مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
7

الجزء الثاني‏

المبحث الثاني في أحكام الخلوة و فيه فصول:

الفصل الأول‏ يجب حال التخلي، بل في سائر الأحوال ستر (1) بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين (1) الكلام في مقامين.

الأول‏: في وجوب ستر العورة، و هو المدعى عليه الإجماع في كشف اللثام و الرياض، و عليه علماء الإسلام كما في المعتبر، و بإجماع علماء الإسلام كما عن المنتهى و التحرير و روض الجنان [1]، و بإجماع العلماء كما في جامع المقاصد، بل في الرياض: «بإجماع العلماء كافة، كما حكاه جماعة حد الاستفاضة»، و في الجواهر: «الإجماع محصلا و منقولا، بل ضرورة الدين في الجملة».

____________

[1] الموجود في المنتهى الإجماع على وجوب ستر العورة في الصلاة، و لعل نسبة الإطلاق إليه لما هو المعلوم من عدم خصوصية الصلاة في الوجوب التكليفي، أما في الروض فقد قال: «يجب ستر العورة في الصلاة بإجماع علماء الإسلام كما نقله في المعتبر»، و الموجود في المعتبر الإطلاق.

8

و يقتضيه‏مضافا إلى ذلك، و إلى مرتكزات المتشرعة القطعية، بل الضروريةالنصوص الكثيرة الآمرة بالمئزر لدخول الحمام، كصحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام): «سألته عن الحمام؟ فقال: ادخله بإزار.»، و صحيح رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله): من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر» (1) و غيرهما، لما هو المعلوم من أن الأمر بالمئزر لأجل ستر العورة، كما يومئ إليه صحيح الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يغتسل بغير إزار حيث لا يراه أحد؟ قال: لا بأس» (2).

و مثلها حديث أبي بصير: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يغتسل الرجل بارزا.

فقال: إذا لم يره أحد فلا بأس» (3)، فإنّه بقرينة ظهور بعض النصوص‏ (4) في كراهة الاغتسال تحت السماء بغير مئزر يتعين حمل البأس فيه على الحرمة. و في موثق سماعة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يحتبي بثوب واحد؟ فقال: إن كان يغطي عورته فلا بأس» (5). فتأمل.

و في حديث المناهي: «إذا اغتسل أحدكم في فضاء من الأرض، فليحاذر على عورته. و قال: لا يدخل أحدكم الحمام إلا بمئزر» (6)، إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي لا يضر ضعف سند بعضها بعد كثرتها، و اعتبار سند غير واحد منها، و تسالم الأصحاب على العمل بها.

و ربما يستدل عليه بما دل على حرمة النظر، بضميمة حرمة الإعانة على الإثم.

و يشكل: بعدم ثبوت عموم حرمة الإعانة عليه، و إنما الثابت حرمة التعاون عليه، الذي هو بمعنى حرمة الاشتراك فيه، و هو غير متحقق بمجرد التكشف،

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب آداب الحمام حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 11 من أبواب آداب الحمام حديث: 1، 2.

(3) الوسائل باب: 11 من أبواب آداب الحمام حديث: 1، 2.

(4) الوسائل باب: 10 من أبواب آداب الحمام حديث: 3، 4.

(5) الوسائل باب: 79 من أبواب أحكام العشرة حديث: 2.

(6) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

9

الذي لا يحقق إلا تمكين الغير من النظر.

هذا، و قد أشار شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) إلى الاستدلال بقوله تعالى:

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏. وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ‏ (1)، بدعوى: أن أحد أنحاء حفظه حفظه من أن يطلع عليه.

و فيه: أنه لا مجال للأخذ بإطلاق الحفظ، لما هو المعلوم من عدم وجوب الحفظ عن كثير من الأمور، فلا بد من كونه كناية عن جهة خاصة، و المنصرف عرفا منه خصوص النكاح.

و مثله ما ذكره بعض مشايخنا من حمل ذلك و نحوه على وجوب حفظ الفرج، عن كل ما يترقب منه من الاستلذاذات، كاللمس و النظر و النكاح، على ما تقتضيه القوة الشهوية و الطبع البشري، لعدم تقييد الحفظ بجهة دون جهة.

لاندفاعه. أولا: بأن التقييد بما يترقب منه الاستلذاذ ليس بأولى من الحمل على خصوص النكاح، بل الثاني أولى، كما ذكرنا.

و ثانيا: بأن ترقب الاستلذاذ غير دخيل في الحرمة، لا في النظر و لا في النكاح و لا في غيرهما، لما هو المعلوم من عموم الحرمة لما لو علم بعدم ترتبه.

و حمله على ما يترقب منه نوعا نظير الحكمة التي لا يضر تخلفها في بعض الموارد. لا شاهد عليه، بل قد لا يلتزم هو به، حيث صرح بجواز النظر إلى الحجم مع أنه قد يثير الشهوة، بل لا ريب في عدم وجوب حفظ الفرج عن أن يوصف، أو يذكرمثلامع ترقب إثارة الشهوة في مثل ذلك، فظهر أنه لا مجال للاستدلال بالآية الكريمة بنفسها.

نعم، في خبر أبي عمرو الزبيري، عن الصادق (عليه السلام) في بيان فروض الجوارح:

«و فرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم اللّه عليه. فقال‏ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏، أن ينظروا إلى عوراتهم و أن ينظر الرجل إلى‏

____________

(1) سورة النور: 30، 31.

10

فرج أخيه، و يحفظ فرجه أن ينظر إليه. و قال: كل شي‏ء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فإنها من النظر» (1)، و في مرسل الصدوق عنه (عليه السلام): «كل ما كان في كتاب اللّه من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنا، إلا في هذا الموضع، فإنه للحفظ من أن ينظر إليه» (2)، و في مجمع البيان و عن دعائم الإسلام‏ (3) أرسل نحوه عنه (عليه السلام)، و عن تفسير النعماني بإسناده عن علي (عليه السلام): «معناه: لا ينظر أحدكم إلى فرج أخيه المؤمن، أو يمكّنه من النظر إلى فرجه» (4).

و قد يؤيده ذكر الغض في الآية المناسب لإرادة التستر من الحفظ، و إن كان لا يخلو عن إشكال، لكن روى علي بن إبراهيم في تفسيره، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: كل آية في القرآن في ذكر الفرج فهي من الزنا إلا هذه الآية فإنها من النظر، فلا يحل لرجل مؤمن أن ينظر إلى فرج أخته، و لا يحل للمرأة أن تنظر إلى فرج أخيها» (5)، فإن ذيله قد يشعر باختصاص التحريم بغير المماثل، إلا أنه لا بد من حمله على محض التطبيق، فيتم الاستدلال بصدره.

هذا، و في صحيح ابن أبي يعفور: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): أ يتجرد الرجل عند صب الماء ترى عورته، أو يصب عليه الماء، أو يرى هو عورة الناس؟

قال: كان أبي يكره ذلك من كل أحد» (6)، و في حديث وصية النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلّم) لعلي (عليه السلام) في ذكر جملة مما كرهه اللّه تعالى لهذه الأمة: «و كره دخول الحمام إلا بمئزر» (7).

و لا بد من حمل الكراهة فيهما على ما يعم التحريم جمعا بين النصوص،

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب جهاد النفس حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(3) مستدرك الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(5) تفسير القمي ج 2 ص: 101.

(6) الوسائل باب: 3 من أبواب آداب الحمام حديث: 2.

(7) الوسائل باب: 9 من أبواب آداب الحمام حديث: 8

11

و لا سيما بعد عدم ثبوت اختصاص لفظ الكراهة في لسان الشارع بالمعنى المصطلح، فلا مجال للخروج بهما عن ظاهر النصوص المتقدمة، و لا سيما بعد إطباق الأصحاب على فهم الحرمة منها.

الثاني‏: في حرمة النظر إلى العورة.

و التأمل في كلماتهم شاهد بإطباقهم على ذلك‏و إن لم تكن تصريحاتهم به كالأول‏بل ادعى عليه في الجواهر الإجماع، بل الضرورة، كوجوب الستر.بل ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) أن بينهما ملازمة عرفية، فيكفي في الدليل على أحدهما إطلاقا و تقييدا الدليل على الآخر.

و إن كان لا يخلو عن إشكال، لعدم وضوح منشأ الملازمة المذكورة، و لا سيما مع افتراقهما في نظير المقام، حيث يجب على المرأة ستر بدنها، و لا يحرم على الرجل النظر إليه إذا كانت ممن إذا نهين لا ينتهين، كما يحرم على المرأة النظر إلى بدن الرجل في الجملة، و لا يجب عليه التستر منها.

نعم، قد يستفاد في بعض الموارد اختصاص موضوع الحرمة في أحدهما بموضوع الحرمة في الآخر، فيصح الاستدلال بالتقييد في أحدهما على التقييد في الآخر، إلا أنه لقرينة خارجية لا للملازمة العرفية بوجه مطلق.

و كيف كان، فيكفي فيه غير واحد من النصوص، كصحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه» (1)، و في حديث المناهي عنه (صلى اللَّه عليه و آله): «و نهى أن ينظر الرجل إلى عورة أخيه المسلم، و قال: من تأمل عورة أخيه المسلم لعنه سبعون ألف ملك. و نهى المرأة أن تنظر إلى عورة المرأة، و قال: من نظر إلى عورة أخيه المسلم، أو عورة غير أهله متعمدا أدخله اللّه مع المنافقين الذين كانوا يبحثون عن عورات الناس، و لم يخرج من الدنيا حتى يفضحه اللّه إلا أن يتوب» (2). و نحوه ما تضمن الأمر بغض النظر في الحمام‏ (3)، إلى غير ذلك.

____________

(1) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 3 من أبواب آداب الحمام حديث: 2. و باب: 9 من الأبواب المذكورة حديث: 7.

12

و أما الاستدلال بقوله تعالى‏ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‏. (1)، فهو موقوف على عموم من يجب الغض عنه للمماثل، بحيث يكون جواز النظر لما عدا العورة منه لتخصيص العموم المذكور، لا لقصوره عنه بسبب اختصاصه بالمخالف، و هو لا يخلو عن إشكال.

نعم، ما تقدم في خبر الزبيري، و عن تفسير النعماني ظاهر في اختصاصه بالنظر للعورة و عمومه لغير المماثل، و مثلهما في ذلك ما في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده محمد: «و فرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم اللّه عليه، فقال‏ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‏، فحرم أن ينظر أحد إلى فرج غيره» (2).

لكن، يشكل الخروج بهامع ضعف سندهاعن ظاهر الآية في إطلاق حرمة النظر لما عدا الفرج المستلزم لاختصاصه بغير المماثل، بل هو مخالف لمورد نزول الآية الذي تضمنه موثق سعد الإسكاف‏ (3)، حيث تضمن نزولها في شاب نظر امرأة فأعجبته، بل هو المناسب لذكر حرمة إبداء الزينة على النساء في السياق. فتأمل.

هذا، و في صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: نعم. قلت: أعني: سفليه [سفلته. خ. ل‏]؟ فقال:

ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره» (4)، و هو ظاهر في عدم حرمة النظر إلى العورة، لظهوره في السؤال عن حرمة العورة، فالردع عن تفسير السائل ظاهر في عدم حرمة المعنى الذي عناه.

لكن، لا بد من الخروج عن ظاهره بعد ما تقدم، و حمله على السؤال عن ورود الحديث بالمضمون المذكور، فلا يدل إلا على عدم كون المراد بذلك‏

____________

(1) سورة النور: 30، 31.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب جهاد النفس حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 104 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: 4.

(4) الوسائل باب: 8 من أبواب آداب الحمام حديث: 2.

13

الحديث حرمة النظر للعورة، و لا ينافي حرمته بدليل آخر، كما قد يناسبه ما في الكافي من قوله: «تعني: سفليه» بصيغة الخطاب.

بل هو صريح صحيح زيد أو موثقه، عنه (عليه السلام): «فيما جاء في الحديث: عورة المؤمن على المؤمن حرام. قال: ما هو أن ينكشف فترى منه شيئا، إنما هو أن تروي عليه أو تعيبه» (1)، و مثله في ذلك صحيح حذيفة بن منصور (2).

بل في موثق سدير: «دخلت أنا و أبي و جدي و عمي حماما بالمدينة، فإذا رجل في البيت المسلخ، فقال لنا: من القوم؟. (إلى أن قال) ما يمنعكم من الأزر، فإن رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) قال: عورة المؤمن على المؤمن حرام. (إلى أن قال)، فسألنا عن الرجل فإذا هو علي بن الحسين» (3)، و مقتضاه أن الحديث المذكور شامل لما نحن فيه، فلا بد أن يكون الردع في النصوص المتقدمة بلحاظ كون المعنى المذكور فيها هو أهم الإفراد الأولى بالمراعاة، لا للاختصاص به، كما أشار إليه غير واحد.

اللهم إلا أن يحمل على الاستدلال على الشي‏ء بنظيره، لتحقق الملاك فيه بنظره (عليه السلام)، أو لمحض الإقناع بسبب كون المعنى المذكور هو الذي يفهمه المخاطب، و إن لم يكن هو المراد الواقعي. فتأمل.

هذا، و قال شيخنا الأعظم (قدّس سرّه): «و عن بعض متأخري المتأخرين، أنه لو لم يكن مخافة خلاف الإجماع لأمكن القول بكراهة النظر، دون التحريم جمعا، كما يشير إليه ما رواه في الفقيه، عن الصادق (عليه السلام) انه قال: (أنا أكره النظر إلى عورة المسلم، فأما النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار) (4).

فيسهل الجمع بين الروايات. انتهى. و لا يخفى أن الجمع بحمل الكراهة في هذا الخبر على التحريم أولى من وجوه».

و قد أشرنا آخر الكلام في وجوب التستر إلى وجه الجمع الذي ذكره (قدّس سرّه).

____________

(1) الوسائل باب: 157 من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب آداب الحمام حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 9 من أبواب آداب الحمام حديث: 4.

(4) الوسائل باب: 6 من أبواب آداب الحمام حديث: 2.

14

بشرة العورة (1)، (1) الساتر. تارة: يستر اللون دون البشرة، كالزجاج الملون.

و اخرى‏: يستر البشرة ببعض مراتب الستر لرقته، نظير الظلمة الخفيفة.

و ثالثة: يستر البشرة بتمامها، بحيث لا يتميز منها شي‏ء، إلا أنه يتميز منه حجمها، بسبب عدم اختراق البصر لها و نفوذه فيما حولها من فضاء إلى النور، و لو لم يكن وراءها نور لما تميز الحجم.

و رابعة: يستر الحجم أيضا، إلا أنه يأخذ مثل ذلك الحجم بسبب التصاقه على البشرة، نظير القفاز الذي تجعل فيه اليد، و منه الطين الذي تطلي به العورة.

أما الأول فلا يظن من أحد الاكتفاء به، لصدق النظر إلى العورة و عدم صدق سترها معه، بل لا يصدق إلا ستر اللون الذي لم تتضمنه الأدلة. و قد يوهم ما يأتي من العلامة الاكتفاء به، و إن كان بعيدا.

و مثله الثاني، كما صرح به في الجواهر.

لكن، قد يظهر من العلامة (قدّس سرّه) الاكتفاء به إذا كان ساترا للون، لذكره اللون في غير واحد من كتبه، قال في القواعد في مبحث لباس المصلي: «و يكفيه ثوب واحد يحول بين الناظر و لون البشرة».

و في جامع المقاصد: «و ظاهر إطلاق العبارة يتناول ما إذا كان الثوب يستر اللون و يصف الخلقة و الحجم، فيجوز الصلاة فيه، و به صرح في التذكرة. و اختار شيخنا في الذكرى و غيرها عدم جواز الصلاة به، لمرفوع أحمد بن حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال: لا تصل فيما شف و وصف‏ (1). قال في الذكرى: معنى «شف» لاحت منه البشرة، و «وصف» حكى الحجم. و فيما اختاره قوة، للحديث، و لأن وصف الحجم موجب للهتك أيضا».

إلا أن يحمل على إرادة الاكتفاء بستر نفس البشرة، في مقابل لزوم ستر

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب لباس المصلي حديث: 4. و في معنى الحديث كلام بينهم أشار إليه في مفتاح الكرامة و الوسائل و كشف اللثام.

15

الحجم، كما يظهر من كشف اللثام.

و كيف كان، فالوجه في عدم الاكتفاء به ظهور الأدلة في لزوم ستر العورة بنحو يمنع من النظر إليهاغير الحاصل في الفرض و إن لم يصدق معه الكشف‏لا مسمى الستر المانع من بعض مراتب النظر.

لكن، قال الفقيه الهمداني (قدّس سرّه): «و الواجب من الستر ما يحصل به مسماه بحيث لا يعد في العرف مكشوف العورة، فلا بأس. بالساتر الرقيق الذي يحكي شكل العورة من ورائه، لو لم يكن من الرقة و سعة منافذه على وجه لا يعد في العرف حاجبا لما وراءه، و لا اعتبار بالدقة العقلية، كما في غيره من الأحكام الشرعية.». و لا يخلو كلامه عن إجمال.

و أما الثالث فالظاهر الاكتفاء به، لصدق الستر معه، و مجرد تميز الحجم لا دليل على حرمته بعد فرض عدم النظر إلى ذي الحجم.

و أولى منه الرابع، إذ لا يظهر معه حتى الحجم، بل الظاهر حجم الساتر، المماثل لحجم المستور، كما نبه له غير واحد. و يقتضيه ما دل على أن النورة سترة (1)، و إن كان ضعيفا سندا.

و من الغريب ما أصر عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من عدم صدق ستر العورة مع ذلك، إذ ليس سترها إلا كستر البدن، لا يراد به إلا وجود الحائل بينه و بين الناظر.

إلا أن يدعى أن قبح العورة قائم بهيئتها، كقيامه ببشرتها، فملاك ستر البشرة موجود ارتكازا في ستر الحجم، كما قد يشير إليه ما تقدم من جامع المقاصد. و لذا كان ستر الحجم مقتضى المرتكزات. لكنه بالقياس و الاستحسان أشبه، و المرتكزات لا تبلغ مرتبة القطع.

هذا، و كلماتهم لا تخلو عن تشويش و اضطراب، فمن قال بوجوب ستر الحجم، كما يمكن حمل كلامه على الوجه الرابع يمكن حمله على الوجه الثالث، بل الثاني، في قبال الاكتفاء بستر اللون، بل صريح الوحيد و الجواهر عدم إرادة

____________

(1) الوسائل باب: 18 من أبواب آداب الحمام حديث: 1، 2.

16

و هي القبل و الدبر (1) الوجه الرابع من الحجم.

كما أن من قال بعدم وجوب ستره مقتضى استدلالهم بما دل على أن النورة سترة إرادة خصوص الوجه الرابع، و مقتضى سوقهم ذلك مساق الاكتفاء بستر اللون إرادة ما يعم الوجوه الثلاثة الأخيرة. بل قد يوهم إرادة ما يعم الوجه الأول، و إن كان بعيدا جدا.

(1) كما نص عليه جماهير الأصحاب. كذا في مفتاح الكرامة، و عليه إجماع الفرقة، كما في الخلاف، و إجماع أهل البيت، كما عن السرائر.

لأنه المتيقن من لفظ العورة و الفرج، إن لم يكن هو المتبادر منهما، فيرجع في غيره للأصل.

مضافا إلى مرسل الواسطي، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام): «العورة عورتان:

القبل و الدبر. و الدبر مستور بالأليتين، فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة» (1)، و قريب منه مرسل الكليني‏ (2)، و قد يشير إليه صحيح عبد اللّه بن سنان المتقدم.

و من ذلك يظهر ضعف ما عن الكركي في حاشية الإرشاد من إلحاق العجان بذلك في وجوب الستر.

و عن القاضي و الحلبي: أن العورة من السرة إلى الركبة، و عن ثانيهما: أن ذلك لا يتم إلا بستر نصف الساق، و قد يستدل عليه بالنصوص الآمرة بالإزار.

و فيه‏مع عدم ملازمة الإزار لستر جميع ذلك‏أن ظهور بعضها في أن وجوبه لأجل ستر العورة موجب لصرف الوجوب إليها، و هو يقتضي الاقتصار على المتيقن منها.

نعم، في خبر الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليه السلام): «قال: إذا زوج‏

____________

(1) الوسائل باب: 4 من أبواب آداب الحمام حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 4 من أبواب آداب الحمام حديث: 3.

17

الرجل أمته فلا ينظرن إلى عورتها. و العورة ما بين السرة و الركبة» (1)، و خبر بشير النبال قد تضمن اتزار الإمام (عليه السلام) حين أمر صاحب الحمام فطلى ما كان خارج الإزار، ثمَّ أخرجه و طلى هو (عليه السلام) ما تحت الإزار، ثمَّ قال: «هكذا فافعل» (2)، و في حديث الأربعمائة، عن علي (عليه السلام): «ليس للرجل أن يكشف فخذيه و يجلس بين قوم» (3).

لكنهامع ضعف سند الأولين، و هجر الكل عند الأصحاب، و موافقة لسان الأول لبعض العامة، و عدم ظهور الثاني في الوجوب، للعلم بعدم وجوب كثير من الخصوصيات التي تضمنها، و عدم ملازمة الإزار لستر جميع ذلك. و ظهور الثالث في بيان آداب الجلوس مع القوم لا وجوب الستر عن كل أحدمعارضة بما سبق، و بخبر علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «و سألته عن الرجل يكون ببطن فخذه أو أليته الجرح، هل يصلح للمرأة أن تنظر إليه و تداويه؟ قال: إذا لم يكن عورة فلا بأس» (4).

و رواية الميثمي عن محمد بن حكيم قال: «لا أعلمه إلا قال: رأيت أبا عبد اللّه، أو من رآه متجردا، و على عورته ثوب، فقال: إن الفخذ ليس من العورة» (5)، و ما في حديث المرافقي في الحمام: «إن أبا جعفر (عليه السلام) كان يدخله فيبدأ فيطلي عانته و ما يليها، ثمَّ يلف إزاره على أطراف إحليله، و يدعوني فاطلي سائر بدنه» (6).

فلا بد من حمل هذه النصوص على الاستحباب و لو لأنه مقتضى الحشمة.

و لعل ذلك هو المصحح لإطلاق العورة التي قيل في تعريفها: أنه ما يستحي منه، و كأنه إلى ذلك نظر في محكي الغنية و الوسيلة من أن ما بين السرة و الركبة عورة يستحب ستره.

____________

(1) الوسائل باب: 44 من أبواب نكاح العبيد و الإماء حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 31 من أبواب آداب الحمام حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام الملابس من كتاب الصلاة حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 30 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: 4.

(5) الوسائل باب: 4 من أبواب آداب الحمام حديث: 1.

(6) الوسائل باب: 18 من أبواب آداب الحمام حديث: 1.

18

و البيضتان (1) عن كل ناظر مميز (2) (1) الظاهر دخولهما في القبل عرفا، بل عن جماعة أنه المشهور، و عن آخرين أنه الأشهر. و يشهد به مرسل الواسطي المتقدم.

و عن ظاهر التحرير التوقف، و هو في غير محله، بل لا ينبغي الإشكال في كونهما من العورة، و هو المدعى عليه الإجماع في المدارك.

(2) كما هو ظاهر جامع المقاصد و المدارك و الجواهر و شيخنا الأعظم (قدّس سرّه)، بل في الجواهر أنه الظاهر من إطلاق النص و الفتوى.

و قد يستدل له بعموم حديث أبي بصير المتقدم، و الإطلاق المستفاد من حذف المتعلق فيما تقدم من موثق سماعة، و حديث المناهي، و صحيح ابن أبي يعفور، بناء على حمل الكراهة فيه على الحرمة، و الآية بناء على حملها على الحفظ من النظر.

لكن، الأول لما كان واردا لبيان جواز اغتسال الرجل بارزا في نفسه، و أن حرمته لأجل اطلاع غيره عليه لم يبعد قصوره عن العموم، و انصراف قوله: «إذا لم يره أحد» إلى خصوص من هو مفروغ عن حرمة اطلاعه.

نعم، لو كان واردا لبيان حرمة الاطلاع كان عمومه مستحكما. فتأمل جيدا.

و الثاني وارد لبيان جواز الاحتباء بالثوب الواحد إذا كان ساترا، لا لبيان وجوب التستر لينعقد له ظهور في الإطلاق بالإضافة إلى من يجب التستر عنه.

و مثله الثالث، إذ هومع ضعف سنده‏وارد لبيان وجوب الاحتياط عند احتمال وجود الناظر بعد الفراغ عن وجوب التستر منه، لا لبيان وجوب التستر.

و الرابع إنما يحمل على ما يعم الحرمة لا على خصوصها، مع قرب وروده لبيان عدم استثناء حال صب الماء من إطلاق حرمة التكشف لعدم كونه عذرا مسوغا له، لا لبيان الحرمة ليكون له إطلاق من حيثية الناظر.

و حمل الآية على ما نحن فيه إنما يتم بالنصوص المفسرة لها، و هي ضعيفة السند.

19

و الانجبار بعمل الأصحاب غير ظاهر بعد قرب استنادهم لوجوه أخرى في أصل الحكم، بل في عمومه أيضالو تمَّ بناؤهم عليه.

و أما ما في بعض النصوص من قولهم (عليهم السلام): «لا يدخل الرجل مع ابنه الحمام فينظر إلى عورته» (1)، فهومع ضعف سنده‏ظاهر في لزوم التجنب عن النظر لعورة الولد، لا في حرمة تمكين الولد من النظر لعورة والده ليقتضي وجوب التستر عنه.

مع قرب وروده لدفع توهم كون البنوة مسوغة للنظر المفروغ عن كونه محرما بدونها، لا لتشريع حرمة النظر ليكون له إطلاق من جهة الناظر أو المنظور إليه، و يشمل غير المميز.

و أما النصوص الآمرة بالمئزر، فحيث كانت واردة في الحمام الذي يجتمع فيه كثير من الأصناف يشكل استفادة الإطلاق منها.

بل مقتضى تعليل الأمر بالإزار في موثق سدير المتقدم بقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «عورة المؤمن على المؤمن حرام» وجوب التستر من المؤمن الذي يحرم عليه النظر، و لا يكفي فيه التمييز.

و مثله النبوي: «إياك و دخول الحمام بغير مئزر، ملعون ملعون الناظر و المنظور إليه» (2)، إذ لا يبعد ورود اللعن لبيان اشتراك الناظر و المنظور إليه في الحرمة، فيقصر عما لو لم يحرم النظر على الناظر.

نعم، في النبوي الآخر: «لعن رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) الناظر و المنظور إليه في الحمام بلا مئزر» (3)، و حيث لم يرد مورد التعليل قد يتم إطلاقه، إلا أن ضعف سنده‏كما سبقه‏مانع من الاستدلال به.

مع قرب أن يكون ورود نصوص الحمام للحث على المئزر كاشفا عن عدم كونه في مقام بيان من يحرم عليه النظر و يجب التستر عنه، بل لبيان عدم كون‏

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب آداب الحمام حديث: 1، 2.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب آداب الحمام حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 21 من أبواب آداب الحمام حديث: 1.

20

الحمام مسوغا للتكشف أمام من يجب التستر عنه في نفسه. فتأمل.

و لعله لذا كان ظاهر إطلاق الحدائق عدم وجوب التستر من الطفل المميز.

قال: «و المراد بالناظر المحترم من يحرم نظره، فلا يجب التستر عن الزوجة و الطفل و الجارية التي يباح وطؤها».

و بالجملة: لا مجال لإثبات العموم المذكور من الأدلة المتقدمة.

لكن قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «لا يبعد أن يكون الظاهر من الأصحاب التسالم على هذا الإطلاق، و لعل مثله كاف في الحكم بذلك، و لا سيما مع موافقته لارتكاز المتشرعة. فتأمل».

و لعل أمره بالتأمل إشارة للخدش في ذلك بأنه لا مجال لاستفادة التسالم الكاشف عن رأي المعصوم بتصريح من عرفت.

و عدم وضوح كون الارتكازيات المذكورة متشرعية راجعة إلى ارتكازهم بما هم أهل شرع و دين، بل لعلها عقلائية أدبية بلحاظ منافاة التكشف أمام المميز للحشمة و الوقار.

نعم، قد يقال: المناسبات الارتكازية تقتضي كون وجوب التستر و حرمة النظر من جهة احترام المؤمن و حفظ كرامته من أن ينظر إلى عورته، كما يناسبه التعبير بالعورة في بعض النصوص، و يشير إليه ما في موثق سدير المتقدم، فإن الاستدلال على وجوب التستر عن الغير بالنبوي الدال على حرمة نظره لا يتجه إلا لكونه واردا بلحاظ الجهة المذكورة المقتضية للأمرين معا، بل هو المناسب لإرادة المعنى الآخر من النبوي الذي أشير إليه في أحاديث عبد اللّه بن سنان، و حذيفة بن منصور و زيد الشحام، لأن الجهة الجامعة بين المعنيين تناسب الجهة المذكورة جدا، بل هو المناسب للنص الآتي المفصل بين عورة المسلم و الكافر.

و حينئذ فالأمر بالتستر من دون تعيين لمن يتستر منه موجب لانصرافه بحكم الإطلاقات المقامية إلى كل من يقبح اطلاعه على العورة و يستحي منه عرفا، و هو كل مميز و إن لم يحرم عليه النظر.

و لذا لا إشكال في وجوب التستر عن الكافر، مع أنه كالطفل المميز في‏

21

قصور الإطلاقات اللفظية عنه، فلو لا الجهة المذكورة التي تقتضي التستر عن الكافر بالأولوية العرفية من المؤمن لم يكن وجه للبناء على وجوب التستر عنه.

نعم، أشار في الجواهر إلى ما قد يدعى من أن الإناث الكفار بمنزلة الإماء المملوكة.

لكنه‏مع رجوعه إلى استثنائها لا قصور العموم عنهاغير تام، لأن النص‏ (1) إنما تضمن أن أهل الكتاب مماليك للإمام، فيلزمه عدم جواز التكشف أمامهن إلا بتحليل منه.

و مما ذكرنا يظهر الوجه فيما صرح به من تقدم من عدم وجوب التستر عن غير المميز، و هو الذي لا يستقبح عرفا اطلاعه على العورة، بحيث لا ينافي احترام المطلع عليه و كرامته، و هو المتيقن من سيرة المتشرعة القطعية التي أشار إليها في الجواهر، خلافا لما قد يظهر من المستند من العموم له، حيث أطلق وجوب التستر عمن يحرم وطؤه. فتأمل جيدا.

هذا كله في وجوب التستر، و أما حرمة النظر ففي الجواهر: «فالظاهر أن كل من يجب التستر عنه يحرم النظر إلى عورته، من غير فرق بين كونه مكلفا بالتستر أو لا، كالمجنون و شبهه، و لا بين كونه مسلما أو كافرا، ذكرا أو أنثى، فيحرم النظر إلى عورات المميزين، و إن كان إقامة الدليل عليه من السنة في غاية الإشكال»، ثمَّ ذكر بعض النصوص التي قد يستفاد منها الإطلاق، و قال: «إلا أن الكل لا يخلو من نظر، فالمسألة لا تخلو من إشكال، إن لم يقم إجماع يقطع به الأصل، و لم أعثر على دعواه في المقام. فتأمل».

و ما أشار إليه من الملازمة لا إشعار به في النصوص.

و اللازم ملاحظة أدلة حرمة النظر، لمعرفة عمومها للمميز غير البالغ، و لغير المسلم، إذ لا إشكال في العموم لما عداهما.

أما الأول فلا ينبغي الإشكال في العموم له، لصدق المسلم و المؤمن و الأخ‏

____________

(1) الوسائل باب: 8 من أبواب ما يحرم بالكفر و نحوه من كتاب النكاح حديث: 1.

22

و غيرها من العناوين التي تضمنتها النصوص، و هو المناسب للجهة الارتكازية التي أشرنا إليه في وجوب التستر، و مجرد عدم تكليفه لا يصلح للخروج به عن ذلك.

نعم، لا ينبغي الإشكال في جواز النظر إلى عورة غير المميز، لا لعدم صدق العناوين المذكورة عليه، لجريان أحكام المسلم عليه تبعا، خصوصا فيما كان مبنيا على احترامه، بل لقرب انصراف الأدلة عنه، لعدم منافاة النظر إلى عورته لحرمته و كرامته عرفا. مضافا إلى السيرة القطعية الموجبة لكونه من الواضحات، بل الضروريات.

و منه يظهر أن المعيار في عدم التمييز ذلك، لا وصفه الإسلام و الإيمان و اعتقاده بمقتضاهما.

و أما الثاني فما يمكن أن يستفاد منه حرمة النظر إلى عورته إطلاق الأمر بالغض في الآية الكريمة، و بعض نصوص الحمام المتقدمة إليها الإشارة، و ما في صحيح ابن أبي يعفور المتقدم عند الكلام في وجوب التستر، بناء على حمل الكراهة فيه على الحرمة، و ما في حديث المناهي المتقدم من قوله (عليه السلام): «و نهى المرأة أن تنظر إلى عورة المرأة. من نظر إلى عورة أخيه المسلم أو عورة غير أهله متعمدا أدخله اللّه مع المنافقين الذين كانوا يبحثون عن عورات الناس.»، و النبويان الآخران المتقدمان المتضمنان لعن الناظر و المنظور إليه. و ما في وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده محمد المتقدم.

لكن تقدم الإشكال في الاستدلال بالآية الكريمة لما نحن فيه.

نعم، لو تمَّ الاستدلال بها فلا مجال لما ذكره بعض مشايخنا من أنها متكفلة لبيان حال المسلمين بعضهم مع بعض، و لا إطلاق لها بالإضافة إلى غيرهم، لعدم القرينة على ذلك، بل لا إشكال في عموم بعض الأحكام بالإضافة إلى الكافر، كوجوب تستر المرأة.

و أما نصوص الحمام فهي‏مع ضعف سندها في المقام‏ربما يشكل الاستدلال بها مع كون أكثر أهل الحمام في بلاد الإسلام مسلمين، حيث قد ينصرف الإطلاق لهم.

23

بل لا يبعد عدم ثبوت الإطلاق في نفسه، لما هو المعلوم من عدم إطلاق وجوب الغض في الحمام، فمن القريب سوقه لبيان أن تكشف من لا ينبغي النظر إليه لا يسوّغ النظر إليه لتخيل تحمله الوزر بتمكينه منه، فهو وارد لبيان عدم كون التكشف عذرا بعد الفراغ عن حرمة النظر ذاتا، لا لبيان حرمة النظر ليكون له إطلاق بالإضافة إلى من يحرم النظر إليه. فلاحظ.

و أما صحيح ابن أبي يعفور فلا يبعد اختصاصه بمقتضى السياق في النظر إلى عورات الناس حين صب الماء، فيجري فيه ما تقدم في عموم وجوب التستر من عدم الإطلاق له، مع ما تقدم من حمله على ما يعم الحرمة، لا على خصوصها.

و أما النبويات فهي ضعيفة السند. مضافا إلى قرب انصراف المرأة في الأول إلى خصوص المسلمة بمقتضى وروده في سياق نهي الرجل المسلم عن النظر إلى عورة أخيه المسلم.

و أما نهي الرجل فيه عن النظر إلى عورة غير أهله، فمن القريب انصرافه إلى خصوص المرأة التي قد يلتزم بإطلاق حرمة النظر إلى عورتها و إن كانت كافرة من قبل الرجل، و إن جاز له النظر إلى عورة الكافر. على أن ما تضمنه من العقوبة يناسب فرض الحرمة للمنظور إليه لكونه مسلما، إذ لا إشكال في عدم حرمة البحث عن عورات الكفار، فهو ظاهر في تنزيل العورة البدنية منزلة العورة المعنوية، بعد الفراغ عن حرمة ذي العورة و لا يعم من لا حرمة له.

و لعن الناظر في الثاني، لما كان بعد الأمر بلبس الإزار المخاطب به المسلم يشكل إطلاقه لما لو كان المنظور إليه كافرا.

كما تقدم الإشكال في إطلاق الثالث.

و لا يخفى أن هذه المناقشات إن لم تنهض بمنع الإطلاق فلا أقل من كونها موجبة لضعفه بنحو يسهل رفع اليد عنه بظهور كثير من النصوص في اختصاص الحرمة بعورة المسلم، للتعبير فيها بالأخ و المسلم و المؤمن، فإن الوصف و إن لم يكن له مفهوم في نفسه، إلا أن من القريب جدا ثبوت المفهوم له‏

24

في المقام، للمناسبة الارتكازية بينه و بين الحكم، فالاقتصار عليه في بيانه لا يناسب عمومه، لما فيه من إيهام خلاف المراد، و لا سيما مع ما أشرنا إليه آنفا من أن المناسبات الارتكازية و غيرها من القرائن تقتضي كون منشأ الحكم هو احترام المنظور إليه و اهتمام الشارع بحفظ كرامته، و هو لا يناسب العموم للكافر جدا.

و لو غض النظر عن جميع ذلك كفى في جواز النظر إلى عورة الكافر صحيح ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار» (1)، الذي لا يبعد كونه بعضا من مرسل الصدوق‏ (2) المتقدم في آخر الكلام في حرمة النظر.

و لا مجال للإشكال فيه بالإرسال بعد ما تقدم في أول الكلام في تحديد الكر من حجية مراسيل ابن أبي عمير، و لا سيما في مثل هذا الحديث الذي رواه عن غير واحد، حيث يظهر شيوع الرواية و استفاضتها.

و مثله الإشكال فيه بإعراض الأصحاب، لعدم وضوح بلوغه مرتبة يسقط بها الخبر عن الحجية، بعد ظهور حال الكليني و الصدوق (قدّس سرّهما) في العمل به، لذكرهما له في كتابيهما من غير معارض، بل من القريب عمل من سبقهما من الرواة به.

و قرب كون عدم تنبيه كثير لمضمونه لأجل عدم تصديهم لبيان حرمة النظر و تحديد موضوعه، و إنما يستفاد منهم عرضا في مقام بيان وجوب التستر. كما لا يبعد كون إعراض كثير عنه لتخيل قوة الإطلاقات و لزوم تقديمها عليه، لا لوضوح بطلان مضمونه عندهم.

و ما في الجواهر من أن مقتضاه عدم وجوب التستر عن الكافر و لم يقل به أحد، مبني على الملازمة المشار إليها في كلامه المتقدم، و هي غير مسلمة، بل لا تلائم ما تقدم منه من عدم استيضاح دليل حرمة النظر إلى عورة الطفل المميز مع‏

____________

(1) الوسائل باب: 6 من أبواب آداب الحمام حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 6 من أبواب آداب الحمام حديث: 2.

25

جزمه بوجوب التستر منه.

فالمتعين البناء على جواز النظر إلى عورة الكافر، كما هو ظاهر الحر العاملي في الوسائل و عن غيرهاو صاحب الحدائق.

بل ربما يدعى جواز النظر إلى عورة المخالف، لعدم الدليل على حرمته و اهتمام الشارع بكرامته، و إشعار النصوص المتضمنة للأخ و المؤمن بعدم حرمة النظر لعورته.

لكنه لا يخلو عن إشكال، لظهور الحديث المتقدم في حرمة عورة المسلم، حيث يقرب معه تنزيل الأخوة على اخوة الإسلام الظاهرية، و الإيمان على ما يعم الإسلام بلحاظ دخول المسلم في حوزة المؤمنين و انتسابه لهم، نظير ما تضمن أن خطاب المؤمنين يلزم المنافقين، لإقرارهم بالدعوة (1)، فيستكشف من ذلك اهتمام الشارع بحرمتهم لحرمة الإسلام. خصوصا مع بعد تنزيل نصوص حرمة النظر على خصوص المؤمنين مع قلتهم في عصر صدورها، و عدم تميزهم في موطن من الأرض. على أنه لا يبعد تسالم الأصحاب على الحرمة. فتأمل.

بقي شي‏ء: و هو أنه لا بد من التقيد بعدم الريبة، لحرمة النظر بريبة عندهم حتى لغير العورة، على ما يذكر في كتاب النكاح.

كما أن الظاهر حرمة النظر إلى عورة الكافر غير المماثل، لظهور الأدلة في خروج عورة الكافر من حيث كونها عورة يكون النظر إليها منافيا لحرمة صاحبها، فلا ينافي وجوب الغض عنها من جهة كونها جزء بدن غير المماثل، الذي دلت الآية الكريمة و غيرها على وجوب الغض عنه.

و ما دل على جواز النظر إلى نساء أهل الذمة تخصيصا للآيةكموثق السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله): لا حرمة لنساء أهل الذمة أن ينظر إلى شعورهن و أيديهن» (2)- مختص بالشعور و الأيدي، و التعدي منه لما يتعارف كشفه‏لو تمَ‏لا يقتضي التعدي للعورة.

____________

(1) تفسير العياشي ج: 1 ص: 33 حديث: 15 من تفسير سورة البقرة.

(2) الوسائل باب: 112 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: 1.

26

عدا الزوج و الزوجة و شبههما (1)، كالمالك و مملوكته، و الأمة المحللة بالنسبة إلى المحلل له (2)، نعم، التعليل في بعض النصوص بأنهن إذا نهين لا ينتهين‏ (1)، قد يقتضي التعدي لو فرض تعمد الكشف منهن.

لكنه‏مع عدم اختصاصه بالكافرةيصعب الالتزام به، لمنافاته للارتكازيات. فتأمل جيدا.

(1) بلا ريب، و يكفي فيه ملازمته عادة و عرفا للوطء الذي يجوز في الموارد المذكورة، بل أولويته بالجواز منه، كما يشير إليه ما في موثق يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت له: أ يغتسل الرجل بين يدي أهله؟ فقال: نعم، ما يفضي به أعظم» (2). و لذا كان مفروغا عنه في النصوص و الفتاوى.

نعم، عن ابن حمزة حرمة النظر إلى فرج المرأة، حال الجماع. و قد يستدل له بخبر أبي سعيد الخدري في وصية النبي (صلى اللَّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): «قال: و لا ينظر أحد إلى فرج امرأته، و ليغض بصره عند الجماع، فإن النظر إلى الفرج يورث العمى في الولد» (3).

لكن، في موثق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن الرجل ينظر في فرج المرأة و هو يجامعها؟ قال: لا بأس به، إلا أنه يورث العمى (في الولد. يب)» (4).

(2) و إن حلل له خصوص النظر لها و التكشف أمامها دون الوطء، ففي صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يقول لامرأته: أحلي لي جاريتك، فإني أكره أن تراني منكشفا، فأحلتها له (فتحلها له. يب في)، له أن يأتيها؟

قال: لا يحل له إلا الذي قالت» (5)، و في صحيح رفاعة و الفضيل، عنه (عليه السلام): «و لو

____________

(1) الوسائل باب: 113 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 38 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 59 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: 5.

(4) الوسائل باب: 59 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: 3.

(5) الوسائل باب: 35 من أبواب نكاح العبيد و الإماء حديث: 4.

27

فإنه يجوز لكل من هؤلاء أن ينظر إلى عورة الآخر.

نعم، إذا كانت الأمة مشتركة (1)، أو مزوجة (2)، أو معتدة، أحل له قبلة منها لم يحل له ما سوى ذلك» (1).

(1) لخروجها عن ملك اليمين التي يحل نكاحها، لأن الظاهر منها التي تكون بتمامها مملوكة، كما هو الحال في سائر ما يضاف للملك، فتدخل تحت عموم حرمة نكاح غير الزوجة و المملوكة. مضافا إلى غير واحد من النصوص‏ (2).

نعم، لو أحلها أحد الشريكين للآخر حل له وطؤها، كما عن الحلي و جماعة، لصحيح محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام): «سألته عن جارية بين رجلين دبّراها جميعا، ثمَّ أحل أحدهما فرجها لشريكه؟ قال: هو له حلال» (3).

(2) كما تظافرت به النصوص، و قد عقد لها في الوسائل الباب الرابع و الأربعين من أبواب نكاح العبيد و الإماء من كتاب النكاح.

هذا و الظاهر منهم التلازم بين حرمة نكاح الأمة و حرمة النظر إلى عورتها و التكشف أمامها.

و يقتضيه العموم المتقدم بعد قصور المخرج عنه، لأن الدليل على جواز النظر لعورة المملوكة و التكشف أمامها هو الدليل على جواز نكاحها و معاملتها معاملة الزوجة، فمع فرض عدم جوازه يتعين الرجوع للعموم المتقدم. و تمام الكلام في ذلك في كتاب النكاح، لعدم الابتلاء بذلك، كي يحسن صرف الوقت في تفصيل دليله هنا.

____________

(1) الوسائل باب: 35 من أبواب نكاح العبيد و الإماء حديث: 1، 2.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب بيع الحيوان حديث: 5. و باب: 3 من أبواب كتاب الشركة حديث: 1.

و باب: 1 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة من كتاب النكاح حديث: 1. و باب: 68 من أبواب نكاح العبيد و الإماء من كتاب النكاح حديث: 1. و ربما في غير ذلك.

(3) الوسائل باب: 41 من أبواب نكاح العبيد و الإماء من كتاب النكاح حديث: 1.

28

تنبيه‏ لو احتمل وجود الناظر فهل يجب التستر مطلقاكما قد يظهر من سيدنا المصنف (قدّس سرّه) و أصر عليه بعض مشايخناأو في غير الوهم‏كما في المستندأو مع الظن‏كما حكاه في المستند عن والده، و حكى عنه التوقف مع الشك و نحوه في الجواهرأو لا يجب مطلقا، كما قواه الفقيه الهمداني و شيخنا الأستاذ (قدّس سرّهما) و غيرهما؟ و توقف السيد في العروة الوثقى و جماعة من محشيها.

و لا يبعد الأول، للتعبير بالحفظ في الآية الشريفة، بناء على الاستدلال بها في المقام، كما تقتضيه النصوص المتقدمة، و بالمحاذرة في النبوي المتقدم، و بالتوقي في مرسل الاحتجاج عن الكاظم (عليه السلام) في حديثه مع أبي حنيفة، حيث قال:

«يتوارى خلف الجدار و يتوقى أعين الجار»، فتأمل.

لظهور ذلك في لزوم الاحتياط، كما نبه له غير واحد، أولهم‏فيما أعلم- صاحب المستند.

و ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من أن المراد بها مجرد عدم الإبداء للغير، المشكوك في الفرض.

ممنوع، بل هي ظاهرة في المحافظة و المحاذرة المقابلة للتفريط و التعريض.

و من القريب جدا اعتضاد بعضها ببعض بنحو لا يجوز الخروج عنها لضعف سندها، و إن كان لا يخلو عن إشكال.

و لو تمَّ الاستدلال بها فلا مجال لاستثناء الوهم، كما في المستند.

و ما استدل به من الأصل و الإجماع و رواية أبي بصير المتقدمة، غير تام، للزوم الخروج عن الأصل بإطلاق الدليل المتقدم. و الإجماع غير ثابت بعد عدم تحرير المسألة إلا في كلام بعض متأخري المتأخرين. و رواية أبي بصير إنما تدل على جواز التكشف مع عدم الرؤية، فلا تنافي وجوب الاحتياط فيه مع الشك فيها.

29

لم يجز لمولاها النظر إلى عورتها، و كذا لا يجوز لها النظر إلى عورته.

و يحرم على المتخلي استقبال القبلة و استدبارها (1) نعم، لو كان الوهم ضعيفا جدا لا يعتد به العقلاء في مقام العمل كانت الأدلة المتقدمة قاصرة عنه، لعدم منافاة التكشف معه للحفظ و المحاذرة و التوقي.

و لعل دعواه الإجماع بلحاظ ذلك، حيث لا يبعد استكشافه بلحاظ السيرة.

كما أنه لو لم تتم الأدلة المذكورة لم يكن وجه لإيجاب الاحتياط مع الظن إلا ما أشار إليه الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) من أن الرجوع للبراءة موجب للوقوع غالبا في مفسدة خلاف الواقع.

و هو كما ترى ليس محذورا، على أنه غير تام لغلبة العلم بالحال.

نعم، لا يبعد البناء حينئذ على الاكتفاء بالاطمئنان بوجود الناظر، لقرب موافقته لارتكاز المتشرعة. فلاحظ.

ثمَّ إنه لا يبعد كون الشك في احترام الناظر كالشك في وجوده، كما يظهر من السيد في العروة الوثقى و جماعة من شراحها و محشيها، لعدم الفرق بينهما بملاحظة الأدلة المتقدمة.

إلا أن يكون في المورد أصل موضوعي يحرز احترامه أو عدمه، فيحكم على أصل البراءة، أو تلك الأدلة كاستصحاب الزوجية أو عدمها.

نعم، قد يشكل الرجوع لاستصحاب عدم التمييز بعدم وضوح أخذ عنوانه بما هو أمر وجودي شرطا في حرمة التكشف، ليكون نفيه بالأصل محرزا للجواز، بل لعله ملحوظ بواقعة، لأنه المتيقن من السيرة. فتأمل.

هذا، و الظاهر اختصاص ما تقدم بالتستر، دون النظر، فيجوز النظر في مقام يحتمل فيه الاطلاع على عورة الغير، لقصور الأدلة المتقدمة عنه و الأصل البراءة.

(1) كما نسب إلى المشهور في كلام جماعة، بل ادعي عليه الإجماع في الخلاف و الغنية.

بل ذكر بعض مشايخنا أن ذلك هو المتسالم عليه بين الأصحاب، و لم ينقل‏

30

الخلاف فيه إلا عن جماعة من متأخري المتأخرين، بل قال مقرر درسه: «فإن اعتمدنا على التسالم القطعي و إجماعهم، بأن كان اتفاق المتقدمين و المتأخرين مدركا لإثبات حكم شرعي‏كما هو غير بعيدفلا كلام».

و لعل ذلك هو الذي دعا شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) إلى العمل على المشهور مع اعترافه بأنه مقتضى ظواهر أخبار غير نقية السند أو الدلالة.

و يقتضيه‏مضافا إلى ذلك‏النصوص الكثيرة الناهية عن الاستقبال و الاستدبار، كمرسلتي علي بن إبراهيم و الاحتجاج‏ (1) الواردتين في سؤال أبي حنيفة للإمام الكاظم (عليه السلام)، و مرفوع محمد بن يحيى: «سئل أبو الحسن (عليه السلام): ما حدّ الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها» (2).

و نحوه المرفوع عن الحسن بن علي (عليه السلام)(3)، و في حديث المناهي: «إذا دخلتم الغائط فتجنبوا القبلة» (4)، و خبر عيسى بن عبد اللّه الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام): «قال: قال النبي (صلى اللَّه عليه و آله): إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها، و لكن شرقوا أو غربوا» (5)، و غيرها مما ذكر غير واحد أن ضعف أسانيدها منجبر بعمل الأصحاب.

لكن لا طريق لإثبات الإجماع و التسالم على الوجوب بعد ذكر بعضهم استقبال القبلة و استدبارها في سياق المكروهات.

فقد اقتصر الكليني (قدّس سرّه) على ذكر مرفوع محمد بن يحيى المتقدم في باب الموضع الذي يكره أن يتغوط فيه أو يبال، الذي اقتصر فيه على الأخبار الواردة في المستحبات و المكروهات.

و نحوه الصدوق (قدّس سرّه) في الفقيه، حيث ذكر المرفوع الآخر المشار إليه آنفا في ضمن أخبار الآداب في باب: ارتياد المكان للحدث و السنة في دخوله و الآداب فيه إلى الخروج منه، و ذكر بعده مضمون صحيح ابن بزيع الذي يأتي أنه ظاهر في الاستحباب، كما أنه في المقنع ذكر آداب الخلوة و لم يذكر فيها ترك الاستقبال‏

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2، 7.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

(4) الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(5) الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

31

و الاستدبار، ثمَّ بعد كلام طويل قال: «و متى تكشفت لبول أو غير ذلك فقل: بسم اللّه، فإن الشيطان يغض بصره عنك، و سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام):.» إلى آخر ما تقدم في مرفوع محمد بن يحيى.

و قال الشيخ في النهاية: «إذا أردنا أن نبين كيفية الطهارة فالواجب أن نبين آداب ما يتقدمها من الاحداث، ثمَّ نتبعها بذكر كيفيتها و ترتيبها و أحكامها. فإذا أراد الإنسان الحدث فليستتر عن الناس بحيث لا يراه أحد.»، ثمَّ ذكر تقديم الرجل اليسرى و التسمية و تغطية الرأس، ثمَّ قال: «و لا يستقبل القبلة و لا يستدبرها إلا أن يكون الموضع مبنيا على وجه لا يتمكن فيه من الانحراف عن القبلة، و لا يستقبل الشمس و القمر.» إلى آخر ما ذكر من مكروهات الجلوس لقضاء الحاجة و مكانه.

فإن اعتمادهم في بيان حرمة الاستقبال و الاستدبار على الظهور الأولي للنهي و إغفالهم السياق بعيد جدا.

و لا سيما بعد تصريحهم في عنوان مهم بذكر المكروهات و السنة و الآداب، التي لا إشكال في عدم اختصاصها بالمحرمات و الواجبات، حيث يسقط معه ظهور الأمر و النهي في الوجوب أو الحرمة.

نعم، عبر الصدوق في الهداية بعدم الجواز، إلا أن سياق كلامه يأبى حمله على التحريم، قال: «و لا يجوز البول في حجور الهوام و لا في الماء الراكد. و لا يجوز أن يطمح الرجل ببوله في الهواء، و لا يجوز أن يجلس للبول و الغائط مستقبل القبلة و لا مستدبرها، و لا مستقبل الهلال و لا مستدبره».

بل استثناء الشيخ (قدّس سرّه) صورة تعذر الانحراف عن المكان المبني على القبلة من دون تقييد له بالاضطرار إلى قضاء الحاجة فيه كالصريح في أن الحكم ندبي أدبي يقبل التسامح، كما أنه صرح بالاستثناء المذكور في محكي المبسوط أيضا.

و حمله على صورة الاضطرار لقضاء الحاجة فيه‏كما قد يظهر من المعتبر- بلا شاهد، و حكمه فيه بوجوب الانحراف مع التمكن لا يصلح شاهدا له، مع ملاحظة اضطرابه في المسألة.

بل يبعد ذلك فيما ذكره في الاستبصار من أن من اشترى دارا بنى كنيفها

32

على القبلة جاز له الجلوس عليه، و هو ظاهر التهذيب أيضا من دون أن يصرح فيهما بحرمة الاستقبال.

و مجرد ذكره لبعض الأخبار المتقدمة لا يصلح شاهدا لإمكان حملها عنده على الكراهة، و لا سيما مع ذكر ذلك في التهذيب شرحا لكلام المفيد (قدّس سرّه) في المقنعة، الذي هو لو لم يكن ظاهرا في الكراهة فلا أقل من إجماله، حيث قال في محكيها: «و لا يستقبل القبلة و لا يستدبرها، و لكن يجلس على استقبال المشرق إن شاء أو المغرب. فإن دخل الإنسان دارا قد بني فيها مقعد الغائط على استقبال القبلة، أو استدبارها لم يضره الجلوس، و إنما يكره ذلك في الصحاري و المواضع التي يتمكن فيها من الانحراف عن القبلة»، و من ثمَّ نسب بعضهم للمفيد الكراهة مطلقا أو في الجملة.

على أنه قال في التهذيب في الباب المذكور، بعد ذكر جملة أمور منها عدم الاستنجاء بيد فيها خاتم فيه اسم اللّه تعالى: «على ان ما قدمناه من آداب الطهارة و ليس من واجباتها».

هذا و قد صرح بعض الأصحاب بالاستحباب، فعن ابن الجنيد: «و يستحب للإنسان إذا أراد التغوط في الصحراء أن يجتنب استقبال القبلة، أو الشمس أو القمر أو الريح، بغائط أو بول»، و قال سلار في المراسم: «و هذا الاحداث لها أحكام، و هي على ضربين: واجب و ندب، فالواجب الاستنجاء للغائط و غسل رأس الإحليل من البول، و الندب على ضربين: أدب و ذكر، و رتبة الأدب متقدمة، فمن أراد الغائط يطلب ساترا يتخلى فيه، و لا يكون شط نهر. و ليجلس غير مستقبل القبلة و لا مستدبرها، فإن كان في موضع قد بني على استقبالها أو استدبارها فلينحرف في قعوده. هذا إذا كان في الصحاري و الفلوات، و قد رخص ذلك في الدور، و تجنبه أفضل».

و مع هذا، فلا طريق لمعرفة مذهب قدماء الأصحاب ممن كان يقتصر في بيان الحكم على ذكر النصوص، حيث لا يبعد فهمهم منهابقرينة السياق أو غيرهاالكراهة، و قد أودعوها في كتبهم لبيان ذلك، خصوصا مع ظهور ضعف‏

33

أسانيد كثير منها، كما هو شأن كثير من نصوص المندوبات و المكروهات، لما هو المعلوم من تسامحهم في ذلك جدا.

نعم، لو كان هناك تسالم قطعي على الوجوب بين المتأخرين عنهم كشف عن وضوح الحكم عندهم بنحو لا مجال معه لمثل هذه الاحتمالات.

و مع هذا كله، كيف يمكن دعوى تسالم قدماء الأصحاب و متأخريهم بنحو ينهض بإثبات الحكم الشرعي، و يستغنى به عن النظر في النصوص، بل التأمل في كلمات الأصحاب يمنع من استيضاح تسالمهم في كثير من العصور، و لا يختص الخلاف بمتأخري المتأخرين، كي يرمى بعضهم بالشذوذ أو سوء الطريقة، بل قد يظهر من بعضهم الاضطراب في نقل الأقوال و نسبتها إلى أصحابها.

و لأجل ذلك أطلنا الكلام في نقل الأقوال و العبارات حسب ما تيسر لنا.

و منه سبحانه نستمد العون و التوفيق.

و أما النصوص فيشكل الاستدلال بها مع ضعف سندها، و عدم وضوح انجبارها بعمل الأصحاب بعد ذهاب كثير منهم للكراهة، لبنائهم على التسامح في أدلة السنن و الآداب بما لا يتسامحون به في أدلة الوجوب و الحرمة.

و دعوى: استفاضتها بنحو يوثق بصدور بعضها إجمالا.

مدفوعة: بأن ذلك لو تمَّ لا ينفع، لاختلاف مفادها، و ليست كلها ظاهرة في الحرمة.

فمثلا حديث الإمام الكاظم (عليه السلام) مع أبي حنيفة لما كان مسبوقا بسؤال أبي حنيفة منه (عليه السلام)، عن الموضع الذي يضع فيه الغريب، فمن البعيد جدا أن يكون السؤال عن الموضع الذي يجب اختياره، و يكون الجواب مشتملا على قيود خمسة لا يجب إلا واحد منها أو اثنان، بل يقطع بملاحظة بعض الأمور المنهي عنهاكشطوط الأنهاربأن السائل لم يعن الحرمة و لم يفهمها، و لا سيما مع عدم كون السؤال واردا مورد الاستفتاء للعمل، بل للامتحان، فلا بد إما من اختصاص المسؤول عنه بالآداب غير الإلزامية، أو يعم مطلق الآداب إلزامية أو غيرها، و هو يوجب إجمال الجواب و الاقتصار على المتيقن منه، و هو مطلق المرجوحية.

34

و ما في كلام غير واحد من جواز التفكيك بين الأوامر أو النواهي الواردة في سياق واحد، و أن قيام القرينة الملزمة بحمل بعضها على الاستحباب أو الكراهة لا يمنع من العمل بظهور الباقي في الإلزام.

إنما يتجه مع احتمال انعقاد ظهور الكلام في الإلزام حين الخطاب به حتى يحتاج الخروج عنه إلى القرينة، لا في مثل المقام مما يعلم أو يطمأن بعدم ظهور الكلام حين صدوره في ذلك، لما ذكرنا أو نحوه.

و منه يظهر الحال في المرفوعين المتقدمين‏الذين يظهر من غير واحد من قدماء الأصحاب ممن تقدم نقل كلامه و غيره الاهتمام بهماحيث تضمنا السؤال عن حدّ الغائط، و من الظاهر أن اشتمالهما على النهي عن الاستقبال و الاستدبار بالإضافة إلى القبلة و الريح معا يوجب الوثوق بأن الحد المسؤول عنه لا يختص بالحد الإلزامي، بل يعم أو يختص بالحد الراجح المراعاة، نظير قولهم (عليهم السلام): «ما من شي‏ء إلا و له حد ينتهي إليه» (1).

بل النظر فيما اشتمل عليه حديث المناهي من المكروهات و المستحبات الكثيرة الواضحة الحال خصوصا في أوله، يوجب و هن ظهور النهي فيه في التحريم جدا، خصوصا بعد الالتفات إلى أنه حديث واحد.

فلم يبق إلا حديث الهاشمي و نحوه مما لا يبلغ حدّ الاستفاضة المصححة للاستدلال.

هذا كله، مضافا إلى ظهور الاستحباب من صحيح محمد بن إسماعيل بن بزيع: «دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) و في منزله كنيف مستقبل القبلة، و سمعته يقول: من بال حذاء القبلة ثمَّ ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة و تعظيما لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له» (2)، فإن قوله (عليه السلام): «فانحرف عنها إجلالا

____________

(1) الوسائل باب: 57 من أبواب آداب المائدة حديث: 3. و باب: 66 منها حديث: 3. و راجع البحار باب: ان لكل شي‏ء حدا، و إنه ليس شي‏ء إلا ورد فيه كتاب أو سنة، و علم ذلك كله عند الامام (عليه السلام) مجلد: 1 ص: 114 طبع حجري.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

35

للقبلة و تعظيما لها» ظاهر في كون الداعي للانحراف هو الإجلال و التعظيم، لا تحريم الاستقبال الذي أهم منها و أحق بالداعوية.

و الإنصاف أن سبر نصوص المسألة و كلمات متقدمي الأصحاب (رضي اللّه عنهم) يوجب الوثوق بأن الحكم أدبي، كسائر آداب الخلوة المذكورة في سياقه في النصوص و الفتاوى، كما هو الحال في سائر الآداب المذكورة لدخول المسجد و المائدة و النكاح و السفر و غيرها مما هو كثير جدا في أبواب الفقه، و لا يخطر ببال أحد حمله على الإلزام، أو دعوى ظهور الخطاب فيه ثمَّ طلب المخرج عنه.

و من القريب جدا كون ظهور البناء على الحرمة بعد ذلك بين الأصحاب لاستحكام ارتكاز أهمية القبلة الشريفة، المنبه للتشبث بظهور الأمر و النهي في الإلزام بدوا مع الغفلة عن القرائن التي أشرنا إليها.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه): من أن المنع عن الاستدبار لا يناسب كون الحكم أدبيا، لأن الاستدبار لا ينافي الأدب، فهو غير ظاهر.

على أن مقتضى ما عن كتاب العلل‏ (1) لمحمد بن علي بن إبراهيم القمي أن النهي عن الاستدبار بلحاظ استقبال القبلة بالدبر. فتأمل جيدا. و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم. و منه نستمد العون و التوفيق.

ثمَّ إن ما تقدم في كلمات بعضهم من التفصيل بين الصحاري و الأبنية، بالحرمة أو الكراهة في الأول دون الثاني، غير ظاهر الوجه بعد إطلاق كثير من نصوص المسألة، و ظهور بعضها في خصوص البناء، و لو لأنه الفرد الظاهر، كالنبويين، لأن التعبير فيهما بالدخول ظاهر في إرادة المكان المعدّ لذلك، و هو يكون في الغالب مبنيا.

نعم، في النبوي المروي عن نوادر الراوندي: «نهى أن يبول الرجل و فرجه باد للقبلة» (2)، حيث قد يدعى اختصاصه بالمكان المنكشف، و تقدم في صحيح ابن بزيع أنه رأى في منزل الرضا (عليه السلام) كنيفا مستقبل القبلة.

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(2) مستدرك الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

36

لكن، الأول لو أريد به الظهور المقابل للسترلا الكناية عن أصل الاستقبال- فالاستدلال به مبني على مفهوم اللقب، فلا يرفع اليد به عما تقدم، و الثاني تضمن قضية في واقعة مجهولة الحال.

و أضعف من ذلك ما تقدم من الشيخين (قدّس سرّهما) من جواز الجلوس في الكنيف المبني على القبلة إذا لم يبنه المكلف نفسه، حيث لم يتضح وجهه.

إلا أن يكون أصل الحكم هو الكراهة فيدعى أن مناسبة كونه أدبيا تقتضي القصور عن ذلك أو خفة الكراهة فيه، و لا يخلو عن تسامح.

كما أن اقتصار بعضهم على الاستقبال، و اقتصار آخرين على الغائط، لا وجه له بعد ورود النصوص في الجميع. و اقتصار بعضها على أحدهماكالمرفوعين و مرسلتي علي بن إبراهيم و الاحتجاج‏لا يقتضي الاقتصار عليه بعد استفادة الجميع من كثير منها، و عمل المشهور به فيها. فلاحظ.

بقي في المقام أمور.

الأول‏: ظاهر إطلاق جمع المنهي عن الاستقبال و الاستدبار إرادة الاستقبال و الاستدبار بالبدن، و هو المصرح به في جامع المقاصد، و محكي مجمع الفوائد، و هو المراد مما في الروضة و كشف اللثام من أنه بمقاديم البدن، و ما في المسالك و عن الروض من أنه على نحو الاستقبال و الاستدبار في الصلاة.

لكن، عن الموجز و التنقيح الاستقبال و الاستدبار بالفرج، و عن ألفية الشهيد أنه بالعورة.

و لا يبعد ظهوره في الاكتفاء باستقبال العورةلا اعتبار الاستقبال بالبدن معهابناء على أن مفاد باء التعدية مفاد همزتها.

قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «و لعله مراد المشهور، إذ من البعيد التزامهم بعدم الحرمة لو مال بكتفيه عن القبلة إذا كان قد وجه فرجه إليها، و لا يبعد أن يكون هو ظاهر النصوص المتقدمة».

لكن ما ذكره في كلام المشهور و النصوص الناهية عن الاستقبال على الإطلاق غير ظاهر، لأن إطلاق الاستقبال و الاستدبار للإنسان ينصرف إلى‏

37

الاستقبال و الاستدبار بمقاديم البدن، كما في الصلاة، لا مع الفرج، و لا بالفرج.

و مجرد مناسبة الفرج للمقام لا يقتضي الخروج عن الإطلاق المذكور بعد كون مقتضاه مناسبا أيضا، و لا سيما مع تعذر الاستقبال بالدبر في الوضع المتعارف للتخلي، لكونه معه غالبا إلى الخلف أو الأسفل.

و الاستبعاد المذكور في كلامه ليس بأقوى من استبعاد حمل النصوص و كلام المشهور على جواز الاستقبال بمقاديم البدن مع حرف الفرج، بل تقدم في صحيح محمد بن إسماعيل حث المستقبل على الانحراف الظاهر في انحراف بدنه، لا حرفه لفرجه.

و أما النصوص المتضمنة للنهي عن استقبال القبلة ببول أو غائط، فبعد تعذر الاستقبال بالغائط للجالس الذي‏هو الغالب‏يتعين حمله على الاستقبال بالبدن حال التبول أو التغوط، كما هو مفاد الإطلاق.

نعم، ظاهر النبوي المتقدم عن نوادر الراوندي أن المدار على الاستقبال بالفرج، لكن لا مجال للخروج به عن ظاهر النصوص الأخرى مع كثرتها، لضعف سنده و عدم انجباره.

و أما احتمال حرمة الأمرين معا عملا بالكل، فهو موقوف على حجية النبوي، و على إبقائه على ظاهره، فيكون متعرضا لما لم تتعرض له النصوص الأخرى، و كلاهما بعيد.

هذا، و قد يدعى إلحاق الاستقبال بالفرج بالاستقبال بالبدن، لمشاركته له في المنافاة لتعظيم القبلة.

لكن في بلوغ ذلك حدا يصلح لإثبات حرمته‏لو قيل بها هناك‏إشكال.

نعم، يحسن تجنبه لذلك و للنبوي المذكور، و لو لقاعدة التسامح.

ثمَّ ان الظاهر عدم دخل الوجه في الاستقبال و الاستدبار في المقام‏كما استظهره في الجواهر و صرح به غيره‏لا لعدم توقف صدقهما عليه، لعدم وضوح ذلك، بل لبعد تنزيل النصوص على خصوص صورة استقامة الوجه مع كثرة انحرافه، و لا سيما مع عدم دخله في الاستهوان بالقبلة، بل المدار فيه ارتكازا على‏

38

البدن وحده.

و بهذا يفترق الحال في المقام عن الصلاة التي لا يغلب فيها الانحراف، و يقصد فيها بالاستقبال تعظيم الكعبة، و التوجه له تعالى عن طريقها، حيث لا إشكال في دخل الوجه في ذلك أتم الدخل.

كما أن ظاهر صحيح ابن بزيع الحث في المقام على الانحراف الظاهر في انحراف تمام البدن، لا خصوص الوجه.

و منه يظهر ضعف ما حكاه في كشف اللثام عن المفيد (قدّس سرّه) من التصريح بالوجه.

كما لا ينبغي الإشكال في دخل الصدر و البطن و الحقو في الاستقبال و الاستدبار، و لا وجه للاقتصار على الأولين، كما قد يظهر من سيدنا المصنف (قدّس سرّه) و غيره.

و أما الرجلان، فالظاهر إنهما كاليدين غير دخيلين في المقام، لصدق الاستقبال عرفا مع عدم وضعهما على سمت اتجاه البدن.

و أما ما ذكره السيد الطباطبائي في العروة الوثقى من أن الركبتين من المقاديم الدخيلة في الاستقبال، فمقتضى الجمود عليه لزوم ثني الرجلين و الجلوس على القدمين، و توجيه الركبتين إلى الامام، لكن لا ينبغي التأمل في عدم إرادته لذلك، لعدم كونه متعارفا حال التخلي، فلا يبعد كون مراده ما ذكرناه من جعل سمت الرجلين حال ثنيهما و بروز الركبتين‏مرفوعتين أو موضوعتين أو مختلفين، مستقيمتين أو منحرفتين‏باتجاه واحد على سمت اتجاه البدن.

و كيف كان مراده فهو غير تام، لما ذكرنا من عدم دخل الرجلين في الاستقبال.

الثاني‏: قال في جامع المقاصد: «و اعلم أن الاستقبال و الاستدبار بالنسبة إلى القائم و الجالس معلوم، أما بالنسبة إلى المضطجع و المستلقي، فإن بلغ بهما العجز إلى هذا الحد فلا بحث في أن الاستقبال و الاستدبار بالنسبة إليهما في التخلي يحال على استقبالهما في الصلاة، و إلا ففيه تردد»، ثمَّ مال إلى العدم، لاختصاص‏

39

اعتبارها بحال العجز، و لهذا لو حلف ليستقبلن لم يبرأ بأحد هذه الوجوه.

هذا، و لا يخفى أن الوجوه الأخرى المذكورة إن كانت استقبالا عرفيا مشمولا للإطلاق، فلا وجه لتقييد حرمتها بحال العجز عن غيرها، و إلا لم يصلح العجز عن غيرها لتحريمها، لاختصاص دليل بدليتها بالصلاة.

و الظاهر الأول في المضطجع على أحد الجانبين، كما استظهره في المدارك و مال إليه في الجواهر. و قد تومئ إليه بعض نصوص تشريعه في الصلاة، لعدم ظهورها في بدليته عن الاستقبال، بل بدليته عن القيام و الجلوس مع المفروغية عن صدق الاستقبال فيه.

و دعوى: اختصاص نصوص الاستقبال في المقام بالوضع المتعارف، و هو الجلوس أو القيام. غير ظاهرة بعد إطلاق أكثرها و مناسبة الجهة الارتكازيةو هي التعظيم‏للعموم.

و منه يظهر الحال في النذر، حيث يتوقف قصوره عن شمول ذلك على القرينة الصارفة.

و أما المستلقي فصدق الاستقبال عليه مع توجيه الرجلين إلى القبلة لا يخلو عن إشكال، لما تقدم من أن الاستقبال بالصدر و البطن و الحقو، و الاستقبال بالرجلين لا يحقق استقبال الإنسان عرفا، و لذا لا يعد الواقف مستقبلا للأرض بلحاظ رجليه.

نعم، لو فرض ورود الدليل الخاص في تشريع الاستقبال له تعين حمله على ذلك دفعا للغوية، لا لصدقه عرفا، و ثبوت ذلك في الصلاة لا ينفع فيما نحن فيه.

و أشكل منه صدق الاستدبار عليه، لأن الظاهر منه الاستقبال بالظهر، و هو غير حاصل.

و منه يظهر ضعف ما في المدارك من صدق الاستقبال و الاستدبار فيه بالمواجهة و مقابلها، و ما في الجواهر من صدقهما عليه، و على المكبوب بالتعاكس.

40

الثالث‏: أن الكلام في تحديد القبلة و التوسع فيها ثبوتا هو الكلام في الصلاة، لعدم الفرق بينهما ظاهرا بالنظر إلى إطلاقات الأدلة، و قد يظهر منهم المفروغية عن ذلك، لأن اقتصارهم على بيان الحكم هنا من دون تعرض للموضوع مع تعرضهم له في الصلاة قد يظهر في تحويلهم فيه إليها، بل هو ظاهر الجواهر و صريح جامع المقاصد.

و كذا الحال في الطرق المنصوبة للقبلة، فإن الظاهر عدم الفرق بين المقام و الصلاة في دليل ذلك.

نعم، يظهر من الجواهر نحو توقف في قيام الاجتهاد و التحري عند عدم غيره مقام اليقين، لتأمله في دليله.

و فيه: أنه يكفي فيه إطلاق صحيح زرارة: «قال أبو جعفر (عليه السلام): يجزي التحري أبدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة» (1) و تخصيصه بالصلاة بلا وجه.

و مثله ما أشار إليه سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من احتمال انصرافه إلى صورة التكليف بالاستقبال.

لاندفاعه: بأن ظاهر الإجزاء فيه ليس إجزاء العمل الواقع مع الظن بالقبلة، بل أجزاء التحري عن معرفة القبلة، و مقتضى إطلاقه أجزاؤه في كل مورد يحتاج إلى معرفتها، و لو لتجنب استقبالها أو استدبارها. فلاحظ.

الرابع‏: المصرح به في كلام غير واحد كفاية الانحراف اليسير عن القبلة، بحيث لا يصدق معه الاستقبال أو الاستدبار، و لا يعتبر التشريق أو التغريب بجعل القبلة على اليمين أو اليسار.

و يقتضيه إطلاق صحيح محمد بن إسماعيل المتقدم.

نعم، تقدم في خبر الهاشمي الأمر بالتشريق و التغريب.

لكنه‏مع ضعف سنده‏لا بد من رفع اليد عنه بعد ظهور سيرة المتشرعة و اتفاق الأصحاب على عدم وجوب ذلك، عدا ما في المدارك من نسبته إلى بعض‏

____________

(1) الوسائل باب: 6 من أبواب القبلة من كتاب الصلاة حديث: 1.

41

المحققين، و في محكي الذخيرة من نسبته إلى بعض المدققين، إذ لا يمكن خفاء مثل ذلك مما يكثر الابتلاء به.

فلا بد إما من حمل الخبر على الميل إلى المشرق أو المغرب، لترك الاستقبال و الاستدبار، فيكون الأمر عرضيا لا حقيقيا، أو على الاستحباب.

و أضعف من ذلك الاستدلال للوجوب بما دل على أن ما بين المشرق و المغرب قبلة (1).

لأن المقطوع به عدم إرادة ظاهره، بل لا بد من تنزيله على كون ذلك قبلة المتحير، كما قيل، أو لبيان صحة الصلاة إلى ما بين المشرق و المغرب عند انحرافها عن القبلة خطأ، كما تضمنه بعض نصوصه، على ما يذكر في كتاب الصلاة.

الخامس‏: لو خرج البول أو الغائط من دون اختياركما في المسلوس و المبطون و نحوهمافلا يبعد عدم حرمة الاستقبال، كما استظهره في الجواهر.

لخروجه عن المتيقن من الأدلة المتقدمة، لظهور أكثرها في إرادة النهي حال التخلي و التبول، لا حال خروج البول و الغائط، كما يناسبه ما في النبويين من النهي حال دخول المخرج أو الغائط، و السؤال في المرفوعين عن حد الغائط، و في المرسل عن كيفية وضع الغريب.

لكن، ذلك مختص بما إذا لم يكن المكلف في مقام أن يلقي ما يخرج منه في مكانه الذي يريده له و يتهيأ لخروجه، و إلا دخل في الأدلة المتقدمة.

اللهم إلا أن يدعى أن المتيقن من أكثرها الكناية عن التخلي و التبول اللذين هما من وظائف الجسم الطبيعية و المتقومان بالدفع الإرادي العضلي، لا مطلق خروج البول و الغائط ليشمل المقام.

نعم، مقتضى بعض النصوص العموم حتى لصورة عدم التهيؤ أيضا، مثل ما تضمن النهي عن الاستقبال ببول أو غائط.

إلا أن يستشكل في عمومه بعد حمله‏كما تقدم في الأمر الأول‏على إرادة

____________

(1) راجع الوسائل باب: 10 من أبواب القبلة من كتاب الصلاة.

42

النهي عن الاستقبال حال خروجهما، حيث لا يبعد قصوره عن الخروج بالنحو المذكور.

مضافا إلى ضعف سنده و عدم وضوح انجباره، فلا مجال للخروج به عن مقتضى الأصل، و إن حسن الاحتياط بالترك لأجله.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا في توجيه الجواز في المقام من أنه لما كان مفاد النصوص تحريم التغوط و التبول حال الاستقبال و الاستدبار، لا تحريم الاستقبال و الاستدبار حالهما، فمع فرض سلب الاختيار بالإضافة إلى نفس التغوط و التبول يتعين سقوط حرمتهما، و لا مجال حينئذ لحرمة نفس الاستقبال و الاستدبار، و إن كانا مقدورين لعدم حرمتهما ذاتا.

ففيه‏مع ظهور الأدلة في حرمة الاستقبال و الاستدبار حال التخلي و التبول، لا العكس‏أن خروج أصل التغوط و التبول عن الاختيار لا ينافي كون الحرام منهما و هو المقيد بالاستقبال و الاستدبار اختياريا باختيارية قيده.

و لذا لا يظن منه التوقف في حرمة الاستقبال و الاستدبار لو اكره على أصل التخلي أو التبول.

السادس‏: دخل المكلف باستقبال الغير.

تارة: يكون بوضعه له على القبلة من دون اختيار من المتخلي‏ و اخرى‏: بإعانته عليه مع اختيار المتخلي.

و ثالثة: بإيهامه فيه حكما أو موضوعا.

و رابعة: يكون بعدم منعه منه.

أما في الأولى فلا ينبغي الإشكال في الحرمة مع تكليف المتخلي و التفاته، لاستفادته مما دل على وجوب الردع عن المنكر و حرمة حبه و الرضا به بالأولوية، لأن الإجبار على المنكر أولى بالحرمة من التشجيع عليه، فضلا عن ترك الردع عنه.

و خروجه عن المنكر في حق المباشر بالإجبار لا يسوغ الإجبار ارتكازا.

و أما مع تكليف المتخلي و غفلته فهو لا يخلو عن إشكال، لعدم الدليل على‏

43

عموم حرمة التسبيب للحرام الواقعي مع عدم تنجزه.

و أولى منه بالإشكال ما إذا لم يكن المتخلي مكلفا، كالطفل، لعدم التسبيب للحرام الفعلي حينئذ.

اللهم إلا أن يدعى أن ارتكاز كون منشأ الحكم تعظيم القبلة التي هي من شعائر الدين يقتضي اهتمام الشارع به، بنحو لا يرضى بالتسبيب إليه بالوجه المذكور، و لو مع عدم تكليف المتخلي نفسه، فضلا عما لو كان مكلفا غافلا.

لكن، هذا إنما يتم في توهين القبلة و نحوها بالوجه العرفي الظاهر، لا في مثل المقام، مما كان الملحوظ نحوا من التوهين لا يدركه العرف، بل الشارع، فان اللازم متابعة دليله، و لا مجال لحصول العلم بالحرمة بدونه.

و أشكل من ذلك احتمال عموم أدلة المقام له.

نعم، قد يتوهم ذلك في مثل قولهم (عليهم السلام): «لا تستقبل القبلة بغائط و لا بول» (1).

و يظهر ضعفه مما تقدم في الأمر الأول من أن المراد به الاستقبال حال البول و الغائط، و هو ظاهر في حرمة الاستقبال على نفس المتغوط و المتبول، لا حرمة الاستقبال بهما على غيرهما. فلاحظ.

و منه يظهر الحال في الثانية، فإن الإعانة أخف من التسبيب بالوجه المذكور، و لا دليل على عموم حرمة الإعانة على الحرام، بل الثابت حرمة التعاون لا غير، إلا أن يكون في الإعانة تشجيع على الحرام، فتحرم لأن وجوب الردع عن المنكر يقتضي حرمة التشجيع عليه بالأولوية.

و أما الثالثة فلا إشكال في حرمته مع الكذب مطلقا، و بدونه في الشبهة الحكمية، لما دل على وجوب بيان الأحكام الشرعية، فضلا عن حرمة التضليل فيها.

و أما في الشبهة الموضوعية فلا مجال للبناء على الحرمة، لعدم الدليل على‏

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

44

حال التخلي، و يجوز حال الاستبراء و الاستنجاء (1)، وجوب بيان الموضوعات.

و إشكال التسبيب هنا أخف منه في الصورة الأولى.

و أما في الرابعة فلا إشكال في حرمته مع تكليف المتخلي و تعمده، لوجوب النهي عن المنكر، و كذا مع جهله بالحكم، لوجوب بيان الأحكام.

و أما في غير ذلك فلا موجب للردع إلا ما أشرنا إليه من مناسبة تعظيم القبلة لاهتمام الشارع بمنع وقوعه من كل أحد، و إن لم يكن مكلفا، فضلا عما لو كان مكلفا غافلا.

و يظهر ضعفه مما تقدم.

ثمَّ إن الكلام في الصور المذكورة مختص بما إذا لم يكن الأمر مبنيا على الاستئمان.

أما لو استأمن المكلف شخصا على نفسه لتوجيهه أو إرشاده، فالظاهر حرمة تفريطه في حقه حينئذ في جميع الصور المتقدمة، عملا بمقتضى الأمانة.

السابع‏: يشكل عموم الحكم لما إذا خرج البول أو الغائط من غير المخرج الطبيعي، و إن صار معتادا، لعدم ثبوت إطلاق يقتضي حرمة الاستقبال و الاستدبار، أو كراهتهما حال خروج البول و الغائط، بل المتيقن‏كما تقدم في الأمر الخامس- حرمتهما حال التبول و التغوط، اللذين هما من وظائف الجسم الطبيعية، و هما غير صادقين في الفرض.

نعم، لو فرض صدقهما بأن كان الخروج مستندا إلى دفع إرادي لم يبعد عموم الحكم. و اللّه سبحانه و تعالى العالم.

(1) كما استظهره في الجواهر، و في المدارك أنه المستفاد من كلام الأصحاب، لقصور النصوص عنهما.

و في المدارك و ظاهر كشف اللثام، و عن الذخيرة و الدلائل احتمال إلحاق‏

45

حال الاستنجاء بحال التخلي، و عن الذكرى التردد فيه.

لموثق عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت له: الرجل يريد أن يستنجي كيف يقعد؟ قال: كما يقعد للغائط، قال: و إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه، و ليس عليه أن يغسل باطنه» (1).

و فيه: أن ظاهره أو المتيقن منه إرادة الكيفية من حيثية بدن المتخلي نفسه، و من المعلوم عدم إرادة الوجوب منه، بل الاستحباب، أو الترخيص في قبال ما حكي عن العامة من القول باستحباب أو وجوب تفريج الرجلين أو الاسترخاء، كما قد يشير إليه ذيله. و به صرح في محكي كاشف الغطاء (قدّس سرّه).

و لا مجال لحمله على خصوص هيئته من حيثية أمر خارج عن بدن المتخلي، كالقبلة، ليمكن حمله على الوجوب، لاحتياجه إلى عناية زائدة لا إشعار بها في الكلام.

و أما الاستدلال لحرمة الاستقبال و الاستدبار في حال الاستنجاء، بل الاستبراء بإطلاق ما تضمن حرمتهما في حال دخول الغائط أو المخرج مما تقدم، لشموله للحالين المذكورين.

فيندفع:- مع ضعف السند و عدم ظهور الانجباربأنه لا مجال للجمود على عنوان الدخول، ليتجه التمسك بإطلاقه، للعلم بعدم دخله في الحرمة، بل لا بد من حمله على الكناية عن بعض ما يقع حينه، و المتيقن منه التخلي و التبول، و ليس هو من تقييد الإطلاق، بل اقتصار على المتيقن من المدلول.

نعم، لو فرض العلم بخروج شي‏ء من البول حين الاستبراء فقد يدعى دخوله في إطلاق الأدلة، كما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) و غيره.

و إن كان لا يخلو عن إشكال، لما تقدم في الأمر الخامس و السابع من أن المتيقن منه حرمة الاستقبال و الاستدبار حال التبول و التغوط، لا حال خروج البول و الغائط، و الصادق في محل الكلام الثاني، لا الأول.

____________

(1) الوسائل باب: 37 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1

46

و إن كان الأحوط استحبابا الترك (1). و لو اضطر إلى أحدهما فالأقوى اجتناب الاستقبال (2).

و أما ما قد يظهر من بعض مشايخنا من أن عدم الصدق لقلة الخارج. فهو غير ظاهر.

و من جميع ما تقدم يظهر الوجه فيما ذكره في الجواهر من عدم حرمة الاستقبال و الاستدبار حال خروج أمر غير البول و الغائط، كماء الاحتقان و الديدان مع الخلوص عنهما.

(1) خصوصا حال الاستبراء مع العلم بخروج شي‏ء من المجرى، و من بعده حال الاستنجاء، كما يظهر مما سبق.

بل الأحوط الاجتناب أيضا حال خروج مثل ماء الاحتقان، إذا كان بدفع إرادي على نحو خروج الغائط.

(2) كما في المدارك و الجواهر، و في المسالك أنه الأولى.

و علله في الجواهر بأنه أعظم قبحا، لكنه موقوف على كون الملاك هو القبح العرفي، و هو غير ظاهر.

نعم، لا إشكال في كون ذلك‏مع كثرة نصوص الاستقبال‏موجبا لاحتمال أهميته الملزم عقلا بمراعاته، كما في سائر موارد التزاحم بين التكليفين في مقام الامتثال.

و منه يظهر ضعف ما في المستند و العروة الوثقى من التخيير في المقام.

لكن، ذكر بعض مشايخنا أن ذلك يتم لو كان دليل حرمة الاستقبال و الاستدبار الأخبار، أما لو كان دليلها الإجماع، فالدوران في المقام بين التعيين و التخيير في مقام الجعل الذي يكون المرجع فيه البراءة على مختاره، بل لعله الظاهر.

إذ ليس للإجماع إطلاق يشمل حال الاضطرار إلى أحد الأمرين، فيدور الأمر فيه بين حرمة خصوص الاستقبال تعيينا، و حرمة أحدهما تخييرا.

47

(مسألة 1): لو اشتبهت القبلة (1) لم يجز له التخلي (2)، إلا بعد اليأس (3) عن معرفتها (4)، و عدم إمكان الانتظار (5).

و لا يخفى أنه لو تمَّ ما ذكره كان الدوران في المقام بين تحريم الاستقبال تعيينا و عدمه لا غير، الذي لا إشكال معه في الرجوع للبراءة، إذ يلغو تحريم الاستقبال و الاستدبار تخييرا مع تعذر الجمع بينهما.

نعم، الظاهر عدم تمامية ما ذكره، إذ لو تمَّ الإجماع فالمعلوم من حال المجمعين ذهابهم إلى تمامية ملاك الحرمة تعيينا في كل من الأمرين، حتى في حال تعذر اجتنابهما معا، فليس الشك في الجعل، بل في صلوح متابعة كل من الجعلين للعذر عن امتثال الآخر، و حيث يعلم بكون متابعة محتمل الأهمية عذرا عن الآخر، و لا يعلم العكس، تعيين التحفظ على محتمل الأهمية عقلا للشك في وجود العذر المسوغ لمخالفته، كما لو احتمل العجز عنه. فلاحظ و تمام الكلام في مباحث التزاحم.

و قد ظهر مما تقدم الوجه فيما في المدارك و الجواهر من تقديم ستر العورة عن الناظر، عند الدوران بين كشفها و بين الاستقبال أو الاستدبار، و في المسالك أنه الأولى، فإن الرجوع لنصوص الستر و مرتكزات المتشرعة إن لم يوجب القطع بأهميته فلا أقل من احتمالها.

(1) يعني: بنحو يتعذر معه الاحتياط، بأن تردد بين تمام نقاط الدائرة أو بين نقاط نصفها.

(2) بناء على حرمة الاستقبال و الاستدبار حاله، أما بناء على الكراهة فيرجح ترك التخلي لا غير.

(3) تجنبا عن احتمال مخالفة التكليف بالإجمال من دون مسوغ.

(4) و لو بالرجوع للأمارات الخاصة، و منها التحري، كما سبق في الفرع الثالث.

(5) و إلا وجب حذرا من مخالفة العلم الإجمالي المذكور. و المراد بعدم‏

48

الإمكان ما يعم الحرج.

هذا، و قد استقرب في المدارك سقوط الحكم عند اشتباه القبلة، للشك في المقتضي، فلا مجال لفرض العلم الإجمالي.

لكنه خروج عن الإطلاق بلا وجه.

و دعوى: أن مناسبة كون الحكم مبنيا على إجلال الكعبة تقتضي اختصاصه بصورة العلم بها، إذ استقبالها مع الجهل لا ينافي أجلالها.

مدفوعة: بأنه لإيراد بالإجلال ما يتقوم بالقصد، بل ما ينشأ من منافاة العمل لكرامتها بنظر الشارع، و لا يعلم اختصاص ذلك بصورة العلم بها.

و على هذا، فلو تعذرت معرفتها، و تعذر الاحتياطلسعة جهة التردد و عدم إمكان الاحتياطكان المقام من موارد تعذر الموافقة القطعية الموجب للتنزل للموافقة الاحتمالية.

بل يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، لعدم الأثر له بعد تعذر المخالفة القطعية أيضا، لأن خروج كل جزء من البول و الغائط لا بد أن يكون إلى جهة واحدة، و لكل منها تكليف مستقل، فيتعين التخيير نظير موارد الدوران بين محذورين، بل هو منها.

و أما دعوى: ظهور الأثر للعلم الإجمالي في كون التخيير ابتدائيا مع تعدد المرات، بل في المرة الواحدة بلحاظ أجزائها، فلا يجوز الدور بالبول في تمام الجهات، فرارا من المخالفة القطعية.

فهي مدفوعة: بأنه لا محذور في المخالفة الإجمالية القطعية في مثل ذلك، لتحقق الموافقة القطعية معها بنسبتها.

و دعوى: أهمية المخالفة القطعية من الموافقة القطعية، و لذا يمتنع ترخيص الشارع فيها، بخلاف الموافقة القطعية، حيث يمكن ترخيصه في تركها.

ممنوعة، لعدم الفرق بينهما ارتكازا في تفويت الغرض.

و امتناع الترخيص الشرعي في المخالفة القطعية في ظرف القدرة على تجنبها ليس لأهميتها، بل للغوية التكليف معه، فلا ينافي الترخيص العقلي في‏

49

المقام بلحاظ التزاحم بينها و بين الموافقة القطعية بعد فرض عدم بيان الشارع.

و من ثمَّ ذكرنا في مبحث الدوران بين المحذورين أن التخيير استمراري.

هذا، و أما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من عدم حصول الموافقة القطعية في المقام، إذ ليس في البول لغير القبلة موافقة لتكليف شرعي.

فيدفعه: أن الموافقة ليست في البول لغير القبلة، بل في ترك البول للقبلة الحاصل في المقام بالإضافة إلى بعض المرات أو بعض أجزاء المرة الواحدة.

على أنه يكفي في التخيير دوران الأمر بين المخالفات الاحتمالية الكثيرة و المخالفات القطعية القليلة، لعدم الفرق بينه و بين ما ذكرنا في ملاك الحكم.

ثمَّ إن السيد في العروة الوثقى مع حكمه بالتخيير الاستمراري مع تعدد المرات منع من الدور بالبول في المرة الواحدة.

و فرق بعض مشايخنا بينهما بتعدد الواقعة في الأول، فيبتني على منجزية العلم الإجمالي التدريجي، و وحدة الواقعة في الثاني، حيث لا إشكال معها في منجزية العلم الإجمالي.

و فيه: أن العلم الإجمالي بالإضافة إلى أجزاء المرة الواحدة تدريجي أيضا.

فلا فرق بين المقامين.

نعم، لو لم يعلم من أول الأمر بابتلائه بالمرات المتعاقبة كانت كل مرة واقعة مستقلة لا أثر للعلم الإجمالي بالمخالفة فيها أو فيما سبقها، لخروج المرات السابقة عن الابتلاء.

بقي شي‏ء: و هو ان امتناع الاحتياط مبني على تحقق الاستقبال و الاستدبار بجميع الهيآت، أما بناء على ما سبق في الأمر الثاني من عدم تحققه من المستلقي و المكبوب، فاللازم اختيارهما تجنبا عن المخالفة الاحتمالية، لو لا ما هو الغالب من لزوم الحرج منهما الملحق لهما بالتعذر.

بل من القريب جدا عدم وجوبهما حتى مع عدم الحرج، لبعد تكليف الشارع بهما جدا.

و إن كان الخروج عن الإطلاق بمثل ذلك مشكل.

50

(مسألة 2): لا يجوز النظر إلى عورة غيره من وراء الزجاجة و نحوها (1)، و لا في المرآة (2)، (1) كما صرح به في العروة الوثقى و وافقه جملة من شراحها و محشيها.

و يقتضيه إطلاق أدلة حرمة النظر إلى العورة و وجوب سترها. لصدق النظر و عدم صدق الستر مع ذلك.

و ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من قصور لفظ الأدلة عن شموله، غير ظاهر.

(2) كما صرح به في العروة الوثقى و وافقه جملة من شراحها و محشيها.

و استدل له شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بصدق النظر إلى العورة عرفا.

و فيه: أن الصادق عرفا هو النظر إلى عكسها و صورتها المنطبعة، لا إلى عينها الذي هو مورد الأدلة.

و إطلاق النظر إلى العورة مبني على نحو من المجاز و التسامح لا مجال لحمل الأدلة عليه.

و مثله ما ذكره بعض مشايخنا من ابتنائه على كون الرؤية فيها بخروج الشعاع و انكساره إلى المرئي، و أن المشاهد في المرآة نفس العين لا صورتها.

فإن ذلك لو ثبت فهم أمر حقيقي دقي، لا عرفي، كي تنزل عليه الأدلة و يدخل في إطلاقها.

فلا بد في إثبات الحرمة في المقام إما من دعوى أن المفهوم عرفا من الأدلة ما يعمه‏كما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه)لصعوبة التفكيك عرفا بين النظرين بملاحظة المناسبات الارتكازية للحكم، فلا بد من حمل الأدلة على ما يعمهما.

أو دعوى: وحدة المناط الملزم بالإلحاق و إن قصرت الأدلة.

و الانصاف أن البناء على الحرمة قريب جدا. و إن كان الدليل عليها مشكلا.

51

و لا في الماء الصافي (1).

(مسألة 3): لا يجوز التخلي في ملك غيره (2) إلا بإذنه (3)، و لو بالفحوى (4).

ثمَّ إن هذا مختص بما يعكس الحجم، دون مثل الظل و الصور الفتوغرافية المعروفة في زماننا، و إن أمكن النظر إليها بالعينات الموهمة للحجم. للقطع بقصور الأدلة عن ذلك، و لا طريق لإحراز المناط فيه. بل الأمر كذلك في الصور ذات الحجم لو فرض ثبوتها و عدم تحركها كتحرك صورة المرآة. و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم.

(1) الظاهر أن المراد به الصورة المنعكسة في الماء الصافي، الذي هو نظير المرآة، فيلحقه ما تقدم فيها إذا كان الانعكاس فيه بنحو يوجب ظهور البشرة، لا خصوص الحجم.

و لا يريد به النظر إلى العورة حال كونها في الماء الصافي، الذي هو نظير النظر من وراء الزجاجة، و يلحقه ما تقدم فيه.

(2) لعموم حرمة مال المسلم المستفادة من كثير من النصوص، و منها ما يأتي.

(3) لمثل التوقيع الشريف: «فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه» (1).

(4) قال في المدارك: «المعهود من اصطلاحهم أن دلالة الفحوى هي مفهوم الموافقة، و هو التنبيه بالأدنى على الأعلى، أي كون الحكم في غير المذكور أولى منه في المذكور باعتبار المعنى المناسب المقصود من الحكم».

و في الجواهر: «الفحوى عند متشرعة العصر ليست إلا حصول القطع بالرضا بسبب صدور فعل من المالك أو قول لم يكن المقصود منه بيان الرضا في المراد،

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب الأنفال حديث: 6.

52

أو غيرهما، بلا مراعاة أولوية و مساواة و نحوهما من أسباب القطع».

و الظاهر أن الثاني هو مراد سيدنا المصنف (قدّس سرّه)، لظهور كلامه في إرادة بيان أخفى أفراده الاذن، و ليست الفحوى بالمعنى الأول كذلك. بل الظاهر أن المراد به ما يعم الرضا التقديري، الراجع إلى كون المالك بحيث لو التفت لرضي، و لا يضر عدم رضاه لغفلته عن الموضوع.

و يكفي في جواز التصرف بذلك ظهور التسالم عليه بين الأصحاب. و ما هو المعلوم من سيرة المتشرعة.

بل يرون التوقف عن التصرف مع ذلك لأجل عدم الاذن الصريح من سنخ الوسواس أو الجمود، لا أنه مقتضى التحرج في الدين الذي هو من أجل الأمور خطرا و أحسنها أثرا.

بل لعل سيرتهم على ذلك تبلغ حدا يستوجب مخالفته الهرج و المرج أو اختلال النظام.

و يقتضيه مع ذلك الجمع بين الأدلة، فإن النصوص بين ما هو ظاهر في اعتبار الاذن، كالتوقيع المتقدم، و ما هو ظاهر في اعتبار طيب النفس، مثل ما رواه زيد الشحام في الصحيح، و سماعة في الموثق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «أن رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فإنه لا يحل دم امرء مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفسه» (1).

و حيث كان الاذن كاشفا عن طيب النفس كان مقتضى الجمع بين الدليلين رفع اليد عن ظهور دليل الاذن في موضوعيته و حمله على كون ذكره لطريقيته للموضوع، و هو طيب النفس.

كما أنه لا بد من حمل طيب النفس في دليله على ما يعم الرضا التقديري، لوضوح أن ذلك هو القابل للبقاء و المستكشف بالإذن، لأن الرضا الفعلي و إن كان قابلا للحدوث و عنه يصدر الإذن، إلا أنه يعلم بارتفاعه بطروء الغفلة أو النوم،

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب مكان المصلي حديث: 1. و باب: 1 من أبواب القصاص حديث: 3.

53

و ليس الباقي إلا الرضا الشأني، و إليه يستند التصرف بعد ذلك، لا إلى الرضا الفعلي السابق، لعدم الأثر له ارتكازا، و لظهور دليل طيب النفس في لزوم مقارنته للتصرف، و لذا يسقط أثر الاذن و الرضا بالعدول، و بسقوط المالك عن قابلية الرضا بجنون و نحوه.

نعم، لو توقف طيب النفس على أمر زائد على التفات المالك للموضوع، كما لو اعتقد خطأ بعداوة المتصرف، و كان بحيث لو انكشف له الحال لرضي بتصرفه أشكل جواز التصرف، لخروجه عن المتيقن من الأدلة المتقدمة.

و أظهر من ذلك ما لو التفت إلى الموضوع فلم يرض لخطئه في اعتقاد ما يمنع منه كعداوة المتصرف. بل لا ريب في التصرف حينئذ لصدق عدم طيب النفس فعلا.

هذا، و قد ورد في بعض كلماتهم في نظير المقام الاكتفاء بشاهد الحال.

و حمله على خصوص صورة حصول العلم بالرضا منه بعيد عن ظاهرها.

قال في الشرائع في مبحث مكان المصلي: «و الاذن قد يكون بعوض. أو بالفحوى. أو بشاهد الحال، كما إذا كان هناك أمارة تشهد أن المالك لا يكره».

و حكي عن بعضهم حمله على الاطمئنان.

و الوجه فيه غير ظاهر بناء على عدم حجية الاطمئنان في نفسه، كما هو غير بعيد. بل لا إشكال في بطلانه لو حمل على مطلق الظن.

نعم، لا يبعد البناء على الاكتفاء بظهور فعل المالك إذا كان لفعله ظهور عرفي في الاذن، نظير فتح المضيف و تمكين الناس من قضاء و طرهم فيه و فيما يتعلق به، لحجية ذلك عرفا نظير حجية القول.

و لعل ذلك هو مراد الشرائع، لجعله ذلك من أفراد الاذن، بخلاف الأمارات التي لا تستند إلى المالك و إن أوجبت الاطمئنان، فضلا عن مطلق الظن. و قد أطال في الجواهر في ذلك في أوائل مبحث لباس المصلي. فراجع.

هذا، و لا يبعد الجواز في الأراضي المتسعة، كالصحاري و البساتين غير المحجبة و إن لم يحرز رضا المالك، بل و إن لم يكن المالك أهلا للإذن للحجر عليه‏

54

(مسألة 4): لا يجوز التخلي في المدارس و نحوها (1) ما لم يعلم بعموم الوقف (2).

إذ لم يكن التخلي مضرا بها، بأربابها لسيرة المتشرعة عليه، كما يذكر في مباحث الوضوء و الصلاة.

نعم، المتيقن من ذلك ما إذا لم يحرز عدم رضا المالك أو وليه. و يأتي في المسألة السابعة و الستين في فصل شرائط الوضوء تمام الكلام في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

(1) يعني: من الأوقاف.

(2) كما صرح به في العروة الوثقى، و تبعه جملة من شراحها و محشيها.

و العمدة فيه أن المستفاد من الأدلة إناطة جواز التصرف في الوقف بدخوله في الجهة الموقوف عليها و لو إجمالا أو تبعا، لما هو المعلوم من أن المال المملوك محترم يناط أمره بمالكه، فجواز التصرف بعد الوقف ناشئ من نفوذ الوقف المترتب على سلطان المالك و المستند إليه. لا أن حرمة التصرف مشروطة بخروجه عن الجهة الموقوف عليها.

و حينئذ يكون استصحاب عدم دخول التصرف في الجهة الموقوف عليها منقحا لموضوع حرمة التصرف. و لا يعارضه استصحاب عدم خروجه عنها، لعدم الأثر له.

و أما أصالة الحرمة في الأموال فقد تقدم في مبحث اشتباه المباح بالمغصوب عدم الدليل عليها.

و مما ذكرنا يظهر الاشكال فيما ذكره السيد الأصفهاني (قدّس سرّه) و غيره من تقريب الجواز مع عدم المزاحمة لجهة الوقف و عدم إحراز منع الواقف من التصرف. قال:

«لا يبعد الجواز إذا لم يزاحم الطلبة و لم يحرز أن الواقف شرط أن لا يتخلى فيها غيرهم، و كذا الحال في التصرفات الأخر».

فإن الالتزام بجواز التصرف لمن لم يدخل في الوقف مع عدم مزاحمته‏

55

و لو أخبر المتولي (1) لجهة الوقف بعيد جدا مناف لما أشرنا إليه من ارتكاز كون الوقف هو المسوغ للتصرف لا مانع منه، فما لم يشمل التصرف لا يسوغه.

(1) لكونه صاحب يد، فيقبل قوله فيما تحت يده. قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه):

«لكن عرفت تقييده بالائتمان».

و كأنه أشار بذلك إلى ما ذكره في مباحث المياه عند الكلام في ثبوت نجاسة الماء بقول صاحب اليد من ظهور بعض النصوص في اعتبار عدم الاتهام في قول صاحب اليد، كصحيح معاوية بن عمار: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث و أنا أعرف أنه يشربه على النصف، أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف؟ فقال: لا تشربه. قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه؟ قال:

نعم» (1). و نحوه صحيح عمر بن يزيد: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يهدى إليه البختج من غير أصحابنا. فقال: إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه، و إن كان ممن لا يستحل فاشربه» (2).

لكن لا يخفى أنهما مختصان بالبختج، و قد ورد في صحيح ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال إذا شرب الرجل النبيذ المخمور فلا تجوز شهادته في شي‏ء من الأشربة و إن كان يصف ما تصفون» (3). و ظاهره خصوصية الأشربة في الحكم.

على أن عدم قبول قول صاحب اليد في مثل الطهارة و النجاسة و الحرمة- مما لا دخل له بالسلطنة و الاستحقاق‏لا يوجب رفع اليد عن ارتكاز حجيته فيما تكون اليد حجة فيه من شؤون الاستحقاق و السلطنة، كما في المقام، و كما لو أخبر

____________

(1) الوسائل باب: 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 7 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 5.

56

أو بعض أهل المدرسة بذلك كفى (1). و كذا الحال في سائر التصرفات فيها.

الوكيل بإذن المالك في التصرف، أو باستحقاق شخص للمنفعة بإجارة أو شرط، إلى غير ذلك.

فالبناء على عموم قبول خبره هو الأنسب بمقتضى السيرة الارتكازية على قبول قول صاحب اليد فيما هو من شئون الاستحقاق و السلطنة عما ما تحت يده.

و مثله قبول إذنه إذا احتمل سلطنته على ذلك، لإناطة الواقف التصرف به، و كان مبنيا على إعمال سلطنته. لحجية اليد على السلطنة.

و تقييده بالائتمان‏كما قد يظهر منه (قدّس سرّه)أشكل، بعد اختصاص النص المتقدم بالإخبار.

و أشكل منه ما في بعض حواشي العروة الوثقى من تقييده بما إذا حصل الوثوق و الاطمئنان بأن له ذلك.

هذا، و أما الاكتفاء منه بالرضا الباطني الفعلي أو الشأني من دون إذن فهو موقوف على عموم الوقف لذلك، إذ لو اشترط الواقف إذن المتولي لم يكف ذلك، لعدم صدق الاذن معه.

نعم، لا يبعد الاكتفاء بشاهد الحال المستند إلى ظهور فعل منه، مثل فتحه الباب و تمكينه الناس مع قدرته على المنع و نحو ذلك، لقرب صدق الاذن معه عرفا، نظير ما تقدم من الاكتفاء بشاهد الحال من المالك.

(1) لم يتضح الوجه في حجيته إذا لم يكن صاحب يد، و ليس هو إلا كسائر المخبرين. و مجرد جواز التصرف له، لكونه داخلا في الوقف لا يجعله صاحب يد.

ثمَّ إنه استظهر في العروة الوثقى الاكتفاء بجريان العادة على التصرف، و تبعه جملة من محشيها.

و هو في محله لو استلزمت العادة الشياع القطعي بأن يبتني تصرف الناس على دعوى عموم الوقف، أو كشفت عن حجة على الجواز و إن احتمل خطؤها،