّ الشفعة عبارة عن السلطنة على ضمّ حصّة الشريك إلى حصّته بتملّكه عليه قهراً.

و لا يخفى أنّ هذا ليس حقيقة شرعيّة له؛ إذ مضافاً إلى عدم الدليل عليه: أنّ الحقّ يستعمل كثيراً في الأخبار و كلمات علمائنا الأبرار في الحكم، و عليه فتشخيص كون مورد خاصّ من قبيل الحكم أو الحقّ بالمعنى الذي ذكرناه، يتوقّف على ملاحظة الخصوصيّات و القرائن، و لا يستفاد ذلك من مجرّد إطلاق الحقّ عليه.

و أمّا أقسامه فقد جعل الشيخ الأعظم (قدس سره) له أقساماً:

الأوّل: ما لا يقبل المعاوضة بالمال، أي: لا يقبل النقل، و لا الإسقاط، كحقّ الحضانة و الولاية.

الثاني: ما يقبل الإسقاط، و لا يقبل النقل، كحقّ الشفعة و الخيار.

الثالث: ما يكون قابلًا للنقل و الانتقال و الإسقاط، كحقّ التحجير (1).

و العلّامة (قدس سره) جعل ما يصحّ نقله و إسقاطه إلى قسمين:

أحدهما: ما يصحّ ذلك فيه بالعوض و مجّاناً.

و ثانيهما: ما لا يصحّ ذلك فيه إلّا مجّاناً، كحقّ القسم، فإنّ لكلّ من الأزواج نقله إلى ضرّتها، و إسقاطه، إلّا أنّه ليس لها أخذ المال بإزاء ذلك (2).

____________

(1) المكاسب: 3/ 8.

(2) قواعد الأحكام: 2/ 47.

36

و لا كلام في عدم صحّة جعل ما هو من قبيل القسم الأوّل- أي: ما لا يقبل الانتقال و الإسقاط عوضاً، و أخذ المال بإزائه، و كذلك لا يجوز أخذ المال بإزاء ما يقبل ذينك الأمرين، إلّا أنّه لا بدّ و أن يكون مجّاناً و بلا عوض.

إنّما الكلام في الأقسام الاخر، و الحقّ عندنا خلافاً للمحقّق النائيني (ره) (1) صحّة جعل كلّ منها عوضاً، غاية الأمر: فيما لا يقبل الانتقال يصحّ جعل إسقاطه عوضاً، و قد أشبعنا الكلام في ذلك في الجزء الثالث من كتابنا منهاج الفقاهة، و الجزء الخامس عشر من كتابنا فقه الصادق (2).

هذا فيما إذا عُلم حال الحقّ، و لو شكّ في كون شي‌ء حكماً أو حقّاً، و على فرض كونه حقّاً من أي قسم من الأقسام، لا يصحّ إيقاع المعاملة عليه؛ لأصالة عدم الانتقال، و عدم السقوط.

إذا عرفت هذه المقدّمة، تعرف أنّ أخذ المال بإزاء إعطاء المالك حقّ الايجار للمستأجر، لا يصحّ؛ إذ لا يظهر من دليله كونه من الحقوق القابلة للانتقال، و بناء العرف عليه في هذا الزمان لا يجدي، فالحقّ عدم تماميّة هذا الوجه.

و قد يقال لتصحيح هذه المعاملة: بأنّ المالك إذا آجر ماله، له أن يشترط على المستأجر و على نفسه ما يشاء، فيقال في المقام: إنّه يؤجّر ماله، و يشترط في ضمنه شرطين:

أحدهما: أن يقرضه المستأجر مبلغاً معيّناً.

و ثانيهما: أنّه يشترط على نفسه؛ بأن لا يمنعه عن إيجار المحل لمن شاء عند انتهاء‌

____________

(1) منية الطالب: 1/ 108.

(2) فقه الصادق: 15/ 206. منهاج الفقاهة: 3/ 19.

37

مدّة الإجارة أو قبلها.

و هذا الوجه أيضاً غير تامّ، فإنّه و إن كان لا يرد عليه أنّ الشرط الثاني شرط يجرّ نفعاً للمقرض، و هو ملحق بالربا؛ إذ الشرط الثاني شرط في ضمن عقد الإجارة، لا في عقد القرض.

و لكن يرد عليه: أنّ المعاملات الخارجيّة ليست كذلك.

و أضف إلى ذلك: أنّ عدم المنع من الإيجار لا يكفي، بل لا بدّ و أن يكون مسلّطاً على الإيجار.

فإن قيل: إنّه يعطيه هذه السلطنة.

قيل: إنّه يرجع إلى الوجه السابق، و قد عرفت ما فيه.

و أوهن من هذا الوجه، ما أفاده بعضهم: من أنّ هذين الشرطين، و إن لم يصرّح بهما في ضمن العقد، إلّا أنّهما من الشروط الضمنيّة المبنية عليها العقود، فكما أنّ كون الثمن نقداً، و تسليم المشتري إيّاه من الشروط الضمنيّة، و يقتضيه إطلاق العقد، و يكون الانصراف إليه كقرينة نوعيّة على أخذه في متن العقد، و هذا يغني عن إدخاله في صريح الإنشاء العقدي، كذلك فيما نحن فيه؛ لأنّ بناء العرف في هذا الزمان على أنّ المالك لا يخرج المستأجر إلّا برضاه، و لا يتخلّف المالك عن عقد الإيجار معه بعد انتهاء مدّة الإجارة.

فإنّه يرد عليه- مضافاً إلى ما تقدّم: أنّ عدم إخراجه فعلًا، لا يكون موجباً لأن يكون ذلك من الشروط الضمنيّة، التي يجب الوفاء بها من قِبل المالك، و موجباً للانصراف إليه، فتأمّل.

و بما ذكرنا ظهر عدم تماميّة ما قيل لتصحيح هذه المعاملة:

38

بالالتزام بالصلح: بأن يتصالح الطرفان على أن يدفع المستأجر مبلغاً من المال، بإزاء عدم مزاحمة المالك للمستأجر، في إيجار المحل لمن شاء، عند انتهاء المدّة أو قبلها.

أو بالالتزام بالجعالة: بأن يدفع المستأجر مبلغاً، كجعالة إلى المالك، على أن لا يزاحمه في الإيجار.

فإنّه قد مرّ أنّ عدم المزاحمة لا يكفي، و إعطاء السلطنة على الإيجار لا يصحّ مع عدم العلم بأنّها قابلة للانتقال أم لا، و لم يدلّ دليل عليه، و مقتضى الأصل عدمه، فلا يصحّ الصلح، و لا الجعالة.

و الحقّ في المقام أنّه يمكن تصحيح هذه المعاملة بطريقين:

الطريق الأوّل: أن يؤجّر المالك ماله بمبلغ سنوياً، مع إضافة مأخوذة بعنوان السرقفليّة، بحيث تكون الإضافة جزءاً للعوض، و يشترط للمستأجر أن لا يزاحمه في الجلوس في المحلّ، و لا يزيد في كرائه السنوي، و يجدّد الإجارة بعد انتهاء مدّتها على نحو المبلغ السنوي، و أنّه لو خلّى المستأجر المحلّ، و أعطاه لشخص آخر، فإنّ المعاملة مع الثالث تكون على ذاك المنهج، فمثلًا: يؤجّر الفندق بألف و مائتين تومان سنوياً، في كلّ شهر مائة تومان، مع إضافة خمسة آلاف تومان، و يشترط للمستأجر أن يكون له كامل الحرية في الفندق بعد انتهاء المدّة في الجلوس فيه، مع الإجارة في كلّ شهر مائة تومان، و أن يتحوّل عنه و يسكنه غيره بتلك الإجارة، فخمسة آلاف تومان تحلّ للمالك؛ لأنّها مأخوذة جزءاً للعوض في الإجارة، و بعد انتهاء المدّة يجب على المالك أن لا يزيد في كراء الفندق، و يؤجّره للمستأجر القديم أو الجديد الذي انتخبه القديم بمقتضى الشرط، و لو امتنع المالك يجبر عليه؛ لأنّ ذلك‌

39

مقتضى الشرط، الواجب الوفاء بمقتضى النصوص و الفتاوى.

الطريق الثاني: أن يتوافق المالك مع المستأجر، بأن يؤجّر الفندق سنوياً بمبلغ كألف تومان، و يشترط في ضمن الإجارة أن يكون المستأجر وكيلًا في إيجار الفندق بعد انتهاء المدّة لنفسه أو لغيره بذلك المبلغ، و وكيلًا في توكيل الثالث، و إعطائه الوكالة، و يجعل بإزاء هذه الوكالة مبلغاً كخمسة آلاف تومان، فالشرط هو الوكالة بإزاء هذا المبلغ.

و هذه الوكالة بما أنّها مشروطة في ضمن العقد اللازم، و هي الإجارة، فإنّها تكون لازمة، و ليس للموكّل عزله: و حيث إنّ لهذه الوكالة ماليّة فتنتقل إلى ورثة الوكيل بعد موته.

فإن قيل: إنّ الوكالة لا تورث كما يظهر من الأصحاب، حيث ذكروا في باب الرهن أنّه لو شرط وكالة المرتهن في بيع العين المرهونة لوفاء دينه صحّ، و لو مات المرتهن لم ينتقل إلى وارثه (1).

أجبنا عنه:

أوّلًا: بالفرق بين المقام و ما ذكروه، بثبوت الماليّة للوكالة في المقام.

و ثانياً: إنّ الأصحاب في تلك المسألة صرّحوا بالانتقال مع الشرط، فيشترط في المقام الانتقال.

و بما أنّ الأظهر عندنا عدم بطلان الوكالة بموت الموكّل، سيّما في الوكالة اللازمة كما حقّقناه في محلّه (2)، فهذه الوكالة تكون باقية بعد موت الموكّل، و على هذا فيحلّ‌

____________

(1) جواهر الكلام: 25/ 167.

(2) فقه الصادق: 20/ 248.

40

للمالك ما يأخذه بإزاء الوكالة، و المستأجر بمقتضى الوكالة مختار، و له كامل الحرية في أن يؤجّر الفندق بعد انتهاء المدّة لنفسه أو لغيره.

حكم النوع الثاني من السرقفليّة:

الموضع الثالث: في البحث حول النوع الثاني من السرقفليّة، و هو ما يأخذه المستأجر من المستأجر الآخر، و له صور:

الصورة الاولى: أن لا يكون المستأجر القديم وكيلًا من جانب المالك، و لا شرط له أن يكون له كامل الحرية، بل استأجر فندقاً بمبلغ إلى مدّة معيّنة، و انتهت المدّة، و الواجب عليه في هذه الصورة تخلية الفندق أو الاستئجار من مالكه، و لا شي‌ء له كي يعطيه للمستأجر الجديد بإزاء مبلغ معيّن، فأخذ السرقفلي له حرام لا سبيل إلى تصحيح أخذه بوجه.

نعم، لو كان المالك طالباً لإيجاره إيّاه، بحيث لو استدعى تجديد الإجارة يقدّمه على غيره، فهناك طرق لحلّية ما يأخذه من المستأجر الجديد:

الطريق الأوّل: أن يعطيه المبلغ و يشترط عليه أن لا يزاحمه في استئجاره.

الطريق الثاني: أن يهبه مبلغاً بعوض عدم المزاحمة، فيكون من قبيل الهبة المعوّضة.

الطريق الثالث: تنزيله على الجعالة، بأن يدفع المستأجر الجديد مبلغاً إلى المستأجر القديم على أن لا يزاحمه، بناءً على أنّه يكفي في الجعالة أن لا يعمل شيئاً، إذا كان عدم العمل أمراً له ماليّة عند العقلاء.

و قد يستدلّ لجواز الأخذ في المورد الذي جوّزناه بصحيح محمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق (ع): عن رجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحوّل من منزله‌

41

فيسكنه؟ قال (ع): «لا بأس» (1).

و لكنّ الظاهر عدم ارتباطه بالمقام، فإنّ المراد بالمنزل فيه هو المنزل المشترك، كالمدرسة و المسجد و غيرهما، كما لا يخفى على من تدبّر في الخبر، فالصحيح ما ذكرناه.

هذا كلّه من ناحية المستأجرين.

أمّا المالك فله كامل الحرية في الإيجار لأي شخص أراد، و لا يكون ملزماً بإيجاره للمستأجر الجديد.

الصورة الثانية: أن يكون المستأجر القديم وكيلًا من ناحية المالك في الإيجار لنفسه متى شاء، أو شرط له المالك ذلك، و لكنّه ليس وكيلًا عنه في الإيجار للغير و لا شرط له ذلك، و في هذه الصورة للمستأجر القديم أن يأخذ مبلغاً يساوي ما دفعه إلى المالك أو أقلّ منه أو أكثر من المالك، و يرفع اليد عن حقّه، كما أنّ له أن يأخذ مبلغاً من المستأجر الجديد بعنوان الهبة، أو الجعالة ليتحول عن المنزل و لا يزاحمه في الاستئجار.

و لكن بعد ذلك للمالك كمال الحرية في إيجاره إيّاه و عدمه.

الصورة الثالثة: أن يكون أمر الإيجار لنفسه أو لغيره بيد المستأجر القديم، بعنوان الوكالة أو الشرط بالتقريب المتقدّم، و في هذه الصورة للمستأجر القديم أن يأخذ السرقفلي من المالك، و يفوّض أمر المحلّ إليه بإزائه، و له أن يأخذه من المستأجر الجديد و يفوّض الأمر إليه، و إن فوّض الأمر إليه ليس للمالك مزاحمته، بل لا بدّ له من الرضوخ و القبول.

____________

(1) الوسائل: كتاب التجارة، الباب 85 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

المسألة الثالثة الأوراق النقديّة

و تقرأ فيها:

بحث حول حقيقة ماليّة الأشياء‌

فلسفة غطاء العملة الماليّة‌

بحث حول الربا و أقسامه‌

تحقّق الربا في الأوراق النقديّة و عدمه‌

تعلّق الزكاة بالأوراق النقديّة و عدمه‌

حكم الأوراق النقديّة إذا سقطت عن الماليّة‌

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

من الموضوعات المستحدثة: الأوراق النقدية، كالدولار و الليرة و الدينار العراقي، و الكلام فيها في مواضع:

1- الأوّل: تحقّق الربا في الأوراق النقديّة و عدمها.

2- الثاني: تعلّق الزكاة بالأوراق النقديّة و عدمه.

3- الثالث: حكم الأوراق النقديّة إذا سقطت عن المالية.

و قبل الخوض في البحث في هذه المواضع، لا بدّ من تقديم مقدّمتين:

المقدّمة الاولى: بيان حقيقة ماليّة الأشياء.

المقدّمة الثانية: الإشارة إلى حكم الربا.

المقدّمة الاولى- ماليّة المال:

أمّا المقدّمة الاولى: فلا إشكال في أنّ الإنسان مدني بالطبع، لا يتمكّن من رفع حوائجه وحده، بل كلّ امّة و قبيلة من النّاس تحتاج في إدامة حياتها المعيشيّة إلى سائر الامم و القبائل، فمثلًا: قد تكون امّة غنية من حيث المعادن، و لكنّها في أمسّ الحاجة إلى الأقمشة، و امّة اخرى بعكس ذلك، و عليه فيتوقّف حفظ نظام النوع على التبادل بين الامم، و لو لم يشرّع ذلك لاحتاج كلّ فرد إلى التكالب و التغالب مع غيره، ممّا يعني بأنّ تشريع المعاملات و المبادلات من الضروريّات الأوّلية.

46

و قد كانوا في أوائل الأمر يتعاملون بالأشياء و الأجناس المختلفة بعضها ببعض، و كانوا يعرفون قيمة كلّ جنس بالإضافة إلى الأجناس الاخر، إلى أن كَثُر أبناء آدم و انتشروا في البلاد، و اتّسعت المعاملات، فلم يروا مناصاً من ضرب السكّة، و وضع النقود، و اعتبار مقدار من الماليّة لها، و بعد ذلك بنى العقلاء على تخصيص الثمن بالنقود.

و على هذا فماليّة الأشياء تكون على نحوين:

الأوّل: ما كانت ماليّته ذاتيّة، و هو كلّ ما فيه منفعة عائدة إلى الإنسان، و يحتاج إليه بحسب فطرته من المأكول و المشروب و الملبوس، و ما شاكلها.

الثاني: ما كانت ماليّته اعتباريّة و جعليّة، كالنقود.

و النحو الثاني على قسمين:

أحدهما: ما كان الاعتبار فيه عامّاً يشترك فيه جميع أفراد البشر، بدافع الشعور بالحاجة الاجتماعيّة المشار إليها آنفاً، كالأحجار الكريمة، و المعادن النفيسة من الذهب و الفضّة و ما شاكلهما.

ثانيهما: ما كان الاعتبار فيه خاصّاً، و هو أيضاً على قسمين:

إذ قد تعتبر الماليّة لشي‌ء خاصّ، من جانب دولةٍ ما بالنظر إلى ما بنت عليه تلك الدولة من ترتيب أثر خاصّ عليه، كطوابع البريد، فإنّ كلّ طابع له مالية في مملكة خاصّة دون الممالك الاخر، و ماليّته إنّما تكون بلحاظ ما بنت عليه تلك الدولة و الحكومة من ترتيب أثر خاصّ عليه، و هو إيصال الرسالة إلى أي محلّ شاء المرسل، مقابل إلصاق الطابع المعيّن بها.

و قد يكون الاعتبار فيه ليقوم مقام القسم الأوّل، كالدينار و الدولار،

47

و مورد بحثنا فعلًا هو هذا القسم من الأموال.

و لا ريب في أنّ هذا النوع من الأموال الاعتباريّة، لا يعتبره العقلاء مالًا بمجرّد اعتبار المعتبر أيّاً كان، بل لا بدّ و أن يكون له غطاء، و يعبّر عنه ب‍ غطاء العملة).

فلسفة غطاء العملة الماليّة:

و هذه التغطية على وجوه:

الأوّل: أن تودع الدولة في الخزانة نقوداً مسكوكة من الذهب و الفضّة، بالقدر الذي طبع من الأوراق، و تعلن أنّ لكلّ شخص أن يراجع البنك، و يأخذ من النقود ما يقابل ورقته.

الثاني: أن تودع قوالب ذهبيّة أو فضّية غير مسكوكة، و تتعهّد الدولة بتسليم ما يقابل الأوراق، من الذهب أو الفضّة، من تلك القوالب.

الثالث: أن تودع الحكومة مقداراً من النقدين في أحد البنوك العالميّة، أو في البنك الحكومي المؤسّس من قِبل نفس الحكومة، و لا تكون الحكومة مستعدّة لدفع ما يقابل الورق النقدي من الادّخار الموجود في البنك العالمي، أو لديها فعلًا.

الرابع: أن يكون الرصيد للورق النقدي من المعادن و الثروات الطبيعيّة، كالنفط.

الخامس: أن تتعهّد الدولة بأن تكون مديونةً بمقدار الأوراق النقديّة.

و في جميع هذه الموارد تكون الماليّة الاعتباريّة لنفس الورق النقدي، و لا تقع المعاملة على الغطاء النقدي المقابل له.

48

المقدّمة الثانية- حكم الربا:

الربا على قسمين:

القسم الأوّل: الربا في البيع و المعاملة، و يعتبر فيه أمران:

الأمر الأوّل: كون مورد المعاملة من المكيل أو الموزون، أي: يكون بيعه بالكيل مع الزيادة، كما هو المشهور بين الأصحاب، و تشهد به كثير من النصوص:

كصحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (ع): «لا يكون الربا إلّا فيما يكال أو يوزن» (1).

و موثّق منصور عن الإمام الصادق (ع): سألته عن البيضة بالبيضتين؟ قال (ع): «لا بأس»، و الثوب بالثوبين؟ قال (ع): «لا بأس به»، و الفرس بالفرسين؟ قال (ع): «لا بأس به»، ثمّ قال: «كلّ شي‌ء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال و لا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد» (2). و نحوهما غيرهما.

فما عن المفيد (3)، و ابن الجنيد (4)، و سلّار (5) من ثبوت الربا في المعدود و نحوه، و أنّه لا يجوز التفاضل في بيع الجنس بالجنس مطلقاً، ضعيف.

و الاستشهاد له بصحيح محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه (ع): عن الثوبين الرديّين بالثوب المرتفع، و البعير بالبعيرين، و الدابّة بالدابّتين؟ فقال (ع): «كره ذلك‌

____________

(1) الوسائل: كتاب التجارة، الباب 6 من أبواب الربا، الحديث 1.

(2) الوسائل: الباب 16 من أبواب الربا، الحديث 3.

(3) المقنعة: 603.

(4) فتاوى ابن الجنيد: 172.

(5) المراسم: 179.

49

عليّ (ع)، فنحن نكرهه، إلّا أن يختلف الصنفان» (1). و نحوه غيره.

غير تامّ؛ لعدم عمل الأصحاب بها، و قابليّتها للحمل على الكراهة المصطلحة.

و عن جماعة: كالقديمين (2)، و الشيخين (3)، و ابني حمزة (4) و زهرة (5): المنع من بيع غير المكيل و الموزون بمثله متفاضلًا إذا كان البيع نسيئة.

و استدلّ لهم بالتقييد بكونه يداً بيد في بعض النصوص، كخبر محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر (ع) في حديث: «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل يداً بيد» (6). و نحوه غيره.

و بالأمر بالخطط على النسيئة في خبر سعيد بن يسار (7).

و بالتصريح بذلك في خبر أَبان، عن محمّد، عن الإمام الصادق (ع): «ما كان من طعام مختلف، أو متاع، أو شي‌ء من الأشياء يتفاضل، فلا بأس ببيعه مثلين بمثل،

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب الربا، الحديث 7.

(2) المقصود من القديمين: ابن أبي عقيل، و ابن الجنيد، فلاحظ رأييهما في: فقه ابن أبي عقيل: 418، و فتاوى ابن الجنيد: 172.

(3) المقصود من الشيخين: المفيد و الطوسي 0، فلاحظ رأييهما في: المقنعة: 503، و المبسوط: 89.

(4) الوسيلة: 254.

(5) لعلّ رأي ابن زهرة يستظهر من كلامه حول بيع الحيوان بالحيوان- غنية النزوع: 1/ 225.

(6) الوسائل: الباب 13 من أبواب الربا، الحديث 1.

(7) الوسائل: الباب 17 من أبواب الربا، الحديث 7.

عن سعيد بن يسار، قال: سألت أبا عبد اللّه (ع): عن البعير بالبعيرين، يداً بيد و نسية؟ فقال: «نعم، لا بأس إذا سمّيت الأسنان جذعين أو ثنيّين»، ثمّ أمرني فخططت على النسية.

50

يداً بيد، فأمّا نظرة فلا يصلح» (1).

و لكن يرد عليه: أنّ هذه الوجوه لا تصلح للمقاومة مع ما تقدّم، فتحمل هذه النصوص على الكراهة أو التقيّة؛ إذ التفصيل مذهب العامّة، و يشعر به أمره بالخطط على النسيئة.

الأمر الثاني: اتّحاد الجنس، أي: جنس العوضين، أو كون أحدهما أصلًا للآخر، أو كونهما فرعين من جنس واحد، و يشهد له كثير من النصوص:

كصحيح محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) في حديث: «إذا اختلف الشيئان فلا بأس به مثلين بمثل، يداً بيد» (2). و نحوه غيره، فلو كان المبيع و الثمن مختلفين جنساً لا مانع من التفاضل.

و قد يقال كما عن جمع من القدماء: إنّه يتمّ ذلك إذا كانت المعاملة نقديّة أو نسيئة مع كون العوضين من غير المكيل و الموزون، و أمّا إذا كانت نسيئة مع كونهما من المكيل و الموزون، كبيع الحنطة بالزبيب، أو التمر- مثلًا فلا يجوز التفاضل (3).

و استدلّ له بجملة من النصوص المشتملة على قوله (ع): «لا يصلح»، أو «يكره»، أو «و لا بأس مثلين بمثل، يداً بيد» (4)؛ إذ مفهومه ثبوت البأس إذا لم يكن يداً بيد.

و لكن يرد عليه: أنّه لا بدّ من حمل هذه النصوص على الكراهة بقرينة النصوص‌

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من أبواب الربا، الحديث 9.

(2) الوسائل: الباب 13 من أبواب الربا، الحديث 1.

(3) لاحظ: مختلف الشيعة: 5/ 86.

(4) الوسائل: الباب 13 و 17 من أبواب الربا.

51

الاخر، و ظهور «لا يصلح» و «يكره» فيها، و تمام الكلام في مسائل الربا موكول إلى محلّه، و إنّما الغرض هنا الإشارة إلى حكم الربا بنحو الإجمال (1).

تحقّق الربا في الأوراق النقديّة و عدمه:

أمّا الموضع الأوّل من البحث: فحيث عرفت أنّ الأوراق النقديّة لها ماليّة اعتبارية صرفة، و أنّ كلّ ورقة لها شعار خاصّ، و لون مخصوص يعتبر بكذا مقدار من المال، و تكون هي طرف المعاملة لا الذهب أو الفضّة المودوعة، و لهذا لا يعتبر في بيعها التقابض في المجلس، فالأظهر عدم تحقّق ربا المعاملة فيها.

و توضيحه: أنّه إن كانت المعاملة عليها نقديّة، كما لو باع عشرة توامين بعشرين نقداً، لا تكون المعاملة ربويّة؛ لما عرفت من أنّ شرط جريان الربا في المعاملة كون موردها من المكيل أو الموزون، و الورق النقدي ليس منهما، فلا مانع من التفاضل فيه.

و إن كانت المعاملة عليها نسيئة: فتارة تكون المعاملة بعنوان البيع، و حقيقته: إعطاء شي‌ء بعوض.

و اخرى: تكون بعنوان القرض، و حقيقته: تمليك العين، أي: خصوصيّاتها مجّاناً، و جعل ماليّتها في الذمّة، فهو في الحقيقة ينحلّ إلى إنشاءين: تمليك مجّاني بالذمّة إلى العين، و تضمين لماليّة العين، و استئمان لها في ذمّة المقترض إلى أجل معيّن.

فإن كانت بعنوان القرض لا يجوز التفاضل فيها، فلو أقرضه عشرة توامين‌

____________

(1) لاحظ ما نقّحه سماحة الاستاذ دام ظلّه في موسوعته الكبرى (فقه الصادق): 18/ 104.

52

ليدفع له بعد شهرين أحد عشر توماناً كانت المعاملة ربويّة و فاسدة؛ لما تقدّم من أنّ كلّ قرض يجرّ نفعاً فهو ربا.

و إن كانت بعنوان البيع، جاز التفاضل فيها، فيجوز بيع عشرة توامين نقداً بأحد عشر توماناً في الذمّة إلى شهرين، و الوجه في ذلك ما تقدّم من أنّه يعتبر في جريان الربا في البيع كون المورد من المكيل أو الموزون، و الورق النقدي ليس كذلك. فلا بدّ في مقام المعاملة من التوجّه و الالتفات إلى ذلك، أي: الفرق بين البيع و القرض، و أنّه في القرض إلى أجل يتحقّق الربا، و لا يتحقّق في البيع إلى أجل.

و هاهنا شبهتان:

الشبهة الاولى: أنّه يعتبر في تحقّق البيع تعدّد المبيع و الثمن و اختلافهما، فلو اتّحدا بطل البيع، أي: لا تكون المعاملة بيعاً، و الكلّي في الذمّة بما أنّه قابل للانطباق على الورق النقدي الموجود، فلا يصحّ البيع بجعل الموجود مبيعاً و الكلّي ثمناً، بل هو قرض بصورة البيع، فتكون المعاملة ربويّة و باطلة.

و هذا متين جدّاً، و لكن يمكن التخلّص عنه بجعل الكلّي في الذمّة مقيّداً بقيد لا ينطبق على الموجود.

لا يقال: إنّه حيث يكون الورق متمحّضاً في الماليّة، و ما يقارنه من الخصوصيّات غير دخيل في ماليّته، فلا يصحّ جعل الخصوصيّات جزء المبيع أو الثمن، فالمبيع هو المقدار الخاصّ من المالية، و الثمن هو ذلك مع الزيادة، فيلزم اتّحاد المبيع و الثمن.

فإنّه يتوجّه عليه- بعد النقض ببيع الدرهم بالدرهم، و الدينار بالدينار، بل كلّ منهما بالآخر، الذي لا ريب في جوازه نصّاً و فتوى، مع أنّ هذا الوجه يقتضي‌

53

بطلانه، فإنّ المبيع مقدار من الماليّة، و الثمن هو ذلك: أنّ المبيع و الثمن هما المال لا الماليّة، و هو متعدّد.

الشبهة الثانية: إنّ مناط تحريم الربا، و هو: تجمّع الثروة عند شخص، و هجوم الفقر على آخر، المستلزم لفساد النظام، موجود فيما نحن فيه، فكما أنّ هذا المناط موجود في النقدين كذلك في الأوراق النقديّة، و كما أنّ القرض الذي يجرّ نفعاً يترتّب عليه ذلك، كذلك البيع المذكور، و تغيير عنوان المعاملة لا يوجب انقلاب الواقع.

و يتوجّه عليها: أنّه لو فتح هذا الباب للزم تأسيس فقه جديد، كيف؟ و هنا مناط التحليل و التحريم هو عناوين المعاملات، و ما ذكر من تنقيح المناط ليس إلّا قياساً نُهينا عن استعماله في الفقه، و منشأ فساد النظام و اختلاف الطبقات الاجتماعيّة ليس إلّا الإعراض عمّا شرّعه الشارع الأقدس من القوانين الاجتماعيّة، لا العمل بما قرّره.

و بما ذكرناه ظهر حكم بيع الدين المؤجّل بأقلّ منه نقداً، و أنّه لا إشكال في جوازه.

تعلّق الزكاة بالأوراق النقديّة:

و أمّا الموضع الثاني: فالأظهر عدم تعلّق الزكاة بها، فلو كانت التغطية بغير الوجه الأوّل المتقدّم فواضح، فإن شرط تعلّق الزكاة كون المورد من الذهب أو الفضّة المسكوكين، و كونه تحت تصرّف المالك، و شي‌ء منهما لا يكون متحقّقاً في المقام، كما لا يخفى.

و أمّا إذا كانت التغطية على الوجه الأوّل، فقد يتوهّم تعلّقها بها من جهة أنّ‌

54

من بيده الورق مالك لمقدار من الذهب أو الفضّة المسكوكين المودوعين في الخزانة، فإذا بلغ النصاب تعلّقت به الزكاة.

و لكنّه فاسد لوجهين:

الأوّل: ما تقدّم من أنّه في تلك الصورة أيضاً تكون الأوراق مالًا عرفاً، و يعتبر العقلاء لها المالية، و تبديلها بالنقد و إن قرّرته الحكومة، إلّا أنّه لا يصير سبباً لكون المملوك هو النقد دون الورق، بل الورق مملوك، و هو الطرف للمعاملة، غاية الأمر له تبديله به.

الثاني: إنّه يعتبر في تعلّق الزكاة كون النقد تحت التصرّف طول الحول، و هذا لا يكون متحقّقاً في المقام؛ إذ لا يمكن التصرّف في النقود الموجودة في الخزانة، و هو واضح، فالأظهر عدم تعلّق الزكاة بالأوراق النقديّة.

حكم الأوراق النقديّة إذا سقطت عن الماليّة:

أمّا الموضع الثالث: فلو اقترض شخص أوراقاً نقديّة أو غصبها، ثمّ أسقطتها الحكومة عن المالية، فهل على المقترض أو الغاصب إذا جاء ليردّها ردّ الماليّة التالفة أيضاً، أم يكفي ردّ الأوراق؟ أم يفصل بين بقاء العين و تلفها، فيكفي ردّها في الأوّل دون الثاني؟ وجوه.

و للمسألة نظير تعرّض الفقهاء له، و هو ما لو أخذ شخص من آخر ما له ماليّة في وقت الأخذ، كالماء في مفازة (1) الحجاز و الثلج في الصيف، ثمّ جاء ليردّه و لا مالية له.

____________

(1) المفازة: الفلاة التي لا ماء فيها.

55

و قد اختلفت كلماتهم فيه، و الأكثر على التفصيل بين بقاء العين و تلفها، فبنوا على كفاية ردّ العين في صورة بقائها، و عدم كفاية ردّ المثل في صورة تلفها، بل لا بدّ من ردّ ماليّتها أيضاً.

و ذهب بعضهم (1) إلى لزوم ردّ الماليّة مطلقاً.

و اختار جمع منهم صاحب الجواهر (ره) (2)، و احتمله في القواعد (3) عدم لزوم تدارك الماليّة مطلقاً.

و الأظهر عندنا: عدم لزوم تدارك الماليّة في الموردين في كلتا المسألتين؛ و ذلك لأنّ الماليّة الاعتباريّة المنتزعة من اعتبار من بيده الاعتبار لا تكون مضمونة، و إن شئت قلت: إنّ العين بما لها من الخصوصيّة تكون في العهدة إلى حين الأداء، و هي في الفرض حين الأداء لا قيمة لها، فلا وجه لتدارك القيمة- قيمة يوم الأخذ أو يوم التلف و الفائت إنّما هو اعتبار المعتبر لا شي‌ء من المأخوذ.

نعم.. لو كان الورق النقدي معبّراً عن النقدين، و كانت المعاملات واقعة على ما يعبّر عنه الورق من النقدين، كان الصحيح في المقام اشتغال الذمّة بالماليّة، فإنّ الاقتراض في الحقيقة يقع على النقدين دون الورق، و لكن عرفت فساد المبنى.

و يشهد لما اخترناه من عدم اشتغال الذمّة بالمالية صحيح معاوية بن سعيد، عن رجل استقرض دراهم من رجل، و سقطت تلك الدراهم أو تغيّرت، و لا يباع بها شي‌ء، أ لصاحب الدراهم: الدراهم الاولى؟ أو الجائزة التي تجوز بين النّاس؟

____________

(1) نسبه في الجواهر: 25/ 66 إلى الشيخ الصدوق (قدس سره) في المقنع.

(2) الجواهر: 25/ 66.

(3) قواعد الأحكام: 2/ 107.

56

فقال (ع): «لصاحب الدراهم الدراهم الاولى» (1)، و نحوه مكاتبة يونس (2).

و تعارضهما مكاتبة اخرى ليونس عن الإمام الرضا (ع) في المورد المفروض: «لك أن تأخذ منه ما ينفق بين النّاس كما أعطيته ما ينفق بين النّاس» (3).

و لكن الترجيح للأوّلين.

و قد استدلّ لضمان الماليّة في المسألة المماثلة للمقام، سيّما في صورة التلف بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّ الزمان و المكان من خصوصيّات العين الدخيلة في ماليّتها؛ إذ الماء في مفازة الحجاز غير الماء على الشاطئ، و الثلج في الشتاء غير الثلج في الصيف، فإذا اخذ الماء في المفازة و الثلج في الصيف، تكون خصوصيّة الزمان و المكان في عهدة الضامن، و لا يكون ردّهما في الشاطئ و الشتاء أداءً للمأخوذ، فلا مناص من ردّ القيمة أداءً للخصوصيّات.

و فيه:

أوّلًا: النقض بما إذا نقصت القيمة، فإنّ لازم هذا الوجه ضمان المقدار التالف‌

____________

(1) الوسائل: الباب 20 من أبواب الصرف، الحديث 4.

(2) الوسائل: الباب 20 من أبواب الصرف، الحديث 2.

عن يونس، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (ع): أنّه كان لي على رجل عشرة دراهم، و أنّ السلطان أسقط تلك الدراهم، و جاءت دراهم أعلى من تلك الدراهم الاولى، و لها اليوم وضيعة، فأي شي‌ء لي عليه؟ الاولى التي أسقطها السلطان؟ أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: «لك الدراهم الاولى».

(3) الوسائل: الباب 20 من أبواب الصرف، الحديث 1.

و الرواية هكذا: كتبت إلى الرضا (ع): إنّ لي على رجل ثلاثة آلاف درهم، و كانت تلك الدراهم تنفق بين النّاس تلك الأيّام، و ليست تنفق اليوم، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم بين النّاس؟ فكتب إليَّ: «لك أن تأخذ...».