مصباح المنهاج ـ كتاب الصوم - ج1

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
545 /
5

[الفصل الأول في النية]

كتاب الصوم و فيه فصول:

الفصل الأول في النية

[ (مسألة 1): يشترط في صحة الصوم النية]

(مسألة 1): يشترط في صحة الصوم النية (1) بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين. و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين. و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

(1) يعني: نية الصوم، بحيث يكون ترك المفطر عن قصد لذلك، و التزام به.

و لا خلاف و لا إشكال في اشتراط ذلك. بل هو من الضرورات الفقهية، بل الدينية.

و النصوص به مستفيضة (1). و يظهر من جملة منها المفروغية عنه، كحديث عمار الساباطي‏الذي يأتي في المسألة السابعة أنه موثق‏عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، و يريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال:

هو بالخيار إلى أن تزول الشمس. فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم، و إن كان نوى الإفطار فليفطر ...» (2)، و غيره.

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2، 3، 4، 5، 6 من أبواب وجوب الصوم و نيته.

(2) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 10.

6

على وجه القربة (1) لا بمعنى وقوعه عن النية (2) كغيره من العبادات. بل يكفي وقوعه للعجز عن المفطرات أو لوجود الصارف النفساني عنها (3) و هو المناسب لما يأتي من كونه من العبادات. لظهور توقف العبادية على قصد المشروعية، المستلزم لقصد عنوان المشروع و لو إجمالا. و يأتي في المسألة السابعة من هذا الفصل ما ينفع في المقام.

(1) كما هو مقتضى مرتكزات المتشرعةالقطعية، بل الضروريةمن كونه من العبادات المتقومة بالقربة. و هو المناسب لما في كثير من النصوص من كون الصائم في عبادة و إن كان على فراشه‏ (1)، و أن نومه عبادة (2)، و أن اللّه تعالى يقول عن الصوم أنه لي، و أنا أجزي به‏ (3). و غير ذلك.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا (قدّس سرّه) من الاستدلال بما تضمن ذكره في جملة الخمس التي بني عليها الإسلام‏ (4)، لبداهة أن مجرد ترك المفطر في ساعات معينة لا يصلح لأن يكون أساس الإسلام و عليه بناؤه، بل لا بد أن يكون عباديا يتقرب به، و يضاف إلى المولى. فهو لا يرجع إلى محصل ظاهر في قبال الضرورة المشار إليها.

(2) بل بمعنى سبق النية به، و لو مع الغفلة عنه‏لنوم أو غيره‏إذا لم يعدل عن نيته السابقة. كما يأتي منه (قدّس سرّه) التنبيه لذلك. و من ثم كان المناسب التعبير هكذا:

لا بمعنى وقوعه عن النية، كغيره من العبادات، بل بنحو يكفي سبق النية به مع عدم العدول عنها. كما يكفي وقوعه للعجز ...

(3) حيث لا ريب في صحة الصوم من العاجز عن بعض المفطرات، و ممن له صارف نفساني عنها.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب الصوم المندوب حديث: 12.

(2) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب الصوم المندوب حديث: 4، 17، 23، 24.

(3) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 1 من أبواب الصوم المندوب حديث: 7، 15، 16، 27، 33.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 1 باب: 1 من أبواب مقدمة العبادات.

7

إذا كان عازما على تركها لو لا ذلك (1)، فلو نوى الصوم‏ (1) كأنه لما ذكروه عند الكلام في معيار صحة العبادة مع الضمائم المباحة، من أنه لا بد من صلوح امتثال الأمر للداعوية استقلالا، بحيث يكون مؤثرا مع عدم وجودها، ففي المقام لا بد من ذلك أيضا.

لكن تقدم في مبحث اعتبار النية من الوضوء أن ذلك إنما يتم فيما إذا كانت الضميمة مترتبة على العمل بالوجه الذي يكون به امتثال الأمر، كصلة الرحم التي تكون تارة لحبه، و أخرى لامتثال أمر الشارع الأقدس به.

بخلاف ما إذا كانت مترتبة على ذات العمل، و كان امتثال الأمر مترتبا على قصد عنوانه زائدا على ذاته، كما في التنظيف و التبريد المترتبين على ذات الغسل، مع توقف الامتثال به على قصد عنوانه من غسل أو وضوء، لأن الضميمة لما لم تكن داعية لقصد العنوان، فالداعي لقصده ينحصر بالتقرب، فيتعين الاكتفاء به في صحة العمل، و إن كانت الضميمة هي تمام الداعي للعمل بذاته، بحيث لولاها لما أتى المكلف به.

غاية الأمر أن الضميمة تكون دخيلة في فعلية داعوية الداعي القربي نحو الخصوصية، و هو لا يمنع من العبادية بعد تمحض الداعي القربي في فعل الخصوصية المتقومة بالقصد. ففي المقام حيث ينحصر الداعي لقصد الصوم المشروع بالتقرب يتعين الاكتفاء به و إن كان ترك المفطر لتعذره، أو لوجود الصارف عنه، بحيث لولاهما لما تركه.

فمثلا لو كان الشخص في حاجة إلى الطعام أو النساء، إلا أنه لا يتيسر له ما يريد، صح منه نية الصوم، و إن كان بحيث لو تيسر له ما يحتاج إليه لم يصم، استجابة لحاجته.

و يناسب ذلك صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله، فيقول: عندكم شي‏ء؟ و إلا صمت، فإن كان عندهم شي‏ء أتوه به، و إلا صام» (1).

ثم إن هذا لا يرجع إلى عدم اعتبار وقوع الصوم عن نية، بل إلى معيار النية

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7.

8

ليلا (1) ثم غلبه النوم قبل الفجر حتى دخل الليل صح صومه (2).

و لا يكفي مثل ذلك في سائر العبادات (3)، فعبادية الصوم فاعلية لا فعلية (4).

[ (مسألة 2): لا يجب قصد الوجوب و الندب‏]

(مسألة 2): لا يجب قصد الوجوب و الندب (5)، و لا الأداء و القضاء و لا غير ذلك من صفات الأمر و المأمور به (6)، بل يكفي القصد إلى المأمور المعتبرة في الصوم و غيره من العبادات، و تحديد مرتبتها.

نعم يفترق الصوم عن جملة من العبادات، بعدم اعتبار فعلية النية فيه، بأي مرتبة فرضت، بل يكفي سبق النية له و لو مع حصول الغفلة المطلقة عنه حينه- بنوم و نحوه‏لما هو المعلوم من عدم قادحيتها في الصوم. و يشاركه في ذلك بعض العبادات، كالوقوف بعرفة و المشعر الحرام، بخلاف مثل الصلاة، حيث لا بد من وقوع تمام أجزائها عن نية و لو ارتكازية. فلاحظ.

(1) هذا لا دخل له بما سبق من الاكتفاء بوقوع الصوم للعجز عن المفطرات أو لوجود الصارف النفساني، بل هو متعلق بما ذكره أولا من عدم اعتبار وقوع الصوم عن نية، كما يظهر مما ذكرناه آنفا.

(2) بلا ريب و كذا إذا غفل عن الصوم من دون نوم. و يأتي بعض الكلام في ذلك في المسألة الأولى من الفصل الرابع في شرائط صحة الصوم.

(3) سبق مشاركة بعض العبادات له في ذلك.

(4) كأنه راجع إلى أنه يكفي في عبادية الصوم كون المكلف في مقام التقرب بالصوم، و لا يعتبر مقارنة فعله للتقرب به. و هو سهل بعد كونه محض اصطلاح، و المعيار في العمل ما سبق.

(5) يظهر الوجه فيه مما تقدم في المسألة الواحدة و السبعين من مبحث الوضوء عند الكلام في فروع النية.

(6) لعدم الدليل على اعتبار قصد ذلك، فالمرجع فيه الإطلاق أو الأصل، كما

9

به عن أمره (1).

[ (مسألة 3): يعتبر في القضاء عن غيره قصد امتثال أمر غيره‏]

(مسألة 3): يعتبر في القضاء عن غيره قصد امتثال أمر غيره (2).

كما أن فعله عن نفسه يتوقف على امتثال أمر نفسه (3). و يكفي في المقامين القصد الإجمالي (4).

[ (مسألة 4): لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل‏]

(مسألة 4): لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، فإذا قصد الصوم عن المفطرات إجمالا كفى (5).

[مسألة (5): لا يقع في شهر رمضان صوم غيره‏]

مسألة (5): لا يقع في شهر رمضان صوم غيره (6)، و إن لم يكن مكلفا يظهر مما ذكرناه في مبحث التعبدي و التوصلي من الأصول من أنهما ينهضان بدفع احتمال اعتبار أصل النية، فضلا عن خصوصياتها مع الشك، و أنه يقتصر من ذلك على المتيقن. نعم قد يحتاج لنية بعض هذه الأمور في العبادات من أجل تعيين الأمر الذي يراد امتثاله، لأن الأمر المردد لا وجود له، كي يقصد امتثاله.

(1) مع تعيين الأمر كما ذكرناه آنفا. و يكفي التعيين الإجمالي، كما ذكرناه في مباحث القطع من الأصول. هذا و قد ذكرنا في مبحث التعبدي و التوصلي من الأصول الاكتفاء بقصد ملاك المحبوبية الملازم للأمر، و المستكشف به.

(2) على ما ذكرناه في المسألة الثامنة و العشرين من مقدمة كتاب التجارة في الأجرة على الواجبات و العبادات.

(3) لأن ذلك هو مقتضى العبادية. نعم أشرنا قريبا إلى الاكتفاء بقصد ملاك المحبوبية.

(4) كما أشرنا إليه قريبا.

(5) بلا إشكال ظاهر، لعدم الدليل على اعتبار ما زاد على ذلك، و المرجع في نفيه إطلاق الأدلة الشارحة للصوم و الأصل. بل هو قطعي بلحاظ سيرة المتشرعة و ارتكازياتهم.

(6) كما هو المعروف بين الأصحاب المصرح به في كلام كثير منهم. و في‏

10

..........

الجواهر: «فالمشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا أنه لا يقع في شهر رمضان صوم غيره، واجبا أو مندوبا، من المكلف و غيره، كالمسافر و نحوه. بل هو المعروف في الشريعة، بل كاد يكون من قطعيات أربابها إن لم يكن من ضرورياتها».

و قد يستدل عليه بما عن غير واحد من عدم ثبوت مشروعية صوم غير رمضان فيه. و توضيح ذلك: أنه و إن كان التحقيق إمكان الأمر بالمهم من الضدين عند ترك الأهم بنحو الترتب، و إمكان الإتيان بالمهم حينئذ تقربا بملاكه لو قيل بامتناع الأمر به، إلا أنه لا بد في البناء على ذلك في كل مورد من إطلاق الأمر بالمهم فيه بنحو يشمل حال ثبوت الأهم. و لا مجال لذلك في المقام، لأن معروفية وجوب صوم شهر رمضان فيه توجب انصراف إطلاقات أدلة بقية أنواع الصوم الواجب و المستحب إلى غير شهر رمضان من أيام السنة. و لا أقل من عدم وضوح شمولها له فلا يحرز مشروعيتها فيه.

و هذا بخلاف بقية موارد التزاحم بين الضدين، لعدم اختصاص الأهم بزمن معين معهود، ليمنع من إطلاق الأمر بالمهم بنحو يشمل الزمن المذكور، و لا منشأ لاحتمال عدم مشروعية المهم مع فعلية أمر الأهم إلا التضاد و التزاحم، الذي هو ارتكازا لا يمنع من ثبوت ملاك المهم، بل و لا الأمر به بنحو الترتب، كما حقق في محله.

و من هنا كان عدم مشروعية صوم غير شهر رمضان فيه لعدم المقتضي، لا لوجود المانع، كما قد يتوهم بدوا.

و يؤيد ذلك أو يعضده ..

أولا: معروفية الحكم بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) و ظهور كثير من كلماتهم في المفروغية عنه، فإن شيوع الابتلاء بالمسألة يمنع عادة من خفاء الحكم فيها، و من خطئهم فيه. و من البعيد جدا ابتناء المفروغية المذكورة منهم على شبهة عدم صحة الضد المهم عند ترك الأهم، التي حدثت نتيجة تحقيقات بعض علماء الأصول، و كانت موردا للكلام بينهم، و التي لا تساعد عليها المرتكزات المتشرعية و العقلائية، خصوصا مع الجهل بثبوت الأمر بالضد.

و ثانيا: سكوت النصوص عن التعرض لذلك، مع أنه قد يقوى الداعي لصوم‏

11

بالصوم كالمسافر (1)، غير شهر رمضان فيه، خصوصا في صوم الكفارة تتميما للتتابع، و لا سيما في حق من رخص له الإفطار مع مشروعية الصوم له، كالشيخ و الشيخة. فإنه لو لا المفروغية المذكورة لوقع السؤال عن ذلك، و احتيج لبيان الحكم فيه، و لم يتجه إطلاق مثل انقطاع التتابع في صوم الكفارة بدخول شهر رمضان‏ (1).

بل في مرسل إسماعيل بن سهل: «خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شعبان فكان يصوم، ثم دخل عليه شهر رمضان في السفر، فأفطر. فقيل له: تصوم شعبان، و تفطر شهر رمضان. فقال: نعم شعبان لي، إن شئت صمت و إن شئت لا.

و رمضان عزم من اللّه عز و جل علي الإفطار» (2). و نحوه مرسل الحسن بن بسام‏ (3).

فإنهما و إن كانا مسوقين لبيان عدم مشروعية صوم شهر رمضان الفرض في السفر، إلا أنه لو لا المفروغية عن عدم مشروعية صوم غير شهر رمضان فيه لم يصلح ما ذكره (عليه السلام) تعليلا لإفطاره بعد أن كان يصوم في شعبان، إذ يمكنه (عليه السلام) حينئذ الاستمرار على الصوم بالنحو الذي أوقعه في شعبان من تطوع أو نذر أو غيرهما.

(1) لما سبق من قصور إطلاق أدلة أقسام الصوم الأخر عن شهر رمضان، و أن عدم صحة صوم غيره فيه لعدم المقتضى، لا لوجود المانع، و هو وجوب صوم شهر رمضان، ليصح بارتفاعه.

لكن قال في المبسوط: «فأما إذا كان مسافرا سفرا يوجب التقصير، فإن صام بنية رمضان لم يجزه، و إن صام بنية التطوع كان جائزا. و إن كان عليه صوم نذر معين و وافق ذلك شهر رمضان، فصام عن النذر و هو حاضر وقع عن رمضان، و لا يلزمه القضاء لمكان النذر، و إن كان مسافرا وقع عن النذر، و كان عليه القضاء لرمضان.

و كذلك الحكم إن صام و هو حاضر بنية صوم واجب عليه غير رمضان وقع عن رمضان و لم يجزه عما نواه، و إن كان مسافرا وقع عما نواه. و على الرواية التي رويت أنه‏

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب بقية الصوم الواجب.

2، 3 وسائل الشيعة ج: 7 باب: 12 من أبواب من يصح منه الصوم حديث: 4، 5.

12

فإن نوى غيره بطل (1)، إلا أن يكون جاهلا به أو ناسيا له فيجزي عن‏ لا يصام في السفر، فانه لا يصح هذا الصوم بحال».

و يشكل بأن مشروعية الصوم في السفر مطلقا أو بالنذرلو قيل بهاإنما ترجع إلى عدم مانعية السفر من الصوم المشروع في نفسه، بحيث لو وقع في الحضر لصح، لا إلى تشريع الصوم فيه مطلقا و إن لم يكن مشروعا في نفسه، بحيث لا يصح في الحضر، و يصح في السفر.

و دعوى: أن ذلك منه (قدّس سرّه) يبتني على أن صحته في الحضر ليس لعدم مشروعيته في نفسه عنده، بل لمزاحمته بصوم شهر رمضان، فمع عدم مزاحمته به في السفر، لعدم وجوب صوم شهر رمضان فيه، يتعين صحته فيه.

مدفوعة: بأن المزاحمة لا تقتضي البطلان، خصوصا مع عدم تنجز صوم شهر رمضان بجهل أو نحوه، حيث لا يعرف منهم البناء على بطلان المزاحم. بل قد لا يجب صوم شهر رمضان، كما في الشيخ و الشيخة و نحوهما، فلا مزاحمة أصلا.

فإطلاقه البطلان في الحضر و الصحة في السفر في غير محله. بل يتعين عدم الصحة مطلقا، لما سبق، خصوصا بملاحظة المرسلين المتقدمين.

(1) كما في السرائر و المختلف و عن غيرهما. أما عدم وقوعه عما نواه فلا خلاف فيه، بل حكي الإجماع عليه. و يقتضيه ما سبق من عدم مشروعية غير صوم شهر رمضان فيه. و أما عدم وقوعه عن صوم شهر رمضان، فلعدم نية امتثال أمره، و حيث كان من العبادات‏كما سبق‏تعين عدم حصوله بدونها.

لكن مقتضى إطلاق كلام المبسوط المتقدم و الخلاف و محكي كلام المرتضى وقوعه عن صوم شهر رمضان حتى مع العلم بدخول شهر رمضان. و إن حمله في السرائر على صورة الجهل بذلك. و هو مقتضى إطلاق الشرائع أيضا. بل قوى العموم لصورة العلم في المعتبر و التذكرة و المدارك، لدعوى: أن المعتبر في صوم شهر رمضان نية القربة، و الزائد عليها لغو لا عبرة به.

13

رمضان حينئذ لا عن ما نواه (1).

و فيه: أن الاكتفاء بنية القربة فيه إنما هو لرجوعها إلى قصد امتثال أمر صوم شهر رمضان، لانحصار الصوم المشروع فيه به، لأن صوم شهر رمضان تعبدي، و الأمر التعبدي هو الذي يتوقف امتثاله على الإتيان بمتعلقه بقصد امتثال أمره أو قصد موافقة ملاك محبوبيته. و لا مجال لذلك مع القصد لغير صومه. و إجزاؤه حينئذ يحتاج إلى دليل، و ما يأتي من دليل الإجزاء مختص بغير العالم العامد.

(1) أما عدم وقوعه عما نواه فلما تقدم. و أما وقوعه عن رمضان فهو المعروف بين الأصحاب المدعى عليه إجماعهم.

و هو ظاهر لو رجع إلى نية الصوم المشروع في ذلك اليوم مع الخطأ في التطبيق.

و أما مع عدمه فيقتضيه ما تضمن إجزاء صوم يوم الشك بنية شهر شعبان عن صوم شهر رمضان، كموثق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و فيه: «إنما يصام يوم الشك من شعبان، و لا يصومه من شهر رمضان، لأنه قد نهي أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك، و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل اللّه، و بما قد وسع على عباده. و لو لا ذلك لهلك الناس» (1). و نحوه غيره.

لكن النصوص المذكورة منصرفة إلى صومه تطوعا، لأن ذلك هو حكم صوم شعبان، و إطلاقها بنحو يشمل الصوم في شعبان عن غير صوم شعبان‏كصوم الكفارة و القضاءفي غاية الإشكال. و كذا فهم العموم منها بإلغاء خصوصية التطوع بصوم شعبان. و مثله إلحاق بقية أنواع الصوم بصوم التطوع المذكور بعدم الفصل.

لعدم وضوح بلوغه حدّ الإجماع الحجة.

اللهم إلا أن يقال: إنما يتجه الانصراف المذكور لو كان التعبير هكذا: و إنما ينوي أنه يصوم شعبان. أما حيث كان التعبير: و إنما ينوي أنه يصوم من شعبان، فصوم يوم من شعبان كما يقع عن صوم شعبان تطوعا يقع عن صوم آخر فيه فرضا، و مقتضى إطلاقه العموم، و لا سيما مع قوله (عليه السلام) في موثق سماعة المتقدم: «و لو لا

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 4.

14

..........

ذلك لهلك الناس»، حيث لا يراد بهلاكهم إلا الضيق عليهم بعدم صحة صوم شهر رمضان منهم بنية رمضان لعدم ثبوته، و عدم احتساب صوم شعبان منهم عن رمضان، بحيث يجب عليهم القضاء لو كان من رمضان، و لا يفرق في هذا بين أنواع الصوم الذي يصام في شعبان. خصوصا بناء على ما هو المعروف بين الأصحاب من عدم صحة الصوم المندوب ممن عليه صوم واجب.

مضافا إلى حديث الزهري عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) و فيه: «قال: و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه. أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، و نهينا أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس. فقلت له: جعلت فداك، فإن لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع؟ قال: ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه، و إن كان من شعبان لم يضره. فقلت: و كيف يجزي صوم تطوع عن فريضة؟! فقال: لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا، و هو لا يعلم أنه من شهر رمضان ثم علم بذلك لأجزأ عنه، لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه» (1). فإن مقتضى التعليل في ذيله العموم لغير صوم التطوع.

و دعوى: أن مقتضى التعليل فيه الصحة و إن صامه بنية رمضان أو بنية الفرض، أو نوى في رمضان عمدا صوم غيره، و حيث لا يمكن البناء على ذلك، بل هو مناف لصدر الحديث، فالمتعين البناء على إجمال التعليل، و الاقتصار فيه على مورده.

مدفوعة: بأن حمل صدر الحديث‏بقرينة التعليل في الذيل‏على كون بطلان الصوم بنية رمضان أو الفرض من أجل المانع، أو عقوبة، لمخالفة السنة، أولى عرفا من البناء على إجمال التعليل. و أما البطلان مع تعمد صوم غير رمضان في رمضان فيه فهو- لو تم‏قد يكون لعدم تيسر قصد القربة. على أن البناء على تخصيص التعليل فيه أقرب من البناء على إجماله، و الاقتصار فيه على مورده، بحيث لا يتعدى منه لمحل الكلام.

و مثلها دعوى: أن التعليل المذكور مناف لما سبق في موثق سماعة من أن الإجزاء بتفضل اللّه و بما وسع على عباده، لظهوره في أن مقتضى القاعدة عدم الإجزاء

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5: من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 8.

15

[ (مسألة 6): يكفي في صحة صوم رمضان القصد إليه و لو إجمالا]

(مسألة 6): يكفي في صحة صوم رمضان القصد إليه و لو إجمالا (1)، فإذا نوى الصوم المشروع في غد، و كان من رمضان، أجزأ عنه، أما إذا قصد صوم غد دون توصيفه بخصوص المشروع لم يجز (2). و كذا الحكم في سائر أنواع الصوم من النذر أو الكفارة أو القضاء فما لم يقصد المعين لا يصح (3).

فيه، لمباينة المأتي به للمطلوب.

لاندفاعها بأن مقتضى الجمع بين الموثق و التعليل حمل الموثق على كون التفضل و التوسعة من اللّه تعالى في اكتفائه بتحقق صوم الفرض من دون أن ينوى بعينه.

نعم ضعف سند الخبر مانع من الاستدلال به، و يبقى مؤيدا لما سبق. فالبناء على العموم قريب جدا.

هذا و النصوص المذكورة و إن وردت في الجهل بدخول شهر رمضان، إلا أن الظاهر إلغاء خصوصيته عرفا، و التعدي للنسيان و نحوه من موارد عدم التعمد.

(1) كما يظهر مما تقدم في المسألة الثانية.

(2) الظاهر إجزاؤه، لرجوعه إلى قصد الصوم المشروع، إذ حيث كان المفروض في محل الكلام قصد صوم الغد بوجه قربي، فالوجه القربي لا يكون إلا بقصد امتثال الأمر المتعلق بصومه، و حيث لا أمر في شهر رمضان إلا بصومه تعين رجوع ذلك ارتكازا إلى قصد امتثال أمر صومه. فهو نظير قصد أمر صوم ما في الذمة إذا كان واحدا. نعم إذا قيد صوم غد الذي قصده بغير صوم رمضان فقد خرج عن مقتضى الارتكاز المذكور، و تعين البطلان.

(3) إذ بعد تعدد وجوه الصوم، و تعدد الأمر به تبعا لها، لا معين للصوم المأتي به بأحدها إلا القصد إليه، و نية امتثال أمره.

نعم وقع الكلام بينهم في النذر المعين، و أنه هل يتوقف الوفاء به على قصده، كما في المبسوط و الشرائع و الدروس و جامع المقاصد و غيرها، و في المسالك أنه المشهور، أو لا، بل يكفي نية صوم اليوم الخاص و لو مع الغفلة عن النذر، كما في السرائر

16

..........

و المدارك و عن المرتضى و العلامة في جملة من كتبه و في المسالك أنه متجه؟

و قد ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) أن ذلك يبتني على تحديد مفاد النذر فإن قلنا بأن مفاده جعل المنذور ملكا للّه تعالى، توقف الوفاء به على قصده، لأن تسليم ما في الذمة يتوقف على قصد المصداقية، و لولاه لم يتعين الخارجي لذلك، كما في سائر موارد ما في الذمة من الديون المالية، عينا كانت أو عملا.

أما بناء على أن مفاد النذر مجرد الالتزام بفعل المنذور، و أن مقتضى نفوذه وجوب الإتيان بالمنذور من دون أن يكون مملوكا للّه تعالى، فيكفي في الوفاء بالنذر تحقق الأمر المنذوركصوم اليوم الخاص‏من دون حاجة إلى قصد الوفاء بالنذر، لأن انطباق المنذور عليه قهري. و وجوب الوفاء بالنذر لو كان مولويا فهو توصلي لا يتوقف امتثاله على قصده.

لكنه يشكل بأنه بناء على إن مفاد النذر جعل المنذور ملكا للّه تعالى فتسليم ما في الذمة إنما يتوقف على قصد المصداقية إذا لم يكن المأتي به متعينا لها، كما إذا كان مدينا لشخص درهما أو خياطة ثوب، فإن الدرهم المدفوع و خياطة الثوب كما يمكن أن يقعا وفاء عن الدين، يمكن أن يكونا إهداء للدرهم، و تبرعا بالخياطة، فلا يتعينان للوفاء إلا بقصده.

أما إذا كان متعينا للمصداقية فلا يتوقف الوفاء على قصدها، كما إذا اقتضت الإجارة ملك المؤجر منفعة الأجير الخارجية، فإن المنفعة إذا حصلت تكون ملكا للمؤجر و وفاء بالإجارة و إن لم يقصد الأجير بالإتيان بها الوفاء بها، بل و إن قصد عدم الوفاء بها.

و على ذلك ففي المقام إن كان المنذور مطلق الصوم في اليوم المعين و لو كان واجبا، بأن يكون المنذور مجرد إشغال اليوم بالصوم، كفى في الوفاء بالنذر نية صوم ذلك اليوم مهما كان نوع الصوم المنوي، و لو مع الغفلة عن النذر، بل و لو قصد عدم الوفاء به، لأن انطباق المنذور على المأتي به قهري.

و إن كان المنذور هو أن يصوم في اليوم المعين صوما خاصا مباينا لبقية أنواع‏

17

نعم إذا قصد ما في ذمته و كان واحدا أجزأ عنه (1)، و في الاكتفاء في صحة الصوم المندوب المطلق بنية صوم غد قربة إلى اللّه تعالى إشكال.

بل الأظهر البطلان إلا إذا لم يكن عليه صوم واجب (2) و قصد الصوم‏ الصوم الواجب، فهو في الحقيقة صوم مستحب له لم يجب عليه إلا بالنذر. و حينئذ يكفي في الوفاء بالنذر أن ينوي الصوم في ذلك اليوم قربة إلى اللّه تعالى، لرجوعه إلى صوم ذلك اليوم امتثالا لأمره‏الاستحبابي الأولي و الوجوبي الثانوي بسبب النذر- فينطبق عليه المنذور قهرا، و يقع وفاء عن النذر و إن لم يقصد به ذلك.

نعم لو نوى به صوما آخر واجباكصوم الكفارة أو الإجارةأو مستحبا- كالصوم التبرعي وفاء عن ذمة الغيرلم يقع وفاء عن النذر، لعدم انطباق المنذور عليه حينئذ، نظير ما إذا نوى في شهر رمضان صوما غير صومه، حيث تقدم عدم إجزائه عن صومه إلا بدليل خاص.

(1) لرجوع ذلك إلى التعيين الإجمالي.

(2) إذ لو كان عليه صوم واجب كان الصوم الذي نوى التقرب به مرددا بين الواجب و المستحب، و لا مرجح لأحدهما، ليتعين انطباقه عليه، و لا وجود للمردد.

اللهم إلا أن يقال: مقتضى الجمع بين ما دل على استحباب الصوم في غير رمضان، و وجوب بعض الأنواع منه‏كصوم القضاء و الكفارةكون الصوم بذاته مستحبا، و بخصوصيته الخاصة واجبا، فمع الاقتصار على نية صوم الغد قربة إلى اللّه تعالى من دون قصد الخصوصية الواجبة يكون المقصود لبا هو التقرب بامتثال الأمر الوارد على الذات، و هو الأمر الاستحبابي.

و نظيره في ذلك صلاة ركعتين قربة إلى اللّه تعالى من دون قصد خصوصية القضاء أو غيرها من الخصوصيات الواجبة، و التصدق بمدّ قربة إلى اللّه تعالى من دون قصد خصوصية الفدية أو غيرها من الخصوصيات الواجبة، حيث يحملان على الصلاة و الصدقة المستحبتين. و نظيره في العرفيات إعطاء المال لشخص و تمليكه له،

18

المشروع في غد (1). و لو كان غد من أيام البيض مثلا، فإن قصد الطبيعة المطلقة صح مندوبا مطلقا، و إن قصد الطبيعة الخاصة صح المندوب الخاص، و إن قصد طبيعة مهملة مرددة بين مطلق المندوب و المندوب الخاص فالأظهر البطلان (2).

فإنه مع الاقتصار على ذلك‏من دون نية القرض أو الوفاء به، أو جعله ثمنا في بيع، أو نحو ذلك‏يكون هدية لا غير.

على أن قوله (قدّس سرّه): «و في الاكتفاء في صحة الصوم المندوب ...» ظاهر في فرض كون المقصود ارتكازا هو امتثال الأمر الاستحبابي، و هو راجع إلى نية الصوم المستحب دون الواجب.

نعم لو لم يكن الأمر الاستحبابي الذي يراد امتثاله متعلقا بمطلق الذات، بل بالخصوصية، و تعدد الأمر نتيجة تعدد الخصوصية، لم يكف في الامتثال قصد العمل قربة إلى اللّه تعالى، بل لا بد من قصد الخصوصية التي يراد امتثال أمرها و تعيينها، كصلاة الزيارة، و صلاة نافلة المغرب، و صوم الشكر، و صوم الاستغفارلو فرض مشروعيتهاو غيرها. و مع عدم قصد الخصوصية و الاقتصار على قصد العمل قربة إلى اللّه تعالى يتعين وقوعه امتثالا لأمر الذات، و هو الأمر الاستحبابي الأولي، كما سبق.

ثم إن ما ذكره (قدّس سرّه) مبني على مشروعية الصوم المستحب لمن عليه صوم واجب و لو في بعض الموارد، إذ لو قيل بعدم مشروعيته تعين عدم صحة المستحب ممن عليه صوم واجب. و توقفت صحة الصوم الواجب منه على نيته و لو إجمالا. و يأتي الكلام في ذلك في المسألة الحادية عشرة من الفصل الرابع في شرائط صحة الصوم إن شاء اللّه تعالى.

(1) معطوف على قوله (قدّس سرّه): «إذا لم يكن عليه ...». و مما سبق يظهر أنه لا حاجة إلى قصد المشروع، و أنه يكفي قصد الصوم قربة إلى اللّه تعالى.

(2) كأنه لعدم الجامع الحقيقي بين المطلق و المقيد، ليكون موضوعا للأمر،

19

..........

و يكون المأتي به مطابقا له، و امتثالا لأمره.

و فيه أولا: أنه يمتنع الإهمال في نفسه ثبوتا، بل يتردد الأمر بين الإطلاق و التقييد، لا غير، لأن الطبيعة حينما تؤخذ في الحكم تارة: يقتصر على حدودها المفهومية و أخرى: يؤخذ فيها قيد زائد عليها. و الأول راجع للإطلاق، و الثاني راجع للتقييد، و لا ثالث لهما، ليكون هو الإهمال. نعم يمكن الإجمال في مقام الإثبات، لعدم اهتمام الحاكم ببيان تمام حدود حكمه، على ما أوضحناه في مبحث التعبدي و التوصلي و مبحث المطلق و المقيد من الأصول.

و من الظاهر أنه لا مجال للإجمال‏فضلا عن الإهمال‏في مقام الامتثال لأن الممتثل إما أن يقتصر على قصد الطبيعة بما لها من حدود مفهومية، من دون أخذ قيد فيها، و إما أن يقصد الطبيعة ذات القيد الخاص، و لا معنى للإجمال أو الإهمال فيما يقصده.

و ثانيا: أن الأمر الاستحبابي بالمطلق تارة و بالمقيد أخرى، لا يرجع إلى الأمر بأمرين متباينين لا يتعين كل منهما إلا بقصده بعينه تفصيلا أو إجمالا، و لا يكفي قصد أحدهما بنحو الترديد، نظير الأمر بصوم الكفارة و صوم بدل الهدي، بل هو راجع إلى الأمر بالماهية بتمام أفرادها بنحو يشمل الواجد للقيد، و الأمر بخصوص الواجد للقيد، فيكون الواجد للقيد مأمورا به بأمرين يندكّ أحدهما بالآخر، و يكون استحبابه مؤكدا.

و حينئذ إن قصد الطبيعة دون الخصوصية فقد امتثل بالفرد أمر الطبيعة، و إن قصد الخصوصية فقد امتثل الأمرين معا. و كذا إذا قصد الأمر الوارد على اليوم الذي يريد صومه على ما هو عليه، فإنه حيث كان هو الأمر المؤكد فقد قصد امتثاله بالعمل المأتي به.

و بالجملة: إذا نوى صوم يوم معين قربة للّه تعالى فلا بد من البناء على صحة الصوم، لرجوع ذلك إلى قصد امتثال الأمر الوارد عليه. غاية الأمر أنه إن قصده على إجماله، أو ملتفتا لخصوصيته، كان ممتثلا الأمر المؤكد المتحصل من الأمرين معا، و إن قصد الأمر الوارد على الطبيعة وحده، كان ممتثلا له دون الأمر بالخصوصية.

20

[ (مسألة 7): وقت النية في الواجب المعين‏و لو بالعارض عند طلوع الفجر الصادق‏]

(مسألة 7): وقت النية في الواجب المعين‏و لو بالعارض (1)- عند طلوع الفجر الصادق (2) بحيث يحدث الصوم حينئذ مقارنا (1) يأتي الكلام في هذا التعميم إن شاء اللّه تعالى.

(2) كما في الشرائع و عن الشيخين، بل لعله المعروف بينهم. لأنه أول زمان الصوم، و عبادية الصوم تقتضي وقوعه بتمامه عن نية، كما هو الحال في سائر العبادات.

و هو المنصرف من النبوي: «لا تصام الفريضة إلا باعتقاد [و] نية» (1). و عليه ينزل النبوي الآخر: «لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل» (2). و النبوي الثالث: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» (3). بحمل تبييت النية على الطريقية من أجل إحراز وقوع الصوم بتمامه عن نية، لعدم تيسر إحراز ذلك إلا بالتبييت.

لكن لا مجال للتعويل على النبويات بعد عدم رواية أصحابنا لها إلا مرسلة في عوالي اللآلي. و الظاهر أنها من روايات المخالفين، كما صرح به في الغنية في الثاني. و أما الوجه الأول فيندفع بأن عبادية العبادة حيث كانت خلاف الأصل فاللازم الاقتصار فيها على المتيقن. و إذا تم الإجماع في كثير من العبادات على اعتبار وقوعها بتمامها عن نية فلا مجال له في المقام بعد ما حكاه في المختلف عن السيد المرتضى (قدّس سرّه) من إطلاق أن وقت النية في الصيام الواجب من الفجر إلى قبل الزوال، نظير ما يأتي منهم في الواجب غير المعين، و عن ابن الجنيد من إطلاق الاجتزاء بوقوعها في بعض النهار، نظير ما يأتي منهم في الصوم المستحب.

كما أنه حيث ثبت من النصوص الآتية الاجتزاء في بعض أفراد الصوم بنيته في بعض الوقت فلا بد من كون عبادية الصوم لا تقتضي نيته في تمام الوقت، و غاية ما يدعى أن الأصل في الصوم لزوم النية في تمام وقته إلا ما أخرجه الدليل. أو أن ذلك هو اللازم في الصوم الواجب المعين. و كلا الأمرين لا ينهض به ما سبق.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 4 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث 2.

(2) مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.

(3) مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.

21

..........

هذا و قد سبق من بعض مشايخنا (قدّس سرّه) الاستدلال على عبادية الصوم بما تضمن أنه مما بني عليه الإسلام، مع ضرورة أن الإسلام لا يبنى على مجرد الإمساك، بل خصوص ما كان منه عباديا. و قد جعل ذلك دليلا في المقام على عبادية الصوم بتمامه.

لكن تقدم إن ذلك لا يزيد على الضرورة على عبادية الصوم، و اللازم الاقتصار فيها على المتيقن.

و مثله ما ذكره (قدّس سرّه) من أن الكلام هنا ليس في نية التقرب بالصوم، بل في أصل نية الصوم و قصد عنوانه، و قصد عنوان العمل مما يتوقف عليه حصول المأمور به، إلا أن يثبت من الخارج عدم الحاجة لذلك، و ترتب الغرض على ذات العمل.

إذ فيه: أن اعتبار قصد عنوان العمل المأمور به أيضا يحتاج إلى دليل، و حيث ثبت اعتبار ذلك في الصوم، و اختلف في أمده، فاللازم الاقتصار فيه على المتيقن.

فالعمدة في المقام: أن الصوم عرفا و شرعا ليس مجرد ترك المفطر، بل القصد إلى ذلك، و لذا يصدق مع فعل المفطر جهلا أو نسيانا، و لا يصدق بتركه من دون قصد إليه، فهو متقوم بالقصد. و حينئذ فظاهر قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ (1). لزوم الصيام بالمعنى المذكور من ظهور الفجر إلى الليل و إشغال النهار كله بذلك. و هو مقتضى إطلاق قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ‏ (2)، و غيره مما تضمن الصيام في اليوم، و صيام اليوم، من الآيات و النصوص الكثيرة. فيكون ذلك هو الأصل في الصوم، ما لم يثبت الاجتزاء بنية الصوم في أثناء النهار، و احتساب ما سبق من الإمساك من دون نية منه.

هذا بالإضافة إلى نية الصوم، التي هي محل الكلام في المقام. و أما كون الداعي لذلك هو التقرب، و امتثال الأمر الشرعي به، فهو مفروغ عنه، تبعا للمفروغية عن‏

____________

(1) سورة البقرة الآية: 187.

(2) سورة البقرة الآية: 183- 184.

22

..........

كون الصوم من العبادات، و ليس الكلام في وجوب مقارنته للفجر و عدمها إلا تبعا للكلام في وجوب مقارنة نية الصوم له، و لا يحتمل وجوب مقارنة نية الصوم للفجر، و عدم وجوب مقارنة التقرب به له، بحيث يكتفي بنية الصوم مقارنة للفجر مع تأخر التقرب بها عنه.

و بالجملة: لا ينبغي التأمل في ظهور الأدلة الشارحة للصوم، و المتضمنة لوجوبه في النهار، في أنه عبارة عن القصد لترك المفطرات و نية الصوم عنها في تمام النهار، و بضميمة المفروغية عن كون الصوم من العبادات لا بد من مقارنة نية الصوم للتقرب. فلا بد في الاجتزاء بنية الصوم في أثناء النهار من قيام الدليل المخرج عن ذلك، و لو تم اقتصر على مورده، و لزم الرجوع في غيره لمقتضى الأصل.

و المظنون قويا أن ما سبق عن المرتضى و ابن الجنيد لا يبتني على إنكار أن مقتضى الأدلة الأولية اعتبار مقارنة النية للفجر، بل على استفادة الاكتفاء بالنية في أثناء النهار من النصوص الآتية، و فهم العموم منها، و من ثم استدل لهما بها في المختلف. و إن كان هو في غير محله بعد اختصاصها بغير الواجب المعين، و عدم وضوح إلغاء خصوصية مواردها عرفا، كما أشار إليه في المختلف أيضا.

هذا و عن ابن أبي عقيل وجوب تقديم نية صوم الفرض من الليل، و عن المرتضى أنها من قبل الفجر. و قد يستدل لهما بالنبويين المتقدمين جمودا على لسانهما.

لكن من القريب كون مرادهما التقديم من أجل إحراز استيعاب الوقت بالنية، كما سبق حمل النبويين على ذلك، و لو بقرينة النبوي الثالث. و إلا كان خاليا عن الدليل، و لا سيما بعد ضعف النبويين.

بل قد يدعى عدم وجوب الإحراز المذكور، لأن ذلك و إن كان هو مقتضى قاعدة الاشتغال بالصوم عن نية، إلا أن مقتضى جعل مبدأ الصوم في الآية الشريفة تبين الفجر عدم وجوب الاحتياط بنية الصوم قبل تبينه. كما أنه مقتضى استصحاب الليل و عدم النهار، الذي هو ظرف الصوم شرعا. غاية الأمر أن الاستصحاب لا يقتضي العفو عن عدم نية الصوم في بعض أجزاء النهار قبل تبين الفجر، بحيث يصح‏

23

..........

الصوم، بخلاف الآية الشريفة، حيث يستفاد ذلك منها عرفا تبعا.

و كيف كان فلا يعتبر فعلية النية حين الفجر، بل يكفي سبقها من دون عدول عنها، و إن تخلل النوم أو الغفلة عند الفجر، كما تقدم في المسألة الأولى. و من ثم اكتفى بعضهم بتبييت النية.

و ربما يستظهر منه البناء على لزوم التبييت، بحيث لا يجتزأ بحدوث النية في النهار السابق لو غفل عنها بنوم و نحوه في تمام الليل المتوسط بين اليومين. و قد يستدل له بالنبويين المتقدمين. لكنهما ظاهران بدوا في لزوم التقدم بالنية عن يوم الصوم، بحيث لا بد من وجودها في الليل من دون أن يمتنع تقدمها عليه.

و بعبارة أخرى: ليس مفاد النبويين مجرد لزوم وجود النية في الليل، بل استمرارها من الليل إلى يوم الصوم، و بضميمة المفروغية عن عدم قادحية الغفلة المتخللة يتعين حمل النية منهما على ما يعم النية الارتكازية، التي لا تنافيها الغفلة المتخللة، و على ذلك فتقديم النية التفصيلية على الدليل و حصولها النهار السابق من دون عدول عنها مستلزم لوجود النية الارتكازية في الليل، و استمرارها منه إلى نهار الصوم، و إن لم تتحقق النية التفصيلية في الليل.

على أن ضعف النبويين مانع من الاستدلال بهما، بل يتعين الرجوع للقاعدة المتقدمة المستفادة من الأدلة السابقة، و هي تقتضي لزوم نية الصوم في النهار، حيث يراد بها ما يعم النية الارتكازية التي لا تقدح فيها الغفلة، فهي حاصلة حتى مع تقديم النية التفصيلية في النهار السابق و إن تخللتها الغفلة في تمام الليل.

لكن ذكر بعض مشايخنا (قدّس سرّه) أن ذلك إنما يتجه مع حدوث الأمر بصوم اليوم المنوي، كما لو كان ذلك بعد دخول شهر رمضان، لظهور قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ (1). في الخطاب بصوم الشهر بتمامه بنحو الواجب المعلق. أما لو لم يحدث الأمر بالصوم المنوي، كما لو نوى في آخر يوم من شعبان أن يصوم غدا من رمضان، فنام في تمام الليل، فإنه لا يجزي، إذ لا مجال لنية الامتثال مع عدم فعلية الأمر

____________

(1) سورة البقرة الآية: 185.

24

للنية. و في الواجب غير المعين يمتد وقتها إلى الزوال (1) و إن تضيق‏ الممتثل، و في زمان الأمر لا قابلية له للخطاب بسبب نومه.

و فيه: أن النية المذكورة ليست نية للامتثال فعلا لتتوقف على فعلية الأمر، بل نية للامتثال معلقا على دخول الوقت و حصول الفجر الذي هو حال فعلية الأمر.

و الاجتزاء بها ليس بلحاظ حال حدوثها، بل بلحاظ استمرارها و بقائها ارتكازا أو حكما حال النهار الذي هو حال الامتثال لفعلية الأمر و إن لم يكن النائم قابلا لأن يوجه له. و من الظاهر أنه لا يفرق في حصول النية الارتكازية الاستمرارية بين سبق النية التفصيلية على الأمر المعلق المدعى و لحوقها له. و من ثم لا مخرج عما سبق.

(1) كما هو المعروف بين الأصحاب، و في المدارك أنهم قد قطعوا به، و في الجواهر أنه لا يعرف منهم قائل فيه بلزوم مقارنة النية لأول جزء من الصوم. نعم هو مقتضى إطلاق كلام المحقق في الشرائع.

و كيف كان فالنصوص الدالة على مشروعية نية الصوم في أثناء النهار كثيرة، يأتي بعضها. إلا أن الدليل على التحديد بالزوال ينحصر بحديث عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، و يريد أن يقتضيها متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس، فإن كان نوى الصوم فليصم، و إن كان نوى الإفطار فليفطر. سئل: فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: لا ...» (1).

و قد أورد على الاستدلال به بعض مشايخنا (قدّس سرّه) بأنه و إن عبر عنه بالموثق في كلام غير واحد، إلا أنه ضعيف، إذ لم يروه إلا الشيخ (قدّس سرّه) بسنده عن علي بن الحسن ابن فضال، و في سنده إليه علي بن محمد بن الزبير القرشي، و هو لم يوثق، فهو لا ينهض بالاستدلال.

أقول: علي بن محمد بن الزبير القرشي و إن لم ينص أحد على توثيقه، إلا أنه من مشايخ الإجازة، حتى قال الشيخ عنه: «روى عن علي بن الحسن بن فضال جميع كتبه،

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 10.

25

..........

و روى أكثر الأصول». و قد اقتصر الشيخ في روايته عن ابن فضال كتبه الكثيرة على الطريق المشتمل عليه، حيث رواها عن أحمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير المذكور عن الحسن بن علي بن فضال، و أورد كثيرا من روايات ابن فضال بالطريق المذكور، بنحو يظهر منه العمل بها و الاعتماد عليها في الفتوى. و من المعلوم من حال الشيخ (قدّس سرّه) أنه لا يعمل إلا برواية الثقة.

و لعل اهتمامه بالرواية عن ابن الزبير لعلو طبقته، و قصر السند الذي هو فيه لأن ابن فضال من أصحاب الإمامين الجواد و الهادي (عليهما السلام)، فرواية الشيخ عنه بواسطة رجلين مزية يهتم بها رجال الحديث، و إلى ذلك يشير النجاشي حيث قال في ترجمة أحمد بن عبدون المذكور: «و كان لقي أبا الحسن علي بن محمد القرشي المعروف بابن الزبير، و كان علوا في الوقت».

و من الظاهر أن الاهتمام بعلو الطبقة و قصر السند بنحو يقتصر عليه فرع الوثاقة، خصوصا في روايات الأحكام التي عليها المعول في العمل و الفتوى. و أما ما ذكره بعض مشايخنا (قدّس سرّه) من عدم الفرق بين رواية الرجل عن آخر رواية أو روايتين و بين روايته عنه أصلا من الأصول أو كتابا من الكتب. فهو كما ترى، للفرق الواضح بين الرواية و الروايتين، و رواية الكتب و الأصول المشهورة، ثم التعويل عليها في العمل و الفتوى.

و يؤيد وثاقة الرجل أن النجاشي روى عن ابن فضال كتبه بالطريق المذكور و بطريق آخر عن ابن عقدة، و قال بعد أن عدّ كتب ابن فضال: «و رأيت جماعة من شيوخنا يذكرون أن الكتاب المنسوب إلى علي بن الحسن بن فضال المعروف بأصفياء أمير المؤمنين (عليه السلام) يقولون: أنه موضوع عليه، لا أصل له. و اللّه أعلم. قالوا:

و هذا الكتاب ألصق روايته إلى أبي العباس بن عقدة و ابن الزبير، و لم نر أحدا ممن روى عن هذين الرجلين يقول: قرأته على الشيخ، غير أنه يضاف إلى كل رجل منهما بالإجازة حسب». لإشعار كلامه هذا أو ظهوره في مفروغية الشيوخ المذكورين عن وثاقة الرجلين، و عدم احتمال إلصاق الكتاب بابن فضال من قبلهما، و إنما العلة

26

..........

في الرواية عنهما بطريق الإجازة، لأنها ليست في الضبط كالقراءة. و من هنا فالظاهر وثاقة علي بن محمد بن الزبير، بل جلالته.

هذا و قد حاول بعض مشايخنا (قدّس سرّه) في مسألة مبطلية البقاء على حدث الحيض للصوم تصحيح طريق الشيخ لكتب ابن فضال بوجه آخر لم يتضح لنا الوجه في إهماله هنا.

و حاصله: أنه إذا روى شخصان كتابا واحدا أحدهما بطريق معتبر و الآخر بطريق ضعيف، و قد اشتركا في شيخ واحد، تعين اعتبار رواية ذي الطريق الضعيف لذلك الكتاب بعد رواية شيخه له بطريق معتبر حدث به الآخر.

و على ذلك فطريق الشيخ لكتب ابن فضال و إن كان ضعيفا إلا أن طريق النجاشي لها معتبر، و حيث كان الشيخ و النجاشي يشتركان في شيخ واحد، و هو أحمد ابن محمد بن عبدون، و قد روى الكتب المذكورة بالطريقين معا، تعين اعتبار رواية الشيخ لتلك الكتب.

لكن الكبرى التي ذكرها (قدّس سرّه) و إن كانت متينة جدا، إلا أنها لا تنطبق في المقام، لأن ابن عبدون إنما روى كتب ابن فضال بطريق واحد ذكره الشيخ و النجاشي، و هو المشتمل على علي بن محمد بن الزبير المذكور، و ليس له إليها طريق آخر.

و أما النجاشي فهو و إن روى الكتب المذكورة بطريق آخر معتبر، إلا أنه غير مشتمل على ابن عبدون حيث قال بعد ذكر الطريق الأول: «و أخبرنا محمد بن جعفر في آخرين عن أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن بكتبه».

نعم لا يبعد الاكتفاء بذلك في اعتبار الحديث، لظهور حال ابن عبدون في أن ما رواه للشيخ من كتب ابن فضال هو عين ما رواه للنجاشي، و ظهور حال النجاشي في أن ما رواه له ابن عبدون منها هو عين ما وصل له بالطريق الآخر المعتبر، و لازم ذلك اعتبار رواية الشيخ لكتب ابن فضال، لأنها عين ما رواه النجاشي بالطريق المعتبر. و إن كان الأمر أظهر من ذلك.

و بالجملة: لا ينبغي التأمل في اعتبار سند الحديث المذكور.

على أن الظاهر عمل الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في المقام به و اعتمادهم‏

27

..........

عليه، إذ ليس في نصوص المسألة ما يطابق فتواهم إثباتا و نفيا و لسانا غيره. و كفى بهذا جابرا للحديث لو كان ضعيفا في نفسه. بل هو في الحقيقة كاشف عن ثبوته عندهم، إما لوثاقة علي بن محمد بن الزبيركما سبق‏أو لاشتهار الكتاب المأخوذ منه، و إنما يذكر السند له لمحض إخراج الحديث عن الإرسال.

ثم إن بعض مشايخنا (قدّس سرّه) قد استدل للتحديد بالزوال بصحيح هشام ابن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت له: الرجل يصبح، و لا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم. فقال: إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه، و إن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» (1).

بتقريب: أن مقتضى الحكم باحتساب اليوم بتمامه إذا نوى الصوم قبل الزوال كونه بمنزلة النية عند الفجر في إجزائه عن صوم اليوم شرعا. كما أن الحكم باحتسابه من حين النية إذا نواه بعد الزوال لا يتناسب مع إجزائه، إذ لا يكفي صوم بعض اليوم في الصوم الواجب، فلا بد من حمله على النافلة، و يدل على أنه عمل مشروع يثاب عليه و إن لم يكن صوما حقيقيا، و قد سبقه إلى ذلك في الجملة المحقق الهمداني (قدّس سرّه) في مصباحه.

لكنه كما ترى تكلف يأباه ظاهر الصحيح، فإن صوم بعض اليوم غير مشروع لا فرضا و لا نفلا. و تنزيله على التفصيل بين الوجهين في مقدار الثواب من دون أن يكون صوما مشروعا يقتضي عدم الإجزاء فيهما معا، و مع كونه صوما مشروعا يقتضي الإجزاء فيهما معا. و حيث تضمن‏ككثير من النصوص‏إقرار نية الصوم تعين الثاني.

نظير ما في صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: من أصبح و هو يريد الصيام ثم بدا له الإفطار فله أن يفطر ما بينه و بين نصف النهار، ثم يقضي ذلك اليوم، فإن بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم، فإنه يحسب له من الساعة التي نوى فيها» (2).

إلا أن يحمل صحيح هشام على خصوص النافلة، جمعا مع حديث عمار

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 8.

(2) التهذيب ج: 4 ص: 187 باب: نية الصيام حديث: 7. أورد صدره في وسائل الشيعة ج: 7 باب:

4 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7. و ذيله في باب: 2 من الأبواب المذكورة حديث: 3.

28

..........

المتقدم. أو يدعى انصراف الصحيحين معا للنافلة، بسبب التركيز فيهما على الثواب، الذي هو الداعي المنظور في صوم النافلة. و على كلا الوجهين ينحصر دليل المسألة بحديث عمار. و من ثم سبق منا أن اعتماد الأصحاب عليه في المقام.

و به يخرج عن إطلاق صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: قال علي (عليه السلام): إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما، ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا و لم يفطر فهو بالخيار إن شاء صام، و إن شاء أفطر» (1)، و نحوه معتبر الجعفريات‏ (2). و قد يستفاد من غيرهما.

نعم في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح و لم يطعم و لم يشرب و لم ينو صياما، و كان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامة النهار؟ فقال: نعم له أن يصومه، و يعتد به من شهر رمضان» (3).

و في مرسل البزنطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت له: الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان، و يصبح فلا يأكل إلى العصر، أ يجوز أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال: نعم» (4).

و في معتبر الجعفريات عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أن رجلا من الأنصار أتى النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فصلى معه صلاة العصر، ثم قام، فقال: يا رسول اللّه إني كنت اليوم في ضيعة لي، و إني لم أطعم شيئا، أ فأصوم؟ قال: نعم. قال: إن عليّ يوما من رمضان أ فأجعله مكانه؟ قال: نعم» (5). و هوكما ترى‏صريح أو كالصريح في جواز نية قضاء شهر رمضان بعد الزوال.

لكن بعض مشايخنا (قدّس سرّه) منع من الاستدلال بالمرسل، بناء منه على عدم حجية مراسيل البزنطي و أضرابه ممن قيل إنه لا يروي إلا عن ثقة، و لم يذكر حديث الجعفريات،

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 5.

(2) مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 3 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.

3، 4 وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 6، 9.

(5) مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 3.

29

..........

غفلة، أو لما ذكره في غير هذا المورد من عدم حجية أحاديث الكتاب المذكور.

و أما صحيح عبد الرحمن فقد ادعى أنه مطلق يتعين حمله على ما قبل الزوال، جمعا مع دليل التحديد بالزوال، لدخول ما بين الطلوعين في نهار الصوم، فيكون ما قبل الزوال أكثر النهار.

و فيه: أنه ليس في اللغة و العرف و الشرع إلا نهار واحد، و هو عنده (قدّس سرّه) يبدأ من طلوع الشمس، و الصوم عنده يبدأ من بعض الليل. بل حتى بناء على المشهور المنصور من أن مبدأ النهار طلوع الفجر فنصف النهار عرفا هو الزوال الذي هو حد ميسور التشخيص. و عليه يبتني ما تقدم في صحيح عبد اللّه بن سنان. على أن صحيح عبد الرحمن لم يتضمن ذهاب أكثر النهار، بل عامته، و عامة الشي‏ء حقيقة جميعه، و عرفاكما هو المراد في المقام‏ما يقابل القليل منه جدا الذي يكاد لا يعتد به، فهو في الحقيقة إطلاق مجازي شايع عرفا، و لا إشكال في عدم صدقه بحصول الزوال. و ما في المختلف من احتمال إرادته مجازا، بعيد جدا، بنحو لا يعول عليه في مقام الجمع بين الأدلة عرفا. و من هنا لا ينبغي التأمل في منافاته للتحديد بالزوال.

و لا سيما مع اعتضاده بمرسل البزنطي الصريح في ذلك، و الذي هو حجة على التحقيق، كما يظهر مما ذكرناه في مسألة تحديد الكر من مباحث المياه، و كذا بحديث الجعفريات الذي هو حجة أيضا، على ما ذكرناه في المسألة الثانية و الأربعين من مقدمة كتاب التجارة.

و على ذلك فمقتضى الجمع العرفي حمل حديث عمار على كراهة الاجتزاء بنية الصوم بعد الزوال، لأنه أقل ثوابا، كما احتمله في الاستبصار و يأتي نظيره في المستحب.

و يناسبه صحيح هشام بن الحكم، و إطلاق صحيح عبد اللّه بن سنان المتقدمين. إلا أن يوهن بندرة القول بذلك، حيث لم ينسب إلا لابن الجنيد، و ظاهر الانتصار الإجماع على خلافه.

و لكن في بلوغ ذلك حدا تسقط معه النصوص المتقدمة عن الحجية إشكال.

و لا سيما مع عدم تعرض بعضهم للمسألة، و مع ظهور تبويب الكافي في الإطلاق،

30

وقته (1)، فإذا أصبح ناويا للإفطار، و بدا له قبل الزوال أن يصوم واجبا، و مع ما في الاستبصار من الجمع بين النصوص بحمل حديث عمار على الفضل، أو حمل مرسل البزنطي على جواز تجديد النية في أول وقت العصر، و ما في التهذيب من الاقتصار في باب نية الصيام على النصوص الموسعةبما في ذلك صحيح عبد الرحمن المتقدم‏من دون ذكر حديث عمار، حيث يصعب مع كل ذلك إحراز الإعراض المسقط للنصوص المذكورة عن الحجية.

بقي في المقام شي‏ء، و هو أن حديث عمار مختص بقضاء شهر رمضان، و التعدي منه لجميع أفراد الواجب غير المعين يبتني على فهم العموم منه، و إلغاء خصوصية مورده عرفا، و هو لا يخلو عن إشكال، لأن أهمية صوم شهر رمضان تناسب أهمية قضائه تبعا له، و ذلك كاف في احتمال خصوصيته في الخروج عن إطلاق ما دل على مشروعية نية الصوم في أثناء النهار، كصحيح محمد بن قيس و معتبر الجعفريات المتقدمين. و لا سيما مع امتيازه عن بقية أنواع الصوم الواجب الموسع بحرمة الإفطار فيه بعد الزوال، و وجوب الكفارة به، و مع إطلاق معتبر صالح بن عبد اللّه عن أبي إبراهيم (عليه السلام):

«قلت له: رجل جعل عليه الصيام شهرا، فيصبح و هو ينوي الصوم، ثم يبدو له فيفطر، و يصبح و هو لا ينوي الصوم، فيبدو له فيصوم. فقال: هذا كله جائز» (1).

(1) هذا لا يتناسب مع ما سبق منه (قدّس سرّه) من تعميم حكم الواجب المعين إلى ما إذا كان تعينه بالعارض. و يبدو من استدلاله (قدّس سرّه) أن عمله على الأخير، حيث قال في التعقيب على نصوص الاجتزاء بالنية قبل الزوال في الواجب غير المعين: «كما أن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين تضيق الوقت و عدمه، فالتعين بضيق الوقت بمنزلة عدمه».

و الذي ينبغي أن يقال: إن المنساق من النصوص هو ما لا يجب المبادرة له، إما لاستحبابه أو لكونه موسعا، لأن ذلك هو المناسب لما تضمنته من التعبير بأنه أراد أن يصوم أو يبدو له أن يصوم، أو له أن يصوم، أو نحو ذلك مما لا يناسب الوجوب المضيق و لو بالعرض.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 4.

31

..........

نعم مقتضى إطلاق حديث عمار الذي سبق أنه هو الدليل على التحديد بالزوال العموم لما إذا تضيق الوقت، لأن السؤال فيه عن وقت النية في قضاء شهر رمضان.

فإذا تم إلحاق بقية أنواع الواجب الموسع به تعين عمومه لما إذا تضيق بالعرض مثله.

و إلا احتاج الاجتزاء بتجديد النية فيه قبل الزوال للدليل، فضلا عن الاجتزاء فيه بتجديدها بعد الزوال.

أما بعض مشايخنا (قدّس سرّه) فقد ذهب إلى إلحاق المعين بغير المعين في الاجتزاء بتجديد النية في غير صورة تعمد عدم المبادرة بالنية من الفجر. لدعوى: أنه مقتضى الأولوية القطعية، لأنه إذا أجزأ تجديد النية في غير المعين مع إمكان امتثاله بفرد آخر كامل، فإجزاؤه في المعين الذي يتعذر امتثاله بفرد آخر أولى قطعا. و الى ذلك يرجع ما ذكره المحقق الهمداني (قدّس سرّه) من استفادة حكم المضيق بالفحوى، و تنقيح المناط.

نعم لا يجري ذلك في صوم شهر رمضان، لعدم انقسامه إلى معين و غير معين، ليستفاد حكم المعين من حكم غير المعين بالأولوية، بل هو معين لا غير، خارج عن موضوع النصوص السابقة.

و هو لو تم لا يختص بما إذا تعين الصوم الموسع بالعرض‏كتضيق الوقت‏بل يعم ما إذا كان متعينا بالأصل، كالصوم المنذور في وقت معين. غاية الأمر أنه لا بد من انقسام ماهية الصوم إلى قسمين معين و غير معين مشمول للنصوص السابقة، دون صوم شهر رمضان، الذي هو معين لا غير.

لكنه يشكل أولا: بأن لازمه العموم لما إذا تعمد عدم المبادرة بالنية من الفجر في المعين، لعموم النصوص في غير المعين لذلك و ما ذكره المحقق الهمداني (قدّس سرّه) من انصراف النصوص عنه و إن كان مسلما، بل هي قاصرة عنه، كما سبق، إلا أنه لا ينفع مع فرض الأولوية القطعية.

و ثانيا: بأن اللازم عدم اختصاص الاستثناء بصوم شهر رمضان، بل يجري في كل ما لا ينقسم إلى قسمين، بل يكون معينا لا غير، كصوم اليوم اللاحق لمن نام عن صلاة العشاء، لو قيل بوجوبه، و صوم ثالث الاعتكاف، فإن صوم الاعتكاف‏

32

..........

إما مستحب أو واجب معين، و ليس فيه واجب غير معين. و لا سيما و أن وجوبه ليس نفسيا، بل هو شرطي، لتوقف صحة الاعتكاف الواجب في اليوم الثالث عليه، و هو خارج عن موضوع النصوص قطعا، مع أنه (قدّس سرّه) صرح بالاجتزاء بتجديد النية في أثناء النهار فيه بمقتضى الأولوية المدعاة.

و ثالثا: بأن تعين وجوب الصوم إنما يقتضي الأولوية في الإجزاء بعد الفراغ عن عموم الملاك المقتضي للإجزاء لحال تعين الوجوب، بحيث يعلم بأن ما يترتب على الصوم المنوي في أثناء النهار من الملاك مع عدم تعين وجوبه يترتب عليه مع تعين وجوبه، إذ حينئذ يكون تشريع الصوم الواجد للملاك المذكور مع تعذر الامتثال بالفرد الأكمل أولى من تشريعه و الاكتفاء به مع القدرة على الامتثال بالفرد الأكمل.

و لكن الشأن في إحراز عموم الملاك مع قصور النصوص المتقدمة عن الواجب المعين.

و لعل الأولى أن يقال: إذا دلت الأدلة على الاجتزاء بتجديد النية في نوع من أنواع الصوم، كصوم القضاء، و صوم النذر، و صوم الكفارة، و غيرها، فخصوصية التعيين أو عدمه ملغية عرفا في ذلك، لأن الاجتزاء بتجديد النية من من شئون ذات الصوم و حقيقته ارتكازا، و التعيين و عدمه أمران خارجان عن حقيقته. فالنصوص في المقام و إن اختصت بالمستحب و الواجب غير المعين، كما سبق، إلا أنه يفهم منها عرفا العموم للواجب المعين إذا اتحد نوعا مع غير المعين، أما إذا كان نوعا برأسه- كصوم شهر رمضان و غيره مما سبق ذكره‏فلا طريق لإلحاقه بغير المعين من نوع آخر.

و لا سيما مع إطلاق موثق عمار الوارد في القضاء بنحو يشمل ما إذا تضيق، كما سبق.

هذا و لو تم إلحاق المعين بغير المعين فلا يفرق في المعين بين كون عدم المبادرة لنيته عن عمد و كونه عن عذر من جهل أو نسيان أو نحوهما.

و دعوى: أن تعمد عدم المبادرة قد يكون مانعا من صحة نية الصوم في المعين، لما فيه من التمرد، فيصعب إلغاء خصوصيته عرفا بعد فرض قصور النصوص عنه بدوا.

مدفوعة: بأنه بعد فهم عموم النصوص للمعين وسعة وقت النية فيه، فعدم المبادرة للنية لا يكون تمردا، لتوقف التمرد و العصيان على فوت محل النية، كما لعله ظاهر.

33

فنوى الصوم، أجزأه. و إن كان ذلك بعد الزوال لم يجز. و في المندوب يمتد وقتها إلى أن يبقى من النهار ما يمكن فيه تجديد النية (1).

(1) كما صرح به جماعة من القدماء، بل في الانتصار و الغنية و السرائر دعوى الإجماع عليه. و يقتضيه‏مضافا إلى إطلاق صحيحي هشام بن سالم و محمد بن قيس و معتبر الجعفريات المتقدمة، و إلى استفادته بالأولوية من نصوص التوسع في الواجب لو بني على العمل بهاموثق أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة. قال: هو بالخيار ما بينه و بين العصر، و إن مكث حتى العصر ثم بدا له أن يصوم و إن [فإن‏] لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء اللّه» (1).

و صحيح هشام بن سالم عنه (عليه السلام): «قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله، فيقول: عندكم شي‏ء؟ و إلا صمت، فإن كان عندهم شي‏ء أتوه به، و إلا صام» (2)، بناء على حمله على المستحب، لبعد أن يكون عليه (عليه السلام) صوم واجب لا يبادر له، و على أن المراد الدخول بعد صلاة الظهر، لأنه الوقت المعهود لدخول الرجل لداره لتناول الطعام بعد خروجه منها، و إلا كان بحكم المطلق.

و عن جماعة تحديده بالزوال كالواجب. و في الشرائع أنه الأشهر، و في المسالك أنه المشهور، و نسبه في المدارك للأكثر، و يشهد له موثق ابن بكير: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجنب، ثم ينام حتى يصبح، أ يصوم ذلك اليوم تطوعا؟

فقال: أ ليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار» (3). و مرسل دعائم الإسلام عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من أصبح لا ينوي الصوم، ثم بدا له أن يتطوع، فله ذلك ما لم تزل الشمس. و كذلك إن أصبح صائما متطوعا فله أن يفطر ما لم تزل الشمس» (4).

مضافا إلى إطلاق خبر ابن بكير عنه (عليه السلام): «سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب، ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل، و مضى ما مضى من النهار. قال: يصوم إن شاء.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7.

(3) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

(4) مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 3 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 2.

34

[ (مسألة 8): يجتزأ في شهر رمضان كله بنية واحدة قبل الشهر]

(مسألة 8): يجتزأ في شهر رمضان كله بنية واحدة قبل الشهر (1) و في‏ و هو بالخيار إلى نصف النهار» (1).

و يتعين الجمع بين الطائفتين بالحمل على اختلاف مراتب الفضل. و لا سيما مع عدم ظهور الموثق في تشريع التحديد بالزوال، بل في الإشارة للتحديد به المعهود، حيث لا يبعد كون التحديد المعهود هو التحديد بلحاظ الصوم التام، كما يناسبه ما تقدم في صحيح هشام بن سالم، و مع اشتمال المرسل على النهي عن الإفطار بعد الزوال المحمول على الفضل أيضا.

(1) كما صرح بذلك جماعة، و نسبه في التذكرة لأصحابنا. و عن المنتهى نسبته إلى الأصحاب من غير نقل خلاف، و في الانتصار و الخلاف و الغنية و محكي المسائل الرسية دعوى الإجماع عليه صريحا.

و قد يستدل عليه تارة: بأن صوم الشهر كله عبادة واحدة.

و أخرى: بقيام السيرة على الاجتزاء في صوم شهر رمضان بالبناء على صومه من أول الشهر، و الجري على ذلك في جميع الأيام، من دون تعمد نية كل منها على استقلاله. بل لا إشكال ظاهرا في اجتزائهم بالصوم لمن نام قبل المغرب و استمر نومه لما بعد الفجر من اليوم الثاني.

لكن يندفع الأول: أولا: بأن وحدة الخطاب بصوم الشهر في الآية الشريفة و غيرها لا ينافي انحلال الواجب و تعدده بعدد الأيام، بل هو من ضروريات الفقه، و لذا يمكن التفكيك بين الأيام في الإفطار و الصيام. بل الأولى دعوى ذلك في صوم الكفارة حيث يجب صوم مجموع أيامه بنحو الارتباطية، فلا يصح صوم البعض وحده كفارة، و إن صح ندبا.

و ثانيا: بأن ذلك‏لو تم‏إنما يقتضي لزوم النية في أول الشهربحيث لا يجتزأ بصوم بعض الشهر بدونهالا الاجتزاء بها عن النية لكل يوم، لوضوح أن النية كما

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 3.

35

..........

تعتبر في أول العبادة تعتبر في أجزائها، و هي الأيام في المقام.

و لهذا و نحوه تردد في الشرائع و النافع و القواعد. و مال في المعتبر و المدارك لوجوب تحديد النية، و به صرح في التذكرة و المختلف و جامع المقاصد و عن غيرها، بل في الحدائق أنه المشهور بين المتأخرين.

و أما الثاني فهو لا يختص بصوم رمضان، بل يجري في كل صوم مستمر، واجبا كان كصوم الكفارة المبني على التتابع في الأداء، أو مستحبا كصوم شعبان.

فإن سيرتهم الارتكازية في الجميع على نهج واحد. و من ثم لا يتضح امتياز صوم شهر رمضان عن صوم غيره في ذلك.

على أن المراد بذلك إن كان هو عدم لزوم استحضار النية في كل ليلة. فهو مبني على اعتبار الاستحضار في نية الصوم و غيره من العبادات، كي يتجه استثناء صوم رمضان، و التحقيق عدمه، و الاكتفاء بتحقق الداعي و الجري عليه ارتكازا من دون فرق بين الصوم و غيره، فضلا عن أفراد الصوم و أنواعه.

و إن كان هو عدم الإخلال بمثل النوم و نحوه لو طلع الفجر حينه، فلا يظن من أحد المنع منه في بقية أنواع الصوم لو سبقت النية. و إلا فالفرق في وجوب النية بين حدوث الصوم و بقائه بلا فارق، مع ضرورة عدم إخلال مثل النوم نهارا في جميع أنواع الصوم.

و دعوى: أن مقتضى الأصل قدح مثل النوم مطلقا، لمنافاته للنية المعتبرة في العبادة، و يلزم الاقتصار في الخروج عنه على المتيقن من الإجماع أو الضرورة، و هو النوم في أثناء النهار في جميع أنواع الصوم، و النوم في أثناء الليل بعد النية كذلك، و النوم في تمام الليل مع النية السابقة في أول الشهر في خصوص صوم رمضان دون غيره، للفرق بينهما بالإجماع.

مدفوعة: أولا: بعدم ظهور إجماع تعبدي يمكن الخروج به عن مقتضى القاعدة أو الأصل و لا سيما بعد ظهور الخلاف ممن سبق، و بعد تصريح المحقق في المعتبر بعدم العلم بالإجماع المدعى.

36

غيره لا بد في كل يوم من نية، في ليلته إلى طلوع الفجر، أو إلى الزوال (1).

[ (مسألة 9): الناسي و الجاهل في شهر رمضان إذا لم يستعملا المفطر و لم يفسدا صومهما برياء و نحوه‏]

(مسألة 9): الناسي و الجاهل في شهر رمضان إذا لم يستعملا المفطر و لم يفسدا صومهما برياء و نحوه (2) و ثانيا: بأن مقتضى الإطلاق و الأصل عدم اعتبار النية رأسا، و لزومها هو الذي يحتاج إلى دليل، و قد دل الدليل على ذلك في صوم شهر رمضان بنحو يقتضي مقارنة النية لأول النهار، و هو الظاهر في غيره من أنواع الصوم‏و لو لقاعدة الإلحاق، التي يأتي الكلام فيها في المفطر السابع‏كما تقدم في المسألة السابقة. و حينئذ لا بد من حمل النية المذكورةبضميمة ارتكازيات المتشرعة و سيرتهم‏على الاجتزاء بالعزم السابق على الصوم لليوم الواحد أو الأيام المتعددة، و عدم قدح النوم و نحوه إذا كان مبنيا عليها، لا على الإعراض عن الصوم. فاللازم البناء على ذلك في جميع أفراد الصوم و أنواعه بعد عدم وضوح المخرج عنه من إجماع تعبدي أو غيره.

و أما ما تضمن اشتراط الصوم بتبييت النية (1). فهومع ضعفه كما تقدم في أوائل الكلام في المسألة السابقةلا ينهض بتعيين كيفية النية، و لا ينافي الاجتزاء بالنية الارتكازية التي لا ينافيها النوم. بل لا يمكن البناء على حمله على خصوص النية التفصيلية التي ينافيها النوم. و لا سيما و أن المتيقن منه صوم شهر رمضان، لأنه أظهر أفراد الصوم، فالاجتزاء فيه بالنية الارتكازية المذكورة ملزم بحمل النبوي عليها.

(1) بلا خلاف أجده فيه، بل في الدروس الإجماع عليه. كذا في الجواهر.

و يظهر الحال فيه مما تقدم من عدم وضوح إجماع تعبدي ينهض بالفرق، و أن اللازم اعتبار استمرار النية في الكل، و الاكتفاء فيها بالنية الارتكازية الإجمالية، من دون أن ينافيها النوم و نحوه.

(2) المفروض في محل الكلام عدم الصوم، و هو لا يناسب فرض إبطاله بالرياء و نحوه. إلا أن يريد من إبطال الصوم بالرياء إبطال الإمساك به من دون نية

____________

(1) مستدرك الوسائل ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.

37

يجزيهما تجديد النية قبل الزوال (1). من غير فرق بين نسيان الحكم و نسيان الموضوع و كذلك في الجهل.

الصوم. و حينئذ قد يوجه الإشكال المذكور بانصراف أدلة الاجتزاء بالنية قبل الزوال أو قصورها عما إذا وقع الإمساك بوجه محرم، لأنه إذا وقع بوجه مبعد امتنع التقرب به بعد ذلك. لكن التقرب عند تجديد النية لا يكون به، لأنه أسبق منها، بل بالقصد للصوم المقارن للتقرب.

(1) فقد صرح جماعة ممن ذهب إلى وجوب مقارنة النية للفجر بجواز تجديدها للجاهل و الناسي، و لم يعرف الخلاف فيه، إلا ما حكاه في المختلف عن ابن أبي عقيل في الناسي، مع موافقته لهم في الجاهل.

و كيف كان فبعد أن سبق أن مقتضى القاعدة مقارنة النية للفجر، و أن ما دل على الاجتزاء بتجديدها في أثناء النهار لا يشمل الواجب المعين إذا كان نوعا برأسه بحيث ليس فيه غير معين، كصوم شهر رمضان و غيره مما تقدم، فيقع الكلام في وجه الاجتزاء فيه بتجديد النية مع النسيان أو مطلق العذر. و قد يستدل على ذلك بوجوه ..

الأول: حديث الرفع المشهور المتضمن رفع جملة من الأمور، منها الجهل و النسيان‏ (1).

و فيه: أنه إنما يقتضي رفع المؤاخذة و الآثار الشرعية المبتنية على تحميل مسئولية الإنسان لعمله، كالحد، و نفوذ العقد، و الإقرار، دون مثل بطلان العمل الذي هو أمر واقعي منتزع من عدم مطابقته لموضوع الأثر، و ما يترتب عليه من وجوب الإعادة تحقيقا للامتثال، أو القضاء تداركا للفائت، من دون أن يكون من سنخ المؤاخذة أو تحميل الإنسان مسئولية عمله. و لذا يجبان مع الاضطرار و الإكراه و إن كانا مرفوعين أيضا، كالجهل و النسيان في الحديث المذكور. و قد ذكرنا نظير ذلك بتفصيل عند الكلام في بيع الصبي و المكره من فصل شروط المتعاقدين من كتاب البيع.

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 11 باب: 56 من أبواب جهاد النفس.

38

..........

الثاني: النصوص الدالة على تجديد نية الصوم إذا دخل المسافر بلده قبل الزوال‏ (1). بل جعله في المدارك مستفادا من ذلك بالفحوى و الأولوية. و كأنه بلحاظ أن السفر في بعض اليوم نقص في الصوم زائد على النقص الحاصل من ترك النية.

و فيه أولا: أن ذلك يبتني على تجديد نية الصوم تبعا لتجدد التكليف به من دون أن يكون بعض الصوم الواجب فاقدا للنية، و ما نحن فيه يبتني على تجديدها تبعا لتجدد تنجزه مع سبق التكليف به من الفجر، بحيث يكون بعض الصوم الواجب فاقدا للنية. و حمله على الأول قياس مع الفارق.

و ثانيا: أن تلك النصوص إنما دلت على وجوب الصوم و مشروعيته بدخول البلد قبل الزوال، من دون تحديد لوقت النية، و أنه هل يشترط إيقاعها عند الدخول في أول زمان وجوب الصوم، أو يجوز تأخيرهامطلقا، أو مع العذرإلى الزوال أو إلى آخر النهار، بل ذلك موكول إلى هذه المسألة، من دون دخل له بتلك المسألة.

الثالث: المرسل في بعض كتب أصحابنا، أقدمها فيما عثرنا عليه المعتبر: «روي أن ليلة الشك أصبح الناس، فجاء إعرابي شهد برؤية الهلال، فأمر النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك» (2). و عن المنتهى: «و إذا جاز مع العذر و هو الجهل بالهلال جاز مع النسيان».

و فيه أولا: أنه ضعيف بالإرسال. و لا سيما بعد عدم العثور عليه في كتب الحديث للخاصة و العامة، و إنما ذكره بعض الفقهاء منا، كما ذكره السرخسي من العامة. قال: «و لنا حديث عكرمة عن ابن عباس (رضهما): أن الناس أصبحوا يوم الشك على عهد رسول اللّه (ص)، فقدم إعرابي، و شهد برؤية الهلال، فقال رسول اللّه (ص): أتشهد أن لا إله إلا اللّه، و إني رسول اللّه؟ فقال: نعم. فقال (ص): اللّه أكبر يكفي المسلمين أحدهم. فصام و أمر الناس بالصيام، و أمر مناديا، فنادى: ألا من كان أكل فلا يأكلن بقية يومه، و من لم يأكل فليصم» (3).

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب من يصح منه الصوم.

(2) المعتبر ص: 299.

(3) المبسوط للسرخسي ج: 3 ص: 62.

39

..........

و ذكر نحوه في المباركفوري‏ (1).

لكن الحديث لم يرو بهذه التتمة في كتب الحديث للعامة، و إنما اقتصر في بعضها على الأمر بالصيام، و صرح في بعضها بالأمر بالصيام غدا، و في آخر أن الأعرابي شهد ليلا. قال الزيلعي بعد ذكر الحديث بالتتمة المتقدمة: «قلت حديث غريب، و ذكره ابن الجوزي في التحقيق. و قال: إن هذا حديث لا يعرف، و إنما المعروف أنه شهد عنده برؤية الهلال، فأمر أن ينادى في الناس أن تصوموا غدا. و قد رواه الدارقطني بلفظ صريح: أن إعرابيا ليلة شهر رمضان، فذكر الحديث ...» (2).

نعم ورد المضمون المذكور من طرق العامة في صوم يوم عاشوراء. ففي حديث سلمة بن الأكوع قال: «أمر النبي (ص) رجلا من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، و من لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء» (3).

و نحوه غيره. و هو الذي ذكره الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية، مستدلين به على العامة، بضميمة أن يوم عاشوراء كان واجبا.

لكنه‏لو تم‏لا مجال للتعدي عن مورده، لأن تأخير النداء به إلى أثناء النهار لا بد أن يكون لعدم تشريعه إلا في ذلك الوقت. و التوسع في النية مع تأخر التشريع لا يستلزم التوسع فيها مع سبق التشريع و عدم المبادرة للنية للجهل بالحكم أو الموضوع أو نسيانهما.

هذا مع أنه لا مجال لاستدلالنا به لإثبات الحكم عندنا مع عدم ثبوته من طرقنا.

و دعوى: انجبار ضعف الحديث الأول الوارد في يوم الشك بعمل الأصحاب.

ممنوعة جدا. فإن ذلك إنما يتجه في الحديث الذي يرويه قدماء الأصحاب بطرقهم، و يثبتونه في كتب الحديث التي كانت تعرف فتاواهم منها. دون مثل هذا الحديث مما لم يذكر إلا في بعض كتب الاستدلال خصوصا مع ما عرفت من حاله.

و أما الإشكال فيه باشتماله على الاكتفاء بخبر الواحد المجهول في الهلال، و هو

____________

(1) تحفة الأحوذي ج: 3 ص: 354.

(2) نصب الراية ج: 2 ص: 435.

(3) صحيح البخاري ج: 2 ص: 705.

40

..........

مخالف للنص و الفتوى. فقد يندفع باحتمال النسخ في المقام.

و ثانيا: أنه لا يتضمن التحديد بالزوال. كما أنه مختص بصوم شهر رمضان، دون بقية الصوم المعين، و بالجهل دون النسيان.

اللهم إلا أن يعمم لبقية الصوم المعين بالأولوية، و للنسيان بإلغاء الخصوصية، و فهم العموم لكل عذر عرفا، كما ربما يرجع إليه ما تقدم عن المنتهى. و يكون الاستدلال به بلحاظ دلالته على العفو عن الإخلال بالنية في الجملة، لأنه قد تضمن قضية في واقعة لا إطلاق لها، و المتيقن منها قبل الزوال، و يكون المرجع فيما بعده القاعدة، المقتضية للبطلان كما تقدم. فتأمل. فالعمدة الوجه الأول من الإشكال.

و من ثم قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «فالعمدة إذا الإجماع. و لا يقدح فيه خلاف العماني، حيث ألحق الناسي بالعامد في البطلان. لكثرة تفرده في مخالفة الأصحاب. مع عدم ثبوت خلافه في المقام، كما قيل».

و الذي ينبغي أن يقال: شيوع الابتلاء بالمسألة في الجهل بسبب عدم وضوح الهلال من الليل يناسب وضوح الحكم فيها بنحو يبعد معه خطأ الأصحاب في الحكم بالإجزاء. غاية الأمر أنهم قد اضطربوا في توجيه حكم المسألة، كما اضطربوا في كثير من مباحث النية، و ذلك لا يمنع من الاطمئنان، بل القطع، بعدم خطئهم فيه.

غاية الأمر أن التحديد بالزوال يفقد الدليل المعتد به. إلا أنه مقتضى الأصل المتقدم، بعد كون المتيقن من الإجزاء ما قبله.

و أما النسيان فعدم شيوع الابتلاء به مانع من معرفة حكمه من السيرة.

و الظاهر أن بناء المشهور على الإجزاء معه يبتني على إلحاقه بالجهل. و هو قد يتجه لو كان الدليل في الجهل لفظيا، لدعوى إلغاء خصوصية الجهل فيه عرفا، و فهم العموم منه لمطلق العذر. أما حيث كان لبيا فإلحاقه بالجهل يتوقف على القطع بالعموم. و هو لا يخلو عن إشكال.

41

[ (مسألة 10): إذا صام يوم الشك بنية شعبان ندبا أو قضاء أو نذرا أجزأ عن شهر رمضان إن كان‏]

(مسألة 10): إذا صام يوم الشك بنية شعبان ندبا أو قضاء أو نذرا أجزأ عن شهر رمضان إن كان (1) و إذا تبين أنه من رمضان قبل الزوال أو بعده جدد النية (2)،

(1) كما هو المعروف بينهم، و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل ربما ظهر من المصنف و الفاضل نفيه بين المسلمين. بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض حد الاستفاضة إن لم يكن متواترا، كالنصوص».

لكن النصوص الواردة في صوم يوم الشك و إجزائه عن صوم شهر رمضان و إن كانت كثيرة.

إلا أن ما تضمن إجزاءه مع صومه بنية شعبان ليست بتلك الكثرة. و عمدتها موثق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المتقدم في المسألة الخامسة، و فيه: «إنما يصام يوم الشك من شعبان، و لا يصومه من شهر رمضان ... و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل اللّه، و بما قد وسع على عباده، و لو لا ذلك لهلك الناس» (1). و خبر الزهري المتقدم هناك أيضا (2).

و ما أرسله الصدوق عن عبد اللّه بن سنان: «أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صام شعبان، فلما كان شهر رمضان أضمر يوما من شهر رمضان، فبان أنه من شعبان، لأنه وقع فيه الشك. فقال: يعيد ذلك اليوم. و إن أضمر من شعبان فبان أنه من رمضان فلا شي‏ء عليه» (3).

هذا و قد تقدم في المسألة الخامسة الكلام في إطلاق هذه النصوص أو اختصاصها بما إذا صامه تطوعا. فراجع.

(2) كما هو مقتضى إطلاق الأمر بالتجديد في المعتبر، و التصريح بعمومه لما بعد الزوال في الدروس. إذ لا مجال للبقاء على النية الأولى بعد ظهور خطئها، فلا بد من العدول بها إلى ما علم. و ما دل على صوم يوم الشك من شعبان مختص بما إذا بقي‏

____________

1، 2، 3 وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 4، 8، 10.

42

و إن صامه بنية رمضان بطل (2) و إن صامه بنية الأمر الواقعي المتوجه إليه‏ اليوم يوم الشك إلى الليل، دون ما إذا ظهر حاله.

كما أن قوله (عليه السلام) في موثق سماعة المتقدم: «و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه ...» ظاهر في العفو عن النية الأولى و إجزائه عن شهر رمضان حين وقوعه، و مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين ظهور الحال قبل انقضاء اليوم و بعده. و هو مقتضى إطلاق خبر الزهري و مرسل الصدوق.

بل إجزاؤه عن شهر رمضان مع نيته بتمامه من شعبان يقتضي إجزاءه عنه مع نية بعضه منه بالأولوية العرفية. و أما ما سبق من الإشكال أو المنع من تجديد النية قبل الزوال أو بعده فإنما هو مع عدم نية الصوم، لا مع نيته خطأ بنحو يعفى عنه، و يجزي عن النية المطلوبة.

و منه يظهر ضعف ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من قصور النصوص عن صورة الانكشاف في الأثناء، و أن إلحاقها إنما كان بالإجماع أو بالأولوية، و المتيقن منهما صورة التجديد.

و أضعف منه ما في الجواهر من عدم وجوب تجديد النية للإطلاق. لما أشرنا إليه من أن موضوع الإطلاق يوم الشك، و قد خرج اليوم بانكشاف الحال عن ذلك.

مع أنه لا معنى للبقاء على النية الأولى بعد ظهور خطئها.

(2) كما صرح به غير واحد، و نسبه في المدارك للمعظم، و في الجواهر أنه المشهور بين الأصحاب. و قد يستدل له بأنه تشريع محرم، فيكون منهيا عنه، فيمتنع التقرب به، و يبطل مع الالتفات لذلك. لكنه مختص بما إذا رجع إلى تشريع ثبوت رمضان شرعا ببعض الطرق غير الشرعية، كشهادة النساء، أما إذا رجع إلى البناء على تحقق رمضان خارجا من دون أن ينسب للشارع، فلا يكون تشريعا، ليحرم.

فالعمدة النصوص المتقدمة و غيرها مما تضمن النهي عن صومه بنية شهر رمضان، فإنها ظاهرة في عدم مشروعية الصوم بالوجه المذكور، المستلزم لبطلانه.

و مثلها ما تضمن النهي عن صوم يوم الشك، كمعتبرة قتيبة الأعشى: «قال أبو

43

..........

عبد اللّه (عليه السلام): نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن صوم ستة أيام: العيدين، و أيام التشريق، و اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان» (1). حيث لا بد من حملها على صومه بنية شهر رمضان، جمعا مع النصوص الآمرة بصومه‏ (2)، بقرينة النصوص المفصلة.

مضافا إلى خصوص ما تضمن أن من صامه قضاه، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان، قال: عليه قضاؤه و إن كان كذلك» (3)، و صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال في يوم الشك: من صامه قضاه و إن كان كذلك ...» (4) فإنهما إن كانا مطلقين تعين حملهما على خصوص ما إذا صامه بنية رمضان بقرينة النصوص المفصلة. و إن كانا مختصين بصومه على أنه من شهر رمضان كانا نصا في المطلوب. كما يناسبه قوله (عليه السلام) فيهما:

«و إن كان كذلك»، لظهور اسم الإشارة في سبق فرض شهر رمضان.

بل هو صريح قوله في ذيل الثاني: «يعني: من صامه على أنه من شهر رمضان بغير رؤية قضاه، و إن كان يوما من شهر رمضان، لأن السنة جاءت في صيامه على أنه من شعبان، و من خالفها كان عليه القضاء». نعم لا يبعد عدم كون ذلك من تتمة كلام الإمام (عليه السلام)، بل من بعض الرواة، أو من الشيخ.

هذا و قد يستدل للإجزاء بموثق سماعة: «سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدري أ هو من شعبان أو من شهر رمضان، فصامه من شهر رمضان.

قال: هو يوم وفق له. لا قضاء عليه» (5)، و صحيح معاوية بن وهب: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 2.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته.

3، 4 وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1، 5.

(5) التهذيب ج: 4 ص: 181 باب: فضل صيام يوم الشك و الاحتياط لصيام شهر رمضان حديث:

4، الاستبصار ج: 2 ص: 78 باب: صيام يوم الشك حديث: 2. و قد أشار إليه محقق كتاب وسائل الشيعة ج: 7 في التعليق على الحديث السادس من باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته.

44

..........

فقال: هو شي‏ء وفق له» (1)، بناء على أن قوله: «من شهر رمضان» متعلق بقوله:

«يصوم».

و يندفع بأن الموثق و إن روي كذلك في التهذيبين المطبوعين حديثا، إلا أنه روي في الكافي هكذا: «فصامه، فكان من شهر رمضان» (2)، و هو أنسب بالجواب و بكلام الشيخ (قدّس سرّه) في التهذيبين، حيث ساق الموثق شاهدا للتفصيل المشهور. و بكلام صاحب الوسائل حيث حكى رواية الكافي عن الكليني و الشيخ (قدّس سرّهما) معا.

مضافا إلى ما أشتهر من أن الكافي أضبط. و لا أقل من التعارض، الموجب للتساقط، المانع من الاستدلال.

و أما الصحيح فكما يمكن أن يكون قوله فيه: «من شهر رمضان» متعلقا بقوله:

«يصوم» يمكن أن يكون متعلقا بقوله: «يشك». بل لعل الثاني أظهر، لأنه أقرب. و لا أقل من لزوم حمله عليه، جمعا مع بقية النصوص. على أنه لو فرض ظهورهما في ذلك فلا مجال للخروج بهما عما سبق من النصوص الكثيرة المعول عليها عند الأصحاب.

و منه يظهر ضعف ما في الخلاف و عن العماني و الإسكافي من إجزائه عن شهر رمضان لو صادفه، قال في الخلاف: «دليلنا: ما قدمناه من إجماع الفرقة و أخبارهم على أن من صام يوم الشك أجزأه عن شهر رمضان. و لم يفرقوا. و من قال من أصحابنا:

لا يجزيه، تعلق بقوله: أمرنا بأن نصوم يوم الشك بنية أنه من شعبان، و نهينا أن نصومه من رمضان، و هذا صامه بنية رمضان، فوجب أن لا يجزيه، لأنه مرتكب للنهي، و ذلك يدل على فساد المنهي عنه». و التدافع في كلامه ظاهر.

هذا و قد قال في المبسوط: «و صوم يوم الشك إن صامه بنية شعبان، ثم بان أنه من رمضان فقد أجزأه عنه. و إن صامه بنية رمضان بخبر واحد أو بأمارة أجزأه أيضا، لأنه يوم من رمضان، فأما مع عدم ذلك فإنه لا يجزيه، لأنه منهي عن صومه على هذا

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 6.

(2) الكافي ج: 4 ص: 82، 81 باب: اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان هو أو من شعبان حديث: 2. وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 6.

45

- إما الوجوبي أو الندبي‏فالظاهر الصحة (1).

الوجه ...»، و ما ذكره في الصورة الثانية إنما يتجه إذا أوجب خبر الواحد أو الأمارة العلم بدخول رمضان. أما إذا بقي الشك فهو داخل في النهي عن صوم يوم الشك بنية رمضان كالصورة الثالثة، إذ لا يثبت الهلال شرعا إلا بالبينة.

(1) كما قد يستفاد ممن صرح بالإجزاء في الصورة الآتية. و هو مقتضى القاعدة، لما هو التحقيق من عدم اعتبار نية الوجه. مضافا إلى استفادته من إطلاق جملة من النصوص المتضمنة إجزاء صوم يوم الشك عن رمضان إن صادفه من دون تنبيه فيها على لزوم نية صومه من شعبان.

بل حملها على خصوص صورة صومه بالنية المذكورة لا يخلو عن تكلف بعد كون المتعارف صومه برجاء كونه من شهر رمضان. و لا سيما صحيح الكاهلي:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان. قال: لأن أصوم يوما من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوما من شهر رمضان» (1).

و معتبر سماعة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صام أول يوم من شهر رمضان و هو شاك لا يدري أ من شعبان أو من رمضان. فقال: هو يوم وفق له لا قضاء عليه» (2).

و حديث بشير النبال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن صوم يوم الشك. فقال:

صمه فإن يك من شعبان كان تطوعا و إن يك من شهر رمضان فيوم وفقت له» (3) و غيرها.

و أما ما تضمن الأمر بصومه على أنه من شعبان، و النهي عن صومه على أنه من شهر رمضان‏ (4)، و الحكم بالبطلان في الثاني، و بالصحة في الأول‏ (5). فهو إما محمول على الحصر الإضافي في مقابل صومه على أنه من شهر رمضان، أو قاصر عن محل الكلام، لخروجه عن كلا الفرضين المذكورين فيه، فيرجع فيه للقاعدة التي عرفتها، و النصوص الأخر المشار إليها. فلاحظ.

____________

1، 2، 3، 4، 5 وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث:

1، 11، 3، 4، 8، 10.

46

و إن صامه على أنه إن كان من شعبان كان ندبا، و إن كان من رمضان كان وجوبا فللصحة وجه (1). و الأحوط القضاء فيهما.

هذا و الظاهر عدم التنافي بين محل الكلام و صومه على أنه من شعبان، إذ المراد بمحل الكلام هو النظر للواقع، و المراد بصومه على أنه من شعبان هو النظر للظاهر، لا أنه من شعبان واقعا، و من الظاهر عدم التنافي بينهما، بل رجوع أحدهما للآخر ثبوتا، و إمكان القصد لهما معا.

نعم يمكن انفكاك محل الكلام عن صومه على أنه من شعبان ظاهرا، بإغفال مقتضى الظاهر، فالكلام إنما يكون في خصوص هذا الفرض.

(1) كما في المبسوط و الخلاف و المختلف و الدروس و عن ابن أبي عقيل و غيرهم. و يظهر الوجه فيه مما تقدم في الفرض السابق، فإنهما من باب واحد.

و في النهاية و السرائر و الشرائع و التذكرة و المدارك، و عن سائر كتب الشيخ و أكثر المتأخرين، أنه لا يجزي. و عباراتهم بين ما هو نص فيه و ما يشمله بإطلاقه.

و قد يستدل عليه تارة: بمبطلية الترديد في النية، و أخرى: بظهور الأمر بصومه من شعبان في تعين ذلك و عدم إجزاء غيره. و يظهر الجواب عنهما مما سبق.

نعم استدل عليه بعض مشايخنا (قدّس سرّه) بأن مقتضى إطلاق ما تضمن النهي عن صومه من رمضان العموم لما إذا قصد رمضان رجاء و احتمالا، بل من البعيد حمله على خصوص صورة نية أنه من رمضان بنحو الجزم، لندرة حصول ذلك في يوم الشك.

لكنه كما ترى بعيد عن لسان النصوص المذكورة. كما لا يناسب النصوص الأخر التي تقدم الاستدلال بها للصحة. و أما ما ذكره من ندرة نية أنه من رمضان جزما في يوم الشك. فيندفع بأن من الممكن توهم توقف الإجزاء على الجزم بأنه من رمضان، للبناء على عدم إجزاء الفريضة إلا بنية امتثالها جزما، فلا يكون الاحتياط إلا بذلك، بل قال في التذكرة: «و قال أحمد: إن كانت السماء مصحية كره صومه. و إن كانت مغيمة وجب صومه، و يحكم بأنه من رمضان. و هو مروي عن ابن عمر ...».

47

..........

و حينئذ يمكن ورود هذه النصوص للردع عن ذلك.

بقي شي‏ء، و هو أن المعروف من مذهب الأصحاب استحباب صوم يوم الشك، و هو المدعى عليه الإجماع صريحا في الانتصار و الخلاف و الغنية، و ظاهرا في محكي غيرها.

و النصوص به مستفيضة، تقدم بعضها. و هي مؤكدة لمقتضى القاعدة من استحباب صومه شرعا استصحابا لشعبان، و حسنه عقلا احتياطا لشهر رمضان، لأنه حيث كان يقع عنه إذا صادفه، كان مقتضى الاحتياط له صومه. و قد تقدم أن ما تضمن النهي عن صومه محمول على صومه بنية شهر رمضان، كما هو الظاهر من بعضها، و لا أقل من كونه مقتضى نصوص التفصيل المتقدمة.

نعم قد لا يناسب ذلك صحيح عبد الكريم بن عمرو: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إني جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم. فقال: [صم. و] لا تصم في السفر، و لا في العيدين، و لا في أيام التشريق، و لا اليوم الذي يشك فيه» (1).

فإن النهي عن صومه تنفيذا لما جعله على نفسه لا يناسب مشروعية صومه في الجملة و لو بنية شعبان.

لكن لا مجال للخروج به عن النصوص الكثيرة المتقدمة. و لا سيما و في خبره الآخر: «حلفت في ما بيني و بين نفسي أن لا آكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد. فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام). قال: فقلت له: رجل من شيعتكم جعل للّه عليه أن لا يأكل طعاما بنهار أبدا حتى يقوم قائم آل محمد. قال: فصم إذا يا كرام. و لا تصم العيدين، و لا ثلاثة التشريق، و لا إذا كنت مسافرا و لا مريضا ...» (2). و هو و إن كان ضعيف السند، إلا أنه موجب لاحتمال التصحيف في الصحيح.

و لو غض النظر عن ذلك تعين حمله على التقية، لوجود ذلك في أقوال العامة. و في حديث محمد بن حكيم: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه، فإن الناس‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 6 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 3.

(2) الكافي: ج: 1: ص: 534 باب ما جاء في الاثني عشر و النص عليهم (عليه السلام) حديث: 19.

48

..........

يزعمون أن من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان. فقال: كذبوا إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفق [وفقوا] له. و إن كان من غيره فهو بمنزلة ما مضى من الأيام» (1).

و في المختلف: «و قال ابن الجنيد: لا استحب الابتداء بصيام يوم الشك، إلا إذا كان في السماء علة تمنع من الرؤية، استظهارا. و قال المفيد في الرسالة الغرية:

يكره صوم يوم الشك إذا لم يكن هناك عارض، و تيقن أول الشهر، و كان الجو سليما من العوارض و تفقد الهلال، و لم ير مع اجتهادهم في الطلب. و لا يكون هناك شك حينئذ. و يكره صومه حينئذ إلا لمن كان صائما قبل شعبان أو أياما تقدمته من شعبان.

بذلك جاءت الآثار عن الأئمة (عليهم السلام)».

و كأنه يشير بذلك إلى صحيح معمر بن خلاد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان، و لم يكن هو صائم، فأتوه بمائدة. فقال: ادن. و كان ذلك بعد العصر. فقلت: جعلت فداك صمت اليوم. فقال لي: و لم؟ قلت: جاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في اليوم الذي يشك فيه أنه قال: يوم وفق له. قال: أ ليس تدرون؟ إنما كان ذلك إذا كان لا يعلم أ هو من شعبان أم من شهر رمضان، فصام الرجل فكان من شهر رمضان، كان يوما وفق له. فأما و ليس علة و لا شبهة فلا. فقلت: أفطر الآن؟

فقال: لا ...» (2).

و في حديث الزهري عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه. أمرنا به إن نصومه من صيام شعبان، و نهينا أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس. فقلت: جعلت فداك، فإن لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع؟ قال: ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه ...» (3).

لكن صحيح معمر صريح في مشروعية الصوم مع عدم العلة، و لذا نهاه عن الإفطار. غايته أنه لا يكون من صوم يوم الشك المستحب بعنوانه، و الذي ورد أنه يوم وفق له، لعدم الشبهة. فهو راجع إلى نفي الموضوع. و حديث الزهري‏مع‏

____________

1، 2، 3 وسائل الشيعة ج: 7 باب: 5 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 7، 12، 8.

49

و إذا أصبح فيه ناويا للإفطار، فتبين أنه من رمضان قبل تناول المفطر، فإن كان قبل الزوال جدّد النية و اجتزأ به (1)، و إن كان بعده أمسك وجوبا (2).

و عليه قضاؤه (3).

ضعفه‏ظاهر بقرينة تتمته في النهي عن إفراد صوم يوم الشك على أنه من شهر رمضان، لا مطلقا. فلاحظ.

(1) كما يظهر مما تقدم في المسألة التاسعة.

(2) كما صرح به غير واحد، بل في الخلاف و جامع المقاصد الإجماع عليه، و في التذكرة أنه لم يخالف فيه إلا عطاء، و كذا أحمد في رواية و قريب منه عن المنتهى و الذكرى. و كفى بهذا الإجماع في مثل هذه المسألة العملية الشائعة الابتلاء دليلا مخرجا عن مقتضى الأصل.

مضافا إلى النصوص الواردة فيمن بطل صومه بتناول المفطر بعد الفجر من غير مراعاة (1)، أو مع خطأ المخبر ببقاء الليل‏ (2)، أو مع ظن كذب المخبر بدخول النهار (3). و فيمن نام جنبا حتى أصبح‏ (4)، أو تعمد البقاء على الجنابة (5). و غير ذلك.

حيث يظهر منها أن بطلان الصوم و وجوب قضائه لا يرفع وجوب الإمساك تأدبا.

و يؤيدها النبوي المرسل المتقدم في تحديد وقت النية في رمضان للجاهل و الناسي.

هذا و الكلام في وجوب الكفارة بترك الإمساك يبتني على الكلام في موضوع الكفارة و أنه مطلق استعمال المفطر، أو الإفطار. و يأتي إن شاء اللّه تعالى الكلام فيه في محله.

(3) لعدم الدليل على إجزاء النية بعد الزوال، بل مقتضى أدلة شرح الصوم عدم إجزائه، كما يظهر مما تقدم في المسألة السابعة و التاسعة.

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 45، 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.

(3) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.

(5) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك.

50

[ (مسألة 11): تجب استدامة النية إلى آخر النهار]

(مسألة 11): تجب استدامة النية إلى آخر النهار (1)، فإذا نوى القطع فعلا أو تردد بطل. و كذا إذا نوى القطع فيما يأتي (2)، أو تردد فيه، أو نوى المفطر مع العلم بمفطريته. و إذا تردد للشك في صحة صومه فالظاهر (1) و به صرح غير واحد لكون الصوم بتمامه أمرا قصديا عباديا، كما يظهر مما سبق في أوائل الكلام في المسألة السابعة، و لا يتحقق ذلك فيه إلا باستمرار النية في تمام النهار. غاية الأمر أنه تقدم الاكتفاء باستمرار النية ارتكازا بالنحو الذي لا يخل به الغفلة و النوم، و إنما يخل به العدول و التردد مع الالتفات. و هو المعبر عنه في كلام غير واحد بالنية الحكمية.

لكن يظهر من غير واحد التردد في ذلك. و صرح في المبسوط و الخلاف بعدم فساد الصوم بنية تركه أو نية فعل المفطر في أثناء النهار إذا سبقت نية الصوم. و هو المحكي عن السيد المرتضى (قدّس سرّه) مدعيا أنه مذهب جميع الفقهاء.

و قد يقرب ذلك بقياس الصوم على الصلاة، حيث لا تبطل بنية القطع أو القاطع ما لم يفعله. و بأن الأصحاب لم يذكروا ذلك في مبطلات الصوم. لكن لم يثبت في ذلك إجماع تعبدي ينهض بالاستدلال، و لا سيما بعد ظهور الخلاف حتى من السيد المرتضى نفسه في أول الأمر، حيث اعترف بأنه كان يرى فساد الصوم بذلك، ثم عدل عنه.

كما لا مجال لقياس الصوم على الصلاة. لعدم نهوض القياس بالاستدلال، و للفرق بأن النية غير مقومة للصلاة، و إنما هي شرط فيها، و المتيقن شرطيتها لأجزائها، بحيث لا تجزي إذا وقعت لا عن نية، من دون دليل على اعتبار استمرار النية فيها، أما الصوم فهو متقوم بالنية في تمام النهار، و هي لا تجتمع مع نية القطع في أثنائه.

و منه يظهر أن ذكر الأصحاب لاعتبار النية في الصوم يغني عن ذكر نية القطع في مبطلاته، فلا يدل عدم ذكرهم لها على عدم مبطليتها للصوم عندهم.

(2) لأن نيته لذلك لا تجتمع مع نيته للصوم المشروع، و هو الصوم في تمام النهار بنحو الارتباطية.

51

الصحة (1)، هذا في الواجب المعين، أما الواجب غير المعين فلا يقدح شي‏ء من ذلك فيه إذا رجع إلى نيته قبل الزوال (2).

[ (مسألة 12): لا يصح العدول من صوم إلى صوم إذا فات وقت نية المعدول إليه‏]

(مسألة 12): لا يصح العدول من صوم إلى صوم إذا فات وقت نية المعدول إليه (3)، و إلا صح (4)،

(1) لرجوعه للجزم بالنية على تقدير صحة الصوم، فإذا فرض صحته فهو غير فاقد للنية.

(2) لإطلاق ما دل على الاجتزاء بالنية المذكورة في الصوم المذكور لما إذا سبقت نيته ثم تردد فيه أو عدل عنه و ما إذا لم تسبق، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «قلت له: رجل أراد أن يصوم ارتفاع النهار أ يصوم؟ قال: نعم» (1).

و حتى ما كان منصرفا أو مختصا بما إذا لم تسبق نية الصوم المعدول عنها أو المتردد بعدها، يفهم منه العموم بضميمة إلغاء الخصوصية عرفا، لكون المرتكز أن العدول و التردد إنما يوجب إلغاء النية الأولى، فهي بحكم العدم، لا إنها مانعة من الصوم مع بقاء وقته، لاحتياج مانعيتها إلى عناية مغفول عنها. هذا و قد تقدم في المسألة السابعة أن الأمر لا يختص بغير المعين، بل يعم المعين بالعارض، بل حتى المعين بالأصل إذا كان من سنخه غير معين، كالصوم المنذور. فراجع.

(3) أما بعد تمامية صوم اليوم فلأنه قد تعين لما نوى له و صار امتثالا له مسقطا لأمره، و تبدل الحال بالعدول يحتاج إلى دليل، و بدونه فالأصل عدمه.

و أما في أثناء صوم اليوم، فلأن انقلاب ما وقع من أجزاء الصوم على طبق النية اللاحقة أيضا مخالف الأصل. بل هو خلاف ظاهر دليل تحديد وقت نية المعدول إليه، فمثلا إذا نوى صوم الكفارة، و بعد الزوال أراد العدول إلى صوم القضاء كان ذلك مخالفا لدليل تحديد نية صوم القضاء بالزوال.

(4) لأن العدول عما نواه أولا موجب لفساده بتخلف النية، فهو كما لو لم ينوه،

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 2 من أبواب وجوب الصوم و نيته حديث: 1.

52

على إشكال (1).

و حينئذ له تجديد النية للثاني مع بقاء وقتها.

(1) لاختصاص نصوص سعة النية بما إذا لم ينو الصوم، فإلحاق صورة ما إذا نوى صوما آخر غير ما نواه أخيرا يحتاج إلى دليل.

اللهم إلا أن يدعى فهمه من النصوص المذكورة بإلغاء خصوصية موردها عرفا. و لذا لا إشكال ظاهرا في جواز العدول إذا لم يكن الصوم الأول مشروعا، كما إذا كان عليه قضاء شهر رمضان، فنوى صوما مستحبا عمدا أو غفلة، ثم عدل لصوم القضاء قبل الزوال، مع أنه يشترك مع محل الكلام في الخروج عن مورد النصوص.

و ما ذلك إلا لفهم العموم من النصوص، و أنه بعد بقاء وقت النية للصوم المعدول إليه لا تمنع منه نية الصوم المعدول عنه، لبطلانه بالعدول و عدم ترتب الأثر عليه.

فتأمل.

53

[الفصل الثاني في المفطرات‏]

الفصل الثاني في المفطرات‏

[و هي أمور ..]

و هي أمور ..

[الأول و الثاني: الأكل و الشرب‏]

الأول و الثاني: الأكل و الشرب (1) مطلقا، و لو كانا قليلين (2)، أو (1) قطعا، بل هو من الضروريات الفقهية و الدينية. و يشهد به‏مضافا إلى ذلك‏الكتاب المجيد و السنة الشريفة التي تزيد على التواتر بمراتب.

(2) بلا خلاف ظاهر. لإطلاق الأدلة. و لا سيما ما تضمن وجوب الإعادة على من تمضمض فدخل الماء حلقه‏ (1). و صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «سألته عن الصائم هل يصح له أن يصب في أذنه الدهن؟ قال: إذا لم يدخل حلقه فلا بأس» (2).

لغلبة قلة ما يدخل في الحلق في الموردين.

و قد أضاف إلى ذلك بعض مشايخنا (قدّس سرّه) ما تضمن النهي عن مصّ الخاتم و النواة، و ذوق الطعام و نحو ذلك من الموارد الكثيرة التي يظهر منها بوضوح عدم الفرق بين القليل و الكثير.

لكن لم نعثر على النهي عن مص الخاتم، بل صرح في غير واحد من النصوص بجوازه‏ (3).

نعم ورد النهي عن مص النواة (4). إلا أنه لا بدّ من حمله على الكراهة، بعد عدم استلزامه دخول شي‏ء منها مهما قلّ إلى الجوف، و عدم ظهور القائل بمفطريته تعبدا لا

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.

(2) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.

3، 4 راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.

54

غير معتادين (1)

من جهة صدق الأكل عليه.

و مثله صحيح سعيد الأعرج: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصائم أ يذوق الشي‏ء و لا يبلعه؟ قال: لا» (1). و لا سيما مع النصوص الكثيرة المصرحة بجواز ذوق الطعام و المرق‏ (2) و مضغ الطعام للصبي و الطير (3). حيث لا بد مع ذلك من حمل الصحيح على الكراهة مطلقا، أو إذا وجد طعم ما يذوقه في حلقه لصحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام): «سألته عن الصائم يذوق الطعام و الشراب يجد طعمه في حلقه. قال: لا يفعل. قلت: فإن فعل فما عليه؟ قال: لا شي‏ء عليه و لا يعود» (4). بعد صعوبة حمل نصوص الترخيص على إطلاق الكراهة.

هذا مضافا إلى خروج ذلك كله عن محل الكلام، لعدم صدق الأكل في الموارد المذكورة حتى للقليل، فلو فرض مفطريتها فهي تعبدية لا بملاك الأكل و الشرب.

و دعوى: أن الاستدلال بها ليس بلحاظ مضمونها، بل بلحاظ ظهور السؤال فيها في مفروغية السائل عن مفطرية الطعام و الشراب القليل، و أن الوجه في السؤال عدم الوصول للجوف.

ممنوعة: لإمكان ابتناء السؤال على احتمال مفطريتها في قبال الأكل و الشرب، كالسؤال عن شم الطيب، و لبس الثوب المبلول و غيرها مما هو كثير جدا (5).

(1) أما عدم الاعتياد من حيثية نوع المطعوم و المشروب، كالتراب و النفط، فالعموم معه هو المعروف من مذهب الأصحاب، المدعى عليه الإجماع في الخلاف و الغنية و السرائر و ظاهر التذكرة و محكي المنتهى. بل في الناصريات و المختلف‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 2.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.

(3) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 38 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك.

(4) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك حديث: 5.

(5) راجع وسائل الشيعة ج: 7 باب: 3، 7، 24، 25، 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الإمساك و غيرها.